← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وقد رُوِيَ أنَّ رجُلًا دخل عليه فقال: عليك السّلام، فقال ﷺ : "هي تَحِيَّةُ المَيِّتِ" (١). فقيل: أشار به إلى التَّأبين كقوله (٢): عَلَيْكَ سَلاَمُ اللهِ قَيْسَ بنَ عَاصِمٍ ... وَرَحمَتُهُ مَا شَاءَ أنّ يَتَرَحَّمَا وكقوله (٣): عَلَيكَ سلامٌ من أَمِيرٍ وَبَارَكَتْ ... يَدُ اللهِ في ذَاكَ الأَدِيمِ المُمَزَّقِ وقيل: هو منسوخٌ بهذا الحديث، وهو أصحّ منه. الفائدة الخامسة (٤): في قوله ﵇: "دَارَ قومٍ مؤمنينَ" كَنَى بالدّار عن العَمَرَةِ لها، وذلك كثيرٌ في فصاحة العرب، تُعَبِّرُ بالمنزل عن أهله (٥). وقوله: "مؤمنين" حَكمَ لهم ﵇ بالإيمان، إمَّا لما عَلِمَ من حالهم وكُشِفَ له عن غيبهم، وإمّا بظاهر الحال الّذي فارقُوة عليها، والحُكْمُ بظاهر الحال في الإيمان واجبٌ؛ من مَوْتٍ بشهادةٍ، أو التّكلُّمِ بكلمةِ التّوحيدِ عند المَنيَّةِ، ولذلك قال ﷺ : "أنا شَهِيدٌ على هؤلاءِ" (٦). الفائدة السّادسة (٧): قوله: "وإنَّا إنْ شاءَ اللهُ بكُم لاحقونَ" اختلف تأويل الشّارحين للحديث في هذا الاستثناء على خمسة أقوال:

стр. 562

القولُ الأوّل - قال قوم: معناه: إذا شاء الله، وليتهَم لم يُخْلَقُوا ولم يتكلَّمُوا به. القولُ الثّاني - قيل: معناه القطعُ في الشّيء الواجب، والتّأَدُّب أيضًا بآداب الله حين قال: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (١)، فاستعمل الأدبَ حتّى في الواجب الّذي لابدَّ منه، وهذا هو أحسن التّأويلات. القولُ الثّالث - قيل: معناه وإنّا إنّ شاء الله بكم لاحقونَ في هذه البُقْعَة، يعني المدينةَ. وقيل -وهو القول الرّابع- قوله: "وإنا إنّ شاء الله بكم لاحقون" على الإيمان، ويعود ذلك إلى النّبيّ صلّى الله عليه وأصحابه معًا، إذ قد علمنا منه ﷺ خاصًّا مطلقًا موته على الإيمان وحُسْن الخاتمة له. القول الخامس (٢) - قلنا: الاستثناء في لسان العرب في الشَّيءِ الواجبِ جائزٌ. وقال أحمد بن حنبل: في هذا الحديث حجَّة الاستثناء في الشيء الواجب (٣)، مثل قوله : ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ الآية (٤)، واحتجّ بهذا الحديث في قول عَلْقَمَة: "مؤمن إنّ شَاء اللهُ" (٥). الفائدة السّابعة: احتجَّ بعضُ علمائنا بهذا الحديث بأنَّ الأرواح على أفنية الْقُبور (٦). وقال قوم: كانت الأرواح وَقتَ سَلاَمِهِ في قُبورها، أو على أفنية قُبورها (٧). وقال بعض العلماء: يحتمل أنّ يسمعوه حيث ما كانوا، واللهُ أعلم (٨).

стр. 563

وقيل: هذا خصوصٌ للنّبىِّ ﷺ ، ويدلُّ عليه حديث الْقَلِيب يوم بَدْر، فقال: "يا فلان ويا فلان، هل وَجَدْتُم ما وعَدَ ربّكُم حقًّا"، حتّى قال عمر: يا رسولَ الله، كيف تُكَلَّمُ أجسادًا لا أرواحَ فيها؟ فقال: "ما أنتم بأسْمَعَ منهم، غيرَ أنّهم لا يستطيعون أنّ يردّوها" (١). وقال بعضُ العلماء: هذا خصوصٌ للنَّبىِّ صلّى الله عليه، وهذا يدلُّ على أنّ الأرواح هي المخاطَبَة، كما خاطب هنا أهل القبور لا الأجساد. الفائدة الثّامنة: في قوله ﵇ (٢): "وددت أني قد رأيتُ إخواننا" قال (٣): تمنَّى رسولُ الله ﷺ ما لا يكونُ، والتَّمَنِّي هو تعلُّق الإرادة بما في المستقبَلِ، والأسفُ تعلُّق الإرادة بالماضي. والتَّمَنِّي لا يجوزُ إلّا في أمور الدَّين. وقولُه (٤): "وددتُ أني قد رأيتُ" الحديث، تَمَنٍّ منه، وقد علِمَ أنّه لا يراهم إلَّا بعد الموت، وقد قال ﵇: "لا يَتَمَنَّينَ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ" (٥) وإنّما معنى ذلك ألّا يتعلّق التَّمَنِّي بالموت، وقد بيَّنَّا ذلك وشرحناه في "كتاب التَّمَنِّي (٦) ". وفيه أيضًا: تشريفُ شَرَف هذه الأمَّة بتَمَنِّي رسول الله ﷺ أنّ يراها، فنحن أوْلَى أنّ نكون لرؤيته أشدَّ تمنِّيًا وأكثر تَطَلُّعًا.

стр. 564

الفائدة التّاسعة (١): قوله: "إخواننا" هو بيان لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٢) قالت له الصّحابة (٣): أَلَسنَا بإخْوَانِكَ؟ قال لهم: "بَلْ أنتُمْ أصحابِي"، فأعطاهم اسْمًا هو أخصُّ من الأُخُوَّةِ وأشرَفُ منه. والأسماءُ ثلاثةٌ: صحابىٌّ، وتابعىٌّ، ومؤمنٌ، ولكلِّ اسمٍ مرتبةٌ شرحناها في "كتاب الزّهد" (٤) عند ذكر مراتب الخَلْقِ. وفي قوله: "وَدِدْتُ أنِّي قد رأيتُ إخوانَنَا" دليلٌ على أنّ أهل الدِّين والإيمان والعِلْم والفضل إخوانه (٥). وأمّا (٦) قوله: "وإخوانُنَا الّذينَ لم يَأتُوا بَعْدُ" رُويَ عن أبي عمرة (٢)؛ أنّ رسول الله ﷺ سُئِلَ فقيل له: يا رسولَ الله، أرأيتَ من آمَنَ بك ولم يَرَك، وصَدَّقَكَ ولم يرك؟ قال: "أولئكَ إخواني، أولئك مَعِي، طُوبَى لمن آمَنَ بي ولم يرني" (٧)، ورُوِيَ أنّه قال ذلك سبع مرات (٨). وعنه ﷺ أنّه قال: "أعظمُ النّاسِ إيمانًا قومٌ يُؤمِنُون بي ولم يروني، أولئك هم إخواني حقَّا" (٩).

стр. 565

وخرَّجَ مسلم حديثًا صحيحًا عن أبي هريرة؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "أَشَدُ النَّاسِ حُبًّا لِي أُنَاسًا يكونونَ بعدي يَوَدُّ أحَدُهُمْ لو رآني لقاسَمَنِي في مَالِهِ وأهْلِهِ". خرجه مسلم في "كتابة" (١). الفائدة العاشرة: قولُه: "بَل أَنتُم أصحَابِي" فسمّاهم باسمٍ هو أفضل من الأخُوَّةِ، وهم مع ذلك إخوانه. وقد رُوِيَ في حديث أنّه ذَكَر مَنْ يأتي بعدَهُ، فقال: "للعامل منهم أجر خمسين منكم"، قالوا: بل منهم. قال: "بل منكم؛ لأنكم تجدون على الخير أعوانًا، ولا يجدون هم عليه أعوانًا" (٢). قال الإمام: فإن كان هذا الحديث صحيحًا، لهم على قلَّة ما يجدون من الخير أجر خمسين لو لم تكن للصّحابة صُحْبَة، ولكن للصّحابة فضل الصُّحبة لا يعدله شيءٌ، وهذا على التّفضيل والخصوص. وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ الآية (٣) وإنّما كانوا كذلك لما وصفهم الله أنّهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فَمَنْ فعلَ فعلهم فهو منهم. وقوله: "خير النَّاسِ قَرْنِي" (٤) أي خيرُ النَّاس في قرني؛ لأنّ هذا الكلام ليس على عمومه؛ لقوله ﵇: "أُمَّتِي كالْمَطَرِ لا يُدْرى أوَّلُه خيرٌ أم آخِرُهُ" (٥). قيل: إنّ هذا الحديث يقضي على الأوّل؛ لأنّ قرْنَهُ قد كان فيه الزِّنا والسَّرقة وغير ذلك، فليس هو على عمومه. وقال علماؤنا: يحتمل أنّ يكون خاطبَ بذلك أصحابه وهو يريد من يأتي بعدَهُم،

стр. 566

كما قال : ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ الآية (١)، فكان الخطاب للنبي ﷺ والمراد به غيره. وكقوله: "كيف بكم إذا نزلَ فيكُم عيسى بن مريم حكمًا مُقْسِطًا ... " الحديث (٢)، فخاطبهم وهو يريد بذلك آخر الأمّة. الفائدة الحادية عشر: في قوله (٣): كيفَ تعرِفُ من يأتي بعدَكَ من أُمَّتِكَ؟ قال: "أَرَأَيتَ لو كان لرَجُلٍ خَيلٌ غُرُّ مُحَجَّلَةٌ في خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ، ألَا يعرِفُ خيْلَهُ؟ ... " الحديث. قال الإمام الحافظ: أمّا قولُه: "دُهْمٌ بُهْمٌ" قال الهرويّ (٤):"في حديث النّبيّ: "يحشر النّاس يوم القيامة عُراةً حُفَاةً بُهْمًا" (٥) الْبُهْمُ واحدُها بهيمٌ، وهو الّذي لا يخالطُ لونَهُ لونٌ سواه". وقال الهروي (٦) في قوله: "بَيْنَ ظَهري خيل بُهْم دُهْم" (٧) هذا مطابق لقوله تعالى: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ (٨) قال (٩): والدَّهْمَةُ عند العرب السّواد.

стр. 567

وقال مجاهِد في قوله : ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ أي: مُسْوَدَّتان (١). قال الإمام الحافظ: وفيه فائدتان: ١ - الفائدة الأولى: فيه تشبيه الرَّجُل الكريم بالخيل، كما شبه الرّجُل اللئيم بالحمار. ٢ - الفائدة الثّانية: فيه أنَّ الأَغَرَّ من الخيل أشرف من البهيم. الفائدة الثّانية عشر: في قوله (٢): "فإنَّهُم يأتونَ يومَ القيامة غُرَّا مُحَجَّلِينَ من الوُضوء". قال علماؤنا: الوضوءُ مخصوصٌ بهذه الأمّة بنصِّ الحديث. وقيل: هو أيضًا لسائر الأُمَم، لكن خُصَّتْ هذه الأمَّةُ بتبلُّجِ نورهِ عليهم؛ ليتميَّزُوا لنَبيِّهم ﷺ في عَرَصَاتِ الموقفِ. وقوله: "غُرًّا مُحَجَّلِينَ من أَثرِ الوُضُوء" قد استوفَى ﷺ في قوله: "غُرًّا مُحَجَّلِينَ" جميع أعضاء الوضوء؛ لأنَّ الغُرَّة بياضٌ في جبهة الفَرَسِ، والتّحجيلَ بياضٌ في يَدَيه ورِجْلَيه، فاستعار للنّور الّذي يكون بأعضاء الوضوء يوم القيامة اسم الغُرَّة والتَّحجيل على جهة التَّشبيهِ (٣). وقال الهرويّ: الغُرَّة: البياض الّذي في جبهة الخليقة (٤).

стр. 568

الفائدة الثّالثة عشر: قوله (١): "وأنَا فَرَطُهُمْ على الْحَوْضِ". قال الإمام: فالْفَرَطُ (٢) والْفَارِطُ هو متقدِّمُ القوم إلى أيِّ شيءٍ أرادوا، والْفَرَط أيضًا ما أصيب به الرَّجُل من وَلَدِه وحميمه (٣)، فكأنّه يتقدّمُهم إلى الحوض، فالفَرَطُ: المتقدِّم على أي حالٍ كانَ، فكأنَّه هو عند حَوْضِهِ ينتظرهم حتّى يَرِدُوا عليه. الفائدة الرّابعة عشر: قوله: "فلا يُذَادَنَّ رِجَالٌ عن حَوْضِي" (٤) ويروى: "رَجُلٌ عَنْ حَوْضِي" (٥) بالإفراد وهو جلَّ نصّ الموطّأ، والرِّواية الثّانية في الصِّحاح (٦). وقال: "عَنْ حَوْضِي" وهذه معجزة؛ لأنّه أخبر عن مغيّبين (*): أحدهما: ما وقع من التّبديل في النَّاس بعد موته ﷺ . الثّاني: ما يكون الحْكم يوم القيامة مما لا يعلمه أحد غيره. قال الإمام الحافظ: قوله: "فلاَ يُذَادَنَّ" وقع على جهة النّهي، ومعناه على هذا: لا تفعلوا ما يكون سببًا لذَوْدِكُم عن حَوْضي، فأكثر الرِّوايات: "لَيُذَادنَّ" بلام التّأكيد (٧).

стр. 569

الفائدة الخامسة عشر: قوله (١): "فَأَقُولُ: ربِّ أصْحَابِي" إشارة منه إلى أنّه يأخذهم بالظّاهر، فيقال: "إنّهم قد بدَّلُوا بعْدَك، قال: "فأقولُ كمَا قالَ الْعَبْدُ الصّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ الآية (٢) ". قال (٣): "فَأَقُولُ: فَسُحْقَا فَسُحْقًا" أي: بُعْدًا بُعْدًا" (٤). تنبيه (٥): فإن قيل: وكيف يكون عليهم نُور الوضوء، ثمّ يقال لهم: فَسُحْقًا؟ قيل: فيه وجهان: ١ - أحدهما: أنّهم يُبعَدُون في حال ويقرَّبُونُ بعد المغفرة في آخر هذا، إذا كان التّبديل في الأعمال ولم يكن في العقائد. ٢ - وقيل: هم المنافقون كانوا يُظْهِرون الإيمانَ وُيسِرُّونَ الكُفْرَ، فيُؤتَى كلّ واحد منهم نورًا حتّى يَظُنَّ أنّه على شيءٍ، ثم يكشفُ له الغطاءُ في قوله: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ الآية (٦)، وقولُه: "تُحْشَرُ هذه الأمّة وفيها منافقوها" (٧). وقيل: هم أهل الأهواء. وقال القاضي أبو الوليد الباجي (٨): "قيل في معنى ذلك: غيَّرُوا سنَّتك. ويحتمل أنّ يكون ذلك: من بدَّل بعدَهُ من أهل الرِّدَّة. ويحتمل أنّ يكون أهل عصره، أو مَنْ يأتي بعدَهُ إلى يوم القيامة.

стр. 570

وقال الدّاودي: إنّه ليس هذا ممّا يختم به للمذادِّين عنه بدخول النّار؛ لأنّه يحتمل أنّ يذادوا (١)، ثم يشفع لهم بعد ذلك، وهذا يدلُّ على أنّه جوَّزَ ذلك على أهل الكبائر من المؤمنين". الفائدة السادسة عشر: قوله ﵇: "يا أهل الديار من المؤمنين والمؤمنات، نسألُ الله لنا ولكم العافية" (٢). قال الإمام الحافظ: في هذا الحديث الدُّعاء للأموات مندوبٌ إليه، لمن دخل البقيع أنّ يدعُوَ لمن عرف ولمن لم يعرف. وفي الخبر الصّحيح؛ أنّ من بلغه موت أخيه المؤمن فترحَّمَ عليه، واستغفرَ له، كان كمن شهد جنازته وصلّى عليه. ورُوِيَ عنه ﷺ ؛ أنّه قال: "مَثَلُ الميِّتِ في قَبْرِهِ كمَثَلِ الغَريقِ يتعلَّق بكلِّ شيءٍ، يَنتظِرُ دعوة من وَلَدِه أو ولد وَلَدِه، أو أخ أو قريب، وإنَّه ليدخل قبور الأموات من الدّعاء أنوار أمثال الجبال" (٣). وقال بعضُ السَّلَفِ: الدُّعاء للأموات بمنزلة الهدايا للأحياء، فيدخل المَلَكُ على الميِّت ومعه طبق من نُورٍ عليه منديل من نور، فيقول: هذه هدية لك من عند أخيك فلان، ومن عند صديقِكَ فلان، قال: فيفرحُ بذلك كما يفرح الحيّ بالهدايا. والأخبار في ذلك كثيرة، قد تكلّمنا عليها في "الكتاب الكبير" وأوضحنا طرفًا منها في "كتاب الجنائز" من هذا "الكتاب ".

стр. 571

حديث مالكٌ (١)، عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن حُمْرَانَ مَوْلَى عثمانَ بن عفَّان؛ أنَّ عثمانَ جلس على المقاعد الحديث. فيه فصول: الفصل الأوّل (٢) في الإسناد قال الإمام الحافظ ﵁: حُمْرَان هذا هو. حُمْرَان بن أَبَان، وكان من سَبْيِ عين التّمر (٣)، وهو أوَّلُ سَبْيِ قَدِمَ المدينةَ في زمان أبي بكر، سبَاهُ خالد بن الوليد، وكان حُمْرَان أحد العلماء الْجِلَّة، ورَوَى عنه جماعة من كبار التّابعين بالحجاز والعراق. تنبيه على مقصد: قال الإمام: وهكذا الحديث عند جماعة الرُّواة "للموطَّأ" (٤) ليس فيه صفة الوضوء ثلاثًا ولا اثنتين، وقد رواه جماعة عن هشام بإسناده (٥)، فذكروا فيه صفة الوضوء والمضمضة والاستنشاق وغسل الوجه واليدين ثلاثًا ثلاثًا، واختلفوا في ألفاظه والمعنى واحد.

стр. 572

الفصل الثّاني في ذكر الفوائد المنثورة في هذا الحديث وهي ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: قولُه (١): إنّ عثمان جلس على المقاعد، فجاءهُ المؤذِّنُ فآذَنَهُ بصلاةِ العَصْرِ، فدَعَا بماءِ فتوضَّأ، ثم قال، واللهِ لأُحَدِّثُكُمْ حديثًا، لوْلاَ أنّه في كتابِ اللهِ ما حَدَّثْتُكُمُوهُ، ثمّ قال: سمعتُ رسول ﷺ الحديث. قوله: "جَلَسَ على المقاعِدِ" والمقاعدُ عبارة عن الموضع المقصود الّذي يجلس عليه، وتختصّ بهذا الاسم إذا كانت مرتفعة فإنّه أيسر للقعود، وهي حجارة كِبَار بِقُرْبِ دار عثمان (٢). الفائدة الثّانية: قولُه: "لَوْلاَ أنَّه في كتاب اللهِ مَا حدَّثتُكُمُوهُ" اختلف الرُّؤاةُ في ضبط هذا الحرف؟ فمنهم من ضَبَطهُ بالياء المعجمة (٣). ومنهم من ضبطه بالنُّون، "ولولا أنَّه" بالنّون هي رواية يحيى بن يحيى (٤)، والصحيح ما رواه مسلم (٥) والقَعْنَبِيّ (٦)، وذلك أنّهما قالا: "لَوْلاَ آيَةٌ في كتابِ اللهِ" بالياء. كشفٌ وإيضاحٌ: لكنّهما اختلفا في تعيينِ الآية: فقال عُرْوَة: الاَيةُ قولهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ الآية (٧).

стр. 573

وقال مالكٌ (١) ﵀: قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ الآية (٢). وقولُه (٣): "لَوْلاَ آيةٌ في كتاب اللهِ" خَشِيَ إنّ لم يحدِّث به أنّ يدخل في قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ ... الآية (٤)، كما فسَّرَهُ عُرْوَة في "البخاريّ" (٥)، فعلى تفسير عروة تكون الرِّواية: "لولا آيةٌ في كتاب اللهِ"، والَّذي فَسَّرَهُ مالكٌ يحتملُ الرِّوايتين جميعًا: "لَوْلاَ آيَةٌ" وتأوّل مالكٌ ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (٦). فعلى تفسير مالكٌ أنّ عثمان إنّما أراد: لولا ما جاء تصديق هذا الحديث في كتابِ اللهِ ما حدَّثتُكُمُوهُ. وقيل: يحتمل إنّ كان الّذي أراد عثمان هذه الآية الّتي تأوَّل مالكٌ، يريد بقوله: "لَوْلاَ أنَّه في كتاب الله ما حَدَّثتُكُمُوهُ" أنّ الوضوء والصّلاة يكفِّران الذنوب لِئلّا تَتَّكِلُوا، ولكن قد نصَّ اللهُ ذلك في كتابِه بقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (٧) فلذلك أعلمتكم به. وعلى تفسير عُزوَة: لولا الميثاق الّذي أخذ على العلماء، وما وُعِدُوا على كِتمَانِ ذلك ما حَدَّثتُكُمُوهُ. الفائدة الثّالثة (٨): قوله (٩): "غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ" وقوله (١٠): "غُفِرَ لَهُ ما بَينَهُ وبينَ الصَّلاةِ الأُخرَى حتَّى يُصَلِّيهَا".

стр. 574

قال الإمام الحافظ: وهذا الحديث خرجَ مخرجَ العموم يراد به الخصوص، وخصوصُه ما بينه وبين النّاس ممّا قد نُهِيَ عنه ففعله، وأمّا ما أُمِرَ به أنّ يفعله فلم يفعله مثل الصّلاة والصّيام والزّكاة، فلا بدّ من فعل ذلك، ولا كفّارةَ له إلَّا الوفاء به. وأمّا ما بينه وبين العباد من الدُّيون وغير ذلك، فقد أجمعتِ الأُمَّةُ أنّه لا ينفكّ من الدَّيْنِ إذا كان له مالكٌ حتّى يؤدِّيه. والحديث الّذي رُوِيَ "يغفر له كلَّ شيءِ إلَّا الدَّين" (١) فمن العلماء من قال: هذا تغليظٌ وتهديدٌ لكي يتحفَّظ النَّاسُ ممّن عليه دَيْن حوطةً على أرباب الأموالِ وصَوْنًا لعَرَضِ من عليه الدَّيْنُ. وقيل: يحتمل أنّ يكون فيمن هو قادرٌ على أدائه ولا يؤدِّيه. وقيل: إنّ ذلك منسوخٌ بقوله: "من تركَ مالًا فلِوَرَثَتِهِ، ومن تركَ كَلأ فإلَينَا" (٢) يريد من أراد القضاء ولا يجد ما يقضي، وسنذكر هذا بكماله في موضعه إنّ شاء الله تعالى. الفائدة الرّابعة: قوله: "غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". قال الإمام: قد سبق بيان وجه المغفرة، وإنّما العبادات إنّما تكفِّر الصّغائر دون الْمُوبِقَات، وإن الصَّغيرة من السَّيِّئات لا بقاء لها مع الحسنات قطعًا. فأمّا كبيرةٌ سيِّئَةٌ بكبيرةٍ حسَنَة، فإنّما يقع التّكفير والمغفرة بعد الموازنة لها، فما رجح كان الْحُكم له، ولأجل هذا قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ (٣) لأنّه إذا تصدَّقَ ثمّ منَّ على المتصدَّق عليه وآذاه، فربّما رجح المنّ والأذى بثواب الصَّدَقَة فلم تكن لها فائدة، وذلك مَبْنِيٌّ على ما قدَّمناهُ.

стр. 575

الفائدة الخامسة: قول مالكٌ ﵀ وتأويله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (١) فإن مالكًا ﵀ نظر تكرار الآية في القرآن فلم يجد أكثر من سبعة مواضع لتبديل السَّيِّئات بالحسنات، فكان هذا التّأويل من جملة تلك السّبعة المواضع، وأنا أذكرها إنّ شاء الله: الموضع الأوّل- قوله: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ (٢). الموضع الثّاني - قوله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (٣). الموضع الثّالث - قوله: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ (٤) الموضع الرّابع: في أزواج النّبيّ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ الآية (٥). الموضع الخامس: الأرض، قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ (٦). الموضع السّادس: الجلود، جلود أهل النّار، قوله: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ (٧). الموضع السّابع: الطعام، قوله: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ (٨). مزيد إيضاح: اعلم أنّ الله ذَكَرَ حسنات المؤمن بستَّةِ أشياء: أوّلها: حياة طيِّبَة. الثّاني: الممهّد الموطَّأ، قوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ (٩). الثّالث: الأمنُ من القطيعة، قولُه عزَّ اسْمُه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ الآية (١٠). الرّابع: الدّرجات، قوله جلّ ذِكْرُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ (١١). الخامس: الأضعاف، قوله جلَّ اسْمُه: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ (١٢). السادس: الإحسان والتّبديل، قولُه : ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ (١٣).

стр. 576

تنبيه على مقصد: فإن قيل: فما الحكمةُ في أنّ الحسنات يُذهِبْنَ السَّيِّئات، ولا يذهبن السيئات الحسنات؟ الجواب- قيل: لأنّ النُّور يتعدَّى والظُّلمة لا تتعدَّى، والطَّاعة نورٌ والمعصية ظلمةٌ. حديث مالكٌ (١)، عن زَيد بن أَسْلَم، عن عطاء بن يَسَارٍ، عن عبد الله الصُّنَابِحِىِّ؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا توضَّأَ العبدُ المؤمنُ، فتمَضْمَضَ، خرجتِ الخطايا مِنْ فِيهِ، وإذا استنثَر، خرجتِ الخطايا من أَنْفِهِ، فإذا غَسلَ وَجههُ خرجتِ الخطايا من وَجهِهِ ... " الحديث. فيه فصلان: الفصل الأوّل (٢) في الإسناد قال التّرمذيُّ (٣): "سألتُ البخاريّ عن هذا الحديث فقال لي: وَهِمَ فيه مالك ﵀ في قوله: عبد الله الصُّنابحىّ، وإنّما هو أبو عبد الله الصُّنابحىّ، واسمه عبد الرحمن بن عُسَيْلَة، ولم يسمع من النّبيِّ صلّى الله عليه شيئًا، والحديث مُرْسَلٌ". قال أبو عمر (٤): "وهو كمال قال البخاريّ" (٥). الفصل الثّاني (٦) في الكلام على تكفير الذّنوب استدلَّ بعضُ العلماء بحديث الصُّنابحىّ هذا أنّه لا يجوز الوضوء بالماء المستعمل، وقال: خروجُ الخطايا مع الماء يُوجِبُ التَّنَزُّه عنه، وسماه بعضهم ماءَ الذّنوب. قال الإمام الحافظ: وهذا لا وَجْهَ له عندي؛ لأنّ الذّنوب لا أشخاص لها عندي تمازج الماء فتفسده، وإنّما معنى قوله: "خرجتِ الخطايا مع الماءِ" فهو إعلامٌ بأن الوضوء للصلاة عَمَلٌ يكفِّر الله به السَّيِّئات عن عباده المؤمنين رحمةً منه.

стр. 577

فقه وشرح: اختلف الفقهاء -رضوان الله عليهم- في الوضوء بالماء المستعمل، وهو الّذي قد تُوُضِّىءَ به مرَّة. فقال الشّافعيّ (١) وأبو حنيفة (٢) وأصحابه: لا يُتَوَضَّأ به، ومن توضَّأ به أعاد؛ لأنّه ليس بماء مُطلَقٍ، وعلى من لم يجد غيره التّيمُّم؛ لأنّه ماء الذّنوب، وقال بهذا القول أبن الفَرَجِ (-) والأوزاعي، وقد رَوَياهُ عن مالك. قال الإمام (٣): وهذا الّذي حُكِيَ عن مالكٌ لا يوجَد في شيءٍ من كتب المالكيّة، وأراه نَقَلَهُ من كتاب "اختصار المدوّنة" (٤) لابن أبي زَيد، وقد وقع في بعض نُسَخِه (*) كذلك. والمشهور عنه أنّه لا يُجَوِّز التّيمُّم لمن وجد الماء المستعمل. وروي عنه أيضًا أنّه قال: لا يتوضّأ به إذا وجدَ غيره من المياه ولا خير فيه، ثم قال: إذا لم يجد غيره توضّأَ به ولم يتيمّم؛ لأنّه ماء طاهرٌ لم يُغَيِّره شيءٌ (٥). وقال أبو ثور وداود (٦): الوضوءُ بالماء المستعمل جائزٌ؛ لأنّه ماء طاهرٌ، إلَّا أنّ يضاف إليه شيء، وإذا لم يكن في أعضاء المتوضِّىء نجاسة، فهو طاهرٌ بإجماع.

стр. 578

واختلف أيضًا عن الثَّوريِّ في هذه المسألة: فقيل: المشهور عنه أنّه لا يجوز الوضوء بالماء المستعمل، وأظنّه حُكِيَ عنه أنّه قال: هو ماءُ الذُّنوب. ورُوِيَ عنه خلاف هذا أيضًا؛ لأنّه قال فيمن نسي مسح رأسه، فقال: يأخذ من بَلَلِ لحيته فيمسح به رأسه، وهذا استعمال منه للماء المستعمل. وقد رُوِي أيضًا عن عليِّ وابن عمر وأبي أُمَامَة وعَطَاء والحسن والنَّخعي وابن شهاب أنّهم قالوا: من نَسِي مسح رأسه فوجدَ في لحيتة بلَلًا: إنّه لا يجوز أنّ يمسح بذلك البلَل رأسه، وقال بذلك بعض أصحاب مالك (-) والشافعى وأبي حنيفة (١). الفصل الثّالث في الفوائد ومنه ثلاث فوائد: الفائدة الأولى (٢): قولُه (٣): "ثمّ كان مَشْيُهُ وصَلاتُه نافلَةً له" فيه فضل الوضوءِ، وأراد بخروج الخطايا تكفيرها. وقولُه: "نافلةً" يريد أنّ خطاياهُ كلّها قد خرجت في وضوئه، وكان مَشيُهُ وصلاته له زيادة في الدّرجات، والنّافلةُ الزِّيادة، لأنّ الصّلاة تكون نافلة.

стр. 579

الفائدة الثّانية (١): فيه: أنّ فَرْضَ الرِّجْلَيْن الغسلُ -كما بيَّنَّاه- لا المسح (٢). الفائدة الثّالثة (٣): فيه: أنّ الأُذُنَيْن من الرّأس، لقوله: "فإذا مسحَ برَأْسِهِ خَرَجَتِ الخطايَا من رَأسِهِ حتَّى تخرُجَ من أُذُنَيْهِ". حديث مالكٌ (٤)، عن سُهَيلِ بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرةَ؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "إذا توضَّأَ العبدُ المسلمُ أو المؤمنُ، فغسل وَجْهَهُ، خرجت كلُّ خطيئةٍ" الحديث. الكلام في هذا الحديث يشتمل على ثلاثة مآخذ: المأخذ الأوّل (٥) في الإسناد رَوَى هذا الحديث ابن وهبٍ (٦) عن مالك، فذكر فيه الرِّجْلَيْن، كما ذكر اليدين، ولم يذكر فيه عن مالك ذلك غيره، وذلك (٧) في رواية ابن وهب ويحيى (*) على التّثنية، وليس بالجيَّد؛ لأنّ التّثنية إنّما هي لليدين لا للخطيئة، وكذلك في رواية ابن وهب (٨): "كلّ خطيئة بَطَشَتهُمَا يَدَاهُ" على التثنية، وكذلك: "كلّ خَطَيئة بطشتها

стр. 580

رجلاه"، وفي ذلك ما لا يَخْفَى من الوَهْمِ، ولم يقل ابنُ وهب: "ونحوُ ذلك"، وسائر الرُّواة (١) قالوا فيه كما قال يحيى، ولم يذكر فيه أحد من الرُّواة مسح الرّأس غيره. المأخذ الثّاني فى ذكر الفوائد وفيه ثلاث فوائد: الفائدة الأولى (٢): قولُه: "العبدُ المسلمُ أو المؤمنُ" هذا شكٌّ من المحدِّث. الفائدة الثّانية (٣): قوله: "معَ الماءِ، أو مع آخِرِ قَطْرِ الماءِ" هو شكّ أيضًا من المحدِّث، ولا يجوزُ ذلك من النّبيِّ علية السّلام، وإنّما حَمَلَ المحدِّث على هذا التّحريِّ لألفاظ النّبيِّ ﷺ . الفائدة الثّالثة: قولُه: "المؤمنُ أو المسلمُ" اختلف علماؤنا هل الأيمان والإِسلام اسم واقعٌ على مسمّى واحد أم لا؟ فقال أبو المعالي إمام الحرمين الجويني: هما شيئان لا يتمُّ هذا إلَّا بهذا. وقال عامَّةُ الفقهاء: إنّ الإسلام والإيمان شيءٌ واحدٌ، بدليل قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية (٤). وبحديث جبريل أخذ أبو المعالي حين سأله عن الإسلام وعن الإيمان ففرَّقَ بينهما، وبقوله: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ الآية (٥).

стр. 581

وهي مسألة قد تنازع العلماء فيها، والّذي عندي أنّهما شيء واحدٌ، وقد بيَّنَّا ذلك في "الكتاب الكبير". الفائدة الرّابعة: فيه تكفير الخطايا بالوُضوءِ، وأن أعمال البرّ تكفَّر الذّنوب بها، كما أخبر ﵇ أنّ الذنوب تقطر مع قَطْرِ الماء، والذنوب ليست لها أشخاصٌ وأعلامٌ ظاهرةٌ يرى سقطها، فثبت أنّ الغسل لهذه الأعضاء في الوضوء إنّما هو من دَنَسٍ باطنٍ، لا من دَنَسٍ ظاهرٍ للعيون في وقت الغسل، ولا يعلم ذلك؛ لأنّ الأمر بغسل الدّنس. الظّاهر من هذه الأعضاء ومن سائر الجسد، فلمّا خصّت هذه الأعضاء بالذِّكر، عُلِمَ أنّه لم يرد به غسل الدَّنَس الظَّاهر، وإنّما المراد به غسل هذه الجوارح ممّا اجترحت من الخطايا والذّنوب بالتوبة الصّادقة النّافية لها عن مكانها، المزعجة لها عن أوطانها، ولا يُخرِجُ سَاكِنَ الدّار عن داره إلَّا من هو من أقوى منه، فهذا طهر القلب ظهرت طهارته على الجوارح، وإذا تدنَّسَ ظهر تدنيسه عليها، وطهارة القلب لا تكون إلّا بالتّوبة الصّادقة، وَجَدَّ الإصرار، ودوام الحزن والانكسار. تنببه على مقصد: قولُه: "خرجتْ كلُّ خطيئةٍ نَظر إليها مع الماءِ، أو مع آخِر قَطرِ الماء، حتَّى يخرُجَ نَقِيًّا من الذُّنُوبِ". قال الإمام: وإنّما هذا في الصّغائر دون الكبائر؛ لأنّ الله يقول: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية (١)، فجعل اجتناب الكبائر شرطًا في غفران ما دونها. إيضاح مشكل: واعلم أنّ كلَّ منِ اعتقدَ أنّ خطاياه وذنوبه كلّها تسقط مع وضوئه، فهو فاسدُ السَّريرةِ، مُصِرٌّ على كلّ كبيرة، فإن كان جاهلًا فينبغي أنّ يتعلّم، ويتوب إلى الله من جهله. وإن كان عالمًا، فإنّما هو للنّاس فتنة وبلاءٌ وسَخَطٌ، وأنا أبرأُ إلى الله تعالى منه، ونسأله التّوبة من فضله وطَوْلِه.

стр. 582

واعلم أنّ مدار الأعمال إنّما هو على القلب، وأنّ تحقُّقَ النّجاسة والطّهور والعمى والبصائر إنّما هو في القلب، كما قال بعض الحكماء: القصدُ بالقلوب أبلغ من حركات الجوارح. وقال حاتم الأَصَمّ (١): النَّاس متشاغلون في أداء الفرائض غُفُولًا عن قَبُولها. حديث مالكٌ (٢)، عن إسحاقَ بن عبد الله، عن أنس؛ قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ وحانَت صلاةُ العصرِ، فالتمسَ النَّاسُ وَضُوءًا فلم يجدوه ... الحديث. قال الإمام ﵁: فيه من الفوائد ثلاث: الفائدة الأولى (٣): فيه تسميةُ الماء وَضُوءًا، ألا ترى إلى قوله: "فَاُتِيَ رسولُ الله ﷺ بوضوءٍ في إناءٍ" والوَضوء بالفتح: الماء، وبالضَّمِّ: المصدر، مثل قوله: وَقُود وَوُقُود، والعرب تُسَمِّى الشَّيءَ باسم ما قَرُبَ منه. الفائدة الثّانية (٤): فيه إباحةُ الوضوء للجماعة من إناءٍ واحدٍ يغترفونَ منه في حينٍ واحدٍ، ولم يراع هل أصاب أحدهم مقدار مُدِّ فما زاد من الماء، كما قال من ذهب إلى أنّ الوَضُوء بأقلّ من مُدٍّ لا يجوز، ولا الغسل بأقلّ من صاعٍ لا يجوز. وهذا يردّ عليه. الفائدة الثّالثة (٥): فيه الْعَلَمُ العظيم من أعلام نُبُوَّته ﷺ والبرهان الواضح، وهو نبعُ الماء من بَيْنِ أصابعه، وكم له ﷺ من مِثْل ذلك، والّذي أُعْطِيَ نبيّنا محمد ﷺ هو أعظم وأوضح من آيات الأنبياء

стр. 583

وبراهينهم، وممّا أُعطي موسى ﷺ إذ ضرب بعصاه الحَجَر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، وذلك أنّ من الحجارة ما يشاهد منه انفجار الماء، كما قال الله (١)، ولم يُشَاهد قطُّ أحدٌ من بني آدم يخرُجُ من بين أصابعه الماء غير نبيّنا ﷺ . (٢) قال الإمام الحافظ أبو بكر: هذه خصيصةٌ للنَّبىِّ ﷺ ولم تكن لأحدٍ قبله (٣)، ولا تكون لأحدٍ بعده، لأنّا قد بيّنّا في "معجزات الأنبياء" أنّ ما مِنْ نبىِّ أُعْطِيَ معجزة إلَّا وقد أُعْطِي محمد ﷺ أفضل منها صلوات الله عليه وعليهم. حديث مالكٌ (٤)، عن نُعَيم بن عبد الله المُجمِر؛ أنّه سمع أبا هريرة يقول: "من توضَّأَ فأحسنَ وُضُوءَهُ، ثمَّ خرجَ عامدًا إلى الصّلاة، فإنّه في صلاةٍ ما كان يعْمِدُ إلى الصّلاة" الحديث. فيه فائدتان: الفائدة الأولى (٥): في هذا الحديث التّرغيب في إسباغ الوضوء وإتقانِهِ، والمشي إلى الصّلاة، وترك الإسراع إليها لمن سمِعَ الإقامة، والأخبارَ والآثار في ذلك كثيرة (٦). وكان ابنُ عمر وجماعة من الصّحابة والتابعين يُسرِعون إذا سمعوا الإقامة، وخالفوا في ذلك أبا هريرة، وإنّما قال ذلك أبو هريرة وتأوَّلَ ذلك الحديث الّذي رواه: "إذا نودي للصلاة فلا تَأتُوهَا وأنتم تَسعَوْنَ، وَأتُوها وعليكم السّكينةُ والوقار" (٧). حديث مالكٌ (٨)، عن يحيى بن سعيد؛ أنّه سمعَ سعيد بن المسَيِّب يَسأَلُ عن الوضوءِ من الغائطِ بالماء، فقال: إنّما ذلك وُضُوءُ النِّساءِ. الحديث.

стр. 584

قال الإمام (١): هذا مذهبُ المهاجرين في الاستنجاء بالأحجارِ والاقتصارِ عليها، وابن المسيَّب من أبنائهم وفقهائهم. وليس في عيب ابن المسيَّبِ الاستنجاءَ بالماءِ ما يُنمقِطُ فضلَه؛ لثناءِ الله تعالى على أهل قُبَاء. (٢) وقد ثبت عن النبيِّ ﷺ الاستنجاءُ بالماء، وإنّما الأحجار رخصةٌ وتَوسِعَةٌ في طهارة المَخرَجِ. وقد أوضحنا ذلك والحمد لله. حديث مالكٌ (٣)، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا شَرِبَ الكلبُ" الحديث. قال الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ (٤): "لا أعلم أحدًا قال فيه "إذا شَرِبَ" غير مالكٌ ﵀، وسائر رُوَاةِ هذا الحديث يقولون: "إذا ولغ" (٥)، وقد رواه عن أبي هريرة جماعة: "إذا وَلَغَ" منهم الأعْرَجُ، وأبو صالح، وأبو رزين، وثابتٌ الأَحْنَفُ، وهمّامُ بن مُنَبَّهٍ، وجماعة، بمعنى حديث مالكٌ، ولم يذكروا فيه: "إذا شَرِبَ" ولا "التُّراب" لا في أوّل الحديث ولا في آخِرِه، وقد رواه ابن سِيرِين عن أبي هريرة. قال الإمام (٦): واختُلِفَ عنه في ذلك، فمن رواه وق الذيه: "أُولاهُنَّ بالتراب" ومنهم من قال: "السّابعة بالتراب". ومنهم من لم يذكره". ورواه الحسن البصري، عن عبد الله بن مغفّل، عن النّبيِّ ﷺ أنّه قال: "إذا وَلَغَ الكلبُ في الإناء، فاغسلوه سبع مرّاتٍ وعَفِّرُوهُ الثّامنة بالتراب" (٧).

стр. 585

وكذلك كان الحسن يُفْتِي، ولا أعلم أحدًا أفتى بذلك غيره. وممن كان يُفْتِي بغسل الإناء دون شيءٍ من التّراب من سَلَفِ الصّحابة والتّابعين: ابن عبّاس، وأبو هريرة، وعُرْوَة، وابن سيرِين، وطاووس، وعمرو بن دينار. وأمّا الفقهاء من أَيِمَّةِ الأمصار، فقد اختلفوا في تعليله: فقيل: إنّ علَّته التّغليظ في منع اقتناء الكلاب الّتي لا يجوز اتِّخاذها لأجل إذاية النَّاس؛ لأنّ الصّحابة كانوا يُبَكِّرُونَ بالأسحار لمسجد النّبيِّ ﷺ فَشَكَوْا إليه أنّ الكلاب تؤذيهم، فقال: "إذا وَلَغَ الكلبُ" الحديث، ولأجل هذا قال أيضًا: "من اقتَنَى كَلبًا نقص من عمله كلَّ يومٍ قِيرَاطَانِ" (١) ولا يجوز أن ينقص من عمل قد مَضَى. تنبيه على مقصد (٢): قال القاضي أبو بكر بن العربي: "إذا شَرِبَ الكلبُ من إناء أحدِكُم" الحديث، فيه استعمال الشُّرب في كلِّ حيوان، والحديثُ مُعْضلٌ، وقد اختلف النّاسُ فيه، هل يَغسِلُ للعبادة أو للنّجاسة؟ والصّحيحُ أنّه يَغسِلُ للعبادة؛ لأنّه عَدَّدَ وأدخل فيه الترابَ، ولا مَدْخَلَ للعدَدِ ولا للتّراب في إزالة النّجاسة (٣). ولَمَّا كان الحديث مُعْضَلاَ، قال فيه مالكٌ (٤): قد جاءَ هذا الحديث وما أدري ما حقيقته. وكان يرى الكلب كأنّه من أهل البيت وليس كغيره من السِّباع. وكان يقول (٥): يُغسَلُ بالماء وَحْدَه.

стр. 586

مزيد بيان: قوله: "مَا أَدْرِي ما حَقِيقَتُهُ، يحتمل ثلاثة معان: الأوّل: لا ندري أنّ ذلك على الوُجُوب أو النَّدْب. الثّاني: لا ندري هل ذلك في الكلب الممنوع اتِّخاذُه دون المباح اتِّخاذه أم لا. الثّالث: لا ندري هل ذلك في الماء دون اللَّبَن أم فيهما. وهذا أظهر الأقوال على نسق المسألة. وقد رُوِيَ عنه؛ أنّ غسل الإناء من وُلُوغِ الكلب في الكلب الممنوع اتِّخاذه. (١) ورُويَ عنه؛ أنَّ ذلك عامٌّ في جميع الكلاب (٢). وكذلك أيضًا اختُلِفَ عن مالك في هذه الثّلاثة فصول: فروي عنه؛ أنّ غسله على النَّدب. وروي أنّ ذلك على الوجوب. وروي أنّه للعبادة فقط. كشف وايضاح يبيّن المذهب في ذلك: ١ - المذهب الأوّل - قال أبو حنيفة وأصحابُه (٣): الكلبُ نجسٌ، ويغسلُ الإناءُ من وُلُوغه مرَّتين أو ثلاثًا كسائر النّجاسات من غير حدٍّ، وردّوا الأحاديث في ذلك. ٢ - المذهب الثّاني - قال داود (٤) وأصحابه (٥): سؤر الكلب طاهر، ويغسل الإناء منه سبعًا، وإن كان فيه طعام لم يغسل.

стр. 587

٣ - المذهب الثّالث - قال الشّافعيّ (١): يُغسَلُ الإناءُ من وُلُوغه، وُيؤكَل الطّعام، وُيتَوَضَّأ بالماء. ٤ - المذهب الرّابع - مذهبُ مالكٌ ﵁، قال ابنُ القاسم: تحصيلُ مذهبِ مالكٌ وأصحابه؛ أنّ غسل الإناء من ولوغه (٢) استحبابٌ، وكذلك يستحبٌ لمن وجدَ غيره ألّا يتوضَّأ به، وقد اختلف في هذا المعنى أصحابه على ثلاثة أقوال: أحدها: أنّه يتيمِّم ولا يتوضَّأ به، وهو مذهب ابن القاسم. الثّاني: أنّه يتوضّأ به ويتيمّم، وهو مذهب ابن الماجِشون. الثّالث: أنّه يتيمّم ويصلِّي، وهو قول سحنون. (٣) إكمال (٤): وقد اختُلِفَ في معنى ما وقع في "المدوَّنة" (٥) من قول ابن القاسم: وكان يُضَعِّفُه. فقيل: إنّه أراد بذلك أنّه كان يضعِّف الحديث؛ لأنّه حديث آحاد وظاهرُ القرآن يعارضه. وما ثبت أيضًا في السُّنَّة من تعليلِ النّبيّ ﷺ في طهارة الهرَّة بالطّواف علينا والمخالطة لنا (٦).

стр. 588

واختلف قولُ مالكٌ ﵀ في غسل الإناء من وُلوغِ الخنزير، فرُوِيَ عنه في ذلك روايتان. إحداهما: أنّه لا يُغْسَل (١). الثّانية: أنّه يغسل سبعًا قياسًا على الكلب، وهي رواية مُطَرِّف (٢)، حكى الرِّوايتين ابن القصّار (٣). قال الإمام الحافظ ﵁ (٤) -: وإذا قاس الخنزير على الكلب، يلزمه ذلك في سائر السِّباع لوجود العلَّة فيها، وهي أيضًا أكثر أكلًا للأنجاس من الكلب. وأيضًا: فإنَّ الكلب اسمٌ للجنس، يدخل تحته جميع السِّباع؛ لأنّها كلاب، وقد رُوِيَ عنه ﷺ أنّه قال في عتبة بن أبي لَهَب: "اللهمَّ سَلَّط عليه كلبًا من كلابك" (٥) فعدى عليه الأسد فقتلَهُ. حديث مالكٌ (٦)؛ أنّه بلغه أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "استَقِيمُوا ولن تُحْصُوا، واعمَلُوا وخيرُ أعمالِكُم الصّلاةُ، ولا يحافظُ على الوضوء إلَّا مؤمنٌ". فيه فصلان:

стр. 589

الفصل الأوّل في الإسناد قال الشّيخ أبو عمر بن عبد البرّ ﵁ (١) -: "هذا حديثٌ بَلاغٌ، ويتّصلُ معنى هذا الحديث ولفظه مُسنَدًا من حديث ثَوبَان (٢)، وابن عمرو بن العاصي (٣)، عن النّبيِّ ﷺ ، وقد رواه ابن عُيَينَة، عن يحيى بن سعيد، عن رَجُلٍ يقال له إسماعيل بن أوسط، شامِيٌّ، فقال: قال رسول الله ﷺ : "اعملوا وخيرُ أعمالِكُم الصّلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلَّا مؤمنٌ (٤) "، قد رواه أيضًا منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : "استقيموا" الحديث (٥). الفصل الثّاني في الفوائد وفيه فائدتان: الفاندة الأولى: في تأويله اعلموا أنّ قولَه: "لَن تُحْصُوا" فيه للعلماء أربع تاويلات: التّأويل الأوّل - أنّ قوله: "لَن تُحْصُوا" يريد مالكم من الثّواب على إكراه الأعمال. الثّاني- قال عيسى بن دينار: لن تنجوا من الخطايا.

стр. 590

الثّالث - قال ابن حبيب (١): "لن تُحْصُو": لن تطيقوا أنّ تفعلوا كلّ ما أَمَرتكم به، ومن ذلك قول الله : ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ الآية (٢). الرّابع (٣): قال القاضي أبو بكر بن العربي ﵁: معناه لن تُطِيقُوا أنّ تستقيموا، فَسَّرَهُ الحديثُ الثّاني قولُه: "إذا أَمَرتُكُم بأَمرٍ فَأتُوا منه ما استطَعتُم" (٤) والله أعلم. الفائدة الثّانية (٥): قوله: " ولا يُحافِظ على الوضوءِ إلَّا مؤمنٌ" أراد به لا يحافظ على وضوئه ولا يصبر عليه إلَّا مؤمن كامل الإيمان، لثِقَلِهِ عليه في البرد وفي حين الشّغل، واللهُ أعلم.

стр. 591

باب ما جاء. مسح الرأس والأذنين وفيه فصول: الأوّل في التّرجمة قال الإمام الحافظ: غاص مالكٌ ﵀ على مذهبه في هذه الترجمة بأن أراد أنّ يُبيِّن لك أنّ الأُذنَين من الرَّأس، إلّا أنّه يستأنف لهما الماء. ثمّ إنّه احتَجَّ بالأثر؛ بأنّ ابنَ عمر كان يأخذ لأُذُنَيه ماء غير الماء الّذي مسح به رأسه، وبه قال أحمد (١) وإسحاق، والشّافعيّ (٢). إلَّا أنّ الشّافعيّ قال: هما سُنّة على حيالهما، لا من الوجه ولا من الرّأس، كالمضمضة والاستنشاق. فقه: اختلف العلماء -رضوان الله عليهم- في الأُذُنَيْن: فروى أبو أمامة الباهِلي - واسمه صدي بن عجلان (٣) - أنّ رسول الله ﷺ قال: "الأُذُنَان من الرَّأسِ" (٤) ويستأنف لهما الماء. وهما فرض عند محمد بن مَسلَمَة. وهي أيضًا عند ابن حبيب (٥) سُنَّة، وهو المشهور (٦).

стр. 592

نكتة وإيضاح: قال القاضي أبو الوليد (١):" الّذي يقتضي حديث ابن عمر تجديد الماء للأُذُنَين، ويحتَمِل أنّ يكون عبد الله بن عمر يأخذ الماء بأصبعين من كلِّ يد، فيمسح بهما أُذُنَيه، وهذا أشبَهُ بحديثِ ابنِ عمرَ. ونحوه ما رُوِيَ في حديث ابن عبّاس؛ أنّ باطن الأُذُنَين يُمسَحُ بالسَّبَّابة وظاهرهما بالإبهام، وهذه طهارة الأُذُنَين عند مالكٌ (٢) وأبي حنيفة (٣) والشّافعىّ (٤). وقال الزّهريّ: تُغسَلُ مع الوجه. وقال أيضًا الشّافعيّ: يغسل باطنهما مع الوجه، ويمسح ظاهرهما مع الرّأس". مزيد بيان (٥): وصِفَةُ مسحهِمَا: أنّ يمسحَ ظاهرَهُما وباطِنَهُما (٦)، وقال مالكٌ في "المختصر": يُدخِلُ أصبعيه في صِمَاخَيهِ (٧). وقال ابن حبيب: لا يتبع غضونهما (٨). نكتة فقهية (٩): قال (١٠): فإذا ثبت هذا فهل يُمسَحَانِ فرضًا أو نَفلًا؟

стр. 593

فذهب ابن مَسلَمَة والأبهريّ (١) أنهما يمسحان فرضًا. وذهب سائر أصحابنا أنّهما يمسحان نَفلًا، وهو الظّاهر من مذهب مالك. والظاهر من المذهب استئناف الماء لهما (٢). وقال ابن حبيب (٣): من لم يُجَدِّد لهما الماء فهو بمنزلة من لم يمسحهما. وقال ابن مَسلَمَة: إنّ شاء جدَّدَ لهما الماء، وإن شاء مسحهما بما فضل من مسح رأسه. وأبو حنيفة يقول: لا يستأنف لهما الماء (٤). مسألة (٥): قال مالكٌ: من مسح رأسه بِبَلَلِ ذِرَاعَيه أو لحيته وصلّى، أعاد الوضوء والصّلاة وإن ذهب الوقت، وليس هذا بِمَسحٍ. قال ابن الماجِشُون: وان كان بحضرته ماء، فلا يمسح بما ذكر من البَلَلِ، وإن لم يكن بحَضْرَتِه ماء فليمسح به، وبه قال عطاء. تأصيلٌ (٦): قال الإمام (٧): فقولُ مالك يحتمل أنّ يكون موافقًا لقول أَصبَغ؛ أنّ الماء المستعمل في الوضوء لا يرفع الحَدَث، وله وجه آخر. ويحتمل أنّ يريد أنّ ما تعلَّق باليَدَين من البَلَلِ من غسل الذِّراعين يسيرٌ لا يتأَتَّى المسح به، وهو الأظهر، لقوله: وهذا ليس بمسح. إكمال (٨): قال الإمام: اختلف العلماء في الأُذُنَين على ثلاثة أقوال:

стр. 594

القول الأوّل - أنّهما من الرّأس، قاله ابن المبارَك والثّوريّ (١). القولُ الثّاني - قال الزّهريّ: هما من الوجه، وقاله الشّعبيّ والحسن (٢) وقالا (٣): ما أقبل منهما من الوجه، وما أدبر منهما من الرّأس، واختاره الطّبريّ (٤). واحتجّ من قال إنّهماذك لم يذكروهما. تنقيح: قلنا: أمّا حديث أبي أُمَامَة، فضعّفَه الدارقطني (٥) والتّرمذي (٦)، وقالا: إنّ الصّحيح فيه وَقفُه على أبي أُمَامَة، ولم يُسنِده إلَّا ضعيف. وأما اعتقاد الصحابة، فقد ورد حديث ابن عبّاس (٧) وغيره؛ بأنّ النَّبيِّ ﷺ مَسَحَهُمَا مُفرَدَين. وأما من قال: إنّهما من الوجه، فاحتجَّ فيه بحديثٍ قال فيه النّبيّ ﷺ : "سجدَ وَجهِيَ للّذي خَلَقَهُ وصوَّرَهُ وشَقَّ سَمعَهُ وبصرَهُ" (٨) وهذا يردّه مسح النّبيّ ﷺ لهما، والمراد في هذا الحديث: سجدَت جُملتي ورأسي، وقد يكنى بالوجه عن الجملة، فكيف عن الرّأس، قال الله ﵎: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٩) قالوا في أحد التأويلات: إلَّا هو، أي ذاته.

стр. 595

ولم يثبت عن النّبيّ ﷺ في مسح الأُذُنَين شيء، إلَّا ما ذكرنا في فضل الوضوء: "فإذَا مَسَحَ برَأسِهِ خرجتِ الخطايا من رأسه حتّى تخرُجَ من أُذُنَيهِ"، وقد خرَّجَ النّسائي (١) حديثًا؛ أنّ النّبيّ ﷺ توضَّأ ومسح برأسه وأُذُنَيه. حديث مالكٌ (٢)؛ أنّه بلغه أنّ جابِرَ بن عبد الله سُئِلَ عنِ المسحِ على العِمَامَةِ، فقال: لا، حتَّى يُمسَحَ الشَّعَرُ بالماءِ. فيه فصلان: الفصل الأوّل (٣) في الإسناد قال الإمام: هذا حديث رواه عبدُ الرحمنِ بنُ إسحاقَ، عن أبي عُبَيدَةَ بن محمد بن عمارِ بنِ ياسرٍ قال: سألتُ جابرًا عن المسحِ على العِمَامة فقال: امِسَّ الشَّعَرَ بالمَاءِ (٤). لا أعلَمُه يتّصلُ بغير هذا الإسناد، رواه عن عبد الرحمن بن إسحاقَ، يزيدُ بنُ زُرَيع وبِشرُ بنُ المفضل، وغيرهما. مالكٌ (٥)، عن هشام؛ أنّ أباه كان يَنزِعُ العِمَامَةَ، ويَمْسَحُ رَأسَهُ بالمَاءِ. *مالكٌ (٦)، عن نافع؛ أنّه رأى صفيةَ بنتَ أبي عُبَيدٍ امرأةَ عبدِ الله بن عمرَ تَنزِعُ خمارَها وتمسحُ على رأسِها* ونافعٌ يومئذٍ صغيرٌ.

стр. 596

الفصل الثّاني في فوائد هذا الحديث وفيه ثلاث فوائد: الفائدة الأولى (١): قوله: "وَنَافِعٌ يومئذٍ صغيرٌ" ففي هذا الحديث جوازُ شهادة الصّغير إذا أدَّاها كبيرًا، وفي قياسها شهادةُ الفاسقِ إذا أدّاها تائبًا صالحًا، وشهادةُ الكافر إذا أداها وهو مسلمٌ. الفائدة الثّانية (٢): قوله أيضًا: "ونَافِعُ يومئذٍ صغيرٌ" أراد اعتذارًا من النَّظَرِ إلى شَعَرِ المرأة. فهذا يدلُّ أنّ عَبدَ الرَّجُلِ لا ينبغي له إذا كان كبيرًا أنّ ينظر إلى شعر زوجة سيِّدِه وإن كان وَغدًا. وأمّا عَبْدُها، فإن كان وَغدًا، فلا بأس أنّ يرى شَعَرها، وإن كان غير وَغدٍ، فلا ينبغي له أنّ يرى شعرها. تفسير مطابق لهذا الحديث (٣): وهو قولُه: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ (٤) أراد بذلك الوجه والكفَّين والشَّعَر، وقيل: الثياب، والوجه الأوّل أحسن وأبين في النّظر (٥).

стр. 597

تنبيه (١): فإن قال قائل: فإذا كانت الزّينة الّتي ذكر اللهُ الكفَّين والشَّعَر، فَلِمَ كَرِهَ مالكٌ لعَبْدِ المرأة إذا كان غير وَغد أنّ ينظرَ إلى وجهها؟ الجواب عنه - قيل له: إنّما كره ذلك على وجه الاستحسان لفساد الزّمان. وقد رُويَ عنه أيضًا أنّه قال: لا بأس أنّ تُبْدِي المرأةُ شَعرها لعبدها إذا كان وَغدًا. فإن كان ممن تُخشَى فتنته، فالأَولَى أنّ تَستَتِر، فدلَّ أنّ هذا من مالكٌ على وجه الاستحسان لفساد الزّمان، والله أعلم. الفائدة الثّالثة (٢): في قوله (٣):"لاَ، حتَّى يُمسَحَ الشَّعَرُ بالماءِ". اعلموا أنّ المسح على العمامة هو بابٌ اختلف النّاسُ فيه، والآثارُ فيه مختلفة، وعن النَّبيِّ صلّى الله عليه؛ أنّه مسَحَ على العمامة من حديث عمرِو بن أميّةَ الضَّمريَّ (٤)، وبلالٍ، والمغيرةِ بنِ شُعبَةَ، وأنسٍ، وكلُّها معلومةٌ. ورواه أيضًا جماعة من السَّلَف والتّابعين، ذَكَرَهُم ابن أبي شيبَة وعبد الرزّاق (٥) وأبو داود (٦).

стр. 598

قال الإمام (١): واختلافُ هؤلاء فيمَن مسَحَ على العِمَامَة ثمَّ نزَعَها، كاختلافِهِم فيمَن مسَحَ على الخُفَيَّن ثم خلَعَهُما. وأما (٢) قولُه: " حتَّى يُمسَحَ الشَّعَرُ بالماءِ" فهو ظاهرُ كتاب الله تعالى، لقوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٣) ولا يجوز المسح على عُضوٍ مستورٍ إلَّا الخفَّين فإنّه يُمسَحُ ذلك بالإجماع (٤). الفائدة الرّابعة (٥): وهي إذا انحل كَورٌ منها، أو كَورَانِ، لم أر لذِكرِهِ وجهًا هاهنا. وقالت طائفة: يجوز مسح المرأة على الخمار، ورُوِيَ عن أمِّ سَلَمَة زوج النَبيِّ ﷺ أنّها كانت تمسح على خمارها (٦). ومنه أيضًا (٧): أنّ امرأة عبد الله بن عمر كانت تمسح على خمارها. فيه: الاقتداء بفعل المرأة الصالحة (٨). تنبيه على مقصد (٩): قال: وأمّا الّذين لم يَرَوا المَسحَ على العمامة والخمار فجماعةٌ منهم: عُروَة،

стр. 599

والقاسم بن محمد، والشّعبىُّ، والنّخعىُّ، ومالكٌ (١)، وأبو حنيفةَ (٢)، والشّافعيّ (٣). والحُجَّة لهم ظاهرة، قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٤) ومن مسَحَ على العمامة لم يمسح على رأسه. وقد أجمعوا أنّه لا يجوزُ مَسْحُ الوجهِ في التَّيَّمم على حائلٍ دُونَهُ، فكذلك الرأسُ. والخطابُ في قوله: ﴿بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ (٥) كالخطاب في قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٦) ولا وجه لما اعتلُّوا به أنَّ الرّأس والرِّجلَين ممسوحانِ. مسألة فقهية: سئل مالكٌ (٧) عمن توضَّأَ، فَنَسِيَ أنّ يمسحَ رأسَهُ حتَّى جَفَّ وَضُوءُهُ، قال: أَرَى أنّ يَمسحَ برأسه، وإن كان قد صلَّى يُعِيدُ الصَّلاةَ. قال الإمام (٨): وهذا يدلُّ من قوله أنّ الفَورَ عنده لا يَجِبُ إلَّا مع الذِّكرِ، وأنّ النِّسيانَ يُسقِطُ وجوبه، ولذلك أوجَبَ على العامدِ لتَركِ مَسحِ رأسه مؤخِّرًا لذلك، أو لشيءٍ من مفروض وضوئهِ استئنافَ الوضوءِ من أوَّلِه، ولم يَرَه على النّاسي. قال الإمام الحافظ: من ههنا عرف مذهب مالكٌ في الفور، وقد اختلف أصحابه فيه على ثلاثة أقوال (٩): أحدهما: أنّه فرضٌ على الإطلاق، وهو قولُ عبد العزيز بن أبي سَلَمَة (١٠).

стр. 600

والثّاني: أنّه سُنَّة على الإطلاق، وهو المشهور من المذهب. والثالث: "أنّه فرضٌ فيما يغسل، وسُنَّة فيما يُمْسَح، وهو قول مُطَرِّف وابن الماجِشون عن مالكٌ، وهو أضعف الأقوال. تنقيح: قال الإمام الحافظ (١): فعلى القول بأنّه فرضٌ، يجبُ إعادة الوضوء والصّلاة على من تَرَكَهُ، ناسيًا أو متعمِّدًا. وعلى القول الثّاني أنّه سنّة، إنْ تركه (٣) ناسيًا، فلا شيء عليه، وإن تركه (٣) عامدًا، ففي ذلك قولان: أحدُهما: أنّه لا شيء عليه، وهو قولُ محمد بن عبد الحَكَم. والثّاني: أنّه يُعيدُ الوُضوءَ والصّلاةَ لترك سنّة من سُنَنها (٢)، وهذا مذهب ابن القاسم؛ أنّ الفور عنده واجبٌ بالتَّذَكُّر ساقطٌ بالنِّسيان (٣).
следующие страницы →