← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

وكذا (١) يجب على الإمام اليوم إذا خرج من محرابه وذُكِّر بالسَّهْوِ, أنّ يرجعَ إلى الجماعة ويقول لهم: أحقّ ما لِقول. فإن كانوا متَّفِقِينَ، رجعَ إلى تمام صلاتِهِ وإصلاحها. فيدلُّ من هذا أنّ الشَّكَّ بَعْدَ السّلامِ على يقينٍ مؤثّر، وتَرِدُ مسائل تدلُّ على أنّه غير مؤثِّرِ. قال ابنُ حبيب: إذا سلَّمَ الإمامُ على يقينٍ، ثمّ شَكَّ، بَنَى على يقينه، فإن سأل مَنْ خَلْفَهُ، فأخبروه (٢) أنّه لم يتمّ، فقد أحسن، فليتم صلاته وما بقي ويُجزئُهم، ولو كان الفذُّ سلَّمَ من اثنتينِ ثمّ تَيَقَّنَ ثمّ شَكَّ، فقال أَصِبَغُ: لا يسأل من حَوْلَهُ، فإن فعل فقد أخطأ، بخلاف الإمام الّذي يلزمه الرّجوع إلى يقينِ مَنْ معه. فهذه المسألة مبنيةٌ على أنّ الشَّكَّ بعد السّلام مؤثِّرٌ مُوجِبٌ للرّجوع إلى الصّلاة، إلَّا أنَّه مع ذلك لم يجعلوا له حكم الشكّ إذا دخل الصّلاة (٣)، قاله ابن حبيب، وكذلك إذا سلَّم على شكّ ثمّ سألهم، وقاله (٤) ابن القاسم، وأَشْهَب، وابنُ وَهْب. وقال عبد الملك (٥): إنّها تُجْزِئه. المسألة الرّابعة (٦): إذا سلَّم ثمّ قام من مجلسه، فقال ابنُ القاسم: يجلس ثمّ يقوم ويتمّ صلاته. وقال ابنُ نافع: لا يجلس. وقال ابنُ حبيب: لو سلَّم من ركعة أو من ثلاث ركعات دخل بإحرَامٍ ولم يجلس. وهذا نظير (٧) على مذهب أبنِ نافع, ولا فرقَ بين أنّه يسلِّم من ركعة أو ركعتين؛ لأنّ الجلوس للرّكعتين قدِ أنقضَى، والقيام من الرّكعتين كالقيام بعد السّجود من ركعة. المسألة الخامسة (٨): قال علماؤنا (٩): والتّكبير للرُّجوعِ للصّلاة مستحقٌّ.

стр. 877

قال ابن القاسم عن مالكٌ: وكلُّ من جاز له أنّ يَبْنِيَ بعد إنصرافه بقُرْبِ ذلك، فليرجع بإحرامٍ (١). وقال ابن نافع: وإن لم يكبِّر بطلت صلاته؛ لأنّه قد خرج عنها بالسَّلام، فلا يعود إليها إلَّا بإِحرامِ (٢). وحكى أبو محمد عبد الحقّ (٣) في "نكته" (٤) أنّه إذا سلَّم من اثنتين، وذُكِّر وهو جالسٌ في مقامه لم يكن عليه أنّ يُحْرِم إذا رجع إلى صلاته بالقُربِ؛ لأنّه لم ينصرف ولم يعمل عَمَلًا، وإنّما حصل فيه السّلام فقط، وهو ككلام تكلّم به سَهْوًا. وحكى ابنُ القاسم أنّه يُكَبِّر ثم يجلس ولا يصحّ له تأخير. وقال (٥) الطُلَيطِلّىّ (٦) - فيمن ذُكِّرَ بعد أنّ سلّم وهو جالس-: " إنّه يُكبِّر تكبيرة يَنْوِي بها الرُّجوع إلى الصّلاة، ثمّ يُكَبِّر تكبيرة أخرى يقوم بها". وسنتكلّم عليه في باب السّهو من هذا الكتاب، ونَزِيدُه بيانّا إنّ شاء الله تعالى.

стр. 878

باب النَّظرِ في الصّلَاةِ إلى ما يَشَغَلُكَ عَنْها مالِك (١)، عَنْ عَلقَمَةَ بنِ أَبِي عَلقَمَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوجَ النَّبِىِّ ﷺ قَالَتْ: أَهْدَى أَبُو جهْمٍ بنُ حُذَيْفَةَ لِرَسُولِ اللهِ- ﷺ خمِيصَةً شَامِيَّةً لَهَا عَلَمٌ، فَشَهِدَ فِيهَا الصَّلاَةَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: " اذْهَبُوا بِهَا إِلَى أَبِي جَهْمٍ" الحديث إلى قوله (٢): "وَائْتُوني بِأَنْبَجَانِيَّة". الإسناد: تنبيه على وهم: قال الشّيخ أبو عمر (٣): "هذا الحديث رواه رواةُ "الموطَّأ" كلّهم (٤) عن مالكٌ، عن علقمة بن أبي عَلقَمَة، عن أمِّه، عن (٥) عائشة زوج النّبيّ ﷺ ، وسقط ليحيى وَحْدَهُ: عن أُمِّهِ. وأبو جَهْم اسمه عُبَيْد بن حُذَيْفَة بن غانم العدوي القرشي، من بني عديّ بن كعب" (٦). وهذا (٧) الحديث (٨) مُرْسَلٌ عند جميع الرُّواةِ عن مالكٌ (٩)، إلَّا مَعْن بن عيسى، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة أنّ النّبيّ ﷺ : لبس خَمِيصَة، وذكر الحديث (١٠)، وأصحاب مالكٌ يرفعونه.

стр. 879

العربية: (١) قولُه: "وائْتُؤنِي بِأنْبِجَانِيَّة" هكذا في حديث الزُّهري (٢) بالتَّذْكير، وهو كِسَاء صوف، فإنّ أردتَ الكِسَاء ذكّرت، وإن أردتَ الخَمِيصَة أنَّثت. ويقالُ بفتح الباء وبكسرها، ويقال في كلِّ ما التَفَّ وكَثُفَ، يقال: شاةٌ أنْبَجَانِيّة، إذا كان صوفُها كثيرًا مُلْتَفًا. والخميصة كِسَاءُ صوفِ رقيقٍ يكون بعَلَمٍ، وقد يكون بغَيْرِ عَلَمٍ. والخَمَائصُ لباس الأَشْرافِ في أرض العَرَبِ، وقد يكون العَلَمُ فيها أحمر، وقد يكون أصفر وأخضر (٣). وأمّا الأَنبِجَانيُّ: فكساءُ صُوفٍ غليظٍ لا عَلَمَ فيه. وقال ابنُ قُتَيبَةَ (٤): "إنّما هو كِسَاء مَنْبَجَانِيّ. ولا يقال: أَنبِجَاني؛ لأنّه منسوبٌ إلى مَنْبِج (٥)، وفُتِحَتْ باؤه في النَّسَبِ؛ لأنّه خَرَجَ مَخْرَجَ مَنْظَرَانىّ ومَخْبَرَانيّ (٦) ". وقال غيره: جائزٌ أنّ يقال أنْبِجَانيّ كما هو في الحديث. وقال ثعلب: إنبِجَانِيّة بفتح الباء وكسرها كما تقدّم. الفوائد المتعلّقة بهذا الحديث: وهي ست فوائد: الفائدة الأولى (٧): في هذا الحديث من الفقه: قَبُول الهديّة، وكان رسولُ الله ﷺ يقبل الهديَّةَ ويأكلها, ولا يقبلُ الصَّدقةَ. والهديةُ من أفعال المسلمين الكُرَمَاء والصَّالحين الفُضَلاء، واستحبَّهَا العلماءُ ما لم يُسْلَكْ بها طريق الرّشْوَة لدفْعِ حقِّ أو تحقيقِ باطلِ.

стр. 880

الفائدة الثّانية (١): فيه: دليلٌ على أنّ من رُدَّت عليه هديّته يشقّ ذلك عليه، فلذلك أَنَّسَهُ رسولُ الله ﷺ بأن أخذَ منه كِسَاءَهُ الّذي لا عَلَمَ فيه، ليَعلَم أنّه لم يَرُدّ عليه هدِيَّته. الفائدة الثّالثة (٢): فيه من الفقه: أنّ كلَّ ما يشغل المرء في الصّلاة، إذا لم يمنعه من إقامة فَرَائضها وأركانها لا يُفْسِدُها, ولا يجب (٣) عليه إعادتها. الفائدة الرّابعة (٤): فيه: أنّ شهوده ﷺ فيها الصّلاة يدلُّ على جواز الصّلاة فيها؛ وذلك لمعنيين: أحدهما: أنّ الصُّوفَ والشِّعر لا يَنْجُس بالموت. والثّاني: أنّ ذبائح أهل الكتاب حلالٌ لنا، وهم كانوا سكّان الشَام، فيُحْمَلُ ما وردَ من جهتهم على الذَّكَاةِ، لما علم أنّ ذلك كان عملهم. الفائدة الخامسة (٥): قولى (٦): "وَرُدِّي هَذه الْخَمِيصَةَ إِلَى أَبِي جَهْمٍ" قد بيَّنَّا جواز ردِّ الهدية إلى مهديها باختيار المهدي إليه. وقوله (٧): "فإنَّي نَظَرتُ إلَى عَلَمِهَا" يحتملُ مَعْنَيَيْن: أحدُهما: أنّه بين عِلَّةً ردِّها, ليقتدى به في ترك لباسها من غير تحريمٍ. والثّاني: أنّه بيّن أنَّ الفِتنَةَ لم تقع، وإنّ صلاته كاملة، لقوله: "فَكَادَ يَفْتِنُنِي". الفائدة السادسة (٨): قول أبي جهم (٩): "يا رسولَ الله، ولِمَ" فهو سؤالٌ عن معنى كراهية الخميصة

стр. 881

مخَافَةَ أنّ يكون قد حدثَ فيها تحريمٌ، فقال النّبيُّ صلّى الله عليه: "إنِّي نظرتُ إلى عَلَمِهَا" وهذا يدلُّ على كراهيّة الاشتغال عن الصَّلاةِ بالنَّظرِ إلى غيرها ممّا يقابل فيها (١) دون تَكَلُّفِ ولا قَصْدٍ. وإن لم يحرم علينا أنّ نلبس من الثّياب خيرها, ولا ما (٢) يمكن النّظر إليه في الصّلاة، فلذلك لم يمنع أبا جَهْمٍ من لباسها. ويحتمل أنّ يفعل ذلك النّبيّ ﷺ لأحد معنيين: ١ - أحدهما: أنّ يكون ذلك واجبًا. ٢ - أو مندوبًا إليه. حديث مالك (٣)، عن عبد الله بن أبي بكر؛ أنّ أبا طَلحَةَ الأنصاري كان يُصَلي في حائِطِه، فطارَ دُبْسِيٌّ، فَطَفِقَ يَتَرَدَّدُ يَلتَمِسُ مَخرَجًا، فأعجَبَهُ ذلك، فجعلَ يُتْبِعهُ بَصَرَهُ ساعةً. ثمّ رجعَ إلى صَلاتِهِ. الحديث صحيحٌ، وله طُرُقٌ ومعانٍ (٤). الأصول (٥): قوله (٦): "لَقَدْ أَصَابَتْنِي في مَالِي هَذَا فِتْنَةٌ" قال الإمام: وأَصْلُ الفتنة: الاختبار، قال الله العظيم: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ (٧) إلَّا أنّ لفظ الفتنة إذا أُطلِقَ فإنّما يُستَعمَلُ غالبًا فيما أخرجه الاختبار إلى غير الحقِّ (٨)، يُقالُ: فلانٌ مفتونٌ، بمعنى أنّه اخْتُبِرَ فوُجِدَ على غير الحقِّ. وتكون الفتنة بمعنى الميل (٩) عن الحقِّ، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ (١٠) أي: تميل إليهم.

стр. 882

وقوله (١): "هُوَ صَدَقةٌ للهِ" يريد بذلك: إخراج ما فُتِنَ به من ماله وتكفير (٢) اشتغاله عن صلاته. وهذا يدلُّ على أنّ مثل هذا كان يَقِلُّ منهم ويَعظُمُ في نفوسم. وفي الجملة: إنّ الإقبال على الصّلاة، وترك الالتفات فيها، مأمورٌ بأحكامها (٣)، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٤). قال أهل التّفسير (٥): هو الاقبال عليها والخشوع فيها. وقد كرهَ العلماءُ كلّ ما يكون سببًا للالتفات، ولذلك كره النّاس تزويق المسجد بالذَّهب والفِضَّة والنُّقوش المُزَخْرَفَةِ. وقوله: "هُوَ صَدَقَةٌ" يقتضي الصّدقة برقبه المال (٦)، وإنّما صُرِفَ ذلك إلى اختيار النَّبيِّ ﷺ ، لعلمه بأفضل ما تُصْرَفُ إليه الصّدقات، وحاجته إلى صَرْفِهَا في وجوهها. حديث عَبْد اللهِ بْن أبِي بكرٍ (٧)؛ أَن رَجُلًا مِنَ الأنْصَارِ كَانَ يُصَلِّي فِي حَائِطٍ لَهُ بِالقُفِّ- وَادٍ مِن أَودِيَةِ المَدِينَةِ- في زَمَانِ الثَّمَرِ، وَالنَّخْلُ قَد ذُلِّلَت، فَإذَا هُوَ لاَيَدْرِي كَم صَلَّى؟ فَقَالَ: لَقَدْ أَصَابَتْنِي في مَالِي هَذَا فتْنَةٌ، فَجَاءَ عُثمَانَ بْنّ عَفَّانَ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةٌ، فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ: هُوَ صَدَقَةٌ، فَاجْعَلْهُ في سَبِيلِ اللهِ (٨)، فَبَاعَهُ عُثمَانُ بِخَمسينَ أَلفًا، فَسُمِّيَ ذَلِكَ المَالُ: الخَمْسِينَ. العربية (٩): قوله: "بِالْقُفِّ" القُفُّ ما صَلُبَ من الأرض واجتمعَ، ومنه قَفَّ شعري، أي اجتمعَ وتقبَّضَ (١٠).

стр. 883

وقوله: "قَدْ ذُلِّلَت" يريد بالثَّمَرِ (١). ويقالُ: تَبَرَّزَتْ للخُرْصِ وظَهَرَتْ. والأظهرُ أنّ الثَّمَرَةَ إذا عَظُمَت وبَلَغَت حدَّ النَّضْج ثَقُلَت فمالت بعراجينها، وهو من قوله تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ (٢). الفقه (٣): قوله: "هِيَ صَدَقَةٌ" هذه اللّفظة تقتضي البِرَّ وإن لم يقل صدقة لله، وذلك أَنَّ من تصدَّقَ (٤) على ابنه لم يكن له اعتصار صدقته، بخلاف الهبة فإنّ له اعتصارها حتّى يقول: هبة لله. وتفارقُ الصّدقة الهِبَة في مواضع (٥)، وذلك إذا قال: "صدقة" ولم يبيِّن المتصدِّق عليه، كَمُلَتِ الصَّدَقة ولم تفتقر إلى ذِكْرِ المصدَّق عليه، والهِبَةُ تفتقرُ إلى ذِكْر الموهوبِ له. وقال عبد الملك: في الحديث دليلٌ على مَنْ تصدَّق بشيءٍ مُعَيَّنِ وإن كان أكثر من الثُّلُثِ فإنّه يلزَمه، وليس ذلك بِبيِّنِ؛ لأنّه ليس في الحديث (٦) أنّ ما أخرجه كان أكثر من ثُلُثِ مَالِه، وما عرفنا ذلك، وليس في الحديث ما يدلُّ على أنّه يلزمه ذلك ويحكم عليه به مع (٧) امتناعه منه. العَمَلُ فِي السَّهْوِ قال الإمام الحافظ (٨): لم يذكر في هذا الحديث (٩) ما يعمل عند شكّه (١٠) في صلاته من البناء على يقينه، أوغير ذلك.

стр. 884

ويحتمل أنّ يكون ذلك موافقًا لحديث أبي سعيدٍ (١)، فيكون الأخذ بالزّائد المفسَّر أَوْلَى. وقد ذهبت طائفة من العلماء أنّ هذا في المستنكح الّذي يسهو سهوًا كثيرًا (٢). الفقه: قال أشياخنا: ووجوه (٣) أحكامِ السَّهوِ سبعٌ: سهوٌ يدخل على المرء في صلاته، لا يسجد له قبل السّلام ولا بعده؛ وهو إذا سَهَى عن رَفْع يَدَيه لتكبيرة الإحرام، أو عن الإقامة. وإذا لم يقل: "آمين" عند الفراغ من الحمد. وإذا لم يقل: "اللهم ربَنَا ولكَ الحمد". وإذا سَهَى عن القنوت في الصُّبح، وعن تكبيرة واحدة، وعن قوله: "سمع الله لمن حمده" مرّة واحدة. وإذا ترك التسبيح في الرُّكوع والسُّجود. الحُكْم الثّاني: سهوٌ يدخلُ عليه فيسجد له قبل السّلام، فإن نَسِيَ فبعد السّلام، فإن نَسِيَ فبقُرب ذلك، فإن نَسِىَ حتّى طَالَ فصلاتُه تامّة؛ وهو من نَسِيَ تكبِيرَتَيْن أو تحميدَتَين أَو السُّورَتَين إو التَّشَهدَين، أو أسرَّ فيما يَجْهَر فيه، وما أشبه ذلك. الحُكْم الثّالث: سهوٌ يدخلُ عليه يسجد له قبل السّلام أيضًا، فإن نَسِيَ فبِقُرْبِ ذلك، فإن نَسِيَ حتّى طال أعادَ الصّلاة؛ وهو من نَسِيَ الجلسة الوُسْطى أو ثلاث تكبيرات، أو ثلاث تحميدات، أو ما يقوم مقامها. الحُكُم الرّابع: هو سهوٌ يدخلُ عليه لا عملَ له فيه إلّا بالابتداء؛ مَنْ نَسِيَ إحضارَ النّية عند الإحرام، ومَنْ صلّى إلى غير القِبْلَة، ومَنْ صلّى قبل الوقت، ومَنْ صلَّى بغير وُضوءٍ ومَنْ خرج من مكتوبة بغير سلام، فليس لهؤلاء إلا الابتداء على كلِّ حال.

стр. 885

الحُكْم الخامس: سهوٌ يدخلُ عليه، فيها (١) يسجد له قبل السّلام، ويعيد الصّلاة من أسقطَ أمّ القرآن من ركعة على أحد الأقوال المنصوصة (٢) في الكتب (٣). الحُكْم السادس: هو سهو يدخلُ عليه يسجد له بعد السّلام، فإن نَسِيَ فمتَى ما ذُكِّرَ مَنْ كانَ له جلوسٌ زائد، أو قام إلى خامسة، أو جهر فيما أسرَّ فيه، وما أشبه ذلك؛ فإنَّ حُكمَهُ السّجود بعد السّلام. الحُكْم السّابع: هو سَهْوٌ يدخلُ عليه في صلاته يسجد له قبل السّلام، وهو منِ اجتمعَ عليه سَهْوَانِ: زيادةٌ ونقصانٌ، فإن نسي قبل السّلام فبعد السّلام أو بقُرْبِ ذلك. فإن نَسِيَ حتّى طال، فينظر من أين يكون السَّهْو في النُّقصان، فإن كان من معظم الصّلاة أعادّ الصّلاة، وإن كان من غير ذلك فصلاته تامّة. فهذه أحكام السّهو وأقسامه. تكمِلة هذا البَاب (٤) قوله (٥):"إنِّي لأَنْسَى أَوْ أُنَسَّى لأَسُنَّ" ذهب بعض المُفَسِّرين إلى أنّ "أو" للشكّ. وقال ابنُ دِينَار وابنُ نافِعٍ: ليست للشكِّ، ومعنى ذلك: أنسى أنا، أو يُنْسيني الله تعالى، ويحتاج هذا إلى بيان؛ لأنّه (٦) أضاف أحد النِسْيَانَيْن إليه. والثّاني: أنّه من قِبَلِ الله، وإن كنّا لنَعلَمُ (٧) أنَّه إذا نَسِيَ أنّ (٨) الله أنساه، وذلك يحتمل معنيين:

стр. 886

أحدهما: أنّ يريدَ: لأنْسَى في اليقظة، أو أَنْسَى في النّوم، لأنّه لا ينام قلبه، فأضاف نِسْيان اليقظة إلى نفسه؛ لأنّه لا يمكن التَّحرُّز منه. وأضاف نِسْيَانَ النّوم إلى الله (١). وقد أشبعنا القول فيه في حديث "ذي اليدين" بأوعبِ بيانٍ، والله الموفّق للصّواب.

стр. 887

كتاب الجمعة وأبوابه ومقدِّماته اللُّغة: قال بعضُ علمائنا: الجمعة مأخوذةٌ من الجمع، كأنّه أشار فيه إلى أحدِ وجهين: أحدهما: أنّه جمع فيه آدم من جميع أديم الأرض، من أحمرها، وأبيضها وأسودها، ومن جميع أنواعها. الوجه الثّاني: أنّ الله تعالى يُقيمُ فيه السّاعة، ويجمع فيه الخلائق. وتعلّقه بالاشتقاق ليس بالقَوِيِّ، ولابدّ في هذا الباب من ثلاث مقدِّمات في صدر هذا الكتاب. المقدّمة الأولى في معرفة وجوبها قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ (١) الآية، وهذا ظاهرٌ في أنّ الخطّاب بالجمعة المؤمنون (٢) بهذه الآية دون الكفّار. وقد بيَّنَّاه أنّ الكفَّارَ مخاطَبُونَ بفروع الشّريعة وأصولها (٣)، وإنّما خصَّ المؤمنون دون الكفار بهذه الآية، تشريفًا لهم بالجمعة وتخصيصًا لهم دون غيرهم، للحديث: "نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ قَبْلَنَا، ثُمَّ هَذَا يَومُهُمْ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللهُ لَهُ، وَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ. الْيَهُودُ غَدًا وَالنَّصاَرَى بَعْدَ غَدٍ" (٤). وقال بعض علمائنا: هذا الحديث أصلٌ في وجوبِ الجمعة أنّها فرضٌ على الأعيان. وَقَدْ وَهِمَ بعضُ العلماءِ في هذا، فقال: هي فرضٌ على الكفاية. وهي

стр. 888

وهلةٌ، والصّحيحُ ما حكاهُ عبد الوهّاب (١) أنّ الجمعة فرضٌ على الأعيانِ. وفي "الدّاودي" (٢) عن طارق بن شهاب، عن النّبيّ ﷺ ؛ أنّه قال: "الجُمُعَةُ حَقٌ وَاجِبٌ على كلِّ مسلمٍ إلَّا أربعة" الحديث. شرح (٣): قوله: "نَحْنُ السَّابِقُونَ" يريد بقوله ﵇: "نَحْنُ الآخِرُون السّابقونَ" أنَّه ﵇ آخر الأنبياء والرُسُلِ، وهو خاتم النَّبيِّين لا نَبِىَّ بعدَهُ. وقوله: "السّابقون" يعني أنّه وأُمتّه يسبقون سائر الأُمَم بدخول الجنّة، وهو الشافِع ليقضي بين الخلائق يوم القيامة إذا اشتدَّ بالنّاس العَرَق، وطال بهم الوقوف، فيأخذ حَلْقَة الباب، فيومئذٍ يبعثه الله المقامَ المحمودَ، ويَحمَده أهل الجَمْع كلهم. وأيضًا: فقد قال ﵇: "إنّ أُمَّتِي أعطيت أجر أهل الكتابين: التّوراة والإنجيل" وحديث آخر: "إنّما أنا مثلكم فيمن خلا من الأُمَمِ قَبْلَكُم" الحديث (٤). وقوله: "فهذا يَوْمُهُمُ الّذي فُرِضَ عَلَيْهِمْ، فاخْتَلُفوا فيه، فهدانا اللهُ إليه" قال بعض الأشياخ (٥): في هذا دليلٌ (٦) أنّ يوم الجمعة فرض عليهم بعَينِهِ فتركوه؛ لأنّه لا يجوز لأحدٍ أنّ يتركَ فَرْضَ الله تعالى ويكون مؤمنًا، وإنّما يدلُّ - والله أعلم- أنّ فَرْض يوم الجمعة وُكلَ (٧) إلى اختيارهم ليُقِيمُوا فيه شريعتهم، فاختلفوا في أيِّ الأيّام يكون ذلك، ولم يهدهم الله تعالى ليوم الجمعة، وذَخَرَهُ لهذه الأمّة وهداها له، تَفَضُّلًا منه عليها، ففضلت به سائر الأمَم، إذ هو خير يَومٍ طَلَعَت فيه الشّمس، وفَضلَهُ الله بساعةِ يُسْتَجَابُ فيهما الدُّعاء.

стр. 889

المقدّمةُ الثّانِيَةُ في شُروطِ الجُمُعَةِ وللجمعة شروط لا تجب إلَّا بها وتصحُّ دُونَها، وشرائط لا تجب الجمعة إلَّا بها ولا تصحُّ دونَها، وفرائض لا تصحُّ إلَّا بها, وسُنَنٌ وفضائل لا تكمل (١) إلَّا بها. تفسيرُ هَذِهِ الجُملَةِ: أمّا الشّرائطُ الّتي لا تجب إلَّا بها وتصحّ دونها، فهي ثلاثة: الذّكورة، والحريّة، والإقامة؛ لأنّ العبد والمسافر والمرأة لا تجب عليهم جمعة، ولهم أنّ يصلّوها. وأمّا الشرائط الّتي لا تجب الجمعة إلَّا بها ولا تصحُّ دونها، فهي ثلاثة أيضًا. قال الإمام الحافظ: وهي الجماعةُ وموضع الاستيطان، قرية كانت أو مصرًا، على مذهب مالكٌ ﵀ وقيل في الإمام والجماعة: إنّهما من شرائط الصِّحَّةِ، كالوُضوء والنِّية والتَّوَجُه إلى القِبلةِ، وما أشبه ذلك. وقيل أيضًا: إنّهما من شرائط الوجوب. قال الإمام: ولا يصحّ أنّ يقال فيهما: إنّهما من شرائط الوجوب دون الصِّحَّة، ولامن شرائط الصِّحَّة دون الوجوب. وإنّما الصّحيح أنّ يقال: إنّهما من شرائط الوجوب إذا عُدِمَا، ومن شرائط الصِّحَّة إذا وُجِدَا. وبيان هذا: أنّ القومَ متى لم تكن لهم جماعة تصحّ بهم الجمعة، ولم يكن لهم إمامٌ يُحْسِنُ الإقامةَ بهم، سقَطَ عنهم فَرْض الجمعة. ومتى كانت لهم جماعة تصحّ بهم الجمعة, وإمامٌ يُحسِن إقامة الجمعة، وجبت عليهم إقامة الجمعة به، ووجبت عليهم إقامة الجمعة بالجماعة والإمام. ومتى لم يَمْتَثِلُوا ذلك، وجب عليهم إعادة الصّلاة الّتي صّلوا في الوقت، جمعة وظهرًا بعد الوقت، وكذلك موضع الاستيطان. تفصيل (٢): قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي ﵁: أمّا قولُ مَنْ قال: "من شروطها الّتي لا تجب إلّا بها الذّكورة" فنعم؛ فلأنَّ الأُنوثة نقصانٌ يخلٌّ بالعقل، حسب ما نصَّ

стр. 890

عليه، ويوجب الحجابَ، ويمنعُ من الخُلْطَة بالجماعة، فلا تنتظم منهنّ عُصبَة، ولا تنعقد منهنّ جماعة في جمعةٍ. بل إنّ الله أَذِنَ لهنّ في الجماعات على معنى التَّبَعِيَّة للرِّجال، رحمةً لهن، وتوسعةً في الأجر عليهنّ. وأمّا الحريّة، فإنها أيضًا شرطٌ في وجوبها؛ لأنّ العبد مستَغْرِقٌ بخِدْمةِ سيّده استغراقًا حَجَبَهُ عن الشَّهاداتِ. وأمّا إنّ حَضَرَها العبدُ والمرأةُ كانا من أهلها, ولا تجوز إمامة العبد فيها (١)، ولا يلتفت إلى رواية من جوّزها (٢). فأمّا القُدرَةُ، فلا خلاف فيها بين الأُمة؛ لأنِ المكلَّف إنّما يكلّف بشرط القدرة، والقدرةُ قد تتعذَّرُ على الإنسان، كالمرض والسّجن وما أشبه ذلك. وأمّا الإقامةُ، فلا خلافَ فيها؛ لأنّ الله تعالى وضع عَنِ المسافر شطر الصّلاة، فكيف يتكلّفها ومن شرطها الخُطْبَةُ والإمامُ. وأمّا القريةُ، فلا خلاف فيها، وهي مرتبطةٌ بالشرط السّابق الّذي قدّم؛ وليس لها قَدرٌ مُقَدَّرٌ، ولا يوجدُ لها في الشّريعة أثرٌ ولا دليلٌ، بَيْدَ أنَّ العلماء قالوا في ذلك قولًا صحيحًا، قالوا: إنّ التزمت جماعةٌ موضعًا يُمكِنُهم فيه الاستيطان، ويستغنون عن غيرهم، فقد وجبَ الأمرُ كما يجب. وأمّا شروط الآدمي (٣)، وهي الإسلام، فصحيحٌ؛ لأنّ العبادةَ لا تصحُّ من كافرٍ، وقد وَهَلَ بعض العلماء، فجعل الإِسلامَ من شروط الوُجوبِ، ولا خلاف في مذهب مالكٍ وجميع الرُّواةِ عنه من أصحابه أنّ الكفّار مخاطَبُونَ بفُروع الشّريعة. ومن شروطها: الخُطبة المعدودة المفصولة بجلوسٍ. ومن شروطها: الإمامُ، ولسنا نعني به الأمير، وإنّما نعني به مَنْ يقيمُها؛ لأنّ الصّحابة أقامت الجُمُعَة وعثمان محصورٌ، واجتمع عثمان معهم على ذلك. وقد قيل: إنّها من عمل الأُمراء تُصَلَّى خَلْفَ كلّ من قام بها. وقد قيل: إنه يُصَلِّي لنا إِمامُ فِتْنَةٍ؟ فقال: الصّلاةُ أَحْسَنُ (٤) مَا يَفْعَلُ (٥)

стр. 891

النَّاسُ، فإِن أحْسَنُوا فأحْسِنْ معهم، وإن أساءوا فَاجْتَنِبْ إساءَتَهُمْ (١). ولا تُصَلَّى ألْبَتَهّ خَلْفَ عبدٍ، أمير كان أو غير أمير؛ لأنّ الجمعة تسقطُ عنه. ومن النُّكتِ البديعة في سقوط الجمعة عن العبد، قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٢) فإنّما خاطب اللهُ بالجمعة من يبيع ويشتري، والعبدُ والصبيُّ لا يبيعان؛ لأنّ العبدَ تحت حِجْرِ السَّيِّد، والصَّبِىَّ تحت حِجْرِ أبيه. أمّا الصّبي أيضًا؛ فلأنّه عدم العقل، ولا يزال يتدرّج في المعرفة بالسُّنَنِ والشّرائع حالًا بعد حالٍ، حتّى يصل إلى حدِّ الاحتلام، فتلزمه الفرائض. وأمّا العددُ، فليس في صلاة الجمعة أصل يُعَوَّلُ عليه في العدد إلَّا حديثان: الحديث الأوّل: "أنّ الّذين بَقَوْا معه كانوا أربعين رَجُلًا" (٣) وهذا لا يلزم ولم يُدخله أهل الصِّحَّة. وأمّا الحديث الثّاني: فهو الّذي ثبت أنّ رسولَ الله ﷺ كان يَخطُبُ فتفرَّقُوا عنه، إلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فلم يقطع خُطبَتَهُ، ولا تَرَكَ صَلاتَهُ، فعاتَبَهُمُ اللهُ على ذلك فقال: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا﴾ الآية إلى قوله: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (٤). وقد تعلَّق بعض علمائنا بهذا فقال: تجب الجُمُعة على اثني عَشَرَ رَجُلًا. ولكنّه عندنا لا تنعقدُ إلَّا بأكثر منهم، رواه أشهبُ عن مالكٍ. قال الإمام الحافظ: والصّحيحُ أنّ ما جاوزَ ثمانية كان انعقادُها عليهم. كما أنّه لا إشك الّذي تضعيف قول من قال: إنّ الجُمعةَ تنعقد باثنين؛ لأنّ فائدتها لا تُوجَدُ (٥) لا يوجد في ذلك، وكلُّ صورةٍ تذهب بفائدة الحكم والعبادة فلا حكم لها، وإن كان الفقهاء والسَّلَف قد اختلفوا في أقلِّ من تقام بهم الجمعة، على أربعة أقوال: ١ - القول الأوّل: قال عمر بن عبد العزيز والشّافعيّ: أربعون رجلًا، وقيل: ثمانون وقيل: خمسون. وقيل: اثنا عشر.

стр. 892

٢ - وقال أبو حنيفة: أربعة إذا كانوا في مصر (١). ٣ - وقال غيره: ثلاثة. ٤ - وقال غيره: الإمام وواحدٌ معه. وهذا لا يكون إلَّا بِنَظَرٍ منهم: فمن رأى واعتمد أنّ أقلّ الجمع ثلاثة وال إمام منفصلٌ عن أقل الجمع، قال بقول أبي حنيفة. ومن قال: أقلّ الجمع ثلاثة والإمام معدودٌ فيها، قال بالقول الآخر. ومن قال: إنّ أقلّ الجمع اثنان والإمام منفصل عنهما، وافقَ هؤلاء في الثّلاثة. وأمّا مالكٌ ﵀ فلم يجد فيه (٢) شيئًا (٣). مسألة: قال علماؤنا: ومن شروطها: المُسَقَّفُ، وهو المسجد، ولا أعلمُ وجهه إلى الآن، وعلى هذا جماعة المغاربة في السَّقف والجماعة. وأمّا السَّقْفُ ليس لي فيه عِلْمٌ. وأمّا الجماعة والعدد، فليس لذلك عندنا حدٌّ، وإنّما حَدّه: جماعة تَتَقَرَّى بهم بُقْعَة. وقد قيل (٤) في المسجد: إنّه معدودٌ من شرائط الوجوب والصِّحَّة جميعًا كالإمام والجماعة، وهذاعلى قول من يرى (٥) أنّه لا يكون مسجدًا إلَّا ما كان بَيْتًا وله سَقفٌ، بدليل قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ الآية (٦). وقولى النّبيُّ ﷺ : "مَنْ بَنَى مسجدًا ولو مثل مَفْحَصٍ قَطَاةٍ بَنَى اللهُ له بيتًا في الجَنَّة" (٧) إذ قد يُعْدَمُ مسجدٌ

стр. 893

يكون على هذه الضفة وقد يوجد، فإذا عُدِمَ كان من شرائط الوجوب، وإذا وُجِدَ كان من شرائط الصِّحَّة. وعلى قياس هذا القول أَفْتَى القاضي أبو الوليد الباجي في أهل قرْيَةٍ انهدمَ مسجدهم، وبقي لا سَقْفَ له، فحضرتِ الجمعةُ قبلَ أنّ يبنوه أنّه لا يصحّ لهم أنّ يجمعوا فيه (١) ويصلّون ظهرًا أربعًا. قال الإمام: وهذه وهلة من القاضي أبي الوليد (٢)؛ لأنّ المسجد إذا جعل (٣) مسجدًا لا يعودُ غير مسجدٍ أبدًا إذا انهدم، بل يبقى على ما كان عليه من التّسمية والحُكم، وإن كان لا يُسَمَّي (٤) الموضع الّذي يُتَّخَذ لبناءِ المسجد مسجدًا قبل أَنْ يُبْنَى وهو فضاءٌ. وقد (٥) اختلف في المسجد الخَرِبِ إذا وُجِدَ قد خَرِبَ. وقال قوم من العلماء: إنّ المسجد من شرائط الصِّحَّة (٦)، وهذا على قول من يقول: إنّ المكان مِن الفضاء يكون مسجدًا بتعيينه وتحبيسه للصّلاة (٧) فيه. قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي (٨): ومذهبي في هذه المسألة: أنّ الجمعة في كلّ موضعٍ، في جامع، وفي مسجد، وفي الفلاة، وليس من شرطها عندي السَّقْف خاصّة. وأمّا الخطبة فقيل أيضًا (٩): إنها شرط في صلاة الجمعة (١٠). وذهب ابن المَاجِشُون إلى أنّها سنّة. والدّليلُ على وجوبها: قوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (١١) فهي فرض. ومن

стр. 894

شروطها (١) أنّ تكون قبل الصّلاة. واختلفَ العلماءُ هل هي من شرط الجمعة أم لا (٢)؟ وظاهر "المدوّنة" (٣) أنّ من شرطها صحّة الجماعة فقط، والكلام على هذه المعاني يطولُ سَرْدُهُ في هذا الكتاب. العملُ في غُسل يومِ الجُمُعَة الحديث: "مَنِ اغتسلَ يومَ الجمعةِ غُسْلَ الجنابةِ، ثُمَّ راحَ في السَّاعةِ الأُولَى" (٤). الحديثُ صحيحٌ متّفق عليه (٥)، وفيه عشر مسائل: المسألة الأولى (٦): قولُه: "مَنِ اغْتَسَلَ" إشارة إلى كيفيّة الغُسلِ لا إلى وُجوبِ الغُسلِ وسَنُبَيِّن تأويل من اغتسل وغسل أنّه على الرّأس (٧)، للاستيفاء له في جميع البدن. والدّليل على أنّه لم يرد الوجوب ثلاثة أدلّة: الأوّل: ما تقدّم من الأحاديث. الثّاني: أنّه لو كان الغُسل واجبًا فَرْضًا على مذهب الظّاهرية (٨)، لكان من فرائض الجمعة لا تُجْزِىء إلَّا به، وقد أجمع العلماءُ على جواز صلاة من صلّى ولم يغتسل. والدّليل الثّالث: حديث عمر؛ أنَّه دخل عليه عثمان، فقال له: والوضوءُ أيضًا (٩).

стр. 895

فإن قيل: الحديث الثّاني يقضي على الأوّل، وهو حديث (١) أبي سعيد المَقْبُرِيّ، عن أبي هريرة؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "غُسْلُ يومِ الجُمُعَةِ وَاجِب على كلّ مُحْتَلِمٍ" (٢) وحديث ثالث، قوله: "حقٌّ على كلِّ مسلمٍ أنّ يغتسلَ في كلِّ أسبوعٍ يومًا (٣). الجواب - قلنا: هذه الألفاظ غَرَّرَت بقَوْمٍ من الجُهَّال أنّ قالوا بقولكم أنّ غُسْلَ يوم الجمعة فريضةٌ بظاهر هذه الأحاديثِ، وليس كذلك، إنّما هو سُنّة مؤكَّدة. قال أشهب: قلت لمالكٍ: غُسلُ يوم الجمعة واجب؟. قال: ليس كلّ ما جاء في الحديث يكون هكذا. وهو كلام مُجْمَلٌ بديعٌ على عادة السَّلَف، إذ كانوا يجملون في الأقوال ولا يبسطونها (٤). والدّليل على سقوطه أربعة أوجه: الوجه الأوّل: قال شيخُنا الفهريُّ، قال: قال لنا قاضي القضاة الدّامغانيُّ (٥)، قال: حدّثنا (٦) أبو الحسين" (٧)، رئيس (٨) الحنفيّة في وقته، قال: قولُ النَّبيِّ ﵇: "غُسْلُ يومِ الجمعةِ واجبٌ" يعني: ساقطًا، يحتمل أنّ يسقط بسقوط الفرائض، ويحتمل أنّ يسقط بسقوط السُّنن، فلا يكون له في الحديث متعلّق. الوجه الثّاني: رَوَى النَّسائي (٩)، وأبو داود (١٠)، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ أنّه قال: "من

стр. 896

توضَّأ يومَ الجمعةِ فبِهَا ونِعْمَتْ، ومن اغتسلَ فالغُسْلُ أَفْضَلُ" وهذا نصّ. والوجه الثّالث: حديث عمر إذ دخلَ عليه رجلٌ، فقال: ما زِدْتُ على أنّ تَوَضَّأتُ. الحديث إلى آخره (١). وجه التَّعَلُّق به (٢): أنّ عمر وأصحابه أَعلَمُوا ذلك (٣) الرّجل بتأكيد الغُسْلِ وأقرُّوه على تركه، ولو كان فَرْضًا ما سمحوا له، لأنّ القوم كانوا أجلّ من أنّ يُقِرُّوه على مُنْكَرٍ. والوجه الرّابع: أنّ النّبيَّ ﵇ أمر بالغُسْلِ لسبَبِ عِلَّةِ، رَوَت عائشة في الصّحيح الثّابت: أنّ النّاس كانوا يأتون الجمعة من العوالي وغيرها، وكانوا عُمَّال أنفسهم (٤)، ورُوِيَ أنهم كانوا يلبسون الصُّوف، فتظهر مثهم رائحة الضّأن (٥). زاد النّسائي (٦): وكان يكون عليهم الوسَخ (٧) وتخرجُ روائحُهُم فيتأذَّى النّاسُ، فأمر رسولُ الله ﷺ بالغُسلِ. فبيّنت عائشة- رضوان الله عليها- وجه العلَّة في ذلك، وارتبط الغسلُ بها، والفرائضُ المطلقة لا تتعلَّقُ بالعِلَلِ العارضة. المسألة الثّانية: قوله (٨): "كلِّ مُسْلِمٍ مُحْتَلِمٍ" دليلٌ أنَّه لا تجبُ الجمعةُ على الصَّبِيِّ، وهذا إجماعٌ. وكذلك أجمعوا أنّه لا جُمُعَةَ على النِّساء بحالٍ. ففي (٩) هذا القول يقتضي تعلُّقَ هذا الحكم من العبادات بالاحتلام، وهي الخمس عشرة. ويقتضي أيضًا اختصاصه بالرِّجال؛ لأنّ اللّفظ تذكير مع أنّ الاحتلام معتبرٌ فيه. وأما الاحتلام في النِّساء فنادرٌ، وإنّما الاعتبار فيهنّ الحيض (١٠).

стр. 897

وقولى (١): "إذا جاءَ أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ" جعل الجمعة اسمًا للصّلاة، وأَمَرَ بالاغتسال من جاءها، وذلك يقتضي تعلُّق الاغتسال بالصّلاة دون اليوم. المسألة (٢) الثّالثة (٣): مذهب (٤) مالك (٥)؛ أنّ الغسل للجمعة لا يكون إلا متّصلًا بالرّواح لها. وقال ابن وهب في "العُتْبِيّة" (٦): "يصحّ أنّ يغتسل لها بعد طلوع الفجر، قال: وأفضل له أنّ يتّصل غسله برواحه" وبه قال أبو حنيفة (٧)، والشّافعيّ (٨). والحجّة في ذلك لمالك من حديث ابن عمر عن النّبي ﵇؛ أنّه قال: "إذا جاءَ أحَدُكُم الجمعةَ فَليَغْتَسِل" (٩). قال الإمام: ووجه الدّليل منه، أنّه لمّا أمر مَنْ جاء للجمعة بالاغتسال، كان الظّاهر أنّ اغتساله للمجيء، ويجب على ذلك أنّ يبقَى أثره إلى وقت الإتيان لها، وذلك لا يصحُّ، إلّا أنّ يكون متّصلًا برواحه. فأمّا من اغتسل أوّل نهاره، ثمّ نام وانصرف (١٠)، فإنّ ذلك الغسل (١١) لا يجزئه عند مالك (١٢). المسألة الرّابعة (١٣): هل يفتقر غسل الجمعة إلى نيّة أم لا؟ قال أشهب، وابنُ شعبان: إنّه لا يفتقر إلى نيّة.

стр. 898

وهذه وَهْلَةٌ وغَفْلَةٌ منهما (١). والدّليلُ على أنّه يفتقر إلى نيّةٍ: أنّه غُسْلٌ من غير نجاسةٍ، فافتقر إلى النِّية. وذلك أنّه لو اختصّ الموضع بإزالة الرّائحة لاختصّت المواضع المُوجِبَة لذلك، وبمن (٢) يتوقّع ذلك منه. المسألة الخامسة: من اغتسل للجمعةِ وهو ناسٍ للجنابة، لم يجزئه غسله للجمعة عن غسل الجنابة؟ فهذا (٣) قلنا: إنّه يفتقر إلى النّية، فهل ينوى به الجمعة والجنابة (٤)؟ مسألة (٥) خلاف طبوليّة. قال ابن القاسم: يُجْزِئه ذلك. والفروعُ كثيرة، أمّهاتها هذه فركّبوا عليها ما أردتم، واللهُ الموفِّق بمَنِّهِ. المسألة السادسة (٦): قوله (٧): "ثُمَّ رَاحَ" قال مالك: الرَّواحُ في الجُمُعةِ إنّما يكون بعد الزَّوالِ، وهو أوَّلُ التَّبكيرِ الّذي ابتدأت (٨) عليه التّجزئة المذكورة في هذا الحديث من البقرة إلى العصفور. وهي كلّها ساعات في ساعة واحدة، إذ السّاعة في العربيّة جزءٌ من الزّمان غير مُقَدَّرِ. وقال غيره: إنّما هي ساعات النّهار، لقوله ﵇: "يوم الجمعة اثنا عشر ساعة" (٩) وذكر الحديث، فأَنبأنا (١٠) أنّ المراد ساعات الزّمان الّتي قسمها أهل الحساب، وهي تكون مُسْتَوِية وتكون معوجّة، على حكم تداخل اللّيل والنّهار، ولو صحّ هذا الحديث لكان أصلًا يُرْجَعُ إليه، وإنّما اعتضد (١١) مالك ﵀ بقوله: "راحَ " والرَّواحُ عند العرب لا يكون إلَّا بالعَشِىِّ، وذلك من زوال الشّمس إلى آخر

стр. 899

النّهار. كما يكون الغدوّ من طلوع الشّمس إلى الزّوال، وذلك عند المتأخّرين (١) محمولٌ على المجاز، كما قالوا "القافلة" وهي لا تكون في ابتداء سيرها قافلة حتّى ترجع، فأطلقوا (٢) عليها في الابتداء اسم الانتهاء. وقالوا: "حاج" و"غاز" ولا يكون إلَّا بعد الرُّجوع من (٣) البلوغ. قال الإمام: وإنّما يكون هذا على مقتضى السُّنَّة، لا على عادة الخَلِيفَة اليوم في أنّ يجعلوا الأذان كلّه بعد جلوس الإمام، وليس ذلك بشيءٍ. وأمّا أيمّةُ الأمصار من الفقهاء والمحدِّثين، فاختلفوا في ذلك فذَهبت (٤) طائفة إلى أنّها أوّل طلوع الشّمس، هذا قول الكوفييّن وجماعة من المُحَدِّثة. وأجاز الشّافعيّ (٥) البكور إليها قبل طلوع الشّمس. وقال مالكٌ: لا يكون الرَّواحُ إلَّا بعد الزَّوالِ (٦)، والَّذي يقع في قلبي أنّه أراد ﵇ ساعة واحدة فيها هذا التّقسيم (٧). قال الخطّابي: وحجّة مالك في هذا كلِّه؛ أنّ السّاعات كلّها ساعة واحدة، كقولهم: جئت من ساعة (٨) وقعدتُ عند فلانٍ ساعة، ويريد جزءًا من الزّمان غير مُقَدَّر ولا معلوم، غير السّاعات الّتي هي أوراد اللّيل والنّهار وأقسامها. واختار ابنُ حبيب (٩) القول الأوّل، وقال: "تأويل مالكٌ لهذا الحديث محالٌ وتحريفٌ، وذلك أنّه لا تكون ساعات في ساعةٍ واحدةٍ، والشّمس إنّما تزول في السّادسة من النّهار، وهو وقت الأذان وخروج الإمام إلى الخطبة". قال الإمام الحافظ (١٠): وقولُ ابن حبيب خطأٌ لا خفاءَ فيه؛ لأنّ أهل العلم

стр. 900

بالأوقات والحساب لا يختلفون أنّ الشّمس لا تزول إلَّا في آخر السّاعة السّادسة (١)، ثمَّ تقعُ الصّلاة إذا فاء الفَيءُ ذراعًا، وذلك في السّاعة الثّامنة بعد مسير خمسها (٢) في زمان الصّيف، وبعد مسير نصفها في زمان الشِّتاء. وقولُ العرب يردُّ قولَ ابن حبيب؛ لأنّهم لا يسمّون الرَّوَاح إلَّا عند الزَّوال. المسألة السّابعة (٣): قوله: "مَنِ اغْتَسَلَ ثُمَّ رَاحَ" كلمة تقتضي المُهْلَة، ولا يلزم عنها احتمال أنّ يكون الرَّواح متَّصلًا بالغُسْلِ، وإنّما يُعْطي المعنى - أنّ المقصودَ النّظافة لليوم بالغُسْلِ والطِّيبِ، حتّى يذهب التَّفلُ (٤) والشَّعثُ (٥). وقوله: "فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً" إنباءٌ عنِ اسْتيفاء الأَجْرِ في الشُّكر، ثمّ ينقصُ الأَجْرُ عن الاستيفاء نُقْصانًا مقدَّرًا، بالبقرة مع البدنة، وكذلك مَنَازِلُه (٦) إلى البَيْضَة والعُصْفُور. المسألة الثّامنة (٧): أمّا البدنة والبقوة والشّاة، فهي قربان. وأمّا البيضةُ والعصفورُ - على ما ورد في بعض الأحاديث (٨) -، فلا يكونان (٩) قربانًا بحالٍ، ولكن تصحُّ الصَّدَقةَ بهما. وتسمَّى الصَّدقة قُربَانًا لأنّه قَرَنَها بالقُربان، على معنى تسميّة الشَّيء باسم صاحبه وقرينه أو ملازمه في القرينة (١٠). المسألة التّاسعة (١١): قوله: "فَإذَا خَرَجَ الامَامُ حَضَرَتِ الملائِكَةُ" ثبت عن أبي هريرة؛ أنّ النَّبىِّ ﷺ

стр. 901

قال: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ قَعَدَتِ الملاَئِكةُ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسجِدِ، فَيَكتُبُونَ مَنْ أَتَى (١) الْجُمُعَةَ، فَإذَا خَرَجَ الإمَامُ طَوَتِ الصُّحُفَ. والمُهَجِّرُ إلى الجُمُعَةِ، كالمُهْدِي بَدَنَةً، ثم بَقَرَةً، ثمَّ شَاةً، ثُمَّ بَطَّةً، ثمّ عُصْفُورًا، ثم بَيْضَةً" (٢). وقوله: "طَوَتِ الملائكةُ الصُّحُفَ" يعني صحف السَّابقين، وبَيَّنَ ذلك قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ الآية (٣). يعني: السّابقين المسارعين، وذلك أنّ البارئ سبحانه جعل للملائكة صُحُفًا لا يشاركهم فيها أَحَدٌ, ولا يُكْتَب معها عملٌ، فتُطوَى عند انقضاء منزلة السَّبْقِ, ويُكْتَبَ من جاء أَوَّلًا في صُحُفِ الأعمال الصَّالحة والعبادات. وجعلَ مراتب الرَّواح في هذا الحديث سبعة: بَدَنَة، ثمّ بَقَرَة، ثم شَاة، ثم بَطَّة، ثمّ عصفورًا (٤)، ثمّ بيضة، وفي بعض الطُّرُقِ: "كَبْشٌ أَمْلَح". قال الإمام الحافظ: وفائدةُ ذِكْر البَطَّة في هذا الحديث؛ أنَّه حيوانٌ متوحِّشٌ لا يوصَل إليه إلَّا بصَيْدٍ وكُلْفةِ، فكان أفضل من الدّجاجة في التّقرّب به (٥). المسألة العاشرة (٦): قال علماؤنا: في هذا الحديث دليلٌ على أنّ القُرْبَانَ بالبَدَنَة أفضل منها بالشّاة، ولا خلاف فيه في الحجِّ، واختلفوا في الأُضْحِية. فمذهب مالكٌ أنّ الأُضْحِية بالغَنَم أفضل، وهو قويٌّ في الباب؛ لأنّ النّبىَّ ﵇ كان يضحِّي بالغنَم ويهدي البُدُنَ، فاتَّبَعْنَا السُّنَّةَ. حديث: وقع في "البخاريّ" (٧) و"مسلم" (٨) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوء ثُمَّ أتَى الجُمُعَةَ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ" الحديث.

стр. 902

وحديث سَمُرَة أيضًا في "الدّاودي" (١) و"النّسائي" (٢)، أنّ رسول الله ﷺ ، قال: "مَنْ تَوَضَّأَ يوم الجُمُعَةَ فَبِهَا ونِعْمَتْ، ومَنِ اغْتَسَلَ فَالغُسْلُ لَهُ أَفْضَل". لغته (٣): قال أبو حاتم (٤): معناه ونِعْمَتِ الخَصْلَةُ هيَ، أي (٥) أنّ الطّهارة للصّلاة في الغسل أفضل، ومن الجَهَلَةِ والغَفَلَةِ من يرفع التّاء، وهو لحنٌ محضٌ فلا تَلْتَفِتُوا إليه. وقوله: "وَنعْمَتْ" فيه قولان: أراد ونعمت الخَلَّةُ (٦) والفعْلَة، ثمّ حَذفَ الخَلَّة اختصارًا. ويقال نِعْمت: بكسر العين وتسكين الميم، أي: نعمك الله. ما جاء في الإِنْصاتِ يَوْمَ الجُمُعَةِ والإمامُ يخطب مالكٌ (٧)، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: إذا قلتَ لصاحبِكَ أَنْصِت والإمامُ يخْطُبُ (٨) فقد لَغَوْتَ. التّرجمة: قال الشّيخ أبو عمر (٩): "بعضُ الرُّواةِ لهذا الباب يقول فيه: والإمامُ يخطُبُ يومَ الجُمعَةِ" (١٠) ففي التّرجمة تقديمٌ وتأخيرٌ عند بعض الرُّواةِ، والحديثُ الصّحيح خرّجه الأَيِمّة (١١).

стр. 903

لغته (١): قال أهل العربيّة: اللَّغو كلُّ شيء من السّلام ليس بِحَسَنٍ، قاله أبو عُبَيْدَة (٢). وقال قتادة في قوله: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (٣). قال: لا يساعدون أهلَ الباطل على باطلهم (٤). والفحش أَشدُّ من اللَّغْوِ. وقوله: "لَغَوْتَ" أي جئت بالباطل وما ليس بحقّ، واللَّغْوُ واللَّغَا لغتان. الفقه في ثلاث مسائل: المسألة الأولى (٥): قال الإمام: ولا خلاف بين العلماء من فقهاء الأمصار في وجوب الانصات للخُطْبَةِ على من سمعها، وإنّما الخلافُ فيمن لم يسمعها (٦)، أنّهم كانوا يتكلّمون والإمام يخطُب، إلَّا في حين قراءة القرآن في الخُطبَة، لقوله: ﴿وَأَنصِتُواْ﴾ (٧) خاصّة، وفِعلُهم هذا مردودٌ بالسُّنَّة. فمذهب (٨) مالكٌ والشّافعيّ (٩) والثوريّ أنّه يلزمه الإنصات، سمع أو لم يسمع، وقد كان عثمان ﵁ يقول: استمعوا وأَنْصِتُوا، فإنّ للمُنْصِتِ الّذي لا يسمع من الأجر مثل ما للمنصت السّامع (١٠). وقال ابنُ حَنْبَل: لا بأس أنّ يَدْعُوَ ويقرأ ويذكر الله من لا يسمع الخُطْبَة، يفعل هذا (١١).

стр. 904

وقال ابنُ وَهْب: من لغا كانت صلاته ظُهْرًا أربعًا, ولم تكن له جمعة، وحُرِمَ فضلها (١). المسألة الثّانية (٢): قال الإمام: وقد رخَّصَ جماعةٌ من التّابعين في الكلامِ والإمامُ يخطُبُ إذا كان من أيمّة الجَوْرِ، أو أخذ في خُطْبَتِه في غير ذِكْرِ الله. وقد كانتِ الصُّوفيّة إذا سمعت الإمامَ يثْنِي على الأمراء السُّوء، قاموا يُصلُّون أو يتكلَّمون مع إخوانهم؛ لأنّ كلامه على المِنْبَرِ بما فيه لَغْوٌ. ورُوِيَ عن الشَّعْبِيّ (٣)، والنَّخَعِيِّ وسعيد بن جُبَيْر (٤)؛ أنّهم كانوا يتكلّمون والحَجَّاج يخطُبُ، وقال بعضُهم: إنّا لم نُؤْمَر أنّ نُنصِتَ لمثل هذا الفاجر (٥). المسألة الثّالثة (٦): اختلف العلماء في ردّ الكلام، وتشميت العاطس، أو الرَّجُل يسلِّم إذا دخل والإمام يَخْطُب، هل يشمت أو يردّ السّلام، أم لا؟ فعلى قولين: قال الشّافعي (٧) وأحمد (٨) وإسحاق: يُشَمِّتُ ويَرُد السّلام. وخالَفَهُم فقهاءُ الأمصار؛ فإنَّ العاطس ينبغي له أنّ يخفض من صوته في التَّحميدِ، وينبغي للرَّجُل إذا دخل أنّ لا يسلِّمَ، فإن فعلَ ذلك فالفَرْضُ الّذي هم فيه يضادّه. وإذا (٩) جاء الإمامُ، فحُكْمُهُ أنّ يصعدَ المِنْبَرَ، ويجلس ولا يسلِّم، هذا هو المشهور من مذهب مالك. وقال ابنُ حبيب: إنّ كان ممّن إذا دخل، وقف بإزاء المِنْبَرِ، أو إلى جانب

стр. 905

المِخرَابِ (١)، فليسلِّم على النّاس عن يمينه وعن شماله. وقال الشّافعيّ: يُسَلِّم إذا جلس على المِنْبَرِ (٢). والدّليلُ على ما ذهب إليه مالكٌ من عمل اْهلِ المدينة المتَّصِل في ذلك، وهو حُجَّةٌ قاطعةٌ (٣). قال الإمام: قول ابن شهاب (٤) "إنّ خروج الإمامِ يقطعُ الصّلاةَ، وكلامُه يقطعُ الكلامَ" هو تفسير لحديثِ ثَعْلَبَة (٥) وتقديرٌ لمعناه (٦). ما جاءَ فيمنْ أدركَ ركعةً يومَ الجُمعةِ قوله (٧): "مَنْ أَدْرَكَ رَكَعَةً مِن صَلَاةِ الْجُمُعَةِ" في ذلك أربع مسائل: المسألة الأولى (٨): هو أنّ يُدْرِك بعض الخُطْبَةِ، فهذا لا خلافَ فيه أنّه أدرك الجمعة. هو أنّ تفوته جميع الخطبة، فعندنا والّذي عليه فقهاء الأمصار أنّ صلاته صحيحة تامّة. تنبيه على وهم (٩): قال الإمام: وقد زعم عطاء؛ أنّ من فاتته الخُطْبة فقد فاتته الصّلاة. وهذه

стр. 906

وهلةٌ؛ لأنّ النّبيَّ ﷺ يقول: "مَنْ أدركَ من الصَّلاةِ ركعةً فقد أَدْرَكَ الصَّلاة" (١). ففهَّمَكَ أنّ الخطبة بَدَلٌ من الرّكعتين، أليس من أدركَ ركعةً مِنَ الظُّهر يكون مُدْرِكًا لها. فإن قال: إذا أدركَ ركعةً فقد أدرك طَرَفًا من الصّلاة. قلنا: بل ذلك في جميع فعل الصّلاة، وهذا عامٌّ إلَّا ما خَصَّهُ الدَّليل. ومن جهة المعنى: أنّ هذه صلاة، فَوَجَبَ أنّ تُدْرَكَ مع الإمام، بإدراك ركعة (٢) منها كسائر الصّلوات. المسألة الثّالثة (٣): هو أنّ يدركَ الإمامَ جالسًا، قال: فذهب مالكٌ والشّافعيّ (٤) وجماعة من الفقهاء إلى أنّ الجمعة قد فاتته، وعليه أنّ يصلِّي ظهر أربعًا. وقال أبو يوسف وأبو حنيفة (٥): يصلِّي ركعتين لأنّه مُدْرِكٌ للجمعة، يعني أنّ الجمع لم يفترق. ودليلنا على ذلك أنّ نقول: إنّ هذا لم يُدْرِك من صلاة الإمام ما يعتدُّ به، فلم يكن مُدْرِكًا لها، كما لو لم يدركه إلَّا بعد السّلام. المسألة الرّابعة (٦): قوله (٧): "فِي الَّذِي يُصْيبُهُ زِحَامٌ" الظّاهر أنّ الزِّحامَ يكون (٨) في الرَّكْعَةِ الأُولَى بعد أنّ رفع رأسه من ركوعها فلم يَقْدِر على السُّجود، فإن قدرَ على السُّجود والإمامُ قائمٌ في الثّانية سَجَدَ، وإن لم يقْدِر حتّى فرغ الإمامُ، فعليه أنّ يصلِّي ظُهْرًا.

стр. 907

ويتعلّق بهذا الباب أسبابٌ أربعةٌ: الأوّل: في بيان السّبب الّذي يجب به اتِّباع الإمام. والثّاني: في اختلاف محلِّ الأسباب. والثّالث: في بيان ذوات الاتِّباع فيما يجب فيه. والرّابع: فيما يدركه (١) المصلِّي. أمّا الأوّل فعلى ثلاثة أضرب: نعاس، وغفلة، وزحام. فأمّا النّاعس والغافل، فلم يختلف قول مالكٌ وأصحابه في أنّهما يتبعان الإمام. واختلفوا في المزاحم، فقال مالكٌ: يتبعُ الإمامَ، وعلى ذلك أصحابنا، غير ابن القاسم وأَصْبَغ في رواية ابنِ حبيب عنهما؛ أنّ المزاحم لا يتبع الإمام بوجهٍ. ورَوَى سحنون عن ابن القاسم أنّ المزاحم يتبع الإمام. والصحيح: أنّه لا يتبعه؛ لأنّه قد خرج عن حكم الاقتداء به. باب فِيمَنْ رَعَفَ يَوْمَ الجُمُعَةِ في هذا الباب مسألتان (٢): المسألة الأولى (٣): في قوله (٤): "لَيْسَ عَلَيهِ أَنْ يَستَأذِنَ الإمَامَ" به قال جمهورُ الفقهاء المشهورين، وذهب قومٌ من التّابعين إلى أنّه لا يخرج حتّى يستأذن. والدّليل على صحّة ما ذهب إليه الجمهور: أنّ الإمامَ إنّما يُستَأذَنُ فيما فيه النّظر إليه (٥) والمنع منه؛ لأنّ ذلك فائدة الاستئذان، وما ليس له منعه فلا يُسْتَأْذَن فيه، ولذلك لا يستاذنه النّاس (٦).

стр. 908

بابُ: ما جاء في السَّعْيِ يوم الجمعة قال الإمام: صدَّر مالكٌ ﵀ في هذا الباب (١) بالآية الّتي سُئِلَ عنها ابن شهاب (٢)، وفيها تسع مسائل: المسألة الأولى (٣): في قوله: ﴿إِذَا نُودِيَ﴾ النِّداءُ هو الأَذَانُ، وقد كان الأذَانُ على عهد رسولِ الله ﷺ في الجمعة كما في سائر الصلوات، يؤذِّن (٤) واحد إذا جلس النّبي ﷺ على المنبر، وكذلك كان يفعل عمر وعلىّ بالكوفة. ثمّ إنّ عثمان زاد أذَانًا ثانيًا على الزَّوْرَاء حين كَثُرَ النَّاسُ بالمدينة، فإذا سمعوه أقبلوا، حتّى إذا جلس عثمان على المِنْبَرِ، أذَّنَ مؤذِّن النَّبىِّ ﷺ ، ثمّ يخطُبُ عثمان. وفي الحديث الصّحيح (٥)؛ أنّ الأذان كان على عهد رسول الله ﷺ واحدًا، فلمّا كان زَمَنُ عثمان، زاد النداء الثّاني (٦) على الزَّوراء حين كَثُرَ النّاسُ بالمدينة، فإذا سمعوا (٧) أقبلوا، حتّى إذا جلسَ عثمان على المِنْبَرِ، أَذَّنَ مؤذِّنُ النَّبىِّ ﷺ ، ثمّ يخطُب عثمان، وسمّاه أهلُ الحديث ثالثًا؛ لأنّه أَضافهُ إلى الإقامة، فجعله ثالثًا، كما قال ﵇: "بينَ كلِّ أذانَيْنِ صلاةٌ لمَنْ شاءَ" (٨) يعني: الأذانُ والإقامةُ؛ فتوهَّمَ النّاسُ أنّه أذان ثَالثٌ (٩)، فجَعَلُوا المؤذِّنين ثلاثة، فكان وَهْمًا، ثم جمعوهم في وقتٍ واحدٍ، فكان وَهْمًا على وَهمٍ، ورأيتهم بمدينة السّلام (١٠) يؤذِّنون بعد أذان المنار بين يدي الإمام تحت المِنْبَر في جماعة، كما كان يُفْعَلُ عندنا في الدُّوَل الماضية؛ وكلُّ ذلك مُحْدَثٌ. المسألة الثّانية (١١): قوله ﴿لِلصَّلَاةِ﴾.

стр. 909

قال الإمام: يعني بذلك الجمعة دون غيرها. قال بعض العلماء: كونُ الصّلاة هاهنا الجمعة معلومٌ بالإجماعِ لا مِنْ تفسير اللّفظ. وعندي أنّه معلومٌ من نفس الصّلاة لنكتة، وهي قوله: ﴿مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ وذلك يُفِيدُه؛ لأنَّ النِّداء الّذي يختصُّ بذلك اليوم هو نداءُ تلك الصّلاة، فأمّا غيره (١) فهو عامٌ في سائر الأيام. وقال بعضُ علمائنا: كان اسم الجمعة في العرب الأوّل عَرُوبَة، فسماها الجمعة كَعْب بن لُؤَيّ؛ لاجتماع النّاس فيها إلى كعب (٢). المسألة الثّالثة (٣): قوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٤). اختلفَ العلماءُ في معناه على أربعة أقوال: القولُ الأوّل - قيل: المرادُ به النِّية، قاله الحسن (٥). القول الثّاني - قيل: إنّه العمل (٦)، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ الآية (٧). وكقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ (٨) وهذا قول الجمهور. القولُ الثّالث - قيل: المراد به السّعي على الأقْدَام (٩). ويحتمل ظاهِرُهُ رابعًا: وهو الاشتدادُ والجَرْيُ، وهو الّذي أنكره الصّحابة الأعلمون، والفقهاء الأقدمون، قرأها عمر ﴿فامضوا﴾ الآية (١٠)، فرارًا عن طريق

стр. 910

الجَرْيِ والاشتداد الّذي يَدُلُّ عليه الظّاهر. وقرأها ابن مسعود كذلك، وقال لو قرأت ﴿فَاسْعَوْا﴾ لسعيت حتّى يسقط رِدَائِي (١). وقرأها ابن شهاب: ﴿فامضوا إلى ذكر الله﴾ (٢) سَالِكًا تلك السُّبُل، وهو كلُّه تفسيرٌ منهم، لا قراءة قرآنٍ منزلٍ، وجائزٌ قراءةَ القرآن بالتفسير في معرض التّفسير. والسّعي إلى الجمعة عند مالكٌ (٣) هو الفعل والعمل. ومعنى قوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٤) أي افعلوا، وهو المشيُ لإفائدةٍ، غير أنّه جملة السّير، وقد تقدّم هذا القول. وفيه ابن (٥) رِفَاعَة قال: أَدْركَنِي أبو عَبْسٍ وأنا أذهبُ إلى الجمعة، فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ في سبيلِ اللهِ حَرَّمَهُمَا اللهُ على النَّارِ" (٦). وفيه أبو هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أقيمت الصّلاة فلا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَعَلَيكُمُ السَّكينَةُ وَالوَقَارُ" الحديث (٧). وفيه أبو قَتَادَة، قال النّبيُّ ﷺ : "لا تَقُومُوا حتَّى تَرَوْنِي وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَة" (٨). المسألة الرّابعة (٩): قال علماؤنا (١٠): السّعيُّ إلى الجمعة واجبٌ على كلِّ من تلزمه الجمعة، وقد

стр. 911

يباحُ التَّخلُّف عند الأعذار. ورَوَى ابنُ القاسم عن مالك؛ أنّه قال: لا يجوز أنّ يتخلّف عنها. وروى عنه، أنّه يجوز (١) أنّ يتخلّف عنها لجنازة أخٍ من إخوانه ينظر في أمره. وقال ابن حبيب: ويتخلّفُ لغَسْلِ ميِّت عنده، أو مريض يخاف عليه الموت. واختلف علماؤنا في تخلُّف العروس والمجذوم عنها (٢)، وفي اليوم المطير: فقيل: يأتي، وقيل: لا يأتي (٣). المسألة الخامسة (٤): إذا ثبت هذا، فللسَّعْيِ إليها وقتان: ١ - وقت استحبابٌ، وقد تقدَّمَ ذلك. ٢ - ووقت وجوب، وهو وقت النّداء، إذا جلس الإمامُ على المنبر. هذا الّذي حكاه عبد الوهّاب (٥)، ويجب أنّ يكون في ذلك تفصيل: وذلك أنّا إذا قلنا: إنّ حضور الخُطبة واجبٌ، فيجب رواحه بمقدار ما يعلم أنّه يصل ليحضر الخطبة. وإن قلنا: إنّ ذلك غير واجبٍ، فيجب عليه الرّواح بمقدار ما يدرك الصّلاة، وقد رأيت لابن شعبان مثله. المسألة السادسة (٦): قوله: ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٧). اختلف العلماء فيه: فقيل إنّه الخُطْبَة (٨). وقيل: إنه الصّلاة.

стр. 912

والصّحيحُ أنّه الجميع، أَوَّلُه الخُطبة، فإنها تكون عَقِبَ النِّداء، وهذا يدلُّ على وجوب الخُطْيَةِ، وبه قال علماؤنا، إلَّا عبد الملك بن المَاجِشُون فإنّه رآها سُنَّة. والدّليلُ على وجوبها: أنّها تُحَرِّمُ البَيْعَ، ولولا وُجُوبُها ما حَرَّمَت (١)؛ لأنّ المُسْتَحَبَّ لا يحرمُ (٢). واختلف النّاس في صِحَّةِ الخُطْبَةِ دُون جماعةٍ (٣). فقيل هي شرطٌ، وقد تقدّم. المسألة السابعة (٤): قوله: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٥). هذا مُجْمَعٌ على العمل به، ولا خلاف في تحريم البيع. واختلف العلماء فيه إذا وقع, فوقع (٦) في "المدوّنة" (٧) أنّه يُفْسَخ. وقال المُغِيرة: يُفْسخ ما لم يفت، وقاله (٨) ابن القاسم في "الواضحة"، وقاله أشهب أيضًا: البيعُ ماضٍ، وهو نصّ قوله في "المجموعة". وقال الشّافعيّ: يفسخ بكلِّ حال (٩)، وهو الصّحيح، فَسْخُه على أي وجهٍ وقَعَ. والنِّداء الّذي يحرمُ به البيع هو النِّداء والإمام على المنبر (١٠). المسألة الثّامنة (١١): واختلف العلماءُ في عَقدِ النِّكاح: فقيل: إنّه مثل البيع يُفْسَخُ (١٢).

стр. 913

ووجه القول فيه: أنّ الفساد في العَقْدِ لا في العرضِ (١) المسألة التّاسعة: إذا ثبت هذا، فالسَّعيُ إلى الجمعة يجبُ على من كان على ثلاثة أميال من المدينة، لوجهين: أحدهما (٢): أنّ أهل العَوَالِي كانوا يأتونَها في عَهدِ النَّبيِّ ﷺ ، والعادة أنّ يسمع النِّداء من رَجُلٍ صَيِّتٍ من ثلاثة أميال وما قرب منها، وهذا هو الصّحيح (٣)، وما قيل فيه من الأقوال لا يصحّ منها شيءٌ. ما جاء في الإمام يّنْزِلُ بِقَرْيَةٍ يومَ الجمعة فيه مسائل: المسألة الأولى (٤): ١ - قوله (٥): "إِذَا نَزَلَ الإمَامُ بِقَرْيَةٍ" هذا كما قال؛ لأنّ شروط الجمعة قد وجدت، والإمام وإن كان مسافرًا فإنّ وَالِيه النّائب عنه مستوطنٌ تجِبُ عليه الجمعة، فإذا كانتِ الجمعةُ تجبُ بحقِّ النِّيابة عن الإمام، وجبت أيضًا على الإمام الّذي ينوب عنه الوالي. والفرقُ بين الجمعةِ والقَصْر، أنّ من كان فَرْضه الإتمام أَتَمَّ (٦) وراء من يقصر، ومن كان فرضه في الجمعة أنّ يصلِّي أربعًا لم يجز له أنّ يصلِّيها وراءَ من يصلِّي الجمعة. والمستحبُّ عند علمائنا؛ أنّ يصلِّي بهم الإمامُ دون الوَالي؛ لأنّ القرية المجتمع بها من عمله ونظره، وإنّما ينوبُ الوالي عنه مع غيبته، فهذا حضر كان أحق بالصّلاة.

стр. 914

فإن صلَّى الوالي جازتِ الصّلاةُ، كما لو استخلفَ الإمام (١) في وطنه من يصلِّي الجمعة وهو حاضر. المسألة الثّانية (٢): قال ابنُ القاسم: لا يؤُمُ المسافرُ النُّزَلاَءَ ولا مُسْتَخلفًا (٣). وقال أشهب وسحنون: يؤمُّ الحالتين (٤). وقال ابن المَاجِشُون ومُطَرِّف لا يؤُمُّ مستخلفًا ولا يَؤمُّ ابتداءً، لقوله: "لَا جُمُعَةَ عَلَى مُسَافِرٍ" (٥). المسألة الثّالثة: في أوّل جمعة جمعت وأين جمعت؟ فعلى ثلاثة أقوال: القولُ الاول - قيل: إنّ أوّل جمعة جُمِعَتْ بِجُوَاثَي (٦). القولُ الثّاني - قيل: إنّ أوَّلَ جمعة جُمِعَت في بني سالم، بعدَ قُدُومِ النَّبيِّ صلّى الله عليه (٧). القول الثّالث: وهو الاشهر, أنّ أوّل جمعةٍ جُمِعَت ببني النّبيت (٨). وقد قدّمنا ذلك في أوّل الكتاب. المسألة الرّابعة (٩) اختلفَ العلماءُ هل هي الظُّهر أوغيرها:

стр. 915

فقال الشّافعيّ: ظُهرٌ حتّى يصحّ أداء الظّهر بتحريمة (١) الجمعة، نصَّ عليه, ويدلُّ عليه قول مالكٌ في يوم الخميس والجمعة في "المدوّنة" المسألة المذكورة (٢). وقال أبو حنيفة: هي صلاة غير الظّهر، وهو الأصحّ؛ لأنّ الصّلاتين مختلفتان في الشّروط، والأصل بمكّة الظُّهر، ثم صارت (٣) الجمعة بالمدينة وغيرها. ويحتمل أنّ تكون الجمعة الأصل؛ لأنّها (٤) سقطت لعدم القدرة عليها (٥)، ولأجل هذا إذا تعذّرت الجمعة صلِّيت ظُهْرًا. المسألة الخامسة (٦): اتّفق العلماء عن بَكْرَةِ أبيهم على (٧) أنّ الجمعة لا تجب إلّا بعد الزَّوال. وقال أحمد بن حنبل (٨): تصلّى قَبْلَ الزَّوالِ؛ لأنّها تُشْبه صلاة العيد، وقد خالف في ذلك الجمهور، وقد بيَّنَّاهُ في أوّل الكتاب، فَلينْظَر هنالك. المسألة السّادسة: هل يرفع الخطيب يَدَيْه على المِنْبَرِ أم لا؟ قال علماؤنا: رفع الأيدي على المنبر للدُّعاءِ جائزٌ إذا احتاج الإمام إليه. وفي (٩) "البخاريّ" (١٠) عن أنس قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يخطُبُ يومَ الجمعةِ، إذ قامَ رجلٌ فقال: يا رسول الله، هَلَكَتِ الكُرَاعُ، هَلَكَتِ الشَّاءُ، فَادعُ اللهَ لَنَا أَن يَسْقِينَا، فمدَّ يَدَيَهْ ﷺ وَدَعَا.
следующие страницы →