← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

الإسناد: قال الإمام: انفردَ عامر بن أُكَيمَةَ بهذا الحديث، وقال البخاريّ (١): "اسمه عُمَارة. وقيل اسمه عامر (٢) بن أُكَيمَةَ، وكنيته: أبو الوليد" والحديث عنه (٣) صحيحٌ ثابت، وبه قال مالك وأهل المدينة في ترك القراءة خَلْف الإمام فيما جَهَرَ فيه الإمام بالقراءة. وخرّج التِّرمذِّي (٤)، عن عُبَادَة بن الصَّامِت، قال: صَلَّى رسولُ الله ﷺ في الصُّبْحَ، فَثقلَت عليه القراءةُ، فلمَّا انْصَرَفَ قال: "إنِّي لأرَاكُم تَقْرَأُونَ القُرآنَ وراءَ إمَامِكُم؟ " قالوا: قلنا: يا رسولَ الله، إي والله، قال: "لا تفعلوا إلَّا بأمِّ القرآن؛ فإنه لا صلاةَ لِمَن لم يقرأْ بها" حديث حَسَنٌ في الباب (٥). الأصول: قولُه: "مَالِي أُنَازَعُ القُرْآنَ" يريد أنكم إذا جهرتم بالقراءة فقَرَأْتُم معي في الصّلاة، نَازَعْتُمُوني في قراءتي، إذ لا تنصتونَ، لقوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (٦). قيل: إنّها نزلت في الصّلاة، قيل: فانْتَهَى النَّاسُ عن القراءة. قال الإمام (٧): وحديث عُبَادة مفسَّرٌ، والمُفَسَّرُ يقضِي على المُجْمَل. واختلفوا في قوله: "إلَّا باُمِّ القُرآنِ" (٨) هل هو على العموم أو الخصوصِ؟. فقالت طائفة: هو على العموم، ويجب على المرء في كلِّ ركعةٍ (٩) كان إمامًا أو مأمومًا (١٠).

стр. 842

واستثنت طائفة فقالوا: يقرأ، إلَّا أنّ يكون خَلْف إمامٍ (١). وقالت طائفة: لا بُدَّ من أمِّ القرآن في كلِّ ركعة. خاتمة: أمّا قوله: "أمّ القُراَن" فذكر قَبِيصَة بن ذُؤَيْب من طريق رواه؛ أنَّه لا يقال أو لا يقولنّ أحدكم: أمّ القرآن، ولْيقُل: فاتحة الكتاب، رواهُ ابن سَلّام عن قَبِيصَة بن ذُؤَيْب أيضًا (٢). ويقال: أمُّ القرآن على معنَى أنّها أصل القرآن، وأوَّلُ ما يُقرَأُ من القرآن، والله أعلم. ما جاء في التَّأمين خَلْفَ الإمامِ قال الإمام: هذا حديثٌ صحيحٌ (٣). وقوله (٤): "إذا أَمَّنَ الإمَامُ" قيل معناه: إذا بلغَ مَوْضِعَ التَّأمينِ، كقولهم: أَحْرَمَ، إذا بَلَغَ الموضعَ الحرامِ، وأنْجَدَ إذا بلغ موضعَ العُلُوِّ، وذلك كقوله (٥): "إذَا قَالَ الإمَامُ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (٦) فقولُوا آمِينَ" ليجتمع الحديثَانِ، وعليه ثبتت روايةُ المصريِّين عن مالك؛ أنّ الإمام لا يُؤَمِّن. وأمّا على رواية المَدَنِيِّين؛ أنّه يؤمِّن الإمام سِرًّا. وعند الشّافعيِّ (٧) أنّه يؤمِّن جَهْرًا، وقال ابن شهابٍ: كان رسولُ الله ﷺ

стр. 843

يقول: آمين (١). وفي "البخاريّ" (٢): يقولُها النّاس حتّى إِنّ للمَسْجِدِ لَلَجَّةً. قال الإمام الحافظ: وكنت بجامع الخليفة، إذ قال الإمام يوم الجمعةِ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فجَهَر النّاسُ بآمين، حتّى إنّي أقول قد انقضَّ المسجد. والصّحيح عندي أنّه يسرُّ بها الإمام، وبذلك يجتمع الحديثَانِ. العربية: قلت: معى آمين عند خاتمة أمِّ القرآن: كذلك يكون. وقيل: هو اسمٌ من أسماء الله تعالى، فإذا قال: آمين، فكأنه. قال: يا أمين اغفر لنا واغفِر لي. وقيل: معناه اللهمّ اسْتَجِب (٣). ولا يصحُّ عندي أنّ يكون اسمًا للبارىء سبحانه؛ لأنّه لم يرد به نصٌّ ولا خَبَرٌ. وفي آمين عند أهل اللّغة روايتان ولغتان: المدُّ والقَصْرُ كلاهما. والقَصْرُ أَفْصَحُ (٤). وروي عن ابن عبّاس أنّه قال: ما حسدتكم النصارى على شيء كما حسدتكم على آمين (٥). الأصول (٦): قولُه (٧): "وقالتِ الملائكةُ في السَّماءِ: آمِينَ" كان يحتملُ أنّ يريدَ به الحاضِرِينَ للصّلاة الشّاهِدينَ لها، إلَّا أنّه قال في الحديث: "وقالتِ الملائكةُ في السَّماءِ آمينَ" وَوَجهُ الجمعِ بينهُما؛ أنّ الملائكةَ الحاضرينَ تقولُها، ويقولُها مَنْ فوقهم، حتّى تنتهيَ إلى ملائكة السَّماء، فإنهم صافُّون بعضهم فوق بعضٍ درجاتٍ إلى العَرْشِ، على ما

стр. 844

ورد في الخَبَرِ والأثَر (١). وفي هذا الحديث: إثباتُ وجودِ الملائكةِ. ومعنى موافقة تأمين الخَلق تأمين الملائكة، فيه للعلماء خمسة أقوال: القول الأوّل: الموافقةُ للابتداء، وهي النِّية والإخلاص، ولا قَبُولَ إلَّا بهما، وعلى هذا التّركيبِ الأعمالُ. القولُ الثّاني: الموافقةُ في الفائدة، وهي الإجابةُ، والمعنى: من اسْتُجِيبَ له كما يُستجابُ للملائكةِ غُفِرَ له (٢) ما تقدَّمَ من ذَنْبِه. القولُ الثّالث: من وافَقَهُ في الوقتِ حينَ (٣) يَتَوَارَدُوا (٤) عليه جميعًا، فَتَعُمُّ النّاس البركة الكائنة مع الاشتراك مع الملائكة. القولُ الرّابع: الموافقةُ في الكيفية، وهي بأن يَدْعُو لنفسه وللمسلمين كما تفعلُ الملائكةُ؛ لأنّها تدعوا لجميع الخَلْقِ، كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٥). القولُ الخامس: أنّ يَدْعُوَ في طاعة ولا يَمْزُجُها بدنيا، فإنّها أقرب إلى الإجابة. وقوله: "غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" فيه فائدة حَسَنَةٌ، وهو أنّه يُغْفَرُ له وإن لم يَسْألَ المغفرة؛ لأنّ الملائكة سألتها له، لقوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٦). تأصيلٌ: وأمّا وقوعُ المغفرةِ للذّنوب، فإنها تكون على الوجه الّذي بيّنّاه في التّفصيلِ بين الكبائر والصّغائر في "كتابِ الوُضوء". وقيل: إنّ ذلك في الزّمان، واللهُ أعلم.

стр. 845

حديث مالكٌ (١)، عن سُمَيٍّ مَوْلَى أبي بَكرٍ، عن أبي صالحٍ السَّمَّان، عن أبي هريرة؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال:، إذا قالَ الإمامُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فقولوا: اللهمَّ ربَّنَا ولَكَ (٢) الحَمدُ، فَمَن وَافَقَ قَوْلُهُ قَولَ الملائكةِ غُفِرَ لَهُ ما تقدَّمَ من ذَنْبِهِ". الإسناد: وقعَ في روايةِ ابنِ بُكَيْر (٣) عن مالكٌ: "وإذا قالَ: سَمِعَ اللهُ لمن حَمِدَهُ، فقولوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ"، وفي رواية يحيى (٤): "رَبَّنَا لكَ الحَمْدُ" فروايةُ ابن بُكَيْر بزيادة "واو" معناه: ربَّنَا تَقَبَّلْ مِنّا ولك الحمدُ، فعطف بالواو على كلام مُضْمَرٍ في الحديث، كأنّه قال: اسْتَجِبْ لنا ولك الحمد على ذلك، والله أعلم. الأصول (٥): قوله: "سَمعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" يحتَمِلُ أنّ يكون خبرًا عن فَضلِ اللهِ تعالى، ويحتملُ أنّ يكونَ دُعاءً إلى الله وإن جاءَ بلفظ الخبر، وهو أظْهَرُ. وقولُ المأموم: "رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ" جوانبٌ لهذا الدّعاء وامتثالٌ لمقتضاه، تقوله الملائكة كما يقوله المأمومُ، حَسَبَ ما وردَ في الخَبَر والموافقة المتقدِّمة. الفقه: قد اختلفَ علماؤُنا في مسائل من الفقه تتعلَّقُ بهذا الحديث (٦). أحدها (٧): قولُ الإمام (٨): "سَمعَ اللهُ لِمَن حَمِدَهُ" هل يقولُ معها: "ربّنا ولك الحمد" أم لا؟

стр. 846

ذهب مالك إلى أنّ الإمام لا يقولها. وقال ابنُ دينار وابنُ نافع: يقولُ الإمام اللّفظتين وكذلك المأموم، وبه قال الشّافعيّ (١). ودليلنا: الحديث المتقدِّم. وأمّا المنفردُ، فإنه يقولهما (٢). تحقيق (٣): قال: قولُه "رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ" يدلُّ على أنَّ سُنَّةَ الإمام أنّ يقولَ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" في موضع مخصوصٍ. وقال ابنُ شعبان: يقولُ الإمام "سَمعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" على معنى الدُّعاء، فمعناه: اللهمَّ اسْتَجِب (٤) لِمَن حَمِدَكَ. المسألة الثّانية (٥): ولا خلافَ في صِفَةِ ما يقولُه الإمام من ذلك، وقدِ اختلفَ العلماءُ فيما يقولُه المأموم، واختلفتِ الاَثارُ في ذلك: فرُوِيَ في هذا الحديث: "اللَّهُمَ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ" (٦). وروي في حديث أبي هريرة: "اللهُم رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ" (٧) بوَاوٍ. وروي عن مالكٌ أنّه كان يأخذ برواية أبي هريرة، واختارَهُ ابنُ القاسم، واختار أشْهَب: "رَبَّنَا لَكَ الحَمدُ".

стр. 847

العَمَلُ في الجُلُوسِ في الصّلاةِ قوله (١): "رَآني عَبْدُ اللهِ بن عُمَرَ وَأَنَا أَعْبَثُ" يحتَمِلُ (٢) أنّ يكون ابنِ عمر في الصّلاة أيضًا، وينظر إليه على غير قَصْدٍ، فأخَّر تَعْلِيمَهُ بسبب الصّلاة، فلمّا فرَغَ، عَلَّمَهُ سُنَّةَ الصّلاة. وقوله: "فَكيف كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصْنَعُ؟ " حِرْصًا على العلم ومبادرة (٣) بالسّؤال عنه. وقوله: "وَقَبَضَ أَصَابِعَهم" يعني غير السَّبَّابة؛ لأنّه فَسَّر ذلك بقوله:"وَأَشَارَ بِأصْبُعِهِ الَّتي تَلِي الإبْهَامَ" وهذه الصِّفة مثل عَقْد ثلاثة وخمسين. ومعنى إشارته (٤) بالسَّبَّابة: رَوَى ابنُ عُيَيْنَة هذا الحديث عن مسلم بن أبي مَرْيَم، وزاد فيه مسلم فقال: هي مُدْيَةُ (٥) الشَّيطانِ، لا يَسْهُو أَحَدُكُم ما دَامَ يُشِيرُ بأصْبُعِهِ (٦). وقيل: إنّ الإشارةَ معناها التَّوحيد (٧). وقال الدّاوُدِي (٨): قيل يتذكّر بفعل ذلك أنّه في الصّلاة. وقد رُوِيَ عن مالكٌ أنّه كان يُخرِجها من تحت البُرْنُس، ويُوَاظِب على تحريكها. وقال ابنُ القاسم: يَمُدُّها من غير تحريكٍ، ويجعل يمين الأيسر من فوق، وقاله ابن مُزَنن (٩).

стр. 848

فأما من ذهب إلى تحريكها، فيتناول في ذلك الاشتغال بها عن السَّهْوِ وقَمْع (١) الشيطان. وأمّا من ذهب إلى مدِّها، فيتناوَلُ التّوحيد. تحقيق (٢): قال الإمامُ الحافظُ: لم يثبت عن النّبيّ ﷺ في تحريكها شيءٌ، إلّا ما رَوَى أحمدُ بنُ حَنْبَل (٣)، عن خُفَاف بن إيمَاء، قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أشار بأُصْبَعِهِ في الصَّلاة تَقُولُ قريش: هذا محمّد يَسْحَرُ النّاسَ، وإنّما كان يُوَحِّدُ اللهَ تعالى". فنصَّ على فائدةِ الإشارةِ، ولهذا ينبغي أنّ يقبضَ الإبهامَ ولا يَمُدّ، ويعقد ثلاثةً وخمسينَ، كما رُوِيَ في الأَثَر الصّحيح (٤). وأمّا تحريك الأصبُع، فليس بمَقْمَعَةٍ للشّيطان، فإنَّكَ إنْ حرَّكتَ به واحدة، حرَّك لَكَ عِشرِين، وإنّما يَقمَعُه التَّوحيدُ والإخلاصُ. حديث عبد الله بن دينار (٥)؛ أنَّه سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنّ عُمَرَ، وَصَلًّى إِلَى جَنْبِهِ رَجُلٌ، فلَمَّا جَلَسَ الرَّجُلُ في أَرْبَعٍ، تَرَبَّعَ وَثنَى رِجْلَيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ عَبْدُ اللهِ، عَابَ عَلَيْهِ ذَلِكَ. الفقه (٦): وصِفَةُ الجلوس في الصّلاة، هو أنّ يَنْصبَ رِجْله اليمنى، ويثني رِجْلَهُ اليُسْرَى ويخرجها من جهة وَرِكِه الأيمن، ويفضي بأَلْيَتِه إلى الأرض، ويجعل باطن إبِهَامه اليُمْنَى إلى الأرض، ولا يجعل جنبها ولا ظاهرها إلى الأرض، وهذا مذهب مالكٌ. وعند الشّافعيّ (٧) خلاف هذا. وقولُه: "فلمَّا جلَسَ الرَّجُلُ في أَرْبَعٍ تَرَبَّعَ" قال الإمام: التَّرَبُّعُ يكون على ضربين:

стр. 849

١ - أحدُهما: أنّ يخالفَ بين رِجْلَيْه، فيجعلُ رِجْلَه اليُمْنَى تحت رُكْبَته اليُسْرَى، ورِجْلَه اليسرى تحت رُكبته اليمنى، ويُثني رجله اليسرى. ٢ - أو إقران أحدهما وهو أنّ يثني رِجْلَيْه (١) إلى جانب واحدِ (٢). وهذا خطأ. الإقعاء وشرحه: خرّج الترمذي (٣) عن علي بن أبي طالب، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا عليُّ، أُحِبُّ لكَ ما أُحِبُّ لنَفْسِي، وأَكرَهُ لكَ ما أَكرَهُ لنَفْسِي؛ لا تُقْعِ بين السَّجْدَتَينِ" والحديثُ ضعيفٌ. ورُوي عن طَاوُس؛ أنّه قال: قلنا لابن عبّاس في الإقعاء على القدمين؛ قال: هي السُّنَّة. قلنا: إنَّا لنرَاهُ جَفَاءً بالرِّجلِ -يعني بالقدم- قال: هي سُنَّةُ نَبِيِّكُنم (٤). العارضة (٥): قُلنا: الاقعاءُ هو أنّ يَنْصِبَ رِجْلَيه ويَقعُدَ (٦) عليها بألْيَتَيْهِ، وهو جَفَاءٌ بالرِّجْلِ، يعني القَدمَ. ورُوِيَ جَفَاءٌ بالرَّجُلِ يعني الإنسان، وقد جاء الحديث مُفَسَّرَا بالوَجهَينِ في "مُسْنَدِ ابن حنبل" (٧): "إنا لنَرَاهُ جفاءً بِالقَدَمِ" وهذا يشهد لمن رواه بكسر الرَّاءِ وجَزْم الجيم. وفي "كتاب ابن أبي خَيْثَمَة": "إنّا لنَرَاهُ بِالرَّجُلِ" وهذا (٨) يشهد لمن رواه بفتح الرّاء وضم الجيم.

стр. 850

قال الإمام: الّذي عندي فيه: أنّهم لم يفهموا الحرف (١) فَصَحَّفُوه، ثمّ فَسَّرَهُ كلُّ واحدٍ منهم على مقدار ما صحِّفَ، واختاوه أبو حنيفة (٢). وفي الحديث كراهية، وأنّه عقب الشّيطان، وكان ابن عمر يفعلُه ويقول: إنّ رجلَىَّ لا تَحْمِلاَني (٣). العربية: الإقْعَاءُ: - بكسر الهمزة ووقف القاف وبالمدِّ- هو قعود الرّجُل على دَبُرِه، مقيمًا على رُكْبَتَيه إلى وجهه، كقَعْوِ الكلْب وإقعائه. العَضُدَانِ: ما بين المَنكِبَيْن إلى المَرْفِقَيْن (٤). التّشهد فيى الصّلاة الأصول (٥): التَّشَهُّدُ ركنُ من أركان الصّلاة، وليس بواجبٍ (٦)، ولا محلّه واجبًا. ورَوَى التَّشَهُّد عن النَّبيِّ ﷺ جماعة، أصولهم ثلاثة: ابنُ مسعود، وابن عبّاس، وعمر، واختلف الأيمّة في المختار منه. فاختار الشّافعيّ (٧) تَشَهُّدَ المكّىّ (٨). واختار أبو حنيفة (٩) تَشَهُّد الكُوفيِّ (١٠). واختار مالكٌ (١١) تَشَهُّد المَدَنىّ (١٢). وعَوَّلَ فيه مالكٌ ﵀ على أصل من أصولِ الفقه؛ وهو أنّ عمر كان يعلِّمه النّاس على المِنبَرِ،

стр. 851

فصار كالإجماعِ عنده؛ لأنّه قاله بحَضْرَةِ الصَّحابة وهو يخطُبُ، فلم ينكر عليه، فهو كالإجماع وشِبْهِهِ لا خفاءَ به. كما قال العالِمُ: ما جَهَرَ النَّبِيُّ ﵇ فيه جَهَرْنَا، وما أسرَّ فيه أَسْرَرْنَا. العربية: قولُه (١): "التحِياتُ لِلهِ الزَّاكِيَاتُ الطَّيِّبَاتُ" نَعْتٌ بعدَ نَعْتٍ. قوله: "الزَّاكِيَاتُ" يعني: النّاميات الّتي ليست بناقصة. و"الطَّيِّبَاتُ": ليست بخبيثة. و"الصّلوات": الرَّحَمَات، وهي أيضًا نعتٌ لما تقدَّمَ. وقيل له: "تَشَهُّد" لقول القائل فيه: أشهد أنّ لا إله إلَّا اللهُ، وأشهدُ أنّ محمّدًا عبدُ الله ورسوله. التفسير (٢): قوله: "التَّحِيَّاتُ" هي المُلْكُ، وهي البقاء، وهي السّلام، والكلُّ لله. أمّا "البقاء" فهو صِفَةٌ لله واجبةٌ (٣). وأمّا "المُلْك" فهو بيده يصرِّفه كيف يشاء (٤). وأمّا "السّلام" (٥) فهو له شَرْعٌ ودِينٌ، فإن جُعِلَ لغيره فذلك خلاف الشّرع. وما كان من قبيل المشروعات فهو لله سبحانه أمرٌ ورِضا، وما وقع على غير طريق الشّرع فهو لله تقديرٌ وقَضَاءٌ، فلا يخرج شيءٌ عنه، بلِ الكُلُّ له وإليه. والمرادُ بالتَّحِيَّة هنا -من جملة أقسامها- السّلام؛ لأنّه موضوعه وسببه، على ما تقدَّمَ في حديث عبد الله بن مسعود. وأمّا "الزَّاكِيَاتُ" فالمراد بها: كلُّ عمَلٍ صالحٍ نَامٍ يضاعف عليه الأجر، وينمّى فيه الثّواب، وكلُّ عمَلٍ أيضًا ممحوق (٦)، فهو لله تقديرٌ وخَلْقٌ، إلَّا أنّه ﵎

стр. 852

إذا أضافَ الشيءَ إليه أو رَبَطَهُ به على طريق الاختصاص، كان ذلك تشريفًا على سِوَاهُ، كما قال: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ﴾ (١) يعني ملكًا. وقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ (٢) يعني بهذه الإضافة تشريفًا. ثم قال أيضًا: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ (٣) فزاد اختصاصًا. وأمّا قولُه: "الصَّلَوَاتُ للهِ" فهو بَيِّنٌ؛ لأنّ العبادات كلّها إنّما تقع بالنِّية والقُرْبَة، والمعاصي من الله بالتَّقديرِ والحِكمَة، حتّى إنّ قول الكافر في الله سبحانه: ثالث ثلاثة، تسبيحٌ لله وتقديسٌ له (٤)، على الوجه الّذي شاء في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (٥). فقوله: "التَّحِيَّاتُ للهِ" لا يعني السّلام كما قدّمنَاهُ. وقوله: "الزَّاكِيَات" هي الأعمال النامية. وقولُه: "الصَّلَوَات" لا يعني العبادات الّتي هي من جملة العبادات الزّاكيات. تنبيهٌ على وهمٍ عظيمٍ (٦): قال الإمام الحافظ: ثبتتِ الرِّوايةُ عن النّبيّ ﷺ في التَّشَهُّد كما قدَّمناهُ، واستقرَّتْ ألفاظُ التَّشَهُّد عند جميع الأُمَّة، إلى أنّ جاء فيه أبو محمّد ابن أبي زيد بوَهْمٍ قبيحٍ، فقال (٧) في ذِكرِ التَّشَهُّد: وأن محمَّدًا عبدُه ورسولُه، أَرسَلَهُ بالهُدَى ودِينِ الحقِّ، ليُظهِرَهُ على الدِّين كلِّه، إلى قوله: وإنّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ في القُبُورِ. وإنّما أَوْقَعَهُ في ذلك؛ أنّه رَأَى الأثر في تَشَهُّدِ الوصيّة بهذه الصّفة (٨)، فرأى من قِبَلِ نفْسِهِ أنّ يلحقه بتشهُّدِ الصّلاة، وهذا لا يحلّ؛ لأنّ النّبيَّ ﷺ إذا علَّمَ شيئًا وَجَبَ الوقوف عند تَعْلِيمِهِ، وإذا بّيَّنَ ذِكْرَيْن في قصَّتين (٩)، لم يجز أنّ يبدلا فيُوضَع أحدهما

стр. 853

موْضِع الآخر، ولا أنّ يجمع بينهُمَا، فإن ذلك تبديلٌ للشريعة، واستقصارٌ لما كَمَّلَهُ النَّبيّ ﷺ في التَّعليمِ، هذا عهد نبيِّنا ﷺ إلينا وعَهْدُنا إليكم. وقوله (١): "السَّلاَمُ عليك أيّها النّبيُّ ورحمةُ الله وبركاته" النَبيُّ مشتقٌ من الإنباءُ وهو الإخبار، ومعنى نبىء أي مُنبأ، فعيل بمعنى مفعول. ويجوز نبي ونَبِيٌّ بالتّشديد، وهي لغة قريش تسهيل الهمزة (٢)، ألَّا ترى قوله للرّجل الّذي قال له: "يا (٣) نَبِىءَ الله لَسْتُ بِنَبِيءِ الله، وإنّما نبيُّ الله" (٤)، فأنكر عليه الهمز وكان يَكْرَهُ التَقَعُّرَ. ومعنى قوله: "أشهدُ أنّ لا إلهَ إلَّا اللهُ" أي أعلم علم المشاهدة. ومعنى هذا: أي (٥) لو شاهدتُ الله تعالى لَمَا علمتُ أكثرَ من هذا؛ لأنّي أشهدُ أنّ لا إله إلا اللهُ، ومعناه: أشهدُ إنّ شاء الله؛ لأنّه لا شَكَّ أنّ ليس معه من اليقين ما مع أبي بَكرِ وعُمَرَ، فكان أبو بكرٍ يقول: أشهدُ حقًّا أنك حقٌ، بذلك أشهدُ. فكان هذا الرَّجُل إنّ عرف عِلْمًا يقينًا، كان قولُه مثل قول أبي بكر، وإن كان غير ذلك، يقول: أشهدُ إنّ شاءَ الله، وهو حَسَنٌ. نكتةٌ أصولية: والناس في معرفة الله البارئ تعالى على ضربين: منهم من يعرفه بالاستدلال. ومنهم من يعرفه بغير استدلالٍ. وقد ذكر اللهُ ذلك في كتابه فقال فيمن يستدلُّ بمخلوقاته: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾ الآية (٦). وقال فيمن يعرفه بغير استدلالٍ: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٧). فقالت طائفة: لا تصحُّ معرفة البارئ لبَشَرٍ على التَّحقيقِ، وإنّما يَعْرِفُ اللهَ اللهُ،

стр. 854

وعبَّروا عن حقيقة الإيمان فيه: بأنّ العَجْزَ عَنِ الإدراكِ إدراك، ويُسْنِدُونه إلى أبي بكر الصدِّيق ﵁. ومنهم من قال: تصحُّ معرفَتُه، واختلفوا أيضًا في ذلك: فمنهم من قال: إنّ الخَلْقَ يتفاوتون في معرفته بحسب تَفَاوُتِ درجاتهم. ومنهم من قال: إِنَّ الخَلْقَ يتساوونَ في معرفته، من مَلَكٍ مُقَرَّبٍ، ونبىٍّ مُرْسَلٍ، وَوَلِيٍّ وَصِدِّيق، وقد بيَّنَّا ذلك في مَوْضِعِه. وأمّا قوله: "وأشهد أنّ محمّدًا رسولُ الله" فإنّه (١) له يشهد حَقًا؛ لأنّه (٢) أقام الدَّليلَ القاطعَ، وهي معجزته العُظمَى الّتي أتَى بها وهي القرآن، فهو يَرَى المعجزة ويشهد بِهَا، بخلاف قوله: "أشهدُ أنّ لا إله إلَّا الله"؛ لأنّ النّبيَّ ﷺ ماتَ ومعجزته باقيةٌ (٣)، وهي القرآن عند كلِّ أحَدٍ، بخلاف سائر الأنبياء؛ لأنّهم ماتوا وذهبت معجزاتهم، كعَصَا موسى ومائدة عيسى. الفقه: اختلف علماؤنا في صِفَةِ السّلام من الصّلاة، فثبتت (٤) عنه في ذلك أحاديث كثيرة؛ أنّه كان يسلِّم تسليمة واحدة، وهي غير ثابتة. ورُوِيَ عنه أنّه كان يسلِّم تسلمَتَيْن (٥) عن يساره ويمينه، ولم يخرجها البخاريّ وخرَّجها مسلم (٦). وهي أخبار تحتمل التّأويل، والقياس يقتضي إفراد السّلام الّذي يَتَحَلَّل به، وما زاد على ذلك فإنّما هو على حكم الرَّدِّ. وقالت (٧) طائفة من العلماء: يُسَلِّم تسليمتين عن يمينه وعن يساره، وروي ذلك عن زُمْرَةٍ كريمةٍ من الصّحابة: أبي بكر، وعمر، وعلىّ، وابن مسعود، وعمّار بن

стр. 855

ياسر، وأبي موسى الأشعريّ، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، والبَرَاء بن عَازِب، كلهم عن النَّبيَّ- ﷺ ، أسندها الطَّبَريّ (١). وقالت طائفة: يُسلِّم تسليمة واحدة فقط، وروي ذلك عن ابن عمر، وأنس بن مالكٌ، وعائشة، وسَلَمَة بن الأكْوَع، وطائفة كثيرة من التّابعين، وبهذا قال مالكٌ واللَّيْث، والأوْزَعيّ، ودفعوا أحاديث التَّسليمتَيْن، وقالوا: لا أصل لها. وقال الأصيلي، حديث أمّ سلمة المذكور في هذا الباب يقتضي تسليمة واحدة. وكذلك حديث ذي اليدين. وقال المُهَلَّب (٢): لمّا كان السّلام تحليلًا من الصّلاة وعَلَمًا على فراغها، دَلَّتِ التَّسليمةُ الواحدةُ على ذلك، ولو كانت التسليمتان (٣) كَمَالًا، فقد مَضَى العملُ بالمدينة في مسجِد رسولِ الله ﷺ على تسليمة واحدة، فلا يجب مخالفة ذلك. فإن قيل (٤): فقد رُوِيَ عن أبي بكرٍ وعمر تسليمتين، ومضى عملهما على ذلك في مسجد النَّبيِّ ﷺ ، فكيف يجمع بينهما؟ قلنا: قد روى الطَّبَرِيّ (٥) بِسَنَدٍ مُتَّصلٍ غير منفصل، عن أنس بن مالكٌ قال: صلَّيتُ خَلفَ رسولِ الله وأبي بكرٍ وعمرَ وعثمان، فكلُّهم كانوا يسلِّمون تسليمة واحدة (٦)، والآخر يَقضِي على الأوَّلِ. تحقيق (٧): قال الإمام: القولُ في ذلك عندنا أنّ نقول: كلا الخبرين الوَارِدَيْنِ عن النَّبىِّ ﷺ

стр. 856

جائزٌ، ثَابِتٌ أنّه كان يسلم تسليمتين، وانه كان يسلِّم تسليمة واحدة، وأنّه من الأمور الّتي كان يفعل هذه مرّة وهذه مرّة، مُعَلمًا بذلك، ثمّ تركه (١). كما ثبت أنَّه كان يجلس في الصّلاة على قَدَمَيْه، ثمّ تَرَكَهُ ونَهَى عنه، وأشباه ذلك كثيرة. مزيد إيضاح: ثبت عن النّبيّ ﵇ أنّه كان يسلِّم تسليمتين، عن (٢) اليمين: السّلام عليكم ورحمةُ الله، وعن يساره مثل ذلك، حتّى يُرى بياض خَدِّه (٣). دخل (٤) المدينة رَجُلٌ من أهل الكوفَةِ، فصلَّى في مسجد رسولِ الله، فلَمَّا سلّم قال: السّلام عليكم ورحمة الله، عن يمينه ويساره، وابن شهاب قاعد في ناحية المسجد، فقال (٥): من أين الرّجل (٦)، ومن أين لك هذا (٧)؛ فقال له: ما سمعت هذا؛ قال: لا، قال له: فمن أنت؟ قال له: أنا ابنُ شهاب، قال له: فهل رويت (٨) حديث النّبيِّ ﷺ كلّه؟ قال: لا، قال فثُلثَه؟ قال: لا. قال فسُدُسه؟ قال: لا. قال: فاجعَل هذا فيما لم تَرْوِه (٩). ونحو هذا كثيرٌ صحيحٌ من (١٠) غير شك فيه، ولكن نقل أهل المدينة أَقْوَى وأَصَحّ. قال العلماء: ينوى بالسّلام الخروج من الصّلاة، وإن كان إمامًا بمن معه، وإن كان عن يساره أحد يردّ عليه.

стр. 857

قال الإمام: والَّذي أقول به: يسلِّمُ اثنتين (١)، واحدة عن يمينه وأُخرَى عن يساره، الأُولَى يعتقد بها الخروج عن الصّلاة، والثّانية الردّ (٢) على الإمام والمأمومين، والتّسليمة الثّالثة: أَخِّرُوهَا فإنها بدعةٌ لم تثبت عن النَّبيِّ ﷺ ولا عن الصحابة، وحديث عائشة المتقدِّم (٣) معلولٌ (٤). واختلفت (٥) الرِّواية عن مالكٌ بأيّ السّلام يبدأ؟. فروى أشْهَب ومُطَرِّف عن مالكٌ؛ أنّه يبدأ بالردّ على من سلّم عن يساره. وروى عنه ابنُ القاسم أنّه رجع إلى أنّ يبدأ بالرَّدِّ على الإمام. وحكى عنه عبد الوهّاب رواية ثالثة، وهي: التّخيير في ذلك (٦). ومنْ فاته بعض صلاة الإمام، فسلَّمَ بعد القضاء، فقد رَوَى ابنُ القاسم عن مالكٌ: أنّه لا يردّ على الإمام، ثم رجع، وقال: أَحَبُّ إليَّ أنّ يرد عليه، وبه أخذ ابنُ القاسم. تحقيق (٧): قال الإمام: وجهُ القولِ الأوّل: أنّ مِن سنة الرَّدِّ الاتِّصال بالسَّلام، فهذا بَطَل ذلك بَطَلَ حُكمُهُ. ووجه القول الثّاني: أنّ حُكم الإمام باقٍ، فلزمه (٨) منه ما يلزم لو بقيت صلاته. ويَجهرُ المأموم بأوّل السّلام جَهْرًا، يُسْمِعُ نَفْسَه ومن يَلِيهِ، ويسرع (٩) الإمام بالسلام لِئلَّا يسبقه المأموم.

стр. 858

وقد روى الترمذي (١)، وأبو داود (٢)، عن أبي هريرة: "حَذفُ السَّلاَمِ سُنَّةٌ". فإن قيل: ما معنى حَذف السّلام؟ قيل: هو الإسراع به. وقيل: ألّا يكون أحد يسلِّم قبله. وقيل: هو ألَّا يكون فيه "ورحمة الله"، فحُذِفَت منه "ورحمة الله". ورُوِيَ عن النَّخَعِيّ (٣) أنّه كان يقول: التكبير جَزْمٌ، والكلام حَذْمٌ بالحاء والذال المعجمة (٤)، فإن كان بالجيم والزّاي فهو رَدٌّ على مَنْ يقوله بتحريك الذَّال والمِيم على قراءة ابن كَثبر في الوقف، وإن كان: السّلامُ حَذمٌ، كما قيل بالذّال المعجمة، فمعناه: سريع الحَذم، والحَذمُ في اللِّسان السُّرعة، ومنه قيل للأرنب حَذمَة (٥)، وفي الحديث: "إذًا أَذَّنْتَ فَتَرسَّل وإذا أقَمْتَ فَاخذِمْ" (٦) أي أسرع. تكملة: قيل: إنّ السّلام من أسمائه تعالى؛ لأنّه لا يلحقه (٧) نقصٌ، ولا تدركه آفات الخَلْقِ، فهذا قلتَ: "السّلام عليكم"، فيحتمل: اللهُ عليكم رقيب. وإن أردت به: بيني وبينكم عَقْد السّلام ودوام النَّجاة (٨)، فيحتمل أنّ يكون: أنتَ مِنِّي في أمَانٍ، كأنّ المُصَلِّي إذا فعل ما أُمِرَ به من أداء الفريضة، قد أَمِنَ من العذاب على تَرْكِها، والله أعلم. العربية: وقيل في معنى: "السّلام عليكم": هو مصدر سَلِمَ يَسْلَمُ سَلاَمَةً وسَلاَمًا، قاله ابن السِّكِّيت (٩).

стр. 859

تنبيهُ على وهمٍ: قال جماعة العلماء: إنّ السّلام من الإمام والمأموم ينفصل به عن الصّلاة، وتَزَلزلَ فيه أبو حنيفة حين قال إنّ الحَدَثَ يقومُ مقامَ السَّلامِ في الخروج عن الصّلاة (١)، وكان الشّافعيّ ينشد في ذلك (٢): يجزئ (٣) الخروج من الصّلاة بضَرطَةٍ ... أينَ الضّراطُ من السَّلامِ عَلَيْكُم باب ما يَفْعَل مَنْ رَفَعَ رأسه قبل الإمام حديث أبي هريرة (٤): الّذي يَرْفَعُ رَأْسَهُ ويَخْفِضُهُ قبل الإمَامِ، فإنَّما نَاصِيتُهُ بِيَدِ شَيطَانٍ. قال الإمام: الحديث صحيحٌ في المعنى، وله معانٍ كثيرة في التّأويل والفقه. الأصول (٥): قد بيَّنَّا أنّ النّبيّ ﷺ بَيَّنَ أنّ الشّيطانَ يُوَالِي (٦) في إفساد الصّلاة على العبد؛ قولًا بالوَسوَسَةِ حتّى لا يدْري كم صلَّى، وفِعلًا بالتقدُّم على الإمام حتّى يفْسد الصّلاة على العبد فَرْض الاقتداء.

стр. 860

أمّا الوسوسةُ، فدواؤها الذِّكْرَى والإقبالُ على ما هو فيه. وأمّا التَّقدُّمُ على الإمام بالمخالفة (١)، فَعِلَّةُ ذلك طَلَبُ الاستعجالِ، ودواؤه أنّ يَعلَمَ أنّه لا يسلِّم قَبْلَهُ، فَلِمَ يستعجلُ بهذه الأفعالِ؟ وفي الحديث: "أَمَا يَخْشَى الّذي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الإمَامِ، أنَ يُحَوِّلَ اللهُ رَأسَهُ رَأسَ حِمَارٍ" (٢) وليس يرادُ به عند العلماء المسخ صورةً (٣)، وإنّما يريدون (٤) الحمارِيَّةَ، وهو البَلَهُ، ضربَ له الحمار مَثلًا؛ لأنّه أشدَّ البهائم بَلَهًا, ولا حماريَّةَ أعظمُ من أنّ يلتزمَ الاقتداءَ مع الإمام ثمّ يخالفَهُ فيما التزم في تلك الحال، وهذا كقوله ﷺ : "لَيَنْتَهِيَنّ أَقوَامٌ عن رفعِ أَبصارِهم إلى السَّماءِ أو ليَخْطِفَنَّ اللهُ أَبصَارَهُم" (٥) وليس يريد بذلك إذهابها بالعَمَى (٦) وإنّما يشيرُ به (٧) إلى ذهابِ فائدتها من العِبرَةِ. الفقه: الّذي يرفعُ رأسه قبل الإمام لا تبطلُ صلاته عند مالكٌ. وقال الشّافعيّ (٨) إنّ فعلَها في ركعة واحدةٍ فلا شيءَ عليه ولا بأس به، وان فعلها في ركعتين بطلت صلاته؛ لأنّها نصف صلاته، وإنّما قال ذلك لأنّ النّبيّ ﷺ نَهَى على المخالفةِ، والنّهي يقتضي فساد المنهي عنه، وخصّه مالكٌ في الإحرام والسّلام والتّكبير من الجَلْسَة الأُولى، والشّافعىّ في جميع الصّلاة. قال الباجي (٩): "ومعنى قولُه: "إنّما نَاصِيتهُ بِيَدِ شَيطَانٍ" معنى هذا الحديث: الوعيدُ لمن رفعَ رأسه أو خفضه (١٠) قبل إمامه، وإخبار منه أنّ ذلك من فِعْل الشّيطان.

стр. 861

قال الإمام الحافظ (١): وفي رفع المأموم وخَفْضِه مع الإمام ثلاث صفاتٍ: إحداها: أنّ يخفض ويرفع بعده، وهذه هي السنّة، والأصلُ في ذلك قولُه: "إنَّما جُعِلَ الإمَامُ ليُؤْتَمَّ بِهِ" الحديث (٢). والثّانية: أن يخفضَ ويرفع معه، فهذا يكرهه ولكنّه لا تبْطُلُ صلاته. والثّالثة: أن يخفضَ ويرفعَ قبل الإمام، وذلك غير جائز، لما رُوِيَ عن أنس؛ أنّه قال: صلّى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، فلمّا قضى صلاته، أقيل علينا بوجهه، فقال: "أيها النّاس إنّىِ إِمَامُكُم، فلا تَسبقُوني بالرُّكُوع، ولاَ بالقيَام، ولا بِالانْصِرَافِ" (٣). وفي ذلك أربع مسائل: المسألة الأولى (٤): قال (٥): فإن رفعَ رأسَهُ قبل الإمام ساهيًا، فلا يخلو أنّ يرفعَ رأسه من الرّكوع قبل ركوع إمامه، أو بعد ركوعه. فإن رفع رأسه قبل ركوعه، فعليه الرّجوع لاتِّباع إمامه إنّ أدرك ذلك، وحُكمُه حكم النّاعِسِ والغَافِلِ يفُوتُه الإمام بركعةٍ فيتبعه ما لم يفت. فإن رفع رأسه بعد ركوع إمامه، فلا يخلو من أحد حالتين: ١ - إحداهما: أنّ يكون قد تبع الإمام في مقدار الفَرْضِ. ٢ - أو رفع قبل ذلك. فإن رفعَ قبلَ ذلك، فحُكمُه عندي حكم من رفع قبل ركوع الإمام. وإن كان قد تبع الإمام في مقدار الفَرْضِ، فركُوعُه صحيحٌ؛ لأنّه قد اتّبع إمامه في فَرضِهِ.

стр. 862

المسألة الثّانية (١): لا يخلو أنّ يُدرِكَهُ راكعًا فيرجع لاتّباعه، أو يفوته ذلك (٢)، فإن عَلِمَ أنّه يدركه راكعًا، فإنه يلزمه أنّ يرجعَ إلى متابعته، كما قال مالكٌ ﵀، وإن علم أنّه لا يدركه راكعًا، فهل يرجع أم لا؟ قال أشهب: لا يرجع، ورواه ابنُ حبيب عن مالك. وروى ابنُ سحنون عن أبيه؛ أنّه يرجع، ويبقَى بعد الإمام بِقَدْرِ ما انفردَ الإمامُ بعدَهُ، وهذا حُكمُ الرَّفْعِ. المسألة الثّالثة (٣): وأمّا الخفضُ قبل الإمام للرّكوع أو السّجود، فإنّه غير مقصودٍ في نفسه بلا خلافٍ على (٤) المذهب، وإنّما المقصود منه الرُّكوع والسُّجود (٥). فإن أقام بعد ركوع الإمام راكعًا أو ساجدًا مقدار فَرضِهِ،* صَحَّتْ صلاته، إلّا أنّه قد أساءَ في خفضه قبل إمامه. وإن لم يقم بعد ركوع إمامه راكعًا أو ساجدًا مقدار فرضه* (٦)، لم تصحّ صلاته، وعليه أنّ يرجع لاتِّباع إمامه بركوعه وسجوده. وهذا في الأفعال. المسألة الرّابعة (٧): أمّا الأقوال، فعلى ضربين: فرائض وفضائل. فامّا الفرائض، فتكبيرةُ الإحرامِ، والسّلام، ومتى تَقَدَّم المأمومُ في تكبيرةِ الإحرام ساهيًا أو عامدًا بَطَلَتْ صلاتُه؛ لأنّ الإحرامَ دخولٌ في الصّلاة، فإذا دخل فيها قَبْلَ إمامه لم يصحّ أنّ يتبعه فيها؛ لأنّه غير مأمومٍ (٨). وأمّا السّلام، فإن سلَّمَ قبل إمامه عامدًا بَطَلَت صلاتُه. وإن سلّم ساهيًا لم تبطل، وحمل عنه إمامه سهوه.

стр. 863

باب ما يَفْعَل من سَلَّمَ من رَكْعتَيْن سَاهِيًا مالك (١)، عن أيُّوبَ بن أبي تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانىِّ، عن محمّد بن سِيرِينَ، عن أبي هريرة؛ أنّ رسولَ الله ﷺ انصَرَفَ مِن اثنَتَيْنِ، فقال له ذُو اليَدَيْنِ: أَقَصرَتِ الصَّلاَةُ. الحديث. الإسناد: قال الشّيخُ أبو عمر (٢): ذكرَ مالك ﵀ حديث أبي هريرة في قصَّةِ ذي اليدين مُسْنَدًا من طريقين: عن أيُّوب، عن ابن سيرين (٣)، عن أبي هريرة (٤). وعن داود بن الحُصَيْن (٥)، وفيهما جميعًا قوله: "أَصَدَقَ ذُو اليَدَينِ". وذَكَرَ الحديث عن ابن شهاب بإسنادين مُرسَلَيْنِ (٦)، وقال فيه: "ذُو الشِّمَالَيْنِ" ولم يُتابَع عليه، واللهُ أعلم. وسائرُ الآثار إنّما فيها "ذُو اليَدَينِ" وليس فيها "ذُو الشِّمَالَيْنِ". وقال ابنُ وضّاح: إنّ ذَا اليدين استشُهِدَ يوم بَدْرٍ وإسلامُ أبي هريرةَ كان يوم خَيبَر (٧). تنبيه على وهم: قال الإمام: وهمَ ابنُ وضّاح في هذا؛ لأنّ الّذي استُشْهِدَ يوم بَدرٍ ذو الشِّمالين لا ذو اليَدَيْن، وكان ذُو اليَدَيْنِ رَجُلًا من بني سُلَيْم، حَلِيفًا لبَنِي زهرة (٨)، وكان يَبْطِشُ بيَدَيه جميعًا، فكان يقالُ له: ذو الشِّمالين، فكرِهَ رسول الله ﷺ أنّ يقالَ له ذلك؛ لأنّ

стр. 864

أحدًا لا يكون ذَا شِمَالَين، فقال رسول الله ﷺ : "أَصَدَقَ ذُو اليَدَيْنِ" فكان أوّل ما سُمِّي به، وقد كان آخر يقال له ذو اليدين قُتِلَ يوم بَدرِ، وكان اسمه عُمَيْر بن عبد عمرو، من خزاعة (١). الأصول (٢): قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي: هذا بابٌ عظيمٌ في الفقه، أحاديثُه كثيرةٌ، ومسائله عظيمةٌ، وفروعه متشعِّبَةٌ، يذهبُ العمرُ في تحصيلها, ولا يتمكَّنُ العَبْدُ من تحصيلها وتخليصها (٣)، فعليكم أنّ تحفظوا أصولها وتَرْبِطُوا فصولها، ثم تُرَكِّبوا عليها ما يَلِيقُ بها، وتطرَحُوا الباقي عن أنفسكم منها. قال الإمام أبو بكر بن العربي: دخلتُ رِبَاطَ إفريقيّة، فلقيتُ المتعبِّدين الّذين أعرضُوا عن الدُّنيا وأَقبَلُوا على خدمة المَوْلَى، وسمعتُهم لا يقرؤون من الفِقْه إلَّا مسائلَ الوضوء والصّلاةِ الّتي تَخْتَصُّ بهم وبِمَا هُم فيه، فحدَّثوني أنّ أبا بكر (٤) بن عبد الرحمن وكان من حُفَّاظِ أهلِ زمانِه بالمسائلِ، كان يَرِدُ عليهم في الأشْهُر الفاضلة بِنِيَّةِ إلاعتكاف، فيسألونَهُ عن المسائل، فإذا أَفْتَاهُم، قالوا له: الرِّوايةُ في "نوازِلِ سحنون" بخلاف هذا النَّصِّ في الكتاب الفلانيِّ على غيرِ ما قُلتَ، حتّى طال عليه ذلك، فقال لهم: إذا ذَكَرتُم المسألةَ فاذْكُروا جوابها معها، فإن كان جاريًا على الأصول، أَمَرْتكُمُ بالتَّمَسُّك به، وإن كان خارجًا عنها، عرَّفْتُكُم بالصَّوَاب فيه، أمّا هؤلاء الّذين يجلسون عند السَّوارِي من العوامّ، لا عِلْمَ عندهم إلَّا نوازل لا يذهبون بها إلَّا إلى طريق الجَدَلِ، فهم أشدَّ خَلْقِ اللهِ جَهْلا، وأَشَدّهم عند الله عذابًا، لتبكيتهم النّاس بذلك. قال الإمام: وفي هذا الباب عشر سؤالات: السَؤال الأوّل: كم أحاديث السَّهْوِ؟ السُؤال الثّاني: ما المَسْهُوُّ عنه؟

стр. 865

السُّؤال الثّالث: ما الّذي يُجْبَرُ بالسُّجود. السُّؤال الرّابع: ما الّذي لا يُجْبَرُ بالسُجودِ؟ السُّؤال الخامس: ما الّذي لا سُجُودَ فيه؟ السُّؤال السّادس: متَى يكونُ السُّجود؟ السُّؤال السّابع: لِمَ جُعِلَ السُّجودُ عَقِبَ السُّهْو؟ السُؤال الثّامن: إذا فات مَحَلُّهُ ما يصنع؟ السُّؤال التّاسع: هل هو من الصّلاة أو خارج عنها؟ السُّؤال العاشر: على كم ينقسم السّهو؟ فهذه عشر سؤالات. السُّؤال الأوّل: في معرفة أصول أحاديث السّهو، وهي ستّة أحاديث. الحديث الأوّل (١): حديث أبي هريرة؛ أنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى إِحْدَى صَلاَتَي الْعِشَاء، فَسَلَّمَ مِنْ ركْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ إِلى جِذْع في جَانِبِ المسجِدِ، فَاسْتندَ إليه مُغضَبًا، فَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ يَقُولُونَ: أَقصُرَتِ الصَّلاةُ أم نَسِيْتَ يا رسولَ الله؟ فَقَالَ: وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرِ وَعُمَرُ، فَهَابَا أنّ يتكلَّمَا، فَقَالَ رَجُلٌ: يُقَالُ لَهُ ذُو الْيَدَينِ: أَقَصُرَتِ الصَّلاَةُ أَم نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ " فَقَال النَّاسُ: نَعَمْ، فَقَامَ ﵇ وَصَلَّى الرّكْعَتَيْنِ اللَّتَينِ بَقِيَتَا عَلَيْهِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ، ثُمَّ رَفَعَ فَكَبَّرَ، ثُمَّ سَجَدَ فَكَبَّرَ، ثُمَّ رَفَعَ فَكَبَّرَ، ثُمَّ سَلَّمَ (٢). الحديث الثّاني (٣): روَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنِ؛ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ صَلَّى الْعَصرَ فَسَلَّمَ مِنْ ثَلاثٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الخِرْبَاقُ: يَا رَسُولَ اللهِ، سَلَّمْتَ مِنْ ثَلاَثٍ، فَخَرَجَ مُغْضَبَا يَجُرُّ رِدَاءَهُ، وَقالَ: "أَحَقَا مَا يَقُولُ هَذَا؟ " قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "فَصَلَّى الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَت" عَلَيْهِ, ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ وَسَلَّمَ" (٤) كما تقدّم.

стр. 866

الحديث الثّالث (١): روى أبو سعيد الخُدْرِيّ (٢) وابن مَسْعُود؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ والحديث لابن مسعود-: أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا، فَلَمَّا سَلَّمَ، تَوَشْوَشَ النَّاسُ أَوِ القَومُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا شَأنُكُمْ؟ " قَالُوا: أَزِيدَ في الصَّلاةِ؟ قَالَ: "وَمَا ذَاكَ؟ " قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا. فَكَبَّر النّبيُّ- ﷺ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَينِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ زَادَ في صَلاَتِهِ أَونَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجدَتَيْنِ" (٣). الحديث الرّابع (٤): رَوَى عبد الله بن مالكٌ بن بُحَيْنَةَ؛ أَن النَّبِيِّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ، فقَامَ مِنِ اثنَتينِ وَلَمْ يَجلِسْ، فَلَمَّا قَضَى صَلاَتَهُ سَجدَ سَجدَتَينِ ثُمَّ سَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ (٥). الحديث الخامس (٦): رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ؛ أَن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا شَكَّ أحَدُكُم في صَلَاتِهِ، فَلَم يَذكُر أَصَلَّى ثَلاَثًا أَمْ أَرْبَعًا، فَلْيَبنِ عَلَى اليَقِينِ، وَليَطرَحِ الشَّكَّ"، وفي رواية: "فَليُصَلِّ ركعَةً، وَلْيَسجُد سَجدَتَينِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبلَ التَّسلِيمِ، فَإنْ كَانَتِ الرَّكْعَةُ الَّتي صَلَّى خَامِسَةً، شَفَعَهَا بِهَاتَينِ السَّجْدَتَيْنِ، وَإِن كَانَتْ رَابِعَةً، فَالسَّجْدَتَانِ تَرغِيمٌ لِلشَّيطَانِ" (٧). الحديث السادس (٨): رَوَى أبو هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ أنّه قال: "إِنَّ أَحَدَكُمْ يَأتِيهِ الشَّيطَانُ في صَلاَتِهِ فَيَلبِسُ عَلَيْهِ، فَإذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ، فَلْيَسجُد سَجْدَتَيْنِ" (٩)، قال الإمام الحافظُ: وحديثُ عطاء (١٠) أيضًا، والأحاديث تكرّرت في المعنى. قال الإمام أبو بكر بن العربي: أمّا الحديثُ الأوَّلُ، فقد رأيتُ في الثَّغرِ (١١) مَنْ تجاوزَ فيه الحدَّ، فأخرج منه مئةً وخمسينَ مسألةً من الفقهِ (١٢)، وقد استوفيناها في

стр. 867

"الكتاب الكبير" المعروف (١) "بالنَّيِّرَيْن" والقول الّذي يُتَصَوَّر الآن، أنّ العلماء اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال (٢): القولُ الأوَّل: أنّ هذا الحديث إنّما كان في صدر الإسلام إِبَّانَ كانَ الكلامُ مباحًا في الصّلاة، ثمّ نسخَ ذلك ﵎، فأمرَ بالقُنُوتِ، فصار الحديث منسوخًا لا متعلّق به، وهي رواية المَدَنِيِّينَ عن مالك. القولُ الثّاني: أنّ هذا إنّما يكونُ فيمن سلَّم من اثنتين خاصّةً دون غيرِه، وإلى هذا صَغَى (٣) سحنونٌ. القولُ الثّالث: أنّ معنى هذا الحديث كلّه مُسْتَرسِلٌ على الأزمانِ، عامٌ في جميع الأقوالِ والأفعالِ، وهو المشهور من قول علمائنا- رحمة الله عليهم-، وبه قال الشّافعيّ (٤) وعامّة العلماء. وأمّا اختيارُ المدَنِيِّينَ أنّه منسوخٌ، فقولٌ باطلٌ؛ لأنّ من شروط النّسخ معرفة التاريخين، وقد جُهِلَت ههنا. ومن شروطه تضادُّ الأَمْرَيْن حتّى لا يصلح أنّ يجتمِعَا، ولا مضادَّةَ ههنا؛ لأنّ الكلام المنهىّ عنه هو النُّطقُ، وهذا كلامٌ في إصلاحِ الصَّلاةِ لا بُدَّ لها منه، ولا تتمّ دُونَه. وأمّا اختيار سُحنونٍ، فهو عند العلماء ضعيفٌ؛ لأنّ النّبىَّ صلّى الله عليه قد جَرَى له ذلك في السَّلام من خَمْسٍ على حسب حديث ابنِ مسعودٍ، وهذا جمودٌ لَا يَليقُ بمَرتَبَتِهِ ولا بتدقيقه للفروع، والصّحيحُ أنّه جائز كما قُلنَاهُ في كلِّ مسألةٍ. وأمّا الحديثُ الثّاني حديث عِمْرَانَ، فهو نظيرُ حديثِ ذِي اليَدَيْنِ في النُّقصانِ، والسُّؤال، والرُّجوع، والعمل في السُّجود (٥). وأمّا حديث ابن مسعود: "فَتَوَشْوَشَ القَوْمُ" أي: اضْطَرَبُوا. وَيُرْوَى "تَوَسْوَسُوا" (٦)

стр. 868

أي: تكلّموا بكلام خَفِيٍّ (١)، وسألهم النّبيُّ ﷺ فأجابوه، وليس فيه زيادةٌ على ما تقدَّم إلَّا فصلان: أحدهما: أنّ ذلك كلَّه كان بعد تمام الصّلاة، بخلافِ حديثِ أبي هريرة وعمران، فإنّها (٢) كانت مراجعة في أثناء الصّلاة. وأمّا الفصلُ الثّاني: سجودُه للرَّكعةِ الزّائدة (٣)، كما سجد في الحديثَيْن المتقدّمَين للسّلام الزّائد. وأمّا حديثُ ابن بُحَيْنَةَ، ففيه سُقوطُ الجلسة الوُسْطَى، وجَبْرُها بالسُّجودِ كما تقدّم بيانُه، وفيه السُّجود قبلَ السَّلام. وههنا احتمالانِ نشأ للعلماء منه (٤) نظران: أحدهما: أنّ النَّبىِّ ﷺ تذَّكرَ ههنا (٥) للنّقصان من قِبَلِ نفسه، فسَجَدَ قبلَ السّلام، وفي تلك الأحاديث تذكّر بعد السّلام، فسجد بعد السّلام، ولم يرجع النّبيُّ ﷺ إلى الجلوس الآخر. ٢ - ويحتَمِلُ أنّ يكونَ تَذَكَّر فيما بينهما (٦). وقد رَوَى المُغِيرَةُ بن شُعْبَة، عن النَّبيِّ ﷺ (٧): "أنّه من نَسِيَ الجلسة الوُسطَى، فإن تذكّر قبل أنّ يَستَوي قائمًا، فَلْيَتَمَادَ ولا يَرجِع" (٨). وقيل عنه: "إِنّه يَرجع للجُلوس" "وإن تَذَكَّرَ بَعْدَ أَنِ استَوىَ قائمًا فَليَتَمَادَ وَلاَ يَرجِع" (٩). وهو المشهور اليوم من المذهب. وهنا أصلُ التّركيب، اختلف العلماء فيمن (١٠) قاس عليها: فقال بعضُهم: إنّما تفيدُ هذه الأحاديث التّخيِير للمُكَلَّف أنّ يفعل أيّ ذلك

стр. 869

شاءَ (١) من السُّجودِ، بَعْدُ وقَبْلُ، في نقصٍ أو زيادةٍ. وقال أبو حنيفةَ: الأصلُ ما فيه السُّجود بعد السّلام، وَرَدَّ بقيَّة الأحاديث إليه (٢). وقال الشّافعيُّ (٣): الأصلُ ما فيه السُّجود قبلَ السّلام، وردَ بقيَّة الأحاديث إليه. ورأى (٤) مالكٌ ما فيه النّقص يكن السُّجود فيه قبلَ السّلامِ، وأن ما فيه الزيادة يكونُ السّجودُ فيه بَعْدُ. ورُوِيَ عن ابنِ شهاب؛ أنّه قال: كان آخر الأمرَيْن من رَسولِ الله ﷺ السّجود للسّهو قبل السّلام وبعد السّلام (٥). وبه أخذَ الشّافعيّ في كلّ حالٍ. ومذهبُ أهل العراق: أنّ السّجودَ كلّه بعد السّلام، زيادةً كانَ أو نقصانًا؛ لأنّ حديثَ ابن بُحَيْنَة نُقصَانُ فِعْلٍ، وسائر الأحاديثِ زيادةُ قَوْلٍ، فكيف يَصِحُّ أنّ يقالَ: إنّ أحدَهُما رَفعٌ للآخَرِ والجمع بينهما مُمكِنٌ؟ أمّا حديثُ أبي هريرة، فاختلف العلماءُ فيه: فمنهم من قال: هو تَقَصٍّ (٦) لِمَا تقدَّمَ من الأحاديث وتمامٌ له، فتارةً رُويَ مضافًا، وتارةً رُوِيَ مفصولًا. وقال آخرون (٧): بل هو حديثٌ بّيَّنَ فيه حُكمًا آخرَ، وهو الرَّجل الّذي يكثر عليه السَّهو والوَهْم في صلاته، وقد غَلبَ عليه، لا يمكن الاحتراز منه، فهذا يُلْغِيه ويسجد سَجدَتَين بعد السّلام، وبذلك اْفْتَى القاسم بن محمدٍ لمن سألَه، ورُوِيَ عن مالكٍ أنّه قال به. وأمّا السَّجدتان اللّتان قال: "هما تَرْغيمَتَان (٨) للشّيطان" فإنّ معنى: ذلك أنّ

стр. 870

الشيطان أراد أنّ ينقص من صلاته ويفسدها عليه، بإدخال ما ليس منها، والله أعلم. نكتةٌ أصولية (١): قال الإمام الحافظ: قد بيَّنَّا في "كتاب المتوسِّط" (٢) و"المقسط" وغيرهما القول في عِصمَة الأنبياء عن السَّهْوِ والخَطَأ والذُّنوب المتعمَّدَة، وبيّنَّا في "كتاب المُشْكِلَيْن" تأويل ما ورد في ذلك من القرآن ظاهرًا، ورَدَدْنَاهُ إلى أصل العِصْمَةِ بالدَّليلِ القاطعِ، وهو الّذي يُدَان الله به، ويحرمُ القولُ بخلافِ العِصْمَةِ. وإن كان النَّاس قد اختلفوا في الذُّنوب المتعلِّقة بالأفعال، فقدِ اتَّفقُوا على أنّ الكذب لا يجوز أنّ يقعَ منهم، لا بسَهْوِ ولا بِعَمْدٍ؛ لأنّ القول هو الّذي يتبيّن به الشّرع فلو جاز أنّ يتطرّق له (٣) خَلَلٌ، لمَا وَقَعَتِ الثِّقةُ فيه بالبيَانِ. فهذا ثبت هذا، فلا بدّ من الكلام على هذا المعنى، وهو ينبني على ثلاث قواعد: القاعدةُ الأُولَى (٤): قال القاضي أبو بكر بن الطَّيِّب (٥): أجمع الأيِمَّةُ من علماء المسلمين على عِصْمَةِ الأنبياء من الفَوَاحِشِ والكبائر والمُوبِقَاتِ، وهو مُستَنَدُ الجمهورِ، ومعهم على ذلك دليل العقل من الإجماع (٦). وأمّا الصّغائر، فجوَّزَها جماعةٌ من السَّلَفِ وغيرُهم على الأنبياء، وهو مذهب أبي جعفر الطَّبريِّ وغيرِه من المُفَسِّرين والفقهاء والمُحَدِّثِين، وقول قلائل من (٧) المتكلِّمين، وسنذكر ما احتجُّوا به في مَوْضِعِه.

стр. 871

وذهبت طائفةٌ أُخرى من المحقِّقين إلى أنّ عصمتهم من الصّغائر كعصمتهم من الكبائر. واحتجَّ قومٌ بقول ابنِ عبّاس وغيره (١)؛ إنّ كلَّ ما عُصِي اللهُ بِهِ فهو كبيرةٌ (٢)، وإنّما سَمَّى (٣) منها (٤) الصّغائر بالإضافة إلى ما هو أكبر منها. ومخالفة البارئ تعالى في أيِّ نَوعٍ (٥)، كان يجب كَونُه كبيرةً (٦)، وهذا (٧) مَعْنًى أشكل على النَّاس معرفة الكبائر من الصّغائر. وقال القاضي أبو محمدً عبد الوهّاب: لا يمكن أنّ يقال: إنّ في (٨) معاصي الله صغيرةً، إلَّا على معنى أنّها تُغْفَر باجتناب الكبائر، ولا يكونُ لهم كذلك في العَفْوِ سواء (٩)، وهو أيضًا قولُ القاضي أبي بكرٍ وجماعةٍ من الأشعريّة ومن الفقهاءِ والأيمّة. وقال بعضُ علمائنا: ولا يجبُ على القَولَيْن أنّ يُختَلَفَ أنّهم معصومونَ عن تَكرَارِ الصّغائر وكَثْرَتها، إذ يُلحِقُها ذلك بالكبائر، ولا صغيرة إذا زَالتِ الخشيةُ (١٠) وأسقطتِ المروءة وأوجبتِ الإزْراء. وهذا ممّا يُعْصَمُ عنه الأنبياءُ إجماعًا؛ لأنّ مثل هذا يَحُطُّ مَنصِبَ المتَّسِمَ به (١١). وذهب بعضهم -من الأيمّة- إلى عصمتهم من مُوَاقَعَةِ المكروه قَصْدًا (١٢).

стр. 872

وجمهورُ الفقهاء على ذلك من أصحاب مالكٌ والشّافعىّ وأبي حنيفة من غيرِ تَوْقيفٍ فيه، بل ذلك مطلقٌ (١). واختلفوا في حكم ذلك: فحَكَى أبو الفَرَج عن مالكٌ التزامَ ذلك واعتقاده (٢)، وهو قول الشّيخ أبي بكر الأبْهَرِيّ وابن القصَّار وأكثر المالكيّة، وقول أكثر أهل العراق وأكثر الشّافعيّة على ذلك (٣). القاعدة الثّانية (٤): في (٥) الكلام في عصمتهم (٦) قبل النُّبوّة. فمنعها الأكثر، ومنعوا من ذلك منعًا قويًا بأخبارٍ (٧) يَطُولُ ذِكْرُها، وجوَّزَهَا آخَرون (٨). والَّذي نقول به -إنّ شاء الله (٩) -: تنَزُّههم عن كلِّ عَيْبٍ، وعِصْمَتُهم عن كلٍّ ما يُوجِبُ الذَّنبَ (١٠). فكيف والمسالةُ تَصَوُّرَهَا كالمُمتَنِعِ، فإنَّ المعاصي والنَّواهي إنّما تكونُ بعد تَقَرُّرِ الشَّرعِ. وقد اختلفَ العلماءُ في مُعْتَبَرِها في حقِّ نبيِّنا ﵇: فذهب القاضي أبو بكر بن الطَّيِّب سيفُ السُّنَّة ومُهتَدَى (١١) فِرَقِ الأُمَّة إلى المنع من ذلك (١٢)، وأنّه كان معصومًا ﷺ قبل المبعث وبعد المبعث. وذهبت طائفة إلى التَّوقُّفِ قبل المبعث. القاعدةُ الثّالثة (١٣): في الكلامِ في السَّهْوِ والنِّسيَانِ والغَفَلاَتِ في حقِّه ﵇.

стр. 873

فذهبت طائفةٌ إلى منع السّهو والنِّسيان والغفلات، وهم علماء (١) المُتَصوِّفة وأصحاب علم القلوب والمقاماتِ، ولهم في هذه الأحاديث مذاهبُ. قال علماؤنا المحقِّقون (٢): إنّ النِّسيانَ والسَّهوَ في الفعل في حَقِّه ﵇ غيرُ مضادٍّ للمُعجِزة ولا قادِحٍ في التّصديق، وقد قال ﵇: "إنّما أَنَا بشرٌ أَنْسَ كمَا تنَسَونَ، فإذا نَسِيتُ فذكِّرُوني" (٣) وقال ﷺ : "رَحِمَ اللهُ فُلاَنًا ذَكَّرَني كذا وكذا آية" (٤) وقال ﷺ : "إنِّي لأَنْسَى أَوْ أُنَسَّى لأسُنَّ" (٥). وقيل: إنّ هذا اللفظ (٦) شكُّ من الرَّاوي. وقد رُوِيَ: "لا أُنْسَى ولكنْ أُنَسىَّ لأَسُنَّ" (٧). وذهب ابنُ نَافِعٍ وعيسى (٨) بن دينار إلى أنّه ليس بِشَكٌّ، ومعناه التَّقْسِيم، أي: أَنْسَى أَنَا. أَوْ: يُنْسِيِني اللهُ. وقال أبو الوليد الباجي (٩): "يحتمل ما قَالاَهُ أنّ يريد: أني أَنِّسَى في اليقَظَةِ، أو أنسى في النّوم، أو أنسى على سبيل عادة البَشَر من الذُّهول عن الشَّيء والسَّهْو. وأَنْسَى (١٠) مع إقبالي عليه (١١). فأضاف إحدى النِّسْيَانَين إلى نفسه (١٢)، إذ كان له

стр. 874

بعضُ السَّببِ فيه، ونَفَى الآخر عن نفسه إذ هو فيه كالبشر" (١). وذهبت طائفةٌ من أهل الحديث والمعاني والشُّروحات (٢) إلى أنّ النَّبىَّ ﷺ لم يكن يسهو (٣) في صلاته، ولا ينسى عَمدًا ولا سَهْوًا ولا غَفْلَةً؛ لأنّ النِّسيانَ ذهولٌ وغَفْلَةٌ وآفَةٌ، قالوا: والنّبيُّ ﵇ مُنَزَّهٌ عنها، والسَّهوُ شُغْل (٤)، فكان صلّى الله عليه يَسهُو في الصّلاة ويُشغِلُه عن حركات الصَّلاةِ ما في الصّلاة شُغْلًا بها, لا غَفْلَةَ عنها، وهذا القائل هذا القول يقول في الرِّواية الأخرى: "إنِّي لأنْسَى". وذهبت طائفةٌ إلى منع هذا كلِّه عنه، وقالوا: إنّ السَّهوَ منه ﵇ كانَ عَمدًا وقَصدًا ليُبَيِّنَ ويَسُنَّ. وهذا قولٌ متناقضُ المقاصدِ؛ لأنّه كيف يكون مُتَعَمدًا ساهيًا في حالٍ؟! ولا حُجَّةَ لهاتين الطَائفَتَين في قوله: "إنِّي لأَنْسَى أَوْ أُنَسَّى لأَسُنَّ" (٥). ولو تتبّعنا القول على معاني هذا الحديث، والاحتجاج لكلِّ فرقة لطالَ وخرجنا عن المقصد. الفقه: لُبَابُه في ستِّ مسائل: المسألة الأولى: أنّ نقول: السَّهوُ عنه لا يخلو أنّ يكون فَرْضًا أو سُنَّةً أو فضيلةً. فإن كان فَرْضًا، فلا يجزئ فيه سجود السَّهو أَلْبَتَّةَ. وإن كان سُنَّةً، جُبِرَ بالسُّجود دون خلافٍ عندنا، إلَّا ما رُوِيَ عن سحنون؛ أنَّه قال: إذا كثرت السُّنَن لا يسجد لها. فإن كان (٦) فضيلة، ففيها قَوْلان، والفضائل عشر أو نحوها، وإن كانت

стр. 875

فضيلة (١) لا يسجد فيها (٢). المسألة الثّانية: قال مالكٌ وابنُ القاسم: إنّ مَنْ سلَّم من اثنتين، وفعل (٣) كما فعل النَّبىِّ ﷺ يوم ذِي اليَدَينِ، تَمَّتْ صلاتُه. وقال ابن كنانة ووافَقَهُ أبو حنيفة: إنّه لا يصحّ ذلك؛ لأنّ زمان الرّسول ﵇ يصحّ فيه النَّسخ بخلاف هذا الزّمان. وقال داود: لا يجوز هذا اليوم إلَّا فيمن سَلَّم من ركعتين (٤)، فقاس على هذه الصّلاة مع إنكاره القياس. ووجه قول ابن كنانة في أنّه لا يجوز إلَّا في ذلك الزّمن: أنّ هذا إنّما كان بعد أنّ جاء مشركو قريش أو العرب فسلَّمُوا عليه وهو في الصّلاة، فلم يردّ حتّى سَلَّمَ، وقال: "إنّ اللهَ يُحْدثُ مِن أمْرِهِ ما شَاءَ" (٥) يريد: أنّ الله قد حرَّمَ علينا الكلام في الصّلاة، وكانت قصّة ذي اليدين في الصّلاة بعد ذلك. ووجه قول ابن القاسم: أنّ النّبيَّ ﷺ فَعَلَ ذلك وجرى حكمه، فمن ادَّعى غيره فعليه الدّليل. المسألة الثّالثة (٦): اتّفق العلماء أنّها كانت صلاة رُبَاعيّة، واختلفوا في تعيينها، فالصّحيحُ أنّها العصر، وكانت في المسجد، وذلك يقتضي الحَضر. فقال له ذو اليدين -واسمه الخرباق-: "أَقَصَرْتَ الصَّلاةَ أَمْ نَسِيتَ؟ " إنكارًا لفعله، مع أنَّه يشرِّعُ الشَّرائع وعنه تُؤْخَذُ، إلَّا أنَّه جَوَّزَ عليه النِّسيانَ لقوله: "أَوْ نَسِيتَ" وجوَّزَ أنّ يكون حَدَثَ فيها تقصيرٌ، فطُلِبَ منه بيان ذلك، فقال النَّبِيُّ ﷺ : "أَصَدَقَ ذُو اليَدَينِ" فرجع إلى اليقين.

стр. 876

وكذا (١) يجب على الإمام اليوم إذا خرج من محرابه وذُكِّر بالسَّهْوِ, أنّ يرجعَ إلى الجماعة ويقول لهم: أحقّ ما لِقول. فإن كانوا متَّفِقِينَ، رجعَ إلى تمام صلاتِهِ وإصلاحها. فيدلُّ من هذا أنّ الشَّكَّ بَعْدَ السّلامِ على يقينٍ مؤثّر، وتَرِدُ مسائل تدلُّ على أنّه غير مؤثِّرِ. قال ابنُ حبيب: إذا سلَّمَ الإمامُ على يقينٍ، ثمّ شَكَّ، بَنَى على يقينه، فإن سأل مَنْ خَلْفَهُ، فأخبروه (٢) أنّه لم يتمّ، فقد أحسن، فليتم صلاته وما بقي ويُجزئُهم، ولو كان الفذُّ سلَّمَ من اثنتينِ ثمّ تَيَقَّنَ ثمّ شَكَّ، فقال أَصِبَغُ: لا يسأل من حَوْلَهُ، فإن فعل فقد أخطأ، بخلاف الإمام الّذي يلزمه الرّجوع إلى يقينِ مَنْ معه. فهذه المسألة مبنيةٌ على أنّ الشَّكَّ بعد السّلام مؤثِّرٌ مُوجِبٌ للرّجوع إلى الصّلاة، إلَّا أنَّه مع ذلك لم يجعلوا له حكم الشكّ إذا دخل الصّلاة (٣)، قاله ابن حبيب، وكذلك إذا سلَّم على شكّ ثمّ سألهم، وقاله (٤) ابن القاسم، وأَشْهَب، وابنُ وَهْب. وقال عبد الملك (٥): إنّها تُجْزِئه. المسألة الرّابعة (٦): إذا سلَّم ثمّ قام من مجلسه، فقال ابنُ القاسم: يجلس ثمّ يقوم ويتمّ صلاته. وقال ابنُ نافع: لا يجلس. وقال ابنُ حبيب: لو سلَّم من ركعة أو من ثلاث ركعات دخل بإحرَامٍ ولم يجلس. وهذا نظير (٧) على مذهب أبنِ نافع, ولا فرقَ بين أنّه يسلِّم من ركعة أو ركعتين؛ لأنّ الجلوس للرّكعتين قدِ أنقضَى، والقيام من الرّكعتين كالقيام بعد السّجود من ركعة. المسألة الخامسة (٨): قال علماؤنا (٩): والتّكبير للرُّجوعِ للصّلاة مستحقٌّ.

стр. 877

قال ابن القاسم عن مالكٌ: وكلُّ من جاز له أنّ يَبْنِيَ بعد إنصرافه بقُرْبِ ذلك، فليرجع بإحرامٍ (١). وقال ابن نافع: وإن لم يكبِّر بطلت صلاته؛ لأنّه قد خرج عنها بالسَّلام، فلا يعود إليها إلَّا بإِحرامِ (٢). وحكى أبو محمد عبد الحقّ (٣) في "نكته" (٤) أنّه إذا سلَّم من اثنتين، وذُكِّر وهو جالسٌ في مقامه لم يكن عليه أنّ يُحْرِم إذا رجع إلى صلاته بالقُربِ؛ لأنّه لم ينصرف ولم يعمل عَمَلًا، وإنّما حصل فيه السّلام فقط، وهو ككلام تكلّم به سَهْوًا. وحكى ابنُ القاسم أنّه يُكَبِّر ثم يجلس ولا يصحّ له تأخير. وقال (٥) الطُلَيطِلّىّ (٦) - فيمن ذُكِّرَ بعد أنّ سلّم وهو جالس-: " إنّه يُكبِّر تكبيرة يَنْوِي بها الرُّجوع إلى الصّلاة، ثمّ يُكَبِّر تكبيرة أخرى يقوم بها". وسنتكلّم عليه في باب السّهو من هذا الكتاب، ونَزِيدُه بيانّا إنّ شاء الله تعالى.

стр. 878

باب النَّظرِ في الصّلَاةِ إلى ما يَشَغَلُكَ عَنْها مالِك (١)، عَنْ عَلقَمَةَ بنِ أَبِي عَلقَمَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوجَ النَّبِىِّ ﷺ قَالَتْ: أَهْدَى أَبُو جهْمٍ بنُ حُذَيْفَةَ لِرَسُولِ اللهِ- ﷺ خمِيصَةً شَامِيَّةً لَهَا عَلَمٌ، فَشَهِدَ فِيهَا الصَّلاَةَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: " اذْهَبُوا بِهَا إِلَى أَبِي جَهْمٍ" الحديث إلى قوله (٢): "وَائْتُوني بِأَنْبَجَانِيَّة". الإسناد: تنبيه على وهم: قال الشّيخ أبو عمر (٣): "هذا الحديث رواه رواةُ "الموطَّأ" كلّهم (٤) عن مالكٌ، عن علقمة بن أبي عَلقَمَة، عن أمِّه، عن (٥) عائشة زوج النّبيّ ﷺ ، وسقط ليحيى وَحْدَهُ: عن أُمِّهِ. وأبو جَهْم اسمه عُبَيْد بن حُذَيْفَة بن غانم العدوي القرشي، من بني عديّ بن كعب" (٦). وهذا (٧) الحديث (٨) مُرْسَلٌ عند جميع الرُّواةِ عن مالكٌ (٩)، إلَّا مَعْن بن عيسى، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة أنّ النّبيّ ﷺ : لبس خَمِيصَة، وذكر الحديث (١٠)، وأصحاب مالكٌ يرفعونه.

стр. 879

العربية: (١) قولُه: "وائْتُؤنِي بِأنْبِجَانِيَّة" هكذا في حديث الزُّهري (٢) بالتَّذْكير، وهو كِسَاء صوف، فإنّ أردتَ الكِسَاء ذكّرت، وإن أردتَ الخَمِيصَة أنَّثت. ويقالُ بفتح الباء وبكسرها، ويقال في كلِّ ما التَفَّ وكَثُفَ، يقال: شاةٌ أنْبَجَانِيّة، إذا كان صوفُها كثيرًا مُلْتَفًا. والخميصة كِسَاءُ صوفِ رقيقٍ يكون بعَلَمٍ، وقد يكون بغَيْرِ عَلَمٍ. والخَمَائصُ لباس الأَشْرافِ في أرض العَرَبِ، وقد يكون العَلَمُ فيها أحمر، وقد يكون أصفر وأخضر (٣). وأمّا الأَنبِجَانيُّ: فكساءُ صُوفٍ غليظٍ لا عَلَمَ فيه. وقال ابنُ قُتَيبَةَ (٤): "إنّما هو كِسَاء مَنْبَجَانِيّ. ولا يقال: أَنبِجَاني؛ لأنّه منسوبٌ إلى مَنْبِج (٥)، وفُتِحَتْ باؤه في النَّسَبِ؛ لأنّه خَرَجَ مَخْرَجَ مَنْظَرَانىّ ومَخْبَرَانيّ (٦) ". وقال غيره: جائزٌ أنّ يقال أنْبِجَانيّ كما هو في الحديث. وقال ثعلب: إنبِجَانِيّة بفتح الباء وكسرها كما تقدّم. الفوائد المتعلّقة بهذا الحديث: وهي ست فوائد: الفائدة الأولى (٧): في هذا الحديث من الفقه: قَبُول الهديّة، وكان رسولُ الله ﷺ يقبل الهديَّةَ ويأكلها, ولا يقبلُ الصَّدقةَ. والهديةُ من أفعال المسلمين الكُرَمَاء والصَّالحين الفُضَلاء، واستحبَّهَا العلماءُ ما لم يُسْلَكْ بها طريق الرّشْوَة لدفْعِ حقِّ أو تحقيقِ باطلِ.

стр. 880

الفائدة الثّانية (١): فيه: دليلٌ على أنّ من رُدَّت عليه هديّته يشقّ ذلك عليه، فلذلك أَنَّسَهُ رسولُ الله ﷺ بأن أخذَ منه كِسَاءَهُ الّذي لا عَلَمَ فيه، ليَعلَم أنّه لم يَرُدّ عليه هدِيَّته. الفائدة الثّالثة (٢): فيه من الفقه: أنّ كلَّ ما يشغل المرء في الصّلاة، إذا لم يمنعه من إقامة فَرَائضها وأركانها لا يُفْسِدُها, ولا يجب (٣) عليه إعادتها. الفائدة الرّابعة (٤): فيه: أنّ شهوده ﷺ فيها الصّلاة يدلُّ على جواز الصّلاة فيها؛ وذلك لمعنيين: أحدهما: أنّ الصُّوفَ والشِّعر لا يَنْجُس بالموت. والثّاني: أنّ ذبائح أهل الكتاب حلالٌ لنا، وهم كانوا سكّان الشَام، فيُحْمَلُ ما وردَ من جهتهم على الذَّكَاةِ، لما علم أنّ ذلك كان عملهم. الفائدة الخامسة (٥): قولى (٦): "وَرُدِّي هَذه الْخَمِيصَةَ إِلَى أَبِي جَهْمٍ" قد بيَّنَّا جواز ردِّ الهدية إلى مهديها باختيار المهدي إليه. وقوله (٧): "فإنَّي نَظَرتُ إلَى عَلَمِهَا" يحتملُ مَعْنَيَيْن: أحدُهما: أنّه بين عِلَّةً ردِّها, ليقتدى به في ترك لباسها من غير تحريمٍ. والثّاني: أنّه بيّن أنَّ الفِتنَةَ لم تقع، وإنّ صلاته كاملة، لقوله: "فَكَادَ يَفْتِنُنِي". الفائدة السادسة (٨): قول أبي جهم (٩): "يا رسولَ الله، ولِمَ" فهو سؤالٌ عن معنى كراهية الخميصة
следующие страницы →