← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

ما جاء في الأثر: "املؤوا الطُّسوس وخالِفُوا المَجُوس" (١). وفيها ثلاث لغات: طست، وطس، وطستة، والأصل في الطَّسْت الطَّسيس، إلَّا أنهم قلبوا إحدى السّينَين شاء استثقالًا للجمع بين السَّينَين، ولو جمعوا على الواحد لقالوا: طِسَات.

стр. 737

باب (١) ما جاء في عرَق الحائض والجُنُب والسّكران وثيابهم عَرَقُ الحائضِ عندنا طاهرٌ، والجُنُب والسَّكران كذلك، والحائضُ والجُنُبُ يصلِّيان في ثوبَيْهِما إذا لم يوجد غيرهما، ولا فيهما أَذىً. والأصل فيه: ما فعله النّبيُّ ﷺ ونساؤُه، كان النّبيّ ﷺ يَجْنَبُ في ثَوْبِه ويصلَّي فيه إذا لم ير فيه أذى، وتحيضُ إحدى أزواجه في ثوبه ويصلِّي فيه. ومسائل هذا الباب ستة مسائل: المسألة الأولى (٢): في بيان القول فيما يَنسِجُهُ الكافر قال علماؤنا: تجوز الصّلاة به إجماعًا. وأمّا ما نَسَجَهُ المجوس، فاختلف أصحابنا فيه؛ لأجل أنّ ذكاتهم غير عاملة، والشَّعر والصُّوف عندهم يَنْجُسُ بالموت، هذا مذهب الشّافعيّة (٣)، ونحن لا نُرَاعِي ذلك. المسألة الثّانية (٤): ثيابُ شارِبِ الخمر ومن لا يتَّقي النّجاسةَ، لا يصلَّى فيها، وقال بعض المتأخِّرين: وكذلك السراويل لِقِلَّةِ تَحَفُّظِ النّاس في الاستنجاء.

стр. 738

المسألة الثّالثة: قال علماؤنا: وكذلك ثياب الصَّبيان عندهم، والصّحيح عندي مفارقة ثياب الصِّبيان في الصِّغَر لثيابهم في الكِبَرِ، فثيابُهُم في الصِّغَر محمولة على الطّهارة حتّى يستقِلُّوا بأنفسهم، ويقضوا حاجات الإنسان مُنْفَرِدين، فحينئذٍ تُحْمَلُ ثيابُهُم على النَّجاسةِ. قال الإمام: والدليلُ على صحّة اختياري: صلاةُ النّبيِّ ﷺ وهو حاملٌ أُمَامة بنت أبي العاصّ (١). فان قيل: ولعلّ جبريل ﵇ أَعْلمَهُ بأنً الطّهارة حاصلة فيها، كما أخبره بالصّلاة بالنِّعال وفيها النَّجاسة، فخلَعَ وخلَعَ النَّاسُ معه (٢). قلنا: إنّ الأحكام لا تتعلَّق بالبواطن، وإنّ ذلك من اعتراضات الجُهَّال والمبتدعة الّذين يُريدون إبطال الشّريعة، وإنّما تتعلَّق الأحكام بظواهر الأفعال. ومذهب مالكٌ في هذه المسألة كمذهبنا؛ أنّ ثياب الصِّبيان عنده محمولَةٌ على الطّهارة، فهذا الحديث من الأصول. المسألة الرّابعة (٣): وهي إذا كان مع الرَّجُل ثوبان: نَجِسٌ وطاهرٌ، ولم يعيَّنهما: قال علماؤنا: الّذي يَغلِبُ على ظنَّه أنّه طاهر صلَّى به. وقيل: يصلّي بكلِّ واحدٍ صلاةً، والأوّلُ أحسن وأصحُّ في المعنَى. المسألة الخامسة (٤): وهي إذا أصاب بعض ثوبه نجاسة ولبم يعلم موضعها، لم يجز التَّحَرَّي، وغسلَ جميعه، بخلاف الثَّوبين؛ لأنَّ أصلَ الثَّوبين الطّهارة، فإذا شكَّ في أحدهما النَّجاسة، أَسْنَدَ

стр. 739

اجتهاده إلى أصل الطّهارة، والثوب الواحد يبطل فيه حكم الأصل وهي الطّهارة، ولم يكن للاجتهاد مُسْتَنَدٌ، وهذا من دقيق الفقه وجليله لمن تأمّله، والله الموفّق للصَّواب. حديث كيفيّة غُسْل المستحاضة مَالِكٌ (١)، عَنْ سُمَيَّ مَوْلَى أَبِي بَكرٍ بن عبد الرحمن؛ أَنَّ القَعْقَاعَ بْنَ حَكِيمٍ وَزَيْدَ ابْنَ أَسلَمَ أَرسلاهُ إِلَى سَعِيْدِ بنِ المُسَيَّبِ، يَسألُهُ، كَيفَ تَغتَسِلُ المستحَاضَةُ؟ فَقَالَ: تَغتَسِلُ من طُهْرٍ إلى طُهْرٍ، وَتَتَوَضَّاُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَإنْ غَلَبَهَا الدَّمُ استَثْفَرَتْ. "وَلَيسَ عَلَى المُستَحَاضَةِ إِلَّا أَنْ تَغْتَسِلَ غُسْلًا وَاحِدًا ثُمَّ تَتَوَضَّأُ بَعْدَ ذلِكَ لِكُلِّ صَلَاةٍ" (٢). شرح: قلت: قوله (فَإِنْ غَلَبَهَا الدَّمُ استَثْفَرَت" هذا نَصُّهُ في"الموطَّأ" (٣) وقد اختلفت ألفاظ الرُّواة في ضبط هذه الكلمة، فأمَّا مُطَرَّف فرَوَى عن مالكٌ فيها أنّها "تَسْتَذْفِر" بالذّال المعجمة (٤)، وقد رَوَاهُ غيره بالتاء والذال أيضًا، ومعناه واحدٌ ومتقاربُ (٥)، ومن رواهُ بالذّال، فمعناه: تتجفَّفُ من الدَّم بالخِرْقَة. وقال ابنُ حبيب (٦): "الاستثفارُ فيه معنيان: إمّا أحدهما، فمأخوذ من الثفَرِ، *لأنّه يكون تحت ذَنَب الدّابّة فَشُبَّه به. وأمّا الآخر فمأخوذ من الثفر*، والثَّفر: حَيَا البهيمة من الدّواب والسِّباع، فقيل للمرأة: "اسْتَثفِرِي" من هذا، كناية عن الفَرْجِ، كأنّه مأخوذٌ من ثَفر الدّابة" (٧).

стр. 740

قال الإمام: ولم يُحقّق هذا من طريق اللُّغة، إذِ الأمرُ فيه قريبٌ. واختلف علماؤنا (١) أيجبُ الغُسْلُ على المستحاضة لكلِّ صلاةٍ؟ ورُوِيَ في ذلك آثارٌ كثيرة عن النَّبيِّ صلّى الله عليه. وقال جماعة من العلماء: يجب عليها أنّ تغتسل من طُهر إلى طُهرٍ، وهذا انقضاء أيّامِ دمِهَا أو أقلّ استحاضتها، هذا قول مالك وسائر فقهاء الأمصار؛ لأنّ الحديث لم يذكر فيه الوضوء لكلِّ صلاة، وقد علّل ذلك ﷺ بقوله (٢): "إِنمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيسَ بِالحَيضَةِ" ودَمُ العِرْق لا يُوجِبُ الوُضوء وضوء الصّلاة. واختلف العلماء في نَقضِ المرأة رأسها للاغتسال. فروي عن عبد الله بن عمر أنّه كان يأمر نساءه إذا اغْتسلن أنّ يّنْقُضْنَّ رؤوسهنّ (٣). وقال طاووس: تنقضُ المرأةُ رأسَها من المحيض، ولا تنقضُ من الجنابة. قال الإمام: وهذه وَهْلَةٌ، إذ لا فَرْقَ بين الحَيضِ والجنابة. والمشهورُ عن مالك أنّه قال: ليس على المرأة نقْض شعرها من الحيض ولا من الجنابة، وهو قول الزّهريّ، والشّافعيّ (٤)، والكوفيَّين، وعامة الفقهاء. مسألة (٥): وأمّا أقلّ الطُّهْر فاختلف فيه على أربعة أقوال: أحدها: قولُ ابن المَاجِشُون وروايته عن مالكٌ (٦)؛ أنّ أقلّه خمسة أيام، فكلّما قلَّ الطُّهْرُ كَثُرَ الحَيض، وكلّما قلَّ الحَيض كَثُرَ الطُّهر، وهذا قولٌ ضعيفٌ جدًّا؛ لأنّه يقتضي أنّ المرأة قد تحيضُ أكثر من نصف دَهْرِهَا، وذلك يردّه الأثر.

стр. 741

القول الثّاني: قول سحنون، وهو دليل "المدوَّنة" (١) على ما تأوَّلَهُ ابن أبي زيد (٢) أنّ أقلّه ثمانية أيّام. القولُ الثّالث: رواية المدنيَّين عن مالك، رواه أَصْبَغ وابن القاسم؛ أنّ أقلّه عشرة أيام. القولُ الرّابع: قول محمد بن مَسْلَمَة؛ أنّ أقلّه خمسة عشر يومًا (٣)، وهذا القول الرّابع لا حظَّ له في القياس. قال الإمام (٤): وأمّا أكثر الحيض، فخمسة عشر يومًا. بدليل قولِه ﵇ إذ خطب النِّساء، فقال: "إنكُنَّ ناقصاتُ عقلٍ ودِينٍ، فقيل: ما نقصانُ عقلها ودينها؟ فقال: إنّ إحداكُنَّ تَمْكُثُ نِصفَ عُمْرِهَا أو شَطرَ عُمْرِهَا لا تُصَلَّي، فَذَلِكَ نُقصَانُ بَيِّن" (٥) فسوَّى رسولُ الله ﷺ بين من تُصَلِّي ومن لا تُصَلِّي فجعلَهُ شطرين، وذلك يقتضي ألَّا يكون الحيض أكثر من خمسة عشر يومًا كلّ شهر؛ لأنّ الحديث خرج مَخرَجَ الذَّمَّ لهُنَّ، فَدَلَّ على أنه إِنَّما قصد إلى ذلك؛ لأنّه أقصى ما يترُكنَ الصّلاة بسبب الحيض، هذا قول مالك وأصحابه. مسألة (٦): وأكثرُ الحيضِ، لمالك فيه قولان: أحدهما: خمسة عشر يومًا. والثّاني: أنّ أكثره على كلّ امرأة عدّة أيامها المعتادة، مع الاستظهار ما بينهما وبين خمسة عشر يومًا.

стр. 742

وأبو حنيفة يرى أنّ أكثر الحيض عشرة أيّام (١)، وهو قول لا يعضده أثرٌ ولا يُوجِبُه نَظَرٌ. مسألة (٢): وأمّا النِّفاس عند مالك فلا حَدَّ له (٣)؛لأنّهُ رَجعَ عن قوله: أربعين يومًا، ثمّ قال: يُسْأَلُ النِّساءُ عن ذلك. وذهب أبو حنيفة إلى أنّ أقلّه خمسة عشر يومًا (٤) فرق بينه وبين أكثر الحيض. وأمّا أكثره، فقال مالكٌ: ستّون يومًا، والمشهور عنه أنّه لم يحدّ له حدًّا. وقال ابن المَاجِشُون: لا يُسأَلُ النِّساء عن هذابوَجْهِ. وقيل: إنّ أقصاه من السِّتِّين إلى السّبعين، والاقتصار على السّبعين عند بعضهم حسن، وهو مذهب الشّافعيّ (٥). وقال أبو حنيفة: أكثره أربعون يومًا (٦)، وقد قيل: إنّ هذا إجماع الصحابة. وذُكِرَ عن الحَسَنُ أنّ أكثره خمسون يومًا. قال الإمام: والّذي نقول به، أنّه ليس له حدٌّ؛ لانّه تختلف الدِّماء بحسب اختلاف الطّبائع والخِلْقَة، وليس يستوي النِّساء في ذلك بوَجهٍ وهذه الأقوال هي اجتهادٌ من الأيمَّة. تكملة (٧) هذا الباب والأمر الضّابط له: قال الإمام: ودمُ الحَيضِ والنِّفاس يمنعُ من خمسة عشر شيئًا، العشرة الأشياءمتَّفَقٌ عليها، والخمسة مُختَلَفٌ فيها.

стр. 743

فأمّا العشرة المتّفق عليها: فأحَدُها: رَفْعُ حُكم الحَدَثِ من جهتهما، لا خلاف أنّ التَّطَهُّر منْهُما لا يرفع حُكم الحَدَثِ ما داما متَّصلَيْن، وإنّما يرفعه بعد إنقضائه عنها. والثّاني: وجوبُ الصّلاة، لا خلافَ أنّ الصّلاةَ ساقطةٌ عن الحائضِ والنّفساء. والثّالث: صحَّةُ فعليهما؛ لانّه لا خلاف أنّ الحائض والنّفساء لا يصحّ منهما فعل الصّلاة أصلًا. الرّابع: صحَّةُ فِعْلِ الصِّيام من غير إسقاطِ وُجُوبه، لا خلافَ أنَّ الحيض والنِّفاس لا يصحّ معهما الصِّيام. الخامس: مَسُّ المصحف، وفي ذلك خلاف شاذٌّ في غير المذهب. السّادس: الوطءُ في الفَرْج، ولا خلاف بين الأُمَّة أنّ ذلك محظورٌ في حال الحَيضِ والنِّفاس. السّابع: دخولُ المسجد، قال رسول الله ﷺ : "لا أُحِلٌّ المَسْجِدَ لحائضٍ ولا جُنُبٍ" (١) الثّامن: الطّوافُ بالبيت. التّاسع: الاعتكاف. العاشر: مَنْعُ الصّلوات، ما عدا الصّلوات الخمس من السُّنَنِ والفَضَائِلِ والنّوافل. وأما الخمسة المختلف فيها: فأحدُها: الوطءُ فيما دون الفَرْجِ، أباحَهُ أَصْبَغُ من أصحابنا (٢)، وجعل ما رُوِيَ عن النَّبىِّ ﷺ من قوله (٣): "لِتَشُدَّ عَلَيْهَا إِزَارَهَا، ثُمَّ شَأنُكَ بأَعْلاَهَا" من باب حماية الذرائع.

стр. 744

الثّاني: قراءةُ القرآن ظاهرًا، اختلف فيه قول مالك. الثّالث: رَفْعُ الحَدَثِ من غيرهما. قيل: إنّهما يمنعانه، فلا يكون للمرأة إذا أجنبت ثمّ حاضت أنّ ترفع حكم الجنابة* عنها بالاغتسال لتقرأ القرآن ظاهرًا. وقيل: إنّ حكم الجنابة* مرتفع مع الحيض، فيكون لها أنّ تقرأ القرآن ظاهرًا كان لم تغتسل للجنابة، وهو الصَّوابُ. وقيل: إنّهما لا يمنعانه، فيكون لها إذا أجنبت ثمّ حاضت، أنّ ترفع الجَنَابَةَ بالغُسْلِ فتقرأ القرآن ظاهرًا لان طال ذلك، لبقاء حَدَثِ الحَيْضَة عليها خاصّة، فيأتي في المرأة تُجْنِب ثمَّ تَحِيض ثلاثة أقوال: الأوّل: أنّ لها أنّ تقرأ القرآن ظاهرًا هان لم تغتسل للجنابة. الثّاني: أنّه ليس لها أنّ تقرأ القرآن ظاهرًا وإن اغتسلت للجنابة، وهذا قولُ أهل النَّظَر من المتأخِّرين. الثّالث: أنّه ليس لها أنّ تقرأه ظاهرًا إلَّا أن تغتسل للجنابة. الرّابع: مَنْعُ وطئها إذا رأت النَّقَاءَ تبل أنّ تغتسل بالماء. الخامس: منعُ استعمالِ فَضلِ مائها. اختلف في ذلك قول عبد الله بن عمر، فقال في ذلك في أحد قَولَيْه: لا بأس بفضل المرأة ما لم تكن حائضًا أو جنبًا (١). نُكْتَةٌ: ومن الغريب أنّه سُئِلَ بعضُ الأشياخ: لِمَ لا تَقْضِي الحائضُ الصَّلاة كما تقضي الصِّيام وكلاهما فرض؟ فأجاب عن ذلك قال: نعم؛ لأنّ حوّاء ﵁ أتاها الحيض وهي في الصّلاة، فسألت آدم ﵇ عن ذلك، فَأوحَى اللهُ إليه أنّ مُرْهَا تترك الصّلاة. قال: ثم أتاها الحيض وهي صائمةٌ، فتركتِ الصِّيام قياسًا على الصّلاة، ولم تسأل عن ذلك. فأوْحَى اللهُ إلى آدم أنّ مُرْهَا تَقْضِي الصِّيام عقوبة لتَركِ السُّؤال.

стр. 745

قلنا: هذه دَعْوَى فارغة طويلة عريضة لا برهان عليها، ولا أثرَ ولا خبرَ، وهي من أعظم حُجَجِ أهلِ الظَّاهِرِ في إبطال القياس، ومَنْعِ المُسْتَحْسَنِ في النَّظَرِ، والله أعلم. قال الإمام الحافظ: وإنّما ذُمَّتِ المرأةُ والنّساء أجمع بنقصان الدِّين، ولا ذَنْبَ لهُنَّ في ذلك؛ لأنّ حوّاء كانتِ السَّبب في دخول الشّيطان الجنّة على آدم. واختُلِف في السَّبب ما كان؟ فقيل: لسترها. وقيل: لأنسها، فعاقبها الله بالحيض، فلما كان هذا عقوبة عن ذنب ذُمَّت عليه، فالتزمت العقوبة جميع بنات آدم. والكلامُ على الحَيْضِ مُعْضِلٌ جدًّا، وفروعه كثيرةٌ:، اقتصرنا على هذه النُّبذة منها، وهي كافية. لأولي النُّهَى.

стр. 746

ما جاء في بَولِ الصَّبِّي حدثني (١) يحيى، عَنْ مالك (٢)، عَنْ ابْنِ شهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُتبَةَ، عَنْ أُمَّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ - وَهِيَ مِنَ الْمُهَاجراتِ الأُوَل اللاّئي بَايَعْنَ رسول الله ﷺ ، وهي أخت عكَّاشة بن مِحْصَنٍ الأسديّ- قالت: أتيتُ رسول الله ﷺ بِابْنٍ لِي صَغِيرٍ، لَمْ يَأْكُل الطَّعَامَ، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ في "حِجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثوْبِهِ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ ولم يَغْسِلْهُ. قال الإمام: هذا حديثٌ صحيحٌ متَّفَقٌ عليه (٣)، رواه اللّيث عن الزّهري (٤): "فَلَم يَزِدْ عَلَى أنّ نَضَحَ بِالْمَاءِ"، وفي حديث ابن عُيَينَة "فرَشَّهُ (٥) " وكذلك خرّجه التّرمذي (٦)، وفيه خمس مآخذ: ١ - الأوّل: في التّرجمة قال الإمام: وإنّما خصّ بَوْل الصَّبيان دون الكبار لوجهين: أحدهما: أَنّ الصَّغار إذا لم يطعموا كان الأخباث في أثفالهم أقلّ، وما يطرحونه شبه القَيْء، ألَّا ترى أنّ الرِّجال لو أطعموا طَيَّبًا خَبُثَت أثفالهم، وإذا أجربوا أُبعِدُوا كما تبعد الشّاة، وقد قال رسول الله ﷺ : "إنّ الله ضَرَبَ لَنَا مَثلًا طَعَام ابن آدَم وإنّ قزْحَهُ ومِلْحَهُ (٧) " (٨).

стр. 747

الثّاني: أنّ الكبيرَ يحفظ نفسَهُ، والصّغيرَ لا يحفظ نفسه، ولا يمكن الاحتراز منه ولا عن أخذه، فجرى الحُكم فيه على هذا. عربية: قال بعضهم: النَّضْحُ: الرَّشُّ حيث ما وَرَدَ في طُرُقِ الحديثِ، وليس به، وإنّما النّضح إمرار الماء من غير رَشَّ، ومنه يقال لبعير السّانية: ناضح (١)، وإنّما الفقهاء أطلقوا على الرَّشَّ اسم النَّضْح، بيدَ أنّ اللُّغة فرَّقَت بين النَّضْحِ بالحاء المهملة، وبين النَّضْخِ بالحاء المعجمة بالقِلَّة والكَثْرة. ٢ - الأصول: قال بعض المتكلِّمين: بَوْلُ الصَّبى أشدَّ حرارة من بول الجارية، ولذلك كان أكثر لزومًا للثَّوب، ولذلك كان بَوْلُ المحمُومِينَ أشدَّ لونًا وأكثر لزومًا لشدّة حَرِّهِ، بخلاف بَوْل الأُنْثَى لبَرْد مزَاجها، وهذه دَعْوَى عريضة، فلا يُشتَغَل بها. ويحتمل قوله: صغيرًا جدًّا، أنَّه أجلسه، يريد: وَضَعَهُ، وسمّاهُ إجلاسًا (٢). ويحتمل أتى يريد بقوله: أجلسه عنده ليُحَنِّكَهُ. ويحتمل أنّ يكون أجلسه معجزة وآية له ﷺ . وقوله (٣): "فَنَضَخهُ " النَّضحُ في كلام العرب ينقسم قسمين: أحدهما: الرَّشُ. والثّاني: صَبُّ الماء الكثير على المغسول. وقيل: هو صبُّ الماء على المنَضُوح. ورواية "الموطَّأ" (٤):"فأتبَعَهُ إِيَّاهُ" وليس فيه "فَنَضَحَهُ"، والنَّضحُ: الرَّشُ.

стр. 748

٣ - الأحكام: اختلفَ العلماءُ -رضوان الله عليهم- في ذلك على ثلاثة أقوال: القولُ الأوّل: أنّ بَوْلَ الجارية والغُلام يغسلان جميعًا وإن لم يأكلا الطّعام، قاله ابنُ القاسم (١) عن مالكٌ. القولُ الثّاني: ائهما لا يُغسَلان، رواه الوليد بن مسلم عنه (٢)، الثّالث: أنّه يُغسَل بَوْل الجارية دون بَوْل الغُلام، رواه عنه ابن وهب، وبه قال الشّافعيّ (٣) وأبو حنيفة (٤). فوجهُ الأوّل: عموم قوله ﷺ : "أمّا أَحَدُهُمَا فكانَ لا يَسْتَبرِىءُ من البَوْلِ" (٥) وكلُّ عمومٍ وردَ فيه. وجه الثّاني: أنّ العلَّةَ في بَوْل الغُلام ألاّ يُغسَل عدم أكل الطّعام، وهذا المعنى موجودٌ في الأُنثى، وإذا وُجِدَتِ العلَّة لزم الحُكْم. وجه الثّالث: ما رواه النّسائي (٦)، وأبو داود (٧)، والدارقطني (٨)، وغيرهم، عن النّبيّ ﷺ ؛ أنّه قال: " يُغسَلُ بولُ الْجَارِيَةِ، وُينْضَح بَوْلُ الغلامِ مَا لَمْ يطعما" وقد اتَّفق العلماء من أهل النَّقْل للحديث أنّ هذا ضعيفٌ (٩)، فلا معنى للتَّشاغُل به، وقد عَلّلَ النَّاسُ رواية ابن وَهْب بما لا أرضى أنّ أحكيه ههنا. ٤ - تحقيق: قال الإمام: أطلق علماؤنا -رحمةُ الله عليهم- هذه الرَّوايات بهذه الألفاظ، ولم يحقِّقوا ولم يصحبهم بحثٌ. والقولُ الصّحيحُ في ذلك: إنْ كان المراد صبّ الماء

стр. 749

مُطلَقًا، فسواءٌ فيه الصغير والكبير، والذَّكر والأنثى، يجري ذلك فيه من غير رَشٍّ ولا عصر. كان كان المراد به الرّشّ، فلا معنى له في النّجاسة المتيقّنة؛ لأنّه يزيدها رطوبةً وفسادًا، وإنّما هي عندنا عبارة في المشكوك فيه على ما بيَّنَّاه. وأما بَوْلُ الجارية والغلام، فليس لهذا النَّضْحِ فيه دَخلٌ عندنا بحالٍ، والله أعلم. ٥ - ذكر فوائد هذا الحديث: وفيه ثلاث فوائد: الفائدة الأولى (١): فيه بيان الغَسْل أنّه تحريكُ المغسول بالماء، خلافًا لأبي حنيفة والشّافعيّ (٢)، ولِمَا توهَّمَ أبو الفَرَجِ المالكيّ أنّ الغُسلَ صبُّ الماء على المغسولِ خاصّةً، وفي هذا الحديث: "فَأَتْبَعَهُ " رسول الله بالماء في الحال ولم يغسله، فبيَّنَ أنّ الغُسْلَ معنى زائد على صبِّ الماء. الفائدة الثّانية (٣): هي أنّ الغَرَضَ من إزالة النّجاسة زوالُ عَيْنِها وذهابها، فإذا زالت بصبِّ الماء عليها، لم تفتقر إلى تحويك اليد بالماء، وكان البَوْلُ من الصَّبيِّ قد وقع على الثّوب، فصبّ عليه الماء في الحال وهو طَرِيُّ، فأخذته أجزاءُ الماء، فلم يحتج إلى تحريكٍ. الفائدة الثّالثة (٤): قولُه (٥): "أُتِيَ بِصَبِيٍّ لَمْ يَأكُلِ الطَّعَامَ" قد ظَنَّ بعضُ النّاس أنّ الصَّبيَّ إذا لم يأكل الطعام لم يُغسَل بَوْلُه، لقوله في الحديث (٦):"فأتبَعَهُ إِيَّاهُ" فلم يغسله، فخَفِيَ عليه تفسير ذلك في اللُّغة، فصار يطلب التّأويل في بَوْلِ الصَّبيِّ في غير موضِعِهِ. وهذا بابٌ يقع فيه

стр. 750

كثير من العلماء، بان يتأوّلوا غير موضع التّأويل في القرآن والحديثِ، فَتبطُلُ المسألة من أصلها. كما تأوَّلَ أيضًا بعضُهم من قوله (١): "أُتِيَ بِصَبِيٍّ لَمْ يَأكُلِ الطَّعَامَ" أنّ بَوْلَ الأُنثى بخلاف بَوْلِ الذَّكَر، ويحتجُّون في ذلك بما لا أرضى أنّ أحكيه. وبَوْلُ الذَّكر والأُنثى سَوَاءٌ أَكَلَا الطّعام أو لم يَأْكُلا؛ لأنّ غذاءه من غذاء أمِّه، وما يستحيل عنه فحُكمُهُ كَحُكمِ ما يستحيل من أمَّهِ، وإنّما كان يكون للشافعيَّ (٢) ومن وافَقَهُ كلامٌ لو خُلِقَ المولودُ ابْتِدَاءً، وإلَّا فهو مخلوقٌ في بطن أمِّه من لحمها ودمها ورطوبتها؛ ولا شكَّ في أنّ حُكمَهُ كحُكمِها، واللهُ أعلمُ. قال أبو محمد الأصيلي: لفظُ حديث النّبيّ ﷺ في حديث أمَّ قَيسٍ (٣) إلى قوله: "فَدَعَا بمَاءٍ فَنَضَحَهُ" وما بعد ذلك هو من قول المحدَّث. وقوله: "وَلَمْ يَغسِلْهُ" هي زيادةٌ من الرّاوي (٤)، والله أعلم. وفي الحديث: "يُغسَل بَوْلُ الصَّبيَّة ويُنْضَحُ بَوْلُ الغُلاَمِ ما لم يأكل الطَّعَامَ" (٥) فأخذ ابنُ وهبٍ بهذا الحديث، واحتجَّ في ذلك بأنّ الصَّبيَّ خُلِقَ من التُّرابِ، إذا طرح في الماء طاب، وَأن الصَّبِيَّة خُلِقَت من ضِلْعٍ، والضِّلْعُ إذا طُرِحَ في الماء نَتَنَ. قال الشّيخ: ليس هذا الاستدلال بشيءِ، فلا يُعَوَّلُ عليه، والصّحيحُ الّذي لا غُبَارَ عليه هو ما قدّمناه، واللهُ أعلم،

стр. 751

ما جاء في البَوْل قائمًا يَحْيىَ عَنْ مالكٌ (١)، عَنْ يَحيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ الْمسْجِدَ، فَكَشَفَ غنْ فَرْجِهِ ليَبُولَ، فَصَاحَ النَّاسُ بِهِ حَتَّى عَلَا الصَّوتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" اترُكُوهُ"، فَتَرَكُوهُ فَبَالَ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ، فَصُبَّ عَلَى ذَلِكَ المكَانِ. قال الإمام الحافظ: هذا حديث مُرْسَلٌ في "الموطَّأ"وأسندَهُ البخاريّ (٢) من طريق يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالكٌ. وخَرَّجَهُ مسلم (٣) أيضًا. وقد روى هذا الحديث أبو هريرة؛ أنّ أعرابيًا بالَ في المسجدِ، فثارَ النَّاسُ إليه، فقال لهم رسولُ الله صلّى الله عليه: "دَعُوهُ، أَهرِيقُوا عليه سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثتُمْ مُيسِّرِينَ وَلَم تُبْعَثُوا مُغسِّرِينَ" (٤). وفي رواية أخرى: "أنّ أعرابيًا أتى إلى طَائِفَةِ المسجد فبال" (٥). عربية: قوله: "أَتَى طائِفَة المسجِد" يعني: جزءًا منه، وطائفةُ النّاس جزء منهم، وقد تطلق على الواحد والجماعة، وفي بعض طُرُقِهِ: "في نَاحِيَةِ المسجدِ" (٦) و"في زاوية" (٧) والمعنى واحد. وقولُه (٨): "لا تُزرِمُوهُ " يعني: لا تقطعوا عليه بَوْله. والإزرام: القطع، يقال:

стр. 752

زرمت النّاقة إذا قطعت بوْلها، وفي الحديث؛ أنّ الحسن بال على النَّبيَّ ﷺ فأُخِذَ من حِجْرِهِ سريعًا، فقال: "لا تُزرمُوا ابْنِي" (١). وقوله: "ثَارَ النّاس إلَيهِ" معناه: قام النَّاسُ، ومنه ثَوَرَانُ البعيرِ، وثَوَرَانُ القائم على الوَالِي. وقوئه: "زَجرُوهُ" (٢) يعني: زجروه عن الفعل، وقد يُزجَر عن القول. وقوله: "صُبُّوا عليه سَجْلًا" وهو الدّلو مَلأى، والسَّجْلُ يذكَّر والدَّلوُ يُؤَنَّث، فإن لم يكن فيها ماء فليست بسَجْلٍ، كما أنّ القَدَحَ لا يكون كأسًا إلَّا إذا كان فيه شراب. و"الذَّنُوب": الدَّلْوُ مَلأَي. وقولُه في حديث التّرمذي (٣)؛ إذ قال له الأعرابي: اللَّهمَّ ارْحَمنِي ومحمدًا، ولا ترْحَمْ معنا أحَدًا، فقال له النّبيّ ﵇: "لَحَجَّرْتَ وَاسِعًا" بلام القسم، وتدخل على الأفعال وتنوب عنه. ويُرْوَى: "تَحَجَّرْتَ" بالتاء المعجمة باثنين من فوقها، من الحَجْرِ الّذي هو المنع، معناه: لقد اعتقدتَ المنع فيما لا منع فيه، وفَسَّرَهُ بعضُ المُحَدِّثين بقوله: "ضيَّقْتَ" وهو وَهمٌ؛ لأنّ "حَجَّرْتَ" لا يتعدَّى الفاعل، و"ضَيَّقْتَ" يتعدّى، وإنّما يُفَسَّر المتعدِّي بالمتعدِّي واللاّزم باللاّزم، وإنّما يصح "لَضَيَّقْتَ" على رواية اللّام. الأصول: وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: في هذا الحديث: المبادرةُ إلى تغيير المنكَرِ إذا اطَّلَع عليه المكلَّف، لمبادرة النّاس

стр. 753

إلى الأعرابيّ حين بال في المسجد، وهو فَرْضٌ من فُروضِ الدِّين، كفاية عن المسلمين (١). الثّانية: في هذا الحديث دليلٌ على الرِّفْقِ في تغْيِير المنكر، والتّيسير في الشَّرْعِ كلِّه، وكذلك يجب أنّ ينكر على الجاهل ليجذب إلى الحقِّ بِلِينٍ، والمُجْتَرِئ إذا أَمِنَ أنْ يُؤخَذَ بعُنْفٍ، ولذلك خرَّجَهُ البخاريّ في باب (٢): الرِّفْقِ بالأمر كلِّه. الثّالثة: في هذا الحديث: دليلٌ على جواز نقل حديث وسول الله ﷺ على المعنى دون اللفظ، لقول أنس (٣): "أو كما قال رسول الله ﷺ " فلم يقطع على لفظه، ولكنّه عَوَّلَ على المعنى فيه. أحْكَامُهُ: وفيه إحدى عشرة مسألة: المسألة الأولى: في هذا الحديث دليلٌ على الفرق بين ورود الماءِ على النّجاسة، وورود النّجاسة على الماء، حسب ما تقدّم في أحاديث الوضوء، فإنّ ما صبَّ عليه ااصماء من البَوْل فَطَهَّرَهُ، أو وَقَعَ في الماء أفسده. المسألة الثّانية: فيه دليل على أنّ إزالة النَّجاسة لا تفتقد إلى الرَّشِّ والدَّلكِ، إلَّا أنْ يكون لها عين لا يرفعها ورود الماء، بخلاف غُسْلِ الجنابة، على حسَبِ ما يأتي بيانُه.

стр. 754

المسألة الثّالثة: في هذا الحديث دليلٌ على أنّ الماء إذا أهلكَ النّجاسة أسقط حُكْمَها وقلبها طهارة. وقال لنا أبو حامد (١): في الماء قوّتان: قوّةٌ حِسَّيَّةٌ وهي الإزالة، وقوّةٌ شرعيَّةٌ وهي التّبديل والإحالة. والدليل عليه: أنّه إذا وقع الدَّم في الثّوب، فغسله بالماء حتّى لم يبق إلَّا الأثر، فإنّ المحلَّ طاهرٌ بأثره، والدّم باقٍ قطعًا، فإنّ بقاء اللّون دليلٌ على بقاء المتلوّن، لكن الماء يزيل عين النّجاسة إلى الطّهارة، وهذا معنى يختص بالماء (٢). قال الإمام الحافظ: وهذا القولُ جار على مذهب الشّافعيّ (٣)، وأبي حنيفة (٤)، وأما أصل مالك فقد اختلف فيه، والمشهور مثل ما تقدّم. المسألة الرّابعة: لا يجوز إدخال الثّوب النجس في المسجد، لقوله (٥):"إنّ هذه المساجد لا تصلُح لشيءٍ من هذا الحَدَث". المسألة الخامسة: في هذا الحديث دليلٌ على أنَّ حرمة الآدميّة آكد من المسجد؛ لأنّ البّوْلَ لو قطع عليه لأضرَّ ذلك به في بَدَنِهِ، ولو تَلَقَّاهُ بثوبه لشقَّ ذلك عليه في غسله، ولو أخرج كما هو من المسجد لَمَرَثَ المسجد، فجمع رسولُ الله ﷺ في تركه بين هذه الوجوه. المسألة السادسة (٦): إذا صُبَّ الماءُ على النّجاسة فَغَمرها، واستهلك البَوْل فيه بذهاب الرائحة واللّون، طَهُرت الأرضُ، وبه قال الشّافعيّ (٧).

стр. 755

وقال أبو حنيفة (١): لا تطهير الأرض حتّى تحفر ويُجعَل عليها تراب طاهرٌ، وتعلّقوا بالحديث الّذي ذكرناه آنفًا في أمر النّبيَّ بالحَفْر (٢). فأمّا الشّافعيّ فلا يلزمه؛ لأنّ الحديث السَّند فيه ضعيفٌ، والحديث الصّحيح عن عبد الله بن مَعْقِل مُرْسَلٌ، والشّافعيّ لا يرى القولَ بالمُرْسَلِ (٣). وأما مالكٌ (٤) وأبو حنيفة فلزمهما لصحَّةِ المُرْسَلِ عندهما، لكن رجّحنا حديث أنس على حديث عبد الله بن مَعْقِل لوجهين: أحدهما: أنّ المُسْنَدَ أَوْلَى من المُرْسَلِ. الثّاني: أنّ أَنَسًا نقلَ ما شَاهَدَ، وعبد الله بن مَعْقِل ما سمع، والشّاهِدُ أَوْلَى، والمعنى يُغْنِي. فإن حفَرَ الأرضَ ورماها في موضعٍ آخر؟ يلزم في ذلك ما يلزم في هذه كلِّها؛ لأنّ الأرض كلّها لنا مسجد. المسألة السّابعة (٥): الدَّلْوُ غير مقدَّر، وإنّما يلزم التكلُّف بما يغلبُ على ظَنِّهِ أنّه قد غَمَرَ النّجاسة، وتطيبُ نفسه بعد ذلك منها، لا خلافَ فيه. المسألة الثّامنة (٦): إذا بال رَجُلان كفاهُما دَلْوٌ واحدٌ، وقال بعض العلماء (٧): لا بُدَّ من دَلْوَين؛ لأنّ النّبيَّ ﵇ إنمّا جعل دَلْوًا في مُقابلة بَوْل رَجُل، وهذا ضعيفٌ؛ لأنّ المقصودَ

стр. 756

إهلاك عين النّجاسة، وطيب النّفس بعد ذلك منها، فكيف ما وقعَ يقعُ، لا سيّما وهذا يؤدِّي إلى أنّ تكون النّجاسة الكثيرة تطهير بمقدار لا تطهر به النّجاسة القليلة، مثالُه: رَجُلٌ بال بَوْلَةً كييرة، أجزأه دَلْوٌ عندهم. المسألة التاسعة (١): لو انهرق على الموضع ماءٌ، أو جاء عليه مَطَرٌ، طَهُرَ؛ لأنّ إزالة النّجاسة لا تفتقرُ إلى القصدِ، ونقلَ النَّقَلَةُ عن ابن سُرَيج أنّها تفتقر إلى النِّية، وما قاله قطُّ، وإنّما هي مسألة إجماع، قال لنا أبو حامد، قال لنا أبو المعالي (٢): إنّما أخذوا هذه من مسألة قالها ابن سُرَيْج وهي: إذا رمتِ الرِّيح ثوبًا نَجِسًا في قِدْرِ صَبَّاغِ، نجس القِدْرُ ولم يطهر الثّوب. فظنّ الظّانّون أنّ ذلك لافتقار النّجاسة إلى النّية وليس كذلك، وإنّما هو لأنّ النّجاسة وردت على الماء ولم يرد عيها (٣). المسألة العاشرة (٤): اختلف علماؤنا في تطهير الشّمس دون الماء، والمشهور عندنا أنّها لا تطهير، وبه قال الشّافعيّ (٥)، وأحمد (٦)، وإسحاق. وقال الشّافعيّ (٧) وأبو حنيفة: تطهير، ومعتمدهما على أنّ الشّمس تحيل الأعيان، وهي دَعْوَى عريضة تُقَابَلُ بمعنى طويل.

стр. 757

ودليلنا: أنّه محلّ نَجِس، فلا يَطهرُ إلَّا بالماء كالثّوب. المسألة الحادية عشر (١): ولو كان بدل البَوْل خمر، فغُمِرَت بالماء حتّى يذهب اللّون والرّائحة، لكان كذلك (٢)، فهذا زالتِ الرّائحة وبَقِيَ اللَّون لم يطهر بحالٍ، وإن زال اللَّونُ وبقيتِ الرائحةُ، ففي ذلك خلافٌ ينبني على هل الرّائحة لها حُكْمٌ في المخالطة أو المجاورة أم لا؟ وقد تقدّم بيان ذلك. حديث: روى أبو وَائِل، عن حُذَيفَةَ، قال: "أَتَى النَّبِيُّ ﷺ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا، ثُمَّ دعَا بمَاءٍ فَجِئتُهُ بِهِ" (٣). الترجمة: قال: وإنَّما بَوَّبَ مالك (٤) ﵁ على هذه التّرجمة "باب البَوْل قائمًا وقاعدًا" فذكر قائمًا، لحديثٍ رواهُ النَّسائي (٥)، والترمذي (٦)، عن عائشة أنّها قالت: "مَنْ حَدَّثَكُم أَنَّ رَسُول اللهِ ﷺ بَالَ قَائِمًا فَلاَ تُصَدَّقُوهُ، مَا كانَ يَبُولُ إِلَّا جالِسًا" ولم يصحّ سنده (٧). والحديث الثّاني: ما رواه الدّارقطني (٨)، عن أبي هريرة، قال: "إِنمَّا بَالَ رَسُولُ

стр. 758

اللهِ ﷺ قَائمًا لِجُرْحٍ كَان بِمَأَبِضِهِ (١) " (٢). وثبت (٣) عنه ﷺ أنّه كان يرتادُ لبَوْلِهِ موضعًا، كما يرتادُ لإقامته مَنْزِلًا (٤). وكان يتجنَّبُ العَزَازَ (٥) من الأرض إذا أراد البَرَازَ، ويختار البُقْعَة اللَّيَّنَة، وذلك كله احترازٌ من تَطايُرِ التوْل وتعَدَّيه إلى البدَن والثوب، ولذلك بال على السُّباطَةِ قائمًا. وفي الصّحيح: أنّه يُعَذَّبُ في قَبْرِهِ من لا يتَنَزَّهُ من بَوْلِهِ (٦). وفي الحديث الصّحيح: "تنَزَّهُوا مِنَ البَوْلِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذابِ الْقَبْرِ مِنْهُ" (٧). وقيل: البوْلُ وسائرُ النّجاساتِ كثيرُها وقليلُها سواءٌ، يَلْزَمُ اجتنابُها، ويجبُ غَسْلُ قليلها وكثيرها، ما خلا الدَّم فإنّه يُعْفَى عن يسيره لوجهين: أحدُهما: أنّه لم يحرَّم منه إلَّا الكثير، لقوله: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ (٨). الثّاني: عَدَمُ إمكانِ الاحتراز منه، فإنّ البَدَنَ لا يخلو في الغالِبِ عنه، فسمَحَت الشريعةُ في يسيره رَفْعًا للحَرَج. ودمُ الحَيض كسائر النّجاسات لا يُعْفَى عن شيءٍ منه؛

стр. 759

لأنّه يمكنُ الاحتراز منه، هذا أصح الرَّوايات ولباب الدّلالات، فاحْذِفُوا ما عداهُ، وَعَوَّلُوا على ما سَطَّرْنَاهُ لكم. نكتة: قال بعضُ الأشياخ: معنَى النّهي عن البَوْل قائمًا إنّما هو على التَّادُّبِ لا على التَّحريم، وذكر أبو عبد الله المازري (١) في حديث حُذَيفَة؛ أنّه قال: كنْتُ مع النَّبيِّ ﷺ فانْتَهَى إلى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فبَالَ قَائمًا (٢). قال الإمام الحافظ (٣): "اختلَفَ العلماءُ في وجهِ هذا على قولين: ١ - قيل: إنّما فعلَ ذلك، لأنّها حالةٌ يؤمن معها الحَدَث غالبًا"، وهذا ضعيفٌ لأنَّ النَّبيِّ ﷺ كان مُنَزَّهَا عن ذلك (٤). ٢ - "القولُ الثّاني - قيل: فَعَلَ ذلك لوَجَعٍ به" أو لحرجٍ كان به (٥). ٣ - "وفيه قول ثالث: إنّما فعلَ ذلك؛ لأنّ السُّباطةَ كانت فيها نجاسات رطبة وهي رِخوَةً، فأَمِنَ إذا بال قائمًا أنّ يتطاير إليه البَوْل، وخَشِيَ إذا جلس ليبول أنّ يبلَّ ثيابه لرطوبة الموضع"، والله أعلم. تكملة: قال المؤلِّف: وقد قَيَّدْنَا في آداب البَوْلِ وقضاءِ الحاجةِ آدابًا كثيرة، وأحاديث

стр. 760

جمّة يَكْثُرُ تعدادها، والحاضر الآن منها في الخاطر خمسة أحاديث أغفلها مالكٌ. ١ - الحديث الأوّل روى صُهَيب، عن أنسٍ، قال: كان النّبيُّ ﷺ إذا دخلَ الخَلَاءَ قال: "اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ" وقال شُعْبَة مرَّة، قال: "أعُوذُ بِاللهِ مِن الخُبْثِ والخْبَائِثِ" (١) حسن صحيح (٢) في المعنى. ٢ - أبو إسحاق، عن أبي جُحَيفَةَ، عن عليِّ بن أبي طالب ﵁؛أنّ رسولَ الله ﷺ قال:"سَتْرُ ما بينَ أحدكم - أو قال: ما بين أَعْيُنِ الجِنِّ وعَوْرَاتِ بني آدمَ - إذا دخل أحدُهم الخَلاَءَ أنّ يقولَ: بِسمِ اللهِ" (٣). قال الإمام: وهذا ضعيفٌ. عربية (٤): الخَلاَءُ -بفتح الخاء ممدودًا-: هو المكان الّذي ليس به أحدٌ، فإذا قصرته فهو الرّطب من الحشيش (٥). ويكون أيضًا بالقصر حرف استثناء، أو فعلًا بمعناه، تقول: جاء القوم خَلا زيد، أو خَلا زيدًا، والأوّل أفصح. فإن شددته وكسرت الخاء فهو في النّوق (٦) كَالحِرَانِ في الخيل. قال النّبيُّ ﷺ لعائشة في حديث أم زرع: "كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرعٍ لأُمَّ زَزعٍ" (٧) في الأُلْفة والرَّجاء، لا في الفرقة والخلاء. وقولُه: "اللَّهُمْ" معناه: يا الله، قاله الخليلُ بن أحمد (٨)، وقال الفَرَّاءُ (٩): معناه: يا

стр. 761

الله أمَّنَا منك بخيرٍ (١)، وكلا القولين معترضان، والأوّل أمثلُ. وقوله: "أَعُوذُ" يعني: ألْجأ وأَلُوذُ، فإنه مكان العائذ، والعياذُ والملجأ: ما سكنت إليه النّفس عن محذورٍ. وقولُه: "مِنَ الخُبْثِ "- بِضَمِّ الخاء - يعني: من ذكرر الجنِّ وإناثهم، وإن كان بفتحها فإنّه يعني: من المكروه وأهله، و"الخبث" هو كلُّ مكروه، فإن كان من قول فهو فسق، كان كان من اعتقادٍ فهو كفرٌ واعتقاد سوءٍ. فإن كان من طعامٍ فهو حرامٌ، وقد غلَّطَ الخطّابيّ (٢) لمن رواه (٣) بإسكان الباء واستدرك الخطأ عليه. الفقه (٤): كان رسول الله ﷺ معصومًا حتّى من الشيطان الموكَّل بهِ بشرط استعاذته منه، كما غُفِرَ له بشرطِ استغفاره واستعاذته منه، ومع ذلك فقد كان اللَّعين تعرَّضَ له ليلة الإسراءِ فدفعه بالاستعاذة (٥)، وعرض له في الصّلاة فشدَّ وثاقه ثم أطلقه (٦). وكان رسول الله ﷺ يحضُّ على الاستعاذة في هذا الموضع لمعنيين: أحدهما: أنّه خلاء، وللشّيطان قدرة في الخلاء ليست له في الملأ يصل بها إلى العبد، قال رسول ﷺ : "الرّاكبُ شيطانٌ، والراكبانِ شيطانانِ، والثلاثَةُ رَكبٌ" (٧).

стр. 762

الثّاني: أنّه موضع قذر يجب أنّ ينزَّه ذِكر الله عن الجري فيه على اللِّسان، فيغتنمُ الشّيطانُ عَدَمَ ذِكرِ الله، فإنّ ذِكرَهُ يطرده، فلجأ إلى الاستعاذة قبل ذلك، ليعقدها عصمةً بَينهُ وبين الشّيطان، حتّى يخرج من الخَلاَءِ. ٣ - حديث: روى أبو بُرْدَة، واسْمُه عامر بن أبي موسى، عن عائشة؛ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا خرجَ من الخَلاَءِ قال: "غُفْرَانَكَ" (١). إسناده: قال أبو عيسى (٢): "لِا يُعْرَفُ هذا الحديث إلَّا من رواية إسرائيل"، رواهُ عنه مالكٌ ابن إسماعيل أبو غسَّان النَّهْدي الشّامي، وإسرائيل أشهر وأقعد، وهو إسرائيل بن يونس، يروي عن مالكٌ، خرَّجَهُ البخاريّ في"التاريخ" (٣) ولا يُعْرَف في هذا الباب إلَّا هذا الحديث. عربية: قوله: "غُفْرَانَكَ" هو مصدر كالغفر والمغفرة، ومثله: سُبْحَانَك، والأشهر في "سبحان الله" أنّه مصدر جاء على غير المصدر، ونصبه بإضمار فعل، تقديرُه: "هَبْ لَنَا غُفرَانَك". الأصول (٤): كان النّبيُّ ﷺ يطلبُ المغفرةَ من ربِّه قبل أنْ يُعْلِمَه أنّه قد غُفِرَ لَهُ، وكان يسأله

стр. 763

بعد ذلك؛ لأنّه غُفِرَ له بِشَرْطِ استغفاره. ورُفِعَ إلى أشرفِ منزلة بشَرْطِ أنّ يجتهد في الأعمال الصّالحة، والكُّل له حاصلٌ بفَضلِ اللهِ وفي وجه طَلَب المغفرة ها هنا محتملان: ١ - الأوَّل: أنّهَ سأل المغفرةَ من تَرْكَهِ ذِكر الله في تلك الحالة. فإن قيل: إنّما تَرَكَها بأمر ربِّه، فكيف سَأَلَ المغفرة من فِعْلٍ كَانَ أَمَرَهَ اللهُ به؟ الجواب: إنَّ التَّرك كان كان بأمر الله، إلَّا أنّه من قِبَلِ نفسه، وهو الاحتياج إلى الخَلاءِ فإن قيل: هو مأمور بما جرّهُ الدّخول إلى الخلاء، وهو الأكلُ؟ * قلنا: العبدُ مأمورٌ بالأكل المؤدِّي* إلى الاحتياج إلى الغائط، مقدور عليه خلوّ ذلك الوقت عن الذِّكرِ، والبارئ يعدّ على العبد ما يقوده إليه ويلزمه ما يخلقه فيه. وهذا الكلام فيه غموض لا يحتمله هذا "الكتاب". ٢ - والفائدة: أنّ النّبيَّ ﷺ سألَ المغفرةَ في العَجْزِ عن شُكرِ النِّعمة في تيسير الغذاء، وإنّما منفعته إخراج فَضْلَتَه على سُهولةٍ، ويحقّ أنّ يعتقد هذا المقدار نعمة يتأدّى قضاء حقِّها بالمغفرة. ٤ - حديث رابع: روي عن النَّبيِّ ﷺ أنّه قال: "إنمَّا أَنَا لَكُم بِمَنْزِلَةِ الوَالِدِ" الحديث (١).

стр. 764

فجماع الآداب فيه ثلاثون أَدَبًا: الأوّل: أنّ يُبْعِدَ في المذهب، فكذلك ثبت عنه ﷺ أنَّه كان يفعل ذلك. الثّاني: يسْتَتِر. الثّالث: يستعيذُ من الخُبْثِ والخبائث. الرّابع: لا يرفعُ ثوبه حتّى يدنو من الأرض. الخامس: يلتفتُ يمينًا وشمالًا. السّادس: يغطِّي رأسه. السّابع: يُنْهَى عن الكلام في تلك الحال. الثّامن: يُنْهَى عن الاستنجاء باليمين. التّاسع: يغسلُ يدَه بالتّراب بعد الفراغ. العاشر: كان يستجمر بوترٍ. الحادي عشر: يُنهَى عن الوُضوء في المغتسل للحديث، "فإن عَامّةَ الوَسوَاسِ مِنْهُ" (١). الثّاني عشر: كان يَفْرِجُ بين فَخِذَيْه للبَوْل. الثّالث عشر: كان إذا خرج من الخَلاَءِ قال: "غُفْرَانَكَ" (٢). وقال: "الحَمْدُ للهِ الَّذِي سَوَّغَنِيهِ طَيِّبًا، وَأَخرَجَهُ عَنِّي خَبِيثًا" (٣) وبذلك سمَّيَ نُوحٌ عبدًا شكورًا. الرّابع عشر: كان يَنْضَحُ ثوبه بالماء. الخامس عشر: التَّسمية؛ لأنّه قال: "لاَ وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يذكر اسم الله عَليْهِ" (٤) وقد بيّنَاه في موضعه أنّ المراد بذلك النّية، فإنَّ الذِّكر محلُّه القلب، وليس هذا من آداب الأحداث.

стр. 765

السّادس عشر - من آدابه: أنّ يُفْرِغ الماء على يده، وَينْرِعَ الخاتم فيه اسم الله تعالى، فلا يحلّ لمسلم أنّ بستنجي به في يده. السّابع عشر: أنّ يكون الموضع دَمِثًا، يعني سَهْلًا لا عَزَازًا، يعني شديدًا. الثّامن عشر: ألَّا يتكلّم لا ابتداءً ولا جوابًا. التّاسع عشر: ألَّا يستقبل القبلة ولا يستدبرها. العشرون: لا يبول قائمًا، وهو الغَرَضُ في هذا الباب من جُمْلة الآداب. الحادي والثّاني والثّالث والعشرون: لا يتخَلَّى في طريق النَّاس، ولا ظلِّهم، ولا في الجِحَرِ فإنّها مساكن الجنِّ، ولا في الماء الرّكد فإنّه يَفْسُد، ولا في مواضع الثِّمار، ولا في ضفَّة الأنّهار، فذلك ثمانية وعشرون. والتاسع والعشرون: أنّ يتَّكِىء على رِجْلِه اليُسْرَى. والموفَّى ثلاثين: أنّ يسْتَبرِىء نفسه بأن يَتَنَحْنَح قليلًا وَينْثُر ذَكَرَهُ. شرح مشكل: روى مالكٌ في "العتبية" (١): "لا بأس أنّ يستنجىء بالخاتَم فيه ذكر الله "، قال لي بعض أشياخي: هذه روايةٌ باطلةٌ، معاذَ الله أنّ تجري النّجاسة على اسمه، وقد كان لي خاتَم فيه منقوش "محمد بن العربي" فتركته لأنّ لا أستنجىء به لحرمة اسم محمد، وإن لم يكن ذلك للكريم الشّريف، ولكن رأيت للاشتراك حُرْمَة، وقد روي عن الأوزاعي مثل ما روي عن مالكٌ. ورُوِيَ في ذلك أنهم يرون حبسه في اليمين. وقال الحسن: لا بأس أنّ يدخل الخلاء وفي أصبعه الخاتَم. وقال إبراهيم: يدخل النّاس الخلاء بالدراهم، لا بُدَّ للنّاس من ذلك لحفظها (٢). وقال مجاهد: ذلك مكروه في الدّراهم والخاتَم (٣). ورُوِيَ عن مالكٌ أنّ الخاتم يحبس في الشّمال، ومع هذا لا يستنجئ به. قال: وقد كان مالكٌ لا يقرأ الحديث إلَّا على وضوء، وناهيك بهذا ترفيعًا لاسم الله تعالى (٤).

стр. 766

ما جاء في السِّواك قال المؤلَّف: وحديث مالكٌ (١)، عنِ ابنِ شِهَابٍ، عَنِ ابِن السَّبَّاقِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ في جُمُعَةٍ مِنَ الْجُمَعِ. الحديث. هذا حديثٌ مُرْسَلٌ (٢)، واسمُ ابن السَّبَّاق: عُبَيد (٣)، وأحاديثه مُرْسَلَة. وروى التّرمذي (٤) قال: حدّثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ علىَ أُمَّتِي لأَمَرْتُهُم بالسِّواكِ عند كلِّ صلاةٍ" ومالك يرويه: "عند كلِّ وضوء". الإسناد (٥): قال الإمام الحافظ: ومن الغريب رواية مالكٌ لهذا الحديث وترك التّصحيح له، وله عِلَلٌ لا يحتملها هذا "الكتاب". عرببة (٦): السِّواكُ في العربية: الحركة، يقال. تساوكَتِ الإبلُ، إذا مشت ضربًا من المشي فيه

стр. 767

لِين، وقد جاء أيضًا على معنى فعل: ومِنْ ذا تأولته الظّاهرية على الوجوب (١)، ولا حجّة لهم في ذلك. أحكامه: فيه سبع مسائل (٢): المسألة الأولى: اختلف العلماء في السِّواك؟ ١ - فقال إسحاق (٣): إنَّه واجبٌ، ومن تَرَكَه عمدًا أعاد الصّلاة. ٢ - القولُ الثّاني: قال الشّافعيّ (٤): هو سنّة من سُنَن الوُضوء. واستحبّه مالكٌ في كلِّ حالٍ، وقال: إنّما ذلك لتغيُّر الفَم. تنقيح: أمّا من فَرَضَهُ فظاهرُ الأحاديث يُبْطِل قوله. وأمّا القول بأنّه سُنَّةٌ واستحباب فمتقارِب، وكونه سُنَّة أَقْوَى. المسألة الثّانية: في وقته وهي أربع مراتب: ا- أولها: عند القيام من النّوم. ٢ - وعند الإمساك عن الطّعام. ٣ - ٤ - والثّالثة: عند كلِّ وُضُوءٍ وإن لم يُصَلِّ، أو لكلِّ صلاة وإن لم يتوضّأ. وَقَدْ صَحَّ عن النَّبيِّ ﷺ ؛ أنّه كان إذا استيقظَ من النَّومِ يَشُوصُ فَاهُ بالسِّواكِ (٥)، والسِّواكُ للصائم يأتي ذِكرُهُ إنّ شاء الله في "كتاب الصِّيام".

стр. 768

المسألة الثالثّة: في السُّنَّة وفي قضبان الأشجار، اقتداءً بالنّبيِّ المختار، وأفضلُها قضبان الأراك؛ لأنّها كانت سواك النّبيِّ ﷺ وأصحابه، ولها أثرٌ حَسَنٌ في تصفية الأسنان وتَطيِيبِ النَّكهَةِ ولِينِ الجِرْمِ، فإنْ عُدِمَت فما في معناها ممّا يصفِّي الأسنان. المسألة الرّابعة: ظنّ بعضُ النَّاسِ أنّ كلَّ سواكٍ يَصْبُغُ اللَّثَاة والشِّفاهَ مكروهٌ، لما في ذلك من التَّشَبُّه بالنِّساء، وهذا ضعيفٌ، فإن الكُحْلَ جائزٌ وفيه التَّشَبُّه (٢) بهِنَّ، فلا يُلتَفَتُ إليه؛ لأنّ مثل هذا التّعليل لا يستقلّ بدليلٍ. المسألة الخامسة: قال بعضُ المتأخِّرين من الأيمَّة: لو تَمضْمَضَ بغَاسُولٍ لم يجزئه، وهذا لا يصحُّ؛ لأنّ الغَرَضَ إزالة القَلَحِ، فبأيِّ وَجْهٍ حَصَلَ جَازَ. المسألة السادسة: في صفته وذلك عرضًا، لقوله: "كَانَ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ" (١) والشَّوْصُ هو الاستياك عَرْضًا، لأنّه إذا فُعِلَ بالطُّولِ أضرَّ باللَّثاة. وقال الحربيّ (٢): الشَّوْصُ والمَوْصُ: الغُسْل. وقال: الشَّوْصُ بالطُّول، والسِّواكُ بالعَرْضِ. وقوله في هذا الحديث: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَشُوصُ فاهُ بِالسوَاكِ" أي: يستاك عَرْضًا، والعَرضُ أحسن من الطُّول، لما فيه من السُّهولة وقِلَّة المشقَّة. المسألة السّابعة: في فوائده وهي عشر فوائد:

стр. 769

أوّلها: أنَّه مَطْهَرَةٌ للفَمِ. ومرضاةٌ للرَّبِّ. ومطردةٌ للشَّيطان. ومفرحة للملائكة. ويُذهبُ الحَفْرَ. وَيجْلُو البَصَر. ويُكَفِّر الخطيئة، قاله ابن عبّاس، وأَسنَدَهُ الدّارقطنيّ في "كتابه" (١). ٢ - وقال عليّ: "السِّواكُ يزيدُ الرَّجُلَ فصاحةً" (٢)، وذلك أنّ الرَّجُل إذا لم يستك بَخِرَ فمُهُ، فإذا حضر مجلس عِلْمٍ لم يتجرَّأ أنْ يتكلّم لأجل بخورة فمه، فحَرَمَهُ الكلام، وإذا اسْتاك عند كلِّ وُضوءٍ فاحَ فُوهُ، وتكلَّم في كلِّ وقتٍ. شرح حديث ابن السَّبَّاق (٣): ٣ - أنَّ رسول الله قال في جُمُعةٍ من الجُمعِ: "معْشَرَ النَّاس، إِنَّ هذَا يَومٌ جَعَلَهُ اللهُ عِيدًا، فَاغتَيسلُوا، وَمَنْ كانَ عِنْدَهُ طِيبٌ فَلَا يَضُرُّه أنّ يَمَسَّ مِنْهُ" الحديث. فيه خمس فوائد: الفائدة الأوُلى: قوله: "اغتَسِلُوا" فيه الأمر بالغُسلِ للجمعة، وذلك عند جماعة العلماء محمولٌ على النَّدْب، والأمرُ بالغُسْل فيه إنّما هو لِعِلَّة، والحديث مُعَلَّلٌ، وذلك أنّهم كانوا يأتون الجمعة من البَوَادِي ولا يغتسلون، وعليهم الرّوائح، فقيل لهم: "لَوِ اغتسلْتُم" (٤)، لهذا المعنى. وفي قول عمر لعثمان: "وَالوضُوءُ أيْضًا" (٥) بمعنى أنّه ليس بواجب الغُسل على كلِّ أَحَد، وسيأتي الكلام عليه في أبواب الجمعة من هذا "الكتاب".

стр. 770

الفائدة الثّانية: فيه (١) استعمال الطِّيب لمن قدر عليه يوم الجمعة وفي العيدين، وذلك مندوبٌ إليه حَسَنٌ، مُرَغَّبٌ فيه، فقد كان رسولُ الله ﷺ يُعْرَفُ خُرُوجُهُ برائحته إذا خرجَ للصّلاة، وإذا مَشَى، وقد قال بعضُ المعتنين بأخباره وفَضَائِلِه أنّ رائحته تلك كانت بلا طِيبٍ (٢)، فإنَّهُ طَيِّب الرِّيح خَفِيف المَحْمَل (٣). ومنه حديث أم سُلَيم في أخذها عَرَقِهِ في القَوارير، إذْ قالت له (٤): "هو من أَطيَبِ الطِّيب" (٥)، ومع هذا فقد كان رسول الله ﷺ قد حبّب إليه ذلك من دنياكم، لقوله صلّى الله عليه: "حُبِّب إِلَيَّ فِق دُنيَاكُمْ ثَلاثَ: النِّساءُ، وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيني في الصَّلاَةِ" (٦). وقد كان أبو هريرة يُوجِبُ الطِّيبَ وجوب سنّة وأدبٍ. والله أعلم (٧). وقد قيل لابن عبّاس: إنّ أبا هريرة يُوجِبُ الطِّيب، فقال: لا أعلَمُه ولكنّه حَسَنٌ. الفائدة الثّالثة: فيه التّرغيب في السِّواك، والآثار في ذلك كثيرة جدًّا أضرَبْنا عنها، والعلماء كلهم يندبون إليه، ويستحبّونه، ويحثّون عليه، وليس بواجبٍ عندهم. وذهب أهل الحديث لوجوبه (٨)، وقال الشّافعي (٩): لو كان واجبًا لأمرهم رسول الله ﷺ بذلك أَمْرَ وُجوبٍ،

стр. 771

وقد تَقَدَّم الكلام عليه بما لا مزيدَ عليه. الفائدة الرّابعة (١): هذا الحديث يحمله أهل العلم على أنّ قولَه ذلك إنّما كان منه ﷺ وهو يخطُب على المنبر، فإذا كان هذا، ففيه دليلٌ على أنّ للخطيب أنّ يأتي في كلِّ خُطبة بكلِّ ما يحتاج إليه في فُضُول الأعياد، وترغيب النّاس في الجهاد، والتّرغيب في صيام الأيّام الفواضل وشهر رمضان وغيره، وجميع الفضائل، وللخطيب أنْ يَذكُر منها ما شاء ولا حَرَجَ عليه في ذلك فيما يحتاج النَّاس إلى معرفته. الحديث الخامس (٢): في هذا الحديث دليلٌ على أنّه من حَلَفَ أنّ يوم الجمعة يومُ عِيدِ، فقد برَّ ولم يَحْنَث. وإن حَلَفَ بالطّلاق لم تطلق عليه، لقول النّبيِّ ﷺ :" إنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللهُ عِيدًا" والعيدُ في لسان العرب: كلّ مجتمع يعود إليهم، وهو مأخوذٌ من أسماء الفعل، من عاد يعود عَوْدًا. تمّ كتاب الطّهارة وجميع أبواب، والحمد لله

стр. 772

كتاب الصّلاة الأوّل ما جاء في النداء للصلاة يحيى، عن مَالِك (١)، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ أَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَ خَشَبَتَيْنِ يُضْرَبُ بِهِمَا لِيُجْمَعَ النَّاسُ إلى الصَّلاَةِ ... الحديث بطُوله. الإسناد: قال الشّيخ أبو عمر (٢): "قصَّة عبد الله بن زَيْد ورُؤياؤهُ (٣) في بَدْءِ الأَذَان رواه جماعة من الصَّحابة بألفاظٍ مختلفةٍ ومعانِ متقارِبَةٍ (٤)، وهي متواترةٌ من طُرُقٍ شَتَّى (٥)، من نَقْل أهل المدينة وأهل الكوفة، ولا أعلمُ فيها ذِكْر الخَشَبَتَيْن إلَّا في مراسيل يحيى بن سعيد هذا"، فإنّه: حديث مرسل. قال علماؤنا: أرسل مالكٌ في "الموطَّأ" حديث الأذان، وأسنده أبو داود (٦) من طريق محمّد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن محمد بن عبد الله بن زَيْد، عن أبيه؛ قال: لمَّا أمرَ رسولُ الله ﷺ بالنّاقوس. الحديث. ولم يُخْرِجْ مسلمٌ والبخاريّ حديث زيد هذا الّذي ذَكَرَهُ مالكٌ. تأصيل (٧): روِيَ أنّ النَّبيَّ ﷺ علَّمه اللهُ الأذانَ ليلةَ الإسراءِ في السَّماءِ، بهيئتِه ورُتْبَتِه

стр. 773

وصِفَته (١). ثمّ كان النّبيُّ ﷺ بمكّة على تَقِيَّهَ من الكفّار، ولم تكن صلاتُه وصلاةُ أصحابه بمكّة إلَّا اختلاسًا، حتّى كانتِ الهجرةُ، ونزلَ بدار النّصرة، وتألّفت بالإِسلام الكلمة، والْتأَمَت على الصّلاةِ الجماعة، فلو تكلَّفَ كلّ أحد أنّ يترصَّد الوقت، مع ما هم فيه من التخوُّف وينتابهم من الأشغال (٢)، لشقَّ عليهم ذلك. فتشاوَرُوا كيف يكون الاجتماع؟ فاختلفت في ذلك الرِّوايات اختلافًا كثيرًا، لو سردناها لطال المقال، ووقعَ المَلاَل. وأحاديثُه كثيرةٌ، لُبَابُها حديثان: الحديث الأوّل: ثبت في الصّحيح؛ أنّ النّاس تشاوروا مع رسول الله ﷺ ليربطوا الصّلاة بوعدٍ يجتمعون إليه. فقال عمر: ألَّا تبعثون مناديًا يُنَادي بالصّلاة؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "يا بِلَال، قُمْ فنَادِ بالصَّلاة" (٣). الحديث الثّاني: ثبت أنّ رسولَ الله ﷺ أراد أنّ يتَّخِذَ خَشَبَتَيْنِ أو ناقوسًا يتعلّمون به وقت الصّلاة، فبينما عبد الله بن زيد نائمًا، إذ رأى بيدِ رَجُلٍ ناقوسًا، فقال: إنّ هذا لنحو ممّا يريد رسول الله ﷺ ، فقال للّذي رآه بيده: أتبيعُه؟ فقال له: وما تريده؟ فأعلَمَهُ بالغَرَضِ، فقال له: أَوَلاَ أدلُّكَ على خيرٍ من ذلك. قال: وما هو؟ قال: تنادون للصّلاة، وألقى عليه الأذان، فلمّا أصبحَ جاء عبد الله بن زيد إلى رسول الله ﷺ ، فذكَرَ ذلك له، فقال رسول الله ﷺ : "يا بلال، قُم فَنَادِ بالصَّلاَةِ" (٤). وفي بعض طرق هذا الحديث؛ أنّ عمر لمّا سمع النّداء خرجَ فزعًا يجرُّ إزَارَهُ، فقال: يا رسول الله، لقد رأيت مثل الّذي رأى عبد الله بن زيد فقال النّبيّ ﷺ : "الحمدُ للهِ" (٥). وبينَ هذين الحديثننِ من التَّعارضُ ما تَرَوْنَ.

стр. 774

نكتةٌ (١): قال الإمام: ووجهُ الجمعِ بينهما؛ أنّ النّبىَّ ﷺ تشاور مع أصحابه كيف يجتمعون (٢) وقت الصّلاة، فقال بعضُهم: اتّخذُوا قرنًا مثل قرن اليهود. وقال بعضهم: اتَّخذُوا نَاقُوسًا مثل ناقوس النَّصارَى. وقال بعضهم: أَوْقِدُوا نَارًا. وقال عمر: نادوا بالصّلاة؛ كانّه يقول: الصّلاة الصّلاة، لا تفصيل الأذان وكيفيته. قال: فتوقَّفَ النّبي ﷺ ينظر في ذلك، فرأى عبد الله بن زَيْد وعمر بن الخطّاب الرُّؤيَا فيه. وسبقَ عبد الله بن زيد إلى رسول الله ﷺ فَأَعْلَمَهُ، وأمر رسولُ الله ﷺ بذلك، وقال: "إنّ هذه لَرُؤيَا حَقّ" (٣) وسمعَ عمر الأمر، فأخبر برؤياهُ، فحمدَ رسولُ الله ﷺ على ما كان من الإرشاد إلى الحقِّ، وألهم إليه من انتظام الأمر. نكتةٌ أصوليّة (٤): قال علماؤنا: في هذا الحديث دليلٌ عظيمٌ على أصلٍ من أصولِ الفقه، وهو القولُ بالقياس في الدِّين والاجتهاد، ألَّا ترى إلى مشاوَرةِ رسولِ الله ﷺ مع أصحابه في الأذان ولم ينتظر في ذلك وَحْيًا ولا طلبَ منه بيانًا، وإنّما أراد أنّ يأخذ فيه ما عند إصحابه من رَأي يستنبطونَهُ من أصول الشّريعة، ويَنْتَزعُونَه من أغراضها. فلما جاءت الرُّؤيا بنظم الأذَان وسَرْدِهِ، أمرَ رسولُ الله ﷺ به (٥) لكونه أَصْوب الآراء، لما فيه من الخروج عن التَّشَبُّه (٦) بأهل الكتاب والمجوس، ولما فيه من ذِكرِ الله؛ ولأنّه معنى خُصَّت به هذه الأُمَّة لم يكن لأحدٍ من هذه الأُمَمِ قبلَها، ولله الحمد على ذلك. عربيته: أصلُ الأذان في اللّغة الإعلام، قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٧) أي: إعلام لهم. والعربُ تقول: رأيت فلانًا يعلم، أي يجهر بالصّوت. ومعناه:

стр. 775

الإسماع، قال الله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ (١) أي: سمعت أمره وطاعته. ومنه الحديث: "مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيءِ ما أَذِنَ لِنَبِيٍّ يتغنَّى بالقُرآنِ يَجْهَرُ بِهِ" (٢)، معناه: ما استمعَ لشيءٍ كسماعه له. فائدة (٣): الأذانُ شعارُ المسلمين، وكلمةُ الدِّين، والفرقُ بين المؤمنين والكافرين. يُسَكَّنُ الدَّهْمَاء وَيَحْقِنُ الدِّماءَ. ثبت عن النّبيِّ ﷺ أنّه كان إذا غَزَا، فجاءت عَمَايَةُ الصُّبحِ، انْتَظَر، فإن سمعَ أذانًا أمسكَ وإلّا أغار (٤). وبهذا صار الأذانُ فَرْضًا من فُروضِ الكفايةِ، إذا أذَّنَ مؤذّنٌ واحد في القرية أَجْزَأَ. ولوِ اتَّفَقَت قرية على تركِ الأذان قُوتِلُوا عليه. وقد وقع لمالك ﵀ لفظة تدلُّ على لُزُومه لكلِّ جماعةٍ، وهي قوله في الموطَّأ (٥): "وإنّما يجبُ النِّداءُ في مساجدِ الجماعات" والّذي نقولُ نحن به: أَنَّ الأَذان (٦) فَرْضٌ في القرية في الجملةِ، مَتأكّد في كلِّ جماعةٍ، مستحَبٌ للواحد، لحديث أبي سعيدٍ الخُدْريّ: إذا كنتَ في غَنَمِكَ أو بَادِيَتِكَ، فَأَذَّنْتَ بالصّلاةِ، فارْفَعْ صَوْتَكَ بالنِّدَاءِ. الحديث (٧). فحصل من هذا أنّ الأذان من فروضِ الكفاية. وأمّا الإقامة، فتحصيلُ مذهب مالكٌ؛ أنّها سنَّةٌ مؤكَّدةٌ، آكدُ من الأذان عنده وعند أصحابه، فمن تركها فهو يسيرٌ ولا شيءَ عليه. وقال أهل الظّاهر (٨): هي واجبة، يَرَوْن الإعادة على من تركها عامدًا أو ناسيًا، وهذا لا يُلْتَفَتُ إليه بوَجهٍ. تتميم: قال علماؤنا: الأذانُ سبع عشرة كلمة (٩)، والاقامة عشر كلمات، كذا رواه
следующие страницы →