← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وقد تَقَدَّم الكلام عليه بما لا مزيدَ عليه. الفائدة الرّابعة (١): هذا الحديث يحمله أهل العلم على أنّ قولَه ذلك إنّما كان منه ﷺ وهو يخطُب على المنبر، فإذا كان هذا، ففيه دليلٌ على أنّ للخطيب أنّ يأتي في كلِّ خُطبة بكلِّ ما يحتاج إليه في فُضُول الأعياد، وترغيب النّاس في الجهاد، والتّرغيب في صيام الأيّام الفواضل وشهر رمضان وغيره، وجميع الفضائل، وللخطيب أنْ يَذكُر منها ما شاء ولا حَرَجَ عليه في ذلك فيما يحتاج النَّاس إلى معرفته. الحديث الخامس (٢): في هذا الحديث دليلٌ على أنّه من حَلَفَ أنّ يوم الجمعة يومُ عِيدِ، فقد برَّ ولم يَحْنَث. وإن حَلَفَ بالطّلاق لم تطلق عليه، لقول النّبيِّ ﷺ :" إنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللهُ عِيدًا" والعيدُ في لسان العرب: كلّ مجتمع يعود إليهم، وهو مأخوذٌ من أسماء الفعل، من عاد يعود عَوْدًا. تمّ كتاب الطّهارة وجميع أبواب، والحمد لله

стр. 772

كتاب الصّلاة الأوّل ما جاء في النداء للصلاة يحيى، عن مَالِك (١)، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ أَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَ خَشَبَتَيْنِ يُضْرَبُ بِهِمَا لِيُجْمَعَ النَّاسُ إلى الصَّلاَةِ ... الحديث بطُوله. الإسناد: قال الشّيخ أبو عمر (٢): "قصَّة عبد الله بن زَيْد ورُؤياؤهُ (٣) في بَدْءِ الأَذَان رواه جماعة من الصَّحابة بألفاظٍ مختلفةٍ ومعانِ متقارِبَةٍ (٤)، وهي متواترةٌ من طُرُقٍ شَتَّى (٥)، من نَقْل أهل المدينة وأهل الكوفة، ولا أعلمُ فيها ذِكْر الخَشَبَتَيْن إلَّا في مراسيل يحيى بن سعيد هذا"، فإنّه: حديث مرسل. قال علماؤنا: أرسل مالكٌ في "الموطَّأ" حديث الأذان، وأسنده أبو داود (٦) من طريق محمّد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن محمد بن عبد الله بن زَيْد، عن أبيه؛ قال: لمَّا أمرَ رسولُ الله ﷺ بالنّاقوس. الحديث. ولم يُخْرِجْ مسلمٌ والبخاريّ حديث زيد هذا الّذي ذَكَرَهُ مالكٌ. تأصيل (٧): روِيَ أنّ النَّبيَّ ﷺ علَّمه اللهُ الأذانَ ليلةَ الإسراءِ في السَّماءِ، بهيئتِه ورُتْبَتِه

стр. 773

وصِفَته (١). ثمّ كان النّبيُّ ﷺ بمكّة على تَقِيَّهَ من الكفّار، ولم تكن صلاتُه وصلاةُ أصحابه بمكّة إلَّا اختلاسًا، حتّى كانتِ الهجرةُ، ونزلَ بدار النّصرة، وتألّفت بالإِسلام الكلمة، والْتأَمَت على الصّلاةِ الجماعة، فلو تكلَّفَ كلّ أحد أنّ يترصَّد الوقت، مع ما هم فيه من التخوُّف وينتابهم من الأشغال (٢)، لشقَّ عليهم ذلك. فتشاوَرُوا كيف يكون الاجتماع؟ فاختلفت في ذلك الرِّوايات اختلافًا كثيرًا، لو سردناها لطال المقال، ووقعَ المَلاَل. وأحاديثُه كثيرةٌ، لُبَابُها حديثان: الحديث الأوّل: ثبت في الصّحيح؛ أنّ النّاس تشاوروا مع رسول الله ﷺ ليربطوا الصّلاة بوعدٍ يجتمعون إليه. فقال عمر: ألَّا تبعثون مناديًا يُنَادي بالصّلاة؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "يا بِلَال، قُمْ فنَادِ بالصَّلاة" (٣). الحديث الثّاني: ثبت أنّ رسولَ الله ﷺ أراد أنّ يتَّخِذَ خَشَبَتَيْنِ أو ناقوسًا يتعلّمون به وقت الصّلاة، فبينما عبد الله بن زيد نائمًا، إذ رأى بيدِ رَجُلٍ ناقوسًا، فقال: إنّ هذا لنحو ممّا يريد رسول الله ﷺ ، فقال للّذي رآه بيده: أتبيعُه؟ فقال له: وما تريده؟ فأعلَمَهُ بالغَرَضِ، فقال له: أَوَلاَ أدلُّكَ على خيرٍ من ذلك. قال: وما هو؟ قال: تنادون للصّلاة، وألقى عليه الأذان، فلمّا أصبحَ جاء عبد الله بن زيد إلى رسول الله ﷺ ، فذكَرَ ذلك له، فقال رسول الله ﷺ : "يا بلال، قُم فَنَادِ بالصَّلاَةِ" (٤). وفي بعض طرق هذا الحديث؛ أنّ عمر لمّا سمع النّداء خرجَ فزعًا يجرُّ إزَارَهُ، فقال: يا رسول الله، لقد رأيت مثل الّذي رأى عبد الله بن زيد فقال النّبيّ ﷺ : "الحمدُ للهِ" (٥). وبينَ هذين الحديثننِ من التَّعارضُ ما تَرَوْنَ.

стр. 774

نكتةٌ (١): قال الإمام: ووجهُ الجمعِ بينهما؛ أنّ النّبىَّ ﷺ تشاور مع أصحابه كيف يجتمعون (٢) وقت الصّلاة، فقال بعضُهم: اتّخذُوا قرنًا مثل قرن اليهود. وقال بعضهم: اتَّخذُوا نَاقُوسًا مثل ناقوس النَّصارَى. وقال بعضهم: أَوْقِدُوا نَارًا. وقال عمر: نادوا بالصّلاة؛ كانّه يقول: الصّلاة الصّلاة، لا تفصيل الأذان وكيفيته. قال: فتوقَّفَ النّبي ﷺ ينظر في ذلك، فرأى عبد الله بن زَيْد وعمر بن الخطّاب الرُّؤيَا فيه. وسبقَ عبد الله بن زيد إلى رسول الله ﷺ فَأَعْلَمَهُ، وأمر رسولُ الله ﷺ بذلك، وقال: "إنّ هذه لَرُؤيَا حَقّ" (٣) وسمعَ عمر الأمر، فأخبر برؤياهُ، فحمدَ رسولُ الله ﷺ على ما كان من الإرشاد إلى الحقِّ، وألهم إليه من انتظام الأمر. نكتةٌ أصوليّة (٤): قال علماؤنا: في هذا الحديث دليلٌ عظيمٌ على أصلٍ من أصولِ الفقه، وهو القولُ بالقياس في الدِّين والاجتهاد، ألَّا ترى إلى مشاوَرةِ رسولِ الله ﷺ مع أصحابه في الأذان ولم ينتظر في ذلك وَحْيًا ولا طلبَ منه بيانًا، وإنّما أراد أنّ يأخذ فيه ما عند إصحابه من رَأي يستنبطونَهُ من أصول الشّريعة، ويَنْتَزعُونَه من أغراضها. فلما جاءت الرُّؤيا بنظم الأذَان وسَرْدِهِ، أمرَ رسولُ الله ﷺ به (٥) لكونه أَصْوب الآراء، لما فيه من الخروج عن التَّشَبُّه (٦) بأهل الكتاب والمجوس، ولما فيه من ذِكرِ الله؛ ولأنّه معنى خُصَّت به هذه الأُمَّة لم يكن لأحدٍ من هذه الأُمَمِ قبلَها، ولله الحمد على ذلك. عربيته: أصلُ الأذان في اللّغة الإعلام، قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٧) أي: إعلام لهم. والعربُ تقول: رأيت فلانًا يعلم، أي يجهر بالصّوت. ومعناه:

стр. 775

الإسماع، قال الله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ (١) أي: سمعت أمره وطاعته. ومنه الحديث: "مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيءِ ما أَذِنَ لِنَبِيٍّ يتغنَّى بالقُرآنِ يَجْهَرُ بِهِ" (٢)، معناه: ما استمعَ لشيءٍ كسماعه له. فائدة (٣): الأذانُ شعارُ المسلمين، وكلمةُ الدِّين، والفرقُ بين المؤمنين والكافرين. يُسَكَّنُ الدَّهْمَاء وَيَحْقِنُ الدِّماءَ. ثبت عن النّبيِّ ﷺ أنّه كان إذا غَزَا، فجاءت عَمَايَةُ الصُّبحِ، انْتَظَر، فإن سمعَ أذانًا أمسكَ وإلّا أغار (٤). وبهذا صار الأذانُ فَرْضًا من فُروضِ الكفايةِ، إذا أذَّنَ مؤذّنٌ واحد في القرية أَجْزَأَ. ولوِ اتَّفَقَت قرية على تركِ الأذان قُوتِلُوا عليه. وقد وقع لمالك ﵀ لفظة تدلُّ على لُزُومه لكلِّ جماعةٍ، وهي قوله في الموطَّأ (٥): "وإنّما يجبُ النِّداءُ في مساجدِ الجماعات" والّذي نقولُ نحن به: أَنَّ الأَذان (٦) فَرْضٌ في القرية في الجملةِ، مَتأكّد في كلِّ جماعةٍ، مستحَبٌ للواحد، لحديث أبي سعيدٍ الخُدْريّ: إذا كنتَ في غَنَمِكَ أو بَادِيَتِكَ، فَأَذَّنْتَ بالصّلاةِ، فارْفَعْ صَوْتَكَ بالنِّدَاءِ. الحديث (٧). فحصل من هذا أنّ الأذان من فروضِ الكفاية. وأمّا الإقامة، فتحصيلُ مذهب مالكٌ؛ أنّها سنَّةٌ مؤكَّدةٌ، آكدُ من الأذان عنده وعند أصحابه، فمن تركها فهو يسيرٌ ولا شيءَ عليه. وقال أهل الظّاهر (٨): هي واجبة، يَرَوْن الإعادة على من تركها عامدًا أو ناسيًا، وهذا لا يُلْتَفَتُ إليه بوَجهٍ. تتميم: قال علماؤنا: الأذانُ سبع عشرة كلمة (٩)، والاقامة عشر كلمات، كذا رواه

стр. 776

هشام، عن أبيه، عن عائشة. ورَوَى همّام بن يحيى تسع عشرةَ كلمةَ (١) مع التكبير في أوَّلِه؛ ولأجل هذا قال ابن شهاب: ما أعرفُ شيئًا ممّا (٢) أدركتُ عليه النّاسَ إلَّا النّداء بالصّلاة، يريد أنّه لم يتغيّر عمّا كان عليه في الزّمان الأوّل؛ لأنّ الأذان نُقِلَ نَقلَ التَّواتُرِ، نَقَلَهُ الكافَّةُ عن الكافَّةِ. فالأذَانُ شَفْعٌ، والإقامةُ وِتْرٌ، كما ثبت في الصّحاح عن النّبي ﷺ أنّه أمر بلالًا أنّ يَشْفَعَ الأذَانَ وَيوْتر الإقامَةَ (٣). وقال الشّافعيّ (٤): الإقامة فرادَى، إلَّا قوله: قد قامتِ الصّلاةُ، فانه يقولُها مرَّتين. وفي "مختصر ابن شعبان" (٥) مثله. وقال الثّوري وسائر الكوفيِّين (٦): الإقامةُ مَثْنى مَثْنى. وتعلَّقوا بحديث أبي محذورة (٧)، وهو حديثٌ ضعيفٌ لا يُلْتَفَتُ إليه. وقال علماؤنا: ولا يفصل بين كلمات الأذان، ويؤذّن به على رتبته، ولا يقدّم المتأخر ولا يؤخر المتقدِّم، لئلَّا يخرجَ من حدِّ الإعلام إلى الهَزْلِ واللَّعِبِ، بخلاف الوُضوءِ؛ لأنَّ الوُضوءَ يقدَّم ويؤخَّر ويجزىء؛ لأنّ المقصود بالوُضوء النَّظافة، والمقصود بالأذان الإعلام. وأَن يكون على صورته الّتي كان عليه النّاس من وقتِ رسولِ الله ﷺ إلى الصّحابة والتّابعين. حديث يحيى، عن مالكٌ (٨)، عن ابنِ شِهَاب، عن عَطَاء بن يزيد اللَّيْثِيِّ، عن أبي سعيد الخُدْرِيّ؛ أنّ رسول الله ﷺ ، قال: "إذا سَمِعْتُمُ النِّداءَ فقولوا مِثْلَ ما يقولُ المؤذِّنُ" الحديث. قال الإمام: هذا حديثٌ مسنَدٌ صحيحٌ، اتّفق عليه الأيِمَّة (٩)، إلّا أنهم اختلفوا في تأويله على ستّة أقوال:

стр. 777

القول الأوّل - قال قوم: هو على الوُجوبِ. والقول الثّاني - قال قوم: إنه على الاستحباب والنَّدبِ. واحتجُّوا بما رواه مسلم (١) وانفرد به، قال: كان النّبيُّ ﷺ في بعض أسفاره، فسمع مناديًا ينادِي وهو يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال رسول الله ﷺ : "على الفطرة"، فقال: أشهدُ أنّ لا إله إلا الله. فقال رسول الله: "خَرَجَ من النارِ"، فابْتَدرناه، فإذا هو صاحب ماشية أَدْرَكَتْهُ الصَّلاة فَصلَّى. قال علماؤنا: فيِ هذا نكْتَةٌ بديعةٌ، فقالوا: هذا رسولُ الله يقولُ بخلافِ ما يقولُ المؤذِّن، فأين قوله: "فقُولُوا مثلَ ما يقولُ المؤذِّن" فيخرج من هذا أنّه على النَّدْب لا على الإيجاب. وقالت طائفةُ: يقول الرَّجُل مثل ما يقول المؤذِّن، وحملوا الحديثَ على ظاهِرِه وعُمُومِه. وقالت طائفة أخرى: إنّما يقول ذلك في الشّهادتين، ويقول في موضع: حيّ على الصّلاة، حيّ على الفلاح، لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلا بالله. على ما جاء في حديث معاوية (٢)، قالوا: وهذا مُفَسِّرٌ لحديث أبي سعيد؛ لأنَّ معاوية كان إذا سمع "حيّ على الصّلاة" قال: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا بالله العَلِىِّ العظيم. فتأوّل علماؤنا في ذلك تأويلين: الأوّل: أنّه إنّما كان يقول ذلك لأنَّ "لا حَوْلَ ولا قُوَةَ إلَّا بالله" هي مفتاحٌ من مفاتِح الجنَّة. والتأويل الثّاني: أنّ معنى "حى على الصّلاة" أنّه ليس في حَوْلي ولا قُوَّتي الإتيان إلى ما يدعو إليه (٣) هذا العبد، إلَّا بحَوْلكَ وقُوَّتك، وأنّ ذلك ليس من حَوْلِي ولا قوّتي، وهذا بديعٌ جدًّا. وقال مالك: إنّما ذلك فيما يقعُ في نفسي إلى قوله أشهدُ أنّ محمدًا رسول الله،

стр. 778

ولو صنعَ صانعٌ لم أَرَ به بَأسًا (١). قيل: معناه لو صنع هذا الّذي وقعَ في نَفْسي صانعٌ لم يُؤثَم به. تفريع: واختلفَ النَّاسُ هل على الرَّجلُ إذا صلّى نافلة وسمع (٢) المؤذّن، أنّ يقول مثل ما يقول المؤذّن، أم لا؟ فاختلف العلماء في ذلك على خمسة أقوال: القولُ الأوّل: قال العراقيّون: المستحبُّ ألاّ يحكيه في قوله: "حيّ على الصّلاة" لأنّه دَعَا إليها. القولُ الثّاني: قال ابنُ القاسم: من كان في صلاة نافلةٍ فإنّه يحكيه إنّ شاء، ومنع منه في الفريضة. وقال ابن وهب: يحكيه في الفريضة والنّافلة. وقال سحنون: لا يحكيه لا في فريضة ولا نافلة، وخالفه عبد الملك بن حبيب في ذلك. وقال سحنون: إذا كان في قراءة تَمَادَى في قراءته ولا يحكيه؛ لأنّه إنّ حكاه خلط عبادةً بعبادةٍ. قلنا: والصّحيحُ ما قاله سحنون، وهو مذهب مالكٌ الّذي لا خلافَ عنه فيه، خلاف (٣) ما رواه ابن شعبان وأبو مصعب (٤) عن مالكٌ؛ أنّه يقوله في الفريضة والنّافلة، وهو قول ابن وهب واختارَه ابن حبيب. وحجّة سحنون أقوى، وهو مذهب الشّافعيّ (٥)؛ لأنّ سحنونًا رأى أنّه أُرِيدَ بالحديث مَنْ ليس في صلاةٍ. وحجّةُ الشّافعيّ: أنّ المؤذّنين يؤذّنون يوم عَرَفَة والإمام في خطبته، فلا يقول مثل ما يقولون ويَتْرُك ما هو فيه، فالمصلِّي أَوْلَى بذلك. وقال الطّحاوي (٦): ولم أجد لأصحابنا في هذا نصًّا جليًّا. غير أنّ أبا يوسف قال: من أذَّنَ في صلاته عامدًا بطلت صلاته (٧). وهذا مذهب أبي حنيفة.

стр. 779

وقال بعض الفقهاء (١): القياسُ (٢) أنّه لا فرق بين المكتوبة والنّافلة في هذا الباب؛ لأنّ الكلام يحرمُ فيهما على المصلّي، فلا يقول: حيّ على الصّلاة؛ لأنّه كلام، والكلامُ يفسدُ الصّلاة. وقال ابن الموّاز: من قاله في صلاته عامدًا، أو قال: الصّلاة خيرٌ من النّوم، أنّها تفسد صلاته. تكملة: فإن قال قائلٌ: ما مِنَ الاذانِ للهِ، وما منه للناس، وما منه للرّسول، وما منه للمؤذِّن. قلنا (٣): أمّا ما منه للمؤذِّن: فالله أكبر الله أكبر. ولله وَحْدَهُ: أشهد أنّ لا إله إلا الله. وللرسول: أشهدُ أنّ محمّدًا رسولُ الله. وللنّاس: حى على الصّلاة حيّ على الفلاح، لرسول الله وللنّاس (٤). حديث: حدثني يحيى عن مالك (٥)، عن سُمَيٍّ مَوْلَى أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي صالح السَّمَّان، عن أبي هريرة؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: " لَو يَعْلَمُ النّاسُ مَا في النِّدَاء وَالصَفِّ الأوَّلِ، ثُمَ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيهِ لاَستَهّمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا في العَتَمَةِ وَالصُّبحِ لأَتَوْهُمَا وَلَو حَبوًا". قال الإمام: هذا حديثٌ صحيحٌ متَّفَقٌ عليه (٦)، خرّجه الأيمّة. والكلام في هذا الحديث يشتمل على سبع مسائل: المسألة الأولى: قوله: "لَوْ يَعلَمُ النَّاسُ مَا في النِّدَاءِ" إلى آخره. قال الإمام: أمّا فضلُ النِّداء فمعلومٌ، وأحاديثُه كثيرةٌ جدًّا، ليس هذا موضع ذِكرِها. وأصوله أربعة:

стр. 780

أولّها: الحديث المتقدِّم (١). الحديث الثّاني: حديث أبي سعيد الخدري، قال له: أراكَ تحبُّ الغَنَم والبادية، فهذا كنتَ في غَنَمِكَ أو بَادِيتَكَ فأَذَّنْتَ بالصّلاةِ، فارْفَع صوتَكَ بالنّداءِ، فإنّه لا يسمَعُ مَدَى صوتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ ولا إنْسٌ، ولا نسيءٌ، إلَّا شَهِدَ له يَوْمَ القيامةِ (٢). الحديث الثّالث: في "مسلم" (٣): المُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ رواه معاوية عن النّبيّ ﷺ . الحديث الرّابع: روى التّرمذي (٤) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ :"ثلاثةٌ على كُثبَانٍ من مِسْكٍ، أُرَاهُ، قال يومَ القيامةِ، يَغبطُهُمُ الأوَّلونَ والآخِرُونَ: رَجُلٌ ينادِي بالصّلوات الخَمْسِ كلَّ يومٍ وليلةٍ، ورَجُلٌ يَؤُمُّ قومًا وهم له رَاضُونَ، وعبدٌ أَدَّى حَقَّ اللهِ وحقَّ مَوَالِيهِ". عربية: الكُثبان: الكَثِيبُ المشرِفُ، والجمع كُثُبَان، والغِبْطَةُ: حُسْنُ الحالِ، ورجلٌ مغبوطٌ: إذا كان حسن الحالِ فيجبُ أنّ يكون مثله في حسن عبادته وطريقته، فذلك الغِبْطَة. وقوله (٥): "الصَّفُ الأوَّلُ" ليس فيه أثرٌ صحيحٌ يُعَوَّلُ عليه، حاشا قوله ﷺ : "خَيرٌ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا" (٦) وقوله: "لِيَلِيَني مِنْكُمُ أُولُوا النُّهَي وَالأحْلاَمِ" (٧) وهي أربع مراتب (٨): الأولى: السَّبْقُ إلى المسجد ودخول الصَّفِّ الأولِ، وهو أفضلُها.

стр. 781

ثانيها: تأخَّرَ إقباله، وصلَّى في الصَّفِّ الآخر (١)، فذلك شرُّها. ثالثُها: سَبَقَ إلى النِّداء لكنّه صلّى في الآخر. رابعُها: تأَخَّر عن إجابة الدَّاعي، فلمّا جاء المسجد دخل في الصَّفِّ الأوّل، قال العلماء: هما سواء. وعندي أنّ الرّابع أفضل من الثّالث، وفي ذلك تطويل لا يطال فيه النَّفَس في مثل هذا القَبَس. وأمّا قوله (٢): "لاستَهَمُوا عليه" فَيتصوَّرُ الاستهامُ في الصَّفِّ الأوّل عند ضَيقه وإقبال الرَّجُلَين إليه في حالة واحدةٍ. فإن كان أحدهما أفضل فالموضعُ له، وإن تساوَت حالهما وتَشَاحَّا (٣)، أقرع بينهما. وأمّا تَصَوُّرُ الاستهام في الأذان فمُشْكِلٌ، وقد اختصم قومٌ بالقادسيّة في الأذَان، فأَقرع بينهم سَعْد (٤)، وهذا إنّما يكون بشرطين: أحدُهما: أنّ يتساوَيَا في الأَمانة (٥)، قال النَّبىُّ ﷺ : "الإمَامُ ضَامِنٌ، وَالمُؤَذِّنُ مُوتَمَنٌ" (٦). الشّرطُ الثّاني: أنّ يكون صاحب الوقت، فهكذا يكون الاستهام إذا وقع التّشاحُّ. فهذا أذّن أمينُ الوقتِ، أَذَّنَ بعدَه من شاء من غير حَجْرٍ. ويُتَصَوَّرُ الاستهامُ أيضًا في صورة أخرى، وهي صلاة المغرب، فإنّه ليس لها إلَّا وقت واحد، كذلك لا يؤذِّن لها إلا مؤذِّنٌ واحدٌ. أمّا فضل التّهجير، فليس فيه حديثٌ صحيحٌ في الشّريعة، بل إنّه رُوِيَ عن النّبيِّ ﷺ أنَّه قال:"أَوَّلُ الوَقْتِ رِضْوَانُ اللهِ" (٧) وفي الحديث الصّحيح فيه جملة كافيةٌ، وهي قولُه: "لا يزال أحدُكُم في صلاةٍ ما كان ينتظرُ الصَّلاةَ" (٨).

стр. 782

وأمّا فضلُ العَتَمَة والصُّبْح، ففيهما أحاديث صحاح كثيرة، أمّهاتها أربعة أحاديث: الحديث الأوّل - قولُه ﷺ :"لولا أنّ أَشُقَّ على أُمَّتِي لأخَّرتُ العِشَاءَ إلى شَطْر اللَّيْلِ" (١). الحديث الثّاني - قوله ﷺ : "أَثْقَلُ صلاةٍ على المنافقينَ العَتَمَةُ والصُّبْحُ" (٢). وهذا صحيح، لا يَنْشَطُ لهما إلا منشرح (٣) الصّدر، خفيفٌ إلى العمل الصّالح، ثقيلٌ عن دواعي البِطَالة والرَّاحة. الحديث الثّالث - قوله: "يتعاقبُونَ فيكم ملائكةٌ باللّيلِ وملائكةٌ بالنَّهارِ، إلى قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (٤) " (٥) نكتةٌ (٦): واعلم أنّ الصّبح فاتحة الكتاب، وسيَّدُ الأعمال (٧)، كما أنّ العَصْرَ والعَتَمَةَ خاتمة الصحائف، وربّما إذا صلّى العَتَمَةَ لم يصلِّ بعدَها أبدًا. الحديث الرّابع: حديث عثمان، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنّه قال: "مَنْ صلّى الصُّبْحَ في جماعةٍ، فكانَّما قامَ ليلةً، ومَن صلَّى العَتَمَةَ في جماعةٍ، فكأنّمَا قام نصف لَيلِهِ" (٨)، فمَنْ عَلِمَ هذه الفَضَائلَ يقين علمها (٩)، وقدَّرَهَا حقَّ قَدْرِها، سعَى إليها حَبْوًا وحَبْيًا، وجاء إليها يستقلٌّ (١٠) تارةً ويكبوا أُخْرَى، وما توفيقنا إلَّا بالله.

стр. 783

حديث أبي سعيد الخدري (١): قولُه: "إِذَا كُنْتَ في غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ، فَأَذَّنْتَ بِالصَّلاَةِ، فَارفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإنَّهُ لاَ يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلاَ إِنْسٌ وَلاَ شَيْءٌ إِلَّاشَهِدَ لَهُ يَومَ الْقِيَامَةِ". قال الإمام (٢): فإن قيل: وهل تعقلُ الجمادات حتّى تقول أو تسمع أو تشهد؟ بَيَّنُوا لنا هذا الإشكال؟ الجواب؛ إنا نقول: ممّا يجبُ أنّ تعلَمُوهُ من أصول الدِّين، وتعلموهُ في الفَرْقِ بين كَفَرَةِ الأطِبَّاء والمؤمنين، أنّ الكلام ليس بالهيئة، ولا العلم موقوفٌ على البنية، ولا هو مرتبطٌ بالرُّطوبة والبِلَّةِ، وإنّما البارئ سبحانه يخلُقُه متى شاء في أيِّ شيءٍ شاء من جمادٍ أو حيوان. ألَّا ترى أنّ المرءَ في حالِ نَوْمه لا يعلم ولا يتكلّم حتّى يَهَبه الله بإِذْنِهِ ويخلُق له ما يشاء من علمه، أَوَلَا ترى الطفل على الحالة الّتي أخبر في قولِهِ: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ (٣) كيف يعلّمه الثَّدْي، ويخلُق له العلم بالقَبْض عليه ليَمُصّه، ويلهمه إلى ازدراده، ويُعَرَّفه بقَدْرِ الحاجةِ منه، حتّى إذا انتهى إليها أَخرج الثَّدْيَ عن فِيهِ. والَّذي يخلُق هذه العلوم كلها للمولود، يخلُق ما شَاءَ منها في الجماد. وقد قال النّبيُّ ﷺ : "إنّي لأعْرفُ حَجَرًا بمَكَّةَ كَانَ يُسَلَّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَن أُبْعَثَ، يَقُولُ: السَّلامُ عليكَ يا نبىَّ الله" (٤). وَقال ﷺ : "لن تقومَ السَّاعةُ حتّى تُكَلَّمَ الرَّجُلَ شِرَاكُ نَعْلِهِ وَعَذَبَةُ سَوْطِهِ، وتُخْبِرَهُ بما صَنَعَ أهلُهُ من بَعْدِهِ" (٥). وقد تكلّم الثّور للرَّجُلِ حين حمل عليه فقال، لم أُخْلَقْ لهَذَا، إنَّمَا خُلِقتُ للحَرْثِ (٦) ولن تقوم السّاعة حتّى تتكلّم السِّباع والحيوانات كلّها، وتظهر الحقائق الخفيّة الّتي هي الآن معلومة عند المؤمنين، لما قدّمناه من الأدلّة. وقد قال النّبيُّ ﷺ : "العبدُ الفاجرُ يَستريحُ منه العبادُ والبلادُ، والشَّجَرُ والدَّوَابُّ" (٧) وراحَتُها منه إنّما هي بأنّ الكفَر

стр. 784

والذّنوب تَحِلُّ بالخَلْقِ العقوبات، فيلحق الضَّرَر لكلّ أحدٍ من النّاس، ولِكُلِّ مخلوقٍ من الشّجر والدّوابَّ، حتّى إِنه ليتَعَذَّر على البهيمة شربُ الماءِ ورعي النّبات بذنبِ العبدِ، إمّا بعَدَمِ القَطْر، وإمّا أنّ يكون موجودًا فَيُصَدُّ عنه. فما يكون من أَذانٍ وتلبيةٍ أوَ ذِكْرِ الله؛ فإَنّ البارىء ﵎ يخلُق به العِلْمَ لكلِّ شيءٍ إنّ شاء في الحين، ويكون مُدَّخَرًا (١) لوقتِ الحاجة. وإن شاء أنّ يعلِّمَهُم بذلك وقت الحاجة ويُقَدِّرَهُ عندهم، وذلك كلّه بتدبير الحكيم، وتقدير العزيز العلم. فَمَهِّدُوا لأنْفُسِكُم سبيل هذه العقائد، ووطِّنُوها على تحصيل هذه المعارف، فإنّها أصل من أصول التّوحيد. عارضة (٢): قال الإمام: حديث عبد الله بن زيد (٣) لم يصحّ له إلَّا هذا الحديث الواحد (٤). والحديث الّذي فيه "القرن" صحيح أيضًا خرجّه الأيِمَّة (٥). اللُّغة (٦): قال: "قَرْنًا مِثل قَرْنِ اليَهُودِ" وفي كتاب أبي داود (٧): "قنعًا" ورُوِي "قُبْعًا" وكلّه يرجع إلى القرن، والقاف والنّون فيه أصحّ، من قولهم: أقنع، إذا رفع الرّجُل رأسه (٨). الفقه (٩): الأذانُ من شعائر الدِّين، يَحّقُنُ الدِّماء ويُسَكِّن الدَّهماء، كان النّبيُّ ﵇ إذا سمعَ النِّداء أمسكَ، وإلا أَغارَ. فهو واجبٌ في البَلَدِ والحيِّ، وليس بواجبٍ في كلِّ مسجد، ولا على كلِّ فذٍّ، ولكنّه مستحبٌّ في مساجد الجماعات أكثر ممّا يستحبُّ في الفَذِّ. وقال عطاء: لا تجوز صلاة بغير أذان. وهذا ليس بصحيحٍ؛ لأنّه ليس في

стр. 785

فرضيَّتِهِ أثرٌ صحيحٌ وفائدته: اجتماع النَّاس وتيسير الإقبال. وفضائله: أنّه يطرد الشّيطان، ويؤمّن الجبان، فمن فَزِعَ فليؤذِّن، ويجابُ بحضرته الدُّعاء؛ لأنّه لا تفتح أبواب السّماء إلَّا عند الأذان. نكتةٌ في حكمة الأذان وفائدتُه (١): الإعلام بالصّلاة بِذِكر الله وتوحيده وتصديقِ رسوله. الفائدة الثّانية (٢): تجديدُ التّوحيد، فإنّها ترجمةٌ عظيمة من تراجم لا إله إلَّا الله (٣). الفائدة الثّالثة (٤): طردُ الشيطان، ولذلك روى مسلم (٥) فيمن فَزِعَ في خَلوةٍ وخاف التّغويل أنّه ينادي بالصّلاة. وظنَّ بعضُ الجَهَلَةِ أنّه قول: "الصّلاة الصّلاة" وهي غَفْلَةٌ وَوَهْلَة، بل ينادي بها وإن لم يكن وقت الصّلاة؛ فإن الوعيد بِحُصَاصِ الشّيطان إنّما هو لصوت (٦) الأذَانِ (٧). حديثُ "الإمامُ ضامِنٌ والمؤذِّنُ مُوتَمَنٌ" هو حديثٌ قد تكلَّم النّاسُ فيه. ذكره الترمذي (٨)، وصَحَّحَهُ البخاريّ (٩) وغيره (١٠). ضعَّفه علي بن المديني (١١) وقد خَرَّجَهُ

стр. 786

أبو داود (١)، عن الأعمش، عن رجل، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. فمَنْ وثَّقَ الأَعمش صحّح الحديث، وما كان الأعمش ليستجيز الكذب على رسول الله، ولا على عائشة، والحقّ تصحيحُه. أصوله وعربيته (٢): اختلف العلماء في معناه، فقيل معنى قوله: "الإمامُ ضَامِنٌ" أي: راعِ، والضّمانُ في اللّغة: الرِّعاية، وهذا (٣) ضَعِيفٌ؛ لأنّ الضَّمان في اللّغة إنّما يكون بمعنى الرِّعاية، أو بمعنى الحِفْظ (٤)؛ وأمّا موقعه في الشّرع واللّغة، فهو الالتزام (٥). ويأتي أيضًا بمعنى الوِعاء؛ لأنّ كلّ شيءٍ جعلته في شيءٍ فقد ضمّنته إيّاه. فإذا عرف معنى الضّمان، فإنّ ضمان الإمام لصلاة المأموم هو التزام شروطها، وحفظ صلاته في نفسها؛ لأنّ صلاة المأموم تنبني على صلاة الإمام، فإن أَفْسَدَ صلاته فسدت صلاة من ائتمَّ (٦) به، فكان غارمًا لها. فإن قلنا: إنّه بمعنى الوِعَاء، فقد دخلت صلاة المأموم في صلاة الإمام، لِتَحَمُّلِ القراءة عنه والقيام، إلى حُسْنِ (٧) الرّكوع والسّجود والسّهو، ولذلك لم تجز صلاة المتنفَّل خلف المفترض؛ لأنّ ضمان الواجب بما ليس بواجب محالٌ. وهذه فائدة. قولُه (٨): "اللهم أَرْشِدِ الايِمَّةَ واغفِرْ للمُؤَذِّنِينَ" فإنهّم إذا (٩) رَشِدُوا بإجراء الأمور على وجوهها، صحّت عبادتهم في نفسها. "واغْفِرْ للمؤَذِّنين" يعني: ما قَصَّرُوا فيه من مُراعاة الوقتِ بتقدُّمٍ عليه أو يَأَخُرٍ عنه. وقد كنتُ أمليتُ في معنى هذا الحديث وتحقيقه "جزءًا" رأيت أنّ أذكر لكم منه أُنْمُوذَجًا تعتمدون عليه، وهو أنّ تعلموا أنّ النَّاس اختلفوا في معنى الضّمان شرعًا:

стр. 787

فقيل: هو التزام ما على المضمون. وقيل: التزام مثله. والأدلَّةُ متعارضة، وفروعُ المذهبِ فيه مضطربةٌ، والصّحيحُ أنّه التزام مثله. فإن قيل: فأين هذا المعنى في هذا الحديث (١)؟ قلنا: قد ألقينا إليكم أنّه متى ورد في الشّريعة لفظٌ فاجروه على حقيقته، فإن لم يكن ذلك بدليلٍ يعارِضُه، فاحملوه على مَجَازِهِ. فإذا عُلِمَ هذا، فلا يمكن أنّ يحمل الإمام عين (٢) صلاة المأموم، ولا يحمل (٣) مثلها أيضًا لوجهين: أحدهما: أنّه يلزمه كما يلزمه، ولم يأت أنّها تسقط عنه بفعله، فزال عن (٤) الحقيقة إلى المجاز. ووجه المجاز: منه (٥) متَّفقٌ عليه، ومنه مختلف فيه، فالمتَّفقُ عليه: حملُ السَّهْوِ والقراءة في المسبوق بالقيام إذا أدرك الرُّكوع. والمختلَف فيه: حمل القراءة، ولأجل هذا لم تصحّ صلاة المفترض خلف المتنَفَّل، ولا جازتِ الإمامة من مختلفِي الفَرْض؛ لأنّه لا يصحّ الضّمان مع الاختلاف في الأصل والوصف، والله أعلم. حديث: قوله: "صَلُّوا عَلَيَّ، ثمَّ سَلُوا اللهَ لي الوَسِيلَةَ، فَمَنْ سألً لي الوَسِيلَةَ حَلَّت عليه شَفَاعَتِي" (٦) يعني (٧): غُفرَان الذنوب (٨). وتحلّ عليه الشّفاعة بالإيمان بها والتّصديق بمقتضاها وتأكيد السؤال بها (٩)، ومع هذا بخلوص التّوحيد يدخل الجنّة، كما في حديث عمر (١٠)، وفي حديث جابر (١١) صفة الأذان والدّعاء وفيه الوسيلة، وقد تقدّمت الإشارة إليها.

стр. 788

العربية: قال الإمام الحافظ: الوسيلةُ فعيلة، وهي التَّوسُّل، وهو التَّعلُّق بالأسباب المُحَصَّلة للأسباب. وهي غاية لا تُدْرك؛ لأنّ النبيّ ﷺ بَيَّنَ أنّ الوسيلةَ هي درجة في الجنّة، وأقرب المنازل إلى الله، وأعلى الغايات. الأصول: قوله (١): "والدَّعْوَةُ التّامَّة" قال علماؤنا هي: لا إله إلا الله محمّد رسول الله، وتمامُها أنّها رحمة الدِّين حيثما وَصَلَت، فدعوتُه عامّة، ورحمتُه خاصّة وعامّة. وقوله (٢):"الصَّلاة القَائِمَة" معناه: الدّائمة، وتكون من الملائكة على العموم، ومن الآدميَّين على الخصوص لمن وُفِّقَ لها ويُسَّرَت (٣) له، حسب ما بيّناه في "تفسير القرآن". مزيد بيان: قلنا: ويحتمل أنّ يريد بقوله: "الدَّعوة التّامّة" أنّها ماضية نافذة لا مدّة لها (٤) حتّى تبلغ غايتها. قال النّبيُّ ﷺ : "والله لَيتُمَّنَّ هذا الأمرَ، حتّى تَسيرَ الظَّعِينَةُ (٥) من مكَّة إلى الحَرَّة (٦) لا تخافُ إلا الله" (٧). ويحتمل أنّ يريد به: حتّى يدخل فيه من أنكره ويقرّ به من أباه، وآخره نزولُ عيسى بن مريم، ولا يبقى كافر، والله أعلم. حديث معاوية: "المُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ الناسِ أَعناقًا يومَ القيامةِ" حديثٌ صحيحٌ ثابتٌ، خَرَّجَهُ مسلم في كتابه (٨)، ولم يُخَرَّجْهُ البخارىّ لوجهين:

стр. 789

إمّا أنّه لم يصله. وإمّا في طريقه من لا يأمنه ولا يثقه. شرحه وعربيتّه (١): قال الإمام الحافظ: يُرْوَى بكسر الهمزة وفتحها (٢)، فإذا فُتِحَت كان جمع عُنُق، يريد: تطُول أعناقهم على الحقيقة، وأنّهم يزيدون (٣) على الخَلْقِ بطُولِ الأعناق حتّى يظهر أمرهم وفَخْرهم، كما علوا عليهم في الدُّنيا في المنارات. أو يريد أنّهم آمِنون لا يخافون، فهم لا يتطأطئون ولا يستحذون (٤)، وهو مجاز حَسَنٌ. وإن كَسَرَ الهمزة يريد به: العَنَق، ضرْبًا من السَّير، يعني: سرعتهم إلى الجنّة قبل غيرهم. وقيل "أطول النّاس أعناقًا" قيل: هم أعظم النّاس تَشوُّفًا إلى رحمة الله (٥). حديث يحيى عن مالكٌ (٦)، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا نُودِيَ للصّلاة أَدْبَرَ الشّيطانُ، له ضُرَاطٌ، حتَّى لا يَسْمَعَ النِّدا" فإذا قُضِيَ النِّداءُ أقبلَ، حتّى إذا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حتّى يَخْطِرَ بينَ المَرْءِ ونفسه ... " الحديث. أصوله (٧): قال علماؤنا: هذا الحديث يحتمل الحقيقة والمجاز جميعًا. أمّا الحقيقة فليس يستحيل أنّ يكون للشّيطان حُصَاصٌ -وهو الضُّراط- لما بيَّنَّاه من قبلُ، وذكرنا أنَّه (٨) جِسْمٌ من الاجسام مؤتلف من طعامٍ وشرابٍ، وفي بعض طُرُقِ الحديث: "إنَّ الشّيطان حسَّاسٌ" (٩) أو"جَسّاس" أو"لحّاس" فلا يمتنَع أنّ يكون له حُصَاصٌ، لا سيّما وهو أذل له في الفرار وأبلغ لدخول الرُّعْبِ في قلبه، حتّى لا يملك نفسه من خوف ذِكْر الله.

стр. 790

وفي الحديث "لا يَقُولنّ أحدكُم: أَخْزَى اللهُ الشيطان، فإنّه إذا سمع ذلك تعاظَمَ حتّى يصير كالجَبَلِ. وليَقُل أعوذُ بالله من الشيطان، فإنّه إذا سمع ذلك تَضَاءَلَ وتَصَاغَرَ" (١)، وهذا حديث صحيحٌ؛ لأنّ الله تعالى قال: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٢) فما أَثَّر ذلك فيه، فكيف يسأل عن اللّعنة من غير الله (٣). وأمّا المجاز في معنى الحديث فهو متَّسَعٌ، ويكون أيضًا استعارةً وعبارةً عن فراره ذَليلًا خَاسِئًا، كما يفرُّ العَيرُ الضّروط. وقولُهُ: "حَتَّى يَخْطِرَ بين المرءِ وقَلْبِهِ، أَوْ قالَ: ونَفْسِهِ " يعني بذلك الوسوسة، وهذا أمرٌ مِنَ الله مكّنَ اللهُ منه الشّيطان في الإنسان، وجعل دَوَاءَهُ الاستعاذَة، فقال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ الآية (٤). وهذا ما لم تتمكّن الشّهوات في القلوب، ولم تختلج (٥) المعاصي في النُّفوس، ولا ارتبطت العلائق بالهَوَى حتّى غلبت (٦) النّفس، فليس دَوَاؤُها حينئذٍ الاستعاذة، وإنمّا تنفعُ فيها التّوبة، بحَذْفِ الشّهوات وقطع العلائق، والاستبصار بالحقائق. مزيد إيضاح (٧): فإن قيل: فما معنى هروبه عند الأذان؟ ولا يهرب من (٨) الصّلاة الّتي هي معظم الذِّكر لأنّ فيها قراءة القرآن؟ قلنا: للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال: الأوّل: إنمّا يَهْرُبُ ويَفِرُّ من اتِّفاق الكُلِّ على الإعلان بشهادة التَّوحيدِ، وإقامة الشّريعة، كما يفعلُ يوم عَرَفَة؛ لما يرى من الرَّحمةِ، فأصغر ما هو في ذلك اليوم.

стр. 791

القولُ الثاني - قال بعضُ علمائنا (١): إنمّا يهرُبُ عند التأْذِينِ لئلًا يشهد لابْنِ آدم بشهادة التّوحيد، لقوله ﷺ : "لا يَسْمَعُ مَدَى صوتِ المُؤذِّنٌ ولاَ إِنْسٌ ولا شيءٌ، إلّا شَهِدَ لَهُ يومَ القِيامةِ" (٢)، فَيَفِرُّ لئلّا يشهد له بالشّهادة، وهذا ضعيفٌ لا يُلْتَفَتُ إليه. القولُ الثّالث - قيل: إنّما يَفرُّ من الأذان لأنّه دُعِيَ إلى الصّلاة الّتي فيها السُّجود الّذي أباه وخَالَفَهُ. قلنا: وليس هذا أيضًا بشيٍ؛ لأنّه أخبر ﵇ أنّه إذا قُضِيَ التَّثْوِيب أَقْبَلَ يُذَكَّرُهُ ما لم يَذْكُر حتّى يخلط علَيه صلاته. وكان فراره من الصّلاة الّتي فيها السّجود أَوْلَى لو كان كما زعموا، ولكن هذا الحديث يردُّ عليه ورُوِيَ عن جابر بن عبد الله؛ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا نَادَى المؤذِّنُ بالأَذانِ هربَ الشَّيطانِ حتّى يكون بالرَّوْحَاء" وهي ثلاثون ميلًا من المدينة (٣). فائدة معنوية: قوله في الحديث (٤): "اذكُر كَذَا وَكَذَا" فيذكِّره أمور الدُّنيا ليفسد عليه الصّلاة ويُحْرمهُ الإخلاص فيها. وقال علماؤنا (٥): في هذا الحديث من الفقه: أنّه من نَسِيَ شيئًا وأراد أنّ يذكُرَهُ، فَلْيُصَل ويجهد نفْسَهُ فيها من تخليص الوسوسة وأمور الدّنيا، فإنّ الشّيطان لابدّ أنّ يذكَّره (٦) أمور دُنْيَاه، ليصدَّهُ عن الإخلاص في صلاته، ولأجل هذا قال رسول الله ﷺ : "مَنْ صلَّى ركعَتَيْنِ لا يُحَدِّث فيها نَفْسَهُ بشيءٍ من الدُّنيا غُفِرَ لَه" (٧). حُكيَ عن أبي حنيفة؛ أنّ رَجُلًا أتاه وقد كان دَفَنَ مالًا وغابَ عنه سنينَ كثيرة، ثم قدم فطلبه، فلم يهتد لمكانه، فقصد أبا حنيفة مُتبَرِّكًا برأيه ورغبة في فضل دُعائه، فأعلمه بما دار عليه في ماله، فقال له أبو حنيفة: يا أخي صلَّ في جَوْفِ اللَّيل

стр. 792

وأخلص نيّتك لله، ولا تجد على قلبك شيئًا من أمور الدّنيا، وعَرِّفْنِي بأمْرِكَ. قال: ففعل الرَّجُل ذلك، فَذَكَر في صلاته مكان المال. فلمّا أصبحَ، أتى أبا حنيفة فأعْلَمَهُ بذلك، فقال له بعض جُلَسَاءِهِ: مِنْ أينَ دَلَلْتَهُ على هذا؟ فقال: استدللتُ على هذا بالحديث، وعلمتُ أنّ الشّيطان سيرضَى أنّ يُصَالِحَهُ بأن يذكِّره بموضع المال ليمنعه الإخلاص في صلاتِهِ، قال: فعجبَ النَّاسُ من حُسْنِ استدلاله (١). حديث: قوله (٢) "سَاعَتَانِ تُفْتَحُ فِيهِمَا أَبوابُ السَّمَاءِ". قال الإمام (٣): في هذا الحديث دليلٌ على أنّ أبواب السّماء مُغْلَقَة، وكذلك أبواب الجَنَّة لا تُفتَح إلّا لسببٍ، من عروجِ أمرٍ أو نزولِ قضاءٍ أو ما شاء الله. والبارىء سبحانه هو الّذي يسمع الأقوال، وهو الّذي يرفع الأعمال، وهو الّذي يقبل الدُّعاء. وقد جعلَ لذلك علامات، وقرنَهُ بأسبابٍ، وخَصَّ به أَوْقَاتًا، منها حَضرَةُ (٤) الصّلاة. ومنها الاصطفاف عند القتال. فينبغي أنّ تغتنم تلك السّاعة وأمثالها، فإنّها متهيئة للقَبُولِ. وخصائصُهُ (٥) وجماعها عشرون خصلة، وثمرتها الإجابة، وكلُّ دعاء مَقْبُولٍ لقوله: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ الآية (٦). لكنّ الإجابة على ثلاثة اوجه: إمّا أنّ تُقضى له حاجتهُ الَتي عَيَّنَ. وإمّا أنّ يُعَوَّضَ خيرًا منها ممّا لم يعلم الدّاعي قَدْرها، ولو عَلِمَهُ الدّاعي لَرَضِيَ بالبَدَلِ. وإمّا أنّ تدَّخَر له إلى الآخرة، كذلك هو نصّ الحديث عن النَّبيِّ ﷺ (٧)، ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ﴾ الآية (٨)، وسيأتي الكلام عليه وشرحه في أبواب الدُّعاء إنّ شاء الله.

стр. 793

الفقه (١): إعلموا أنّ الأذان إنّما وضع كما بينّاه للإعلام بالوقتِ، فلا يكون إلَّا عند دخول الوقت، ولم يُشْرَع الأذانُ في الدِّين للنّوافل، وإنّما شرع للإعلام بوقت الفرائض، خَلَا صلاة الصُّبح، فإنّه يُنَادَى لها قبل وقتها بقليلٍ، ليتأهّب النّاس لها وتوقع (٢) في وقتها. وقد غلا في ذلك بعضى الرُّواة (٣) فقال:" يُؤَذّنُ لها عند الفراغ من العَتَمَةِ". وقيل: يؤذّن لها إذا انتصف اللّيل (٤)، أو ثُلُثَه، وهذا كلّه ضعيفٌ؛ لأنّه ليس في هذه الأوقات صلاة فريضةِ، وإنّما هي أوقات فضيلة، ولم يشرع لها أذان، فلا ينبغي أنّ يُلْتَفَتَ إلى ذلك. كيفية الأذان (٥): قال الإمام: اختلفتِ الرِّوايات في كيفيته عنِ النّبيَّ صلّى الله عليه من طُرُقٍ مرويّةٍ عن بلال وسَمُرَة وسَعْدٍ وأبي مَخذُورةَ، برواياتٍ لا يُعَوَّلُ على أكثرها، إلَّا ما رواه مالكٌ في "موطّئه "، وذلك أنّ مالكًا عوَّلَ على نقل أهل المدينة وعملهم (٦)، وقد نقلَ الأذان سبع عشرة كلمة نقلًا متواترًا (٧)، ولذلك قال (٨):"لا أعرفُ شيئًا ممّا أدركتُ عليه النَّاسَ، إلَّا النَّداءَ للصّلاةِ" وكذلك نَقَلَتِ الإقامة فُرَادَى، هذا نقل أهل المدينة، فلا يُعَوَّل إلَّا على مذهب مالكٌ في هذا المعنى. توقيت (٩): قال النّبيُّ صلّى الله عليه: " إذًا أُقيمتِ الصّلاةُ فلا تقوموا حتّى تَرَوْني" (١٠).

стр. 794

قال الإمام الحافظ: لا يكون هذا إلَّا إذا كان الإمامُ غائبًا، فإن كان حاضرًا، فقال مالكٌ (١): ليس في ذلك حدٌّ معروفٌ، وإنمّا ذلك على قَدْرِ حال النَّاسِ. وقال غيره: وقت القيام عند قوله: قد قامت الصّلاة، وإنّما أخذوها من هذا اللّفظ، والله أعلم. تأصيل (٢): انفرد مالكٌ ﵀ عن الفقهاء بأنه لا يصلَّى في مسجدٍ واحدِ بجماعةٍ مرَّتين، وذلك أصلٌ من أصول الدِّين، وذلك أنَّ الجماعة إنّما شُرِعَت في الصّلاة لتآلُفِ القلوب، وجَمْعِ الكلمة، وإصلاح ذاتِ البَيْنِ، والتّشاور في أمور الإسلام، فلا تكون إلَّا واحدة، ولو طرق فيها إلى التبعيض والتّشتيت (٣)، لانفسد هذا النّظام، وتنافَرَتِ (٤) القلوب، وافترقت الكلمة، وتوصَّلَ أهل البدعة والنِّفَاقِ إلى الانفراد بآرائهم (٥)، وإلى الدّاخلة على أهل الإسلام في دِينهم (٦)، من تفريق الكلمة وتشتيت الجماعة، حتّى لو وقع بين أهل قرية كلامٌ، وأراد رجلٌ ان يَسْتَدْعي جيرانه لبناءِ مسجد ينفرد به (٧)، لم يجز، ويُمنَع من ذلك ويُهْدَم عليه ويردّ إلى أصحابه؛ ولذلك هدم النّبيُّ ﷺ مسجد الضّرار. معارضة (٨): وقعَ في التّرمذيّ (٩) عن أبي المُتَوَكِّل النَّاجي (١٠)، عن أبي سعيدِ الخُدْريّ قال: جاءَ رَجُلٌ إلى المسجدِ وقد صلَّى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "أَيُّكُمْ يَتَّجِرُ مع

стр. 795

هذا؟ " فقام رَجُلٌ فصلَّى معه. وروى أبو داود (١) وقال: "أيُّكُمْ يتصَدَّقْ عَلَى هَذَا" والمعنى واحد؛ لأنَّ التّجارة مع الله صدقة، وربحُ هذا معناهُ محفوظٌ في الشّريعة (٢). فإن قال قائل: لأيِّ شيءٍ لا يأخذ مالكٌ بهذه الأحاديث في إعادة الصّلاة بجماعتين في مسجدٍ واحد؟ قلنا (٣): إنمّا نظر مالكٌ ﵀ إلى سَدِّ الذَّرائع، لئلّا يختلف على الإمام، وتأتي جماعة بإمامٍ آخر فيذهب حكم الجماعة. وإنّما يفعل هذا أهل الزيغ والبدع في تشتيت الجماعة على الإمام. وقال بعض علمائنا: لا يُفْعَلُ هذا إلَّا بإِذْن الإمام بأن يقول لهم: ادخلوا وصلُّوا معه، كما في حديث أبي سعيدٍ الخُدْريّ، وهو مبنيٌّ على أنَّ ذلك حقّ الإسلام أو حقّ الإمام. تركيب (٤): فإن كان مسجدًا ليليًّا (٥)، قال مالكٌ: تصلَّى فيه صلاة النّهار. وقد رُوِيَ عنه أنَّه لا يُصَلَّى فيه، وذلك منه سدُّ ذريعةٍ وضبطٌ للشّريعة. حديث مالكٌ (٦)، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب؟ أنّه كان يقولُ: مَنْ صلَّى بأرضِ فَلَاةٍ، صلّى عن يَمِينِهِ مَلَكٌ وعَنْ شِمالِهِ مَلَكٌ، فإن أذَّنَ وأقَامَ، صلَّى وراءَهُ من الملائكةِ أمثالُ الجبالِ. الإسناد: قال الإمام: هذا حديثٌ مُرْسَلٌ من مَرَاسِلِ سَعِيدٍ، أدخلَهُ فيه مالك. وفيه مسألتان من أصول الفقه: إحداهما (٧): إنَّ المراسل من الحديثِ كالمُسْنَدَةِ عندَهُ (٨)، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشّافعيّ لا تُقبَلُ المراسل بحالٍ (٩). وقال أصحابُه إلَّا مراسيل سعيد بن المسيَّب

стр. 796

فإنَّها صِحَاحٌ. قال الإمام (١) وتتبّعتُ مراسل سعيد بن المسيَّب فوجدتها كلُّها صِحَاحًا مُسْنَدَةً (٢). المسألة الثّانية (٣): هي أنَّ الصّاحب إذا قال قولًا لا يقتضيه القياس، فإنَّه محمولٌ على المُسْنَدِ إلى النّبيَّ ﷺ ، وهي مسألةً خلافٍ كبيرة (٤)، ومذهب مالكٌ (٥) فيها أنَّه (٦) كالمُسْنَدِ، وقد بين ذلك في مسألة البِنَاء في الرُّعافِ بحديث ابن عمر (٧)، وابن عبّاس (٨). وزاد مالكٌ ﵀ مسالةً ثالثةً وهي: إذا روى التّابعيّ ما لا يقتضيه القياس ولا يُوصَل إليه بالنَّظَر، ولذلك أدخل عن سعيدٍ صلاة الملائكة خَلْفَ المصلَّي، وقد بينَّاه في غير ما (٩) موضع، وقد أسندَ هذا الحديث عن سعيد الرُّواة أجمع، وأنَّه حديث صحيح موثوق متَّفقٌ عليه (١٠). الفقه (١١): قوله: "صلّى عن يمينه مَلَكٌ وعن يساره مَلَكٌ" قال الامامُ: في هذا الحديث دليلٌ على ما قاله ابن مسعود في أنّه إذا صلَّى وراء الإمام اثْنَانِ، صلَّى عن يمينه واحدٌ وعن يَسَارِهِ واحِدٌ (١٢). قال الإمام الحافظ: ومواقفُ الإمام مع المأموم سبعة: الموقف الأوّل: هو أنّ يكون واحدًا، فيقف عن يمينه، لحديث ابن عبّاسٍ، أنّه بات عند خَالَتِهِ ميمونة. الحديث في "البخاريّ" (١٣).

стр. 797

الموقفُ الثّاني: هو أنّ يكونا اثنين، صلَّيَا خَلْفَهُ، لحديث أنس، قوله: "قمتُ أنا واليتيم وَرَاءَهُ " (١). الموقفُ الثّالث: أنّ تكون امرأةً صلّت خَلْفَهُ؛ لأنّه إذا كان معه رجُلٌ صلَّتِ المرأةُ خَلْفَهُما، لِمَا تقدَّمَ في حديث أنسٍ. فإن صلَّت المرأةُ بجَنْبِ الإمام، قال أبو حنيفة (٢): تبطلُ صلاته. وهذا باطل؛ لاْنّه إنّ لم يعرف فإنهّا أساءت في موقفها، ولا تبطل صلاة الإمام بذلك ولا صلاتها، وإن عرف بها ونوى ائتمامها، فإنمّا وقعت النية على مقتضى السُّنّة، فإذا خالفت هى السّنّة في نفسها، فلا يتعدَّى فعلها إلى صلاة الإمام، كما لو أحدثت أو تجرَّدَت أو اسْتَدْبَرَت، أو وقف الرَّجُل أمام الإمام، وهو: الموقفُ الرّابعُ. وحَزَرَ علماؤنا هذا وقالوا: إذا وقفتِ المرأةُ بجَنْبِ الإمام، فإنّها إساءةُ مَوْقِفٍ (٣)، فلا تبطل صلاة الإمام به، كما لو وقف الرّجُلُ أمامه. وعندنا نحن: إذا وقف الرَّجُلُ أمام إمامه صحّت صلاته (٤). وقال الشّافعيَّ (٥) وأبو حنيفة (٦): تبطل صلاته، كما لو كان واحدًا وقف على يساره. وهو: الموقف الخامس. والموقف السّادس: أنّ يكونا رَجُلَين وامرأة، صلّا الرّجلان وراء الإمام، والمرأة خَلْف الرّجُلَين كما في حديث أنس. الموقف السّابع: أنّ يكنّ نساءً لا رَجُلَ فيهنّ، فالموقفُ من خَلْفِه، ولا متعلّق لابن مسعود في حديث سعيد؛ لأنّ قوله: "صلَّى عن يَمِينِهِ ملَكٌ وعن يَسَارِهِ مَلَكٌ"، يحتمل أنّ يريد الملَكين الملازِمَينِ له، فيكونان قد صلّيا معه بحُكم الاشتراك في العبادة، ولزما موقفهما الّذي رتَّبَ اللهُ لهما. ويقال: إنّ ذلك فعل الملائكة، والله أعلم.

стр. 798

الأصول: فإن قيل: وهلِ الملائكة مكلَّفون يصلُّون؟ فأجاب عنه علماؤنا بأجوبة: الأوّل: أنّ هذا الحديث يدلُّ على أنّ الملائكة مكلَّفون، لكن لا يعرف كيفية هذا التّكليف، ولا كيفيّة هذه الصّلاة. فإن قيل: إنّ جبريل كان مصلَّيًا. قلنا: بل كان متنفَّلًا، والنبيُّ ﷺ مفترضٌ. فإن قيل: وكيف تجوز صلاة مفترضٍ خَلْفَ متنفَّلٍ؟ قلنا: بل كان معلِّمًا مُبَيَّنَا لجميع أفعال الصّلاة، فجاز الاقتداء به، كما خرّجه النَّسائي (١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "هَذَا جِبْرِيل جاءَكُمْ يعلِّمكُم دينكم، فصلَّى الصّبح حين طلع الفجر"، وأعلمه بكيفية الأوقات. فإن قيل: لا تكلِيفَ على مَلَكٍ في هذه الشّريعة، وإنّما هي على الجنِّ والإنْس. قلنا: ذلك لم يعلم عَقلًا وإنّما عُلم بالشّرع، وجبريلُ مأمورٌ بالإمامة بالنبيِّ ﷺ ، ولم يُؤمَر غيرُه من الملائكة بذلك، فكما خُصَّ بالإمامة جاز أنّ يُؤْمَرَ بالفَريضة. وقد رأيتُ في حديث مالكٌ من قول جبريل (٢): "بِهَذَا أمرتُ" برفع التّاء ونصيها. فأمّا رفعُ التاء فثابتٌ صحيحٌ، وهو في أمرِ جبريل صريحٌ، ولم نعلم صفة أمر الله تعالى له، وهل قال له: بَلِّغ إلى محمّد هيئة الصّلاة قولاً وفعلًا؟ وقد تقدَّمَ الكلام في صَدْرِ الكتاب على هذه المسألة بَأبْدَع بيانٍ، فلينظر هنالك، والله الموفّق للصّواب.

стр. 799

قدْرُ السُّحُور من النِّداء يحيى عن مالكٌ (١)، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر؛ أنّ رسولَ الله ﷺ : "إنّ بِلالًا ينادِي بلَيْلٍ، فكُلُوا واشْرَبُوا حتَّى يُنَادِي ابن أُمِّ مَكْتُومٍ". وقوله في الحديث الثّاني (٢): "وكانَ ابنُ أمَّ مكتومٍ رَجُلًا أَعْمَى، لا يُنَادِي حتَّى يقالُ له: أَصْبَحْتَ أَصبَحْتَ". التّرجمة (٣): قال مالكٌ (٤) ﵀: "قَدْرُ السُّحور من النِّداء" وهو لفظ مُشكِلٌ، والمعنى المراد به: أنّه أراد أنّ يبيِّن قَدْر وقت السُّحور من وقت نداء الصُّبح المحقّق لها. ويعرف أنّ السُّنَّة تأخير السُّحور، وتقدير الكلام: قَدْر وقت السُّحور من وقت النِّداء. وتبيينه (٥) تمام الحديث الّذي ذكر مالك أطرافه، ونصُّه قال النّبي ﷺ : "إنّ بلالًا ينادي بليلٍ، ليرجع قائمكلم، ويوقظ نائمكلم، فكُلوا واشرَبُوا حتّى يُنَادِي ابن أمّ مكتومٍ" ولم يكن بين ندائهما إلَّا أنّ ينزل هذا ويصعد هذا (٦). الإسناد: قال الإمام: هذا حديثٌ مُرْسَلٌ عند يحيى (٧)، وأسندَهُ القعنبيّ (٨) عن مالك، عن الزُهريّ، عن سالم، عن ابن عمر؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "إنّ بِلاَلًا يُنادي بلَيْلٍ، فكُلُوا واشرَبُوا، حتّى يُنَادِي ابنُ أمِّ مَكْتُومٍ" صحيح حسن في الباب.

стр. 800

الأصول (١): قوله: "إنَّ بِلالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ" توهَّمَ بعضُ علمائنا أنّ هذا الحديث دليلٌ على صِحَّة العمل بخبر الواحد، وليس موضوعُ الحديث هذا، وإنّما موضوعه أنّه يجوز الاكتفاء بالواحد عن الاثنين وعن الجماعة في صحة العمل على قوله، إذا جُعِلَ ذلك إليه وقُلِّدَ به، كما قال النّبي ﷺ : "واغدُ يَا أُنَيْس عَلَى امْرَأَةٍ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَت فَارْجِمْهَا" (٢)، فاكتفَى بالواحد، وسيأتي تحقيق هذا في كتاب الحدود إنّ شاء الله. الفوائد المتعلِّقة بهذا الحديث: وهي سبعُ فوائد: الأُولى: فيه من الفقه: جوازُ شهادة الأعمى، خلافًا لأبي حنيفة (٣) فإنّه لا يُجيز شهادة الأعمى. وفيه: قَبُول خَبَرِ الواحد على من يرى ذلك قويًّا في الباب. وفيه: جوازُ الشّهادة على الصّوت (٤). وفيه: أنّ الفِطرَ يجوز إلى طلوع الفَجْر. وفيه: دليل على أنّ المجاز يستعمل كما تستعمل الحقيقة؛ لأنّه لا يؤذّن حتّى يقال له: أصبحت أصبحت، أي: قاربتَ الصّبح، فاستعمل أصبحت على المجاز؛ لأنّه لو أصبح لم يصحّ الأكل، ولم يرد النّبي ﷺ بقوله: "حتّى يُنَادِي ابن أم مَكْتُومٍ" تفسير النِّداء، وإنّما أراد الصَّباح. تكملة: فالأذان إنّما هو الإعلام (٥) بالصّلاة، وهو شعار المسلمين، وكلمة الدِّين، والفَرق بين المؤمينن والكافرين، يُسَكِّن الدَّهماء، ويحقن الدّماء، وهو فرض في الجملة، سنّة

стр. 801

في الجماعة، فضيلة للفَذِّ. وأحاديثه كثيرة، وفروعه متشعِّبهة، لبابها وعُمْدَتُها ما أوضحناهُ لكم في هذه العُجَالة (١)، والحمد لله ربِّ العالمين. افتِتَاحُ الصّلاة ذكر فيه مالك (٢)، عن ابن شهاب، عن سالم، عن عبد الله بن عمر؛ أنّ رسول الله ﷺ كان إِذَا افْتَتَحَ الصّلاةَ رَفَعَ. .. (٣). الإسناد (٤): قال الإمام: هكذا رواه يحيى، لم يذكر الرّفع عند الرّكوع، وتابعه جماعة من رُوَاةِ "الموطَّأ" (٥) فذكروا فيه: رَفْعَ اليَدَينِ عند الافتتاح، وعند الرّكوع (٦)، وعند الرَّفْعِ من الرُّكوعِ. وكذلك رواه أصحاب ابن شهاب، وهو الصّواب (٧). تنبيه على وهم (٨): قال بعض علمائنا: رَفْعُ اليدَين عند افتتاح الصّلاة من محاسِنِ الصّلاة. قلنا: بل رَفْعُ اليدَيْن عند الافتتاح وغيره، خضوعٌ واستكانَةٌ، وابتهالٌ وتعظيمٌ للرَّبِّ واتِّباعٌ لسُنَّة رسول الله ﷺ ، وليس هذا (٩) بواجبٍ. ومعنى رفع اليدين: الاستسلام، والتَّكبير: هو تعظيمُ الرَّبِّ. وكان عبد الله بن عمر يقول: لكلِّ شيءٍ زينةٌ، وَزِينَة الصّلاة التكبير ورفع الآيدي فيها (١٠).

стр. 802

وقال عُقْبَة بن عامر: له بكلِّ إشارة عشر حسنات، بكلِّ أُصْبُعٍ حَسنَة (١). الفقه (٢): اختلف العلماء في وجوب تكبيرة الإحرام، فذهب جمهور الأيمّة إلى وجوبها. وذهبت طائفة إلى أنّها سنَّة، وهو قول الحسن (٣)، وابن المسيَّب والزُّهريّ، قالوا: إنّ تكبيرةَ الإحرام سنة وتُجْزِىء تكبيرة الرّكوع عن تكبيرة الإحرام. قال الإمام (٤): ورُوِيَ عن مالكٌ في المأموم ما يدلُّ على أنّ ذلك سنّة، قال في "الموطّأ" (٥) في رجُلٍ دخل مع الإمام، فنَسِيَ تكبيرة الإحرامِ وتكبيرةَ الرُّكوعِ حتّى صلَّى ركعةً، وذَكَرَ أنَّه لم يكن كَبَّرَ للافتتاح ولا للرّكوع، وكَبَّرَ في الرَّكعةِ الثّانية، قال: "يَبْتَدِىُ صلاته أَحَبُّ إِليَّ"، ورَوَى عنه ابن القاسم في "المدوّنة" (٦) أنّ المأموم إِنْ نَسِيَ تكبيرة الافتتاحِ، وكبَّرَ للرُّكوع يَنْوِي بها الإحرامَ أَجزَأَهُ، وإن لم ينو إحرامًا تَمَادَى وأَعَادَ الصَّلاة. ولم يختلف قوله في الَمُنْفَرِد والإمام أنّ تكبيرةَ الإحرام واجبةٌ على كلِّ واحدٍ منهما، ومن نسيها منهما أعادَ (٧) الصّلاة. وأمّا حُجَّةُ من قال بوجوبها: فقولُه ﵇: "فإذا كَبَّرَ فَكَبَّرُوا" (٨). فذكر ﵇ تكبيرة الإحرام دون غيره من التكبير، وقد أجمعوا أنّ من نسي (٩) سائر التكبير ما عدا تكبيرة الإحرام أنّ صلاته تامّة (١٠). فدلَّ ذلك على أنّ سائر التّكبير غير تكبيرة الإحرام ليس بلازِمٍ. واحتجُّوا بما رُوِيَ عن عليِّ بن أبي طالب؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "تَحْرِيمُ الصَّلاةِ التَّكبيرُ، وتحليلُهما التّسليمُ (١١) "، وكان أحمد (١٢) وإسحاق يحتجّان بهذا الحديث، وفيه تعليلٌ كثيرٌ نذكر منه طرفًا هاهنا.

стр. 803

الإسناد: قوله ﷺ : "مِفْتَاحُ الصَّلاةِ الطُّهُورُ وتحريمها التَّكْبِيرُ وتحليلها التَّسليم، قال أبو عيسى (١): أصحّ شيء في هذا الباب حديث محمد بن الحنفية عن عليّ بن أبي طالب أنّه قال: "مفتاح الصّلاة الطّهور" الحديث (٢). قال الإمام: وهذا حديثٌ لم يخرِّجه أهل الصِّحة، وقد رواه أبو داود (٣) بسند صحيح أصحّ من سنَدِ الترمذي وأَقوَى. ورَوَى مُجَاهِد عن جابر؛ أنّه قال: "مفتاح الجنَّةِ الصّلاة، ومفتاحُ الصّلاةِ الوضوءُ " الحديث (٤). عربيته (٥): قوله: "مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ" مجازٌ (٦) ما يفتَحُها من غَلَقِهَا، وذلك أنّ الحَدَثَ مانعٌ منها، فهو كالقُفْلِ موضوعُ على المُحْدِثِ (٧)، حتَّى إذا توضَّأَ انْحَلَّ القُفْلُ. وهذه إستعارة (٨) بديعةٌ لا يقدر عليها إلَّا النُّبوَّة. وكذلك قوله: "مفتاحُ الجنَّة الصّلاة": بَيَّنَ أنَّ أبواب (٩) الجنّة مُغْلَقَة تفتحها الصّلاة والطّاعات والعبادات، فإنْ جئتَ بالمفتاح له أسنانٌ فُتِحَ لك، وإن لم تجىء لم يُفتح (١٠). وتتفاضلُ الأسنانُ في الفِعْلِ والصَّغَر والكِبَر، كقوله: "أوّل ما ينظر فيه من عمل العبد الصّلاة" (١١) كذا إلى سائرالأعمال.

стр. 804

الأصول (١): قوله: "تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ" هو مصدر، حَرُم يَحْرُمُ، ويَشْكُلُ استعمالُه هاهنا؛ لأنّ التكبير جزءٌ منها، فكيف يحرمها؟ فقيل: مجازُه (٢) إحرامها، يقال: أحرمَ الرَّجُلُ، إذا دخل في الشّهر الحرام، أو البلد الحرام؛ ولمّا كانتِ الصّلاةُ تحَرَّمُ أشياء قيل لأوّل ذلك - وهو التكبير-: إحرام، واتبع الأوّل الثّاني، كما قالوا: أتَيْتُه بالغدايا والعشايا ونحوه. ويحتمل أنّ يجعلَها حرامًا لا يجوز أنّ يُفْعَلَ فيها شيءٌ (٣) من غيرها، كما يقال: بلدٌ (٤) حرامُ وشهرٌ حرامٌ. الأحكام: وفيه خمس مسائل: الأُولى (٥): قولُه: "تَحْرِيمُهَا التَّكبِيرُ" يقتضي أنَّ تكبيرةَ الإحرام جُزءٌ من أجزائها، كالقيام والرُّكوع والسُّجود، خلافًا لسعيد والزُّهريّ اللّذين يجعلانها سُنَّة، ويقولان: الإحرامُ يكون بالنِّيَة، وقد قال النبيُّ ﵇: "الأعمالُ بالنِّيات" (٦)، والصّلاةُ أصلُ الأعمالِ، والتَّكبيرُ أوَّلُها، فاقتضى ذلك كونها منها بعد النِّية. المسألة الثّانية (٧): قوله: "التكبِيرُ" يقتضي اختصاص إحرام الصّلاة بالتَّكبير، دونَ غيرِه من صفات تعظيم اللهِ وجَلاَلِه، وهو تخصيصٌ لعُمومِ قوله: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (٨). فَخُصَّ التَّكبيرُ بالسُّنَّة من الذِّكر المُطْلَقِ في القرآن، لا سيّما وقد اتّصل في ذلك فِعْلُه بقَوْلِهِ، فكان يكبِّر ﷺ ويقول: "الله أكبر". وقال أبو حنيفة: يجوز بكلِّ لفظ فيه تعظيم الله، لعموم القرآن (٩)، وقد بيَّنِّا أنّه

стр. 805

تعلُّق ضعيفٌ. وقال الشّافعيُّ (١): يجوز بقوله: الله الأكبر. وقال أبو يوسف: يجوزُ بقوله: الله الكبير. تنقيح (٢): قال الإمام: أمّا الشّافعيّ، فأشار إلى أنّ الألف واللّام زيادة لم تُخلّ باللّفظ ولا بالمعنَى. وأمّا أبو يوسف، فتعلقَ بأنّه لم يخرج عن اللَّفظِ الّذي في هذا الحديث (٣)، فقد خرج عن اللّفظ الّذي جاء به الفعل بتفسير المُطْلَق في القَوْلِ (٤)، وذلك لا يجوز في العبادات الّتي لا يتطرَّق إليها التّعليل. وهذا يردُّ على الشّافعي أيضًا؛ فإنّ العبادات إنمّا تُفْعَلُ على الرَّسْمِ الوَارِدِ دونَ نظرٍ إلى شيءٍ من المَغنَى. وقال علماؤنا:" تَحْرِيمُهَا التَّكْبيرُ" يقتضي اختصاص التكبير بالصّلاة دون غيره من اللّفظ؛ لأنّه ذَكَرَهُ بالألف واللّام اَلّذي هو بابٌ* شأنه التّعريف كالإضافة، وحقيقة الألف واللّام* (٥) إيجَاب الحُكْمِ لِمَا ذُكِرَ، ونفيه عمّا لم يذكر وسلبه منه، وَعَبَّرَ عنه بعضُهم بأنّه الحَصْر، وقد بينّاه في، "الأصول". المسألة الثّالثة (٦): قولُه:"افْتِتَاحُ الصّلاةِ" معناها: أنّ الصّلاة فعلٌ مُنْغَلِقٌ على المكلَّف مُمْتَنِعُ الفعل، لا يجوز المجيءُ بها إلَّا بعد تقديم مفتاحٍ يتألَّفُ من عَقدٍ وقولٍ وفعلٍ. فأمّا العَقْدُ فهي النِّية، وهي تجري من الإنسان كجَرْيِ الرُّوح في الجَسَدِ، ولا خلافَ فيها بين الأُمَّة، وحقيقتها: قصدُ التَّقَرُّبِ إلى الآمِرِ بفِعْلِ ما أَمَرَ به لحقِّ الآمِرِ خاصّةً. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الآية (٧). وقال النّبيُّ ﷺ : "الأعْمَالُ

стр. 806

بِالنِّيَّاتِ" (١)، وأشرف الأعمال الصّلاة، هي أوّلها، وهي مراده بمعنى هذا الحديث فيها. والأصلُ في كلِّ نيّة أنّ يكون عَقْدُها مع التَلَبُّس بالفعل (٢)، وقد رخّصَ في تقديمها في الصّوم لعظمٍ في اقترانها بأوّله (٣). ووقع لعلمائنا مسامحةٌ في تقديمها على الوُضوء، فيمن يخرج يقصدُ النّهر للطّهارة، فعزَبَتْ نِيّتُه قبل البلوغ إليه؛ أنّه يجزئه، وحمل الجُهَّال الصّلاة عليه (٤)، وإنّما كان ذلك في الطّهارة لاختلاف العلماء في افتقارها إلى النّية، بخلاف الصّلاة، فإن افتقارها إلى النّيّة مُجْمَعٌ عليه، فلا يجوز ردّ الأصل المتَّفَقِ عليه إلى الفرعِ المُختَلَفِ فيه. *قال لنا أبو الحسن القزوينيُّ بثغر عسقلان* (٥): سمعتُ إمام الحرَمَين يقول: يُحضِرُ الإنسانُ عند التَلَبُّسِ بالصّلاة النِّية، ويجدِّد النَّظَرَ في الصّانع، وحَدَثِ العَالَمِ، والنُّبوَّاتِ، حتَّى ينتهي نَظَرُه إلى نيّة (٦) الصّلاة قال: ولا يحتاج ذلك إلى زَمَنٍ طويلِ، وإنمّا يكون في أَوْجَزِ لَحْظَةٍ؛ لأنّ تعليم الجمال (٧) يفتقرُ إلى زمانٍ طويلٍ، وتذكارُها يكون في لحظة. ومن تمام النّية أنّ تكون منسحبة على الصّلاة كلَّها، إلَّا أنّ ذلك لما كان أمرًا يَتَعذَّرُ، سمَحَ الشّرعُ في عُزُوب النِّية في أثنائها. وسمعت شيخنا الفهري بالمسجد الأقصى يقول: قال محمد بن سحنون (٨): رأيتُ أبي سحنونًا ربمّا يكمل الصّلاة ثم يعيدُها، فقلت له: ما هذا يا أبت؟ فقال: عَزَبَت نِيَّتِي في أثنائها، فلأجل ذلك أَعَدْتُها. وسيأتي تمامُ القوِلِ فيه في باب: "النَّظَرِ في الصَّلاةِ إلى ما يشغلك عنها" إنّ شاء الله. وأمّا الأفعال فهي أربعة:

стр. 807

االأوّل: السَّترُ. الثّاني: استقبال القبلة. الثّالث: السِّواك. الرّابع: رفع اليدين. أمّا السِّتر، فهو فَرْضٌ إسلاميٌّ بإجماع الأُمَّةِ (١)، واختلف العلماء هل هو من شرط الصّلاة أم لا؟ فمشهور مذهبنا أنّه ليس (٢) من شروط الصّلاة (٣). قال الإمام: والصّحيح في النَّظَرِ أنّه من واجباتِ الصّلاة المخصوصةِ بها، قال الله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٤). وقال رسول الله ﷺ : "لا يَحُجُّ بعدَ العَام مُشرِكٌ ولا يَطُوفُ بالبيتِ عُرْيَانٌ" (٥). وأمّا استقبال القبلة، فلا خلافَ فيه. وأمّا السِّواك: فمن جُهَّال المحدِّثين من أَوْجَبَهُ، وذلك معاندة للنَّصِّ، ففي الصّحيح أنّه قال: "لَوْلًا أنْ أَشُقَّ على أُمَّتِي لأمَرْتُهُم بالِسَّواكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ" (٦) فهو ﷺ قد صرَّحَ بنَفْيِ الوُجوبِ، فكيف يثبته أحدٌ! نكتةٌ أصولية (٧): قال الإمام: في الحديث الّذي ذكرناه عن النَّبيِّ ﷺ أصلان من أصول الفقه: أحدهما: أنّه يجوزُ للنَّبيِّ ﷺ أنّ يفرض بالاجتهاد على أُمَّتِهِ؛ لأنّه لو كان وَحْيًا من الله بنفيٍ أو إثبات لبلَّغَه، كان فيه حَرَجٌ أو لم يكن، وقد مهَّدنا ذلك كلّه في كتاب: "المَحصول في علم الأصول".

стр. 808

* ثانيهما: النّصُّ على أنّ الأمر على الوجوب، لقوله: "لأمرتهم بالسِّواك"* (١) فهذا ارتفع الوُجوبُ بقي التّخصيص المستدعي (٢) للنَّدْب. وقد تكلَّمنا عليه في بابه بأَبدعِ بيان. وروى الدّارقطني (٣)، عن عكرمة، عن ابن عبّاس: "في السِّواك عشر خِصَالٍ: مَطهَرَةٌ للفم، مَرْضَاةٌ للرَّبِّ، مطردةٌ (٤) للشّيطانِ، مَفْرَحَةٌ (٥) للملائكة، يُذهِبُ الحَفْرَ، ويجلو البَصَرَ، ويشدّ اللِّثَّة، ويقطع البَلْغَم، ويطيب النّكْهَة، وهو من السُّنَّة". وزاد فيه أبو بكرٍ الفهري: مثراة للمال، منماة للعَدَدِ، ويزيد في الحسنات. المسألة الرّابعة (٦): في رفع اليدين وهو الّذي صَدَّرَ به مالكٌ (٧). وللعلماء فيه خمسة أقوالٍ، أوضحناها في "متن الصّحيح" و"كتب المسائل". واختلفت الرِّواية في الصَّحيح عن النِّبيّ ﷺ فيها، فرُوِيَ أنّه كان يرفع يَدَيْه حَذْوَ مَنْكِبَيهِ (٨)، ورُوِيَ حَذْوَ أُذُنَيْهِ (٩)، ورُوِيَ: حَذْوَ الصَّدْرِ، فهذه ثلاث رواياتٍ. فإمّا حيال المِنْكَب والأُذُن، فقد رُوِي ذلك عنه في الصّحيح. وأمّا حذو الصَّدْرِ فليس بشيءٍ (١٠)، والجمعُ بينهما أنّ تكون أطراف أصابعه بإزاء الأُذُنَيْن، وآخر الكَفِّ بإزاء المَنْكِبَيْن، فذلك جمعٌ بين الرِّوايتين، بان يجعل آخر الكفِّ مِمَّا يلي السّاعد حَذْوَ المَنْكبَيْن مبسوطة غير منشورة، وقد تقدَّمَ بيانُه. المسألة الخامسة: في التّكبير وقد أجمعتِ الأُمَّة على أنّها فَرْضٌ -أعني التّكبيرة الاُولى- فقط، خلافًا لسعيد بن المسيَّب وابنِ شهاب.

стр. 809

تنبيه على إغفال (١): قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي ﵁: رَتَّبَ (٢) مالكٌ الأبواب، ونبَّهَ على الآثار، وبيَّنَ أمرَ الصّلاة غاية البيان، وأَرْبَى فيه على المُصَنِّفين، وزاد مالكٌ عليهم بما فيها من الآثار، وكيف نَقَلَها النّاس جملةً كأبي سَعِيدٍ وأبي حُمَيْد السَّاعِدِيّ وأبي هريرة وغيرِهم، ونَقَلها أيضًا جملة من الصَّحابة مُفَصَّلة ومُجْمَلَة. واجتمع البيانُ في كلِّ طريقٍ، والّذي نقل عنه ﷺ منها في (٣) هَيئَة الصّلاة بين (٤) الأقوال والأفعال ستّ وثلاثون خَصْلة، اختلفت منِاهج العلماء فيها على ثلاثة أنحاء: المَنْحَى الأوّل: أنّها كلُّها واجبةٌ. المَنْحَى الثّاني: أنّ ما تضمَّنَ القرآنُ منها واجبٌ، وما خرج عنه فهو مَسْنُونٌ. المنحى الثّالث: المقابلةُ بين الأفعال والأقوال، فما يتحصَّلُ (٥) منها إلى الوجوب أو السُّنَّة قُضِيَ به، وعلى ذلك بَنَى مالكٌ موطّأه، وهو المنهج الأسدّ الأقصد. بَسْطَةٌ (٦): وأيضًا: فإن النّبيَّ ﷺ قال: "صَلُّوا كمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلَّي" (٧). فوجب الانتهاء إلى هذا، وتَعَيَّنَ الاقتداء به، ثمّ نَظَرْنَا إلى جميع (٨) السِّتِّ والثّلاثين فوجدناها مُفْتَقِرَة إلى بيان، يأتي إنّ شاء الله في كلِّ بابٍ في موضعه على البيان. بابُ القراءةِ في المَغْرِب أحاديث هذا الباب كثيرةٌ، أمهاتُها أربعة:

стр. 810

الحديث الأوّل: مالكٌ (١)، عن ابن شهاب، عن محمّد بنِ جُبَيرْ بنِ مُطعمِ، عن أبيه؛ أنّه قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقرأُ بالطُورِ في المَغْرِبِ. الإسناد: قال الشّيخ أبو عمر (٢): "والده جُبَيْر بن مُطعم أُتِيَ به أسيرًا في أسَارَى بَدْر، فسمع قراءة النّبيّ ﷺ في المغرب فاستحسنَها، فأَسْلَمَ حينئذٍ". الحديث الثّاني: حديث أُمَّ الفَضْل، قالت: خرجَ إلينا رسول الله ﷺ عاصِبًا رأسه في مَرَضِهِ فصلَّى المغربَ، فقرأ بالمُرْسَلات عُرْفًا، فما صَلَّاهَا حتَّى لَقِيَ اللهَ. حديث صحيح (٣). الحديث الثّالث: ثبت عنه ﷺ أنّه قرأ في المغرِب بالأعراف (٤)، وقيل بِطُولَي الطُّولَينِ (٥) في الحَضَر، وكانت قراءته في السَّفَر بالطُّور. الحديث الرّابع: ثبتَ عنه ﷺ أنّه قرأ بالتِّين والزَّيتون (٦). العربية (٧): قوله: "صلَّى في المغرب" المغربُ مَفْعِل من غرب، وهو عبارة عن زمَنِ الغُروب. وقوله: "صَلُّوا المَغْرِب" أضافها إلى الزّمان ثمّ حذف فقال: المغرب، وفي "صحيح البخاريّ" (٨): "لا تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرابُ على اسْمِ صلاتِكُم إنّها المغرب" وهم يسمّونها العِشَاء. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ (٩). ولم يجىء للشّمس ذِكْرٌ
следующие страницы →