← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الفصل الثّاني في فوائد هذا الحديث وفيه ثلاث فوائد: الفائدة الأولى (١): قوله: "وَنَافِعٌ يومئذٍ صغيرٌ" ففي هذا الحديث جوازُ شهادة الصّغير إذا أدَّاها كبيرًا، وفي قياسها شهادةُ الفاسقِ إذا أدّاها تائبًا صالحًا، وشهادةُ الكافر إذا أداها وهو مسلمٌ. الفائدة الثّانية (٢): قوله أيضًا: "ونَافِعُ يومئذٍ صغيرٌ" أراد اعتذارًا من النَّظَرِ إلى شَعَرِ المرأة. فهذا يدلُّ أنّ عَبدَ الرَّجُلِ لا ينبغي له إذا كان كبيرًا أنّ ينظر إلى شعر زوجة سيِّدِه وإن كان وَغدًا. وأمّا عَبْدُها، فإن كان وَغدًا، فلا بأس أنّ يرى شَعَرها، وإن كان غير وَغدٍ، فلا ينبغي له أنّ يرى شعرها. تفسير مطابق لهذا الحديث (٣): وهو قولُه: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ (٤) أراد بذلك الوجه والكفَّين والشَّعَر، وقيل: الثياب، والوجه الأوّل أحسن وأبين في النّظر (٥).

стр. 597

تنبيه (١): فإن قال قائل: فإذا كانت الزّينة الّتي ذكر اللهُ الكفَّين والشَّعَر، فَلِمَ كَرِهَ مالكٌ لعَبْدِ المرأة إذا كان غير وَغد أنّ ينظرَ إلى وجهها؟ الجواب عنه - قيل له: إنّما كره ذلك على وجه الاستحسان لفساد الزّمان. وقد رُويَ عنه أيضًا أنّه قال: لا بأس أنّ تُبْدِي المرأةُ شَعرها لعبدها إذا كان وَغدًا. فإن كان ممن تُخشَى فتنته، فالأَولَى أنّ تَستَتِر، فدلَّ أنّ هذا من مالكٌ على وجه الاستحسان لفساد الزّمان، والله أعلم. الفائدة الثّالثة (٢): في قوله (٣):"لاَ، حتَّى يُمسَحَ الشَّعَرُ بالماءِ". اعلموا أنّ المسح على العمامة هو بابٌ اختلف النّاسُ فيه، والآثارُ فيه مختلفة، وعن النَّبيِّ صلّى الله عليه؛ أنّه مسَحَ على العمامة من حديث عمرِو بن أميّةَ الضَّمريَّ (٤)، وبلالٍ، والمغيرةِ بنِ شُعبَةَ، وأنسٍ، وكلُّها معلومةٌ. ورواه أيضًا جماعة من السَّلَف والتّابعين، ذَكَرَهُم ابن أبي شيبَة وعبد الرزّاق (٥) وأبو داود (٦).

стр. 598

قال الإمام (١): واختلافُ هؤلاء فيمَن مسَحَ على العِمَامَة ثمَّ نزَعَها، كاختلافِهِم فيمَن مسَحَ على الخُفَيَّن ثم خلَعَهُما. وأما (٢) قولُه: " حتَّى يُمسَحَ الشَّعَرُ بالماءِ" فهو ظاهرُ كتاب الله تعالى، لقوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٣) ولا يجوز المسح على عُضوٍ مستورٍ إلَّا الخفَّين فإنّه يُمسَحُ ذلك بالإجماع (٤). الفائدة الرّابعة (٥): وهي إذا انحل كَورٌ منها، أو كَورَانِ، لم أر لذِكرِهِ وجهًا هاهنا. وقالت طائفة: يجوز مسح المرأة على الخمار، ورُوِيَ عن أمِّ سَلَمَة زوج النَبيِّ ﷺ أنّها كانت تمسح على خمارها (٦). ومنه أيضًا (٧): أنّ امرأة عبد الله بن عمر كانت تمسح على خمارها. فيه: الاقتداء بفعل المرأة الصالحة (٨). تنبيه على مقصد (٩): قال: وأمّا الّذين لم يَرَوا المَسحَ على العمامة والخمار فجماعةٌ منهم: عُروَة،

стр. 599

والقاسم بن محمد، والشّعبىُّ، والنّخعىُّ، ومالكٌ (١)، وأبو حنيفةَ (٢)، والشّافعيّ (٣). والحُجَّة لهم ظاهرة، قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٤) ومن مسَحَ على العمامة لم يمسح على رأسه. وقد أجمعوا أنّه لا يجوزُ مَسْحُ الوجهِ في التَّيَّمم على حائلٍ دُونَهُ، فكذلك الرأسُ. والخطابُ في قوله: ﴿بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ (٥) كالخطاب في قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٦) ولا وجه لما اعتلُّوا به أنَّ الرّأس والرِّجلَين ممسوحانِ. مسألة فقهية: سئل مالكٌ (٧) عمن توضَّأَ، فَنَسِيَ أنّ يمسحَ رأسَهُ حتَّى جَفَّ وَضُوءُهُ، قال: أَرَى أنّ يَمسحَ برأسه، وإن كان قد صلَّى يُعِيدُ الصَّلاةَ. قال الإمام (٨): وهذا يدلُّ من قوله أنّ الفَورَ عنده لا يَجِبُ إلَّا مع الذِّكرِ، وأنّ النِّسيانَ يُسقِطُ وجوبه، ولذلك أوجَبَ على العامدِ لتَركِ مَسحِ رأسه مؤخِّرًا لذلك، أو لشيءٍ من مفروض وضوئهِ استئنافَ الوضوءِ من أوَّلِه، ولم يَرَه على النّاسي. قال الإمام الحافظ: من ههنا عرف مذهب مالكٌ في الفور، وقد اختلف أصحابه فيه على ثلاثة أقوال (٩): أحدهما: أنّه فرضٌ على الإطلاق، وهو قولُ عبد العزيز بن أبي سَلَمَة (١٠).

стр. 600

والثّاني: أنّه سُنَّة على الإطلاق، وهو المشهور من المذهب. والثالث: "أنّه فرضٌ فيما يغسل، وسُنَّة فيما يُمْسَح، وهو قول مُطَرِّف وابن الماجِشون عن مالكٌ، وهو أضعف الأقوال. تنقيح: قال الإمام الحافظ (١): فعلى القول بأنّه فرضٌ، يجبُ إعادة الوضوء والصّلاة على من تَرَكَهُ، ناسيًا أو متعمِّدًا. وعلى القول الثّاني أنّه سنّة، إنْ تركه (٣) ناسيًا، فلا شيء عليه، وإن تركه (٣) عامدًا، ففي ذلك قولان: أحدُهما: أنّه لا شيء عليه، وهو قولُ محمد بن عبد الحَكَم. والثّاني: أنّه يُعيدُ الوُضوءَ والصّلاةَ لترك سنّة من سُنَنها (٢)، وهذا مذهب ابن القاسم؛ أنّ الفور عنده واجبٌ بالتَّذَكُّر ساقطٌ بالنِّسيان (٣).

стр. 601

ما جاء في المسح على الخُفَّيْن مالكٌ (١)، عن ابن شهاب، عن عبَّادِ بن زياد - وهو من ولَد المُغِيرَة بن شُعبةَ - عن أبيه المُغِيرَةِ بن شُعبَةَ؛ أنّ رسول الله ﷺ ذهب لحاجَتِه في غزوة تَبُوك الحديث. تنبيهٌ على وَهمٍ: قال الإمام الحافظ: هذا الحديث مما يُعَابُ على مالك؛ لأنّه جعل عَبَّاد بن زياد من وَلَدِ المغيرة بن شُعبة، وليس هو من ولد المغيرة، وإنّما هو عَبَّاد بن زياد بن أبي سفيان، وأظنُّه من ثَقِيف، وليس ذلك عندي بعلم حقيقة (٢)، ولم أقف له على وفاة، ولا أعلم له خَبَرًا. وقول مالكٌ (٣): "وهو من وَلَدِ المغيرة بن شُعبَة" لم يختلف عنه رُواةُ "الموطَّأ" في ذلك (٤)، وهو غَلَطٌ ووهْمٌ، ولم يتابعه أحد من رواة ابن شهاب ولا غيرهم. وقال مُصعب الزُّبيري: أخطأ مالك ووهَمَ وهمًا قبيحًا في هذا الحديث (٥). وقد ذكره عبد الرزاق (٦)، عن معمر، عن الزهري، أنّ المغيرة بن شعبة قال: كنت في سَفَرٍ مع رسول الله ﷺ الحديث، هكذا مقطوعًا. وفيه للعلماء فوائد كثيرة وسُنَن جمّة غزيرة:

стр. 602

الفائدة الأولى (١): في هذا الحديث من العلم ضروبٌ: منها خروجُ الإمام بنفسه في الغزْو والجهاد للعَدُوِّ، وكانت غزْوة تَبُوك آخرَ غزوةٍ غزاها رسولُ الله ﷺ بنفسه، وذلك سنة تسع من الهجرة. قال ابن إسحاق (٢): خرج رسولُ الله ﷺ إلى تَبُوك فصالح أهل أيلَةَ (٣)، وكتب لهم كتابًا. وذكر خليفة بن خيّاط (٤) أنّ خروجه إليها كان في رَجَب. ولم يختلفوا أنّ ذلك كان في سنة تسعٍ. الفاثدة الثّانية (٥): فيه: أدب الرَّجُل أنّ يبعد عند حاجته عن أَعيُن النّاس. وفيه - على ظاهر حديث مالكٌ وأكثر الرِّوايات -: تركُ الاستنجاءِ بالماء، وإنّما ذكر أنّه (٦) صَبَّ عليه بالإدَاوةِ (٧)، وفي الآثار كلّها أنّ الإداوة كانت مع المغيرة، وليس في شيء منها أنَّه ناولها رسول الله ﷺ فذهب بها، ثمّ لَمَّا انصرف ردَّها وأمره أنّ يصبّ عليه، ولو كان ذلك فيها أو في شيءٍ منها، بأن بذلك أنّه استنجَى بالماء، ولكنه لم يذكر في شيءٍ منها الماء. قال ابن جُرَيج في هذا الحديث: "فتبرَّزَ لحاجته قِبَلَ الغائطِ فَحَمَلتُ معه إداوةً" (٨).

стр. 603

وقال معمرٌ: "فتخلَّفَ وتخلَّفنا معه بإدَاوَةٍ" (١). فاستدلَّ بهذا أو ما كان شبهه أو مثله من كره الأحجار مع وجود الماء جماعة من العلماء. وإن صحّ أنّ رسول الله ﷺ استنجى بالماء يومئذٍ، من نقل مَنْ يُقبَلُ نقلُه (٢)، وإلّا فالاستدلالُ بهذا، أو ما كان مثل حديث مالكٌ صحيحٌ، فإنَّ في هذا الحديث تركَ الاستنجاءِ بالماء، والعدولَ عنه إلى الاستجمار مع وجود الماء، وأيُّ الأمرينِ كان؛ فإن العلماء اليوم مُجمِعون على أنّ الاستنجاء بالماء أطهرُ وأطيبُ، وأن الأحجارَ رخصةٌ وتَوسِعَةٌ، وأنّ الاستنجاء بها جائزٌ في السَّفَر والحضَر، وقد مضى القولُ في حكم الاستنجاء. الفائدة الثّالثة (٣): في هذا الحديث: لُبس الضَّيِّق من الثياب؛ بل ينبغي أنّ يكون ذلك في الغزو مستحسنًا، لِمَا في ذلك من التأهُّب والتَّأسيِّ برسول الله ﷺ في لباسه، مثل ذلك في السَّفَر، وليس به بأس في الحضَر؛ لأنّه لم يوقف على أنّ ذلك لبسٌ لا يكون إلَّا في السَّفَر. الفائدة الرّابعة (٤): في هذا الحديث: لباس (٥) صوف الميتة؛ لأنّ الجُبَّة كانت شامية، والشّامُ في ذلك الوقت للرُّوم وهم لا يُذَكُّون. قال الإمام (٦): وهذا فيه نظر، لا يقطع بذلك لِمَا فيه من ضَعفِ الكلام. الفائدة الخامسة (٧): في هذا الحديث: أنّ العمل الّذي لا طول فيه جائز أنّ يُعمَلَ بين أثناء الوضوء، كاستقاءِ الماءِ، ونَزعِ الخُفِّ، وغَسلِ الإناءِ وشِبهِهِ. فإن أخَذَ المتوضِّئُ في غير عملِ

стр. 604

الوضوء، وطالَ تَركُه للوضوء، استأنَفَه من أوَّله. ولا ينبغي لأحد أنّ يُدخِل على نفسه شُغلًا وهو يتوضَّأ حتَّى يَفرُغَ من وضوئه. لماذا كان العمل اليسير في الصّلاة لا يقطعها، فأَحرَى ألَّا يقطع الوضوء. الفائدة السادسة (١): قال الإمام: وفي هذا الحديث من الفقه: أنّ الرجُل الفاضل والعالِمَ والسُّلطان جائزٌ أنّ يُخدَمَ وُيعَان على حوائجه، وإن كان أعوانُه على ذلك أحرارًا ليسوا بعبيدِ رقّ. الفائدة السابعة (٢): في هذا الحديث: الوضوء بما لا تدخلُ فيه اليدانِ (٣) فإذا كان كذلك، جَازَ الصَّبّ حينئذٍ منه على المتوضِّيء. الفائدة الثامنة (٤): فيه من الفقه: إذا خِيفَ فواتُ وقتِ الصّلاةِ، أو فواتُ الوقتِ المختارِ منها، لم يُنتَظَرِ الإمامُ وإن كان فاضلًا خَيِّرًا. وقد احتج الشّافعىُّ (٥) بأن أوَّلَ الوقتِ أفضلُ بهذا الحديث وغيرِه من الأحاديث، وقال: معلومٌ أنّ رسولَ الله ﷺ -لم يكن ليشتغِلَ عن الصّلاةِ حتّى يخرجَ وقتُها كلُّه. وقال: لو أُخِّرت الصّلاة عن أوَّلِ وقتها لشيء من الأشياء لأُخِّرَت لإمامة رسولِ الله وفَضل الصّلاة معه، إذ قَدَّموا عبد الرحمن بنَ عوفٍ في السَّفر. الفائدة التّاسعة (٦): فيه: جوازُ تقديم النّاس في مساجدهم إمامًا لأنفسهم بغير إذن الوالي، ولأنّ ذلك

стр. 605

ليس كالجمعة الّتي هي إلى الولاة، ولا يُعَابُ عليهم في ذلك إلَّا أنّ يعطِّلُوها، أو تَنْزِل نازلة ضرورة. الفائدة العاشرة (١): فيه: جوازُ ائتمامِ الوالي في عَمَلِهِ برَجُل من رعيَّتِهِ. الفائدة الحادية عشر (٢): فيه: بيان بأنّ قوله ﵇: "لا يَؤُمَنَّ أحدٌ في سلطانه إلَّا بإذنِهِ" (٣) يعني بدليل هذا الحديث، إلَّا لفَضل الوقت أو خوفِ فَوتٍ، وفي معنى ذلك ما كان أشدَّ ضرورة من ذلك أو مثلها. الفائدة الثّانية عشر: فيه من الفقه: جوازُ إمامةِ الفاضل خَلفَ المفضولِ (٤)، والعالِم خَلف الجاهل ومن هو دونه في العلم والقراءة، هذا كلّه جائزٌ. الفائدة الثّالثة عشر (٥): فيه: أنّه لم يتأخر ابن عَوف للنّبىِّ ﷺ حين قَدِمَ كما تأخَّر أبو بكر، فدلَّ هذا الحديث أنَّ حديث أبا بكر كان قبل حديث عبد الرحمن؛ لأنهم صفَّقُوا في حديث أبى بكر ولم يُصَفِّقُوا في حديث عبد الرحمن، ولم (٦) يتأخّر عبد الرحمن للنبي ﷺ كما تأخّر أبو بكر.

стр. 606

الفائدة الرّابعة عشر (١): فيه: أنّه إذا تأخر الإمامُ ثم تقدم آخر (٢)، لم يخرج الإمام المستخلف للإمام الرّاتب، وإنّما كان فعلُ أبي بكر خصوصًا للنَّبىِّ ﷺ . فلا (٣) يجوزُ اليوم لأحدٍ أنّ يتأخَّر للإمام إذا قدم. الفائدة الخامسة عشر: (٤) فيه من الفقه: أنّ رسول الله ﷺ حين صلّى مع ابن عَوف ركعة جلس معه في الأُولَى، ثمَّ قَضَى ما فاته في الأُخرَى، فكان فعلُه ذلك أحسن دليل على أنّه ينبغي أنّ يُحمَد ويُشكَر كلُّ من بادر إلى أداء فريضته، وعمل فيهَا ما يجب عليه عمله. الفائدة السّادسة عشر (٥): فيه: بيان فضل عبد الرحمن بن عَوفِ، إذ قَدَّمَهُ جميعُ الصّحابة لأنفسهم في صلاتهم بَدَلًا من نبيِّهم ﷺ ، ولأنَّه (٦) أيضًا من جُملةِ العشرة المذكورة، وفضائله أكثر من أنّ أُنبِّهَ عليها. الفائدة السّابعة عشر (٧): فيه: الحُكمُ الجليلُ الّذي به فُرِّقَ بين أهلِ السُّنَّةِ وأهل البِدَع، وهو المسحُ على الخُفَّين، لا يُنكِرُهُ إلّا مخذولٌ مبتدِعٌ، خارجٌ عن جماعة المسلمين أهل الفقه والأثرِ، لا خلافَ بينهم فيه، إلَّا قومٌ ابتدعوا وأنكروا، وقالوا: إنّه خلافُ القرآن وغير (٤) القرآنِ قد

стр. 607

نسخَهُ، ومعاذَ الله أنّ يُخَالِفَ رسولُ الله ﷺ كتابَ الله، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية (١). والقائلون بالمَسحِ هم الجماهيرُ من العلماء، والجَمُّ الغفيرُ والعدد الكثير الّذي لا يجوزُ عليهم الغَلَطُ، وهم جمهورُ الصّحابةِ والتابعينَ وفقهاء المسلمين (٢). وقالت (٣) الخوارج لا يجوز أصلًا؛ لأنّ القرآن لم يَرِد به (٤). وقالت الشِّيعة: لا يجوز؛ لأنّ عليًّا امتنع منه (٥). والحجةُ للجماعة من الطُّرُق الّتي اشتهرت، وعن الصّحابة الّذين كانوا لا يفارقونه في الحَضَر والسَّفَر، فممن نَقَل عنه ﷺ : عمر بن الخطاب (٦)، وعليّ (٧)، وسعد (٨)، والمغيرة (٩)، وابن مسعود، وابن عبّاس، وجابر (١٠)، وعمرو بن العاصي، وأبو أيوب (١١)، وأبو أُمَامَة الباهلي، وسهل بن سعد، وقيس بن سعد، وأبو موسى الأشعري، وأبو سعيد، وحُذَيفَة (١٢)، وعَمّار، والبراء بن عازب، وأبو بكرة، وبلال (١٣)،

стр. 608

وصفوان (١)، وغير هؤلاء، حتّى قال الحسن بن أبي الحسن البصري: حدثني سبعون من أصحاب محمد ﷺ أنّه مسح على الخُفَّينِ (٢)، فجرى هذا مَجرَى التّواتُر. وحديث المغيرة كان في غَزوة تَبُوك- كما بيَّنَّاهُ- سنة تسع من الهجرة، فسقط بهذا قول من يقول: إنّ آية الوضوء مَدَنِيَّةٌ والمسح منسوخٌ بها؛ لأنّه متقدِّم، وغَزْوة تَبُوك متأخِّرة، وهي آخر غزواته من المدينة، والمائدة نزلت بالمدينة قبل هذا. حتّى تأوّل جماعة من العلماء قوله : ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (٣) في قراءة من خفض (٤) إنّه أراد إذا كانا في الخُفِّين. وممّا يدلُّ على أنّ المسح غير منسوخ، حديث جرير؛ أنّه رأى رسول الله ﷺ يمسحُ على الخُفِّين، وكان يعجبهم (٥)؛ لأنّ جريرًا أسلم بعد المائدة حين رَوَى المسح عن النَّبيِّ ﷺ (٦). وأيضًا: فإنّ حديث المغيرة في المسح كان في السَّفَر، فأعجبهم استعمال جرير له في الحَضَر وأنّه لم ينسخه شيءٌ: مزيد بيان: فإن قيل: قد روي عن مالكٌ إنكار المسح على الخُفَّين في السَّفَر والحَضَر. الجواب عنه من وجهين: أحدهما (٧): أنّ هذه رواية أنكرها أكثر القائلين بها، والرِّوايات عنه بإجازة المسح

стр. 609

في السَّفَر والحَضَر، والحضر أشهر وأكثر، وعلى ذلك بَنَى مُوَطَّأَهُ، وهو مذهبه عند كلِّ من سلك اليوم سبيله، لا ينكره منهم أحدٌ (١). الجواب الثّاني - قلنا: قد يعتقد العالِمُ في شيءٍ أنّه كذلك، حتّى يتبيَّن له أنّ فعله ذلك من طريق غير صحيحٍ، فيرجع عنه، كما فعل أبو هريرة في حديث الصّائم إذا أصبح جُنُبا (٢) فرجعَ عنه، وهذا ممّا لا يُعَابُ على أحدٍ من العلماء، والرُّجوع إلى الحقِّ أَولَى. كشف وإيضاح في تحقيق هذا الباب: قال الإمام الحافظ (٣): المسحُ على الخُفَّين سُنَّةَ من سُنَنِ الدِّين، ورُخصَة للمسلمين، ورد به الكتاب والسُّنَّة، واجتمعت عليه الأُمَّة. أمّا الكتاب، فقوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ الآية (٤)، فأحد التّأويلات فيمن قرأ بالخفض أنّه أراد به المسح على الخُفَّينِ، إذ لا حالَةَ للرَّجُل يمسح فيها إلّا تلك الحالة. وأما السُّنَّة، فما نبيِّنه لكم من أنَّ جماعة من الصّحابة رَوَتِ المسحَ على الخفَّين، فصار كالإجماع الّذي لا يجوز خلافه. قال الإمام الحافظ: ومَن نظر إلى مقاطع الشّريعة وقوانينها، لم يستبعد المسح على الخُفَّين، ولم يشكّ أنّ وضع شَطْر الصّلاة وإباحة الفِطر أعظم في الرُّخصة من المسح على الخُفَّين، لِمَا في نزعهما من المشقَّة، والمسح على الخفَّين رخصةٌ وتخفيفٌ، وتكلُّف الوضوء على الرجلَين والمشقَّة بعيدة والسّيرُ متَّصِلٌ. وأما ما أردته من تحقيق مذهب مالكٌ، فإنه قال: لا تَوقِيتَ على المسافرِ، ومسحه على الخُفَّين (٥) جائز دائمًا، ما لم يقع في جنابة، وهذا مأخوذ من النَّظَرِ ليس من الأثرِ.

стр. 610

والنظر الّذي اقتضى جواز المسح للمسافر من غير توقيت فُسحةٌ للمقيم؛ لأنّه قد يستغرق بشُغلِه نهاره كلّه، وقد يفوته بِنَزع الخُفَّين أمرٌ عظيمٌ، لكنّه في آخر نهاره يرجع إلى قراره وَيأوِي إلى مسكنه، فيشقّ عليه حبس الخُفَّين للصلاة عن أنّ ينزعها، فلأجل هذا قلنا: إنّ الصّحيح جواز المسح مؤقَّتًا على ما جاء في الحديث عن علي بن أبي طالب (١). ولا يمسح عليها إلَّا إذا لبسها على الطّهارة (٢)، لقول النّبيِّ ﷺ في حديث المغيرة: "دَعهُمَا فإنِّي أَدخَلتهما طاهرتين" (٣). فإنْ لبسَ خُفَّين، فليمسح على الأعلى خاصة، وقد روي أنّ المسح على أعلى الخُف وأسفله (٤)، وذلك غير لازمٍ؛ لأنّ المسحَ مبنىٌّ على التّخفيف، فلا يستوفى فيه ما كان يستوفى في الأصل. والخفُّ هو قشر من جلدٍ مخروزٍ يكون على الرَّجل، يمكن متابعة المشي عليه (٥)، فهذا هو الّذي تتعلَّق به الرُّخصة، ويكون بَدَلًا عن الرِّجلَين، ولا يبالي لبس منهما واحدًا أو أكثر من ذلك؛ لأنّ حكم الآخر حكم الأوّل. ويعتبر في لبسهما الحاجة دون الرّفاهية، فإن لبسهما للرّفاهية، لم يَجُز المسح عليهما؛ لأنّ الرُّخصةَ موقوفة على الحاجة، تجوزُ بجوازِها وتمنعُ بعدَمِها. تنبيه على مقصد: فإن قيل: فما وجهُ ذِكرِ العِمَامَةِ في هذا الحديث؟ الجواب- قلنا (٦): قال الأصيلي (٧): العمامةُ في هذا الحديث من خطأ الأوزاعيِّ (٨)

стр. 611

لأنّ شيبان روى الحديث عن يحيى بن أبي كثير ولم يدكر العمامة، وقد وقع في "مصنَّف عبد الرازق" (١)؛ أنّه ﷺ مسح على خُفَّيهِ ولم يذكر العمامة، وأبو سَلَمَة لم يسمع من عمرو وإنّما سمع من ابنه جعفر، فلا حُجَّة في هذا، وقد مضَى القولُ فيه. تكملة (٢): قوله (٣): "فَفَزعَ النَّاسُ" قال علماؤنا (٤): يحتملُ أنّ يكون فزعهم في حديث عبد الرَّحمن خِيفَةَ أنّ يكونوا لم يبالغوا في انتظاره. وقوله (٥): "أَحسَنتُم" يحتمل أنّ يكون أراد أنّ يسكن ما بهم من الفزع. والوجه الثّاني: يحتَمِلُ أنّ يكون تقديمُهم لعبد الرحمن أنّ أبا بكرٍ وعمر كانا غائبين مع النّبيِّ ﷺ ، فقال لهم: أَحسَنتُم الّذي لم تؤخِّروا الوقتَ. والوجه الثّالث - قال الأصيليُّ: إنّما كان ذلك لأنهم كانوا مشاة، فصلّى عبد الرحمن بأصحابه، فأتى النّبيّ ﷺ وهو يصلّي بالصَّحابة (٢). والوجه الرّابع: قال جماعة أهل الحديث (٦): كان ذلك في غزوة فنزلوا متباعدين، فصلّى عبد الرحمن بمن كان معه، فَمَرَّ بهم النّبيّ ﷺ ، فلذلك فزعوا حين رَأَوا النّبيَّ ﷺ ، وظنُّوا أنّ يكون أتاهم لأمر حَدَثَ، والله أعلم. وقال بعضُ المحدِّثين: بل هو تصديق لقوله: " ما مات نبىٌّ قَطُّ حتّى أَمَّهُ رَجُلٌ من قومه" (٧) يحتمل أنّ يكون عبد الرحمن، ويحتمل أنّ يكون أبو بكر حين أمَّه في مرضه

стр. 612

الّذي توفّي فيه. حديث مالكٌ (١)، عن نافع، وعبد الله بن دينار؛ أنّهما أخبراهُ أنّ عبد الله بن عمر قَدِمَ الكوفةَ على سعدِ بن أبي وقّاص، وهو أميرُها، فرآه عبدُ الله بن عمر يَمسَحُ على الخُفَّينِ، فأَنْكَرَ ذلك عليه، فقال له سعد: سَل أباكَ إذا قدِمتَ عليه، قال: فقدِمَ عبدُ الله، فنَسِيَ أنّ يسألَ عمر عن ذلك، حتّى قدِمَ سعدُ، فقال: أسألتَ؛ فقال: لا، فسأله عبدُ الله، فقال عمرُ: إذا أدخَلتَ رجلَيكَ في الخُفَّينِ وهما طاهرتان، فامسَح عليهما، قال عبدُ الله بن عمر: وإن جاءَ أحَدُنا من الغائط؛ قال عمرُ: نعم، وإن جاءَ أحدُكُم من الغائطِ. فيه خمس فوائد: الفائدة الأولى (٢): فيه: المسح على الْخُفَّينِ في الحضَر؛ لأنّ سعد بن أبي وقاص كان أمير الكوفة. وقال الأصيلي: كان سعد حين أنكر عليه ابن عمر المسح محاصرًا لجلولة، وجلولة موضع بالعراق (٣). الفائدة الثّانية (٤): وفيه: فضلُ عمر وعلمُه، وأنهم كانوا يردّون ذلك له. الفائدة الثّالثة (٥): وفيه: الاحتجاج في العلم والمراجعة فيه. الفائدة الرّابعة (٦): وفيه: التكلم في العلم بما يظنُّ المرءُ أنّه جائزٌ.

стр. 613

وقول سعد لابن عمر حين قدم المدينة: هل سألت أباك؟ يحتمل أنّ يكون أراد به أنّ يعلم ما عند عمر في ذلك ليثبت عليه. ويحتمل أنّ يكون أراد تحقيق قول عبد الله بن عمر (١). الفائدة الخامسة (٢): وفيه: أنّ المرء يستظهرُ بسؤالِ مَنْ هو أعلم منه إذا رُوجِعَ في شيءٍ. حديث مالكٌ (٣)، عن نافع؛ أنّ عبد الله بن عمرَ بالَ في السُّوقِ، ثمَّ توضَّأَ الحديث. فيه ثلاث فوائد: الفائدة الأولى (٤): المسحُ في الحضَر، وإنّما فعل ذلك ابن عمر بعد الّذي عرض له مع سعد بن أبي وقّاص. الفائدة الثّانية (٥): فيه: دخولُ العالِم السُّوق، والبول فيها، ولم يأخذ مالكٌ بظاهر تأخير ابن عمر المسح، ولم يكن مسح ابن عمر يبعدُ ممّا تقدَّم من الوَضُوء؛ لأنّ السُّوق قريبٌ من المسجد. ويحتمل أنّ يكون إنّما أَخَّر ابن عمر المسح لأنّه كان برِجلَيه علّة، فلم يمكن له الجلوس في السُّوق، فلمّا أتى باب المسجد تمكّن من الجلوس ومسح عَلى خُفَّيه، وذلك لقُربِ المسجد من السّوق.

стр. 614

ويحتمل أنّ يكون ابنُ عمر نَسِيَ حين توضَّأَ، فذَكَر ذلك حين دُعِيَ للجنازة. ويحتمل أنّ يكون ابنُ عمر كان يرى أنّ غسل الأعضاء على الفور في الوضوء ليس من الواجب، ومالك يرى الفَورَ في الوُضوء سُنَّة واجبة. ومن ترك ذلك عامدًا استأنف الوضوء، ومن ترك ذلك ناسيًا، فإن كان بحضرة الماء غسل ما نسِيَ وما بعدَهُ استحبابًا ليأتي بالرُّتبة في الفور. وإن لم يكن بحضرة الوَضُوء غسل الّذي نَسِيَ فقط، ولا غسل عليه لما بعده؛ لأنّه لا يقدر أنّ يأتي بجميع الوضوء في الفَوْر. إلَّا أنّ يبتدىء جميع الوضوء، وهذا لا يجب على النّاسي؛ لأنّ الرُّتبة في الوضوء عند مالك ليست بفرضٍ، ولو كانت الرّتبة عنده فرضا لوجب على المتوضِّيء إذا نَسِيَ من فرضه شيئًا وذكر ذلك بعد أنّ تطاول أنّ يبتدىء الوضوء من أوَّله، كما يجب في الصّلاة إذا نسي من فرضها شيئًا وذكر ذلك بعد أنّ تطاول. وذكر ابنُ حبيب (١) عن مالكٌ أنّه فَرَّقَ بين ما يغسل وبين ما يمسح فقال: إذا نَسِيَ ممّا يغسل شيئًا فلم يذكر ذلك حتّى تطاوَلَ، فإنه يبتدىء الوضوءَ من أوَّله، وإذا نَسِيَ مسحَ رأسه فإنّه يمسح برأسه فقط. قال الإمام الحافظ: وهذا الّذي حكاهُ ابن حبيب ليس بالقويّ؛ لأنّه لا فَرقَ بين ما يغسل وبين ما يمسح (٢)، إلَّا أن يخصّ ذلك ما يجب به التّسليم من نصِّ أو إجماعٍ، وهما لا يوجَدَان في هذه المسألة. العملُ في المسحِ على الْخُفَّيْن قال الإمام الحافظ: انظروا فِقه مالك ﵀ كيف ساقَ الأثرَ، ثمّ بَيَّنَ كيفية العمل، وقد قيَّدنا في هذا الباب عن أشياخنا ممّا يحتاج إليه ولا بدّ منه عشر مسائل:

стр. 615

المسألةُ الأولى (١): ١٥٣ قال مالكٌ (٢): لو مسح الأسفل دون الأعلى لم يجزه وُيعِيدُ أبدًا، قال سحنون وابنُ حبيب: هذا المشهور من المذهب (٣). وروى ابن عبد الحَكَم عن أشهب أنّه يجزئه، وبه قال الشّافعيّ (٤). المسألة الثّانية (٥): قال ابنُ نافع: من ترك مسح باطن الخفّ أعاد أبدًا. وعلى رواية ابن القاسم، إنّ مسح أعلى الخفَّ وترك أسفله أعاد في الوقت. وقال سُحنون: لا إعادة عليه، وهو* عندي الأظهر؛ لأنّها رخصةٌ والرُّخَصُ أبدًا مبنية على التَّخفيفِ* (٦)، وإن كان الظّاهر من المذهب وجوب الاستيعاب، وهو مقتضى رواية موسى بن معاوية عن ابن القاسم في "العُتبِيَّة" (٧)، ويقتضي قول ابن مسلمة: ليس شأن المسح الاستيعاب، أنّ ذلك غير واجب.

стр. 616

المسألة الثّالثة (١): قال (٢): وان كان الخَرق يسيرَا جاز المسح عليه (٣)، خلافًا لأحد قولي الشّافعيّ (٤)، وان كان كثيرًا لم يجز المسح عليه. وفَرَّقَ العراقيون من علمائنا بين القليل الّذي لا يمنع المسح، وبين الكثير الّذي يمنعه، بأنّ القليل يمكن متابعة المشي معه غالبًا (٥). وقال ابنُ القاسم: إنَّ الخَرقَ إذا ظهر منه القدم منع المسح، وإذا لم يظهر منه القَدَم لم يمنعه، ولم يحدّ فيه أحد من أصحابنا ربعًا ولا ثلثًا، خلافًا لأبي حنيفة (٦) في قوله: إنّ كان الخَرق أقلّ من ثلاثة أصابع جازَ المسح عليه. فإن أشكلَ الخَرقُ فلم يدر أهو من الكثير أم من القليل، فقال ابن حبيب: يخلعه ولا يمسح عليه. المسألة الرّابعة (٧): واختلف قوله في الجُرمُوق (٨): واستدلّ عبد الوهّاب (٩) في ذلك بأنّه ملبوس على ممسوح فلم يجز أنّ يمسح عليه في الوضوء لغير ضرورة كالعِمَامَة، فاقتضى استدلاله أنّه خفٌّ ملبوس على خُفٍّ. وقال ابن أبي زيد في "نوادره" (١٠): اختلف قول مالكٌ في مسح خُفٍّ ملبوسٍ على

стр. 617

خُفٍّ، فقال مرة: يمسح (١)، وقال مرة: لا يمسح (٢)، هكذا ذكره الشّيخ أبو بكر الأَبهَرِيّ في"شرحه" (٣). وقال ابنُ حبيب: هو (٤) غليظ لا ساقَ له (٥). المسألةُ الخامسة (٦): قال (٧): ومن لبس مهاميز (٨) فوق خُفه، فقال سحنون: يمسح على المهاميز (٩). ووجه ذلك على قول من يرى تبعيض المسح بَيِّنٌ، وعلى قول من لا يرى ذلك: أنّه لَمّا سُومِحَ في يسير الخَرقِ سُومِحَ أيضًا في يسير الحائل الّذي تدعو الضّرورة إليه. إكمال (١٠): قال (١١): فلو توضّأ، فغسل إحدى قَدَمَيه، ثمّ لبس الخفّ (١٢)، ثمّ غسل الأخرى، ثمّ لبس الآخر، فالمشهور من مذهب مالكٌ ﵀ أنَّه لا يمسح عليهما (١٣).

стр. 618

وقال مُطَرِّف: يمسح عليهما، وبه قال أبو حنيفة. قال الإمام الحافظ (١): ووجه الرِّواية الأولى: أنّ كلَّ ما كانتِ الطّهارةُ شرطًا في صِحَّتِهِ وجبَ أنّ يَتَقَدَّم على جميعه كالصّلاة. ووجه الرواية الأخرى: أنّه حَدَثٌ وردَ على طُهرٍ كاملٍ فأشبه إذا ابتداء اللّبس بعد غسل القَدَمَين. ما جاء في الرُّعاف قال الإمام الحافظ (٢): أخذ مالكٌ بفِعلِ ابنِ عمر بالبناء في الرُّعَاف (٣)، ولم يأخذ بفِعلِهِ في الوضوء (٤)، وليس الوُضوء ممّا يلزَمُ الرَّاعفَ. وفي فعل ابنِ عمرَ إجازة العمل اليسير في الصّلاة إذا كان من مصلحة الصّلاة، والوُضوء من مصلحة الصّلاة؛ فلذلك استحقَّهُ ابن عمر وابن المسيِّب. وقد زعم بعضُ العلماء أنّ وُضوءَ ابن عمر إنّما كان غسلُ الدَّم فقط؛ لأنّ العرب تسمِّي غسل الأذى وضوءًا، وهذا التّأويل حَسَنٌ، لولا أنّ مالكًا حَمَلَهُ على أنّ ابنَ عمر أكمل الوضوء فقال في "السَّمَاع": "إنّما هذا من ابن عمر على وجه التَّوَقِّي" أو نحو هذا الكلام، فلولا مخالفة مالك لكان هذا التّأويل حَسَنًا. نكتةٌ لُغَويَّة: قال: الرُّعَاف هو دمٌ يخرج بسرعة؛ لأنَّ أصل الرُّعَاف السُّرعة، يقال منه رَعَف، بفتح الراء والعين، ولا يقال رَعِف بكسر العين (٥).

стр. 619

غايةٌ وإيضاحٌ (١): قال الإمام الحافظ: قال مالكٌ بالبناء في الرُّعاف، وهي مسألة مُعضِلَةٌ ليس في المذهب أشكلُ منها، وَرَدَّها عامَّةُ الفقهاء، إلَّا أبا حنيفة (٢) فإنّه قال: يَبنِي فيها وفي الحَدَثِ كلِّه، ووقَعَ مثلُ مذهبِ أبي حنيفة لأشهبَ. فأمَّا البناءُ في الحَدَثِ فإنّما يُبنَى على أصلٍ، وهو القولُ بتبعيض الصّلاة في الصِّحَّةِ، وقد قال الشّافعيّ (٣): إذا رأى المصلِّي حريقًا أطفأَه، أو غريقًا استنقذَهُ، وبَنَى على صلاته، وخالَفَه مالكٌ وأبو حنيفة (٤)، والأصولُ كما تَرَى متعارضةٌ. قال الإمامُ الحافظُ: والصّحيحُ أنّ الصّلاة تَبطُلُ بِطَرَيَان الحَدَثِ وبالاشتغال مع الحريق والغريق وما أشبَهَهُ. وليس للعلماء فيه متعلّقٌ قويٌّ في البناء في الرّعَافِ إلّا حديث ابن عمر (٥) وابن عبّاس (٦)، ومن التّابعين أيضًا سعيد بن المسيَّب (٧)، وسالم بن عبد الله (٨)، فإنهم كانوا يرعُفُونَ في الصّلاة حتّى تختضِبَ أصابعهم -أي الأنامل الأُولَى منها- من الدَّم الّذي يخرج. نكتةٌ أصوليةٌ: وهي تنبني على أصل من أصول الفقه، وهو أنّ الصّاحب إذا أَفتَى بخلاف القياس، هل يكونُ أصلًا يُرجَعُ إليه أم لا؟ والصّحيحُ أنّه لا يرجع إليه، ولضَعفِ المسألةِ استَحَبَّ مالكٌ للرَّاعِفِ إنّ تكلَّمَ ألَّا يبني (٩). وقد أكثرتِ المالكية التّفريع فيها، وليست عندي من المسائل الّتي يُعَوَّلُ عليها، فإنه ليس فيها نصٌّ ولا لها نظيرٌ، ولكنِّي أربطُ لك هذا

стр. 620

الباب بجملة مسائل يعضدها القياس ويقبلها العقل. وأما البناء في الرعَافِ فقال علماؤنا (١) - رضوان الله عليهم-: "لصحّة البناء في الرُّعَافِ أربعة شروط متَّفَقٌ عليها: أحدُها: ألَّا يجد الماء في موضعٍ فيتجاوزه إلى غيره؛ لأنّه إن وجدَ الماءَ في موضع فتجاوزه إلى غيره بطلت باتِّفاقٍ. الشرط الثّاني: ألَّا يطأ على نجاسة رطبةٍ؛ لأنّه إذا وطئ على نجاسة رطبة انتفضت صلاته باتِّفاق أيضًا. الثّالث: ألَّا يسقط من الدَّم على جسده أو ثوبه ما لا يُغتَفَر لكثرته، وقد تقدَّم الكلام في حدِّه (٢)؛ لأنّه إنّ سقط من الدَّمِ على ثوبه أو جسده كثيرٌ بطلت صلاته باتِّفاق منهم (٤). الرّابع: ألَّا يتكلّم جاهلًا أو متعمِّدًا؛ لأنّه إنّ تكلَّم جاهلًا أو متعمِّدًا بطلت صلاته باتِّفاقٍ. فهذه أربعة شروط متَّفق عليها، وبقي شرطان مختلف فيهما: أحدهما: أنّه لا يتكلّم ناسيًا؛ لأنّه قد اختُلِفَ إنّ تكلّم ناسيًا: فقال ابنُ حبيب: لا يبنى؛ لأنّ السُّنَّة إنّما جاءت في بناء الرّاعف ممّا لم يتكلّم، ولم يخصّ في ذلك ناسيًا من متعمِّدٍ. وحَكَى ابن سحنون (٣) عن أبيه؛ أنّه يبني على صلاته ويسجد للسَّهو، إلَّا أنّ يكون الإمامُ لم يفرغ من صلاته فإنّه يحمله عنه.

стр. 621

الثّاني: ألَّا يطأ على قِشبٍ يابس؛ لأنّه قد اختُلِفَ فيه إنّ وطئ على قِشْبٍ يابس: فقال ابن سحنون: تنتقض صلاته. وقال ابن عبدوس (١): لا تنتقض صلاته". تنبيه على مقصد (٢): قال الإمام الحافظ (٣): وليس البناء في الرُّعاف بواجبٍ، وإنّما هو من قبيل الجائز، وقد اختُلِف في المختار المستحبّ من ذلك: فاختار ابنُ القاسم القطع بسلام أو بكلام على القياس، فإن ابتدأ ولم يتكلّم أعاد الصّلاة. واختار مالكٌ ﵀ البناء على الاتِّباع للسَّلَف الصّالح وإن خالف في ذلك القياس والنَّظَر، وهو في هذا على أصله أنَّ العمل عنده أقوى من القياس؛ لأنَّ العملَ المتَّصِلَ لا يكون أصله إلَّا عن توقيفٍ. مزيد بيان (٤): ولا يخرج الرّاعف عن حُكمِ الصَّلاةِ وحرمتها على مذهب من يجيزُ له البناء إلَّا أنّ يقطعَ بسلامٍ أو كلام أو فعل لا يصحُّ فعله في الصّلاة، وهذا وجهُ قول ابن حبيب: إنّ من رعَفَ وهو جالس وسطَ صلاته، أو راكع، أو ساجد، أو قيامه من الجلوس، أو رفعه من الركوع أو السجود؛ فإنه يعتدّ به من الصّلاة.

стр. 622

واختُلف إنّ كان مأمومًا فانصرف لغسل الدَّم وهو يريد البناء، هل يخرج من حُكم الإمام أم لا؟ على أربعة أقوال: أحدها: أنّه يخرجُ من حُكمه حتّى يرجع إليه جملة من غير تفصيلٍ. الثّاني: أنّه لا يخرج من حُكمِه جملة من غير تفصيلٍ. الثّالث: إن رَعَفَ قبل أنّ يعقد معه ركعة خرج من حُكمه حتّى يرجع إليه، وإن رعَفَ بعد أنّ قيَّدَ معه ركعة لم يخرج عن حُكمِهِ. الرّابع: أنّه إنّ أدرك ركعة من صلاة الإمام بعد رجوعه كان في حُكمِهِ (١) وإن لم يُدرِك من صلاته ركعة بعد رجوعه لم يكن في حُكمه. قال الإمام (٢): وكذلك أيضًا اختلفوا في من رَعَفَ قبل أنّ يركع وبعدَ أنّ أَحرَمَ، هل يصحُّ له البناء على إحرامه أم لا؟ فعلى أربعة أقوال: أحدُها: أنّه ينبني على إحرامه جملةً من غير تفصيلٍ، وهو قولُ سحنون (٣). الثّاني: أنّه لا يبني على إحرامه جملةً من غير تفصيلٍ، ويستأنفُ الإقامةَ والإحرامَ، وهو قولُ ابن عبد الحكَم، ومثله في سماع ابن القاسم (٤). الثّالث: أنّها إنّ كانت جمعة ابتدأَ الإحرامَ، وإن كانتِ غير جمعة يبني على إحرامه، وهو قولُ مالك في رواية ابن وهب عنه، وظاهر ما في "المدوّنة" (٥) عندي. واستحبّ أشهب في الجمعة أن يقطع. الرّابع: إنّ كان وحدَهُ أو إمامًا ابتدأ الإحرام، وان كان مأمومًا بنى على إحرامه.

стр. 623

قال الإمام الحافظ (١): وحُكمُ الإمام عندي في الرُّعاف كحُكْمِ المأموم في جميع الأشياء؛ لأنّه يستخلفُ عند خروجه من يُتمّ بالقوم صلاتهم، فيصير المستخلَفُ له إمامًا يصلي معه ما أدرك من صلاته بعد غسل الدَّمِ، ويقضي ما فاته، ويكون في حُكمِهِ حتّى يرجع إليه على الاختلاف المذكور (٢). فإنْ ظنَّ الإمامُ أنّه قد رعَفَ فانصرف، ثمّ تبيَّنَ له أنّه لم يرعف، بطلت صلاته. واختُلِفَ في صلاة القوم على قولين: ١ - نقال ابن عبدوس: لا تبطل، وحكى ذلك عن سحنون في "المجموعة". ٢ - وقال ابن سحنون: تبطل. قال (٣): فإذا رَعَف الرَّجُل خَلف الإمام فغسل الدَّم عنه، فإن عَلمَ أنَّه يُدرِك الإمام في صلاته، رجع إليه فَأَتَمَّ معه، وإن عَلِمَ أنَّه لا يُدرِك صلاته، أتمّ في موضعه (٤). تكملة (٥): قال الإمام (٦): وحُكمُ الراعفِ خَلف الإمام في الجمعة وغيرها سواءٌ، إلَّا في موضعين: أحدهما: أنّه إذا رَعَفَ بعد أنّ صلّى مع الإمام ركعة، فلم يفرغ من غسل الدَّم حتّى أتمّ الإمام الصّلاة؛ أنّه لا يصلِّي الرَّكعة الثّانية إلَّا في المسجد الّذي ابتدأ الصّلاة فيه؛ لأنّ الجمعة لا تكون إلَّا في المسجد. فإنْ حال بينه وبين الرجوع إلى المسجد أَمْرٌ غالبٌ، أضاف إليها ركعة وصلّى أربع ركعات ظهرًا أربعًا قاله المغيرة.

стр. 624

والثّاني: إذا رعَفَ قبل أنّ يتمّ مع الإمام ركعة بسجدَتَيْها (١). وإذا رعَفَ الإمام في صلاة الجنائز أو صلاة العيد، استخلف من يُتمَّ بالقوم بقيَّة صلاته، كصلاة الفريضة سواء. وأمّا إنّ رعَفَ المأموم فيهما، نإنه ينصَرِف ويغسل الدَّم، ثم يرجع فيتمّ مع الإمام ما بَقِيَ من تكبير الجنائز أو صلاة العيد. فإن علم أنّه لا يدرك شيئًا من ذلك مع الإمام، أتمَّ في موضعه حيث يغسل الدَّم، إلا أنّ يعلم أنّه يدرك الجنازة قبل أنّ ترفع، فإنه يرجع حتّى يتم ما بقي من التّكبير. قال أشهب: فإن رَعَفَ قبل أنّ يعقد ركعة من صلاة العيد، أو قبل أنّ يُكبِّر على الجنازة بشيءٍ، وخَشِيَ إنِ انصرفَ يغسل الدَّم أنّ تفوته الصّلاة، لم ينصرف وصلَّى على الجنازة، وتَمَادَى على صلاته في العيد. وكذلك لو رأى في ثوبه نجاسة، وخاف إنِ انصرفَ يغسلها أنّ تفوته صلاة الجنازة أو صلاة العيد، إنه يتمادَى على صلاته ولم يرجع؛ لأنّ الصّلاة على الجنائز وصلاة العيد مع الرَّعاف والثّوب النَّجِس أَولَى من فواتهما أو تركهما، بخلاف صلاتهما بالتّيمُّم لمن لم يجد الماء (٢). قال المؤلِّف ﵀: فهذه جملة كافية في مسائل الرَّعاف، وهي لُبابُ ما قاله جماهير الفقهاء المالكيِّين والحنفيِّين أيضًا، فيجب الوقوف عليها. العمل في الرَّعاف قال الإمام: وهذه الأبواب أيضًا مثل الّتي تقدَّمت، في تنبيه مالكٌ على ما جاء من الآثار، ثمَّ بيَّنَ بعد ذلك بالعمل.

стр. 625

مالك (١)، عن عبد الرحمن بن حَرمَلَة؛ أنّه قال: رأيتُ سعيدَ بن المسيَّبِ يَرعُفُ، فيخرُجُ منه الدَّمُ، حتّى تختضِبَ أصابعُهُ من الدَّم الّذي يخرُجُ من أنفهِ، ثم يصلِّي ولا يتوضَّأُ. قال الإمام (٢): هذا يقتضي أنّها كانت تختضبُ كلّها، وهذا في حَيِّز الدَّم الكثير، ولعلّه أراد الأنامل العليا من أصابع يده، فإنّ ذلك في حَيِّزِ اليسير. والرَّعافُ على ضربين: كثير، وقليل. فأما الكثير: فهو الّذي يخرجُ الرّاعفُ إلى غسله، ثم يبني على ما تقدَّم من صلاته كما بيَّنَّاهُ. وأمّا القليلُ: فإنه يَفْتِلُه بأصابعه حتّى يجفّ ويتمادى، وهذا لا خلاف فيه. والكثيرُ أنّ يسيل أو يقطر، لقوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ الآية (٣)، وهو الجاري، فعَفَا عن اليسير وحرَّمَ الكثير (٤)، فإن زاد على الأنامل العليا فإنّه كثير ولينصرف، قاله ابن نافع في "المجموعة" (٥) عنه. وفي "كتاب ابن المواز" (٦) نحوه، ومعنى انصرافه في هذا: قطع صلاته.

стр. 626

العمل فيمن غَلَبَهُ الدَّمُ من جُرْحٍ أو رُعاف مالك (١)، عن هشام بن عُروَة، عن أبيه؛ أنّ المِسوَرَ بن مخْرَمَةَ أخبره، أنّه دخل على عمرَ بن الخطّاب من اللَّيلةِ الّتي طُعِنَ فيها. الحديث. كذا (٢) رواه مالكٌ في "الموطَّأ"، ورواه الثّوريّ، عن هشام، عن أبيه، قال: حدّثني سليمانُ بنُ يسار؛ أنّ المِسْوَر بن مَخرَمَة أخبره؛ قال: دخلتُ أنا وابن عبّاس على عمر حين طُعِنَ، فقلنا له: الصّلاة، فقال: أما أنّه لاحظَّ لمن ترك الصّلاة، أو قال: لمن أضاعَ الصّلاة، فصلّى وجرحه يَثعَبُ دَمًا (٣). نكتةٌ لغوية (٤): قوله: "يثعب دَمًا" أي: ينفجر، وانثعَبَ: انفجَرَ، وثَعَبَ الماءَ فَجَّرَهُ، قاله الخليل بن أحمد (٥). قال الإمام (٦): هذا الحديث أصلُ هذا الباب عند العلماء فيمن لا يرقأ جُرحُهُ ولا ينقطِعُ رُعَافُه، لا بدّ له من الصّلاة في وقتها إذا أيقن أنّه لا ينقطِعُ قبلَ خروجِ الوقت، وليس حال من وصفنا بأكثر من سَلَسِ البول والمَذْيِ؛ لأنَّ البول والمَذيَ متَّفَقٌ

стр. 627

على أنّ خروجَهما في الصِّحَّة حَدَث. واختلفوا في الدَّمِ اختلافًا كثيرًا، وكذلك اختلفوا في البول والمَذي الخارِجَينِ لعلَّة مرضٍ أو فسادٍ، هل يوجِبُ خروجهما الوضوء كخروجهما في الصِّحة أم لا؟ ففي ذلك كلامٌ طويلٌ لا يحتمله هذا "المختصر". ذكر الفوائد المنثورة في هذا الحديث وهي خمس فوائد: الفائدة الأولى (١): قوله: "أنّه دخلَ على عمرَ من اللَّيلةِ الّتي طُعِنَ فيها" ظاهرُهُ أنّ وقت صلاة الصُّبح من اللّيل؛ لأنّ الّذي صحّ عن عمر أنّه طُعِنَ في صلاة الصُّبح في أوَّل ركعة، ولعلّ هذا مخالفٌ لتلك الرِّواية. ويحتَمِلُ أنّ يريدَ بذلك: من الوقت المتَّصِلِ بتلك اللَّيلة، وعند مالك؛ أنّ النهار من طُلوعِ الفجرِ، وروى عيسى (٢) عن ابن القاسم عن مالكٌ؛ أنّ عمر مات من يومه الّذي طُعِنَ فيه. الفائدة الثّانية (٣): قوله: " فَصَلَّى وَجُرحُه يَثعَبُ دمًا" يريد: يسيل؛ لأنّ خروج الدَّم على وجهين: أحدهما: أنّ يكون متَّصلًا غير منقطعٍ. والثّاني: أنّه يجري في وقتٍ دون وقتٍ. فإنِ اتَّصل خروجه، فعلى المجروح أنّ يصلِّي على حالِهِ، وليس عليه غسله إلَّا إذا كثر. وأمّا ما لا يتّصل خروجه، فإنّه يقطع الصّلاة ويغسله ويستأنف العمل (٤).

стр. 628

الفائدة الثّالثة (١): قول سعيد (٢): "أَرَى أنّ يُومِيء بِرَأسِهِ إِيمَاءً". اختلف علماؤنا في توجيه ذلك: فقال ابن حبيب: إنّما ذلك ليدرأَ عن ثوبه الدَّم (٣)، فكان ذلك من الأعذار الّتي تبيح الإيماء، كما يُبيح التَّيمُّم الزِّيادة في شراء الماء (٤). وقال محمد بن مَسلَمَة: إنّما. ذلك إذا كان الرَّعاف يضرُّ به في ركوعه وسجوده؛ كالرَّمَد ومَن لا يقدِر على السجود. الفائدة الرّابعة: قول عمر بن الخطّاب: "ولا حظَّ في الإِسلامِ لمن تركَ الصَّلاة". اختلف العلماء في تأويل ذلك على ثلاثة أقوال: ١ - القول الأوّل (٥): قال الخطّابي (٦) الحظ: النَّصيب، يقال: لا نصيب له في الإسلام. قال الإمام: وقول عمر هذا يحتمل وجهين: أحدُهما: خروجه عن الإسلام بذلك. والثّاني: أنّه يريد لا كبيرَ حظٍّ له في الإسلام، كما قيل: "لا صلاةَ لجارِ المسجدِ إلَّا في المسجدِ" (٧) و"لا إِيمَانَ لمَن لا أمَانةَ لَهُ" (٨) وكلام نحو هذا، وهو كلامٌ خرج على

стр. 629

ترك الصّلاة لا على جحودها. وأجمع العلماء أنّ جاحد فرض الصّلاة كافر حلال الدَّم، كسائر الكفّار بالله وملائكته. ٢ - التّأويل الثّاني (١): قوله: " لاَ حَظَّ في الإِسلامِ لمن تركَ الصَّلاةَ" أراد حَظًّا كاملًا وليس كحظ من لم يترك الصّلاة. ومن ذلك قوله ﷺ : "لا يزني الزَّاني حينَ يَزْنِي وهو مؤمنٌ" (٢) أراد مستكمل الإيمان" وليس إيمانُه كإيمان من لم يفعل فعله، ولا يجوز أن يخرج الإيمان منه كلّه، إذ لو خرج الإيمان منه كلّه لكان إنّ مات في نفس فعل الزِّنا أو نفس السَّرقة كافرًا، ولكن تأويله على ما ذكرنا، والله أعلم. ومنه قوله: "مَنْ غَشَّ فَلَيسَ مِنَّا" (٣) أراد ﵇ أنّ من غَشَّ ليس على طريقتنا، وأنّ الغشَّ ليس مِنْ أعمال أهل الإيمان، ولا مِنْ أخلاق أهل الإسلام، ولا مِنْ طريقهم، إنّما هو من طريقة اليهود وغيرهم، وقال ابن عُيَيْنَة: ليس مثلنا (٤). وأمّا اختلاف العلماء في تارك الصّلاة عمدًا وهو قادرٌ عليها مُقِرٌّ بها، فإنّه يُهَدَّد ويُضرَب، فإن لم يرجع وإلّا انتظر به أقرب الأوقات، فإن صلَّى وإلّا ضُرِبَت رقبته، يقتله مالك ﵀ حَدًّا لا كُفرًا، والشّافعيّ يقتله قَتْلَ كُفْرٍ (٥). وأمّا الجاحدُ لها ولفَرضِها، فإنّه كافرٌ حلال الدَّمِ، ولا يصلَّى عليه، وما له فيءٌ للمسلمين. وأمّا الّذي هو مُقِرٌّ بفرضها؛ فإنه يُقتَل وُيورَث ويصلَّى عليه، بخلاف الجاحد، فهذه أقوال العلماء ومذاهبهم في هذه المسألة.

стр. 630

الوضوءُ من المَذي مالك (١)، عن أبي النَّضْر مَوْلَى عمرَ بن عُبَيد الله، عن سليمانَ بن يَسَارٍ، عن المِقداد ابن الأسود؛ أنّ عليَّ بن أبي طالب أَمَرَهُ أنّ يَسألَ رسولَ الله ﷺ -عن الرَّجُلِ إذا دَنَا من أهله، فخرجَ منه المَذيُ، ماذا عليه؟ قال عليُّ: فإنّ عندي ابنةَ رسول الله ﷺ ، وأنا أستحِي أنّ أسأله، قال المقدادُ: فسألتُ رسولَ الله ﷺ عن ذلك فقال: "إذا وَجَدَ أحدُكُم ذلك فَلَيَنضَح فَرجَهُ وليَتَوَضَّأ وُضُوءَهُ للصّلاة". فيه فصول: الفصل الأوّل في الإسناد قال (٢) أبو محمد الأصيلي: هذا حديثٌ مُرسَلٌ؛ لأنّ سليمان بن يَسَار لم يُدرِك المقدادَ ولا سمع منه (٣)، والمقدادُ ليس هو ابن الأسود لصُلبِه إنّما رَبَّاهُ الأسود (٤). وسليمان (٥) بن يَسَار لم يسمع من المقداد ولا مِنْ عليّ؛ لأنّه لم يدركهما، وإنّما رَوَى سليمان هذا الخبر عن ابنِ عبّاس، قال: قال عليّ: أرسلنا المقداد إلى رسول الله ﷺ يسأله عن الْمَذي. الحديث (٦).

стр. 631

وسماعُ سليمانَ من ابن عبَّاسِ صحيحٌ أيضًا، والحديثُ ثابتٌ عند أهل العلم، وله طرقٌ شَتَّى عن عليّ، وعن المقداد، وعن عمار، كلّها صِحَاحٌ حِسَانٌ، وأحسنُها ما ذكر عبد الرزّاق (١) عن ابن جُرَيْج، قال: قلت لعطاء: أرأيتَ الْمَذيَ أكنت تمسحه مسحًا، قال: لا، المَذيُ أشدُّ من البول، يُغسَلُ غسلًا. ثمّ حدَّث بحديث عمار عن المقداد. نكتةٌ أصوليّة: قال الإمام الحافظ أبو عبد الله المازَرِيّ (٢): "لم يبيِّن في هذا الحديث - حديث المقداد- على أيِّ وجه وقع سؤاله؟ هل سأله سؤالًا يخصّ السّائل أو يعمّه وغيره؟ والّذي عندي أنّه لم يبيِّن على أيِّ صفةٍ أَمَرهُ عليّ أنّ يسأل له، فإن كان لم يلتفت على أيِّ وجهٍ وقعَ سؤالُه، ففيه دليلٌ على أنّه كان يرى أنّ القضايا في الأعيان تتعدَّى، وهي مسألةُ خلافٍ بين أهل الأصول؛ لأنّه لو كان يقول ما يَتَعَدَّى لأَمَرَهُ ﵁ أنّ يبيِّنَه له، إذ قد أبيح له ما أبيح لغيره، إلَّا أنّه قد ذكر في إحدى الرِّوايات أنّ سؤالَ المقداد لرسول الله ﷺ وقع على صفةٍ تَعُمُّ. وفيه أيضًا: أنّ عليًّا كلَّفَ من يسأل له مع القدرة على المشافهة، فإن كان أراد أنّ يكون سؤال الرّسول ﷺ بحضرته فيسمع منه، وإنّما احتشم من مشافهته لكون ابنته عنده، فلا اعتراضَ في ذلك. وإن لم يرد ذلك فإنّه يقال: كيف يجزئ خبر الواحد عن الرّسول مع القدرة على القطع وسماع قوله. وهل يكون هذا كالاجتهاد مع القدرة على النَّصِّ؟ وفي الظاهر من الرِّواية المذكورة فيها أنَّه قال: "فأَرْسَلْنَا المِقْدَاد" إشارة إلى أنَّه لم يحضر مجلس السُّؤال".

стр. 632

نكتةٌ لغوية (١): قال الإمام: وأكثرُ الفقهاءِ يقرؤون "الوَذي" بالذال المنقوطة. وقومٌ من أهل اللّغة يقولون: صوابه (الْوَدْيَ) بالدال مجزومة غير منقوطة، والمدي أيضًا عند أهل اللغة بجَزمٍ الذال. وقيل: المذيّ والوديّ مشدّدان. وقيل: مخفَّفان. قال أبو عبيد (٢): المني عندنا مشدَّدٌ (٣)، والمَذيُ والوَذيُ مخفّفان. ويقال: مذيتُ أَمذَيتُ، وأَمَنَيتُ، ومَنَيتُ. قال: والوَذيُ بالذّال منقوطة، وهي اللُّغة العالية، ويقال فيه أيضًا: الوَدي بالدال غير منقوطة، وهي اللغة السّافلة. قال: وله شهوة دون شهوة الجماع، وهو في لونه أصفر، يقال منه: مذى يمذي مذيًا، وأمذى يمذي إمذاءً، ومذي اللغة العالية، والمَذي هو على وزن الفعل (٤). نكتةٌ فقهيّة: اختلف (٥) علماؤنا - رضوان الله عليهم- في المَذي هل يجزئ منه الاستجمار كالبول، أو لا بدّ من الماء؟ فقال من فَرَّقَ بينهما: إنّه رخّص في ذلك للأحداث؛ لأنّها تعتري الإنسانَ في مواضع لا يتّفق وجود الماء فيها، ويشقّ الصّبر إلى وجوده، وهي أيضًا متكرِّرة، والمَذيُ لا يتكرَّر ويكون غالبًا مُكتَسَبًا، ففارق الحَدَثَ.

стр. 633

واختلف القائلون في غسل الذَّكَرِ من المَذْيِ، هل يجزئ أنّ يغسل منه ما يغسل من البول، أم لا بدّ من غسل جميعه؟ والخلافُ ينبني على ما تعلَّق الحكمُ بأوّل الاسم أو بآخره؛ لأنّ في بعض الرِّوايات: "يغسل ذَكَره" (١) واسم الذّكَرِ ينطلقُ على البعض والكلِّ. فقد قالت طائفة (٢) يغسل الذّكَر كلّه من المَذيِ، ويتوضّأ منه مثل وضوء الصّلاة، وروي هذا عن ابن عمر وابن عبّاس، وهو قول مالكٌ في "المدونة" (٣). وحجّتهم قولُه ﵇: "توضأ واغسل ذَكَرك" (٤) وهو ظاهر العموم. وقال آخرون: إنّما يجب غسل موضع الأذى من الذّكَر فقط مع الوضوء، لا غسل الذَّكَر كلّه، وهذا قول الكوفيِّين، لِمَا رواه الأعمش (٥)، وما رواه أيضًا أبو حصين عن أبي عبد الرحمن؛ قال: قال عليّ: كنت رجلًا مذّاءً فأرسلت إلى النّبيّ ﷺ فقال: "توضَّأ واغسله" (٦). قال علماؤنا البغداديون من أصحاب مالكٌ: الدّليل على صحَّتِهِ أنَّ مالكًا رَوَى في موطَّئه حديث المقداد في غسل المذي وفيه: "فَليَغسِلْ فَرجَهُ وَليَتَوَضَّأْ" هكذا رواه القَعنَبِيّ (٧) وابن وهب (٨)، وابن بكير (٩)، وجماعة (١٠).

стр. 634

قال: والفَرجُ في اللُّغة الشَّقٌّ بين الجَبَلَينِ، فحقيقةُ الفَرجِ إنّما تقع على موضع خروج البول والمذي فقط. نكتةٌ فقهيّة: قال الإمام: واختلف علماؤنا هل يفتقر في غسله إلى نية أم لا؟ والصّحيحُ أنّه لا يفتقر إلى نية، كإزالة النّجاسة، قياسًا عليها (١). ذكر الفوائد المنثورة في هذا الحديث: الأولى (٢): فيه من الفقه: الوضوءُ من المَذي، وفيه غسل المَذي وأنّه لا يُجزىء فيه الاستنجاء بالأحجار كما يجزئ في البول والغائط، لقوله: "فَليَنضَح فَرجَهُ" والوَذيُ بمنزلة البول عند مالك يجزئ فيه الاستنجاء بالأحجار. الفائدة الثّانية (٣): فيه: استعمال الحياء مع الأَصهَارِ، وفيه غير ذلك من الأدب مع الأهل. الفائدة الثّالثة: قولُ عليّ للمقداد إذ سأل له رسول الله ﷺ ، هو أصلٌ في التعاون على طَلَبِ العِلم والنِّيابة فيه. الفائدة الرّابعة: وفيه: قبول خبر الواحد العدل الثِّقة فيما ينقل منه (٤). حديث (٥): وروى زيد بن أَسلَم، عن أبيه؛ أنّ عمر بن الخطّاب قال: إنِّي لأَجِدُهُ

стр. 635

يَنحدِرُ مِنِّي مثلَ الخُرَيْزَةِ عَلَى فَخذِي، فإذا وَجَدَ أَحَدُكُم ذَلِكَ فَليَغْسِل ذَكَرَهُ وَليَتَوَضَّأ. وقد روي عنه أيضًا أنّه قال: إِنِّي لأَجِدُهُ يَنحَدِرُ عَلَى فَخِذِي كَانحِدَارِ اللُّؤلُؤ، فَمَا انصَرفُ حتَّى أَقضِي صَلاَتِي (١). أراد المستنْكَح (٢). نكتةٌ لغوية: قوله: "المستنكَح" يريد داخَله ودام به (٣)؛ لأنّ النِّكاح دخولُ الشَّيءِ في الشَّيءِ، ومنه قول العرب: نكحتِ الحَصَى أخفافَ الإبلِ. إكمال (٤): قول سعيد (٥): "لَوْ سَالَ عَلَى فَخِذِي ما انصرفتُ" إنّما ذلك لأنّه عنده ممّا لا ينقض الطّهارة، فحمل مالك ﵀ ذلك على سلس البول. وإنّما وردت هذه اللّفظة عامّة في البَلَلِ، فكان مذهب حُذَيفَة وزيد بن ثابت والحسن وعطاء وقَتَادة أنّ البَلَلَ لا يُبطل الوضوءَ في الصّلاة، وإن قطر وسال فقد بطلت صلاته ووضوؤه، وكان سعيد بن المُسَيَّب يقول: لا يبطل الوضوء في الصّلاة وإن قطر وسال، فهذا وجه الحديث. وهذه (٦) وهلةٌ عظيمةٌ من سعيد لا تليقُ بمنصبِه.
следующие страницы →