← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

قال الإمام الحافظ: والوضوءُ للجُنُب قبل أنّ ينام، الّذي وقع عند علمائنا (١) هو على الاتِّباعِ والاستحسانِ، وليس من واجبات الأمور، والوضوءُ أحبّ إليهم لما في ذلك من الآثار. تلفيق: وأمّا وضوءُ الجُنُب قبل أنّ ينام، فقد وقع لمالك أنَّه قال: هو شيء ألزمه الخوف عليه. قال أبو عبد الله المازَري (٢):"اختلفَ علماؤنا في تعليله: ١ - فقيل لِيَبِيتَ على إحدى الطّهارتين خشية أنّ يموتَ في منامه. ٢ - والمعنى الثّاني، قيل: بل العلّة فيه أنْ ينشط إلى الغسل إذا نال الماء أعضاءه، كما ذكره الأبهري (٣). ويجري الخلافُ في وُضُوء الحائض قبل أنّ تنام على الخلاف في هذا التّعليل، فمن عَلَّلَهُ بالمَبِيتِ على إحدى الطّهارتين أجاب فيه: أنّها تتوضّأ". وأمّا الوُضُوء قبل الأكل، فإنّ ذلك عندنا غسل اليد، ولعلّ ذلك لأذى أصابَهُ في يده. نكتةٌ لغوية: قال الهَروي في (٤): يُسَمى الْجُنُبُ جُنُبَا؛ لأنّه نُهيَ أنّ يقرب مواضع الصّلاة ما لم يتطهَّر فيجتنبها. وأجنبَ عنها: إذا تباعد عنها. وقال القُتْبِيّ (٥): يُسَمَّى بذلك لمجانبته النَّاس وبعده منهم حتّى يغتسل، والجنابة: البُعْدُ. قال الأزهري (٦): يقال: جنب الرَّجُل وأجنب، من الجنابة. وقال الزّجاج (٧): "يقال: رَجُلٌ جُنُب، ورَجُلان جُنُبٌ، وقومٌ جنُبٌ، وامرأةٌ جُنبٌ،

стр. 667

كما يقال: رَجُلٌ رِضى، وقومٌ عَدْلٌ، وإنّما هو على تأويل ذووا أَجنُب، والمصدر يقومُ مقامَ ما أُضِيفَ إليه، ومن العرب من يُثنِّي ويجمعُ ويجعل المصدر بمنزلة اسم الفاعل، وإذا جمع جنب قلت في رجال: جُنُبُون، وفي النِّساء: جُنُبات، وللاثنين: جُنُبَان" وقوله في الحديث: "كنَّا في السَّرِيَّةِ فَأجنبْنَا" (١). مزيد إيضاح: وقال (٢): وفي الحديث أنّ عبد الله بن أبي قَيْس قال: سألتُ عائشة ﵂ عن وِتْر رسول الله ﷺ ، وذكر الحديث وقال: قلتُ: كيف كان يصنَعُ في الجَنَابَةِ، أكان يغتسلُ قبل أنّ ينام، أو ينام قبل أنّ يغتسل؛ قالت: كُلٌّ ذلك كان يَفعَل (٣). قال أبو عبد الله المازَرِي (٤): "يحتملُ أنّ يكون وجه سؤاله عن هذا؛ لأنّ في بعض الأحاديث أنّ الجُنُبَ لا تقربه الملائكة، ومعلومٌ من حاله ﷺ أنَّه لا يبقى على حالة تبتعد الملائكة عنه، ألَّا ترى أنّه ﷺ كان يتقي أكل الثّوم ويتجنّبُهُ، وعلَّلَ ذلك بأنَّ المَلَك يُنَاجِيهِ". ويحتمل حديث عائشة تأويلات: أحدها أنّ يكون آخر الغُسْلِ عن وقتٍ وَجَبَ عليه فيه الاغتسال لحضور الصّلاة، فيصيرُ حينئذٍ عاصيًا، فلا تقربه الملائكة بعصيانه، ورسولُ الله ﷺ يتنزّه عن هذا الحال، وهذا تأويل لا يُلتَفَتُ إليه.

стр. 668

تفريعٌ (١): قوله: "اغسِل ذَكرَكَ، ثُم نَمَّ" يريدُ - والله أعلم- أنّ له تأخير الغُسل ما لم يأت وقت الصّلاة، وندبه إلى الوُضُوء وغَسْل الأذى ثمّ ينام. وليس هذا بواجبٍ على من أراد النّوم. وروى ابن نافع (٢) في "المجموعة": من لم يفعل فليستغفر الله تعالى. وقال الدّاودي (٣): من ترك ذلك لم تسقط عَدَالَتُه، وهذا هو الأظهر من أقوال الفقهاء، قال (٤): ومن توضّأ فلا يبطل هذا الوضؤء بِبَوْلٍ ولا غائطٍ، قاله مالكٌ في "المجموعة"، ولا يبطل بشيءٍ إلَّا بمعاودة الجماع. وقولُها (٥): "وضُوءَهُ للصّلاة" يريد وضوءًا كاملًا، وكذلك قال ابنُ حبيب: إن أخذ بقول ابن عمر فتركَ غسل رِجلَيه، فذلك وأسعٌ، وقولُ مالكٌ أَوْلَى، لما في حديث النَّبىِّ ﷺ من إطلاق لفظ الوضوء، وذلك يقتضي الوُضوء الشّرعيّ. المسألة الثّانية (٦): قوله (٧):"إذا أرادَ أنّ ينامَ أو يَطْعَمَ" كان ابن عمر يُسَوِّي بينهما في الوضوء لهما، وبه قال عطاء. وأمّا مالكٌ فقال: لا يَتَوَضَّأ إلَّا من أراد أنّ ينام فقط، وأمّا من أراد أنّ يطعم أو يُعَاوِدَ الجِمَاعَ فلا.

стр. 669

تكملة: قال الطُوسيِّ الأكبر (١): إنّما أمرَهُ بالوضوء عند النّوم؛ لأنّ الأرواح تصعد إلى الله ، فإن الأرواح تُبعَثُ على ما فارقت الأجساد في دار الدُّنيا. وأنشدوا لبعض الصُّوفية في ذلك (٢): هب الفؤادَ لذكْرِ اللهِ مفتاحًا ... واجعل لقَلبِكَ نورَ الذِّكرِ مِصْباحَا فَللمُطِيعينَ أجسادٌ مضمَّنَةٌ ... على الطّهارةِ في التّركيبِ أرْوَاحَا للهِ عبدٌ جَنَى ذنبًا فأَخزَنَهُ ... فَظلَّ حَيران يُذري الدَّمعَ سَفَّاحَا مستغفرًا قَلِقَا مستيقظًا فَطِنًا ... كأَنَّ في قلبه للنُّور مِصْباحَا يَا عينُ جُودِي كما جَادَت مَدَامِعُهُ ... فَرُبَّ دَمْعِ جَرَى لِلخَيرِ مِفتَاحَا ورُبَّ عين رآها اللهُ بَاكِيَةَ ... من خَوفِهِ سَوفَ تَلقَى الرَّوْحَ وَالرَّاحَا وأما قولُه: "اغسِل ذَكَرَكَ، ثُمَّ نَمْ" لم يمكنه القيام تلك اللَّيلة للعبادة، ولا قَرَبَتهُ الملائكة.

стр. 670

إعادة الجُنُبِ الصلاةَ وغُسْلُةُ إذا صلّى ولم يَذكُره، وغَسْلُه ثوبَه قال الإمام الحافظ: هذا الحديث يشتملُ على أربعة فصول: الفصلُ الأوّل في الإسناد مالكٌ (١)، عن إسماعيل بن أبي حكيم؛ أنّ عطاءَ بن يَسَارٍ أخبرهُ؛ أنّ رسول الله ﷺ كَبَّرَ في صلاةٍ من الصَّلواتِ، ثمّ أشار إليهم بِيَدِهِ أَنِ امكُثُوا، فذهبَ، ثُمَّ رجعَ وعلى جِلدِهِ أَثَرُ الماءِ. قال الإمام (٢): ولم يذكر البخاريّ (٣) أنّه كَبَّر، وإنّما ذكر أنّه استوى في الصَّفِّ، وكلٌّ ذلك سواء؛ لأنّ مالكًا إنّما ذكر أنّ النّبيَّ ﷺ كَبَّرَ ولم يذكر أنّ القوم كَبَّرُوا، وإذا لم يُكَبِّر القوم فلا بأس بانتظارهم إمامهم، وقد ذكر ابن مُزَيْن (٤) أنَّ القوم كَبَّرُوا، وليس في "الموطَّأ" بيان أنَّهم كَبَّرُوا. تنبيه على إغفال: قال الشّيخ أبو عمر ﵁ (٥) -: هذا حديث منقطعٌ، وقد رُوِيَ مُسْنَدًا" متَّصِلًا من حديث أبي هريرة وأبي بكرة (٦)، وفي بعضها أنّه "كَبَّرَ"، وفي بعضها أنّه "قام

стр. 671

في مُصَلَّاهُ"، وفي بعضها أنّه " لمَّا انصرف كبَّرَ". قال الإمام (١): ومن ذكر أنّه كَبَّرَ زاد زيادة (٢) يجب قَبُولها. ومن روى أنَّه لم يُكَبَّر، فقد أراح نَفسَهُ من الكلام في هذا الباب. أمّا القول والترجمة فيه على رواية من روى أنَّه كَبَّرَ، فقد ظَنَّ بعض شيوخنا؛ أنّ في إشارته إليهم: أنِ "امكُثُوا" دليلًا على أنّه إذا انصرف (٣) بنَى بهم؛ لأنّه لم يتكلّم. قال الإمام الحافظ (٤): وهذا جهلٌ عظيمٌ، وغلطٌ فاحش من قائله، إذ لا يجوز عند أحد من العلماء أن يَبْني أحدٌ على ما صنع من صلاتة وهو غير طاهر، ولا يخلو أمره من أحد ثلاثة أوجُهٍ (٥): الأوّل: إمّا أنّ يكون بني على التكبيرة الّتي كَبَّرَها وهو جُنُبٌ، وبَنَى القوم معه على تكبيرهم، فإنْ كان هذا فهو منسوخٌ بالسُّنَّةِ والإجماع. وأمّا السُّنَّة فقولُه ﵇: "لا يقبلُ اللهُ تعالى صلاةً بغيرِ طُهُورٍ" (٦)، فكيف بَنَى على ما صلَّى وهو غير طاهر! وتكبيرةُ الإحرام رُكنٌ من أركان الصّلاة، فكيف يجزئه بناؤُه وقد عملها على غير طهارةٍ، وهذا لا يَظُنَّهُ ذُو لُبٍّ، ولا يقولُه أحدٌ؛ لأنّ علماء المسلمين مجتمعونَ على أنّ الإمام وغيره من المصلِّين لا يَبني أحدٌ منهم على شيءٍ عمله في صلاته وهو غيرُ طاهرٍ. وإنّما اختلفوا في بناء المُحدِثِ على ما صلَّى وهو طاهرٌ قبل حَدَثِه، وقد بيَّنَّا ذلك في باب الرُّعَافِ (٧). والوجة الثّاني: هو أنّ يكون رسولُ الله ﷺ حين انصرف بعد غُسلِهِ استأنفَ صلاته واستأنفها أصحابه معه بإِحرامٍ جديد، وأبطلوا إحرامهم إنّ كانوا قد أَحْرَمُوا. وقد كان لهم

стр. 672

أنّ يعتدَّوا به لو استخلف من يتمّ بهم، فإن كان هذا، فليس يُشكِل في الحديث معنى حينئذٍ على مذهب مَنْ روى أنّه كبَّرَ ثم أشار إليهم أَنِ امْكُثُوا وانْصَرَفَ. وأمّا من رَوَى أنّه لم يكبِّر أوَّلًا، وَكَبَّرَ لَما انصرفَ، فليس في روايته شيءٌ يحتاج إلى قولٍ غير انتظار الإمام إذا كان في الوقت سَعَة، وهذا أمرٌ مجتمعٌ على جوازه لا مَدخَلَ أيضًا للقول فيه. والوجهُ الثّالث: هو أنّ يكون النّبيّ ﵇ كبَّرَ مُحرِمًا مُستأنفًا لصلاته، وبَنَى القومُ خَلفَهُ على ما مضَى من إحرامهم. فهذا وإن كان فيه النّكتة المجيزة لصلاة القوم خلف الإمام الجُنُب لاستحرامهم بإحرامهم خَلْفَه، فإنّه لا يصحُّ ولا يُخَرَّجُ على مذهب مالكٌ؛ لأنّه حينئذ يكون إحرام القوم قبل إحرام إمامهم، وهذا غير جائز عند مالكٍ وجمهور الفقهاء، وإنّما اختاره الشّافعيّ في أحد قوليه، والصّحيح عنه مثل قول الجماعة (١)، ولا يحتمل الحديث غير هذه الثلاثة الأوَجُه، ولا يخرج عن واحد منها، وليس في شيءٍ منها ما يدلُّ على جواز صلاة المأموم الطّاهر خَلْفَ الإمام الجُنُبِ على مذهب مالك. الفصلُ الثّاني فى سرد المسائل وفيه ثلاثة مسائل: المسألة الأولى (٢): اختلفَ العلماءُ في القوم يصلُّون خَلفَ إمام ناسٍ لجَنَابَتِهِ؟ فقال مالكٌ وأصحابه (٣) والثّوريُّ والشّافعىُّ: لا إعادةَ عليهم. ورُوِيَ ذلك عن عمر وعثمان وعليّ، وعليه أكثر

стр. 673

العلماء، وحَسْبُكَ حديث عمر (١)؛ فإنّه صلّى بجماعة من أصحابه صلاة الصُّبح، ثمّ غَدَا إلى أرضِهِ بِالجُرفِ، فَوَجَدَ في ثَوبِه احتلامًا، فَغَسَل واغتَسَلَ، فأعاد صلاته وَحْدَهُ ولم يأمرهم لإعادة، وهذا في جماعة، ولم يُنكره واحدٌ منهم. ورُوِيَ عنه (٢) أنّه أفتى بذلك. المسألة الثّانية (٣): اختلف مالكٌ والشّافعيّ - في المسألة بحَالها- في الإمام يتَمَادَى في صلاته ذاكرًا لِجَنَابَتِهِ، أو ذاكرًا أنّه على غير وُضوءٍ، أو ابتدأَ صلاته كذلك (٤)، قال مالكٌ (٥) وأصحابه (٦): إذا عَلِمَ أنّه على غير طهارةٍ، وتمادَى عامدًا، بَطَلَت صلاتُه وصلاتُهُم. وقال الشّافعيّ (٧): صلاةُ القوم جائزةٌ تامّةٌ، ولا إعادةَ عليهم إذا لم يعلموا حال إمامهم؛ لأنّهم لم يكلَّفُوا عِلْم الغَيْب، إذ قد صلَّوا خَلفَ رَجُلٍ طاهرٍ في علمِهم. المسألة الثّالثة: قول مالكٌ (٨) - فيمن رأى في ثوبه احتلامًا ولا يدري مَتَى كانَ، ولا يَذكُر شيئًا رآه في منامه-: إنّه يغتسل ويُعيدُ ما صلَّى من أَحدَثٍ نَوْمِهِ. المسألة الرّابعة (٩): في هذا الحديث إعادةُ الصّلاةِ وإن خرج الوقتُ إذا صلّاها وهو جُنُب. وقوله (١٠):"وأَنضِحُ" والنَّضحُ هاهنا: الرَّشُّ (١١)، وفعلُه استطابة للنَّفس، ومدافعة

стр. 674

للشَّيطان. قال ابنُ حبيب (١): "فمن جَهِلَ وصلَّى ولم يَنْضَح الثَّوب الّذي شكَّ فيه وقد غَسَل ما رَأَى، فإنّ صلاته مجزئة عنه؛ لأنَّ النَّضح في هذا استطهارٌ من بعد الغُسلِ لتطِيب النَّفسُ، فمن جَهِلَهُ فتركه لم ينقض ذلك صلاتَه، وكذلك سمعت مُطَّرِّفًا يقول". وقال عيسى في "تفسير ابن مُزين": يُعيدُ في الوقتِ. نكتةٌ أصولية: قوله (٢): "فغَسَل ثَوبَهُ" من فعل عمر، وقد روي عن النّبيِّ صلّى الله عليه من حديث عائشة أنّها قالت: كنت أغسِلُ الجَنَابَةَ مِنْ ثوبِ رسولِ الله ﷺ ، فَيَخْرُجُ إلى الصَّلاةِ وإنَّ بُقَعَ الماءِ في ثَوْبِهِ (٣). اختلف العلماءُ (٤) في المنىِّ هل هو نجسٌ أو طاهر؛ فمذهب مالكٌ (٥) والليث والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة (٦) أنّه نجس، إلَّا أنّ مالكًا ﵀ لا يجزىء عنده في رطبه إلَّا الغُسْل (٧)، والفَركُ (٨) عنهده باطلٌ. وعند أبي حنيفة يُغسَل رطبه، ويُفرَك يابِسُه. وقال الثّوريّ: إنّ لم يَفرُكه من ثوبه أجزأته صلاته. وممّن رأى الفَرك سعد بن أبي وقّاص وابن عبّاس. قال الإمام (٩): وحُجَّةُ الّذين قالوا بنجاسته قول عائشة: كنت أغسلُ الجَنَابَةِ من ثَوبِ رسول الله ﷺ . الحديث.

стр. 675

واحتجّ الّذين قالوا إنّه طاهر بآثارٍ مخالفةٍ لهذا الحديث. قولُها: كُنتُ أَفرُكُ المنِيَّ من ثوب رسول الله ﷺ الّذي يصلِّي فيه (١). قال الإمام (٢): وليس هذا ممّا يدلُّ على طهارته كما زعموا، فقد يجوز أنّ يفعل ذلك النّبيّ يطهر بذلك الثّوب، والمنِيُّ في نفسه نَجسٌ. وقال ابنُ القصار (٣): وأمّا دليلُ القياس، فقد اتّفقنا على نجاسة المذي، فكذلك المني، فَعِلَّتُه أنّه خارج من مَخرَجِ البَول (٤). فإن قيل: هو طاهرٌ؛ لأنّه خَلَقَ منه الأنبياء ﵈، فلا يجوز أنْ يكون نَجِسًا. الجواب عنه - قلنا: وكذلك أيضًا خَلَقَ منه الطُّغَاةَ والفراعنة، فوجب أنْ يكون نجِسًا. فإن قيل: اللهُ خَلَقَ آدم من ماء وطينٍ، وهما طاهران، ويكون متولّدًا عن نجسٍ، كاللّبن فإنّه متولِّدٌ عن الدَّمِ، فالماءُ والطِّينُ طاهران. قيل: هذا لا يلزم؛ لأنّه لا يشارِكُه أحدٌ في ابتداء خَلقِه، لم تجب مساواته فيما ذكرتم؛ لأنّ آدم لم ينقل من رَحِمٍ فيكون نُطفَة ثم عَلَقَة، والعَلَقَة دَمٌ حكم لها بالنّجاسة إذا انفَصَلَت. تنبيه على مقصدٍ (٥): قال الإمام الحافظ: وقد وجدنا الخارجات من البدَنِ على ضربين: ١ - ضَربٌ مائعٌ طاهرٌ، ليس خروجه لحَدَثٍ، ولا ينقضُ الوضوء، كاللبن، والعَرَقِ والدُّموع، والبُزَاقِ، والمُخَاطِ.

стр. 676

٢ - وضَربٌ آخر نجِسٌ، وخروجه حدَثٌ ينقض الطّهر ويجب غَسله، كالبول، والغائط، ودم الحائض، والمذي، وثبت الإجماع؛ أنّ المذي ينقض الوضوء وُيوجِبُه، وكذلك المنىّ. نكتةٌ بديعة (١): قول عمر في الحديث (٢): "إنَّا لَمَّا أَصَبنَا الوَدَك لاَنَتِ العُرُوقُ" وذلك أنَّه لَمَّا ولي الخلافةَ قدِمَتْ عليه وفودُ الملوكِ فصنع لهم طعامًا وأكل معهم تواضُعًا. وقال في حديث آخر: "لا آكل سَمنًا حتَّى يحيى النّاسُ من أوّل ما يحيَوْنَ" (٣) يريدُ المجاعة الّتي كانت نزلت بالنّاس، فَكَرِهَ أنّ يأكل السَّمْن لتَسْتَوِي حالُه وحالُ النّاس معه (٤). وإنّما أصابه الاحتلام من أجل الوَدَكِ والسَّمْن. فالنُّكْتَةُ البديعة - في ذلك؛ أنّ المَنِيَّ شيءٌ ثان يتغذّى من الرُّطُوبات، خلافًا لمن قال: إنّ المنىَّ إنّما هو في أصل الْخِلْقَةِ، ولو كان هذا صحيحًا لوُجِدَ في الإنسان من حِين نشأ، وهذا محالٌ، وإنّما يخلقه الله عند الحاجة إلى الكمال والدّخول في حدِّ الرِّجال، فالمنيُّ قد يتقوّى بالرُّطوبات كما قلنا وكما قال عمر، وقد يضعفُ بالصَّوم والحسومة (٥) أيضًا، فهذه نكتةٌ بديعة جدًّا.

стр. 677

غُسْلُ المرأةِ إذا رأت في المنام مِثْلَ ما يرَى الرَّجُلُ مالكٌ (١)، عن ابن شهاب، عن عروة؛ أنَّ أم سُلَيْم قالت *لرسول الله ﷺ : المرأة تَرَى في المنامِ مثل ما يَرَى الرَّجُلُ، أَتَغْتَسِلُ؟ فقال لها رسول الله ﷺ : "نعم، فَلتَغتَسِلْ" الحديث. مالكٌ (٢)، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سَلَمَة، عن أم سَلَمَة زوجُ النّبيّ أنّها قَالَتْ: جاءت أُمُّ سُلَيْم امرأة أبي طلحة الأنصاري إلى رسول الله ﷺ فقالت*: يا رسول الله هل على المرأةِ من غُسلِ إذا هي احتَلَمَتْ؟ الحديث. قال الإمام (٣): هكذا رواه مالكٌ (٤)، ولم يذكر فيه عن عائشة؛ أنّ أُمَّ سُلَيْم قالت: "يا رسول الله". ورواه عبد الأعلى السَّامي عن مَعمَر كرواية يحيى. وأكثر الرُّواة يروونه عن عُرْوَة عن عائشة (٥)، وجمهور رواة الموطَّأ (٦) عن مالك عن ابن شهاب عن عُرْوَة، ولم يذكروا فيه عن عائشة. وفيه فصول ثلاثة:

стр. 678

الفصل الأوّل قد تقدَّم في الإسناد لهذا الحديث. الفصل الثّاني في ذكر الفواند المنثورة وفيه أربع فوائد: الفائدة الأولى (١): في هذا الحديث: إيجابُ الغُسل على النِّساء إذا احتلمن ورأَيْنَ الماء، فحكمُهُنَّ في ذلك حُكم الرِّجال في الاحتلام إذا كان معه الإنزال، وهذا ممّا لا خِلاَفَ فيه. وأكثرُ أصحاب ابن شهاب يقولون: نعم، إذا وَجَدْتِ الماءَ (٢)، وقد روي: "إنّ النِّساءَ شقائق الرِّجال" (٣)، يعني (٤): أنَّ الخِلقَة فيهم واحدةٌ، والحكمُ فيهم بالشّريعة سواء. الفائدة الثّانية (٥): فيه: بيان ما كان عليه نساء ذلك الزّمان من الاهتبال بأمر دينهنّ، وهذا يَلزَمُ كلّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ إذا جَهِلا شيئًا من دينهما أنّ يسألا عن ذلك، وقول الرسول ﷺ : "شِفَاءُ العيِّ السُّؤَالُ" (٦) وقول عائشة: "يرحمُ اللهُ نساءَ الأنصارِ، لم يمنعهنّ الحياءُ أنّ يسألنَ عن

стр. 679

أَمْرِ دِينهِنَّ" (١) وكانت أم سُلَيْمٍ من فواضل الأنصار، ولذلك (٢) قالت لها عائشة: "فَضَحْتِ النِّساء" (٣) لما علمت من دِينِهَا وفَضْلها. الفائدة الثّالثة (٤): فيه أيضًا: دليلٌ على أنّ النِّساء كلّهن ليس يحتلمن، ولهذا أنكرت عائشةُ ذلك من أمِّ سُلَيْم. وقيل: إنّما أنكرت عائشة ذلك على أمِّ سُلَيم، لأنّها لم تَفقِد رسول الله صلّى الله عليه قطُّ، ولم تكن رأت ذلك، فأنكرته ولم تبلغ ذلك الحدّ، وأكثر ما يحدث ذلك للنِّساء إذا كان زوجها قد أطال الغيبة عنها. الفائدة الرّابعة: قول عائشة (٥): "أُفٍّ لَكِ، وهَلْ تَرَى ذلكَ المرأةُ؟ فقال رسول الله ﷺ : تَرِبَت يَمِينُكِ، وَمِن أَينَ يكون الشَّبَهُ". نكتةٌ لغوية (٦): قوله: "من أَينَ يَكُونُ الشَّبَهُ". قال الإمام: الشَّبَهُ والشِّبهُ لغتان، إذا فتحت الشِّين فافتح الباء، لماذا كسرت الشِّين فاجزم الباء. تحقيق: قولها: "أُفٍّ لَكِ" فيه للعلماء من أهل اللُّغة عشر لغات (٧):

стр. 680

"- أُفَّ لك بضم الألف وفتح الفاء مشدَّدة. ٢ - وأُفِّ لك بكسر الفاء. ٣ - وأُفُّ بضمِّها. ٤ - وأُفَّا لك بالنَّصب والتّنوينِ. ٥ - وأُفٍّ بالخَفض والتّنوين. ٦ - وأُفٌّ بالضَّمِّ والتّنوين. ٧ - وأُفْ بإسكان الفاء. ٨ - وأُفِّي بياء الإضافة. ٩ - وإِفَّ بكسر الألف وفتح الفاء. ١٥ - وأُفَّه بضمِّ الألف وإدخال الهاء. والحروف الّتي هي الزّوائد عشرة، جمعت في قولك: اليوم تنساه. وأفّ (١): هو ما غَلُظَ من الكلام وقَبُحَ. وقال غيره: معنى هذه اللّفظة جوابٌ لِمَا يُستَثْقَلُ من الكلام وما يُضجَر منه، وقالوا الأُفُّ والتُّفُّ واحدٌ، قالوا: والأُفُّ وَسَخُ اللأُذُنِ، والتّفّ وسَخُ الأظفار (٢). إيضاحُ مُشكِلٍ: قوله (٣): "تَرِبَت يَدَاكَ، وَمِن أَينَ يكونُ الشَّبَهُ" فيه للعلماء أقوال جَمَّةٌ، وهو حرفٌ أشكلَ على العلماء، والّذي يحضرُني من ذلك في هذه العاجلة ثلاثة أقوال: القولُ الأوَّل (٤): هو أن يكون أراد: اسْتَغنَت يَدَاك، كأنه يُعَرِّضُ لها بالجهل إذْ

стр. 681

أنكَرَت ما لا ينبغي أنّ ينكره مخاطبها. ٢ - وقال علماؤنا (١): هي كلمةٌ جَرَت على أَلسِنَة العرب لا يريدون بها الدُّعاء، وكذلك قولُه (٢): "عَقرًا حَلقًا"، لم يرد بها الدُّعاء، وتفسير عَقرًا حَلقًا: عَقَرَهَا اللهُ وحلقَهَا. ٣ - والقولُ الثّالث: قوله: "تَرِبَت يَدَاكَ" قيل: بمعنى افتقرت (٣)، وذَكر ابنُ حبيب (٤)؛ "أنّ مالكا كان يقول: معناه استغنت يمينُك، ذهب إلى أنّ الرسول صلّى الله عليه لم يكن يدعو على عائشة ولكن دعا لها". وكذلك روى عيسى بن دينار؛ أنّ قوله: "تَرِبَت" بمعنى: استَغنَت. وقال الهروي (٥) في "تفسير قوله سبحانه: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (٦) أي: لصقَ بالتّراب من فَقرِهِ". نكتةٌ لغوية: تقولُ (٧) العربُ: تَرِب الرَّجُل: إذَا افتقر، وأَترَبَ: إذا اسْتَغنَى، وفي الحديث: "عليكَ بذَاتِ الدِّينِ تَرِبَت يدَاكَ، أو يمينك" (٨).

стр. 682

وقال ابن عرفة (١): أراد تَرِبَت يداك إنّ لم تفعل ما أمرتُك (٢). وقال ابنُ الأنباريّ (٣): معناه لِلهِ دَركَ إذا استعملت ما أمرتُك به، واتَّعَظْتَ بِعِظَتِي. قال في "رسالة البديع": قوله: "ترِبَت يداكَ" (٤) يدلُّ على أنّه ليس بدعاءٍ، والعربُ تقولُ: لا أبَ لك، ولا أمَّ لك، يريدون بذلك: لله دَرُّكَ، ومنه قول الشّاعر (٥): هَوَتْ أُمّهُ مَا يَبعَثُ الصُّبحَ غَادِيًا ... وَمَاذَا يُؤَدِّي اللَّيْلُ حِينَ يَؤُوبُ فظاهرُه: أَهلَكَة اللهُ، وباطِنُه: لله دَرُّه. ومنه الحديث (٦):"وَيلُ أمِّهِ، مسعَرَ حَربٍ" وويل أمّه وهو يريد مدحه. وهذا (٧) القول كله من قائله فرارٌ من الدُّعاء على عائشة، وإنّما هو بمعنى استغنت، يقال أَترَبُ الرَّجُل: إذا استغنى، وتَرِبَ: إذا افتقر. وقالوا معنى قوله: "تَرِبَت" أي: افتقرت من العِلم بما سألت عنه أمّ سُلَيْم. وهذا التّأويل أَبيَن، وأحسن التّأويلات، والله أعلم. فهذا جملة أقوال العلماء الشّارحين للحديث، ولا يشذّ منها قوله إلَّا وقد قيَّدنَاهَا لكم.

стр. 683

الفصل الثّالث في شرحِ قولِهِ ﵇: "إذا سَبَقَ ماءُ الرَّجُلِ ماءَ المرأةِ أَو عَلاَ، أَشبَهَ الرَّجُلُ أَعمَامَهُ، وإذا سبقَ ماءُ المرأةِ ماءَ الرَّجُلِ أَو عَلاَ، أَشبَهَ الرَّجُلُ أَخوَالَهُ" (١)، وقوله في الحديث الآخر: "إذا سبقَ أحدهما الآخر". قال علماؤنا: في هذا دليلٌ قويٌ على أنَّ الولَدَ يُخلَق من الماءين، ولا يكون من ماء واحد بوجهٍ، ولا على حالٍ؛ لأنّ الكَفَرَةَ من الأطِّبَاء قالوا: قد يكون الولد من الرَّغوَة أو الزَّبَد الّذي يتولَّدُ بينهما. إيضاح مشكلٍ (٢): فإن قيل: قد تعارض الحديثان في الظّاهر، فكيف الجمعُ بينهما؟ قلنا: وذلك أنّ تعلم أن للماءين أربعةَ أحوال (٣): الأوّل: أن يخرُجُ ماءُ الرَّجُل أوَّلًا. والثّاني: أن يخرجَ ماءُ المرأة أيضًا أوَّلًا. الثّالث: أن يخرُجَ ماءُ الرَّجُل أوَّلًا ويكون أكثر. والرّابع: أن يخرجَ ماءُ المرأة أوَّلًا ويكون أكثر. أو بالعكس من ذلك، ويجب على هذا الوجودُ الّذي أشار إليه النّبيّ ﷺ بقوله (٤): "من أَينَ يَكُونُ الشَّبَهُ؟ " وإذا خرجَ ماءُ الرَّجُل أوَّلًا وعَلاَ وكان أكثر، جاء الوَلَدَ ذَكَرًا لحُكم السَّبْقِ، وأَشبَهَ الولدُ أعمامَهُ بحُكمِ الغَلَبَةِ والكَثرةِ. وإن خرج ماءُ المرأةِ أوَّلًا وكان أكثر من ماءِ الرَّجُلِ أو عَلاَ، جاء

стр. 684

الولدُ أنثَى بحُكم سَبقِ ماء المرأة، وأشبه أخوالَه بحُكمِ الغَلَبَةِ والكَثرة. وإن خرجَ على السَّبق والأَعلَى، فلا يخلو من هذا التّقسيم، والله أعلم. قال بعض أشياخي: وبَقِيَ هاهنا نكتةٌ، وهي إذا استوى ماءُ الرَّجُلِ وماءُ المرأةِ، ولم يَعلُ ذا على ذا، ولا ذا على ذا، فإنّه يكون خُنثَى. قال الإمام الحافظ: وقد كانتِ الخِلقَةُ مستويةً ذَكَرًا وأُنثَى، إلى أنّ وقع في الجاهلية الأُولى خُنثَى، فأتى به فرضيّ العرب ومعتمدها (١)، فلم يَدرِ ما يقول فيه، فلما جَنَّ عليه الليل، تنكَّرَ عليه مَضجعه، وجعل يتقلّب ويُطيلُ التَّفَكُّر فيه، إلى أنّ أنكرت عليه جاريته حاله، فقالت له: مالكٌ؟ فذَكَر لها الأمر، وقال لها: رَجُلٌ له ذَكَرٌ وفَرْجٌ، كيف يكون حَالُه في الميراث؟ فقالت له الأَمَةُ: يُوَرَّثُ من حيث يبولُ، فعلقها، وأصبح، ففرضها لهم وأمضاها عليهم، فانقلبوا بها رَاضِين، وجاء الإِسلامُ على ذلك، فلم تنزل إلّا في عهد عليّ بن أبي طالب (٢)، فقَضَى فيها على ما قدَّمنا. ورُوِي عن الكَلبِىّ (٣)، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس؛ أنّه سُئِلَ عنها وعن مولودٍ له قُبُلٌ ودُبُرٌ، من أين يُوَرَّث؟ فقال: يُوَرَّثُ من حيث يَبُولُ (٤). ورُويَ أنّه أُتِيَ بخُنثَى من الأنصار إلى النّبيّ ﷺ ، فقال: "يُوَرَّثُ من حيث يَبُول" (٤). قال أبو عبد الله الشّقاق (٥)، فرضىُّ الإسلام، إنّ بال منهما جميعًا، ورثَ من الّذي

стр. 685

يسبق منه البَوْل. وكذلك رواه محمد بن الحنفيّة، عن علي بن أبي طالب ﵁ ونحوه عن ابن عبّاس، وبه قال ابن المسيَّب (١) وأبو حنيفة (٢)، وحكاه المُزنى عن الشّافعيّ (٣). وقال قومٌ: لا دليل في البَوْل، فإن خرج البَولُ منهما جميعًا؟ قال أبو يوسف: يحكم بالأكثر (٤)، وأنكَرَهُ أبو حنيفة، ولم يجعل أصحابُ الشّافعيّ للكَثرة حُكمًا. وقال إسماعيل القاضي: لا أحفَظُ عن مالكٌ في الخُنثَى شيئًا، وحُكِيَ أنّه جعله ذكَرًا، وحُكِيَ عنه أنّه جعل له نِصفَ ميراث ذَكَرِ،- ونصفَ ميراثِ أُنْثَى، وليس بثابتٍ عنه. وقد قيل: لا يُعتبَرُ بذلك إذا بلغ وزال الإشكال. وقد أنكر قومٌ من رؤوس العوامّ الخنثى، وقالوا: وقد قسم الله الخَلقَ ذَكَرًا وأُنْثَى، وهم أهل الظّاهر، فلا يعوَّل على ذلك (٥)، وَليُعَوَّل على ما نقله الجمهور، واللهُ يوفّق للصّواب.

стр. 686

جامعُ غُسْلِ الجَنَابَةِ روى نافع؛ أنّ عبد الله بن عمر كان يقول: لا بأسَ أنّ يُغتَسَلَ بفَضلِ المرأةِ، ما لم تكن حَائِضًا أو جُنُبًا (١). قال مالكٌ: لا بأسَ بفَضلِ المرأةِ وإن كانت حائضًا أو جُنُبًا (٢). قال الإمام (٣): يدلُّ على ما قال مالك حديث عائشة؛ أنّها قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناءٍ واحدٍ، تختلفُ أيدينا فيه (٤). وقد اختَلَفَ في ذلك قولُ ابن عمر، ذَكَرَ نافع (٥)؛ أنّ ابنَ عمر كان يَغسِلُ جَوَارِيهِ رِجلَيهِ ويُعطِينهُ الخُمرَةَ وهُنَّ حُيَّضٌ، فهذا خلاف قوله: "مَا لَمْ تَكُن حَائِضًا أَو جُنُبًا". قال مالك: وإنّما فعل ذلك ابن عمر لِعُذرٍ، والعُذرُ الّذي ذكر مالك: العلّةُ الّتي كانت برِجلَيه من فَدَعِ أهل خَيبَر (٦)، والله أعلم. والخُمرَةُ: شيءٌ منسوجٌ يُعمَلُ من سَعَفِ النَّخلِ، وُيزملُ بالخيوط، وهو صغيرٌ قَدر ما يَسجُد عليه المصلِّي (٧). وقال القاضي أبو الوليد (٨): "كان ابنُ عمر يغسلُ جَوَارِيه رِجلَيهِ: يحتمل أنّ يريد في الوُضعوء، على ذلك حملَهُ سحنون في "العُتبِيّة" (٩) ". وقولُه (١٠): "كان يَعرَقُ في الثَّوبِ وهو جُنُبٌ ثم يُصَلِّي فيه".

стр. 687

قال الإمام (١): هذا ما لم يكن على جسد الجُنُب نجاسة، فإن كان على جسده نجاسسة فَعَرِقَ في الثّوب، نجس ومنع من الصّلاة فيه، وكذلك لو كان الثّوبُ نَجِسًا فَعَرِقَ فيه، نجس جسده (٢). مسألة (٣): قال: فإن أخذ الماء بِفِيهِ ليغسل به يده، فقدِ اختلفَ أصحابنا في ذلك؟ فرَوَى أشهب عن مالك في "العُتبِيّة" المنع منه (٤). ورُوِيَ عن ابن القاسم (٥) إباحة ذلك إذا نَوَى به الغُسل. وقد رأيتُ أنّ أَسرُدَ هاهنا جملة من مسائل الغُسلِ من الجَنَابة، واختلاف نيَّة المكلَّف في ذلك، وأختمُ بذلك جملة الكلام في الغُسلِ من الجنابة. والّذي يرتبطُ به النِّظام في هذا المقام، ثلاث عشرة مسألة. إحداها: هل على الجُنُب أنّ ينوي رفع الحَدَثِ الأكبر، بخلاف المتوضِّئ الّذي ينوي رفع الحَدَثِ فقط أم لا؟ قيل: الفرقُ بينهما؛ أنَّ الحَدَثَ الأصغر لا يحتاج فيه إلى تعيينٍ؛ لأنّ الحَدَثَ على ضربين: أكبر، وأصغر، فعلى أيّهما حمل نيَّته أجزأَه في الوضوء، للإجماع على أنّ نيَّةَ الجنابة تنوبه عن الوضوء، فإن حملناه على الحَدَثِ الأصغر، فذلك الّذي عليه، لكان حملناه على الأكبر، فقد أتَى بما عليه وأكثر. وبخلافه الجُنُب، فإنّ نِيّة الحَدَث الأصغر لا تجؤىء عن الأكبر، فلذلك وَجبَ عليه تعيين الحَدَث الأكبر في نِيَّتِهِ. المسألة الثّانية: هي إذا نوى الطّهارة مطلقة؟ فقال ابنُ شعبان: قال مالكٌ مرَّة: لا تجزئه، وقال مرّة: تجزئه، وتبعه على ذلك أكثر أصحابه، وقد تقدَّم وجه القولين في الوضوء.

стр. 688

المسألة الثّالثة: إذا نَوَى الجُنُبُ بغُسلِه قراءة القرآن طاهرًا، أو مسّ المصحف؟ قال عبد الوهّاب: لا أحفظُ فيه نصًا، وذلك يجزئه؛ لأنّ هذه النّية تتضمَّن رفع الحَدَثِ الأكبر؛ لأنّ المُحدِثَ ليس له أنّ يمسّ بشيءٍ من أعضائه لأجل الحَدَثِ. وإنّما تختلف مُوجِبات الإحداث، وإلّا فالإحداثُ في الأصل واحدٌ، وإن حكمها لاحقٌ بكلِّ البَدَنِ. وإذا صحّ هذا، فمِن أجله منعناه إذا كان مُحدِثًا أنّ يمسَّ المصحف حتّى يتوضّأ، لوجود حُكْمِ الحَدَثِ، وهذا المعنى هو موجودٌ في الجُنُب، فيحب أنّ يجزئه إذا نَوَى بغُسْله مسّ المصحف. قال: ويجوز أنّ يقال لا يجزئه؛ لأنّه نَوَى ما ليس الغُسل من شروطه، واستباحته بالأوَّلِ أَوْلَى. المسألة الرّابعة: هي إذا تساوتِ الطّهارتان في الوُجوب، واختلفت مُوجباتها، كالحائض تجنب، والجُنُب تحيض، فليس على الحائض أنّ تغتسل لجنابتها، سواء تقدَّمتِ الجنابةُ أو تأخرت؛ لأنّ الحيضَ يمنعُ الوطءَ وجميع العبادات الّتي تمنعها الجنابة، ولا تمنعُ الجنابةُ الوطءَ الّذي يمنع الحيضَ. فإنِ انقطعت حيضتها، فاغتسلت ولم تنو الجنابة، أجزأها. وقال داود: لا تجزئها؛ لأنّ الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (١). ودليلنا: أنّهما حَدَثَان ترادَفَا موجِبهما واحدٌ، فناب عنهما طهرٌ واحدٌ، كما لو كانا من جنس واحدٍ كالجَنَابَتَيْن، ولأنّها أتت في نيّتها على ما يلزم الحائض والجُنُب، فلذلك لم يلزم ذكر الجَنَابَة مع الحَيض. المسألة الخامسة: هي إذا تطهّرت الحائضُ للجَنَابَةِ ولم تنو الحيضة ناسية لها؟ ففيها قولان: ١ - قال سحنون في "كتاب ابنه": لا يصحُّ (٢). ٢ - وقال ابن عبد الحكم وأبو الفَرَجِ وغيرهما: يصحّ. واحتجُّوا بأنّه فرضٌ نابَ عن فَرْضٍ، يعنون: أنّ الحَدَثَ موجبهما واحدٌ في صفة النّية والغُسْل. (٣)

стр. 689

ووجه قول سحنون: فلأنه إذا نوتِ الجنابة لم ترفع جميع مُوجِب الحيض، وصارت كمن نوت الطّهارة لفعل معيَّنٍ دون غيره. تفريع: فعلى القولين؛ إنّ قلنا بقول سحنون، فلا نبالي كانت الجنابة طارئة على الحيض أو متقدِّمة عليها. فإن قلنا بقول أبي الفَرَجِ وابن عبد الحكم، فالعلَّةُ على وجهين: ١ - إنّ كانت الجنابةُ قبلَ الحيض، فهي المختلَف فيها. ٢ - وإن كانتِ الجنابةُ طارئة على الحيض، فلا يدخل فيها هذا القول، يريد أنّه (١) لا تجزيها قولًا واحدًاَ. والفرقُ بينهما أنّ طَرءَ الجنابة على الحيض لا حُكمَ له، إذْ لا قدرةَ لها على رفعها، وبخلافه تقدّم الجنابة على الحَيضَة؛ لأنّها كانت قادرة عليها وعلى رفعها قبل طروء الحيض، فلما حاضت صارَ الحكمُ للحيضِ، فلذلك قال سحنون: لا يجزئها، المسألة السّادسة: هي إذا تطهَّرَتِ الحائض الجُنُب للجنابة متعمِّدَة لتَركِ نية الحيضِ؟ فما رأيتُ فيها نصًّا، والظّاهر أنّه لا يجزئها؛ لأنّ نية الجنابة مع المعرفة بالحَيض لا تأتي على رفع ما يمنعه الحيض، فصار كمن نوى الطّهارة الصغرى على الكبرى متعمِّدًا. المسألةُ السّابعة: هي إذا أرادتِ الحائضُ الجُنُب أنّ تغتسل للجنابة لتقرأ القرآن طاهرًا؟ ففيها روايتان: ١ - قال عبد الوهّاب بوجه الجواز لذلك (٢)، وهي رواية ابن وهب، وظاهرُ "المدونة" فلأنّها قادرة على رفع الحَدَثِ، وتَطُول مدّتها، فكانت معذورة في ذلك للمشقَّةِ الّتي تلحقها كما تلحق المُحدِثِ. ٢ - ووجهُ المنعِ: قوله ﷺ : "لا يقرأُ جُنُبٌ ولا حائضٌ شيئًا من القرآنِ" (٣) ولأنّ الحيضَ أيضًا حَدَثٌ يُوجِبُ الغُسل، فأشبه الجنابة.

стр. 690

قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي: وينبغي على قول ابنِ وهب أنّ تكون الجنابةُ سابقة للحَيض، وأمّا إنْ تقدّم الحيضُ فلا يصحُّ رفع حكم الجنابة، وظاهر "المدونة" (١) يشهد له بذلك في قوله (٢) في المرأة تُوطَأ ثمّ تحيض: لا غُسْلَ عليها إنّ أجنبت حتّى تطهير، فقدّم ذكر الجنابة على الحيض، واللهُ أعلم. المسألة الثّامنة: هي إذا اغتسل للجنابة ناسيًا للجُمُعة، فلا خلافَ أنّه يجزئه لجنابته دون جُمعَتِه، قاله ابن حبيب، وزعم أنّه ممّا اجتمع مالكٌ وأصحابهِ عليه (٣). قال الإمام الحافظ: وليس كما ظنّ؛ لأنّ ابنَ عبد الحَكَم والبرقي (٤) قالا عن أشهب: يجزئه غسل الجنابة عن غُسْلِ الجمعة. المسألة التّاسعة: هي إذا اغتسل للجنابة، وقصد بنيّته لجنابته نيابة عن غُسْلِ جمعته، قال ابن الجلّاب (٥): تجزئه. المسألة العاشرة: هي إذا اغتسل لجنابته وجُمعته غُسْلًا واحدًا وخَلَطَهُما في نيته؛ فقال ابن الجلّاب (٦):"لا يجزئه عن واحدٍ منهما"، قال (٧): "ويحتمل أنّ يجزئه لجمعته ويُعيدُ الغُسل لجنابته، وهذه المسألة مُخَرَجَّةٌ غير منصوصة، ذكرها الأبهري" (٨).

стр. 691

قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي: والفرقُ بينها وبين الّتي قبلها؛ أنّ الأولى جرَّدَ فيها نية رفعِ حَدَثِ الجنابة، ثمّ قصدَ بفَرضِه النِّيابة عنِ الفضيلة، كمن دخل المسجد وصلّى الفريضة يَنوِي النِّيابة عن تحيَّةِ المسجد إنّه تجزئه، وهو معنى قول مالك في "المدونة" (١) إذا اغتسلَ لجَنَابته وجُمُعته أجزأه، وبخلافه إذا خلطهما بنيّتهٍ؛ لأنّ الفَرْضَ حصل ولو لم ينوه، وبخلافه إذا خلَطَهُما بنيةٍ واحدةٍ؛ لأنّ النيةَ لا تتبعّض، فكانت نيته غير تامّة في رفع الحَدَثِ. قال الإمام الحافظ: والمسألةُ عندي على وجهين لا على قولين، والله أعلم. المسألة الحادية عشر: وهي إذا اغتسل لجُمعته ناسيًا لجنابته، فأكثرُ الرُّواة عنه: لا تصحّ، وروى ابنُ وهب وابن نافع وابن كنانة وابن الماجِشُون ومُطَرِّف وأشهب جوازه، واختاره ابن حبيب. قال عبد الوهّاب (٢): فوجه ألَّا يجزئه؛ فلأنّ الغُسلَ ليس بشرطٍ في صِحَّة الجمعة، وكأنّه نَوى بغُسلِهِ ما ليس الغُسل شرطًا في صحَّتِه فلم يجزئه. ووَجهُ الصِّحَّة: أنّ نيَّةَ غُسْل الجمعة تتضمّن رفع حَدَثِ الجنابة؛ لأنّه قصد الاستِنَان، وذلك لا يحصلُ إلَّا بعد أداء الفَرض، كالمصلِّي فذَّا ثم يعيدها في الجماعة طَلَبًا لكمالها وطَلَبًا لكَثرَة أَجرِها، ثمّ إنّه ذكر فساد الأُولى؛ لأنّ النّية تجزئه، نصَّ مالكٌ على هذا، وليس ذلك لأنّ نيته لهذه الصّلاة إكمال فرضها فتتضمّن أداء الفَرْض، فكذلك ما قلناه. قال الإمام الحافظ: والفرقُ بينه وبين منِ اغتسلَ لجنابته ناسيًا لجُمعته في أنّه لا يجزئه عن جمعته؛ لأنّ نيةَ الفرضِ لا تتضمّن الفضيلة؛ لأنّه قد ثبت مع عَدَمِها، وليست كذلك نيّة الفضيلة إلَّا بعد صحة الفريضة، فبان بذلك افتراق الأمرين. المسألة الثّانية عشر: هي إذا تطهَّرَ ينوي إنّ كان أصابه جَنَابة، فهذا كنائمٍ ذكرَ أنّه كان جُنُبًا، ففيه روايتان كما قلنا، كمن شَكَّ في الوُضوء، فتوضّأ، ثمّ أيقن الحَدَثَ.

стр. 692

المسألة الثّالثة عشر: هي إذا اغتسل للإحرام، أو دخول مكَّة ناسيًا للجَنَابة، فهل هي كمن اغتسل للجمعة ناسيًا للجنابة، أو يفرَّق بينهما؟ إنَّ غسلَ الجمعة شُرِعَ لصلاة الجمعة، وبخلافه غسل الإحرام، فإنّه مشروع للصّلاة ولغير الصّلاة، بدليلِ لُزُومِه للحائض.

стр. 693

أبوابُ التّيَمُّم وهي ثلاثة أبواب: الباب الأوّل التيَمُّم قال الفقيه الإمام الحافظ: هكذا ترجمة مالك (١) ﵀ وكان حقُّه أنّ يُتَرجِمَ فيها: باب سبب نزول آية التيمُّم. إسناده: الحديث (٢) صحيح مُتَّفَقٌ عليه (٣)، خرَّجه الأيمَّةُ من طُرُقٍ كثيرةٍ. وأمّا قولُه تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٤) فإنّ هذه الآية نزلت سنة ستّ من الهجرة؛ لأنّ فيها قيل ما قيل في عائشة أمّ المؤمنين ﵂ فأنزل اللهُ سبحانه آية التَّيَمُّم (٥). عربية: قولُه: " ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ التيمُّم في اللُّغة: القَصد، معناه: اقصدوا، ورُوِيَ عن عبد الله بن عمر أنّه قرأ: فائتمُّوا (٦)، والأوَّلُ أفصحُ (٧).

стр. 694

وللتَّيَمُّمِ ثلاثة أسماء: الأوّل: التَّيمُّم كما سماه الله . والثّاني: الوُضوء لقوله ﵇: الصّعيدُ الطيِّبُ وُضُوءُ المسلمِ وَلَو لَمْ يَجِدِ الماءَ إلى عشرِ حِجَجٍ (١). الثّالث: الطّهور، لقوله ﵇: "فُضِّلنَا على النّاسِ" وذكر خصالًا منها: "وجعل لَنا الأرض مسجدًا وطَهُورًا" (٢)، وهو خصيصةٌ لهذه الأُمَّة. والصَّعيدُ وجهُ الأرضِ، قاله مالكٌ (٣). وقيل: الأرضُ المستوية (٤). وقيل: الأرضُ الملساء (٥). قوله: ﴿فَامْسَحُوا﴾ (٦) والمسحُ في اللُّغة عبارة عن جرِّ اليد على الممسوح خاصّة، فإن كان بآلةٍ فهو عبارة عن نَقْل الآلة إلى اليد وجرِّها على الممسوح بخلاف الغُسْل، وقد بيَّنَّا أنّ التَّيمُّم بمعنى القصد، فكأنّه قال: اقصدوا وتعمَّدُوا، لقول العرب يمَّمْتُ كذا إذا قصدته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ (٧) يعني: قاصدين. الأصول (٨): قال علماؤنا: هذه رخصةٌ منَ الله تعالى، وخصيصةٌ امْتَنَّ الله بها على هذه الأُمَّة، وكرامةٌ لها على غيرها، وفيها حِكْمَتَان:

стр. 695

إحداهما: أنّ طهارتهم الأصلية كانت بالماء، فنقل الله منها عند عَدَمِهَا إلى التراب الّذي هو أصل الخِلقَةِ، لتكون العبادةُ دائرةً بين قوام الحياة وأصل الخِلقَةِ. الحكمةُ الثّانية: هي أنّ النّفسَ خَلقَها اللهُ على جِبِلَّةٍ، وهي أنّها كلما تركت عنه أعرَضَت وكَسِلَت عنه ونَفَرَت، وكلّما حدبت عليه واعتادت أَنِست به واستمرّت عليه. فلو لم يوظّف عليها عند عدمِ الماء حركةٌ من الأعضاء وإقبالٌ على الطُّهورِ، لكانت عند وجود الماء تبعد عنها العادة، فتشقّ عليها العبادة، فشرعَ لها ذلك دائمًا، حتّى يَكون أُنْسها بها قائمًا، فالخير عادةٌ، والشَّرُّ لَجَاجَةٌ. تنبيه معنوي (١): فإذا ثبت أنَّه قائمٌ مقام الماء، فإنّه عاملٌ عمَلَهُ في إباحة الصّلاة ورَفعِ الحَدَثِ، فإنَّ الحَدَثَ ليس بمعنى حِسِّيٍّ، وإنّما هو عبارةٌ عن المنع عن الصّلاة، فإذا تيمَّمَ وصلَّى فقد زال المانعُ وارتفع حكم الحدَثِ. وهذا هو مذهب مالكٍ ﵀ الّذي لا خلافَ فيه (٢). وقد قال بلفظه في كتابه" (٣) الّذي هو نُخبَةُ كلامه، ولُبَابُ عِلمِه: "ولا بأسَ أن يَؤُمَّ المتيمِّمُ المتوضِّئين؛ لأنّ المتيمِّمَ قد أطاعَ اللهَ، وليس الّذي وجدّ الماءَ بأطهر منه، ولا أتمَّ صلاةً"، وهذا نصُّ كلامه. فإن قيل: قد قيل: إنّه لا يصلِّي فَرضَان بتَيَمُّمٍ وَاحدٍ.

стр. 696

قلنا: في ذلك تفصيلٌ مَذهَبِيٌّ. وبالجُملةِ، فيجب أنّ تعلموا أنّ الله تعالى مدَّ الطهارةَ -أعني طهارة الماء- إلى غاية، وهي وجود الحَدَثِ، ومد طهارة التَّيَمُّم إلى غاية، وهي وجود الماء، فإذا وُجِدَ الماءُ ارتفعَ حُكْم التيمُّم، كما إذا وُجِدَ الحَدَث ارتفع حُكم الماء. والذي نقول: إنّ عليه أنّ يطلبَ الماء لكلِّ صلاة، فإن وَجَدَ استعملَهُ وصلّى به، فإن لم يجده يبني على التَّيمُّم الأولِ. وقد كان نصر بن إبراهيم المقدسي (١) يقول: إذا تيمَّمَ للصَّلاة فالتَّيمُّمُ قُربَةٌ مبيحةٌ للمحظور وهو فعل الصّلاة، فلا يتعدَّى باجتهادٍ، كالكفَّارةِ في الظِّهار. فقلت له: إنّما هو للطّهارة ورفع المانع كالوضوء بالماء. فقال لي: لو كان كالوضوء بالماء، لما لزمه الماء إذا وجدَهُ بالحَدَثِ الأوّل. فقلت له: الكلام المتقدِّم، وهو أنّ الله تعالى مدَّ الطهارةَ بالماء إلى غاية هي وجود الحَدَث، ومدَّ طهارة التَّيمُّم إلى غاية هي وجود الماء، وجرى بيننا في ذلك كلامٌ أصله بَيِّنٌ في "كتاب نزهة النّاظر وتحفة الخاطر". فقه (٢) وسرد مسائله: أمر الله تعالى المسافر والمريض بالتَّيمُّم للصلاة عند عَدَمِ الماء، وأجمعَ أهلُ العِلْم على وجوب التيمْم عليها؛ لأنّ الأمر لهما بالتيمُّم مع عدم الماء نصٌّ جَلِيٌّ في الآية لا يحتمل التّأويل، وإنّما اختلفوا في الصّحيح الحاضر العادم للماء، والمريِضِ الواجِد للماء العادمِ للقُدرةِ على مَسِّهِ، هل هما من أهل التَّيمُّم أم لا؟ لِمَا أجملته الآية من التّأويل. فَمَن حَمَلَ الآية على ظاهرها ولم يُقَدِّر فيها تقديمًا ولا تأخيرًا، رآهما من أهل التيمُّمِ؛ لأنّ شَرْطَ عَدَمِ الماء في الآية يعودُ على الحاضر. ويتأوّل إضماره في المريض والمسافر، وإضمارُ عدم القُدرة على مَسِّهِ في المريض أيضًا.

стр. 697

ومَن قَدَّرَ في الآية تقديمًا وتأخيرًا، لم يرهما من أهل التَّيمُّم؛ لأنّ شرطَ عَدَمِ الماء على التّقديم والتّأخير لا يعود إلَّا على المريض والمسافر، وكذلك إذا حُمِلَتِ الآيةُ على التّأويل الّذي ذكرناه فيما تقدَّمَ من أنّ "أو" في قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ (١) بمعنى "الواو"، ولا يكونان من أهل التَّيمُّمِ، وهذا ظاهر من التّأويلين المتقدّمَين؛ لأنّ التّلاوة الّتي ذكرنا تبقى على ظاهرها دون تقديم وتأخيرٍ، ولا يُحتاج فيها إلى إضمارٍ، فينتقي حينئذ عنها الإشكال؛ لأنّ تقديرها على هذا التّأويل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ الآية كما هي إلى قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ (٢). الفقه في خمس عشرة مسألة: المسألة الأولى (٣): في صفته وكيفيته وتحديده قال اللهُ تعالى في التيميم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٤) فأطلقَ اللهُ ﵎ الأيدي في التَّيمُّم ولم يقيدها بالحدِّ الّذي تقف عنده، حتّى بيَّنَه النّبيّ ﷺ . فطائفةٌ أفرَطَت فَمسَحَت أَيدِيَها إلى الآباطِ (٥)، وقد رُوِيَ ذلك في الحديث (٦)، ولم يصحّ. وطائفة فَرَّطت فَمَسَحَت إلى الكُوعَين (٧)، وطائفةٌ توسّطت فَمَسَحَت إلى المرافقِ، وقالت

стр. 698

بأنه بَدَلَ من الوضوءِ، فيُحمَلُ مَحمَل البَدَلِ والمبدولِ به، وفي الحديث: "إنّ التّيمُّمَ ضربةٌ للوَجهِ والذِّراعَينِ" (١)، وفي صَرِيح الصّحيح؛ أنَّه ضَربَة للوَجه والكفَّين (٢)، فبيَّنَ ذلك النّبيّ ﷺ للخَلْق، وعَلَّمَهُ للأُمَّة، فليس لأحدٍ في ذلك رأيٌ. حديث (٣) عمّار بن ياسر؛ أنّه قال: لما نزلت آيةُ التَّيمُّم، عَمَدَ المسلمونَ مع رسولِ الله ﷺ فَتَيَمَّمُوا إلى المناكِبِ والآباط (٤). فيحتمل أنّ يكونوا فعلوا ذلك بناءً على ظاهر القرآن (٥)، قبل أنّ يأمرهم النّبيُّ صلّى الله عليه بشيءٍ في ذلك، إذ لا يوجد ذلك للنّبيِّ ﷺ في غير هذا الحديث، فافترقت من هاهنا المذاهب، حتّى ذهب ابن شهاب ومحمد بن مَسلَمة من أصحابنا إلى أنّ التَّيمُّم لا يجب إلَّا إلى المرفقين (٦)، على ما رُوِيَ عن النّبيِّ صلّى الله عليه، وقياسًا على الوضوء كما تقدَّمَ ذِكرُه، وهو مذهبُ الشّافعيّ (٧) وأكثر أهل العلم، وإليه ذهب ابن نافع وابن عبد الحَكَم. ومنهم من ذهب إلى أنّ التَّيمُّم لا يجب إلَّا إلى الكَوعَين، قياسًا على القَطع في السِّرِقَة. وقيل في ذلك: إنّه ضربةٌ واحدةٌ للوجه واليدين، والصّحيح (٨) أنّه ضربتان: ضربةٌ للوجه، وضربة لليدين. فهذه ستَّةُ أقوالٍ. ومن الغريب (٩) قول الحسن وابن أبي لَيلَى أنّ

стр. 699

التَّيمُّم يُضرَبُ ضربتين، فيمسح بكلَّ واحدةٍ منهما وجهه ويديه، وحكى ابن لُبَابَة (١) في "المنتخب" (٢) قولًا ثامنًا في المسألة، وهو أنّ الجُنُبَ يتيمَّمُ إلى الكُوعَين بالسُّنَّة لا بالقرآن، وغير الجُنُب إلى المَنكِبَيْن على ظاهر ما في القرآن، واحتجّ على ذلك بأشياء ضِعَافٍ لا تصحُّ بحالٍ (٣). المسألة الثّانية: اختلف (٤) العلماء في الصّعيد ما هو؟ فقال قتادة: الصّعيد الأرض الّتي ليس فيها شجَرٌ ولا نباتٌ. وقال غيره: الصّعيد المستوي من الأرض. وقال الآخر: الصّعيد كلّ ما صعد على وجه الأرض من التّراب. ثم اختلفو إنهم في الصعيد الّذي يجوز به التَّيمُّم على قولين: ١ - فقالت طائفة: يجوز التّيميم على كلّ أرض طَاهرة، سواء كانت حجرًا لا تراب عليها، أو عليها تراب، أو رمل، أو زرنيخ، أو نُورة، أو غير ذلك، هذا قول مالك (٥) وأبي حنيفة (٦). ٢ - القول الثّاني: قال أبو يوسف: لا يجوز التَّيمُّم على حجَرٍ لا تراب عليه (٧)، وهو قولُ الشّافعيّ (٨)، والتُّراب عندهم شرطٌ في صحَّةِ التَّيمُّمِ.

стр. 700

واختلف (١) قول مالك في التَّيمُّم على الثَلْج إذا عدم الأرض؟ فأجازه في رواية عليّ بن زياد، ومنع منه في رواية أشهب وغيره (٢). فحصلَ الإجماعُ على إجازة التَّيمُّم على التراب، والاختلاف فيما سواه إنّما هو ممّا شاكل الأرض، فالاختيار: أنّ لا يتمَّم على الحَصَى وما أشبهه إلَّا عند عدم التراب. فإن تيمَّمَ عليه وهو واجدٌ للتُّراب، فظاهر "المدوّنة" (٣) ألَّا إعادة عليه. وقال ابنُ حبيب: يعيدُ في الوقت (٤). وهذا كلّه على رواية عليّ بن زياد عن مالكٌ، وأمّا على رواية أشهب عنه، فيعيدُ أبدًا إنّ تيمَّمَ عليه كان يصلِّي على الأرض أو لا يصَلِّي عليها. وعن مالكٌ في التَّيمُّم بالتّراب على غير وجه الأرض: جائز أنّ يتيمَّم به، مثل أنّ يرفع إلى المريض التراب في طبق، أو إلى الرّاكب على مَحمَلٍ، أو يكون مريضًا فيتيمّم إلى جِدَارٍ بجانبه إنّ كان من طُوب نيىءٍ. وذهب ابنُ بُكير إلى أنّ العبادة إنّما هي القصدُ إلى وجه الأرض ما لم يجد شيئًا من ذلك (٥). وهذا ضعيفٌ. فحصل من هذه الأقوال أنّ الّذي يتيمّم عليه إذا عدم الصّعيد سبعة أشياء: ١ - أوّلُها: الحَصَى. ٢ - والجبلُ يكون عليه التُّراب. ٣ - وطينُ المطرِ يضع يَدهُ عليه. ٤ - والماء الجامد. ٥ - والثَّلجُ. ٦ - والسَّبخَةُ.

стр. 701

٧ - والجدار بقرب من المريض إذا كان من تراب أو طِينٍ، ولم يكن له من يوضئه فإنه يتيمّم. المسألة الثّالثة: هل عليه في ذلك أنّ ينوي رفع الحدَثِ أم لا؟ فقال عبد الوهّاب: لا أحفظ في ذلك نصًّا، وهي مجملة (١)، فإن قلنا: لا تجزئه؛ فلأنّ التَّيمُّمَ لا يتضمَّن رفع الحدَثِ، فإذا نوى به ما لا يتضمنه، صار كأنّه يتيمّم بغير نيةٍ. وإن قلنا: يجزئه، فلأنّ معنى رفع الحَدث يتضمَّن المقصود بالنية ويزيد عليه؛ لأنّ رَفْعَ الحَدَثِ معناه استباحة كلّ ما كان الحدث مانعًا منه، والتيمُّم موضوع لبعض هذا، فصار كمن تيمَّمَ ينوي فرضين فأكثر في أنّ تيَمُّمَهُ يصحّ للصّلاة الّتي حضر وقتها، ولا يريد نية فيما زاد. المسألة الرّابعة: عندنا (٢) أنّه لا يصلي فَرضَين فأكثر بتيمُّم واحد. وقد اختلفت الروايات عنه في المنسيات، فالجمهور عنه لا يصحّ بحالٍ. وحكى أبو الفَرَجِ عن مالكٌ جواز الجمع بين المنسيات بتيمُّم واحدٍ (٣). قال القاضي أبو محمد عبد الوهّاب: والنظر يقتضي أنّ يتيمّم لكلِّ صلاة بتيمُّمٍ مجدّد، وإلّا كان متيمِّمًا لكلَّ صلاة قبل وقتها، وكذلك الشّيخ أبو بكر الأبهريّ يُخَطِّئ أبا الفَرج في ذلك. والذي أوْجَبَ اختلاف أصحابنا في هذه المسألة اختلافهم في التّعليل، وجملة ذلك ثلاث: أحدهما: ألَّا يتيمَّمّ لكلِّ صلاة قبل وقتها، فمن علَّلَ بهذا أجازه؛ لأنّه يتيمَّم في وقتها؛ لأنّ وَقْتَها حال ذِكْرِها، ومنع المريض الّذي، لا يَقْوَى على مسِّ الماء أنّ يصلِّي صلاتين بتيمُّم واحدٍ لأنّه يتيمّم للثانية قبل وَقتْهِا، وعلى هذا التّعليل أجاز ابنُ القاسم وأَصبَغ في إحدى الروايتين فيمن صلّى بتيممِ الظهر والعصر أنّه يعيدُ في الوقت، لاشتراكهما في الوقت.

стр. 702

والتعليلُ الثّاني: أنّ عليه طلب الماء لكلِّ صلاة، فمن علَّلَ بهذا، أجاز للمريض الّذي لا يَقدِر على استعمال الماء جمع صلاتين بتيمُّم واحدٍ لسقوط الطَّلَب عنه، ومنع من ذلك في الفوائت للْزُوم الطَّلَب والتَّعليلِ. والتعليلُ الثّالث: هو أنّ التَّيمُّمَ لا يرفع حَدَثًا. هذا تعليلُ جملة أصحابنا، وذلك يُوجِبُ ألَّا يصلِّي بالتّيمُّم الواحدِ إلَّا فرضًا واحدًا، هذا هو الأصلُ. المسألة الخامسة: إذا تيمَّمَ لنافلةٍ، جاز له أنّ يصلِّي نوافل عِدَّة، إلَّا أنّ يطول فيستأنف تَيَمُّمَهُ. فإن قيل: فما الفرق بين النَّوافل والفرائض، وكلاهما سواء في شرط الطّهارة بالماء؟ قلنا: إنّ اعتبار الفَرضِ بالنَّفلِ لا يصحّ؛ لأنّ حُكْمَ النَّفل أَخْفَض من الفَرْض، ولذلك يَتَنَفَّلُ جالسًا مع القُدرَةِ على القيام، وإلى غير القبلة إذا كان مسافرًا رَاكِبًا، وغير ذلك، فافترقا بهذا. المسألة السّادسة: إذا تيمَّمَ لنافلة، فلا يصلِّي به فريضة، واستَثْنَى الْبَرقِي عن أشهب في مسألة واحدة وهي: إذا تيمَّمَ لرَكعَتَي الفجرِ جازَ له أنّ يصلِّي به الصُّبح (١)، وهو ضعيفٌ. المسألة السّابعة: هو إذا تيمَّمَ لفَرضِه، جاز له أنّ يَتَنَفَّلَ به بعد الفَرض ما لم يطل، مثل إنّ يصلِّي بتيمُّمِ الفجر، وفي الوِتر وحدَهُ روايتان (٢): سحنون يُجيزُه بتيمُّمِ العشاءِ، وغيرُه يَأبَى. المسألة الثّامنة: هو إذا تيمَّمَ لفريضةٍ فَتَنَفَّلَ قبلها، فهل يعيدُ تَيَمُّمَهُ استحبابًا أو إيجابًا؟ المسألة محتملة، قال في "المدوّنة" (٣): يعيدُ التَّيمُّمَ إذا صلَّى بتيمُّمِ الصُّبح ورَكعَتَي الفجر، فَحَمَلَهُ الشّيخ أبو إسحاق (٤) على الاستحباب، ويجوز حَملُه على الإيجاب، فإِن قلنا: لا يصحّ بخلاف تقدّم

стр. 703

الفَرضِ؛ فإن النّافلة تبعٌ، وإن جوَّزنَاهُ؛ فلأنَّ رَكعَتَي الفجر -وإن تقدَّمت- في حُكم التَّبع، وقد تقدَّمَ التَّنازع فيها. المسألة التّاسعة: هو إذا تيممَ لِمَسِّ المصحف، فحُكْمُه حكم ما لو تيمَّمَ لنافلةٍ؛ لأنّ مَسِّ المصحفِ لا يجب عليه، وله أنّ يتنفل به قَوْلا واحدًا (١). المسألة العاشرة: هو إذا تيمَّم لنومٍ، فهل له أنّ يتنفَّل به أو يمسّ مصحفًا؟ ففيه قولان حكاهما التّونسي (٢). المسألة الحادية عشر: هو إذا نوى الذّاكر لجَنَابَتِهِ رفع الحَدَثَ الأصغر دون الجَنَابَة، لم يجزئه، وقال ابنُ القصّار (٣): لا يصح باتِّفاقٍ، كما لو اغتسل يَنْوِي الحَدَثَ الأصغر دون الجنابة، لم يجزئه ذلك. المسألة الثّانية عشر: هي إذا نوى الجُنُب استباحة الصّلاة، ولم يصرف النّية لغائطٍ ولا جَنَابَةٍ؟ فقال ابنُ القصَّار يجزئه باتِّفاقٍ، ولا أعرف هذا. المسألة الثّالثة عشر: هي إذا نَسِيَ الجنابة وهو مُحْدِث بَبْولٍ أو غائطٍ؟ فقال: التَّيمُّم لا يستبيح به الصّلاة. المسألة الرّابعة عشر (٤): أجمع الجمهور من الفقهاء أنّ من طلب الماء فلم يجده وتيمَّمَ وصلّى، ثمّ وجدَ الماء في الوقت، وقد كان اجتهد في طَلَبِ الماء ولم يجده في رَحْلِهِ، فقالوا: إنّ صلاته تامّة ماضية، إلَّا أنّ منهم من يحبُّ له أنّ يُعيدَ صلاته بعد وضوئه، أو بعد غسله ما دام في الوقت.

стр. 704

وأجمعوا على أنّ من تيمَّمَ بعد طلب الماء ولم يجده، ثم وجدَ الماء قبل دخوله في الصّلاة؛ أنّ تَيَمُّمَهُ باطلٌ لا يجزئه أنْ يصلَّي به؛ لأنّه قد عاد لحالِهِ قبل التّيَمُّم. واختلفوا إذا وجدَ الماء بعد دخوله في الصّلاة: فقال مالكٌ (١) والشّافعيّ (٢) وأصحابهما وداود والطّبريّ: إنه يَتَمَادَى في صلاته ولا يقطع وتجزئه؛ لأنّه إذا وجد الماء ولم يكن في الصّلاة، وجب عليه الوضوء به للصّلاة، وإذا كان في الصّلاة لم يقطعها لرؤية الماء وهو فيها (٣)؛ لأنّه لم تثبت في ذلك سنّة تُوجِب عليه قطعها بعد دخوله فيها، ولا إجماع يجب التّسليم له، قالوا: وليس قول من قال: "إنّ رؤيته الماء حَدَثٌ من الأحداث" بشيءٍ؛ لأنّ ذلك لو كان كذلك، كان الجُنب إذا تيمَّمَ ثمّ وجد الماء يعود كالمُحدِث لا يلزمه إلَّا الوضوء، فكان الّذي يطرأ عليه الماء وهو في الصّلاة بالتيمُّم - عند الكوفيين- يقطعها (٤) وَيبْنِي كالمُحدِث. والصّحيحُ أنّه لا يقطع. نكتةٌ بديعة: قال الإمام الحافظ أبو بكر: العُريَان إذا صلَّى وطرأَ عليه فيها ثوبٌ، أَخَذَهُ. والمتيمِّمُ إذا طرأ عليه الماء في الصّلاة، لا يقطع. الفرقُ بينهما أنّ المتيمِّمَ صلَّى بِبَدَلٍ وهو التَّيمُّم، والعريانُ ليس به بَدَلٌ. وقال عبد العزيز: لا يتيمَّم لنافلة. قال الإمام: وهل على المتيمِّمِ تخليل أصابعه أم لا؟ فقال الشّيخ أبو إسحاق: عليه تخليل أصابعه، وليس عليه متابعة الغُضُونِ. قال الشّيخ أبو محمد: ولم أر تخليل أصابعه لغيره في التَّيمُّم إلَّا ما حكاه الشّيخ أبو إسحاق (٥).

стр. 705

المسألة الخامسة عشر: هل عليه أنّ يَنفُضُ يَدَيه أم لا؟ اختلف (١) العلماء في ذلك، فكان الشّعبيّ يقول: ينفضهما، وهو قول الكوفيِّين. وقال مالكٌ: ينفُضُهما نَفضًا خَفِيفَا (٢). وقال الشّافعيّ (٣): لا بأس بذلك (٤). واختلفوا في النَّفخ؟ فقيل: لا بأس إنّ نفخ فيهما إذا تعلَّق بهما شيء. نكتةٌ: قال الإمام: في تيمُّمِ النّبيّ ﷺ بالجدار ردٌّ على الشّافعيّ وأبي يوسف (٥) في قوليهما: إنّ التّراب شرطٌ في صحَّة التَّيمُّم؛ لأنّه ﷺ تيمَّمَ بالجِدَارِ، ومعلومٌ أنَّه لم يعلق بَيَدَيه منه ترابٌ، إذ لا ترابَ على الجدار، وقال يحيى بن سعيد (٦): لا بأس بالتَّيمُّمِ على السَّبخَةِ، وأمّا فعل ابن عمر بالمِربَدِ (٧)، فليس العمل عليه. ذكر فوائد هذا الحديث المتعلقة به: وهي أربع عشرة فائدة: الفائدة الأولى (٨): في هذا الحديث: بدء التَّيمُّمِ وأينَ نَزل.
следующие страницы →