← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

٧ - والجدار بقرب من المريض إذا كان من تراب أو طِينٍ، ولم يكن له من يوضئه فإنه يتيمّم. المسألة الثّالثة: هل عليه في ذلك أنّ ينوي رفع الحدَثِ أم لا؟ فقال عبد الوهّاب: لا أحفظ في ذلك نصًّا، وهي مجملة (١)، فإن قلنا: لا تجزئه؛ فلأنّ التَّيمُّمَ لا يتضمَّن رفع الحدَثِ، فإذا نوى به ما لا يتضمنه، صار كأنّه يتيمّم بغير نيةٍ. وإن قلنا: يجزئه، فلأنّ معنى رفع الحَدث يتضمَّن المقصود بالنية ويزيد عليه؛ لأنّ رَفْعَ الحَدَثِ معناه استباحة كلّ ما كان الحدث مانعًا منه، والتيمُّم موضوع لبعض هذا، فصار كمن تيمَّمَ ينوي فرضين فأكثر في أنّ تيَمُّمَهُ يصحّ للصّلاة الّتي حضر وقتها، ولا يريد نية فيما زاد. المسألة الرّابعة: عندنا (٢) أنّه لا يصلي فَرضَين فأكثر بتيمُّم واحد. وقد اختلفت الروايات عنه في المنسيات، فالجمهور عنه لا يصحّ بحالٍ. وحكى أبو الفَرَجِ عن مالكٌ جواز الجمع بين المنسيات بتيمُّم واحدٍ (٣). قال القاضي أبو محمد عبد الوهّاب: والنظر يقتضي أنّ يتيمّم لكلِّ صلاة بتيمُّمٍ مجدّد، وإلّا كان متيمِّمًا لكلَّ صلاة قبل وقتها، وكذلك الشّيخ أبو بكر الأبهريّ يُخَطِّئ أبا الفَرج في ذلك. والذي أوْجَبَ اختلاف أصحابنا في هذه المسألة اختلافهم في التّعليل، وجملة ذلك ثلاث: أحدهما: ألَّا يتيمَّمّ لكلِّ صلاة قبل وقتها، فمن علَّلَ بهذا أجازه؛ لأنّه يتيمَّم في وقتها؛ لأنّ وَقْتَها حال ذِكْرِها، ومنع المريض الّذي، لا يَقْوَى على مسِّ الماء أنّ يصلِّي صلاتين بتيمُّم واحدٍ لأنّه يتيمّم للثانية قبل وَقتْهِا، وعلى هذا التّعليل أجاز ابنُ القاسم وأَصبَغ في إحدى الروايتين فيمن صلّى بتيممِ الظهر والعصر أنّه يعيدُ في الوقت، لاشتراكهما في الوقت.

стр. 702

والتعليلُ الثّاني: أنّ عليه طلب الماء لكلِّ صلاة، فمن علَّلَ بهذا، أجاز للمريض الّذي لا يَقدِر على استعمال الماء جمع صلاتين بتيمُّم واحدٍ لسقوط الطَّلَب عنه، ومنع من ذلك في الفوائت للْزُوم الطَّلَب والتَّعليلِ. والتعليلُ الثّالث: هو أنّ التَّيمُّمَ لا يرفع حَدَثًا. هذا تعليلُ جملة أصحابنا، وذلك يُوجِبُ ألَّا يصلِّي بالتّيمُّم الواحدِ إلَّا فرضًا واحدًا، هذا هو الأصلُ. المسألة الخامسة: إذا تيمَّمَ لنافلةٍ، جاز له أنّ يصلِّي نوافل عِدَّة، إلَّا أنّ يطول فيستأنف تَيَمُّمَهُ. فإن قيل: فما الفرق بين النَّوافل والفرائض، وكلاهما سواء في شرط الطّهارة بالماء؟ قلنا: إنّ اعتبار الفَرضِ بالنَّفلِ لا يصحّ؛ لأنّ حُكْمَ النَّفل أَخْفَض من الفَرْض، ولذلك يَتَنَفَّلُ جالسًا مع القُدرَةِ على القيام، وإلى غير القبلة إذا كان مسافرًا رَاكِبًا، وغير ذلك، فافترقا بهذا. المسألة السّادسة: إذا تيمَّمَ لنافلة، فلا يصلِّي به فريضة، واستَثْنَى الْبَرقِي عن أشهب في مسألة واحدة وهي: إذا تيمَّمَ لرَكعَتَي الفجرِ جازَ له أنّ يصلِّي به الصُّبح (١)، وهو ضعيفٌ. المسألة السّابعة: هو إذا تيمَّمَ لفَرضِه، جاز له أنّ يَتَنَفَّلَ به بعد الفَرض ما لم يطل، مثل إنّ يصلِّي بتيمُّمِ الفجر، وفي الوِتر وحدَهُ روايتان (٢): سحنون يُجيزُه بتيمُّمِ العشاءِ، وغيرُه يَأبَى. المسألة الثّامنة: هو إذا تيمَّمَ لفريضةٍ فَتَنَفَّلَ قبلها، فهل يعيدُ تَيَمُّمَهُ استحبابًا أو إيجابًا؟ المسألة محتملة، قال في "المدوّنة" (٣): يعيدُ التَّيمُّمَ إذا صلَّى بتيمُّمِ الصُّبح ورَكعَتَي الفجر، فَحَمَلَهُ الشّيخ أبو إسحاق (٤) على الاستحباب، ويجوز حَملُه على الإيجاب، فإِن قلنا: لا يصحّ بخلاف تقدّم

стр. 703

الفَرضِ؛ فإن النّافلة تبعٌ، وإن جوَّزنَاهُ؛ فلأنَّ رَكعَتَي الفجر -وإن تقدَّمت- في حُكم التَّبع، وقد تقدَّمَ التَّنازع فيها. المسألة التّاسعة: هو إذا تيممَ لِمَسِّ المصحف، فحُكْمُه حكم ما لو تيمَّمَ لنافلةٍ؛ لأنّ مَسِّ المصحفِ لا يجب عليه، وله أنّ يتنفل به قَوْلا واحدًا (١). المسألة العاشرة: هو إذا تيمَّم لنومٍ، فهل له أنّ يتنفَّل به أو يمسّ مصحفًا؟ ففيه قولان حكاهما التّونسي (٢). المسألة الحادية عشر: هو إذا نوى الذّاكر لجَنَابَتِهِ رفع الحَدَثَ الأصغر دون الجَنَابَة، لم يجزئه، وقال ابنُ القصّار (٣): لا يصح باتِّفاقٍ، كما لو اغتسل يَنْوِي الحَدَثَ الأصغر دون الجنابة، لم يجزئه ذلك. المسألة الثّانية عشر: هي إذا نوى الجُنُب استباحة الصّلاة، ولم يصرف النّية لغائطٍ ولا جَنَابَةٍ؟ فقال ابنُ القصَّار يجزئه باتِّفاقٍ، ولا أعرف هذا. المسألة الثّالثة عشر: هي إذا نَسِيَ الجنابة وهو مُحْدِث بَبْولٍ أو غائطٍ؟ فقال: التَّيمُّم لا يستبيح به الصّلاة. المسألة الرّابعة عشر (٤): أجمع الجمهور من الفقهاء أنّ من طلب الماء فلم يجده وتيمَّمَ وصلّى، ثمّ وجدَ الماء في الوقت، وقد كان اجتهد في طَلَبِ الماء ولم يجده في رَحْلِهِ، فقالوا: إنّ صلاته تامّة ماضية، إلَّا أنّ منهم من يحبُّ له أنّ يُعيدَ صلاته بعد وضوئه، أو بعد غسله ما دام في الوقت.

стр. 704

وأجمعوا على أنّ من تيمَّمَ بعد طلب الماء ولم يجده، ثم وجدَ الماء قبل دخوله في الصّلاة؛ أنّ تَيَمُّمَهُ باطلٌ لا يجزئه أنْ يصلَّي به؛ لأنّه قد عاد لحالِهِ قبل التّيَمُّم. واختلفوا إذا وجدَ الماء بعد دخوله في الصّلاة: فقال مالكٌ (١) والشّافعيّ (٢) وأصحابهما وداود والطّبريّ: إنه يَتَمَادَى في صلاته ولا يقطع وتجزئه؛ لأنّه إذا وجد الماء ولم يكن في الصّلاة، وجب عليه الوضوء به للصّلاة، وإذا كان في الصّلاة لم يقطعها لرؤية الماء وهو فيها (٣)؛ لأنّه لم تثبت في ذلك سنّة تُوجِب عليه قطعها بعد دخوله فيها، ولا إجماع يجب التّسليم له، قالوا: وليس قول من قال: "إنّ رؤيته الماء حَدَثٌ من الأحداث" بشيءٍ؛ لأنّ ذلك لو كان كذلك، كان الجُنب إذا تيمَّمَ ثمّ وجد الماء يعود كالمُحدِث لا يلزمه إلَّا الوضوء، فكان الّذي يطرأ عليه الماء وهو في الصّلاة بالتيمُّم - عند الكوفيين- يقطعها (٤) وَيبْنِي كالمُحدِث. والصّحيحُ أنّه لا يقطع. نكتةٌ بديعة: قال الإمام الحافظ أبو بكر: العُريَان إذا صلَّى وطرأَ عليه فيها ثوبٌ، أَخَذَهُ. والمتيمِّمُ إذا طرأ عليه الماء في الصّلاة، لا يقطع. الفرقُ بينهما أنّ المتيمِّمَ صلَّى بِبَدَلٍ وهو التَّيمُّم، والعريانُ ليس به بَدَلٌ. وقال عبد العزيز: لا يتيمَّم لنافلة. قال الإمام: وهل على المتيمِّمِ تخليل أصابعه أم لا؟ فقال الشّيخ أبو إسحاق: عليه تخليل أصابعه، وليس عليه متابعة الغُضُونِ. قال الشّيخ أبو محمد: ولم أر تخليل أصابعه لغيره في التَّيمُّم إلَّا ما حكاه الشّيخ أبو إسحاق (٥).

стр. 705

المسألة الخامسة عشر: هل عليه أنّ يَنفُضُ يَدَيه أم لا؟ اختلف (١) العلماء في ذلك، فكان الشّعبيّ يقول: ينفضهما، وهو قول الكوفيِّين. وقال مالكٌ: ينفُضُهما نَفضًا خَفِيفَا (٢). وقال الشّافعيّ (٣): لا بأس بذلك (٤). واختلفوا في النَّفخ؟ فقيل: لا بأس إنّ نفخ فيهما إذا تعلَّق بهما شيء. نكتةٌ: قال الإمام: في تيمُّمِ النّبيّ ﷺ بالجدار ردٌّ على الشّافعيّ وأبي يوسف (٥) في قوليهما: إنّ التّراب شرطٌ في صحَّة التَّيمُّم؛ لأنّه ﷺ تيمَّمَ بالجِدَارِ، ومعلومٌ أنَّه لم يعلق بَيَدَيه منه ترابٌ، إذ لا ترابَ على الجدار، وقال يحيى بن سعيد (٦): لا بأس بالتَّيمُّمِ على السَّبخَةِ، وأمّا فعل ابن عمر بالمِربَدِ (٧)، فليس العمل عليه. ذكر فوائد هذا الحديث المتعلقة به: وهي أربع عشرة فائدة: الفائدة الأولى (٨): في هذا الحديث: بدء التَّيمُّمِ وأينَ نَزل.

стр. 706

الثّانية (١): فيه: أدبُ الرَّجُلِ ابنته؛ لأنّه ظنَّ أنّها فَرَّطَت في العِقد، ولم تحتفظ به حتّى سقط لها. الثّالثة: فيه: ما كانوا عليه من التّوقير لرسول الله- ﷺ ، لقولها (٢): "فَلا يَمنَعُنِي منَ التَّحرُّكِ إلَّا مكانُ رَأسِ رَسولِ الله- ﷺ . الرّابعة (٣): فيه من الفقه: السَّفَر بالنِّساء. الخامسة: فيه من الفقه: النّهي عن إضاعة المال (٤)؛ لأنّ النّبيَّ ﷺ -أقام على تفتيش العِقد بالعسكر، وقد ذكر في غير هذا الحديث أَن العِقدَ كان لأُختِها، وكان مقدار اثني عشر دِرهمًا. السّادسة (٥): فيه من الفقه: شكوى المرأة إلى أبيها وإن كان لها زَوجٌ. السّابعة (٦): فيه: الإنصاف منها وإن كان لها زوج. الثّامنة (٧): فيه من الفقه: أنّ للرَّجُل أنّ يدخل على ابنته وزوجها معها، إذا عَلِمَ أنّه معها

стр. 707

في غير خَلوَة مُبَاشرة، وأن له أنّ يعاتبها في أمر الله ويعاقبها عليه. التّاسعة (١): وفيه: أنّه يعاتب من سبّب الذَّنب أو جريمة، كما عاتب أبو بكر ابنته على حَبْسِ النّبيِّ ﷺ والنّاس بسببها. العاشرة (٢): فيه من الفقه: نسبة الفعل إلى مَنْ سبَّبَهُ وإنْ لم يفعله، لقوله (٣): "ألَّا ترى ما صَنَعَت عائشةُ بالنَّاسِ، أقامت بِرَسُولِ الله صلّى الله عليه والنَّاس ... " فنسب الفعل إليها إذ كان بسببها. الحادية عشر (٤): وفي الحديث: فُسحَة في إجازة السَّفَر في موضع لا ماءً فيه، وأنه ليس على الرَّجُل أنّ يعجل على حاجته، ولا عليه أدط يرجع إلى الماء إذا كان بعيدًا، ولوكان على النَّاس أنّ يتَّقُوا ما ذكرنا، ما أقام رسول الله ﷺ على عِقْد عائشة على غير ماءٍ، وإنّما التَّيمُّم فُسحَةٌ للنّاس. الثّانية عشر (٥): فيه: أنّ النِّساء كان لهنّ الحليّ. الثّالثة عشر (٦): فيه: أنّ النّبيَّ ﷺ ما كان يعلمُ إلَّا ما عَلَّمَهُ الله، ولا يعلم الغيب إلَّا الله.

стр. 708

الرّابعة عشر (١): فيه من الفقه: مدحُ الإنسان بما فيه إذا أَمِنَ منه الإعجاب بذلك، وما روي عن النّبيِّ ﷺ في رَجُلٍ مَدَحَ رَجلًا فقال: " قَطَعْتُمْ ظَهْرَ أَخِيكُم" (٢) إنّما خشِيَ عليه العجب، وأن يعجب بذلك، والله أعلم. تكملة (٣): قال بعض العلماء: لم يصح عن النّبيِّ ﷺ في الحَضَر شيءٌ، وإنّما صحَّ عنه هذا الحديث في السَّفَر، فجلُّ العلماء لا يرون التَّيمُّمَ إلا في السَّفَر، وقد بَوَّبَ البخاريّ في "كتابه" (٤): "باب التَّيَمُّم في الحَضَر"، ثم جاء بحديثِ (٥): أَقْبَلَ رسولُ الله ﷺ من نَحْوِ بِئرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فسَلَّمَ عَلَيهِ، فَلَم يَرُدَّ ﵇، حَتَّى أَقْبَلَ على الجدار، فمَسَحَ بوجهِهِ ويَدَيهِ، ثمَّ رَدَّ. ﵇. قال الإمام (٦): والعادمون للماء على ثلاثة أَضْرُبٍ: أحدُها: أنّ يعلم أنّه لا يَقدِر على الماء في الوقت، أو يغلب ذلك على ظَنِّه. الثّاني: أنّ يشكّ في الأمر. الأمرُ الثّالث: أنّ يعلم أنّه يَقْدِر على الماء في آخر الوقتِ، أو يغلب ذلك على ظنِّه. فأمّا الضّربُ الأوّل: فإنه يستحبُّ له التَّيَمُّم والصّلاة في أوّل الوقتِ ليحوز فضيلة أوّل الوقتِ، إذ قد فاتته فضيلة الماء. وهذا حُكْمُ الّذي لا يَقْدِر على مسِّ الماء. وأمّا الوجهُ الثّاني: فإنّه يتيمّم في وسطِ الوقتِ، ومعنَى ذلك: أنّ يتيمَّمَ في

стр. 709

الوقتِ في آخر ما يقع عليه اسم أوّل الوقت؛ لأنّه يؤخّر الصّلاة رَجَاءَ إِدْراك فضيلة الماء ما لم يَخَفْ فواتَ فضيلة أوّل الوقت. فإذا خاف فواتها تَيَمَّمَ وصلَّى لِئَلًا تفوته فضيلة أوّل الوقت ثمّ لا يُدْرِك الماء، فتفوته الفضيلتان. وأمّا الوجهُ الثّالث: إنّه يؤخِّر الصّلاة إلى أنّ يُدْرِك الماء في آخره؛ لأنّ فضيلة الماء أعظم من فضيلة أوّل الوقت؛ لأنّ فضيلة أوّل الوقتِ مختلفٌ فيها، وفضيلةَ الماء متَّفَقٌ عليها، وفضيلة أوّل الوقت يجوز تركُها دون ضرورة، ولا يجوز ترك فضيلة الماء إلَّا لضرورة، واللهُ أعلم (١). وأمّا قوله (٢) في حديث ابن عمر (٣):"حتَّى إذًا كَانَا بِالْمِرْبَدِ" روى سفيان (٤)؛ أنّ بينه وبين المدينة ميلا أو ميلين (٥)، وهذا يقتضي اعتقاد عبد الله بن عمر جواز التَّيمُّم لِعَدَمِ الماء في الحَضَر؛ لأنَّ من يقصر التَّيمُّم على السَّفَر، لا يُجْزِئه من المسافات إِلَّا فيما تقصر فيه الصّلاة، قاله ابنُ حبيب. قال ابنُ مَسْلَمَة: إنّما يتيمّم ابن عمر بِالمِربَدِ وهو بِطَرَفِ المدينة ولم ينتظر الماء؛ لانّه خافَ فواتَ الوقتِ، وأراد بذلك الوقت المستحبّ.

стр. 710

باب تيمُّم الجُنُب قال الإمام الحافظ ﵁ (١) -: هذه مسألةٌ اختلف العلماءُ والصّحابةُ فيها والفقهاء، فكان ابنُ مسعود يرى ألّا يتيمَّمَ الجُنُب ويقول: لَو رَخَّصنَا لَهُم في ذَلِكَ لأَوْشَكَ إِذَا بَرَدَ علَيْهِم الماءُ أنّ يَدَعُوهُ وَيتَيَمَّمُوا (٢)، وهذا ردٌّ للنصِّ الجلىِّ بالذَّريعةِ، وذلك لا يجوز. وأنّما علينا أنّ نُنْزِلَ الشرع منازله ويوضع موضعه، فمن تَعَدَّى فقد ظَلَم نفسَهُ، وقد سأل رَجُلٌ عمر بن الخطّاب ﵁ عن الجُنُب هل يتيمَّم؟ فقال عمر: لا يتيمَّم، قال عمار: أمّا تذكر يا أمير المؤمنين إِذ كنّا في سَرِيَّةٍ، فأَجْنَبنَا فلم نجد الماء، فأمَّا أنا فَتَمَرَّغْتُ في التُّرابِ كما تَتَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، فَأتَينَا رَسولَ الله ﷺ ، فقال:"إنَّمَا كانَ يَكفِيكَ ضَرْبَةً لِلوَجْهِ وضَرْبّةّ لليَدَينِ" فقال عمر: اتَّقِ اللهَ يا عَمَّار. فقال عمارٌ: إنّ شِئتَ يا أميرَ المؤمنين لَمْ أُحَدَّث بهِ، فقال له: بَل نُوَلِّيكَ من ذَلِكَ مَا تَوَلَّيتَ (٣). وهذا كلُّه ينبني على أصلين، وهما: الكلام على آية الوضوء، وقد أَطنَبنَا فيها في موضعها (٤)، والنصُّ الجَلِيّ في الصّحيح عن عِمْرَانَ بن حُصَين؛ أنّ رسولَ الله ﷺ فرغ من صلاته فَنَظَرَ إلى رَجُلٍ لم يصلّ معهم، فقال له: " مَا مَنَعَكَ أنّ تُصَلَّي معَنَا؟ " فقال: إنِّي كنتُ جُنُبَا، فقال: "فعليكَ بالصَّعيدِ" (٥)، وهذا نَصٌّ. فإن قيل: ما هذه الوهلة من عَمَّار؟ كيف قال لعمر: إنّ شِئْتَ يا أميرَ المؤمنين لَمْ أُحَدَّث بِهِ؟

стр. 711

قلنا: عن ذلك جوابان: أحدُهما: أنّ عمَّارًا ذكر أنّ ذلك جرى بحضرة عمر، فَرَدَّهُ عمر ولم يذكر. فتعارضَ الخَبَرَان، وصار ذلك كشَهَادَتَيْنِ متعارِضَتَيْنِ في وقت واحدٍ، فأحدهما يردُّ الآخر. فاستئذانُ عَمَّار لعمر في ذلك لأنّه الحاكم، فإن ردّها لم يفد شيئًا، ولا كان لذِكرِهَا معنى، وإنّ جوَّزها فحينئذٍ يرفعُها وينشُرُها. الثّاني: ما قدّمناه قبلُ من أنّ الرّاوي إذا كان عنده عن النّبيِّ ﷺ حديثٌ لم يلزمه أنّ يذكرَهُ، ولذلك كان أعيان الصّحابة وكبارهم لا يذكرون شيئًا ممّا سمعوا؛ لأنّ تبليغ الأحاديث فرضٌ على الكفايةِ. تلفيق وتبيين: فهذا مذهب عمر ﵁ وكان عبدُ الله بن مسعود يقولُه ثّمّ رجع عنه، ومذهب (١) مالكٌ ﵁ أنّ الجُنُبَ يتيمَّم بِنَصِّ القرآن؛ لأنّ الله تعالى أمرَ بالوُضُوءِ من الحَدَثِ، والغُسْلِ من الجنابة للصّلاة. ثم أمر بالتّيمُّمِ عند عَدَم الماءِ بالنَّصَّ على ذلك، وعند عَدَم القُدْرَة على استعماله بالتأويل (٢)، ولا دليل على ذلك، بل قد دلّتِ السُّنَنُ الواردةُ عن النَّبيِّ صلّى الله عليه في تيمُّمِ الجُنُبِ على خلافه، وأنّ التّيمُّمَ عنده -أعني عند مالك- من الجنابة أو الحَدَثِ الّذي ينقضُ الوضوءَ سواءٌ، وأنّ فَرْضَ التَّيمُّم فيهما ضربة واحدة للوجه واليدين إلى الكُوعَين، إلَّا أنّه يستحبُّ ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليَدَيْنِ إلى المَرْفِقَين. وإن تَيَمَّمَ إلى الكُوعَين أعادَ في الوقتِ. وإن تيمَّمَ بضربةٍ واحدةٍ لوجهه ويدَيْه إلى المَرفِقَيْنِ لم يُعِد، وقد تقدَّمَ.

стр. 712

تكملة (١): وقد ذهب بعضُ النَّاس ممَّن ينتحلُ الحديثَ إلى أنَّ الجُنُبَ إذا عدم الماءَ يتيمَّم، ويتوضَّأ إذا وَجَدَهُ ولم يَقدر على مسَّه، قياسًا على ما رُوِيَ عن عمر وابن العاص؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ أَمَّرَهُ على جيش ذات السّلاسل، وفي الجيشِ نَفَرٌ من المهاجرين والأنصار، منهم عمر بن الخطّاب، فاحتلم عمرو بن العاصي في ليلةٍ شديدةِ البَرْدِ، فأشفَقَ أنّ يموتَ إنِ اغتَسَلَ فتوضَّأ، ثم أمَّ أصحابه، فلما قَدِمَ، تَقَدَّم عمر بن الخطّاب فشكا عمرو بن العاصي حتّى قال: وأَمَّنَا جُنُبًا، فأعرضَ رسولُ الله ﷺ عن عمر بن الخطّاب. فلمّا قدِمَ عمرو بن العاصي دخلَ على رسولِ الله ﷺ فجعل يُخْبِرهُ بما صنع في غَزَاتِهِ، فقال له رسول الله صلّى الله عليه: " أَصَلَّيتَ جُنُبًا يا عمرو؟ " فقال: نعم يا رسولَ الله، أَصَابَنِي احتلامٌ في ليلة باردة لم يمرَّ على وجهي مثلها قطُّ، فخيَّرتُ نفسي أنّ أغتسل فأموت، أو أقبلَ رخصةَ الله ، فقبلتُ رخصةَ اللهِ، وعلمتُ أنّ اللهَ أرحم بي، فتوضَّأْت ثمّ صلّيْتُ، فقال رسولُ الله ﷺ : "أَحْسَنْتَ، ما أحببتُ أنَّكَ تركتَ شيئًا صنعته، لوكنتُ في القوم لصنعتُ كما صنعتَ" (٢). ممّن كان يذهب إلى هذا أحمد بن صالح (٣)، وقال: إنَّ الوضوء فوق التَّيمُّم، وليس ذلك بصحيحٍ؛ لأنّ الله جعلَ التَّيمُّمَ بَدَلَ الغُسْل من الجنابة، ولم يجعل الوُضُوء بَدَلًا منه، فليس بأرفع منه في ذلك، وإنّما هو إرفع منه في الحَدَثِ الأصغر حيث جُعِلَ بَدَلًاَ مِنْهُ. قال الإمام الحافظ (٤): أمّا الحديث، فيحتملُ أنّ يكون ما كان من عمرو بن العاصي قبل نزول آية التَّيمُّم، والحُكمُ حينئذٍ في الجُنُبِ إذا عدمَ الماء أنْ يصلِّي بلا غُسْلٍ، فلمّا سقط عنه فَرْض الاغتسال بالخَوْفِ على نفسه، صار في حُكمِ مَنْ لا جَنَابَةَ

стр. 713

عليه. توضَّأ وصلَّى كما يفعلُ من استيقظَ من نَوْمِهِ ولا جنابةَ عليه، وكما يُصَلَّي عُرْيَانًا من لا يجد ثوبًا (١). وقد صلّى أصحاب رسول الله ﷺ قبل فَرْضِ التَّيمُّمِ وهم مُحْدِثُون على غير وضوءٍ فلم يُنْكِر ذلك عليهم رسول الله صلّى الله عليه، فَصَحَّ ما تَاَوَّلْنَاهُ، والله أعلم. والتَّيمْمُ عند مالك - لا يرفعُ الحَدَثَ الأكبرَ ولا الأصغر- وجميع أصحابه (٢) وجمهور أهل العلم، خلافًا لسعيد بن المسيَّب وابن شِهَاب في قولَيهِما أنّه يرفعُ الحَدَثَ الأصغر دون الأكبر، وفي قول (٣) أبي سَلَمة بن عبد الرحمن: يرفعُ الحَدَثَينِ جميعًا حَدَث الجنابة والحَدَث الّذي ينقضَ الوُضوءَ. ومعنى هذا أنه إذا تَيَمَّم للوضوء أو للجنابة صار (٤) على طهارة أَبَدًا، ولم يجب الغسل ولا الوضوء وإن وجد الماءَ ما لم يُحْدِث أو يجنب. وإن كان التّيَمُّم عند مالك وأصحابه لا يرفعُ الحدَثَ جملةً، فلأنّه يستباحُ عندهم به ما يستباحُ بالوُضوءِ والغُسلِ من صلاة الفرائض والنّوافل وقراءة القرآن نَظَرًا وظاهرًا، أو لسُجودِ التِّلاوة، وما أشبه ذلك ممّا تمنعه الجَنَابة أو الحَدَث الّذي ينقضُ الوُضوءَ. تمت أبواب التيمّم والحمد لله

стр. 714

ذكر أبواب الحَيْض كتاب الحَيْض وفيه أربعة أبواب: الباب الأوّل ما يحلُّ للرَّجُلِ من امرأتِهِ وهي حائضٌ قال الإمام الحافظ ﵁: كان من حقِّ مالك ﵀ أنْ يقدَّم في صَدْرِ هذا الباب تفسير الآية -كما فعل المصنِّفُون البخاريّ (١) ومسلم (٢) - قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ الآية (٣). المحيض: مَفْعِلْ، من حاضَ إذا سال، حَيْضًا، تقول العرب: حاضتِ الشَّجَرَةُ والسَّمُرَة، إذا سالت رطوبتها، وحاضَ السَّيْلُ: إذا سالَ. قال الشّاعر (٤): ............ وحَيَّضّتْ ... عَلَيهِنَّ حَيْضَاتُ السُّيُولِ الطَّواحِمِ والحَيضُ: عبارة عن الدَّمِ يُرْخِيه الرَّحِم فيفيضُ، وله ثمانية أسماء: ١ - حائض.

стр. 715

(٢) عَارِك. (٣) فَارِك. (٤) طَامِس. (٥) دَارس. (٦) كَابِر. (٧) ضَاحِك. (٨) طَامِث. قال مُجاهِد في قوله : ﴿فَضَحِكَتْ﴾ (١) يعني: حَاضَتْ (٢). قال الشاعر: وَيهْجُرُهَا يَوْمًا إذا هي ضَاحِك (٣) وقال بعضُ أهل التّفسير في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ (٤) يعني حضن، وانشدوا (٥): نَأتِي النِّساءَ على أَطهَارِهِنَّ ولا ... نَأتِي النِّساءَ إذا أَكبَرْنَ إكبارًا وقيل: الحيض عبارة عن زَمانِ الحَيْضِ وعن مكانه، وعن الحَيْضِ نَفْسِهِ.

стр. 716

تحقيق: اختلف العلماء -رضوانُ الله عليهم- في ايتداءِ الحيضِ؟ فذهبت جماعة منهم إلى أنّ ذلك عقوبة لِنِساءِ بني إسرائيل، واحتجُّوا بحديث خَرَّجَهُ عبد الرزاق في "مصنّفه" (١) أنّ نساء بني إسرائيل كنّ قد اتَّخذن أَرْجُلًا من خَشَب يطلن بها ليُشرِفن على الرِّجال الّذي المساجد، فسلّطت عليهنّ الحَيْضَة، وحرّم عليهنّ المساجد. وهذا ضعيفٌ جدًّا، والصحيحُ ما خَرَّجَهُ البخاريّ (٢) عن عائشة قالت: خرجنا لا نَرَى إلَّا الحَجَّ، فلمّا كنْتُ بسَرِفَ حِضتُ، فدخلَ علىَّ رسولُ الله ﷺ وأنا أَبْكِي، فقال: "ما لَك، أَنُفِسْتِ؟ "، قلتُ: نعم، قال: "إنَّ هذا شيء كتَبَهُ اللهُ علي بناتِ آدَمَ ... " الحديث. قال الإمام (٣): هذا الحديث يدلُّ على أنّ الحَيْضَ مكتوبٌ علي بناتِ آدمَ فمَنْ بعدَهُنَّ من البنات، كما قاله ﵇، وهو من أضلِ خِلْقَتِهِنَّ الّذي فيه صلاحهنّ، قال الله تعالى في زكريا ﵇: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ (٤) قال أهل التّأويل: يعني ردّ الله إليها حيضتها لتحمل، وهو من حكمة البارئ سبحانه اتذي جعلَهُ سببًا للنَّسْل، ألَّا ترى أنّ المرأة إذا انقطعت عنها حيضتها أنّها لا تحمل، هذه عادة لا تنخرم. وقال بعض علمائنا: ليس فيما أتى به في قصّة زكرياء ﵇ دليلٌ قاطعٌ؛ لأنّ زكرياء من أولاد بني إسرائيل. وأمّا الحُجَّة القاطعة لمن تأوَّل قصّة إبراهيم في قوله: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ (٥) يعني: حاضت، تشهد له اللُّغة، والأثر يدلُّ أنّ الحَيضَ كان قبلَ بني إسرائيل من حديث عائشة.

стр. 717

قال الإمام الحافظ (١): فهذه آفة كَتَبَهَا اللهُ علي بناتِ آدم، وهو على ضربين: عَادَةٌ، وعِلَّةٌ. فهذا كان علّةً فهي الاستحاضة. والمستحاضاتُ على عهد رَسولِ الله ﷺ ستٌّ: ١ - فاطمةُ ابنةُ أبي حُبَيْشٍ. ٢ - وحَمْنَةُ بنتُ جَحْش، زوج طلحةَ بنِ عُبَيْدِ الله. ٣ - وأمُّ حبيبة بنت جحشٍ، زوج عبد الرحمن بن عَوفٍ. ٤ - وزينبُ بنتُ جَحْش، زوج رسول الله ﷺ . ٥ - وسَوْدَة بنت زمعة إحدى أمّهاتِ المؤمنينَ. ٦ - وسهلةُ ابنةُ سهيلٍ. قال الإمام الحافظ: والصّحيحُ منهنّ: فاطمة، وحَمْنَةُ، وأمُّ حبيبةَ، وإحدَى أمهاتِ المؤمنين غيرَ معيَّنَةٍ. تنبيه (٢): قال الإمام الحافظ: وكتابُ الحيضِ مُعْضِلٌ في الفقه، ما رأيتُ في رحلتي من يُحسِنه إلَّا رجلين: أبو إسحاق بن الآمدية (٣) بالمسجد الأقصى، وأبو منصور بن محمد بن الصَّبَّاغ (٤) بمدينة السّلام. والحيضُ على خمسة أقسامٍ:- مُبتَدَأَةٌ.- يَائِسَةٌ.- مُعْتَادَةٌ.- مُختَلِطَةٌ.- مُتَحَيَّرةٌ.

стр. 718

وأشدّها بلاءً المُتَحيَّرَة (١). وأحاديثُ الحيضِ أربعةٌ: الأوّل: قولُه ﵇: " تَمْكُثُ إِحدَاكُنَّ الليَالِيَ والأَيامَ لاتُصَلِّي" (٢). الحديث الثّاني: قوله ﵇: "لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيالِي والأَيَّامِ الّتي كانت تحِيضُهُنَّ من الشهْرِ، قَبْلَ أنّ يُصِيبَهَا الّذي أصَابَهَا، فَلتَترُكِ الصَّلاةَ فِيهَا" (٣). الحديث الثّالث: قوله ﷺ وقد سُئِلَ عن الاستخاضة فقال: " إنَّما ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيسَت بِالحَيْضَةِ، فإذا أَقبَلَتِ فَاترُكِي الصّلاةَ، وإذا أَدْبَرَت فَاغسِلِي الدَّمَ عَنْكِ وصَلِّي" (٤). الحديث الرّابع: قولُه ﷺ : "إنّ دَمَ الحَيْضِ أسودُ يُعرَفُ، فإذا اقْبَلَتِ الحَيضَةُ فدَعِي الصّلاةَ" (٥). وُرُوِيَ "فَتوَضَّئي لِكُلَّ صَلاَةٍ" (٦). واختلط على العلماءِ أمرُ المُختَلِطَةِ، وتحيَّرُوا في أمرِهَا وأمر المتحيَّرةِ، ولو أردنا أنّ نَسْرُدَ الكلامَ أو نبيَّنَ المرَامَ لاتَّسَعَ الخرْقُ وخرَجَ الأمرُ عن الضَّبْطِ. وأَشبَهُ ما في ذلك أحدُ أصولِ مالكٍ، وهو أنّ دَمَ الحَيضِ إذا خرَجَ على غير الاعتيادِ، فهي مُستحاضة تصومُ وتصلِّي ويأتيها زوجُها، حتَّى ترى دمًا مُتَغيِّرًا فتعمَلُ عليه. فإنْ تَمَادَى بها، فلا يَخْلُو أنّ تكون مُبْتَدَأةً أو معتادةً، فإنْ كانت معتادة، فلتُمسِكْ قَدْرَ عادَتِها، وإن كانت مبتدأة فلتُمْسِك أيّام لِداتِهَا (٧). وقيل: تستظهرُ بثلاثٍ، والاستظهارُ مشهورٌ في المذهب (٨)، ضعيفٌ في الحديث (٩).

стр. 719

وقيل: تتمَادَى إلى خمسةَ عَشَر يومًا، وهو أكثر الحَيْض (١). وروي عن ابن نافعِ، وابن الماجشونِ؛ أنّ أكثر الحيض تسعة عشر يومًا، وهي روايةٌ ضعيفةٌ لا أصلَ لها. والدَّليلُ على صحَّة ذلك: أنّ الله تعالى جعل عدَّةَ الحائض ثلاثة أقراءٍ، وجعلَ عدَّةَ اليائسة ثلاثة أشهر، فقابل كلَّ قُرْء بشَهرٍ، ولا يخلو أنّ يقابِلَه بأكثرِ الحيضِ وأكثرِ الطُّهْرِ، وذلك محال؛ لأنَّ أكثر الطُّهر لا حدَّ له، أو بأقلِّيهما، وذلك أيضًا مُحَالٌ؛ لأنّ أقلَّ الحيض لا حدَّ له، فلم يبقَ إلَّا أنَّه قابله بأكثر الحَيضِ وأقلِّ الطُّهر، وذلك خمسة عشر يومًا، وعلى هذه الأصول الّتي بَيَّنَّا تتفرَّعُ جميعُ مسائلِ الحيضِ إنّ شاء الله. إيضاح مشكل: قال شيخنا جرير بن مَسْلَمَة: والدِّماءُ الّتي يرخيها الرَّحِم على ثلاثة أَضْرُبٍ: دَمُ حَيْضٍ، ودَمُ نِفَاس، ودَمُ عِلَّة ودَمُ فَسَادٍ، وإنّما صحَّت هذه القسمة وانْحَصَرَت إلى ثلاثة أقسام؛ لأنّه لا يوجد في الشَّرع قِسْمٌ رابعٌ. وأمّا دمُ الحَيض: فهو الدَّمُ الخارج من الفَرْجِ على وجه الصِّحَّة والعادة، لا بسبب الولادة. وقولنا "على وَجهِ الصِّحَّة احترازٌ من دَمِ الاستحاضة. وقولنا: إلا بِسَبَبِ الولادَة" تَحَرُّزٌ من دَمِ النُّفَسَاء. وأمّا دَمُ النِّفاس: فهو الخارج من الفَرْجِ على وجه الصِّحَّة والعادَةِ وبسَبَبِ الولادة. فإن قال قائل: قولُكُم "عَلَى وَجْهِ الصِّحَّة " والنِّفاسُ مَرَضٌ من الأمراضِ. الجواب عنه أنّا نقول: إنّ النفاس مَرَضٌ يُعْرَف سَبَبُهُ، وأمّا الاستحاضة فهو الدَّمُ الزائد على مُدَّةِ الحيض والنِّفاسِ، هكذا عَبَّر عنه بعض البغدَاديِّين. ومنهم من قال: هو الدَّمُ الزّائد على أكثر مدَّةِ الحَيضِ والنِّفاس، والعبارةُ الأُولى لا تصحّ عند أهل النّظر.

стр. 720

وأمّا الطُّهر، فهو ما عَدَا زَمَن الحَيْض والنِّفاس، وقد عبَّرَ عنه بعضُهم بأنْ قال: هو الزَّمَانُ الّذي يُحْكَم فيه يكون المرأة غير حائض ولا نفساء، وكلا العبارتين صحيحة. وقال بعض القرويِّين: هو خُلُوُّ الفَرْجِ من الدَّم مُدَّة مخصوصة. مزيد إيضاح: قال شيخُنا جرير بن مسلمة: والنِّساءُ الواجداتُ للدَّماء على ثلاثة أضرب: صغيرةٌ:، وبالغةٌ، ومُسِنَّةٌ. أمّا الصَّغيرة، فينقسمُ حالها إلى حالتين: حالُ طفولية، وحال مراهَقَة ويَفَاع. أمّا حالُ الطفولية، فينبغي مَا وُجِدَ بِهَا أنّ لا يكون حَيْضًا. والدّليل على ذلك: أنّ الحَيضَ في النِّساء مقام الاحتلام في الرِّجال، فلمّا امتنع في الطّفولية أنّ يكون الاحتلام في الرِّجال، فكذلك الحيض في النِّساء، ولأن النّبيَّ ﷺ قال وقد خطب النِّساء يومًا: "إنَكُنَّ ناقصاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ"، فقالت امرأةٌ: يَا رسولَ الله، وما نقْصَان دِينِنَا؟ قال: "ألَيْسَت إِحْدَاكنَّ تَترُكُ الصَّلَاةَ شطر عمرها" (١). قال علماؤنا: هذا دليلٌ على أنّ الحَيْضَ إنّما يوجد على من تتعيَّنَ عليه الصّلاة. قال: وهل يسمَّى ذلك الدَّم استحاضة أو لا؟ أو يزيد بذلك أنّه دم علّة وفسادٍ، فيسمَّى ذلك على المجاز. وأمّا حال المراهِقَة واليَفَاع، فما وَجِدَ به من ذَلك فيُحْكَم به على أنّه حَيضٌ. وأمّا البالغة فلها حالتان: ١ - ابتداءٌ، وهي الّتي ترى دمًا لم تره قبلُ، فهذا يأتي حكمه فيما بعد. ٢ - وحالة اعتياد، وهي الّتي ترى دَمًا قَدْ رأَتهُ قبل ذلك، وهذا له حُكْم سبب الولادة.

стр. 721

تركيب على تفسير آية: اختلف (١) العلماء من أهل التّأويل في معنى قوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ (٢) فقال جماعة منهم: ما تغيضُ الأرحام، معناه: ما تنقص من التِّسعة الأشهر، وروي ذلك عن ابن عبّاس (٣) ومجاهد (٤) والحسن (٥). وقال آخرون: بل هو خروجُ الدَّمِ وظهورُه من الحائل واستمساكُه، روى ذلك أيضًا عن جماعة منهم عِكرِمَة والشّعبىّ وابن جُبَيْر (٦). قال الشّيخ أبو عمر (٧): "أجمع العلماءُ أنّ للدَّماء الخارجة من الأرحام ثلاثة أحكام: أحدها: دَمُ الحَيْض يمنع الصّلاة، وتسقطُ الصّلاة مع وجوده، من غير إعادةٍ لها على ما قدَّمناهُ عن جماعة العلماء. والثّاني: دَمُ النّفساء عند الولادة، وحُكمُه في الصّلاة حُكم دَمِ الحَيض بإجماعٍ. الثّالث: دَمُ عِلَّة (٨) ". قال القاضي أبو الوليد (٩): "ولا يتبيّن دم الاستحاضة من دَم الحَيضِ والنِّفاسِ إلَّا بمعرفة أكثر الحَيضِ والنِّفاس، وهو يزيدُ وينقُص، قال الله العظيم: ﴿مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى

стр. 722

وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ (١) فأخبر بزيادته ونقصانه". وقال (٢): "ودَمُ الحَيض إنّما هو يتحادرُ من أعماق الجسم إلى الرَّحِم (٣) طول مدّة الطّهر، ومن ذلك يسمَّى الطُّهْرُ قَرْءًا من قولهم: قرأت الماءَ في الحَوْضِ، إذا جمعته، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (٤). وقد تدفعه الحائضُ في أيام الحَيض دفعًا متواليًا متَّصلًا، وتدفَعُه منقطعًا شيئًا بعد شيءٍ، فإذا كان بين الدَّمَيْنِ في الأيام أيامٌ يسيرةٌ لا تكون طُهْرًا فاصلاَ بين حيضتين، عُلِمَ أنّ الدَّمَ الثّاني من الدَّم الأوّل، وأنّها حيضة واحدة تقطَّعَت، وإن كان بينهما أيّام كثيرة تكون طُهرًا تَامًّا فاصلًا، عُلِمَ أنّ الدَّمَ الثّاني ليس من الأوّل، وأنّها حيضة ثانية ممّا تحادر إلى الرَّحِمِ وجمعته في هذا الطّهر الّذي قبله". تفسير الآية الأولى المتقدَّمة في هذا الباب قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ الآية (٥). قال الإمام: وفي سبب سؤالهم النّبيّ ﷺ عن حَيْضِ النِّساء، وكيف اعتزالهنّ فيه، بين العلماء نزاعٌ كثيرٌ، واختلاف طويلٌ، وذلك يثشمل على فصول:

стр. 723

الفصل الأوّل في اختلاف السّبب الباعث لهم على ذلك فقال علماؤنا (١): إنّما كان ذلك؛ لأنّهم كانوا قبل بيان الله لهم لا يُسَاكِنُونَ حائضًا ولا يؤاكلونها ولا يشاربونها كما كانت اليهود تفعل (٢)، فعرَّفَهُم اللهُ بهذه الآية؛ أنّ الّذي بهنَّ من الدَّم لا يبلغ أنّ نحرّم به مجامعتهنّ في البيوت ومؤاكلتهن ومشاربتهن، لقوله : ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ (٣)؛ لأنّ الأَذَى لا يُعَبَّر به إلَّا عن المنكر الّذي ليس بشديدٍ، قال الله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ (٤) وقال: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ الآية (٥)، فأعلمهمُ اللهُ أنّ الّذي عليهم في أيام حيض نسائهم تَجَنُّبُّ جِمَاعِهِنَّ لا غير. والدليلُ على ذلك: ما ورد في الآية قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (٦) أي: فجامِعُوهُنَّ في موضع الجماع (٧). وقيل: إنّما سألوه عن ذلك لأنّهم كانوا يجتنبون النِّساء في الحيض ويأتوهنّ في أدبارهن، فلمّا سألوا عن ذلك، أنزل اللهُ تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ الآية إلى قوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (٨) أي: في الفَرْج لا تَعْدُوهُ، وهذا أظهر من القول الأوّل وأبْيَن في المعنى.

стр. 724

وقوله: ﴿هُوَ أَذًى﴾ (١) فيه ثلاثة أقوال (٢): الأوّل: قيل قذَزٌ (٣). الثّاني: قيل دَمَّ (٤). الثّالث: قيل نجسٌ. وقيل: مكروه يُتَأذَّى بريحه وضَرَرِهِ ونجاسته، وهو الصّحيح بدليلين: أحدهما: أنَّه يَعُمُّها. الثّاني: شَاهِدُهُ. قوله: ﴿أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (٥) وتقديره: ويسألونك عن مَوْضِع المَحِيضِ، تل: هو أذىً. واختلف العلماء (٦) في دَمِ الحَيْضِ: فقيل: هو كسائر الدِّماء يُعْفَى عن قَليلِه. وقيل: قليلُه وكثيرُه سواءٌ في التَّحريم، رواه أبو ثَابِت عن ابنِ القاسم، وابنُ وَهْب عن مالكٌ. ووجه الأوّل قوله: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ (٧) وهذا يتناولُ الكثيرَ دونَ القليلِ. ووجه الثّاني: قوله: ﴿هُوَ أَذًى﴾ (٨) وهذا يَعُمُّ القليلَ والكثيرَ (٩).

стр. 725

وقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾ (١) معناه: افعلوا العَزْلَ، أي اكتَسِبُوه، وهو الفَضلُ بين المجتمعين (٢). واخْتُلِفَ في مورد العَزْلِ؟ قيل: جميعُ بَدَنِها، لا يُبَاشِرُهُ بشيءٍ من بَدَنِه، قاله ابن عبّاس، وعائشة، وعَبِيدَة السَّلْماني (٣). وقيل: ما بين السُّرَّة إلى الرُّكْبة، قالته عائشة وهو مذهَبُها، وبه قال شُرَيح (٤)، وسعيد بن المسيِّب، ومالك، وأبو حنيفة، والشّافعيّ. وقيل: الفَرْجُ، قا لله حَفْصَة، وعِكرِمَة، وقَتَادَة، والشَّعْبيّ، والثّوريّ، وأَصْبَغ. وقيل: الدُّبُر، قاله مُجَاهِد، وقد رُوِيَ عن عائشة معناه. وأمّا (٥) قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ (٦) سمعتُ فخر الإسلام أبا بكر محمد ابن أحمد الشّاشي في مجلس النَّظَرِ يقولُ: إذا قِيلَ: لا تقرَب -بفتح الرّاء- كان معناه: لا تلَبَّس بالفعل، د إذا كان بضَمَّ الرّاء، معناه: لا تَدْنُ منه. وقوله (٧):إ ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٨) يعني الغاية، وهي انتهاءُ الشيء وتمامُه. وقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ (٩) وهما ملزمان (١٠)، على أقوال ثلاثة: الأوّل:

стр. 726

قيل حتّى يطهرن، أي: حتَّى ينقطع دَمُهُنَّ، قاله أبو حنيفة (١)، ولكنه ناقضَ في موضعين، قال: إذا انقطع دَمُها الأكثر حينئذ تحلّ، وإذا انقطع دَمُها الأقلّ لم تطأ حتّى يمضي وقتُ صلاةٍ. وقيل أيضًا: حتّى تغتسل بالماء غُسْلَ الجنابة، وقاله الزّهريّ، واللَّيث، ورَبِيعَة، ومالك، وإسحاق، وأحمد، وأبو ثور. وقيل: تتوضَّأ لكل صلاةٍ، قاله طاوُوس، ومجاهِد. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ مُخَفَّفًا، وقُرئَ مُشَدَّدًا (٢)، والتَّحفيفُ وإن كان ظاهرًا في استعمال الماء، فإنَّ التَّشديدَ فيه أظهر، كقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٣) فجعلَ ذلك شرطًا في الإباحة، غايةً للتَّحريمِ. فإن قيل: المرادُ بقوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ حتّى ينقطع دَمُهُنّ. قيل: قد يستعملُ التّشديد موضع التخفيف، فيقال: تطَهَّرَ بمعنى طهر، كما يقال: قطّع وقطع (٤). وقيل: إنّ قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ هو ابتداء كلام، لا إعادة لما تقدَّمَ. وقوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾ معناه: فجيؤهنّ. تَمَّ تفسير الآية. وأما قوله في الحديث في هذا الباب (٥): "لِتَشُدَّ عليها إِزَارَهَا" فيه دليلٌ على أنّ سائر جسدها مباحٌ لَهُ.

стр. 727

طُهْر الحائِضِ قوله (١) في هذا الباب: كان النِّساءُ يَبْعثنَ إلى عائشة ﵂ بالدَّرْجَةِ فيها الكُرْسُفُ، فيه الصُّفْرَةُ من دَمِ الحَيْضِ. عربية (٢): قال الإمام الحافظ: الدَّرَجَةُ جمعُ دُرْجٍ، مثل خُرْجٍ وخِرَجَة (٣). والكُرْسُفُ هو: القُطن. والصُّفْرَةُ: بقيةُ الدَّمِ، كما أنّ الشَّفَق بقيّة من شعاعِ الشَّمس. تقول لهن: "لا تَعجَلنَ" بالغُسلِ إذا رأيتُنَّ الصفرة لأنهّا بقية الحَيضَة، "حتّى تَرَينَ القَصَّةَ البيضاء"، تعني الماء الأبيض الّذي يدفَعُهُ الرَّحِمُ عند انقطاع دَمِ الحَيْضِ (٤). قال عيسى بن دينار: القَصَّةُ البيضاءُ أبلغ في براءة الرَّحِم من الجُفُوفِ (٥). والجُفُوفُ هو أنّ تجعل المرأة الخرقة، ثم تُزِيلها فتجدها جافّة من الدَّمِ كما جعلتها، فإذا كانت عادتها أتى ترى القَصَّة البيضاء فرأت الجُفُوفَ، لم تغتسل حتّى ترى القَصَّة البيضاء، إلَّا أنّ يطولَ ذلك فتغتسل وتصلِّي، والطّول نحو اليوم (٦). قال (٧): عَابَت ابنةُ زيد بن ثابت (٨) على النِّساء قيامهنّ من اللّيل، يَنْظُرْنَ إلى ذلك عند أوقات الصّلواتِ، وعند النَّومِ، وعند القيام منه، لا من جَوْفِ اللَّيلِ.

стр. 728

جامعُ الحيضَة حَدَّثني يَحيَى (١)، عَنْ مالكٌ، أَنهُ بَلَغَهُ أنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتْ في المَرْأةِ الْحَامِلِ تَرَى الدَّمَ: إنَّهَا تَدَع الصَّلاَة. قال الشّيخ: هذا حديثٌ بَلَاغٌ عند مالكٌ ﵀. واختلف العلماء في هذا المعنى: فالمشهورُ من المذهب (٢) أنّ الحامل (٣) تحيض عندنا، خلافًا لأبي حنيفة (٤) والشّافعيّ في أحد قوليه (٥)، ولنا على ذلك أدلّة كثيرة ليس هذا موضع ذكرها، فإن تمادَى بها الدَّمُ، ففي ذلك ثمانية أقوال: أولها: أنّها تَبْقَى أيّامها المعتادة من غير استظهارٍ، ثمّ تغتسل وتصلَّي. الثّاني: أنّها تستظهِرُ على أيّامها المعتادة. الثّالث: أنّها تبقى إلى تمام خمسة عشر يومًا. الرّابع: التفرقةُ بين أوّل الحمل وآخره، فتُمْسِكُ عن الصّلاة في أوّل الحَمْلِ ما بين الخمسة عشر يومًا إلى العشرين، وفي رواية أُخرَى: ما بين العشرين إلى الثّلاثين. وهو القولُ الخامسُ. السّادس: أنّ تُمْسِك عن الصّلاة ضِعْفَ أيّامها المعتادة، وهو أَبْيَن (٦). السابع: أنّه إذا أصابها ذلك في أوّلِ شهرٍ من شهور الحمل، أَمسَكَتِ عن الصّلاة قَدْرَ أيّامها المعتادة. وإن أصابها ذلك في الشهر الثّاني، أَفسَكَت مثلي أياهما

стр. 729

المعتادة، وإن أصابها ذلك في الشّهر الثّالث، أَمْسَكَت ثلاثة أمثال أيّامها المعتادة. وإن أصابها ذلك في الشّهر الرّابع، تركت الصّلاة أربعة أمثال أيّامها المعتادة. هكذا أبَدًا ما لم تجاوز أكثر مدّة النِّفاس. الثّامن: تفرقةُ أشهب في الاستظهار بين إنّ استبرأت من أوّل ما حملت، أو لا تستبرىء. في المسألة قول تاسعٌ حكاه ابن لُبَابَة (١)، وهو أنّ تتركَ الصّلاة عدد الأيّام الّتي كانت تحيض من أوّل الحمل (٢)، من رواية أصبغ عن مالكٌ من"الثّمانية" (٣).

стр. 730

المستحاضة مالكٌ (١)، عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة؛ أنّها قالت: قالت فاطمةُ بنتُ أبي حُبَيْشٍ: يا رسولَ الله، إِنِّي لاَ أَطهُرُ، أَفَاَدعُ الصَّلاَةَ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ: "إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيسَت بِالحَيْضَةِ" الحديث. قال الإمام (٢): وَهِمَ مالكٌ ﵀ في قوله (٣): "زَيْنَب ابنة جَحْشٍ الّتي كانت تحت عبد الرحمني بن عَوفٍ" ولم تكن قطُّ تحت عبد الرحمن بن عَوْف، وإنّما كانت تحت زيد بن حارثة، ثمّ بعدَهُ تحت رسول الله ﷺ ، والّتي كانت تحت عبد الرحمن هي أمّ حبيبة ابنة جَحْش أخت زينب بنت جَحْش (٤). ولم يَختلف (٥) رُواةُ الموطَّأ (٦) في إسناده ولَفْظِه (٧)، وخرَّجَّهُ أهل الصِّحَّة والمصنّفات (٨)، مثل الدارقطني (٩) والترمذي (١٠) وغيرهما (١١).

стр. 731

عربية: قال الخليلُ (١): المستحاضةُ هي الّتي لا يرقأ دَمُها، وَالحَيضَةُ -بالفتح- هي المرّةُ الواحد، والحِيضَةُ -بالكسر- الاسم، والجمع الحُيَّضُ. وأمّا الحَيضُ والمَحِيضُ (٢) فمعروفٌ. فقه: قال جمهور الفقهاء: المستحاضةُ تصومُ وتصلَّي وتطوفُ بالبيتِ وتقرأُ القرآن ويأتيها زوجها. وكان أحمد بن حنبل يقول: أحبّ إلَّي ألَّا يطأها إلَّا أنّ يطول ذلك (٣)، وفيه كلامٌ طويلٌ أضربنا عن أكثره. نكتةٌ لغوية: قوله في هذا الحديث (٤): "فإذا ذهبَ قَدْرُهَا فَاغسِلِي الدَّمَ" قال الإمام: القُرْءُ كلمة مخملة للحَيضِ والطُّهْرِ، واتَّفَقَ أهلُ اللُّغة على أنّ القُرْءَ الوَقت (٥). قلت: القَرْءُ في هذا الحديث الحَيض، والقُرْءُ والقَرْءُ لغتان، والجمع قُروء. وقد اختلف النَّاس في القُرْءِ ما هو؟ فقال أهل الحجاز: هو الطُّهر. وقال أهلُ العراق: هو الحيض. وكلٌّ مصيبٌ؛ لأنّ القُرْءَ عند العرب: خروج من شيءٍ إلى شيء، فهذا حاضت فقد خرجت من الطُّهر إلى الحَيضِ، وإذا طهرت فقد خرجت من الحَيْضِ إلى الطُّهر، وهذا قول أبي عُبَيدَة (٦).

стр. 732

وقال غيره: القُرْءُ الوقتُ، يقال: فلان رجع إلى قرئه ولقارئه، أي: لوقته الّذي كان يرجع فيه، فالحيض يأتي لوقتٍ، والطُّهرُ يأتي لوقتٍ. ومن الغريب قول ابن السِّكِّيت (١): "القَرْءُ: الحيضُ، والطُّهْرُ، وهو من الأضداد". وقيل: القَرءُ شبه حوض، والجمعُ أَقراء وقُروء، وذهب قائل هذا إلى أنّ القَرْءَ: أيام اجتماع الدَّم في الرَّحِمِ، أخَذَهُ من المقراة، وهي الحَوْض لاجتماع الماء فيه، والله أعلم. تنبيه على وهم: قال ابن عرفة (٢): المَحِيضُ والحَيضُ هو اجتماع الدَّمِ إلى ذلك المكان، وبه سُمَّيَ الحوضُ، لاجتماع الماء فيه، وليس كما زعم، إنّما هو سيلان الماءِ (٣) فيه وقد قلب القوس ركوة فافهم، والقَرْءُ مأخوذٌ من قرأت أي جمعت، فالقرْءُ اجتماع الدَّمِ، والحيضُ سيلانُه، فالقَرْءُ في الطُّهْرِ حقيقة، وهو في الحيض مجازٌ. مزيد إيضاح: قال الإمام الحافظ (٤): قد بيَّنًا أنْ المستحاضات على عهد رسول الله ﷺ خمسٌ: الأولى: حَمْنَة بنت جَحْش (٥) بن رَبَاب بن أبي أسد بن خُزَيمَة، أخت زينب ابنة جَحْش، زوج رسول الله ﷺ ، وكانت تحت مُصعَب بن عُمَيْر، فلمّا قُتِل يوم أُحُد تزوَّجَها طلحة بن عُبَيد الله، فولدت له محمّدًا وعِمْرَان ابني طَلْحَة، فَرَوَى عنها ابنها حديثًا في الحيض (٦).

стр. 733

الثّانية: أُمُّ حبيبة (١)، ويقال: أمّ حبيب بنت جحش بن رباب الأسديّ، أخت حَمْنَة زوج عبد الرحمن بن عَوْف. الثّالثة: فاطمة ابنة أبي حبيش (٢) بن المطّلب بن أسد بن عبد العزَّى بن قُصَيّ القُرَشِيّة الأسدية، وهي الّتي استحيضَت فشَكَتْ ذلك إلى رسول الله ﷺ ... الحديث (٣). الرّابعة: هي سَهْلَة بنت سُهَيل (٤) بن عمرو القُرَشِيّ العامِريّ، ذكر حديثها أبو داود (٥) وهو حديث معلولٌ (٦)، كانت زوج أبي حُذَيفَة بن عُتْبَة بن رَبِيعَة، ثم خلف عليها بعدَهُ عبد الرحمن بن عَوْف، فولدت له سالم من عَوْف. الخامسة: سَوْدَة بنت زمعة (٧)، زوج رسول الله ﷺ ، رواهُ العلاء بن المسيَّب، عن الحَكَم، عن أبي حَفْص؛ أنّ سوْدَة استحيضَت (٨). والصّحيحُ من، هذه الأحاديث ثلاثة: حديثُ فاطمة المتقدِّم، وحديثُ سَوْدَة، وحديث أمَّ سَلَمَة؛ أنَّ امْرَأَة كانت تُهْرَاقُ الدِّمَاءَ على عهد رسول الله صلّى الله عليه (٩).

стр. 734

عربية: فيه إحدى عشرة لفظة (١): الأوّل: حائضٌ، وهي فاعل، من حاضَ إذا سالَ، يقالُ: حاضَ السَّيلُ إذا فاض. ويقال: حاضَتِ المرأةُ تحيضُ. ودَرَستْ وعَركَت (٢). وطَمَثَت (٣). وحاضَت تحيضُ حَيضًا ومحاضًا، إذا سالَ منها الدَّم في أوقاتٍ معلومةٍ. ومن عَبَّرَ عن المحيضِ يقال استحيضَت، قلت: فحقيقتُه أنّه فُعِلَ بها الحيض، وكلاهما مفعول به الحيض والاستحاضة. والثّاني: الكُرْسُف وهو القُطن، وله ستّة أسماء: أ- القُطن. ٢ - الثّاني: الكُرسُف. ٣ - الثّالث: البُرْسُ. ٤ - الرّابع: العُصْبُ. ٥ - الخامس: الطُّوطُ (٤). ٦ - السّادس: الخِرْفعُ. وصفاته كثيرة، وانّما وُصِفَ بها الكُرْسُفُ مع قِلَّتِه عندهم، وتُرِكَتِ الصُّوف مع كثرته لحكمة لَسْنَا لها.

стр. 735

قوله (١): "تَلَجمِي" هي كلمة عربيّةٌ لم يقع إليَّ تفسيرها (٢)، وإنّما أخذتُها استقراءً، قال الخليل: "اللَّجامُ معروف" (٣)، فإن أخذناهُ من هذا كان معناه: افْعَلِي فِعْلًا يمنعُ سَيَلانه واسترساله، كما يمنعُ اللَّجامُ استرسالَ الدَّابة، واللَّجَمَةُ فيما يقال: فُوَّهَةُ النَّهر (٤)، وفيه نَظَر، فإن صحّ هذا فهو مأخوذٌ منه، ويكون معناه عندي: اللَّجَمَةُ وهي الفُوَّهَة الّتي يسيل منها الدَّم، وهو غريبٌ بديعٌ. وقوله (٥): "إنّما أثُجُّ ثَجَّا" والثَّجُّ السَّيلانُ، ومنه قوله تعالى: ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾ (٦) أي سيالًا، وفي الحديث: "أفْضَلُ الحَجَّ العَجُّ وَالثَّجُّ" (٧) فالعَجُّ رفع الصّوت بالتّلبية، والثَّجُّ إسالةُ الدَّم، يعني الهَدْي. وقال الحسن في وصف ابن عبّاس: إنّه كان يثُجُّ ثَجًّا، يعني: أنّه كان يصبُّ القولَ صَبًّا حتّى يعلم السامع. تكملة: وقرله في حديث الحيض (٨): إنّها كانت تدخل تحتها الطِّست فتخرجه بالدَّم ملآن، قال أهل اللُّغة (٩): هي كلمةٌ مؤنّثةٌ، وتصغيرها طُسَيْسة، وجمعُها طِسَاس وطُسُوس، وفيه

стр. 736

ما جاء في الأثر: "املؤوا الطُّسوس وخالِفُوا المَجُوس" (١). وفيها ثلاث لغات: طست، وطس، وطستة، والأصل في الطَّسْت الطَّسيس، إلَّا أنهم قلبوا إحدى السّينَين شاء استثقالًا للجمع بين السَّينَين، ولو جمعوا على الواحد لقالوا: طِسَات.

стр. 737

باب (١) ما جاء في عرَق الحائض والجُنُب والسّكران وثيابهم عَرَقُ الحائضِ عندنا طاهرٌ، والجُنُب والسَّكران كذلك، والحائضُ والجُنُبُ يصلِّيان في ثوبَيْهِما إذا لم يوجد غيرهما، ولا فيهما أَذىً. والأصل فيه: ما فعله النّبيُّ ﷺ ونساؤُه، كان النّبيّ ﷺ يَجْنَبُ في ثَوْبِه ويصلَّي فيه إذا لم ير فيه أذى، وتحيضُ إحدى أزواجه في ثوبه ويصلِّي فيه. ومسائل هذا الباب ستة مسائل: المسألة الأولى (٢): في بيان القول فيما يَنسِجُهُ الكافر قال علماؤنا: تجوز الصّلاة به إجماعًا. وأمّا ما نَسَجَهُ المجوس، فاختلف أصحابنا فيه؛ لأجل أنّ ذكاتهم غير عاملة، والشَّعر والصُّوف عندهم يَنْجُسُ بالموت، هذا مذهب الشّافعيّة (٣)، ونحن لا نُرَاعِي ذلك. المسألة الثّانية (٤): ثيابُ شارِبِ الخمر ومن لا يتَّقي النّجاسةَ، لا يصلَّى فيها، وقال بعض المتأخِّرين: وكذلك السراويل لِقِلَّةِ تَحَفُّظِ النّاس في الاستنجاء.

стр. 738

المسألة الثّالثة: قال علماؤنا: وكذلك ثياب الصَّبيان عندهم، والصّحيح عندي مفارقة ثياب الصِّبيان في الصِّغَر لثيابهم في الكِبَرِ، فثيابُهُم في الصِّغَر محمولة على الطّهارة حتّى يستقِلُّوا بأنفسهم، ويقضوا حاجات الإنسان مُنْفَرِدين، فحينئذٍ تُحْمَلُ ثيابُهُم على النَّجاسةِ. قال الإمام: والدليلُ على صحّة اختياري: صلاةُ النّبيِّ ﷺ وهو حاملٌ أُمَامة بنت أبي العاصّ (١). فان قيل: ولعلّ جبريل ﵇ أَعْلمَهُ بأنً الطّهارة حاصلة فيها، كما أخبره بالصّلاة بالنِّعال وفيها النَّجاسة، فخلَعَ وخلَعَ النَّاسُ معه (٢). قلنا: إنّ الأحكام لا تتعلَّق بالبواطن، وإنّ ذلك من اعتراضات الجُهَّال والمبتدعة الّذين يُريدون إبطال الشّريعة، وإنّما تتعلَّق الأحكام بظواهر الأفعال. ومذهب مالكٌ في هذه المسألة كمذهبنا؛ أنّ ثياب الصِّبيان عنده محمولَةٌ على الطّهارة، فهذا الحديث من الأصول. المسألة الرّابعة (٣): وهي إذا كان مع الرَّجُل ثوبان: نَجِسٌ وطاهرٌ، ولم يعيَّنهما: قال علماؤنا: الّذي يَغلِبُ على ظنَّه أنّه طاهر صلَّى به. وقيل: يصلّي بكلِّ واحدٍ صلاةً، والأوّلُ أحسن وأصحُّ في المعنَى. المسألة الخامسة (٤): وهي إذا أصاب بعض ثوبه نجاسة ولبم يعلم موضعها، لم يجز التَّحَرَّي، وغسلَ جميعه، بخلاف الثَّوبين؛ لأنَّ أصلَ الثَّوبين الطّهارة، فإذا شكَّ في أحدهما النَّجاسة، أَسْنَدَ

стр. 739

اجتهاده إلى أصل الطّهارة، والثوب الواحد يبطل فيه حكم الأصل وهي الطّهارة، ولم يكن للاجتهاد مُسْتَنَدٌ، وهذا من دقيق الفقه وجليله لمن تأمّله، والله الموفّق للصَّواب. حديث كيفيّة غُسْل المستحاضة مَالِكٌ (١)، عَنْ سُمَيَّ مَوْلَى أَبِي بَكرٍ بن عبد الرحمن؛ أَنَّ القَعْقَاعَ بْنَ حَكِيمٍ وَزَيْدَ ابْنَ أَسلَمَ أَرسلاهُ إِلَى سَعِيْدِ بنِ المُسَيَّبِ، يَسألُهُ، كَيفَ تَغتَسِلُ المستحَاضَةُ؟ فَقَالَ: تَغتَسِلُ من طُهْرٍ إلى طُهْرٍ، وَتَتَوَضَّاُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَإنْ غَلَبَهَا الدَّمُ استَثْفَرَتْ. "وَلَيسَ عَلَى المُستَحَاضَةِ إِلَّا أَنْ تَغْتَسِلَ غُسْلًا وَاحِدًا ثُمَّ تَتَوَضَّأُ بَعْدَ ذلِكَ لِكُلِّ صَلَاةٍ" (٢). شرح: قلت: قوله (فَإِنْ غَلَبَهَا الدَّمُ استَثْفَرَت" هذا نَصُّهُ في"الموطَّأ" (٣) وقد اختلفت ألفاظ الرُّواة في ضبط هذه الكلمة، فأمَّا مُطَرَّف فرَوَى عن مالكٌ فيها أنّها "تَسْتَذْفِر" بالذّال المعجمة (٤)، وقد رَوَاهُ غيره بالتاء والذال أيضًا، ومعناه واحدٌ ومتقاربُ (٥)، ومن رواهُ بالذّال، فمعناه: تتجفَّفُ من الدَّم بالخِرْقَة. وقال ابنُ حبيب (٦): "الاستثفارُ فيه معنيان: إمّا أحدهما، فمأخوذ من الثفَرِ، *لأنّه يكون تحت ذَنَب الدّابّة فَشُبَّه به. وأمّا الآخر فمأخوذ من الثفر*، والثَّفر: حَيَا البهيمة من الدّواب والسِّباع، فقيل للمرأة: "اسْتَثفِرِي" من هذا، كناية عن الفَرْجِ، كأنّه مأخوذٌ من ثَفر الدّابة" (٧).

стр. 740

قال الإمام: ولم يُحقّق هذا من طريق اللُّغة، إذِ الأمرُ فيه قريبٌ. واختلف علماؤنا (١) أيجبُ الغُسْلُ على المستحاضة لكلِّ صلاةٍ؟ ورُوِيَ في ذلك آثارٌ كثيرة عن النَّبيِّ صلّى الله عليه. وقال جماعة من العلماء: يجب عليها أنّ تغتسل من طُهر إلى طُهرٍ، وهذا انقضاء أيّامِ دمِهَا أو أقلّ استحاضتها، هذا قول مالك وسائر فقهاء الأمصار؛ لأنّ الحديث لم يذكر فيه الوضوء لكلِّ صلاة، وقد علّل ذلك ﷺ بقوله (٢): "إِنمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيسَ بِالحَيضَةِ" ودَمُ العِرْق لا يُوجِبُ الوُضوء وضوء الصّلاة. واختلف العلماء في نَقضِ المرأة رأسها للاغتسال. فروي عن عبد الله بن عمر أنّه كان يأمر نساءه إذا اغْتسلن أنّ يّنْقُضْنَّ رؤوسهنّ (٣). وقال طاووس: تنقضُ المرأةُ رأسَها من المحيض، ولا تنقضُ من الجنابة. قال الإمام: وهذه وَهْلَةٌ، إذ لا فَرْقَ بين الحَيضِ والجنابة. والمشهورُ عن مالك أنّه قال: ليس على المرأة نقْض شعرها من الحيض ولا من الجنابة، وهو قول الزّهريّ، والشّافعيّ (٤)، والكوفيَّين، وعامة الفقهاء. مسألة (٥): وأمّا أقلّ الطُّهْر فاختلف فيه على أربعة أقوال: أحدها: قولُ ابن المَاجِشُون وروايته عن مالكٌ (٦)؛ أنّ أقلّه خمسة أيام، فكلّما قلَّ الطُّهْرُ كَثُرَ الحَيض، وكلّما قلَّ الحَيض كَثُرَ الطُّهر، وهذا قولٌ ضعيفٌ جدًّا؛ لأنّه يقتضي أنّ المرأة قد تحيضُ أكثر من نصف دَهْرِهَا، وذلك يردّه الأثر.
следующие страницы →