← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وسماعُ سليمانَ من ابن عبَّاسِ صحيحٌ أيضًا، والحديثُ ثابتٌ عند أهل العلم، وله طرقٌ شَتَّى عن عليّ، وعن المقداد، وعن عمار، كلّها صِحَاحٌ حِسَانٌ، وأحسنُها ما ذكر عبد الرزّاق (١) عن ابن جُرَيْج، قال: قلت لعطاء: أرأيتَ الْمَذيَ أكنت تمسحه مسحًا، قال: لا، المَذيُ أشدُّ من البول، يُغسَلُ غسلًا. ثمّ حدَّث بحديث عمار عن المقداد. نكتةٌ أصوليّة: قال الإمام الحافظ أبو عبد الله المازَرِيّ (٢): "لم يبيِّن في هذا الحديث - حديث المقداد- على أيِّ وجه وقع سؤاله؟ هل سأله سؤالًا يخصّ السّائل أو يعمّه وغيره؟ والّذي عندي أنّه لم يبيِّن على أيِّ صفةٍ أَمَرهُ عليّ أنّ يسأل له، فإن كان لم يلتفت على أيِّ وجهٍ وقعَ سؤالُه، ففيه دليلٌ على أنّه كان يرى أنّ القضايا في الأعيان تتعدَّى، وهي مسألةُ خلافٍ بين أهل الأصول؛ لأنّه لو كان يقول ما يَتَعَدَّى لأَمَرَهُ ﵁ أنّ يبيِّنَه له، إذ قد أبيح له ما أبيح لغيره، إلَّا أنّه قد ذكر في إحدى الرِّوايات أنّ سؤالَ المقداد لرسول الله ﷺ وقع على صفةٍ تَعُمُّ. وفيه أيضًا: أنّ عليًّا كلَّفَ من يسأل له مع القدرة على المشافهة، فإن كان أراد أنّ يكون سؤال الرّسول ﷺ بحضرته فيسمع منه، وإنّما احتشم من مشافهته لكون ابنته عنده، فلا اعتراضَ في ذلك. وإن لم يرد ذلك فإنّه يقال: كيف يجزئ خبر الواحد عن الرّسول مع القدرة على القطع وسماع قوله. وهل يكون هذا كالاجتهاد مع القدرة على النَّصِّ؟ وفي الظاهر من الرِّواية المذكورة فيها أنَّه قال: "فأَرْسَلْنَا المِقْدَاد" إشارة إلى أنَّه لم يحضر مجلس السُّؤال".

стр. 632

نكتةٌ لغوية (١): قال الإمام: وأكثرُ الفقهاءِ يقرؤون "الوَذي" بالذال المنقوطة. وقومٌ من أهل اللّغة يقولون: صوابه (الْوَدْيَ) بالدال مجزومة غير منقوطة، والمدي أيضًا عند أهل اللغة بجَزمٍ الذال. وقيل: المذيّ والوديّ مشدّدان. وقيل: مخفَّفان. قال أبو عبيد (٢): المني عندنا مشدَّدٌ (٣)، والمَذيُ والوَذيُ مخفّفان. ويقال: مذيتُ أَمذَيتُ، وأَمَنَيتُ، ومَنَيتُ. قال: والوَذيُ بالذّال منقوطة، وهي اللُّغة العالية، ويقال فيه أيضًا: الوَدي بالدال غير منقوطة، وهي اللغة السّافلة. قال: وله شهوة دون شهوة الجماع، وهو في لونه أصفر، يقال منه: مذى يمذي مذيًا، وأمذى يمذي إمذاءً، ومذي اللغة العالية، والمَذي هو على وزن الفعل (٤). نكتةٌ فقهيّة: اختلف (٥) علماؤنا - رضوان الله عليهم- في المَذي هل يجزئ منه الاستجمار كالبول، أو لا بدّ من الماء؟ فقال من فَرَّقَ بينهما: إنّه رخّص في ذلك للأحداث؛ لأنّها تعتري الإنسانَ في مواضع لا يتّفق وجود الماء فيها، ويشقّ الصّبر إلى وجوده، وهي أيضًا متكرِّرة، والمَذيُ لا يتكرَّر ويكون غالبًا مُكتَسَبًا، ففارق الحَدَثَ.

стр. 633

واختلف القائلون في غسل الذَّكَرِ من المَذْيِ، هل يجزئ أنّ يغسل منه ما يغسل من البول، أم لا بدّ من غسل جميعه؟ والخلافُ ينبني على ما تعلَّق الحكمُ بأوّل الاسم أو بآخره؛ لأنّ في بعض الرِّوايات: "يغسل ذَكَره" (١) واسم الذّكَرِ ينطلقُ على البعض والكلِّ. فقد قالت طائفة (٢) يغسل الذّكَر كلّه من المَذيِ، ويتوضّأ منه مثل وضوء الصّلاة، وروي هذا عن ابن عمر وابن عبّاس، وهو قول مالكٌ في "المدونة" (٣). وحجّتهم قولُه ﵇: "توضأ واغسل ذَكَرك" (٤) وهو ظاهر العموم. وقال آخرون: إنّما يجب غسل موضع الأذى من الذّكَر فقط مع الوضوء، لا غسل الذَّكَر كلّه، وهذا قول الكوفيِّين، لِمَا رواه الأعمش (٥)، وما رواه أيضًا أبو حصين عن أبي عبد الرحمن؛ قال: قال عليّ: كنت رجلًا مذّاءً فأرسلت إلى النّبيّ ﷺ فقال: "توضَّأ واغسله" (٦). قال علماؤنا البغداديون من أصحاب مالكٌ: الدّليل على صحَّتِهِ أنَّ مالكًا رَوَى في موطَّئه حديث المقداد في غسل المذي وفيه: "فَليَغسِلْ فَرجَهُ وَليَتَوَضَّأْ" هكذا رواه القَعنَبِيّ (٧) وابن وهب (٨)، وابن بكير (٩)، وجماعة (١٠).

стр. 634

قال: والفَرجُ في اللُّغة الشَّقٌّ بين الجَبَلَينِ، فحقيقةُ الفَرجِ إنّما تقع على موضع خروج البول والمذي فقط. نكتةٌ فقهيّة: قال الإمام: واختلف علماؤنا هل يفتقر في غسله إلى نية أم لا؟ والصّحيحُ أنّه لا يفتقر إلى نية، كإزالة النّجاسة، قياسًا عليها (١). ذكر الفوائد المنثورة في هذا الحديث: الأولى (٢): فيه من الفقه: الوضوءُ من المَذي، وفيه غسل المَذي وأنّه لا يُجزىء فيه الاستنجاء بالأحجار كما يجزئ في البول والغائط، لقوله: "فَليَنضَح فَرجَهُ" والوَذيُ بمنزلة البول عند مالك يجزئ فيه الاستنجاء بالأحجار. الفائدة الثّانية (٣): فيه: استعمال الحياء مع الأَصهَارِ، وفيه غير ذلك من الأدب مع الأهل. الفائدة الثّالثة: قولُ عليّ للمقداد إذ سأل له رسول الله ﷺ ، هو أصلٌ في التعاون على طَلَبِ العِلم والنِّيابة فيه. الفائدة الرّابعة: وفيه: قبول خبر الواحد العدل الثِّقة فيما ينقل منه (٤). حديث (٥): وروى زيد بن أَسلَم، عن أبيه؛ أنّ عمر بن الخطّاب قال: إنِّي لأَجِدُهُ

стр. 635

يَنحدِرُ مِنِّي مثلَ الخُرَيْزَةِ عَلَى فَخذِي، فإذا وَجَدَ أَحَدُكُم ذَلِكَ فَليَغْسِل ذَكَرَهُ وَليَتَوَضَّأ. وقد روي عنه أيضًا أنّه قال: إِنِّي لأَجِدُهُ يَنحَدِرُ عَلَى فَخِذِي كَانحِدَارِ اللُّؤلُؤ، فَمَا انصَرفُ حتَّى أَقضِي صَلاَتِي (١). أراد المستنْكَح (٢). نكتةٌ لغوية: قوله: "المستنكَح" يريد داخَله ودام به (٣)؛ لأنّ النِّكاح دخولُ الشَّيءِ في الشَّيءِ، ومنه قول العرب: نكحتِ الحَصَى أخفافَ الإبلِ. إكمال (٤): قول سعيد (٥): "لَوْ سَالَ عَلَى فَخِذِي ما انصرفتُ" إنّما ذلك لأنّه عنده ممّا لا ينقض الطّهارة، فحمل مالك ﵀ ذلك على سلس البول. وإنّما وردت هذه اللّفظة عامّة في البَلَلِ، فكان مذهب حُذَيفَة وزيد بن ثابت والحسن وعطاء وقَتَادة أنّ البَلَلَ لا يُبطل الوضوءَ في الصّلاة، وإن قطر وسال فقد بطلت صلاته ووضوؤه، وكان سعيد بن المُسَيَّب يقول: لا يبطل الوضوء في الصّلاة وإن قطر وسال، فهذا وجه الحديث. وهذه (٦) وهلةٌ عظيمةٌ من سعيد لا تليقُ بمنصبِه.

стр. 636

وقد اختُلف في غسل من لدَغَتهُ عقرب، أو ضرب بسوط، أو كانت به حكَّة، فاغتسل بماء سُخنٍ فأنزلَ، فالاختيارُ أنّ يغتسل لإنزال، فيجيء على اختياره هذا؛ أنّ معنى خروجه على معنى الصِّحَّة، أنّ يخرج لسبب سواء كان السّبب لذّة الماء أو غيره. وقال سحنون في "كتاب إبنه": مَنْ أمنَى للَدْغَة عقرب أو ضرب سيف فلا غسلَ عليه، وإنّما الغسل على من خرج منه ذلك للذّة، مثل أنّ يستنكح فيمني، أو يلتذّ في الحوض، فَفُهِمَ من مذهبه أنّ ما يعتبر به اللَّذَّة فقط. وقال مالكٌ (١): ومن به سَلَس فإنّه يجب عليه، لوضوء إذا تعمد البول، كالّذي به سلَس المَذي لا يجب عليه الوضوء حتّى يقصد اللّذة بأن يلاعب فيخرج منه المذي للَّذَّة. نكتةٌ لغويّة (٢): قوله (٣): "وَالهَ عَنْهُ" يريد اغفل عنه، يقال منه: لهى يلهي، ولها يلهو، من اللَّهو يقال: لَهَيْتُ عن كذا فأنا ألهى عنه، إذا غفلت ولهوت، فأنا ألهو من اللَّهْو (٤).

стр. 637

الوُضوء من مَسِّ الفَرْجِ مالكٌ (١)، عن عبد الله بن أبي بكير بن عمرو بن حَزمٍ؛ أنّه سمع عُرءوَة ابن الزُّبيرِ يقولُ: دخلتُ على مروان، فتذَاكَرنَا ما يكونُ منه الوضوءُ. الحديث. تنبيه على وهم قبيحٍ في إسناد يحيى بن يحيى: وذلك (٢) أنّه قال في كتابه: "مالكٌ، عن عبد الله بن أبي بكر، عن محمد بن حزم"، فجعَلَ في مَوْضعِ "ابن": "عن"، فأفْسَدَ الإسنادَ، وجعَلَ الحديثَ لمحمد بن عَمْرِو بن حَزمٍ، هكذا حدَّثَ به عنه ابنُه عُبَيْد الله. وأمّا ابنُ وضَّاحٍ فلم يُحدِّث به هكذا، وحدَّث به على الصِّحةِ فقال: مالكٌ، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عَمرِو بنِ حَزمٍ، وهذا هو الّذي لا شكَّ فيه عند جماعة أهل العلم بالرِّجال. قال الإمام (٣): وفي جَهْلِ عُرْوَةَ بهذه المسألة -على ما في حديث مالك وغيره- دليلٌ على أنّ العالِمَ لا ينقصه علمه في جهل اليسير من العلم (٤). وقد سُئِلَ ابنُ مَعِين: أيُّ حديثٍ يَصِحُّ في مسِّ الذَّكَر؛ فقال: لولا حديثٌ جاءَ عن عبد الله بن أبي بكر لقلتُ: لا يَصِحّ في مسِّ الذَّكرِ حديث (٥). فصحَّح ابنُ مَعين حديث بُسْرَة من رواية مالكٌ، وكان يقول بالوضوء من مسِّ الذَّكَر، وبُسرَة هي خَالة مروان.

стр. 638

قال القاضي أبو الوليد (١): "اختلفت الآثار عن النّبيِّ صلّى الله عليه في إيجاب الوضوءِ من مسِّ الذَّكَر، فَرَوَى عنه الأمر بالوضوء من مسِّ الذَّكَرِ جماعةٌ، منهم: أبو هريرة (٢)، وسعد بن أبي وقّاص (٣)، وزيد بن خالد الجهني (٤)، وأبو أيّوب الأنصاري، وابن عمر (٥)، وجابر (٦)، وبُسرَة (٧)، بألفاظٍ مختلفة ومعانٍ متَّفقة، في بعضها: "مَنْ مسَّ ذَكَرَهُ فَليتوضَّأ"، و"مَنْ مسَّ فَرجَهُ فليتوضَّأ" و"مَنْ مسَّ ذكَرَهُ فلا يُصَلِّيَنَّ حتّى يتوضَّأْ وضوءَهُ للصّلاة"، و "مَنْ أفضَى بيده إلى فَرجِهِ ليس بينها وبينَهُ حجابٌ فقد وجبَ عليه الوضوء" (٨)، و"وَيلٌ للَّذين يمُسُّونَ فُروجَهُم ثمَّ يصلُّونَ ولا يتوضَّأون (٩) ". وأما (١٠) حديث طَلق (١١)، فلا يَصِحُّ عند العلماء، وأصحّها حديث بُسرَة. غاية وإيضاح (١٢): اختلفَ العلماءُ -رضوان الله عليهم- في تخريج هذه الأحاديث (١٣)، وفي المعمول منها. فذهبت طائفةٌ منهم إلى أنّ الأثرَ يُوجِبُ بالوضوء من مسِّ الذَّكَرِ جملة من غير تفصيل،

стр. 639

وصَحَّحُوا الآثار الواردة بالأمر بالوضوء من مسِّ الذكَر، وضعَّفُوا حديثَ طَلق بن عليّ. ومنهم من جعله منسوخًا بحديث بُسرَة (١)، واستدَلَّ على نسخِهِ بإيجاب الوضوء من مسِّه إذ ذلك من جهة الشَّرع. وقوله: "هل هو إلَّا بَضعَةٌ مِنْك" (٢) حجّةٌ عقليّة، فجازَ أنّ يُنسخَ ما في العقل بالشَّرع، ولا يصحّ أنّ يُنسخ الشَّرعُ بما في العقل. ومن العلماء من تأوّله فقال: ليس فيه نصٌّ لإسقاط الوضوء. ومنهم من ذهب إلى أنّ لا وضوءَ من مسِّ الذَّكَر جملةً من غير تفصيلٍ، وهم أهل العراق (٣)، وصحّحُوا حديث طلق، وضَعَّفُوا الأحاديث الواردة بالأمر بالوضوء منه (٤). تحقيق (٥): قال الإمام الحافظ: ولأجل هذه الاختلافات أعرض الإمامان مسلمٌ والبخاري عن حديث بُسرَة ولم يُخرِجاه، والعَجَبُ لإمامنا مالكٌ ﵁ أنّه يرويه في كتابه وُيقَوِّيه، فتارةً يَعتَبِرُ فيه الشَّهوةَ، وتارةً يُسقِطُها (٦)، ونحن نقبلُ روايتهُ فنقولُ: الحديث الصّحيحُ أوَّلًا، ولا نقبلُ تفريعه، فنقول: ينتقض الوضوء بمسِّه بقصدٍ أو بغير قصدٍ، اتِّباعًا لظاهر الحديث، ونأخذ بمُطلَقِ الرِّواية فيه، وفروعه معلومة فلا معنى لسردها. بَيدَ أنَّ بعضَ شيوخي ذَكَرَ لي منه فَرعًا غريبًا، وهو: إذا مسِّ الخُنْثَى ذكرَهُ وفَرجَهُ انتقضَ وُضُوؤُه، فإذا مسَّ أحدَهما- وقلنا إنّ المرأة ينتقضُ وضوؤها بمسِّ فرجها - فمن يغلِّب الشّكّ ينقض الوضوء، لاحتمال أنّ يكون قد لمَسَ ما يجبُ عليه منه الوضوء، ومن لا يرى تغليب الشَّكِّ -وهو صحيحٌ- لا يَنقُضُ الوضوءَ إلَّا بمسِّه لهما جميعًا.

стр. 640

نكتةٌ فقهية مذهبية: مذهبُ مالكٍ ﵀ في هذه المسألة لا يتحصّل؛ لأنّه قد رُوَيت عنه فيه أقوال كثيرة، والّذي (١) تحصَّلَ منها ثلاثة أقوال: أحدها: ألَّا وضوءَ من مسِّ الذّكَرِ ناسيًا كان أو متعمدًا، كمذهب أهل العراق، وهي رواية أشهب الأُولَى عن مالكٌ؛ لأنّ الإعادة في الوقت استحبابٌ، وهذا قول سحنون ورواية ابن القاسم في "العُتْبِيّة" (٢). القول الثّاني: إيجابُ الوضوء من مسّه ناسيًا كان أو متعمدًا، إنّ مسَّه بباطن الكَفِّ والأصابع، التَذِّ أو لم يلتذّ؛ لأنّه الموضع المقصود بمسِّه، فخرج الحديث عليه، وإنْ مسَّهُ بظاهر الكفِّ والذِّراع لم يجب عليه الوضوء وإنِ التَذَّ. وقيل: إذا الْتَذَّ بمسِّه بباطن الكفِّ أو ظاهره أو أيِّ عُضوٍ كان فعليه الوضوء. القولُ الثّالث - قيل: إنّه وإنْ كان مسَّه ناسيًا فلا وضوءَ عليه بحالٍ، وإن كان متعمِّدًا فعليه الوضوء على التّأويلين المذكورين. تنقيح (٣): أمّا التّأويل الأوّل، فهو لبعض أهل النّظر على قول مالكٌ في "المدوّنة" (٤). وأما التّأويل الثّاني، فمنهم من تأوله على ما في "المدوّنة" ويقول: إنّ تخصيصه بباطن الكَفِّ من ظاهره تنبيهٌ منه على مراعاة اللَّذَّة. وأما (٥) القولُ الثّاني: فمنهم من تأوّله على مذهب أهل العراق. مزيد بيان (٦): وأمّا مسِّ المرأة فرجها، فقد روي عن مالكٌ في ذلك أربع تأويلات:

стр. 641

أحدها: سقوط الوضوء. الثّاني: إيجابه. الثّالث: استحبابه. الرّابع: التّفرقة بين أنّ تَلْطُف أو لا تَلْطُف (١)، وهي رواية ابن أبي أويس. قال الإمام (٢): وأمّا الرِّواية الأُولَى والثّانية، فهما واحدة في سقوط الوجوب، وذهب أبو بكر الأبهريّ إلى أنّ ذلك ليس باختلاف رواية، وإنّما هو اختلاف أحوال (٣). وأمّا إذا مسَّتِ المرأة فَرْجَها ولم تَلْطُف ولا التذَّت، فلا وضوء عليها عند مالكٌ، ولم يختلف عنه في ذلك. ولم يختلف قول مالكٌ أيضًا في أنّه لا وضوء على الرَّجُلِ في مسِّ دُبُرِهِ (٤). تكملة (٥): قال الإمام: ولمّا كان هذا الحديث أصلًا في نفسه، اختلفَ العلماءُ هل يُعَلَّلُ أم لا؟ فمن علَّلَهُ بأنَّ لَمسَهُ ربّما أفضَى إلى خروج الخارج، ألحقَ المرأةَ به؛ لأنّ لَمْسَها أيضًا لفَرجِها قد يُفضِي إلى خروج الخارج، لا سيَّما وقد رَوَى الدَّارقطنيّ (٦) عن أبي هريرة أنّه قال: "إذًا أَفضَى أَحَدُكُم بيَدِهِ إِلى فَرجِهِ فَليَتَوَضَّأ" وهذا عامٌّ في الرَّجُلِ والمرأة. وأعْجَبُ من هذا، ما حكاهُ الدَّارقطنىّ (٧) أيضًا عن أحمد بن حنبل ويحيى بن مَعِينٍ أنّه ليس في مسِّ الذَّكَرِ حديثٌ صحيحٌ، مع أنّهم يتلون حديث مالكٍ عن بُسْرَة، إلَّا إنْ مالوا إلى طريق المعنى، وقالوا بقول أبى حنيفة (٨) بأنَّ قَبول بُسرَة -وهي امرأة- في مثل

стр. 642

هذه النّازلة الّتي تتعلّقُ بالرِّجال ولا يَروِيْهَا أحدٌ سواها بعيدٌ، وهذا قول ضعيفٌ؛ لأنّ الله تعالى لم يُرِدْ أنّ يجري السُّنَّة مجرى القرآنِ حتّى يتولَّى حِفْظَها كما تولَّى حِفْظَهُ، وإنّما أراد تعالى أنّ يكون القرآن محفوظًا معلومًا قطعًا، وأن تكون السُّنَّةُ تلتقِطُها الرُّواةُ التقاطًا، ويؤخذ عن كلِّ أحدٍ ما سمع منه حتّى من النِّساء، ولذلك قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ الآية (١)، فما اجتمع من السُّنَّة اجتمع، وما خَفِيَ منها في وقتٍ سيَظهَرُ في آخر. بل كان كثيرٌ من الصحابة يصدُّون أنفسهم عن ذكرها، فلا تستبعدوا -بَصَّرَكُمُ اللهُ- والحالةُ هذه أنّ تَضبِطَ المرأةُ أوامِرَهُ، وأن يذكر امرؤٌ ما نَسِيَ آخرُ (٢).

стр. 643

الوضوء من قُبْلَةَ الرَّجُلِ امرأته مالكٌ (١)، عن ابن شهابٍ، عن سالم. الحديث. قال الإمام الحافظ (٢): البابُ يقتضي القولَ في القُبلَة وسائرِ المُلامسةِ، وفيها معانٍ ومسائلُ جَمَّة: ١ - أحدُها: هل الملامسةُ الجماعُ، أو ما دونَ الجماعِ ممّا يُجانِسُه مثل القُبلةِ وشبهِها؟ ٢ - ثمّ هل اللَّمسُ باليدِ خاصةً أو بسائرِ البدنِ؟ ٣ - وهل اللَّذَّة من شرطها أم لا؟ وكلّ ذلك قد تنازع فيه العلماء. كشف وإيضاحٌ في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٣): قال علماؤنا (٤): والملامسة تنقسم على أقسام: الأوّل منها: الملامسة بمعنَى الطَّلَب قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ (٥) أي طلبنا السّماء وأردناها، فوجدناها ملئت حَرَسًا أي حفَظَة يحفظونها. ومنه أيضًا: قولُه ﵇ للّذي أراد أنّ ينكح المرأة الموهوبة: "هَلْ معكَ من شيءٍ تُصْدِقُها"؟ قال: ما عندي إلَّا إزاري هذا، فقال النّبيّ ﷺ : "التَمس شَيئًا"، أي اطلب، فقال: ما أَجِدُ شيئًا، فقال له: "التَمس وَلَو خَاتمًا من حديدٍ"، فالتمس فلم يجد شَيئًا (٦).

стр. 644

قال الإمام (١): فلا يقالُ لمن مسَّ شيئًا قد لمسه على هذا، إلَّا أن يكون معنى طلبه من حرارة أو برودة أو صلابة أو علم حقيقةٍ، قال الله : ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾ الآية (٢)، فلا يكون المعنى المقصود من مسِّ النساء إلَّا الالتذاذ بهنّ (٣). ولم يختلف (٤) عن ابن مسعود أنّ الملامسة ما دُونَ الجماعِ (٥). وقد قال قوم: إنّ الملامسة هي الجماع، وهذا قد تناوله القرآن بالبيان قال الله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٦) وهي قراءةٌ قائمة بنفسها حُجَّةٌ في تناولها (٧). وقد روي عن جماعة من الصحابة (٨) والتابعين (٩)، وأجازه أبو حنيفة (١٠)؛ أنّ الآية كناية عن الجماع، حتّى رُوِيَ عن ابنِ عبّاس أنّه قال: إنَّ اللهَ حَيِىٌّ كريمٌ يعفّ، يكني باللَّمْسِ عن الجماع (١١). قال الإمام: وليس إلى ذلك حاجة داعية ولا ضرورة مُوجِبَة، وإنّما يعدل عن الصَّريحِ إلى الكناية بدَليلٍ يقتضي ذلك. وأما مُطْلَقُ القول وصريحُ اللُّغة فيقتضي ما أشرنا إليه من ظاهر اللَّمسِ، وبذلك قال مالكٌ إمامنا (١٢): "قُبْلَةُ الرَّجُلِ امرَأَتُهُ وَجَسُّهَا بِيَدِهِ مِنَ

стр. 645

المُلاَمَسَةِ"، وقد قال أهل اللُّغة: إنّ الملامسة هي التقاء بَشْرَتَيْن (١). تحقيق: قال الإمام الحافظ جرير بن مَسلَمة: حقيقةُ مذهب مالك ﵀ أنّ الملامسة تُوجِبُ الوضوءَ إذا قصد بها اللَّذَّة، من غير اعتبار أنّ يكون الملموس زوجة أو غير زوجة، ولا اعتبار في أيّ عُضْو كان ووقعت الملامسة من اللّامس والملوس. وذهب المشارقةُ من أصحاب مالكٌ منهم إسماعيل القاضي، والشيخ أبو بكر الأبهري، وأبو الفَرَج المالكي، إلى أنّ المعنى المراعى في ذلك وجود اللَّذَّة بأي عُضوِ كان الملموس واللَّمس. ثم اختلف هؤلاء على فرقتين: هل ذلك منصوصٌ عنه، أو مقيس عليه على مذهبه؟ فمنهم من قال: هو مَقِيسٌ على مذهبه. ومنهم من قال: هو منصوصٌ عنه، رواه جماعة. قال: وإنّما خصّ بباطن الكفّ والأصابع؛ لأنّ اللَّذَّة إنّما تقع بهما في الغالب. وذهب أبو حنيفة إلى أنّ الملامسة لا تنقض الوضوء، قصد بها اللَّذَّة أو لم يقصد (٢). ودليله على ذلك؛ أنّ هذا ممّا تعمُّ به البَلْوَى، ولو كان ذلك لما فَعَلَهُ النّبيّ ﷺ . ودليل آخر: قولُه ﷺ : "إنَّ القُبْلَةَ لا تنقض الوضوءَ" (٣) وأنّه كان ﷺ يقبِّلُ وهو صائم ولا يتوضَّأ، هذا مذهب أبي حنيفة. وأمّا مذهب مالكٌ فلا يوجّه، والملامسةُ عنده تنقض الوضوء، وإلى هذا ذهب أكثر الفقهاء.

стр. 646

تكملة (١): قال الإمام: فإذا ثبت ذلك فهو (٢) على ضربين: أحدهما: أنّ يفعل على وجه اللَّذَّة، فهذا يُوجِبُ الوُضُوءَ. والثّاني: أنّ يكون بغير لذَّةِ، فهذا لا يجب به الوضوء. وبه قال مالك. والشّافعيّ يُوجِبُ به الوضوء على كلِّ حالٍ (٣). والدّليلُ على صحَّةِ ما ذهب إليه مالكٌ: حديثُ عائشة الّذي بعدَه (٤). ومن جهة القياس: أنّ اللّمس عَرَا عن اللَّذَّة، فلم ينقض الوضوء كلمس الذَّكَر. تتميم (٥): والَّذي تحقَّقَ عند مالكٌ وأصحابه؛ أنّ الوضوءَ إنّما يجب باللَّذَّةِ دون وجودها، فمن قصد اللَّذَّةَ فقد وجبَ عليه الوضوء التذَّ أو لم يلتذّ، وهذا مرويٌّ في "العُتْبِيّة" (٦) من رواية عيسى عن ابن القاسم.

стр. 647

العمل في غُسْلِ الْجَنَابَة حدّثني يحيى (١) عن مالكٌ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة أم المؤمنين؛ أنّ رسولَ الله ﷺ -كان إذا اغتسلَ مِنَ الجنابة، بدأَ فَغَسلَ يَدَيْهِ، ثم توضَّأ كما يتوضَّأُ للصّلاة، ثم يُدخِلُ أصابِعَهُ في الماءِ، فَيُخَلِّلُ بها أُصولَ شَعرِهِ، ثمَّ يَصُبُّ الماءَ على رَأْسِهِ ثلاثَ غَرفَاتٍ بيَدَيهِ، ثمَّ يُفِيضُ الماءَ على جِلْدِهِ كلِّه. قال الإمام الحافظ: أنا حديث عائشة في صفة غسل النّبيِّ ﷺ فذكره أبو داود (٢) بإسناده. وقولُها: "يَصُبُّ على رأسهِ ثلاثَ غَرفَاتٍ" والعدد في ذلك استحباب، وما أَسْبَغَ وعَمَّ وبالغ في ذلك أجزأه (٣). وأمّا الوضوءُ بعد الغسل، فلا معنى له عند العلماء. ولم (٤) تذكر عائشة في هذا الحديث التَّدَلُّك، إذ فيه دليلُه بقولها: "كان إذا اغْتَسَلَ" والاغتسالُ لا يكون إلَّا بالتَّدَلُّكِ (٥). إبضاح مشكل (٦): قولُها: "ثمَّ يُدخلُ أصَابِعَهُ في الماءِ فَيُخَلِّلُ بها أصولَ شَعْرِهِ" فقيل: معنى التّخليل: ليقلّ صبّ الماء بعد ذلك في الغسل، فيكون ذلك أبلغُ مع قلَّة صبِّ الماء؛

стр. 648

لأنّ قِلَّةَ الماءِ في الغُسْلِ هو السُّنَّة، ولم يذكر في حديث ابن عمر (١) التّخليل في غسله من الجنابة، فيحتمل أنّ يكون صَبَّ ماءً كثيرَا، فكان ذلك عِوَضًا من التخليل، أو سكتَ عنه لعِلْمِ السَّامع، والله أعلم. الفقه (٢): قال القاضي أبو محمد (٣): ويتخرَّج في تخليل شَعْر الرّأس روايتان: على رواية ابن القاسم أنّ ذلك جائز. وعلى رواية أشهب لا يجوز. وهذا عندي فيه نظر؛ لأنّ بشرة الرَّأس ممسوحة في الوضوء مغسولة في الغسل، فلذلك اختلف حكم شعرها، وليس كذلك بَشْرة الوجه فإنّها مغسولة في الحالتين. واختلفتِ الرِّوايةُ في تخليل شّعْر اللّحية في الطهارة: فروَى ابنُ القاسم (٤) عن مالكٌ أنّه ليس على المغتسل من الجنابة تخليل. وروى عنه أشهب (٥) أنّ ذلك عليه. تنقيح (٦): فوجه رواية ابن القاسم: أنّ الفرض قد انتقل إلى الشَّعَر النّابت على البشرة (٧). ووجه قول أشهب هو قول عائشة في هذا الحديث: "ثمّ يُدْخِل أصابِعَهُ في الماء، فَيُخلِّلُ بِهَا أُصُولَ شعرِهِ".

стр. 649

ومن جهة المعنى: أنّ استيعابَ جميع الجسد في الغسل واجب (١)، وإنّما انتقل الفرض إلى الشّعر في الطهارة الصّغرى لأنّها مبنية على التخفيف ونيابة الأبدال فيها من غير ضرورة، ولذلك جاز المسح على الخفَّين. نكتةٌ فقهية (٢): قوله: "ثم يُفِيضُ الماءَ على جِلْدِهِ كلِّه". قال الإمام: وإفاضةُ الماء على الجسد يَكونُ بإرسال الماء باليد إلى الجسم، وقد يكون إمرار اليد مع الماء مُعينًا في الإفاضة. وقد يجوز الإمرار دون الإفاضة، إلَّا أنّ مذهب مالكٌ أنّ إمرار اليد معتبرٌ مع الإفاضة، وأنّه لا تصحّ الطّهارة إلَّا بإمرار اليد على الجسد، وأنّ هذا عنده شرطٌ في صحَّةِ الطّهارة. تنويع (٣): قال الإمام: وأمّا الغسل فإنه يتنوَّعُ، فمنه واجبٌ، ومنه مسنون، ومنه مستحَبٌّ. فالواجب منه الغسل من الجنابة والحيضة والنِّفاس. والمسنون منه غسل الجمعة. والمستحب منه غسل العِيدَين، وغسل المستحاضة إذا انقطع عنها دم الاستحاضة، والغسل للإحرام، ودخول مكّة، وللوقوف بعرفة. فهذه (٤) الأغسال الّتي أجمع عليها العلماء. حديث مالك (٥)، عن ابن شهاب، عن عُروَة، عن عائشة؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يَغتَسِلُ هو وأنا من إناءٍ، هو الفَرَقُ من الجَنَابَةِ. الحديث.

стр. 650

هكذا (١) رواه مالكٌ في الموطَّأ، وتابعه عليه ابن عُيَينَة (٢) واللَّيْث (٣) على إسناده ومَتْنِهِ، إلَّا أنّهما زادا فيه: "وكنتُ اغتسلُ أنَا ورسول الله من إناءٍ واحدٍ"، وهذا اللّفظ عند مالكٌ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة. تنبيه (٤): قال الإمام: ليس في حديث هشام هذا إلّا الاقتصار على ما يَكْفي من الماء من غير تحديدٍ، وأنّ الإسراف فيه مذمومٌ، وفي ذلك ردٌّ على الإباضية ومَن تمذهب بمذهبهم في الإكثار من الماء، وهو مذهبٌ ظَهَرَ قديمًا، وقد سُئِلَ عنه بعضُ الصّحابة والتّابعين. فلذلك حمل مالكٌ الآثار المنقولة عن رسول الله ﷺ أنّها تدلُّ على أنّ لا توقيتَ فيما يكفي من الماء وفي الغُسل والطّهارة. ولذلك ما استحبَّ السَّلف ذِكر المِقدَارِ من غير كيلٍ، وقد سأل رَجُلٌ من أهل العراق ابن المسيَّب عمَّا يكفي الإنسان في غُسْلِ الجنابة؟ فقال: إنّ لي تَورًا (٥) يسعُ مُدَّينِ أو نحوهما، وأغتسلُ به فيكفيتي، ويفضُل منه. فقال الرَّجُل: والله لأَنَا أكثر من ذلك وما يَكفِينِي، فقال له: إنّ الشيطان يلعبُ بكَ، الخبر مذكرر (٦). وفي (٧) البخاريّ (٨) عن أنس؛ أنّ النَّبىِّ ﷺ كان يَغتَسِلُ بالصَّاعِ إلى خَمسَةِ أَمدَادٍ، ثم يتوضأ بالمُدِّ.

стр. 651

نكتةٌ أصولية (١): قال الإمام: اختلف علماؤنا من أهل الحجاز والعراق في مبلغ المُدِّ والصَّاعِ كم هو؟ فذهب أهلُ العراق (٢) إلى أنَّ الصَّاع: ثمانية أرطال، والْمُدَّ: رِطْلانِ، واحتجّوا بما رواه أنس بن مالكٌ قال: "كان رسول الله ﷺ يتوضأ برِطلَين، ويغتسل بالصَّاع" (٣)، قالوا: فإذا ثبت أنّ المدَّ رِطلاَن ثبت أنّ الصَّاع ثمانية أرطال. وذهب أهل المدينة إلى أنّ المُدَّ رُبُع الصَّاع وهو رطلٌ وثُلُث، والصّاع خمسة أرطال وثُلُث، وهو قول أبي يوسف (٤)، وإليه رجع حينَ نَاظَرَهُ مالك في زِنَةِ الْمُدِّ وأتاه بمُدِّ المهاجرين والأنصار. قال الإمام (٥): وأما حديث أنس فلا حُجَّة لأهل العراق فيه؛ لأنّه قد روي بخلاف ما ذكروه، رواهُ شُعبة عن عبد الله بن جَبْر؛ أنّه سمع أنس بن مالكٌ يقول:"كانَ رسولُ الله ﷺ يتوضَّأ بالمَكُوكِ، ويغتَسِلُ بخَمسَةِ مَكَاكيَّ" (٦)، وهذا بخلاف ما رواه أنس. قال الإمام (٥): المَكُوكُ عندهم: نصفُ رِطلٍ إلى ثمانية أَوَاقٍ. تفريع (٧): واختلف العلماء هل يجزئ الوضوء بأقلّ من الْمُدِّ، والغُسل بأقلّ من الصاع، على قولين:

стр. 652

القول الأوّل - قال قوم: لا يجزئ بأقل من ذلك، لوُرُودِ الخبر في ذلك، هذا قول الثّوري والكوفيِّينَ. القول الثّاني - قال آخرون: ليس المدُّ والصّاع في ذلك بحَتمٍ، وإنّما ذلك إخبارٌ عن القَدرِ الّذي كان يكفيه ﷺ ؛ لأنّ المُدَّ لا يُجزِىء دونَهُ، وإنّما قصد به التّنبيه على فضيلة الاقتصاد وترك السَّرَفِ، واستحبّ لمن يقدر على الإسْباع بالقليل أنّ يُقَلِّلَ ولا يزيد على ذلك؛ لأنّ السَّرَفَ ممنوعٌ في الشّريعة، لقوله ﷺ : "إِنَّه سيكونُ في هذه الأُمَّة قومٌ يتعدّون في الطَّهور والدُّعاء" (١)، وإلى هذا ذهب مالكٌ وطائفة من السَّلَف، وهو قولُ الشّافعيّ (٢) وإسحاق. نكتةٌ لغوية (٣): قولها: "هُوَ الفَرَقُ" يقال بتحريك الرَّاء، وقد رُوِيَ عن يحيى وغيره بإسْكانها. قال الخليل (٤): الفَرَقُ: مِكيَالٌ. وقال ابن وهب: الفَرَقُ مِكيالٌ من خشَبٍ، كان ابنُ شهاب يقول: يسع خمسة أقساط بأقساط بني أميّة (٥). وقد فسَّرَ (٦) أنّ الفَرَقَ ثلاثة أصْوُعٍ. تكملة: قال القاضي أبو الوليد (٧):"قولُه: "الفرق" يحتمل معنيين:

стр. 653

أحدهما: أنّه كان يغتسل من هذا الإناء، وأن يستعمل اليسير من مائه ويبقَى أكثره. والمعنى الثّاني: يحتمل أنّ يستعمل جميع ما فيه وزيادة معه، فيتناول ذلك إباحة الوضوء بذلك الإناء. وقد أجمع العلماء على جواز الوضوء بكلِّ إناءٍ طاهرٍ ليس فيه ذهب ولا فضة، إلّا ما رُوِيَ عن ابن عمر؛ أنّه كان يمنع الوضوء بإناء الشَّبَهِ (١)، ونحا به مَنْحَى الذهب، وقد روى عن عائشة أنّ الإناء الّذي أشارت إليه كان من شَبَهٍ. وقال ابنُ شعبان: لا يجزئ في الغسل أقلّ من صاعٍ، ولا في الوضوء أقل من مُدٍّ، والمشهور من المذهب أنَّ منِ اغتسل أو توضَّأ بأقلّ من ذلك أنّه يجزئه"

стр. 654

واجبُ الغُسل إذا الْتَقَى الخِتَانَان الحديث (١): قال الإمام (٢): هذا حديث صحيحٌ عن عثمان بأنّ الغُسل يجب بالتقاء الختانين، وهو يدفع حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمَة بن عبد الرحمن؛ أنّ عطاء بن يَسَارِ أخبره؛ أنّ زيد بن خالد الْجُهَنِي أخبره؛ أنّه سأل عثمان قال: فقلت: أرأيتَ إذا جامع الرَّجُلُ امرأتَهُ ولم ينزل؟ فقال عثمانُ: يتوضَّأ كما يتوضَّأ للصّلاة، ويغسل ذَكَرَه، سمعتُه من رسول الله. قال: وسألَ عن ذلك عليًّا والزُّبَير وطلحة وأُبَيّ بن كعب، فأمروه بذلك (٣). قال الإمام الحافظ (٤): هذا حديثٌ مُنكَرٌ لا يُعرَفُ من مذهب عثمان، ولا من مذهب عليّ، ولا المهاجرين، انفرد به يحيى بن أبي كثير، وهو ثقة إلَّا أنّه جاء بما شَذَّ فيه وأنكر عليه (٥)، ونَكَارَتُه أنّه محال أنّ يكون عثمان سمع من النّبيِّ ﷺ ما يُسْقِط

стр. 655

الغُسلَ من التقاء الخِتَانَين،*ثم يُفتِي بإيجاب الغُسلِ منه. ولا أعلم أحدًا قال بأنّ الغُسل من إلتقاء الخِتَانين* أنّه منسوخ، بل الجمهورُ قالوا: إنّ الوُضُوءَ منه منسوخٌ بالغُسلِ (١). فإن قيل (٢): قدِ اختلفتِ الأحاديثُ في ذلك كما تقدَّمَ، وجُهِلَ المتأخِّر فلم يُعلَم النّاسخ من المنسوخ، وبَقِيَ الإشكالُ قائمًا فتعيَّنَ الاحتياطُ. الجواب عنه من وجهين: أحدُهما: أنَّا نقول: ما جُهلَ التّاريخ؛ لأنّ الصّحابةَ - رضوانُ الله عليهم- قد صرَّحت بأنّ المتقدِّم كان: "الماء من الماء"، والمتأخِّرَ وجوب الغُسل من إلتقاء الخِتَانَين (٣). الجواب الثّاني: أنّ المَاءُ مِنَ المَاءِ"، وعدَمَ الغُسل من التقاء الخِتَانَيْن ليس فيه فائدةٌ مُجدَّدَةٌ؛ لأنّ الأصل براءةُ الذمةِ، وفراغ الساحة وعدم تعلق الحكم بالأسباب. ثم جاء بعد ذلك وجوب الغُسل من التقاء الخِتَانَين، فكانت فائدة مجدّدة وحالة ثانية، فقضى بها على ما قبلَها. تلفيق (٤): فإن قيل: كيف خَفِيَ على عثمان حتّى كان يُفتِي بأنّ الماءَ من الماءِ بعدَ النّبيِّ صلّى الله عليه؟ الجواب عنه: الآن حَانَ لكم تنزيل الأحكام في الشّريعة، فقد خَفِيَ ذلك على كثيرٍ ممّن يُعدّ من العلماء، وهو أنّ الله تعالى كان إذا أنزل على رسوله الحكم، يُخبِر ﷺ من حَضَرَهُ، ثمّ يبدأ البلاغ شيئًا بعد شيء، وتتناقله الألسنة وقتًا بعد وقت، نعم، وربّما أرجأَ بيان الحكم إلى حالة الوقوعِ ولم يُسلّمْهُ ابتداءً في النّازلة قبل أنّ تقعَ، وكلُّ من

стр. 656

عمل بالحكم السّابق قبل بيان هذا الثّاني، أو قبل بلوغه إليه، فعملُه صحيحٌ وأَجرُهُ قائمٌ، وعلى هذا السبيل تكون السُّنَّة سَمحَة، ويكون الدِّين خاليًا عن الحرَجِ. وقد روى الدَّارقطنىُّ (١) عن النّبيِّ ﷺ أنّه قال: " إذا التَقَتِ المَوَاسِي فقد وَجَبَ الغُسلُ" فَبَيَّنَ بقوله: "إذا التَقَى الخِتَانَان" أوّل الفعل، وبَيَّنَ بقوله: "إِذَا التَقَتِ المَوَاسِي" آخر الفعل، وأوضح أنّ الحكمَ فيهما واحدٌ. وقولُه (٢) في الحديث؛ "إذا قَعَدَ بين شُعَبِهَا الأَربَعِ فَقَد وَجَبَ الغُسْلُ" (٣) قال الهروي (٤): "قيل: هي اليدان والرِّجلان. وقيل: بين رِجْلَيْها وشَفريْها". إيضاح مشكل: قوله: "إنَّمَا الماءُ مِنَ المَاءِ". قال أبو عبد الله المازَرِيّ (٥): "هذا الحديث يحتجُّ به من لا يُوجِبُ الغُسْلَ من التقاء الخِتَانَين، وإنّما الحُجَّةُ به من جهة دليل الخطّاب، وقد اختلفَ أهل الأصول (٦) في القول به: فمن نفى دليل الخطّاب لم يكن عنده في الحديث حُجَّة. ومن أثبته صحَّ الانفصال بوجوه: أحدها- أنّه قد قيل: إنّ ذلك كان في أوّل الإسلام ثم نُسِخَ. والثّاني: أنّه قد يكون محمولًا على المنام أنّه لا يجب الاغتسال فيه إلَّا من الماء. وأمّا الحديث الّذي فيه أنّه خرج النَّبِيُّ ﷺ ورأسه يقطر ماءً، فقال له: لعلّنا أَعجَلنَاكَ (٧). فإن لم يُحمَل على الوَطْء في غير الفَرجِ، فيحمل على أنّه منسوخ" أصلًا.

стр. 657

وقال (١) لنا الشّيخ الإمام فخر الإسلام (٢): الفَرْجُ أشبه شيءٍ بخمسمةٍ وثلاثين، وأخرجَ يَدَهُ وعقَدَها، قال: فَمَسلَكُ البولِ ما تحت الثّلاثين، ومسلكُ الذَّكَر والحَيض ما اشتملت عليه الخمسة. تفسير وتقسيم (٣): قال الإمام: فإذا ثبت أنّ الغُسْلَ يجب بالتقاء الخِتَانَين، وبخروج الماء تارةً أخرى؛ فإنْ الماء قد يخرُجُ بلذَّة، وقد يخرج لغير لذَّةٍ، وقد يخرج عند الضَّربِ والحَكِّ. وقد اختلف علماؤنا فيه اختلافًا كثيرًا تضمَّنَتْه كتب المسائل، ولكن ينحصر مجال الكلام في موضعين: أحدُهما: إذا خرج الماءُ بغير لذَّة، فلا إشكال عندي في وجوب الغُسل فيه؛ لإجماع الأُمَّة على أنّ من استيقظَ وَوَجَدَ المَنِيَّ ولم يرَ احتلامًا فعليه الغُسلُ؛ لانّه قد تحقَّقْنَا خروجَ الماء، فلم يُبَالِ أَحَدٌ عن وجود اللَّذَّةِ. والموضع الثّاني: إذا أَولَجَ ولم يُنْزِل، فقلنا: عليه الغُسْل بإجماعٍ. فإن أنزل بعد أنّ اغتسل، فقد اختلف العلماء في هذا الفرع، وهو موضع إشكالٍ، بّيْدَ أنّ النَّظَر إذا حُقِّقَ، فإنَّه يقتضي وجوب الغُسل ثانيًا؛ لأنّهما سببان مختلفان، فأوجب كلّ واحدٍ منهما حكمه وإن كانا متعاقبَيْن، كمن بال وتوضَّأ، ثمّ خرج منه الوَدْي فإنّه يتوضَّأُ ثانيةً. تنبيه (٤): فإن قيل: إنّ ههنا نازل غريبة، وهو إذا أَوْلَجَ فاغتسل فصلَّى، ثم أَنْزَلَ، هل يُعِيُد الصّلاة أم لا؟

стр. 658

قلنا: فيه احتمال بعيدٌ، والصّحيح لا يعيدها لأنّها قد وقعت موقعها بعد وجود شَرطِها وهو الغُسْلُ، ونزولُ الماء بعد ذلك أمرٌ ثانٍ، كما لو جامع ثانية أو تَذَكّرَ فأنزل. تتميمٌ: قال الإمام الحافظ: والتقاءُ الخِتَانَينِ يُوجِبُ الغُسل قرآنًا وسُنَّةً. أمّا القرآن، فقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (١) وإن كان اللّمس في أحد التّأويلات يُرَادُ به الجماع فهو يتناول الغُسل. وأمّا السُّنَّة، فقول عائشة ﵂؛ إِنَّ النّبيَّ ﷺ كان يغتسلُ بالتقاء الخِتَانَينِ دون إراقة الماء، ثم تأكّد البيان بما رَوَت عائشة ﵂؛ أنّ رَجُلًا سأل النّبيّ ﷺ وعائشة جالسة: هل يجب على الرَّجُل غسل إذا التقى الخِتَانَانِ وإن لم يُنزِل؟ فقال: "إني لأفعل أَنَا وَهَذِهِ هذا ثمَّ نَغتَسِل" (٢)، فأجابه النّبيُّ ﷺ في البيان عن فعله. ثم تأكَّدَ البيانُ ثالثًا بما رَوَى أبو هريرة؛ أنَّ النّبيّ ﷺ قال: "إِذَا جَلَسَ بَينَ شُعبِهَا ثمَّ جَهَدَهَا، فَقَد وَجَبَ الْغُسلُ وإن لَمْ يُنْزِل" (٣)، وتأكّد البيان أيضًا رابعًا في إرسال المهاجرين والأنصار إلى عائشة، فأعلمت بالأمر على نصِّه وأَعلَمَتْهُم بما وقع الاتِّفاق وارتفعَ الخلاف واستقرَّ الحُكْم في الدِّين، ولا أعلم في ذلك خلافًا بين أحد من المسلمين، إلَّا أنّه قد وقع للبخاريّ في "جامعه ومصنّفه" (٤) لفظةٌ مُنكَرَةٌ، فإنّه ذكر اختلاف الأحاديث ثم قال: "والغُسلُ أحوطُ، وإنّما بيَّنَّا ذلك لاختلافهم" (٥)، وهذا خطأ

стр. 659

فاحشٌ، كيف ينقل الغُسْل من الوجوب إلى الاحتياط بعد ما ثبت ما قدّرناه وقدَّمناهُ، وصحَّ من الأحاديث ما أوردناهُ. إيضاح مشكل: قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي: الخارج من الذَّكر على أربعة أقسام: ١ - بَوْلٌ. ٢ - وَوَدْيٌ: وهو الخارج بعدهُ -أعني البَوْل- وموجبهما واحدٌ وهو الوُضُوء. ٣ - والمَذيُ: ماءٌ يخرج عند الملاعبة أو التّذكاَر، ومُوجِبُه الوضوء كالأوّل، ورُويَ عن مالكٌ فيه إيجاب غسل الذّكرِ، لقوله: "فَليَغْسل ذَكَرَهُ" (١) ولم يرد هذا الحديث بإيجاب غسل الذَّكر تعبُّدًا، وإنّما المقصود به بيان نجاسة الْمَذْيِ، وإنّما يلزم غسله كما يلزم غسل البَوْل. ٤ - والرّابع المَنِيُّ: وهو الخارج عند غاية اللَّذَّة، وهو الّذي يكون به المكلَّف جُنُبًا، ويلزم منه الغُسْل، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٢). تكملة هذا الباب: قال المؤلِّف- عفا الله عنه - قد قيَّدنَا في هذا الباب عن أشياخنا؛ أنّ ذِكر ما يُوجِب التقاء الخِتَانَين سبعون قصَّة، وقيل: ثمانون قصّة، ونحن نسردها: ١ - فأوّل ما يوجب على التّقارب المودّة بين الزَّوجين. ٢ - وُيوجِبُ خوف النُّشُوز والإعراض عنها. ٣ - وُيوجب الغُسْل. ٤ - وُيوجِبُ المَهْرَ. ٥ - وُيوجِبُ الحدَّ. ٦ - ويُوجِبُ الإحصانَ.

стр. 660

٧ - ٨ - ويُحِلّ المطلَّقة في الزّوجين العبدَين إذا أعتِقَا، ثم إذا جاوز الختان بعد العِتْق. ٩ - وُيوجِب الرّجعة. ١٥ - ويُفسِد الصّوم. ١١ - ويُفسِد الحجَّ. ١٢ - ويفسِد العُمرَة. ١٣ - وُيوجِب العمرة على الواطىء بعد رَمي جَمْرَة العَقَبَة وقبل الإفاضة. ١٤ - ١٥ - وُيوجِبُ الهَديَ في العمرة بعد الطَّوافِ، والسَّعْيَ إذا كان قبل الحلاق والتّقصير. ١٦ - ويُفسِد صوم النّافلة في العمرة. ١٧ - وُيوجِب معه القضاء. ١٨ - وُيوجِب افتراق الزّوجين إذا كانا مُحْرِمَيْن في حَجَّة القضاء. ١٩ - وُيوجِبُ العِدَّةَ في الطّلاق. ٢٠ - وتحرمُ معه الرِّبِيبَة. ٢١ - وتَبِينُ به المرأة من زوجها المفقود. ٢٢ - ويُبقِي بينها وبين الأخرى العِصْمَة. ٢٣ - وتبينُ من زوجها المطلَّق وقدِ ارتَجَعَ ولم يَعلَم. ٢٤ - ويُفْسِد الاعتكاف. ٢٥ - وُيوجِبُ الكفَّارة في التَّظَاهُر. ٢٦ - وُيوجِبُ استئنافَ الكفّارة على المتظاهِر بعد أنّ شرع فيها ولم يتمّها. ٢٧ - وُيوجِبُ التّحريم على المتزوِّج في العدّة. ٢٨ - وُيوجِبُ القِيمَة على الواطىء بجارية أحلّ له إياها. ٢٩ - وَيمنعُ الاعتصارَ على الأَبِ. ٣٠ - وُيوجِبُ القيمة على الموهوب له على الثّواب. ٣١ - وُيوجِبُ تفويت البيع الفاسد على أَحَدِ قولي ابن القاسم.

стр. 661

٣٢ - وتحرم به الأخت الثّانية بمِلْك اليمين. ٣٣ - وتحرم به العمّة علي بنت أخيها بالمِلْك. ٣٤ - وَيصِحُّ به النّكاح الآخر من الزّوجين في إنكاح الوَلِيَّيْن إذا أنكح الوَلِيّ من رجلٍ، وأنكح الآخر، ولا عِلْمَ لهما، وكان قد فَوَّضَ كلّ واحدٍ منهما إلى صاحبه. ٣٥ - ويَصِحُّ به المِلك للمشتري الآخر إذا كان السَّيِّد قد وكلَّ على بيع جاريته، فباع السَّيِّدُ من رَجُلٍ والوكيلُ من الآخر، ولا عِلْمَ لواحدٍ منهما بِبَيْعِ صاحبه. ٣٦ - ويَصِحُّ به النِّكاح إذا عقد بصداقٍ فاسدٍ. ٣٧ - ويسقطُ به الإيلاء عن المولّي. ٣٨ - وُيوجِبُ استبراءَ الملك دون استبراء النِّكاح فيمن اشترى زوجته ثم وطئها بعد الشِّراء بمجاوزة الختان. ٣٩ - ٤٠ - يُوجِبُ القِيمَةَ على الأب في جارية ابنه، وكذلك الجدّ إذا وطء جارية ابنه. ٤١ - وُيوجِبُ فسخ نكاح الابنة إذا تزوّج الأمّ بعد أنّ وطئها بجواز الختان. ٤٢ - ويُوجِبُ استئذان الابنة إذا أنكحها أبوها بعد ذلك من زوجٍ آخرَ. ٤٣ - وُيوجِبُ إسقاط النَّفَقَة عن الأب إذا رجعت إليه. ٤٤ - وُيوجبُ إسقاطَ خيار الأَمَةِ إذا أعتقت تحت العبد. ٤٥ - وُيوجِبُ بيع الأمَةِ على مالكها إذا كانت من ذَواتِ المحارم ممّن لا تعتق عليه بالمِلْكِ. ٤٦ - ويسقُطُ به رهن الجارية إذا كانت رهْنًا في غير ثِقَافٍ. ٤٧ - وُيوجِبُ التَّمليكَ للمُشتَرِطَةِ على زوجها ألَّا يَتَسَرَّى عليها. ٤٨ - وُيوجِبُ الجناية في رقبة العبد في الاعتصار. ٤٩ - وُيوجبُ الكفّارة على الزَّوج المُكْرِهِ؛ لزوجته في نهار رمضان. ٥٠ - وُيوجِبُ القيمة على غاصب رقبة الجارية. ٥١ - وُيوجبُ إفساد الصّوم المتتَابع مع العَمْدِ. ٥٢ - وُيوجِبُ قطع الخيار في البيع. ٥٣ - وُيوجِبُ القيمةَ على أحدِ الشَّريكن.

стр. 662

٥٤ - ويُوجِبُ إسقاطَ اللِّعان في الرُّؤية إذا تقدمت الرَّؤية ويخيّر الزّوج. ٥٥ - ويُوجِب الكفارة على الحالف ألَّا يطأ ونيته الفَرج بعيْنِهِ. ٥٦ - وُيوجِبُ الصَّداق في اغتصاب الزِّنا. ٥٧ - وُيوجِبُ برّ الحالف: لَيَطَأنَّ زوجته. ٥٨ - وُيوجِبُ الرّجعةَ للعبد وإن كرِه السَّيِّد. ٥٩ - وُيوجِبُ الرّجعة للمُحرِم إذا كان وَطْؤُهُ قبل الإحرام. ٦٠ - ويُوجبُ العقوبة في المتعة. ٦١ - وُيوجِبُ التّحريم - في أحد قولي مالكٌ ﵀ على المزوج في الإحرام للأبد. ٦٢ - ويُوجِبُ قطعَ حدّ العنِّينَ وتبقى زوجته له. ٦٣ - وُيوجِبُ بقاءَ العصمة وإن عجز بعد ذلك عن الوطء. حديث مالكٌ (١) عن أبي النَّضر، عَنْ أَبِي سَلَمَة؛ أَنَّه سَأَلَ عَائِشَة، مَا يُوجِبُ الغُسْلَ؟ فَقَالَتْ: هَل تَدْرِي مَا مَثَلُكَ يَا أَبَا سَلَمَة. الحديث. قال الإمام: في هذا الحديث جواز التّقليد؛ لأنّ هذا الخبر فيه دليلٌ على أنّ أبا سّلَمة كان ممَّن لا يقول بذلك المعنى، وإنّما قلَّد فيه عائشة؛ لأنّها كانت أعلم النّاس بذلك المعنى، لمكانتها من رسول الله ﷺ (٢). نكتةٌ: قال الإمام الحافظ: لا أعلم بين أصحابنا اختلافًا في وجوب الغُسْلِ من التقاء

стр. 663

الختانين، إلَّا طائفة ضعيفة، منهم عليّ ابن حزم (١)، وداود بن عليّ الأصبهاني (٢)، فإنّهما لا يَرَيَانِ الغسل من ذلك. ودليلنا عليه: حديث عائشة ﵂ هذا، وما روي عن أبي هريرة عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: " إذا قعد بين شُعَبهَا الأربعِ ثم أجْهَدَهَا" (٣) وما سردناه عليكم من الأحاديث. حديث مالكٌ (٤)، عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيَّب؛ أنّ أبا موسى الأشعريّ أَتَى عائشة، فقال لها: لَقَدْ شَقَّ عَلَيَّ اختِلافُ أصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ . الحديث. قال الإمام (٥): وهذا الحديث وإن لم يكن مُسنَدًا في ظاهره، فإنّه يدخل في المُسْنَدِ بالمعنى والنَّظر؛ لأنّه مُحَالٌ أنّ ترى عائشة نفسها في رأيها حُجَّة على غيرها من الصّحابة في حين تَنَازُعِهِم في هذه المسألة، ومحالٌ أيضًا أنّ يُسَلّم أبو موسى لعائشة رأيها في مسألةٍ قد خالَفَها فيها كثيرٌ من الصّحابة؛ لأنّ كلَّ واحدٍ منهم ليس بحُجَّةِ على صاحبه عند التَّنَازُع في الرّأي، فلم يبق إلَّا تسليم أبي موسى لعائشة؛ لأنّ ما احتَجَّت به إنّما كان عن رسول الله ﷺ ، فسلَّمَ لها أبو موسى وقنع بذلك. نكتةٌ على تفسيرٍ بديعٍ (٦): قال الإمام الحافظ: قول عائشة (٧): "هَل تَدرِي مَا مَثَلُكَ يَا أَبَا سَلَمَةَ." الحديث إلى قوله: "يَسمَعُ الدِّيَكَةَ تَصرُخُ فَيَصرُخُ مَعَهَا". يحتمل معنيين: أحدهما: أنّ أبا سَلَمةَ كان في حدِّ الصِّبا يسألُ مسائلِ الجِمَاعِ، ويتكلَّمُ فيها وهو

стр. 664

لا يعرِفُها إلّا بالسماع، كالفرُّوج يسمَعُ الدِّيَكَةَ الّتي بلغت حدَّ الصُّراخِ تَصرُخُ، فَيَصْرُخُ معها وإن لم يَبلُغْ ذلك الحدّ. والمعنى الثّاني: هو أنّ أبا سَلَمة كان صَبِيًّا لم يبلُغ مَبْلَغَ الكلام في العِلمِ، إلَّا أنّه كان يسمعُ الرِّجالَ والكُهولَ يتكلَّمونَ في العلمِ فيتكلّم معهم، فلأجل ذلك شُبِّه بالفَرُّوجِ.

стр. 665

باب وُضُوء الْجُنُب إذا أراد أنْ ينام أو يَطْعَم وَرَوَى ابن عمر؛ أنّ عمر بن الخطّاب ذَكَرَ لرسولِ الله ﷺ أَنَّهُ تُصِيبُهُ جَنَابَةٌ مِنَ اللَّيلِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَوَضَّأ، واغسِل ذَكَرَك، ثُمَّ نَمْ" (١). قال الإمام الحافظ: هذا بَابٌ مشكل جدًّا، أُشكِلَ على العلماء قوله: "اغسِلْ ذَكَرَكَ، ثُم تَوَضَّأ، ثُمَّ نَم" كذا رواه الثوري (٢) وشعبة، وقد رواه جماعة كذلك (٣). تنبيه على شرح: قوله: "اغسِل ذَكَرَكَ ثُمَّ تَوَضَّأ" قال أشهب (٤): قلتُ لمالك: فالوضوءُ قبل الغُسل غسلِ الذَّكَرِ! قال: قد يتقدّم الشّيءُ في اللَّفظِ وليس في الفعل. وقيل: هذا يدلُّ على أنّ الواو لا تعطى رتبة عند جميع النُّحاة. وقال الأبهريُّ: أمرَ النّبيُّ ﷺ بالوُضُوء عند النوم؛ لأنّه ربما كان الوضوء سببًا للغُسْلِ، وقد وقع في "الموطآت" (٥): "توضَّأ، واغْسِل ذَكَرَك، ثُمَّ نَمْ" ومن رواية شُعْبَة: "اغسِل ذَكَرَكَ، ثم تَوَضَّأ، وَارقُد" وهذا هو الصّحيح، أمر بالغُسْل غسل الذَّكَر قبل الوضوء. وروى الشّعبي عن الأسود بن زيد عن عائشة قالت: كان رسول ﷺ ينام وهو جُنُب من غير أنّ يمسّ ماء (٦). وذكر ابن أبي زيد (٧) عن ابن حبيب (٨) وجوب ذلك.

стр. 666

قال الإمام الحافظ: والوضوءُ للجُنُب قبل أنّ ينام، الّذي وقع عند علمائنا (١) هو على الاتِّباعِ والاستحسانِ، وليس من واجبات الأمور، والوضوءُ أحبّ إليهم لما في ذلك من الآثار. تلفيق: وأمّا وضوءُ الجُنُب قبل أنّ ينام، فقد وقع لمالك أنَّه قال: هو شيء ألزمه الخوف عليه. قال أبو عبد الله المازَري (٢):"اختلفَ علماؤنا في تعليله: ١ - فقيل لِيَبِيتَ على إحدى الطّهارتين خشية أنّ يموتَ في منامه. ٢ - والمعنى الثّاني، قيل: بل العلّة فيه أنْ ينشط إلى الغسل إذا نال الماء أعضاءه، كما ذكره الأبهري (٣). ويجري الخلافُ في وُضُوء الحائض قبل أنّ تنام على الخلاف في هذا التّعليل، فمن عَلَّلَهُ بالمَبِيتِ على إحدى الطّهارتين أجاب فيه: أنّها تتوضّأ". وأمّا الوُضُوء قبل الأكل، فإنّ ذلك عندنا غسل اليد، ولعلّ ذلك لأذى أصابَهُ في يده. نكتةٌ لغوية: قال الهَروي في (٤): يُسَمى الْجُنُبُ جُنُبَا؛ لأنّه نُهيَ أنّ يقرب مواضع الصّلاة ما لم يتطهَّر فيجتنبها. وأجنبَ عنها: إذا تباعد عنها. وقال القُتْبِيّ (٥): يُسَمَّى بذلك لمجانبته النَّاس وبعده منهم حتّى يغتسل، والجنابة: البُعْدُ. قال الأزهري (٦): يقال: جنب الرَّجُل وأجنب، من الجنابة. وقال الزّجاج (٧): "يقال: رَجُلٌ جُنُب، ورَجُلان جُنُبٌ، وقومٌ جنُبٌ، وامرأةٌ جُنبٌ،

стр. 667

كما يقال: رَجُلٌ رِضى، وقومٌ عَدْلٌ، وإنّما هو على تأويل ذووا أَجنُب، والمصدر يقومُ مقامَ ما أُضِيفَ إليه، ومن العرب من يُثنِّي ويجمعُ ويجعل المصدر بمنزلة اسم الفاعل، وإذا جمع جنب قلت في رجال: جُنُبُون، وفي النِّساء: جُنُبات، وللاثنين: جُنُبَان" وقوله في الحديث: "كنَّا في السَّرِيَّةِ فَأجنبْنَا" (١). مزيد إيضاح: وقال (٢): وفي الحديث أنّ عبد الله بن أبي قَيْس قال: سألتُ عائشة ﵂ عن وِتْر رسول الله ﷺ ، وذكر الحديث وقال: قلتُ: كيف كان يصنَعُ في الجَنَابَةِ، أكان يغتسلُ قبل أنّ ينام، أو ينام قبل أنّ يغتسل؛ قالت: كُلٌّ ذلك كان يَفعَل (٣). قال أبو عبد الله المازَرِي (٤): "يحتملُ أنّ يكون وجه سؤاله عن هذا؛ لأنّ في بعض الأحاديث أنّ الجُنُبَ لا تقربه الملائكة، ومعلومٌ من حاله ﷺ أنَّه لا يبقى على حالة تبتعد الملائكة عنه، ألَّا ترى أنّه ﷺ كان يتقي أكل الثّوم ويتجنّبُهُ، وعلَّلَ ذلك بأنَّ المَلَك يُنَاجِيهِ". ويحتمل حديث عائشة تأويلات: أحدها أنّ يكون آخر الغُسْلِ عن وقتٍ وَجَبَ عليه فيه الاغتسال لحضور الصّلاة، فيصيرُ حينئذٍ عاصيًا، فلا تقربه الملائكة بعصيانه، ورسولُ الله ﷺ يتنزّه عن هذا الحال، وهذا تأويل لا يُلتَفَتُ إليه.

стр. 668

تفريعٌ (١): قوله: "اغسِل ذَكرَكَ، ثُم نَمَّ" يريدُ - والله أعلم- أنّ له تأخير الغُسل ما لم يأت وقت الصّلاة، وندبه إلى الوُضُوء وغَسْل الأذى ثمّ ينام. وليس هذا بواجبٍ على من أراد النّوم. وروى ابن نافع (٢) في "المجموعة": من لم يفعل فليستغفر الله تعالى. وقال الدّاودي (٣): من ترك ذلك لم تسقط عَدَالَتُه، وهذا هو الأظهر من أقوال الفقهاء، قال (٤): ومن توضّأ فلا يبطل هذا الوضؤء بِبَوْلٍ ولا غائطٍ، قاله مالكٌ في "المجموعة"، ولا يبطل بشيءٍ إلَّا بمعاودة الجماع. وقولُها (٥): "وضُوءَهُ للصّلاة" يريد وضوءًا كاملًا، وكذلك قال ابنُ حبيب: إن أخذ بقول ابن عمر فتركَ غسل رِجلَيه، فذلك وأسعٌ، وقولُ مالكٌ أَوْلَى، لما في حديث النَّبىِّ ﷺ من إطلاق لفظ الوضوء، وذلك يقتضي الوُضوء الشّرعيّ. المسألة الثّانية (٦): قوله (٧):"إذا أرادَ أنّ ينامَ أو يَطْعَمَ" كان ابن عمر يُسَوِّي بينهما في الوضوء لهما، وبه قال عطاء. وأمّا مالكٌ فقال: لا يَتَوَضَّأ إلَّا من أراد أنّ ينام فقط، وأمّا من أراد أنّ يطعم أو يُعَاوِدَ الجِمَاعَ فلا.

стр. 669

تكملة: قال الطُوسيِّ الأكبر (١): إنّما أمرَهُ بالوضوء عند النّوم؛ لأنّ الأرواح تصعد إلى الله ، فإن الأرواح تُبعَثُ على ما فارقت الأجساد في دار الدُّنيا. وأنشدوا لبعض الصُّوفية في ذلك (٢): هب الفؤادَ لذكْرِ اللهِ مفتاحًا ... واجعل لقَلبِكَ نورَ الذِّكرِ مِصْباحَا فَللمُطِيعينَ أجسادٌ مضمَّنَةٌ ... على الطّهارةِ في التّركيبِ أرْوَاحَا للهِ عبدٌ جَنَى ذنبًا فأَخزَنَهُ ... فَظلَّ حَيران يُذري الدَّمعَ سَفَّاحَا مستغفرًا قَلِقَا مستيقظًا فَطِنًا ... كأَنَّ في قلبه للنُّور مِصْباحَا يَا عينُ جُودِي كما جَادَت مَدَامِعُهُ ... فَرُبَّ دَمْعِ جَرَى لِلخَيرِ مِفتَاحَا ورُبَّ عين رآها اللهُ بَاكِيَةَ ... من خَوفِهِ سَوفَ تَلقَى الرَّوْحَ وَالرَّاحَا وأما قولُه: "اغسِل ذَكَرَكَ، ثُمَّ نَمْ" لم يمكنه القيام تلك اللَّيلة للعبادة، ولا قَرَبَتهُ الملائكة.

стр. 670

إعادة الجُنُبِ الصلاةَ وغُسْلُةُ إذا صلّى ولم يَذكُره، وغَسْلُه ثوبَه قال الإمام الحافظ: هذا الحديث يشتملُ على أربعة فصول: الفصلُ الأوّل في الإسناد مالكٌ (١)، عن إسماعيل بن أبي حكيم؛ أنّ عطاءَ بن يَسَارٍ أخبرهُ؛ أنّ رسول الله ﷺ كَبَّرَ في صلاةٍ من الصَّلواتِ، ثمّ أشار إليهم بِيَدِهِ أَنِ امكُثُوا، فذهبَ، ثُمَّ رجعَ وعلى جِلدِهِ أَثَرُ الماءِ. قال الإمام (٢): ولم يذكر البخاريّ (٣) أنّه كَبَّر، وإنّما ذكر أنّه استوى في الصَّفِّ، وكلٌّ ذلك سواء؛ لأنّ مالكًا إنّما ذكر أنّ النّبيَّ ﷺ كَبَّرَ ولم يذكر أنّ القوم كَبَّرُوا، وإذا لم يُكَبِّر القوم فلا بأس بانتظارهم إمامهم، وقد ذكر ابن مُزَيْن (٤) أنَّ القوم كَبَّرُوا، وليس في "الموطَّأ" بيان أنَّهم كَبَّرُوا. تنبيه على إغفال: قال الشّيخ أبو عمر ﵁ (٥) -: هذا حديث منقطعٌ، وقد رُوِيَ مُسْنَدًا" متَّصِلًا من حديث أبي هريرة وأبي بكرة (٦)، وفي بعضها أنّه "كَبَّرَ"، وفي بعضها أنّه "قام
следующие страницы →