← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

بِالنِّيَّاتِ" (١)، وأشرف الأعمال الصّلاة، هي أوّلها، وهي مراده بمعنى هذا الحديث فيها. والأصلُ في كلِّ نيّة أنّ يكون عَقْدُها مع التَلَبُّس بالفعل (٢)، وقد رخّصَ في تقديمها في الصّوم لعظمٍ في اقترانها بأوّله (٣). ووقع لعلمائنا مسامحةٌ في تقديمها على الوُضوء، فيمن يخرج يقصدُ النّهر للطّهارة، فعزَبَتْ نِيّتُه قبل البلوغ إليه؛ أنّه يجزئه، وحمل الجُهَّال الصّلاة عليه (٤)، وإنّما كان ذلك في الطّهارة لاختلاف العلماء في افتقارها إلى النّية، بخلاف الصّلاة، فإن افتقارها إلى النّيّة مُجْمَعٌ عليه، فلا يجوز ردّ الأصل المتَّفَقِ عليه إلى الفرعِ المُختَلَفِ فيه. *قال لنا أبو الحسن القزوينيُّ بثغر عسقلان* (٥): سمعتُ إمام الحرَمَين يقول: يُحضِرُ الإنسانُ عند التَلَبُّسِ بالصّلاة النِّية، ويجدِّد النَّظَرَ في الصّانع، وحَدَثِ العَالَمِ، والنُّبوَّاتِ، حتَّى ينتهي نَظَرُه إلى نيّة (٦) الصّلاة قال: ولا يحتاج ذلك إلى زَمَنٍ طويلِ، وإنمّا يكون في أَوْجَزِ لَحْظَةٍ؛ لأنّ تعليم الجمال (٧) يفتقرُ إلى زمانٍ طويلٍ، وتذكارُها يكون في لحظة. ومن تمام النّية أنّ تكون منسحبة على الصّلاة كلَّها، إلَّا أنّ ذلك لما كان أمرًا يَتَعذَّرُ، سمَحَ الشّرعُ في عُزُوب النِّية في أثنائها. وسمعت شيخنا الفهري بالمسجد الأقصى يقول: قال محمد بن سحنون (٨): رأيتُ أبي سحنونًا ربمّا يكمل الصّلاة ثم يعيدُها، فقلت له: ما هذا يا أبت؟ فقال: عَزَبَت نِيَّتِي في أثنائها، فلأجل ذلك أَعَدْتُها. وسيأتي تمامُ القوِلِ فيه في باب: "النَّظَرِ في الصَّلاةِ إلى ما يشغلك عنها" إنّ شاء الله. وأمّا الأفعال فهي أربعة:

стр. 807

االأوّل: السَّترُ. الثّاني: استقبال القبلة. الثّالث: السِّواك. الرّابع: رفع اليدين. أمّا السِّتر، فهو فَرْضٌ إسلاميٌّ بإجماع الأُمَّةِ (١)، واختلف العلماء هل هو من شرط الصّلاة أم لا؟ فمشهور مذهبنا أنّه ليس (٢) من شروط الصّلاة (٣). قال الإمام: والصّحيح في النَّظَرِ أنّه من واجباتِ الصّلاة المخصوصةِ بها، قال الله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٤). وقال رسول الله ﷺ : "لا يَحُجُّ بعدَ العَام مُشرِكٌ ولا يَطُوفُ بالبيتِ عُرْيَانٌ" (٥). وأمّا استقبال القبلة، فلا خلافَ فيه. وأمّا السِّواك: فمن جُهَّال المحدِّثين من أَوْجَبَهُ، وذلك معاندة للنَّصِّ، ففي الصّحيح أنّه قال: "لَوْلًا أنْ أَشُقَّ على أُمَّتِي لأمَرْتُهُم بالِسَّواكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ" (٦) فهو ﷺ قد صرَّحَ بنَفْيِ الوُجوبِ، فكيف يثبته أحدٌ! نكتةٌ أصولية (٧): قال الإمام: في الحديث الّذي ذكرناه عن النَّبيِّ ﷺ أصلان من أصول الفقه: أحدهما: أنّه يجوزُ للنَّبيِّ ﷺ أنّ يفرض بالاجتهاد على أُمَّتِهِ؛ لأنّه لو كان وَحْيًا من الله بنفيٍ أو إثبات لبلَّغَه، كان فيه حَرَجٌ أو لم يكن، وقد مهَّدنا ذلك كلّه في كتاب: "المَحصول في علم الأصول".

стр. 808

* ثانيهما: النّصُّ على أنّ الأمر على الوجوب، لقوله: "لأمرتهم بالسِّواك"* (١) فهذا ارتفع الوُجوبُ بقي التّخصيص المستدعي (٢) للنَّدْب. وقد تكلَّمنا عليه في بابه بأَبدعِ بيان. وروى الدّارقطني (٣)، عن عكرمة، عن ابن عبّاس: "في السِّواك عشر خِصَالٍ: مَطهَرَةٌ للفم، مَرْضَاةٌ للرَّبِّ، مطردةٌ (٤) للشّيطانِ، مَفْرَحَةٌ (٥) للملائكة، يُذهِبُ الحَفْرَ، ويجلو البَصَرَ، ويشدّ اللِّثَّة، ويقطع البَلْغَم، ويطيب النّكْهَة، وهو من السُّنَّة". وزاد فيه أبو بكرٍ الفهري: مثراة للمال، منماة للعَدَدِ، ويزيد في الحسنات. المسألة الرّابعة (٦): في رفع اليدين وهو الّذي صَدَّرَ به مالكٌ (٧). وللعلماء فيه خمسة أقوالٍ، أوضحناها في "متن الصّحيح" و"كتب المسائل". واختلفت الرِّواية في الصَّحيح عن النِّبيّ ﷺ فيها، فرُوِيَ أنّه كان يرفع يَدَيْه حَذْوَ مَنْكِبَيهِ (٨)، ورُوِيَ حَذْوَ أُذُنَيْهِ (٩)، ورُوِيَ: حَذْوَ الصَّدْرِ، فهذه ثلاث رواياتٍ. فإمّا حيال المِنْكَب والأُذُن، فقد رُوِي ذلك عنه في الصّحيح. وأمّا حذو الصَّدْرِ فليس بشيءٍ (١٠)، والجمعُ بينهما أنّ تكون أطراف أصابعه بإزاء الأُذُنَيْن، وآخر الكَفِّ بإزاء المَنْكِبَيْن، فذلك جمعٌ بين الرِّوايتين، بان يجعل آخر الكفِّ مِمَّا يلي السّاعد حَذْوَ المَنْكبَيْن مبسوطة غير منشورة، وقد تقدَّمَ بيانُه. المسألة الخامسة: في التّكبير وقد أجمعتِ الأُمَّة على أنّها فَرْضٌ -أعني التّكبيرة الاُولى- فقط، خلافًا لسعيد بن المسيَّب وابنِ شهاب.

стр. 809

تنبيه على إغفال (١): قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي ﵁: رَتَّبَ (٢) مالكٌ الأبواب، ونبَّهَ على الآثار، وبيَّنَ أمرَ الصّلاة غاية البيان، وأَرْبَى فيه على المُصَنِّفين، وزاد مالكٌ عليهم بما فيها من الآثار، وكيف نَقَلَها النّاس جملةً كأبي سَعِيدٍ وأبي حُمَيْد السَّاعِدِيّ وأبي هريرة وغيرِهم، ونَقَلها أيضًا جملة من الصَّحابة مُفَصَّلة ومُجْمَلَة. واجتمع البيانُ في كلِّ طريقٍ، والّذي نقل عنه ﷺ منها في (٣) هَيئَة الصّلاة بين (٤) الأقوال والأفعال ستّ وثلاثون خَصْلة، اختلفت منِاهج العلماء فيها على ثلاثة أنحاء: المَنْحَى الأوّل: أنّها كلُّها واجبةٌ. المَنْحَى الثّاني: أنّ ما تضمَّنَ القرآنُ منها واجبٌ، وما خرج عنه فهو مَسْنُونٌ. المنحى الثّالث: المقابلةُ بين الأفعال والأقوال، فما يتحصَّلُ (٥) منها إلى الوجوب أو السُّنَّة قُضِيَ به، وعلى ذلك بَنَى مالكٌ موطّأه، وهو المنهج الأسدّ الأقصد. بَسْطَةٌ (٦): وأيضًا: فإن النّبيَّ ﷺ قال: "صَلُّوا كمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلَّي" (٧). فوجب الانتهاء إلى هذا، وتَعَيَّنَ الاقتداء به، ثمّ نَظَرْنَا إلى جميع (٨) السِّتِّ والثّلاثين فوجدناها مُفْتَقِرَة إلى بيان، يأتي إنّ شاء الله في كلِّ بابٍ في موضعه على البيان. بابُ القراءةِ في المَغْرِب أحاديث هذا الباب كثيرةٌ، أمهاتُها أربعة:

стр. 810

الحديث الأوّل: مالكٌ (١)، عن ابن شهاب، عن محمّد بنِ جُبَيرْ بنِ مُطعمِ، عن أبيه؛ أنّه قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقرأُ بالطُورِ في المَغْرِبِ. الإسناد: قال الشّيخ أبو عمر (٢): "والده جُبَيْر بن مُطعم أُتِيَ به أسيرًا في أسَارَى بَدْر، فسمع قراءة النّبيّ ﷺ في المغرب فاستحسنَها، فأَسْلَمَ حينئذٍ". الحديث الثّاني: حديث أُمَّ الفَضْل، قالت: خرجَ إلينا رسول الله ﷺ عاصِبًا رأسه في مَرَضِهِ فصلَّى المغربَ، فقرأ بالمُرْسَلات عُرْفًا، فما صَلَّاهَا حتَّى لَقِيَ اللهَ. حديث صحيح (٣). الحديث الثّالث: ثبت عنه ﷺ أنّه قرأ في المغرِب بالأعراف (٤)، وقيل بِطُولَي الطُّولَينِ (٥) في الحَضَر، وكانت قراءته في السَّفَر بالطُّور. الحديث الرّابع: ثبتَ عنه ﷺ أنّه قرأ بالتِّين والزَّيتون (٦). العربية (٧): قوله: "صلَّى في المغرب" المغربُ مَفْعِل من غرب، وهو عبارة عن زمَنِ الغُروب. وقوله: "صَلُّوا المَغْرِب" أضافها إلى الزّمان ثمّ حذف فقال: المغرب، وفي "صحيح البخاريّ" (٨): "لا تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرابُ على اسْمِ صلاتِكُم إنّها المغرب" وهم يسمّونها العِشَاء. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ (٩). ولم يجىء للشّمس ذِكْرٌ

стр. 811

كما جاء في القرآن، والوجه فيه: أنّه اقتضى تفهّم (١) السّائل، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ﴾ الآية (٢). ولم يجىء (٣) للأرض ذِكْرٌ. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٤). ولم يجىء للقرآن ذِكْرٌ (٥). قال الخطّابي (٦): وقد قيل: إنّ الصّحابةَ لمّا جمعوا القرآن (٧)، وضعوا سورة القَدْرِ عَقِبَ العَلَق، ليستدلُّوا (٨) بذلك على أنّ المرادَ به (٩) الكتاب (١٠) في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ إشارة إلى قوله: ﴿اقْرَأْ﴾ وهذا بديعٌ جدًّا. قدْرُ القراءة في العِشَاء الآخِرَةِ عبد الله بن بُرَيْدَةَ، عن أبيه؛ قال: كان رسولُ الله ﷺ يَقرَأُ في العِشَاءِ الآخِرَةِ بالشَّمسِ وضُحَاهَا ونحوها (١١). حديث حسن صحيحٌ. العربية (١٢): العِشاء -بكسر العين-: أوَّلُ ظلامِ اللَّيلِ، وذلك من المغرب إلى العَتَمَةِ (١٣) والعَشاءُ -بفتحها-: طعامُ (١٤) ذلك الوقت، والعشاءان: المغربُ والعَتَمَةُ.

стр. 812

قدْرُ القراءةِ في الصُّبح ثبت في الصّحيح؛ أنّ رسول الله ﷺ كان يقرأُ في الصُّبْحِ بقد أفْلَحَ المؤمنون (١). ورُوِيَ عنه أنّه كان يقرأ في صلاة الصّبح: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ (٢)، وذلك على قَدْرِ الوَقتِ، وأخذ الخلفاء من بَعْدِهِ بذلك، فكان أبو بكر الصدِّيق يقرأ سورة البقرة في صلاة الصُّبح يقسمها (٣)، وكان عثمان يقرأُ سورة يوسف في صلاة الفَجْرِ (٤). خرَّج التّرمذي (٥) عن قُطْبَةَ بن مالكٌ، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يَقْرَأُ في صلاة الفَجْرِ ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ (٦) حديث حسن صحيح (٧). العربية (٨): قوله: "في صَلاَةِ الفَجرِ" الفَجْرُ: مصدَرٌ من فَجَرَ يَفْجُرُ. وقوله: "لا يعرفنَ من الغَلَسِ" (٩) وهو ظلام آخر اللّيل. قال الشّاعر (١٠): كذَبَتْكَ عَيْنُكَ هَلْ رَأيْتَ بِوَاسِطٍ ... غَلَسَ الظَّلاَمِ مِنَ الرَّبَابِ خَيَالَا قال أشياخنا: هو الغَبَشُ بالشين المعجمة، وهو الغَبَسُ بالسّين المهملة، وليس الغبس بمسموع (١١) في اللّغة، إنّما الغَبَسُ لَوْنٌ (١٢) كلَوْن الرَّماد.

стр. 813

وقال بعضُ المغاربة: إنّ الغَبَشَ -بالشّين المعجمة- يكونُ أوّل اللّيل وآخره. والغَبَسُ لا يكون إلَّا آخر اللّيل، وهذا وَهمٌ. بل قال ابنُ فارس (١): الغَبَشُ بقيّةُ اللَّيْل. والإسفار: الضّوء، مأخوذٌ من أَسْفَرَ، أي: تَبَيَّنَ وانكَشَفَ، وهو الصّباح، ويعضده ما رواه أبو داود (٢): "أصبحوا بالصّبح (٣) فإنّه أعظم للأَجْرِ" والفجرُ مأخوذ من تَفَجّر الشَّيء إذاظَهَر. تأصيل (٤): اتّفق العلماءُ على أنّ أطول الصّلاة قراءة الفَجْر، وبعدها الظُّهر، بَيْدَ أنّ البخاريّ (٥) لم يدخل غير حديث أبي (٦) بَرْزَةَ؛ أنّ النّبيّ ﷺ كان يقرأ في الصُّبحِ ما بين السِّتَّين إلى المِئَةِ، وذكر (٧) عن أمّ سَلَمَة؛ أنّه قرأ بالطُّور، وعن ابنِ عبّاس في الباب بعد هذا (٨)؛ أنّه ﵇ قرأ: بقُلْ أُوحِيَ إِليَّ أَنَّهُ استَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ، السُّورة. وذكر ابنُ أبي شَيْبَة (٩) حديث سماك، عن جابر بن سَمُرة؛ أنّ قراءة النّبيِّ ﷺ كانت: بقاف والقرآن المجيد ونحوها. واختلفتِ الآثارُ عن الصّحابة في ذلك، فرُوِيَ عن أبي بكر أنّه قرأ بسورة البقرة في الرّكعتين (١٠). وعن عمر أنّه قرأ بيونس، وهود، وقرأ عثمان بيوسف وبالكهف. وقرأ عليّ بالأنبياء (١١). وقرأ عبد الله بن مسعود بسورتين الآخرة منهما بنو إسرائيل (١٢). وقال معاذ بالنساء (١٣). وقرأ عُبَيْدة بن الجَرَّاح بسورة الرَّحمن

стр. 814

ونحوها (١). وقرأ عمر بن عبد العزيز بسورتين من طِوَالِ المُفَضَّل (٢). قال الإمام (٣): فدلَّ من هذا الاختلاف عن السَّلَفِ؛ أنّهم فهموا عن النّبيِّ ﷺ إباحة التَّطويلِ والتَّقصيرِ في قراءة الفجر، وأمّا اليوم فالتخفيفُ أجمل؛ لأنّ النَّاس لم يعتادوا ذلك، وللحديث؛ أنّ فيهم السَّقِيم والضَّعِيف والكبير وذا الحاجة (٤). تنبيه: قال مالكٌ (٥) ﵁: وليس العمل عندنا اليوم على قراءة أبي بكر الصدِّيق بسورة البقرة، ولا العمل أيضًا على قراءة عمر بن الخطّاب، فإنه لم يقرأ في المغرب بشيءٍ، فقيل له في ذلك، فقال: كيف كان الرّكوع والسّجود ... الحديث. وأمّا قراءة عثمان بسورة يوسف، فقال علماؤنا: إنّما كان يقرأها لأنّه كان يتصوّر فيها أمره وظُلمه، فهذا وصل إلى قوله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٦) خنقته العَبْرَة، كما كان يعقوب يفعل، وهذا بديعٌ فتأَمَّلْهُ. قدْرُ القراءة في الظُّهر فيه أبو قتادة، قال: كان النَّبيَّ ﷺ يقول في الرَّكعتين الأُولَيَيْنِ من صلاة الظُّهر بفاتِحَةِ الكتابِ وسُورتَيْنِ، يُطَوِّلُ في الأولى، ويُقَصِّرُ في الثّانية، وكان يُسْمِعُنَا الآيةَ أحْيانًا (٧). الحديث الثّاني فيه خَبَّاب، قيل له: أكان رسول الله ﷺ يقرأُ في الظُّهْرِ والعَصْرِ؟ قال: نعم. قلتُ: بأيِّ شيءٍ كُنْتُم تَعْرِفُون ذلك؟ قال: بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ (٨). حديثٌ حَسَنٌ صحيح في الباب.

стр. 815

وأمّا ما رُوِيَ عن ابن عبّاس؛ أنّه سالَهُ رجلٌ: أفي الظُّهر والعصر قراءةٌ؟ قال: لا (١). فإنّه لا يعارضه بحالٍ؛ لأنّ الأوَّلَ أثبت وعليه العمل عند جماعة العلماء. والحُجَّةُ القاطعة في ذلك: ما رُوِيَ عن أبي هريرة أنَّه قال: في كلِّ صلاةٍ قراءةٌ، فما أَسْمَعَنَا رسولُ الله ﷺ أَسمَعْنَاكُم، وما أَخْفَاهُ عَنَّا أَخْفَينَا عَنْكُمْ (٢). تفريع: اختلف العلماء فيمن أسرَّ فيما يجهر فيه عامدًا على سِتَّةِ أقوال (٣): الأوّل: روى أشهب عن مالكٌ؛ أنّ صلاته تامَّة. القول الثّاني - قال أَصْبَغُ: مَنْ أَسرَّ فيما يجهر فيه، أو جَهَرَ في الإسرار عامدًا، فليستغفر الله ولا إعادَةَ عليه (٤). القول الثّالث - هو قولُ ابن القاسم: يُعِيدُ لأنَّهُ عابثٌ (٥). القول الرّابع - قال اللّيث: إذا أسرّ فيما يجهر فيه، فعليه سجود السَّهْوِ. القول الخامس - قال الكوفيون: إذا أسرّ في موضع الجَهْر، أو جَهَر في موضع السِّرِّ ساهيًا وكان إمامًا سجد لسَهْوِهِ، وإن كان وَحْدَهُ فلا شيءَ عليه، وإن كان عامدًا فقد أساء وصلاته تامّة (٦). القول السّادس - قال ابنُ أبي لَيلَى: يُعِيدُ بهم الصّلاة إنّ كان إمامًا. القول السّابع - قال الشّافعيّ: ليس في ترك الجَهْر والإخفاء سُجُودٌ (٧).

стр. 816

ترجيح (١): قال الإمام (٢): وقولُ من لم يُوجِب السُّجود في ذلك أَسَدُّ (٣)، بدليل هذا الحديث؛ لأنّه لما كان السِّرُّ والجَهرُ من سُنَنِ الصّلاة، وكان ﵇ قد جَهَرَ في بعض صلاة السِّرَّ ولم يسجد لذلك، كان كذلك حُكم الصّلاة إذا جَهَر فيها؛ لأنّه لو اختلف الحُكمُ في ذلك لبَيَّنَهُ ﵇. ووجب بالدّليل الصّحيح أنّ يكون إذا أَسَرَّ فيما يجهر فيه أيضًا لا يلزمه سجود، والسرُّ (٤) والجَهْرُ في المعنى سواء، ولا وجه لتفريق الكوفيَّين بين حكم الإمام والمُنْفَرِد في ذلك، إذ لا حَجَّةَ لهم فيه من كتابٍ ولا سُنَّةٍ ولا نَظَرٍ. تكملة: والَّذي يتحصّلُ في هذا الباب من مذهب مالك قولان: أحدهما: قال ابنُ القاسم: إنه من جهر فيما يسرّ فيه أنَّه لا سجودَ عليه إذا كان يسيرًا. القولُ الثّاني: ما رُوِيَ عن مالكٌ أنَّه إذا جَهَرَ الفَذُّ فيما يسرُّ فيه جَهْرًا خفيفًا، فلا بأس به. قدْرُ القراءة في صلاة العصر فيه (٥) حديث خَبَّاب وأبي قتادة المتقدِّم؛ أنّ النّبي ﷺ كان يقرأ في الظُّهر والعصر. وقال أبو العالية: العصرُ على النِّصف من قراءة الظُّهر (٦). وقال إبراهيم: يُضَاعفُ الظُّهر على العصر أربع مرَّات. قال الحسن البصري: القراءة في الظّهر والعصر سواء. وقال حَمّاد: القرَاءةُ في الظُّهرِ والعصرِ سواء. قال الإمام: والصّحيحُ من هذه الأقوال والآثار؛ أنّ تكون صلاة العصر أقصر من قراءة الظُّهر، لِمَا في ذلك من الآثار الّتي يَطُولُ بِذِكْرِها الكتاب.

стр. 817

العربية (١): قال أبو قلابة: سُمَّيت العصرُ لأنّها تعصر (٢)، فتَعلَّقَ بالاشْتِقَاقِ. وهذا غيرُ مسلَّمٍ له، فإن العصرَ في اللُّغة: الدَّهْر، والعصرُ: وقتٌ من اليوم وهو الغَدَاة والعَشِيّ، والعصر اللّيل، والعصرُ النّهار. ويقال أيضًا: العصران، كما في حديث فضالة؛ أنّه قال: قال لي رسول الله ﷺ : "من حافظ على العَصْرَيْنِ دخلَ الجنَّة". فقلت: وما العصران؟ قال: "صلاة قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وصلاةٌ قبلَ غُرُوبها" خرَّجه أبو داود (٣). ومعنى صلاة العصر: صلاة العَشِيِّ، يقال لهما: العصران. الفقه (٤): رُوِيَ أنّ رسول الله ﷺ كان أخفّ النّاس صلاةً في تَمامٍ (٥). ورُوِيَ أنّ الرَّكعة الأولَى كانت مثل الثّانية منها في صلاة الظّهر، وأنّ الرّكعة الثّانيةً من العصر كانت على النِّصف من الأُولى (٦). وروي أنّه كان يُطَوِّل الرَّكعة الأولَى من الظُّهر والصُّبح ويُقَصِّر في الثّانية (٧)، وهذا كلّه ثابتٌ، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى (٨): هي أنّ صلاته ﵇ تختلف بحسبِ اختلاف الأحوال والمَأمُومِين، وليست قراءته في السَّفَر كقراءته في صلاة الحَضر، ولا قَراءَتُه مع مأموم كقراءته وَحْدَهُ (٩). وقال ﵇: "إنِّي لأسمَعُ بكاءَ الصَّبِيِّ في الصّلاةِ، فأُخَفِّفَ مَخَافَةَ أَنْ تُفْتَنَ أُمُّهُ" (١٠).

стр. 818

المسألة الثّانية (١): هي أنّ ركعاته لم تكن سواء في مقدار القراءة، كانت الأولى أَطوَل من الثّانية. وقد جهل الخَلْقُ (٢) اليوم هذا المقدار من السُّنَّة، حتّى صار العالِمُ منهم -بِزَعْمهِ- يُسَوَّيهما، والجاهلُ ربّما طَوَّلَ الثّانية وقَصَّر الأُولى، فتراهم يلتزمون في صلاة الصُّبْحِ مِنَ الحُجُرَاتِ، ومنهم من يلتزم (٣) من الحواريين سورة (٤) تِلْو سورة، فتكون الثّانية أَطوَل من الأُولَى، وهكذا تفعلُ الجَهَلَة بِجَهْلِهِم السُّنَنَ في جميع الصّلاة (٥). ومعنى قراءة القرآن على التَّوَالِي، هو أنّ يفرأ سورة، ثمّ يقرأ أخرى بعدها في الرّكعة الثّانية، ولا تكون تِلْوَهَا. المسألة الثّالثة (٦): هي التزامُ (٧) سورة معلومة في القراءة، كما بيّنّاهُ في ترتيب قراءة الجُهَّالِ، وهذا لا يلزم، وإنمّا يقرأ ما اتّفق، وبحَسَبِ ما يقتضيه الحالُ. العملُ في القراءة حديث عليّ بن أبي طالب (٨) ﵁؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: نَهَانِي رسولُ الله عن لُبْسِ القَسِّيِّ، وعن تَخَتُّمِ الذَّهَبِ، وعن قراءة القرآن في الرُّكوعِ. الإسناد (٩): قال الإمام: هذا حديثٌ صحيحٌ من حديث عليٍّ، رواه مالكٌ وجماعةٌ عن

стр. 819

عبد الله بن حُنَين. وخرّجه مسلم (١) كذلك، وكذلك رواه القَعْنَبِيّ (٢). أصوله (٣): قولُه: "نَهَانِي ولا أقولُ نَهَاكُمْ" (٤) "ولا نَهَى النّاس" (٥) دليلٌ على منع (٦) نقل الحديث على المعنى واتِّباع اللّفظ، وقد تقدّم. ولا شكَّ في أنّ نَهْيَهُ لِعَلِيٍّ نَهْيٌ لِسِوَاهُ؛ لأنّه ﷺ كان يُخَاطِبُ الواحدَ ويريدُ الجماعةَ في بَيَانِ الشَّرعِ. عربية: قوله: "نَهَانِي عَنْ لُبْسِ القَسِّيِّ" بفتح القاف وتشديد السِّين. القَسَّيُّ: ثياب الحرير (٧) تنسب إلى القَسّ تُصْنَعُ في قرية (٨). وروى (٩) سُحنون في"تفسيره" عن ابن وهب؛ أنّها ثيابٌ مُضَلَّعَةٌ، يريد: مخطّطة بالحرير كانت تُعْمَلُ بالقَسِّيّ، فنهى النّبيُّ ﷺ عن لبسها. وهذا في الحرير المَحْضِ، وأمّا ما الغالبُ عليه الحرير فإنّه يحرمُ لِبَاسُه في غير الغَزْوِ، وأمّا في الغَزْوِ فأجازَ ابنُ حبيب لِبَاسَهُ والصّلاة فيه. ومنعه غيره من أصحابنا. وقال الشّيخُ أبو محمد بن أبي زيد (١٠): ما حكاهُ ابنُ حبيبٍ هو خارجٌ عن مذهب مالكٌ. وقوله في بعض طُرُقِهِ (١١): "وَعَنْ لِبَاسِ المُعَصْفَرِ" فالمعصفرُ: ما صُبغَ بالعُصْفُرِ، وهو نبات تُصْبَغُ به الثِّياب، فنهى عنه لأنَّه لباس شُهْرَةٍ، والله أعلم.

стр. 820

الفقه: قال علماؤنا (١): ويمنع لُبْسُ الحريرِ على كلِّ وجهٍ، فلا يُفْرَشُ ولا يُبْسَط ولا يُتَّكَاُ عليه ولا يُلْتَحَفُ به ولا يُرْكَب عليه؛ لأنّ النّهي عن القَسِّىِّ نهي تحريم، والنّهي عن المُعَصْفَر نهي كراهة. وكذلك النّهي عن قراءة القرآن في الرّكوع نهي كراهة أيضًا؛ لأنّه مَنْ قرأَ في ركوعه لم تبطل صلاته. والنهي عن تختّم الذّهب نهي تحريمٍ، على ما يأتي بيانه في كتاب الجامع إنّ شاء الله. واختلف (٢) العلماءُ فيمن صلّى بثوبِ حريرٍ، فرُوِيَ عن ابنِ وَهْب؛ أنّه مَنْ صلَّى به وهو واجدٌ لغيره لم يُعِدْ في الوقتِ ولا في غيره، وقال ابنُ الماجِشُون (٣): سواءٌ صلّى به عامدًا أو ساهيًا. وقال أشهب: إنّ لم يكن عليه (٤) غيره فلا إعادةَ عليه، وإن كان عليه غيره أَعَادَ أبدًا (٥). وقوله: "وَعَنِ التَّخَتُّمِ بالذَّهَبِ" قال علماؤنا (٦): نَهْيُهُ عن التَّختُّمِ بالذَّهب نهي تحريم ممنوع منه للرّجال، فمن صلَّى به؟ قال أشهب: لا إِعادةَ عليه، وهذا على قياس قولِهِ في الحَرِيرِ. وقال سحنون: يُعيدُ في الوقتِ. فرع (٧): وأمّا من صلّى وهو حاملٌ حَلْيَ ذَهَبٍ على غير هذا الوجه الّذي يُلْبَس عليه، فلا بأس عليه.

стр. 821

وقوله: "وَعَن قِرَاءَةِ القُرآنِ في الرُّكُوعِ" ممنوعٌ منه لهذا الحديث. وقد كره مالك (١) الدُّعاء في الركوع. حديث: وقوله (٢) في حديث أبي حَازِم التَّمَّار، عن البَيَّاضِيِّ؛ أنّ رسول الله ﷺ خَرَجَ على النَّاسِ وهم يُصَلُّون وقد عَلَتْ أصواتُهُم بالقرآنِ، فقال: " إنّ المُصَلِّي يُنَاجِي ربهُ، فَليَنْظُر بِمَا يُنَاجِيهِ، ولا يَجْهَرْ بعضُكُم على بعضٍ في القرآنِ" (٣). الإسناد: البياضِيُّ اسمُه فروة بن عمرو، وبياضة فَخْذٌ من الأنصار من الخَزْرجَ (٤)، والحديث صحيحٌ، وله طُرُقٌ (٥) أمثلُها ما أدخله مالكٌ، وكان ذلك في نوافل رمضان. حديث مالك (٦)، عن حُمَيْدٍ الطَّويلِ، عن أنس بن مالكٌ؛ أنّه قال: قُمتُ وراءَ أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ، فكلُّهم كان لا يقرأُ "بسم الله الرحمن الرّحيم" إذا افْتَتَحُوا الصّلاةَ. الإسناد: قال علماؤنا (٧): هذا الحديث عند جماعة الرُّواة للموطَّأ مرفوعٌ (٨)، ورواه الوليدُ بن مُسْلِم، عن مالك مرفوعًا أيضًا، عن حُمَيد الطّويل، عن أنس (٩). والحديثُ صحيحٌ (١٠) ذَكَرَهُ ابن عُيَيْنَة مُسْنَدًا (١١)، لا غُبَارَ عليه.

стр. 822

الأصول: قول أنس:، فَكُلُّهم كان لا يقرأُ: بسم الله الرّحمن الرّحيم" يقتضي نفي ذلك جملة (١). وهذا (٢) أصلٌ في أَنَّ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " ليست من أمِّ (٣) القرآن كما قال بعضهم. ويَردُّ أيضًا هذا الحديث قول من قال: إنّه من لم يقرأ في صلاته "بسم الله الرحمن الرحيم" مع أُمِّ القرآن بَطَلَت صلاتُه، ويلزم من قال بهذا أنّ يبطل (٤) صلاة هؤلاء الأيمّة الّذين كانوا لا يقرؤون "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" إذا افتتحوا الصَّلاة. وقد رَوَى أبو بكر بن أبي شَيْبَة (٥) من طريق عبد الله بن مُغَفَّل؛ أنّ أَبَاهُ سَمِعَهُ يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في الصّلاة: مع أمِّ القرآن، فقال: يا بنيَّ إيّاك والحدث، فإنِّي صلَّيتُ مع رسولِ الله ﷺ وأبي بكرٍ وعثمانَ، فلم أسمع أحدًا منهم يقوله، فإذا قرأتَ فَقُل: الحمدُ لله ربِّ العالمين. والعمدةُ فيه: قول أنس: "فلم أسمعه يبدأُ ببسم الله" (٦). ولفظ سمعه يدلُّ على الاستماع (٧)، ولولا ذلك لقيل له: إنّ كنتَ لم تسمع فغيرُكَ قد سمع. والمعارِضُ له حديث ابن عبّاس؛ أنّه سمع النّبي ﷺ يبدأ ببسم الله (٨) الرحمن الرحيم. قال الإمام: والجمع بينهما أنّ ابنَ عبّاس قال: كنّا بمكّةَ فكان رسول الله ﷺ يجهر ببسم الله (٩)، فلمّا هاجرنا إلى المدينة لم أسمعه (١٠) يقرأ به في صلاته.

стр. 823

تنبيه في بسم الله الرّحمن الرّحيم: أجمعَ النّاسُ على أنّ يُكْتبَ مع أمِّ القرآن وفيه، وثبوتة في الخطِّ. ولم يجمع أنّه قرآن. فمن حلَفَ أنّه قرآن لم يلزمه شيءٌ لما قيل إنّه قرآن. وكذلك من حَلَفَ أنَّه ليس بقرآن، لم يلزمه أيضًا شيءٌ لأنّه قد قيل. وإنمّا أُذخِلَ في القرآن للفصل بين السُّوَرِ. ومن النّاس من يجعله سابع آيات الحمد، فيعتمد عليه بقسمتها، فلو كان من الحمد لم يقسم بينهما وبين الله، كما روي في الحديث، وقال العلماء بهذا. الفقه: قال الشّافعيّ (١): هي آية من القرآن، وقال مالكٌ: ليست بآية من القرآن (٢). وهذا (٣) الحديث دليلٌ (٤) على أنّ بسم الله ليست آية من القرآن. وأما قراءة "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" في النّوافل (٥)، فالّذي عليه شيوخنا العراقيّون من المالكيَّين أنّه لا بأس به أنّ يقرأها (٦) في النّافلة في أوّل الحمد، وفي أوّل كلِّ سورة، وقال مثل ذلك ابن حبيب. ورَوَى ابنُ القاسم عن مالكٌ في "العُتْبِيّة" (٧): يستفتحُ القراءة بالحمد لله، ويقرأُ بعد ذلك بسم الله بين كلِّ سُورَتَيْن إلّا سورة براءة. فقد حصل لنا العلم الضّرورة بنقل الكافّة؛ أنّ الحمد لله سورة من القرآن، ولم يثبت ولا وقع لنا العلم الضّروريّ أنّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آية منها، فلا يجوز إثباته قرآنًا إلّا بنقل الكافّة. ووجدنا أهل المدينة بأسْرِهِم يقولون كونها من فاتحة الكتاب (٨)، مع اتِّصال البلوى بقراءتها (٩). والمسألة عظيمة الموقع وقد أملى الخطيب

стр. 824

فيها "جزءَا" (١) لا أصلَ له (٢). ما يقول الإمام بعد التّكبير: فيه (٣): أبو هريرة؛ أنّ رسول الله ﷺ كان يسكتُ بينَ التَّكبيرِ والقراءة إسْكَاتَةَ - قال: أَحْسِبُه هُنَيَّهً - فقلتُ: بَأبِي أنتَ وأُمَّي يا رسولَ الله إِسكَاتُكَ بين التَّكبيرِ والقِرَاءة، ما تقولُ؟ قال: "أقول: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وبينَ خًطَايَايَ، كما بَاعَدْتَ بين المَشْرِقِ والمغربِ، اللهُمً نَقِّنِي من الخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأبيضُ من الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِل خَطَايَايَ بِالمَاءِ والثَّلْجِ وَالْبَرَدِ" (٤). الإسناد: رَوَى التّرمذيّ (٥)، عن الحسن، عن سَمُرَةَ؛ أنَّه قال: سَكتَتَانِ حَفِظْتُهُمَا عن رسولِ الله ﷺ . فأَنكرَ ذلك عِمْرَانُ بنُ الحُصَيْن، قال: حفظتُ سكتةً واحدةً. فكتبتُ إِلى أُبَيّ بن كَعْب بالمدينة، فكتبَ: أنّ حَفِظَ سَمُرَة. وروى الدّارقطني (٦): "أَنْ صَدَقَ سمُرَةَ". وفي هذا دليلٌ (٧) على أنّ التّحديث بالمعنى، والَّذي أشار إليه عِمْرَان بن الحُصَيْن صحيحٌ. وهو قولُ البخاريّ (٨) ومسلم (٩). وروى غيرهم الحديث الّذي تقدَّمَ.

стр. 825

الفقه (١): اختلف العلماء في هذه السّكتة على ثلاثة (٢) أقوال: الأوّل: أنّها ساقطة، قاله علماؤنا. القول الثّاني: أنّها مشروعةٌ لتردّد (٣) النّفس، قاله قتادة. القول الثّالث: أنّها مشروعة ليقرأ فيها المأموم. وقول ذلك (٤) أحسن، والافتتاح بالذِّكر أجمل، وقد رُوِيَ عن مالك في "مختصر ما ليس في المختصر" أنّه كان يقول كلمات عمر، وكلمات النّبيّ ﷺ أَوْلَى وأَحقّ. العارضة فيه (٥): قال الشّافعيّ (٦): أُحِبُّ للإمام أنّ تكون له سَكْتَة بين التّكبيرة والقراءة، ليقرأَ المأمومُ الحمد لله رب العالمين. وقال مالكٌ والكوفيّون: لا شيء بعد التكبير إلَّا قراءة فاتحة الكتاب (٧). واستحبّ أبو حنيفة أنّ يسبّح بعد التكبير. وقال أبو يوسف (٨): يُسَبِّح ويقول: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية (٩). وقال الشّافعيّ (١٠): يقرأ: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ الآية (١١) ولا يُسَبِّح. وقال غيره: بل يُسَبِّح، لقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ (١٢).

стр. 826

وقال مالكٌ: إنّما يجب التّكبير ثُمَّ القراءة. تناصف (١): قال الإمام (٢): ولو كانت هذه الإسكاتةُ ممّا واظب عليه النّبيّ ﷺ لم يْخفَ ذلك، ولنَقَلَهَا أهل المدينة عيانًا وعَمَلًا، فيحتمل أنّ يكون فَعَلَهَا في وقت، ثمّ تركها في وقت تخفيفًا على أُمَّتِه، فتركُها واسعٌ، والله أعلم. العربية (٣): والهُنَيَّة: كلُّ شيءٍ صغيرٍ، ندر (٤) مِنْ شَيْءٍ. قال الفسوي (٥): يقالُ: موهن من الوهن، وهني هُنَيَّة، وقولهم: هُنَيَّة من الدَّهْر مصروفٌ إلى هني. وقال ثَغعْلَب: هُنَيَّة، وقال: هو الأكثر في كلامهم؛ لانّهم يؤَنَّثُون هذا الحرف، فيقولون: مَضَت بُرْهَة من الدهر وحُقْبَة. قال الفسوي: وقد يجوز هُنَيْهَة والأجود هُنَيَّة، من باب هَنَأَ، وهُنَيْهَة من باب هنة. فأمّا هُنَيْئَة بالهَمْزِ فلم أسمعه في لِسَانِ العَرَبِ. حديث يزيد بن رومان (٦): أنّه قال: كنتُ أُصلَّي إلى جانب نَافِعِ بن جُبَيْرِ بن مُطعِمٍ، فيَغْمِزُنِي فَأَفَتَحُ عليه وأَنَا في الصَّلاةِ. الأصول: قال الإمام: يُعْتَرَضُ على مالك ﵀ فَي أمر نافع بن جُبَيْر، ويقال: كان يجب عليه أنّ يسوق حديث النّبيّ ﷺ وفعل الصّحابة، وأمّا فعل نافع بن (٧) جُبَيْر بن مُطعم فليس بُحجَّةٍ. فالجواب عنه: أنّ (٨) مالكًا ﵀ كانت عنده دلائل وقياسات وحُجَج،

стр. 827

وإنّما ساقَهُ ونبَّهَ عليه لشُهْرَيهِ ورِضَى النّاس به ليَقْتَدُوا به، فإنَّ مالكًا لم يكن مشهورًا كشهرته، والله أعلم. الفقه (١): قوله: "فَيَغْمِزُني" في الصّلاة، قال عيسى بن دينار: يغمزُ بيَدِه دون الغَمْزِ بالعَيْنِ، يَستَدْعِيهِ أنّ يفتح عليه. وقد أجاز مالكٌ وغيره الفَتْح على الإمام في صلاة الفريضةِ والنَّافِلَةِ، وذلك أنّ المُرتجَ عليه والفَاتِح لا يخلوان أنّ يكونا في صلاةٍ واحدةٍ، أو في صلاتَيْنِ. أو يكونَ المُرْتَج عليه في صلاة، والفاتح عليه في غير صلاةٍ. فإن كانَا في صلاةٍ (٢)، فلا خلافَ أنّ الفَتْحَ عليه لا يُبْطِلُ الصّلاة (٣)، ولم ير بِه مالك (٤) بأسًا، وكرهه الكوفيّون (٥). وإن كانا في صلاتين فلا يفتح أحدهما على الآخر، فإن فتح عليه، فقد قال ابنُ القاسم في "المجموعة": قد أبطلَ صلاتَهُ وهو بمنزلةِ الكلام. وقال ابنُ حبيب: لا يعيدُ. وبه قال أشهب. ولا بأس أنّ يفتحَ من ليس في الصّلاة على من هو في صلاة، قاله مالكٌ في "المختصر" (٦). والفَتْحُ على الإمام إنّما يكونُ إذا أُرْتِجَ عليه وإذا غَيَّرَ قِرَاءَته. فأمّا عند الإرْتجاج (٧)، فهو إذا وقفَ ينتظرُ التَّلْقِينَ. وأمّا إذا غّيَّرَ القراءة، فلا يُفْتَح عليه وإنْ خرجَ من سورةٍ إلى سورة، أو قرأ آية أخرى (٨) ما لم (٩) يَخْلِط آية رحمة بآية عذابٍ، فإنّه يُنَبَّه على الصّواب لئلَا يخرج إلى الكفر.

стр. 828

وإن لم يفتح المأموم على الإمام مع التَّوقُّفِ، فوَجْهُ العَمَلِ أنّ يتردد (١) ويُخَطرِف تلك الآية، فإنْ تَعَذَّرَ عليه ركَعَ وسجَدَ وسلَّمَ. قال مالك: "ولا ينظر في المصحف إنّ كان بين يَدَيْهِ"، وهذا كلُّه إنّ أُرْتِجَ عليه في غير أُمِّ القرآن وأمّا إنّ أُرْتِجَ عليه في أمّ القرآن. فليستدع الفَتْح من حيث أَمْكَنَهُ، وَلْيَغْمِزْ من يصلِّي معه، ولينظر في مُصْحَفٍ إنّ كان بين يديه أو قريبًا منه. فإنَّ ذلك ممّا تدعو الضّرورة إليه ليُتِمَّ فَرْضَه. ما جاء في أمِّ القرآن مالك (٢)، عن العلاءِ بن عبد الرّحمن بن يعقوبَ؛ أنّ أبا سعيدٍ مَوْلَى عَامِر بنِ كُرَيْزٍ؛ أَخْبَرِهُ: أَنَّ رسولَ الله ﷺ نَادَى أُبَيَّ بن كَعْبِ وهو يُصَلِّي، فلمَّا فَرغَ من صَلاته لَحِقَهُ، فَوَضعَ رسولُ الله يَدَهُ على يَدِهِ، وهو يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَابِ المَسْجِدِ. الحديث. الإسناد: قال الشّيخ أبو عمر (٣): "هذا حديثٌ مُرْسَلٌ عند جميع رواة الموطّأ" (٤) ويُسْنَدُ من طريق أبي هريرة (٥). ومن الغريب ما رُوِيَ في المصنَّفَات عن أُبيّ بن كَعْبِ ﵁ أنّه قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي، فقال لي: "يا أُبىّ، أنا أُحِبُّكَ في الله "، قال: فقلتُ: وأنا أُحِبُّك في الله يا رسولَ الله، فقال لي: "يا أُبىّ، لا تَدَعْ أنّ تقول في سُجُودِكَ: ربِّ أَعِنِّي على ذِكْرِكَ وشُكْرِكَ وحُسْنِ عِبَادَتِكَ" (٦) حديث غريبٌ، إلَّا أنَّه لم يُخَرِّجْهُ أهل الصِّحّة.

стр. 829

التَّرجمةُ (١): قال شيخُنا الإمام: إنمّا أدخله مالكٌ حُجَّةً في تعيِينِ الفاتحةِ في الصّلاةِ؛ لأنّ النّبيّ ﷺ قال لأبيٍّ بن كعبِ: "كيفَ تقرأُ إذا افتتحتَ الصّلاة؟ " فقال: الحمد لله ربّ العالمين، فعيَّنَها قولًا وفعلًا وبيانًا وتنبيهًا (٢). وفيها أيضًا: الحُجَّة القاطعة في إسقاط بسم الله الرحمن الرّحيم، وأنهّا ليست بآية، لمَا أقَرَّهُ النَّبيّ ﵇ على ذلك. وفيه نُكتَهٌ بديعة في إسقاط التعوُّذِ، خلافًا لمن يقول: يتعوَّذُ لأنّه يستغنِي عن الاستعاذة عند تكبيرة الإحرام؛ لأنّ الشيطان حينئذٍ يدبرُ عنه من أجل الإقامة ثمّ يرجع بعد ذلك. وقوله (٣): "باب ما جاء في أمِّ القرآن" فيه كلامٌ لأهل العربيّة. العربية: قوله: "أمِّ القرآن" فكلُّ شيءٍ يضمُّ إليه ما يليه فهو أمٌّ منه: امِّ الرّأس للدِّماغ، وأمُّ الطّريق (٤) لوسطها، وأمُّ القُرَى هي مكّة، وأمّ الرُّمح أَعْلاَهُ؛ لانّه مقدّمه وما بعده مضموم إليه. وسُمَّيت أمّ القرآن لأنّه ليس فيها زائد على ما تَضَمَّنَه البيان لمُجْمَلِهَا (٥). الأصول (٦): أمّا قوله: "مَا أَنزلَ في التَّوْرَاة والأنْجِيلِ والقُرآنِ مثلَها" وذكر "الفُرْقَان" أيضًا وسكت عن سائر الكُتُب والزَّبُور والصُّحف؛ لأنّ هذه أفضلها، وإذا كان الشّيءُ أفضل الأفضل، كان أفضل الكلّ (٧)، كقولك: زيدٌ أفضل العلماء، فهو أفضل النّاس. وفَضلُهَا يكون على غيرها بوجوهٍ: الوجهُ الأوّل: أنّ الشَّيءَ قد يشرُفُ بذاته كشَرَفِ الله على مخلوقاته، وليس هذا

стр. 830

لفاتحة الكتاب؛ لأنّ الذّاتيّة في الكُلِّ واحدةٌ وهي كلامُ الله (١). الوجه الثّاني: أنّ الشيءَ قد يشرُفُ بصفاته، وذلك للبارىء على الحقيقة (٢) والإطلاق دون سائر المخلوقات: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٣) وفي الفاتحة شيءٌ من هذا الشَّرَفِ، وبه شرف النّبيّ ﷺ على سائر الآدميِّينَ؛ لأنّ الذَّاتَ له ولهم واحدةٌ، وإنمّا يشرفُ بالصّفات وهي متعدّدةٌ وقعتِ الإشارةُ إلى فَضْلِهَا في قوله: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ الآية (٤)، ووقعَ التّنبيه على جميعها في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٥). وفي الفاتحة من الصّفات ما ليس لغيرها، حتّى قيل: إنّ جميع القرآن فيها، وهي خمسة وعشرون (٦) كلمة تضمَّنَت جميع علوم القرآن، ومن شَرَفِهَا أنّ الله تعالى قسمها بَينَهُ وبين عَبْدِهِ، وهو الوجه الثّالث. الوجه الرّابع: أنّه لا تَصِحُّ القراءة (٧) إلَّا بها. الخامس: أنّه لا يلحق ثوابُ عملِ بثوابها (٨)، والله يفاضلُ بين الثّواب في الفِعْلَينِ وإن اسْتَوَيَا. وبهذه المعاني كلّها صارت القرآنَ العظيم، كما صارت ﴿قُلْ هوَ اَلله أحدٌ﴾ تعدل ثُلُث القرآن (٩)، إذِ القرآنُ توحيدٌ وأحكامٌ وَوَعْظٌ و ﴿قُلْ هوَ اَلله أحدٌ﴾ (١٠) فيها التوحيد كلّه. وبهذه المعاني وقع البيان في قوله ﷺ لأبَّىِّ بن كعبٍ: " أيُّ آيةِ في القرآنِ

стр. 831

أعظمُ؟ " قال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. قال: "لِيَهْنِكَ العِلْمُ يا أبا المُنْذِرِ" (١). وإنّما كانت أعظم؟ لأنّها توحيدٌ كلّها، كما صار قوله: "أفضلُ ما قُلتُه أنا والنّبيُّونَ من قَبْلِي: لا إله إلَّا الله" الحديث (٢)، أفضلُ الذِّكر؛ لأنّها كلمةٌ حَوَت علوم جميع التّوحيد، والفاتحةُ تضمّنت التّوحيدَ كلّه والعبادة والوعظ والتّذكير، ولا يُسْتَبعَدُ ذلك في قُدْرَة الله، فإن الله جَمَعَ التوحيدَ كله في آية الكُرسيِّ، ثم جَمَعَه (٣) في أقل حروفًا منها التّوحيد، وهو: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٤). ثمّ جمعه لرسوله في كلماتٍ يوم عرفة المتقدِّمة (٥). ثمّ جمع ذلك في آية واحدة، وهي قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (٦). وقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ (٧). الوجه السّادس: قوله: "السَّبْع" فهي سَبْعُ آياتٍ تضمّنت من العلوم ما لم يتضمّن سواها في قَدرِها. الوجه السّابع: قوله: "المَثانِي" وهي مثانٍ لمعانٍ: منها: ما تشتركُ فيه مع القرآن في قوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ الآية (٨). ومنها: ما تنفردُ به، وهي أنّها تُثَّنى في كلّ ركعةٍ. ومنها: أنّ الله جعلها قِسْمَين بينَهُ وبين عَبدِهِ: "ولعبدي ما سَألَ" (٩) ومنها: أنّها قسمان أيضًا: عبادة (١٠) ودُعَاء.

стр. 832

ومنها: أنّها وردت على الازداوج؛ اثنين اثنينِ، قوله: ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وهذا كلّه مَثْنَى، ويصحّ أنّ تكون مثاني بهذه المعاني كلّها. وقد ذكرنا أنّها سبعٌ، كما ذكرها رسول الله ﷺ . وذُكِرَ أيضًا أنّه قال: "سورةُ المُلْكِ ثلاثونَ آية" (١) وتعدِيدُ الآيِ من مُعضِلِ القرآن. الفقه في أربع مسائل: المسألة الأولى (٢): قال علماؤنا (٣): إنْ حملنا الخبرَ على أنّ النَّبىَّ صلّى الله عليه عَلِمَ بصلاةِ أُبِيّ، ففي ذلك مناداةُ (٤) المُصَلِّي، وذلك بالأمر اليسير ممّا لا يشغله في الصّلاة. وقال ابن حبيب: سواءٌ كان في مكتوبة أو نافلة، فامّا إنّ كان كثيرًا لا يَعِيهِ (٥) إلّا مع الإقبال والاشتغال عن صلاته، فلا يجوز؛ ولذلك لم يخبر النَّبىِّ ﷺ أُبيًّا في الصّلاة بما أَخْبَرَهُ به بعد الفراغَ منها. وقال الدّاودي: معنى ذلك أنَّه أَمِنَ على أُبَيّ أنّ يجيبَهُ في الصّلاة لِعِلْمِهِ، وفي هذا نَظَرٌ؛ لأنّ النَّبىَّ قد احتجَّ على أبىّ بَعْدَ إخبارهِ بأنَّه كان يصلِّي، بقوله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ الآية (٦)، وهذا يقتضي أنّ الأمر يقتضي إجابة النّبيّ في حالِ الصّلاة. ويحتمل أنّ يكون جواب أُبيّ النّبيّ لو أجابَ بالتلبية والصّلاة عليه، لا يقطع صلاته، ويكون هذا حُكمًا يختصُّ بالنَّبي ﵇؛ لأنّ أُبَيًّا مأمورٌ بإجابته بالتّلبية (٧)، والتّعظيم له والصّلاة عليه من الأذكار الّتي لا تُنَافِي الصّلاة.

стр. 833

المسألة الثّانية (١): قوله: "فَوَضَعَ يَدَهُ على يَدِهِ" هذا على معنى التأنيس له والتّقريب. وقولُه: "ما أنزلَ في التَّوْرَاةِ" الحديث، قال بعض أشياخنا: إنّ معنى ذلك أنّها تُجْزِئ عن غيرها في الصَّلاةِ، ولا يُجْزِىء غيرها عنها. المسألة الثّالثة (٢): قوله: "فجعلتُ أُبْطِىء" دليلٌ على حِرْصِهِ على العلم وإفادته. وقوله: "الّذي أُعْطِيتُ" يريدُ الحمد، ومن هذا ذهب جمهورُ العلماء إلى أنّ القراءةَ شرطٌ في صِحَّة الصّلاة. فإذا ثبت هذا، فالّذي يجب قراءته أمّ القرآن، وبه قال مالك والشّافعيّ (٣)، وأحمد (٤)، وإسحاق، وأكثر الفقهاء. وقال أبو حنيفة (٥)، والأوزاعيّ والثّوري: يَقرَأُ ما شاءَ من القرآنِ. ودليلُنا: خَبَرُ أبي قتادة؛ أنّه كان يقرأُ في الرَّكعَتَيْنِ المتقدِّمتين سورة مع أمّ القرآن، وفي الرَّكعَتَيْن الأُخْرَيَيْنِ بأُمِّ القرآن في كلِّ ركعة (٦). ومَن قرأَ بأمّ القرآن في كلّ ركعة فقد أَتَى بما لا خلافَ في صِحَّتِه، وإن تركَ قراءَتُهَا فلا خلاف أنّ صلاته غير مجزئة، إلَّا رواية شاذَّة رواها الواقدي، والجمهور على خلافها. المسألة الرّابعة (٧): فإن ترك الحَمدَ من ركعة، ففي "المدوّنة" (٨) عنه ثلاث روايات كلّها عن مالك، هذا إذا كانت رُبَاعِيّة، فإن كانت ثُلاثية، فقد سُئِلَ ابنُ القاسم (٩) عن ذلك فقال: الصّلاةُ عند مالك واحدةٌ، ومن تركها في ركعةٍ من الصُّبْحِ أعادَ، وتأوَّل ذلك بعض علمائنا أنّها بمنزلة الرُّباعية. وحكى هذا القول ابن الموّاز عن مالك ﵀.

стр. 834

القِراءَةُ حَلْفَ الإمامِ فيما لا يَجْهَر فيه بِالقراءَةِ الحديث (١)، قوله: "مَنْ صَلَّى صَلاَةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِاُمِّ القُرآنِ فَهِي خِدَاجٌ". الحديثُ صحيحٌ من طُرُقِ. الترجمة (٢): قال أشياخنا (٣): تَرْجَمَ مالك ﵀ على هذا الحديث بالقِرَاءَةِ خَلْف الإمام فيما لا يَجْهَر فيه. وذهب جماعة من العلماء الشّارحين للموطَّأ؛ أنّ التّرجمة مَبْنِيَّةٌ على قوله: "كلُّ صلاةٍ لا يُقرَأُ فيها بأُمِّ القرآن فهي خِدَاجٌ" (٤) وهذا لا يجوز؛ لأنّ معناه ما قدّمناه من أنّها غير تامّة ولا مجزئة. قال الإمام (٥): والأظهرُ عندي أنّ رَسمَ التّرجمة مبنيٌّ على قَوْلِ أبي هريرة: "اقرَأ بِهَا في نَفْسِكَ يَا فَارِسيُّ"، والقراءةُ في النّفس في الصّلاة هي تحريكُ اللِّسانِ وإن لم يسمع نفسه. العربية: قولُه: "فَهِيَ خِدَاجٌ" قال الخليل (٦): "خَدَجَتِ النَّاقةُ: إذا وضعت وَلَدَهَا ناقصًا غير تامٍّ" وهذا (٧) معناه في اللُّغة لا غير (٨).

стр. 835

وقد يقال: خَدَجتِ النَّاقَةُ فهي: خِدَاجٌ، وأَخْدَجَتِ فهي مُخْدِجٌ: إذا أَلْقَتْ وَلَدَها قبل تَمَام خَلْقِهِ. ويقال: خَدَجَتْ: إذا أَلقَت دمًا (١)، فالمعنى أنّ الصَّلاةَ إذا لم يقرأ فيها بأُمِّ القرآن فهي ناقصةٌ. الأصول (٢): قال الإمام (٣): وقد تعلَّقَ بعضُ علمائنا في هذا بهذا اللّفظِ، وجعلَهُ دليلًا على الإجزاءِ؛ لأنّه سمَّاهُ (٤) صَلاةً، ووصفَها بالنُّقْصان. وهذا ليس بصحيحٍ؛ لأنّ اسْمَ الصّلاة ينطلقُ على المُجْزِىء منها وغير المُجْزِى، وإطلاقُ اسم النُّقصان عليها يقتضي نقصانَ أجزائها، والصّلاةُ لا تتبَعَّض، فهذا بَطَلَ بعضُها بَطَلَ جميعُها، وقد أكّده بقوله: "غَيرُ تَامٍّ" فإن قرأَ في بعض ركعاتها دون بعض، فهذه قضيَّةٌ لم يذكر (٥) حكمها في هذا الحديث. وأمّا لفظه من جهة المعاني: فيُخْرِجُ فسادَ كلِّ (٦) ركعةٍ لا يُقْرَأُ فيها بأمِّ القرآن على ما قدَّمناهُ. وقول أبي السَّائِبِ: "فقُلتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِنِّي أَحْيَانًا أَكُونُ وراءَ الإمَامِ". فقال: "اقرْأ بِهَا في نفَسِكَ يَا فَارِسِيٌّ". قال الإمام الحافظ: مذهبُ أبي هريرة القراءة خَلْفَ الإمام، ولذلك قال: "اقرَأْ بِهَا في نَفْسِكَ يَا فَارِسِيٌّ" وهي حُجَّةُ الشّافعيّ (٧) في ذلك، يقول: يقرأُ في السِّرِّ والجَهرِ؛ لأنّ أبا هريرة يقولُ: "قال الله: قَسَمْتُ الصّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبدِي" قال: فلمّا كانت فَرْضًا على الإمام، كذا هي فرضٌ على المأموم. قلنا: الدليلُ في قول أبي هريرة؛ لأنّه قال: "اقرَأْ بِهَا في نَقسِكَ يَا فَارِسِيُّ". والقراءةُ في النَّفسِ تُسَمى قرآنًا حقيقةً. كما قال الأَخْطَل (٨):

стр. 836

إنّ الكَلامَ لَفِي الفُؤَادِ وإنَّمَا ... جُعِلَ الكَلاَمُ عَلَى اللِّسانِ (١) دَلِيلًا وسيأتي الكلام على هذا في الباب الّذي يليه إنّ شاء. حديث: "قَسَمتُ الصّلاة". قال الإمام: الّذي يتعلَّقُ بهذا الحديث من العِلْمِ طريق الأصولِ في ثلاث مسائل: المسألة الأولى: قوله: "يَقُولُ اللهُ: قَسَمْتُ الصّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي" الحديث. قال علماؤنا: لا ترجعُ هذه القسمة إلى الحروف ولا إلى الآيات، وإنّما ترجعُ إلى المعاني، والدّليل على ذلك أنّه إذا قال العبدُ: الحمدُ للهِ، قال اللهُ: حَمِدَني عَبْدِي. وإذا قال: كذا، قال الله مثل ذلك، فقابَلَ اللّفظَ بما يَنُوبُهُ (٢)، الحمدُ بالحَمْدِ؛ لأنّه أراد المعاني. تنبيه: فإن قال قائل: كيف جازتِ القِسْمَةُ في هذه الآية وهي مُشْتَرَكَة؟ فالجواب: أنّها وإن كانت مشتركَة في (٣) اللَّفظ، فهي منقسمةٌ في المعنى؛ لأنّ صُنْعَ عبادة العبد لربِّه لا يشارِكُه فيها الرَّبّ، كما أنّ الاستعانة (٤) باللهِ لا يشارِكُ فيها العبد، فإنّما أراد بالقِسْمَةِ عدد الآي خاصّة دون عَدَدِ الحروف والألفاظ، ومن ذلك قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٥) ثم إنه قسم الصّلاة بينه وبين عبده بنِصْفَيْنِ، ثم عدّ آي القرآن فسمّاها صلاة؛ لأنّ الصّلاة الدُّعاء كما بينّاه. فالصّلاةُ لا تتمُّ إلَّا بالحَمْدِ والدُّعاء كما قال ﷺ : "الحجّ عرفة" (٦) لمّا كان الحجّ لا يتمُّ إلَّا بعَرَفَة, فصحّ المعنى فيها، والله أعلم.

стр. 837

المسألة الثّانية (١): قولُه: "يقولُ اللهُ: حَمِدَنِي عبْدِي" أي أّثْنَى عليَّ. فالثّناءُ حَمْدٌ وتمجيدٌ (٢)، وكلُّ واحد منهما يُعَبَّر به عن صاحبه (٣)، ولكن خصَّ كلَّ واحدٍ بمعناه الأخصّ، فخصيصةُ الحَمْدِ التّحميدُ، هُوَ هُوَ، وهو أعمُّ صفاتِ الثّناءِ؛ لأنّه يتضمّن الثّناءَ بما هو المُثْنَى عليه في ذاته، وما صدر من فعله (٤)، والثناءُ هو ذِكْرُ محاسِنِ أفعاله. والتّمجيدُ (٥) هو الإخبار عن صفاتٍ (٦) فيها العُلُوُّ والعَظَمَةُ؛ لأنّ المَجْدَ (٧) نهايةُ الشَرَفِ، ولله الأسماء الحسنى، والصِّفات العُلَى، والأفعال الّتي لا تُدَانَى، فهو المحمودُ، ومنه إفاضة النِّعمة ابتداءَ، وإقالة العَثرة، وحُسْنِ التَّدارُكِ بعد الزَّلَّةِ. وذلك (٨) كلّه مصدره الرّحمَة، وله أنّ يهلك الخَلْقَ بأجمعهم، وأن يُحْسِنَ إليهم كلّهم، ولا يَخَافُ عاقبةً (٩)، ولا يرجوا عِوَضًا، فهو المالِكُ حَقًّا، وخصَّ يوم الدِّين لعظيم الأفعال الّتي فيه، ومَنْ مَلَكَ الأعظمَ والنّهايةَ فقد مَلَكَ الأقَلَّ والبدايةَ. والتسليم بالكُلِّ والتّفويض؛ لأنّه إنّ أعان العبدَ عَبَدَهُ، وإن خَذَلَهُ جَحَدَهُ (١٠). مزيد إيضاح: فإن قيل: وهل يكون الحمد غير الثّنَاء، أو هو عين الثّنَاء؟ الجواب: قلنا: لعلمائنا فيه خمسة أقوال: قيل: إنّ الحمدَ هو الشُّكر، فالمعنَى: الحمدُ لله، أي الشّكر لله، فالحمدُ والشّكرُ مترادفان. القول الثّاني: أنّ الحمدَ هو الخَبَرُ عن الشّيء بما فيه من صفات حَسَنَةٍ، والشّكرُ هو الخبرُ عنه بما هو من أفعاله.

стр. 838

واحتجّ مَنْ زعمَ أنهما شيءٌ واحدٌ بقول العرب: حمدتُ فلانًا وشكرتُه، فلا يفرقُون بينهُما، وعَضَدُوا ذلك بقول العرب: الحمد لله شكرًا، فجعلوا الشُّكرَ مصدرًا للحَمدِ، ولولا أنهُما شيءٌ واحدٌ ما صَدروا به عنه. تحقيق: قال الإمام الحافظُ: والذي اتّفق عليه المحقِّقون من علمائنا أنّهما شيءٌ واحدٌ، وأن العربَ لا يفرِّقون بينهما، وهو وَهمٌ منهم. وأمّا قولهم: إنهما شيء واحدٌ، فدَعْوَى، ومِن أين عَلِمُوا هذا الاعتقاد! ونحن نقول: إنّما جمعوا بينهما لمّا أُخبِرُوا أنّهم أَثنَوا عليه بصفاته وأفعاله معًا. وأمّا حُجَّتُهُم: الحمدُ لله شكرًا، فهو ضعيفٌ؛ لأنّ العربَ قد تُجري المصدر على غير المصدر، وتذكُرُه من غير لفظ الفعل، ولكن تحمله على لفظه. وأمّا الحمدُ، ففيه أقوال خمسة: القولُ الأوّل: أنّ يكون "فَعِيلًا" من حامد، كقولنا: "عليم" من عالم، و"حكيم" من حاكم. القول الثّاني: أنّ يكون "فعيلًا" بمعنى مفعول، كقولك: كفّ خضيب، ورجل قَتِيل. القولُ الثّالث: أنّ يكون "فعيلًا" من الرِّضَى بالوجهين. القولُ الرّابع - قال بعضهم: الحمدُ هو الرِّضَى، من قولك: حمدتُ كذا، إذا اخترته فرضيته، وحمدته إذا خَبِرْتَهُ محمودًا. قال الإمام: والذي عندي من القولِ الصَّحيح ما قدَّمناهُ، من أنّه بمعنى الحمد الّذي هو الثّناء والمَدْحُ، وأنّه يجوز أنّ يكون فعيلًا من فاعلٍ، وفعيلًا من مفعولٍ. وقال جماعة من العلماء: إنّ الحميد هو المستحقّ للحمد والمدح والثّناء, وإن البَشر لا يحمدونه في الحقيقة (١)، وما قدرَ أحدٌ أنّ يحمدَهُ إلَّا هو حمد نفسه، ألَّا تَرَى أنّ النّبيَّ ﷺ كان يقول في سجوده: "لا أُحصِي ثَنَاءً عليكَ أنتَ كما أَثنَيتَ على نَفْسِكَ" (٢).

стр. 839

تنبيهٌ: واعلم أنّ الحمدَ لا يتصوَّر من الذّام (١)، إلّا في حقِّ البارئ تعالى، فإنَّ كُفْرَ الكافر به حمدٌ له. ويجب أنّ تَعلَمَ أنَّه لا يحمد المحمود على غير فِعْلِهِ إلَّا هو، فإنه حَمِدَ الخَلْقَ وأثْنَى عليهم وليس لهم فِعْلٌ، إنّما الفعلُ له، والحمدُ له ومنه. تنزيهٌ: فينبغي للعبد أنّ يحمدَ مولاَهُ وينزِّهَهُ عن كلِّ عَيْبٍ ونَقْصٍ، فإنّه الّذي استوجبَ الحمدَ والثّناءَ، وإنه العالِم الّذي لا يَخْفَى عليه شيءٌ, وإنّه الرّقيبُ الّذي أَحْصى كلَّ شيءٍ، وإنّه الشّهيد الّذي لا يغيبُ، وإنّه الحافظ بكلِّ معنى، وإنّه الّذي يجب له الكمال، وإنه الّذي يستحيل عليه الزّوال، وإنّ التّصديقَ والتَّكذيبَ إليه، والصَّادقُ الّذي يستحيلُ الكذبُ عليه. المسألة الثّالثة: قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢) فالعبدُ به يستعين وهو المُعين، إذ لا مُعينَ سِواهُ. "فَهَذ بَينَهُ وَبَيْنِ عَبْدِهِ"، نصٌّ على أنّها آيةٌ واحدةٌ. وقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (٣) "فَهُؤُلاَءِ لعَبْدِي" نصٌّ أيضًا على أنّها أكثرُ من آيةِ واحدةٍ. وبذلك صارتِ الفاتحةُ سبعَ آياتٍ بإسقاط "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ". خاتمة: فإن قيل: أين القِسْمَة في الفاتحة؟ قيل: إنّ القِسْمَةَ عند قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ هو لله (٤) تعالى، والنّصف الثّاني من قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ﴾ إلى آخر السُّورة للعَبْدِ بلا خلافٍ.

стр. 840

تركُ القراءة خَلْفَ الإمام فيما جَهَرَ فيه الفقه: اختلف العلماء في قراءة المأموم على ثلاثة أقوال (١): القول الأوّل: أنّه يقرأ إذا أَسَرَّ، ولا يقرأ إذا جَهَرَ، وهو المذهب (٢). القولُ الثّاني: يقرأ في الحالَتَيْن. القول الثّالث: لا يقرأ في الحالتين. قال بالقول الأوّل: مالك وابن القاسم. وقال بالقولِ الثّاني: الشّافعيّ (٣) وغيره، ولكنّه قال (٤): إذا جَهَرَ الإمام قرأ هو في سَكَتَاتِهِ. وقال بالقول الثّالث: ابنُ حبيب، وأشْهَب، وابن عبد الحَكَم. قال الإمام: والصّحيح وجوب القراءة (٥)، لقوله: "لا صلاةَ لمن لم يقرأ بأمَّ القرآن" (٦). حديث مالك (٧)، عن ابن شهاب، عن ابنِ أُكَيْمَةَ اللَّيْثِيِّ، عن أبي هريرة؛ أنّ رسول الله ﷺ انصرفَ من صلاةٍ جَهَرَ فيها بالقراءةِ، فقال: "هلْ قرأَ معي مِنْكُم أحَدٌ آنِفًا؟ " فقال رجل: نعم، يا رسولَ الله. قال: فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّي أقُولُ مَالِي أُنَازعُ القرآن" فانْتهى النَّاسُ عن القراءةِ مع رسولِ الله ﷺ فيما جَهَرَ فيه رسولُ الله بالقراءةِ حينَ سمِعُوا ذلك من رسولِ الله.

стр. 841

الإسناد: قال الإمام: انفردَ عامر بن أُكَيمَةَ بهذا الحديث، وقال البخاريّ (١): "اسمه عُمَارة. وقيل اسمه عامر (٢) بن أُكَيمَةَ، وكنيته: أبو الوليد" والحديث عنه (٣) صحيحٌ ثابت، وبه قال مالك وأهل المدينة في ترك القراءة خَلْف الإمام فيما جَهَرَ فيه الإمام بالقراءة. وخرّج التِّرمذِّي (٤)، عن عُبَادَة بن الصَّامِت، قال: صَلَّى رسولُ الله ﷺ في الصُّبْحَ، فَثقلَت عليه القراءةُ، فلمَّا انْصَرَفَ قال: "إنِّي لأرَاكُم تَقْرَأُونَ القُرآنَ وراءَ إمَامِكُم؟ " قالوا: قلنا: يا رسولَ الله، إي والله، قال: "لا تفعلوا إلَّا بأمِّ القرآن؛ فإنه لا صلاةَ لِمَن لم يقرأْ بها" حديث حَسَنٌ في الباب (٥). الأصول: قولُه: "مَالِي أُنَازَعُ القُرْآنَ" يريد أنكم إذا جهرتم بالقراءة فقَرَأْتُم معي في الصّلاة، نَازَعْتُمُوني في قراءتي، إذ لا تنصتونَ، لقوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (٦). قيل: إنّها نزلت في الصّلاة، قيل: فانْتَهَى النَّاسُ عن القراءة. قال الإمام (٧): وحديث عُبَادة مفسَّرٌ، والمُفَسَّرُ يقضِي على المُجْمَل. واختلفوا في قوله: "إلَّا باُمِّ القُرآنِ" (٨) هل هو على العموم أو الخصوصِ؟. فقالت طائفة: هو على العموم، ويجب على المرء في كلِّ ركعةٍ (٩) كان إمامًا أو مأمومًا (١٠).

стр. 842

واستثنت طائفة فقالوا: يقرأ، إلَّا أنّ يكون خَلْف إمامٍ (١). وقالت طائفة: لا بُدَّ من أمِّ القرآن في كلِّ ركعة. خاتمة: أمّا قوله: "أمّ القُراَن" فذكر قَبِيصَة بن ذُؤَيْب من طريق رواه؛ أنَّه لا يقال أو لا يقولنّ أحدكم: أمّ القرآن، ولْيقُل: فاتحة الكتاب، رواهُ ابن سَلّام عن قَبِيصَة بن ذُؤَيْب أيضًا (٢). ويقال: أمُّ القرآن على معنَى أنّها أصل القرآن، وأوَّلُ ما يُقرَأُ من القرآن، والله أعلم. ما جاء في التَّأمين خَلْفَ الإمامِ قال الإمام: هذا حديثٌ صحيحٌ (٣). وقوله (٤): "إذا أَمَّنَ الإمَامُ" قيل معناه: إذا بلغَ مَوْضِعَ التَّأمينِ، كقولهم: أَحْرَمَ، إذا بَلَغَ الموضعَ الحرامِ، وأنْجَدَ إذا بلغ موضعَ العُلُوِّ، وذلك كقوله (٥): "إذَا قَالَ الإمَامُ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (٦) فقولُوا آمِينَ" ليجتمع الحديثَانِ، وعليه ثبتت روايةُ المصريِّين عن مالك؛ أنّ الإمام لا يُؤَمِّن. وأمّا على رواية المَدَنِيِّين؛ أنّه يؤمِّن الإمام سِرًّا. وعند الشّافعيِّ (٧) أنّه يؤمِّن جَهْرًا، وقال ابن شهابٍ: كان رسولُ الله ﷺ

стр. 843

يقول: آمين (١). وفي "البخاريّ" (٢): يقولُها النّاس حتّى إِنّ للمَسْجِدِ لَلَجَّةً. قال الإمام الحافظ: وكنت بجامع الخليفة، إذ قال الإمام يوم الجمعةِ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فجَهَر النّاسُ بآمين، حتّى إنّي أقول قد انقضَّ المسجد. والصّحيح عندي أنّه يسرُّ بها الإمام، وبذلك يجتمع الحديثَانِ. العربية: قلت: معى آمين عند خاتمة أمِّ القرآن: كذلك يكون. وقيل: هو اسمٌ من أسماء الله تعالى، فإذا قال: آمين، فكأنه. قال: يا أمين اغفر لنا واغفِر لي. وقيل: معناه اللهمّ اسْتَجِب (٣). ولا يصحُّ عندي أنّ يكون اسمًا للبارىء سبحانه؛ لأنّه لم يرد به نصٌّ ولا خَبَرٌ. وفي آمين عند أهل اللّغة روايتان ولغتان: المدُّ والقَصْرُ كلاهما. والقَصْرُ أَفْصَحُ (٤). وروي عن ابن عبّاس أنّه قال: ما حسدتكم النصارى على شيء كما حسدتكم على آمين (٥). الأصول (٦): قولُه (٧): "وقالتِ الملائكةُ في السَّماءِ: آمِينَ" كان يحتملُ أنّ يريدَ به الحاضِرِينَ للصّلاة الشّاهِدينَ لها، إلَّا أنّه قال في الحديث: "وقالتِ الملائكةُ في السَّماءِ آمينَ" وَوَجهُ الجمعِ بينهُما؛ أنّ الملائكةَ الحاضرينَ تقولُها، ويقولُها مَنْ فوقهم، حتّى تنتهيَ إلى ملائكة السَّماء، فإنهم صافُّون بعضهم فوق بعضٍ درجاتٍ إلى العَرْشِ، على ما

стр. 844

ورد في الخَبَرِ والأثَر (١). وفي هذا الحديث: إثباتُ وجودِ الملائكةِ. ومعنى موافقة تأمين الخَلق تأمين الملائكة، فيه للعلماء خمسة أقوال: القول الأوّل: الموافقةُ للابتداء، وهي النِّية والإخلاص، ولا قَبُولَ إلَّا بهما، وعلى هذا التّركيبِ الأعمالُ. القولُ الثّاني: الموافقةُ في الفائدة، وهي الإجابةُ، والمعنى: من اسْتُجِيبَ له كما يُستجابُ للملائكةِ غُفِرَ له (٢) ما تقدَّمَ من ذَنْبِه. القولُ الثّالث: من وافَقَهُ في الوقتِ حينَ (٣) يَتَوَارَدُوا (٤) عليه جميعًا، فَتَعُمُّ النّاس البركة الكائنة مع الاشتراك مع الملائكة. القولُ الرّابع: الموافقةُ في الكيفية، وهي بأن يَدْعُو لنفسه وللمسلمين كما تفعلُ الملائكةُ؛ لأنّها تدعوا لجميع الخَلْقِ، كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٥). القولُ الخامس: أنّ يَدْعُوَ في طاعة ولا يَمْزُجُها بدنيا، فإنّها أقرب إلى الإجابة. وقوله: "غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" فيه فائدة حَسَنَةٌ، وهو أنّه يُغْفَرُ له وإن لم يَسْألَ المغفرة؛ لأنّ الملائكة سألتها له، لقوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٦). تأصيلٌ: وأمّا وقوعُ المغفرةِ للذّنوب، فإنها تكون على الوجه الّذي بيّنّاه في التّفصيلِ بين الكبائر والصّغائر في "كتابِ الوُضوء". وقيل: إنّ ذلك في الزّمان، واللهُ أعلم.

стр. 845

حديث مالكٌ (١)، عن سُمَيٍّ مَوْلَى أبي بَكرٍ، عن أبي صالحٍ السَّمَّان، عن أبي هريرة؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال:، إذا قالَ الإمامُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فقولوا: اللهمَّ ربَّنَا ولَكَ (٢) الحَمدُ، فَمَن وَافَقَ قَوْلُهُ قَولَ الملائكةِ غُفِرَ لَهُ ما تقدَّمَ من ذَنْبِهِ". الإسناد: وقعَ في روايةِ ابنِ بُكَيْر (٣) عن مالكٌ: "وإذا قالَ: سَمِعَ اللهُ لمن حَمِدَهُ، فقولوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ"، وفي رواية يحيى (٤): "رَبَّنَا لكَ الحَمْدُ" فروايةُ ابن بُكَيْر بزيادة "واو" معناه: ربَّنَا تَقَبَّلْ مِنّا ولك الحمدُ، فعطف بالواو على كلام مُضْمَرٍ في الحديث، كأنّه قال: اسْتَجِبْ لنا ولك الحمد على ذلك، والله أعلم. الأصول (٥): قوله: "سَمعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" يحتَمِلُ أنّ يكون خبرًا عن فَضلِ اللهِ تعالى، ويحتملُ أنّ يكونَ دُعاءً إلى الله وإن جاءَ بلفظ الخبر، وهو أظْهَرُ. وقولُ المأموم: "رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ" جوانبٌ لهذا الدّعاء وامتثالٌ لمقتضاه، تقوله الملائكة كما يقوله المأمومُ، حَسَبَ ما وردَ في الخَبَر والموافقة المتقدِّمة. الفقه: قد اختلفَ علماؤُنا في مسائل من الفقه تتعلَّقُ بهذا الحديث (٦). أحدها (٧): قولُ الإمام (٨): "سَمعَ اللهُ لِمَن حَمِدَهُ" هل يقولُ معها: "ربّنا ولك الحمد" أم لا؟
следующие страницы →