يباحُ التَّخلُّف عند الأعذار.
ورَوَى ابنُ القاسم عن مالك؛ أنّه قال: لا يجوز أنّ يتخلّف عنها. وروى عنه، أنّه يجوز (١) أنّ يتخلّف عنها لجنازة أخٍ من إخوانه ينظر في أمره.
وقال ابن حبيب: ويتخلّفُ لغَسْلِ ميِّت عنده، أو مريض يخاف عليه الموت.
واختلف علماؤنا في تخلُّف العروس والمجذوم عنها (٢)، وفي اليوم المطير: فقيل: يأتي، وقيل: لا يأتي (٣).
المسألة الخامسة (٤):
إذا ثبت هذا، فللسَّعْيِ إليها وقتان:
١ - وقت استحبابٌ، وقد تقدَّمَ ذلك.
٢ - ووقت وجوب، وهو وقت النّداء، إذا جلس الإمامُ على المنبر. هذا الّذي حكاه عبد الوهّاب (٥)، ويجب أنّ يكون في ذلك تفصيل: وذلك أنّا إذا قلنا: إنّ حضور الخُطبة واجبٌ، فيجب رواحه بمقدار ما يعلم أنّه يصل ليحضر الخطبة. وإن قلنا: إنّ ذلك غير واجبٍ، فيجب عليه الرّواح بمقدار ما يدرك الصّلاة، وقد رأيت لابن شعبان مثله.
المسألة السادسة (٦): قوله: ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٧).
اختلف العلماء فيه:
فقيل إنّه الخُطْبَة (٨).
وقيل: إنه الصّلاة.
стр. 912
والصّحيحُ أنّه الجميع، أَوَّلُه الخُطبة، فإنها تكون عَقِبَ النِّداء، وهذا يدلُّ على وجوب الخُطْيَةِ، وبه قال علماؤنا، إلَّا عبد الملك بن المَاجِشُون فإنّه رآها سُنَّة.
والدّليلُ على وجوبها: أنّها تُحَرِّمُ البَيْعَ، ولولا وُجُوبُها ما حَرَّمَت (١)؛ لأنّ المُسْتَحَبَّ لا يحرمُ (٢).
واختلف النّاس في صِحَّةِ الخُطْبَةِ دُون جماعةٍ (٣). فقيل هي شرطٌ، وقد تقدّم.
المسألة السابعة (٤): قوله: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٥).
هذا مُجْمَعٌ على العمل به، ولا خلاف في تحريم البيع.
واختلف العلماء فيه إذا وقع, فوقع (٦) في "المدوّنة" (٧) أنّه يُفْسَخ. وقال المُغِيرة: يُفْسخ ما لم يفت، وقاله (٨) ابن القاسم في "الواضحة"، وقاله أشهب أيضًا: البيعُ ماضٍ، وهو نصّ قوله في "المجموعة".
وقال الشّافعيّ: يفسخ بكلِّ حال (٩)، وهو الصّحيح، فَسْخُه على أي وجهٍ وقَعَ.
والنِّداء الّذي يحرمُ به البيع هو النِّداء والإمام على المنبر (١٠).
المسألة الثّامنة (١١):
واختلف العلماءُ في عَقدِ النِّكاح:
فقيل: إنّه مثل البيع يُفْسَخُ (١٢).
стр. 913
ووجه القول فيه: أنّ الفساد في العَقْدِ لا في العرضِ (١)
المسألة التّاسعة:
إذا ثبت هذا، فالسَّعيُ إلى الجمعة يجبُ على من كان على ثلاثة أميال من المدينة، لوجهين:
أحدهما (٢): أنّ أهل العَوَالِي كانوا يأتونَها في عَهدِ النَّبيِّ ﷺ ، والعادة أنّ يسمع النِّداء من رَجُلٍ صَيِّتٍ من ثلاثة أميال وما قرب منها، وهذا هو الصّحيح (٣)، وما قيل فيه من الأقوال لا يصحّ منها شيءٌ.
ما جاء في الإمام يّنْزِلُ بِقَرْيَةٍ يومَ الجمعة
فيه مسائل:
المسألة الأولى (٤):
١ - قوله (٥): "إِذَا نَزَلَ الإمَامُ بِقَرْيَةٍ" هذا كما قال؛ لأنّ شروط الجمعة قد وجدت، والإمام وإن كان مسافرًا فإنّ وَالِيه النّائب عنه مستوطنٌ تجِبُ عليه الجمعة، فإذا كانتِ الجمعةُ تجبُ بحقِّ النِّيابة عن الإمام، وجبت أيضًا على الإمام الّذي ينوب عنه الوالي. والفرقُ بين الجمعةِ والقَصْر، أنّ من كان فَرْضه الإتمام أَتَمَّ (٦) وراء من يقصر، ومن كان فرضه في الجمعة أنّ يصلِّي أربعًا لم يجز له أنّ يصلِّيها وراءَ من يصلِّي الجمعة.
والمستحبُّ عند علمائنا؛ أنّ يصلِّي بهم الإمامُ دون الوَالي؛ لأنّ القرية المجتمع بها من عمله ونظره، وإنّما ينوبُ الوالي عنه مع غيبته، فهذا حضر كان أحق بالصّلاة.
стр. 914
فإن صلَّى الوالي جازتِ الصّلاةُ، كما لو استخلفَ الإمام (١) في وطنه من يصلِّي الجمعة وهو حاضر.
المسألة الثّانية (٢):
قال ابنُ القاسم: لا يؤُمُ المسافرُ النُّزَلاَءَ ولا مُسْتَخلفًا (٣).
وقال أشهب وسحنون: يؤمُّ الحالتين (٤).
وقال ابن المَاجِشُون ومُطَرِّف لا يؤُمُّ مستخلفًا ولا يَؤمُّ ابتداءً، لقوله: "لَا جُمُعَةَ عَلَى مُسَافِرٍ" (٥).
المسألة الثّالثة: في أوّل جمعة جمعت وأين جمعت؟
فعلى ثلاثة أقوال:
القولُ الاول - قيل: إنّ أوّل جمعة جُمِعَتْ بِجُوَاثَي (٦).
القولُ الثّاني - قيل: إنّ أوَّلَ جمعة جُمِعَت في بني سالم، بعدَ قُدُومِ النَّبيِّ صلّى الله عليه (٧).
القول الثّالث: وهو الاشهر, أنّ أوّل جمعةٍ جُمِعَت ببني النّبيت (٨). وقد قدّمنا ذلك في أوّل الكتاب.
المسألة الرّابعة (٩)
اختلفَ العلماءُ هل هي الظُّهر أوغيرها:
стр. 915
فقال الشّافعيّ: ظُهرٌ حتّى يصحّ أداء الظّهر بتحريمة (١) الجمعة، نصَّ عليه, ويدلُّ عليه قول مالكٌ في يوم الخميس والجمعة في "المدوّنة" المسألة المذكورة (٢).
وقال أبو حنيفة: هي صلاة غير الظّهر، وهو الأصحّ؛ لأنّ الصّلاتين مختلفتان في الشّروط، والأصل بمكّة الظُّهر، ثم صارت (٣) الجمعة بالمدينة وغيرها. ويحتمل أنّ تكون الجمعة الأصل؛ لأنّها (٤) سقطت لعدم القدرة عليها (٥)، ولأجل هذا إذا تعذّرت الجمعة صلِّيت ظُهْرًا.
المسألة الخامسة (٦):
اتّفق العلماء عن بَكْرَةِ أبيهم على (٧) أنّ الجمعة لا تجب إلّا بعد الزَّوال.
وقال أحمد بن حنبل (٨): تصلّى قَبْلَ الزَّوالِ؛ لأنّها تُشْبه صلاة العيد، وقد خالف في ذلك الجمهور، وقد بيَّنَّاهُ في أوّل الكتاب، فَلينْظَر هنالك.
المسألة السّادسة: هل يرفع الخطيب يَدَيْه على المِنْبَرِ أم لا؟
قال علماؤنا: رفع الأيدي على المنبر للدُّعاءِ جائزٌ إذا احتاج الإمام إليه.
وفي (٩) "البخاريّ" (١٠) عن أنس قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يخطُبُ يومَ الجمعةِ، إذ قامَ رجلٌ فقال: يا رسول الله، هَلَكَتِ الكُرَاعُ، هَلَكَتِ الشَّاءُ، فَادعُ اللهَ لَنَا أَن يَسْقِينَا، فمدَّ يَدَيَهْ ﷺ وَدَعَا.
стр. 916
وقد رُوِيَ رفع اليدين عن جماعةٍ كبيرةٍ (١) من العلماء.
العربية (٢):
قال الإمام: الكرَاعُ فيه كلامٌ. وأصله؛ أنّ الكرَاعَ هي القوائم، وكأنّه عَبَّرَ به عن ذوات الأربع. وتحقيقه: أنّ الكُرَاعَ من الإنسان ما دُونَ الرُّكْبَة، ومن الدُّوابَّ الكَعْب، وهو الوَظِيفُ (٣)، والكُرَاعُ أيضًا السِّلاَحُ، وفيه كلامٌ كثير، يأتي بيانُه في "كتاب الاستسقاء" إنّ شاء الله.
وقد توقَّفَ مالكٌ في رفع اليَدَيْن فقال: إنّ كان الرَّفْعُ فهكذا، وجعل بطونهما ممّا يلي الأرض وظهورهما ممّا يلي السّماء، كأنه فعل راهبٍ خائفٍ، وغيرُه يجعل بطونَهُما ممّا يلي السّماء فعل الطَّالِبِ إذا طَلَبَ.
المسألة السّابعة (٤):
الخُطْبَةُ على المِنْبَر سُنَّةٌ ماضيةٌ؛ رُوِيَ عن ابن عمر؛ أنّ النّبيَّ ﷺ كان يخطُبُ إلى جِذْعٍ، فلما اتَّخذَ النّبيُّ ﷺ مِنْبَرًا حَنَّ الجِذْعُ، حتَّى أتَاهُ فالْتَزَمَهُ، فَسَكَنَ (٥).
حديث حسن صحيحٌ (٦).
وخرَّجَ البخاريُّ (٧) عن سَهْل بن سَعْد؛ أنّ النّبيَّ ﵇ كان يَخطُبُ عَلَى جِذْعٍ، ثم أنّه أرسل إلى امرأةٍ أَنْ مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ يَعْمَلُ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهَا إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ.
قال الإمام الحافظ: قد بَيَّنَا في "كتب الأصول" و"أنوار الفجر" أنَّ للنَّبىِّ ﷺ أَلْفَ مُعْجِزة، جمعناها، وهي علي قسمين: منها ما هي في القرآن وهو تواتر (٨)، ومنها نقل آحاد، ومجموعها خَرْقُ العادةِ على يَدَيْه، وعلى وجهٍ لا ينبغي إلَّا لنَبِيِّ
стр. 917
يتَحَدَّى (١) بها، فحنين (٢) الجِذْع اليابسِ وأنينه أغرب من اخْضرَارِهِ وإثماره؛ فإن الإثمار يكون فيه بطبعه (٣)، والحنين والأنين لا يكون في جِنْسِهِ (٤) بحالٍ، وإنّما حَنَّت على فَقدِ ما كانت تأْنَس بِه من الذِكْرِ وَخُصَّتْ به من الشَّرَفِ وَالبَرَكَةِ.
المسألة الثامنة (٥):
قال علماؤنا: القَصدُ من الخُطْبة الإسماع (٦)، وذلك يكون بالعُلُوِّ على المكان الّذي يكون منه السّماع عادةً، ولأجل هذا جُعِلَ الأذانُ على موضعٍ مُرتَفعٍ ليكون أسمع، وجُعِلَ موضع الخُطْبَة دُونَه لمن اجتمع. ولو خطب على الأَرض جازَ عند جماعة العلماء، كما كان النّبيّ ﷺ يفعل قبل أنّ يتَّخِذَ المِنْبَرَ.
قال الإمام: والعُلُوُّ على ارتفاع أعوادٍ (٧) للخُطْبَة أفضلُ؛ لأنّه أسمع.
المسألة التّاسعة (٨):
قال علماؤنا (٩): إذا كان الخَليفَةُ هو الّذي يخطُبُ، فسُنَّتُه أنّ يجلسَ على المِنْبَرِ. وإذا خطَبَ غير الخليفة (١٠)، قام إنّ شاء على المِنْبَرِ، وإن شاء على الأرض. وكان أبو بكر الصّديق ينزلُ في المِنبَرِ درجةً من مقامِ رسولِ الله ﷺ ، ولم ير نفسه أهلًا لمَوضع النَّبيِّ ﷺ ، وكذلك فعلَ عمر نزل بعد أَبى بكر درجةً أُخرَى تَوَاضُعًا منه أيضًا.
المسألةُ العاشرة (١١):
قال علماؤنا: لا تُجْزِىء الخُطبةُ عندنا إلَّا قائمًا، لفعلِ النّبيِّ ﷺ قال أنس: كان
стр. 918
النّبي صلّى الله عليه يخطُبُ قائمًا (١)، ولقوله: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (٢).
وقال أبو حنيفة: تجزئ الخُطْبة قاعدًا؛ (٣) لأنّ القَصْدَ الإسماع وقد حصلَ.
قلنا: صحَّ من حديث ابن (٤) سَمُرَةَ؛ أنّ النّبيَّ ﷺ خَطَبَ قائمًا، ثم قَعَدَ قعدةً لا يتكلّم (٥). فمَنْ أخبر (٦) أنّ النَّبىَّ خَطَبَ قاعدًا فلا تصدِّقه.
قال الإمام: وملازمةُ النّبيِّ ﷺ ، والصّحابة القيام أصلٌ في الوجوبِ المختصِّ به، والعمدةُ فيه ما قدَّمناهُ من قوله: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ فَذَمَّهُم، وذلك دليل الوجوب المختصّ به، لا سيّما وقد قلنا إنه عِوَضٌ من الرَّكعتين، والقيامُ واجبٌ في العِوَضِ، فوجب في المُعَوّضِ.
المسألة الحادية عشر:
قال علماؤنا: ولابدَّ للخطيب أنّ يجلسَ بين الخُطبَتَيْن؛ لأنّها عند مالك إمام دار الهجوة سُنَّةٌ. وعند الشّافعيّ (٧) وإجبة. وعند أبي حنيفة بالخِيَارِ إنّ شاء فَعَلَ، وإن شاء لم يفعل.
والعمدةُ فيه: إنّما قصرت الجمعة لأجل الخُطْبَة، فجاء من هذا أنّ الخُطْبَة عِوَضٌ من الرَّكعتين، والجمعة ركعتان، ولابدَّ فيهما من الجلوس ليفصل بينهما بسكوتٍ.
المسألة الثّانية عشر (٨):
قال علماؤنا: والخُطبَةُ عندنا كلامٌ له بالٌ، وأقلّه الحمدُ لله والصّلاة على رسوله، ويحذِّر ويبشّر (٩).
وقال بعضُ القَرَوِييِّن: لابدّ أنّ يأتي في خُطْبَتِه بسَجْعٍ تنتظمُ به خطبته. وتكونُ
стр. 919
قَصْدًا، وصلاتُه أيضًا قصدًا؛ (١) لأنّ من فقه الرّجل قصر خطبته وطُول صلاته (٢).
وحَكَى المؤرِّخون عن عثمان كذبة عظيمة؛ أنّه صَعِدَ المِنْبَرَ فَأُرْتجَ عليه، فقال كلامًا منه: وأنتم إلى إمام فَعَّالٍ أَحْوَج منكم إلى إمام قَوَّالٍ (٣)، فيا لِله لقائل هذا وللعقول (٤)، إنّ أقَلَنَّا اليوم لا يُرْتَجُ عليه، فكيف عثمان؟ لا سيّما وأقوى أسباب الحَصْر في الخُطْبَة أنّه لا يدري (٥) ما يُرْضِي السّامعين ويستميل (٦) قلوبهم؛ لأنّه يقصد الظهور عندهم. ومن كانت خطبته لله، فليس يُحصَر عن حَمْدٍ وصلاةٍ، وحَضً على فعلِ خيرٍ، وتحذيرٍ من شَرِّ أي شيء (٧) كان، ولم يخلق من يحصر إلّا من كان له غرض غير الحقِّ، فربّما أعانه عليه بالفصاحة فتنة، وربّما خَلَقَ اللهُ له العِيَّ في ذلك المقام (٨).
وقوله (٩): "كانَتْ صَلاَتُهُ قَصْدًا، وخُطْبَتُهُ قَصدًا" والقصدُ في العربيّة: كلُّ شيءٍ جاء على وجه الحقِّ.
المسألة الثّالثة عشر (١٠):
قال علماؤنا: ويقرأُ الخطيب القرآنَ على المِنْبَرِ في خطبته، وبه قال الشّافعيّ (١١)، ولو لم يقرأه أعادَ الخُطْبَة، ولو اقتصر على القرآن لأجزَأَهُ.
стр. 920
وقد خرّج الترمذي (١)، عن جابر بن سَمُرَة؛ أنّ النّبيّ ﷺ قرأَ عَلَى المِنْبَرَ: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ (٢). وقد خرّج الأيِمَّة (٣)، عن أمِّ هشام ابنة حارثة بن النُّعمان، قالت: حفظتُ مِن في رسول الله ﷺ على المِنْبَرِ يوم الجمعة ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ (٤).
ما جَاء في السّاعة الّتي في يومِ الجُمُعَة
مالك (٥)، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرة؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: "فِيهِ سَاعَةٌ لاَ يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مسلِمٌ، وَهُوَ قَائِمٌ يصَلِّي، يَسأَلُ اللهَ شيئًا, إلا أَعطَاهُ إِيَّاهُ" وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا.
الإسناد (٦):
هكذا يقول عامة رواة "الموطَّأ" (٧): "وَهُوَ قَائِمٌ يصَلِّي"، وأسقط بعض الرُّواة "يُصَلِّي" (٨) وأثبتها بعضهم، وهي ثابتة في حديث أبي الزِّناد (٩). وكذلك رواها (١٠) قُتَيْبَة بن سعيد (١١)، وابن أبي أُوَيْس (١٢)، وأبو مُصْعَب (١٣).
الفوائد فيه خمسٌ: الفائدة الأولى:
فيه من الفقه: أنّ في يوم الجمعة ساعة هي (١٤) أفضل السّاعات، وفضل اليوم
стр. 921
على سائر الأيام، وإذ جازَ أنّ يكون يوم أفضل من يومٍ، جاز أنّ تكون ساعة أفضل من ساعة، والفضائل لا تُدْرَكُ بالقِيَاسِ، وإنّما تدرك من لَفْظِ الشّارع لا غير، والله يفضِّل ما يشاء على ما يشاء ويختاروله الخِيَرَة (١).
الفائدة الثّانية (٢):
قوله: "سَاعَةٌ" يقتضي جزءًا من اليوم غير مُقَدَّرٍ ولا مُعَيَّنٍ، وبيان ذلك ما أشار إليه من تقليلها, ولو كانت مُقَدَّرَة لما كان لتقليلها معنى.
الفائدة الثّالثة: قوله: "لاَ يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ".
قال علماؤنا: هذا تخصيصٌ، والدُّعاءُ للمسلمين بالإجابة في تلك الصّلاة, والموافقة لا تكون إلَّا لأهل السّعادة من عباده المؤمنين.
الفائدة الرّابعة (٣): قوله: "وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلَّي"
قال علماؤنا (٤): قوله: "قَائِمٌ" يحتملُ القيامَ المذكور المعروف.
ويحتمل أنّ يكون القيام هنا المواظبة على الشّيء والملازمة, من قوله: ﴿إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ (٥) أي مواظبًا، والاقتصار على هذا التّأويل تُخَرَّجْ جميع الأقاويل (٦).
ولا يبعدُ أنّ تكون بعد العَصْرِ.
الفائدة الخامسة (٧): قوله "يُصَلِّي"
اختلفَ العلماءُ في تأويل هذا اللَّفظ كاختلافهم في تَعْيِينِ السّاعة
فقيل: أنّ يصلِّي بمعنى أنّ له حُكم المُصَلِّي.
ويصلحُ أنّ يُتَأوَّلَ أيضًا "يُصَلِّي" بمعنى يَدْعُو، وذهب إلى ذلك جماعة من المُتَأخِّرينَ في معنى "يُصَلِّي" أي يواظبُ (٨)، كما تقدّم.
стр. 922
الفقه (١):
اختلف العلماء في تعيين هذه السّاعة على أقوال:
فمذهب أبي هريرة: أنّ السّاعةَ مِنْ بعدِ طُلوعِ الفَجْرِ إلى طلوع الشَّمْسِ، وبعدَ صلاةِ العصرِ إلى غُروبِ الشّمسِ.
القولُ الثّاني: قال أبو ذرّ: هي ما بين أنّ تَزِيغَ الشّمسُ بشِبْرٍ إلى ذِرَاعٍ (٢).
القول الثّالث: قال ابن عمر: هي الّتي اختار اللهُ فيها الصّلاة، وهو قول أبي بُرْدَة (٣)، وابن سِيرِين (٤).
القول الرّابع: قالت عائشة: هي إذا أذَّنَ المؤذِّنُ، وإذا جَلَسَ الإمامُ (٥).
القول الخامس: قال أبو أمامة: إنِّي لأرجو أنّ تكون في حياتي هذه السّاعة، إذا أذَّنَ المؤذِّنون، أو إذا (٦) جلس الإمام على المنبر، أو عند الإقامة.
القول السادس: قيل: هي ما بين أنّ يجلس الإمام إلى أنّ تنقضي الصّلاة (٧)، ورُوِيَ في ذلك حديث حسنٌ (٨).
قال (٩): ورُوِي عن عليّ بن أبي طالب ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا زالتِ الأفْيَاءُ، وراحَتِ الأرواحُ، فاطلبوا إلى الله حوائجكم، فإنّها ساعة الأوَّابِينَ: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ (١٠).
وحجة من قال إنّها بعد العصر: قولُه: "يتعَاقَبُونَ فيكُمْ ملائكةٌ باللَّيْل والنَّهارِ،
стр. 923
ويجَتمِعونَ في صلاةِ العصرِ، ثُمَّ يَعرُجُ الّذين بَاتُوا فِيكُم" (١) قال (٢): فهيَ وقت العرُوج وعَرْض الأعمال على الله ، فيُوجِبُ اللهُ تعالى فيهِ مغفرته للمصلِّين (٣) من عباده.
ولذلك شدَّدَ النّبيُّ ﷺ على من حَلَفَ على سِلْعَةٍ بعد العصرِ، لقد أعطي بها أكثر، تعظيمًا للساعة. وفيها يكون اللِّعان والقَسَامَة.
وقال المفسِّرون في (٤) قوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ (٥) إنّها بعد صلاة العصر (٦)، وأكثر العلماء على أنّها بعد العصر (٧).
قال الإمام: والّذي عندي فيها أنّها في يوم الجمعة كلَّه، وأنّها مبهمةٌ فيه، كَلَيْلَةِ القَدر والصّلاة الوسطى، لكي يجتهد النَّاس فيها بالدّعاء والصّلاة، والله أعلمُ.
حديث أبي هريرة (٨)؛ قال: خَرَجْت إِلَى الطُّورِ، فَلَقِيتُ كَعْبَ الأَحْبَارِ، فَجَلَسْتُ مَعَهُ، فَحَدَّثَنِي عَنْ التَّوْرَاةِ، وَحَدَّثتُهُ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، فَكان مِمَّا حَدَّثْتُهُ أَنْ قُلْتُ: قَالَ رَسُوُل اللهِ: "خَيرُ يَومٍ طَلَعَت فِيهِ الشَّمسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ" الحديث.
صحيحٌ حَسَنٌ (٩). وفيه ثمان (١٠) مسائل:
المسألة الأولى (١١): قوله "خَرَجْتُ إلَى الطُّورِ"
الطُّور في كلام العرب واقع على كلِّ جَبَلٍ، إلّا أنّهُ يطلق في الشّرع على جبلِ بعينه، وهو الّذي كُلِّمَ فيه موسى ﵇.
وقوله: "فحدَّثَنِي عن التّوراة" يعني: أخبره بما في التّوراة على وجه القصص
стр. 924
والأخبار، ما يوافق (١) منها ما عند أبي هريرة عن النَّبيّ ﵊.
والمسألة الثّانية (٢): قوله "خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ"
قال الإمام الحافظ: يكون الخَير المتناهي (٣) في الأشخاص والأمكنة (٤)، وللبارىء سبحانه أنّ يفضِّل (٥) ما شاء ويقدِّمه على غيره. فخيرُ الأشخاص محمدّ ﷺ ، وخيرُ الأُمَمِ أُمَّته، وخيرُ البِقَاع مكَّة، والمدينة، على إختلاف يأتي ذِكْرُهُ (٦) إنّ شاء الله في "كتاب الجامع"، وخيرُ الأزْمِنَةِ يوم الجمعة، وخيرُ ساعاتها أظنّه حين يجلس الإمام على المنبر، وهي الّتي تستجاب فيها الدَّعوة.
المسألة الثّالثة (٧): قوله (٨) "فيه خَلَقَ اللهُ آدَمَ".
قال علماؤنا: خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ يوم السَّبتِ، أو الأحَد على الاختلاف، وخَلَقَ آدم يوم الجمعة، ففيه خَتَمَ الخَلِيقَة (٩)، وهو أشرف المخلوقات، ولأجله خُلِقَت جميع الأشياء، من جليلها وصغيرها.
المسألة الرّابعة (١٠): قوله (١١) "وفيهِ أدْخِلَ الجَنَّةَ"
وهي الّتي نرجوا دخولَها، وهو (١٢) فضلٌ عظيم (١٣). وأمّا إخراجُه منها، فلا فَضْلَ فيه ابتداءً، إلَّا أنّ يكون لما كان بعده (١٤) من الخيرات
стр. 925
والأنبياء (١) والطاعات، وأن خروجه منها لم يكن طَرْدًا كما كان خروج إبليس، وإنّما كان خروجه منها مسافرًا لقضاء أوطارٍ ويعود إلى تلك الدّار.
وقوله: "وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ" وذلك أعظم لفضله، لما يظهر الله فيه من رَحْمَتِه، وينجز من وَعْدِه.
المسألة الخامسة:
قوله (٢): "وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَ وَهِيَ مُصِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ حِينَ تُصْبِحُ حتَّى تَطْلُعُ الشَّمسُ شَفَقًامنَ السَّاعَةِ، إلَّا الجِنَّ والإنْسَ".
فإن قيل: لأي شيء لا تصيخُ الجنّ والإنس؟
قلنا (٣)؛ لأنّهم مُكَلَّفون، فلذلك لم يعلمهم اللهُ بذلك قَطْعًا، كقوله: "إنَّ الكافِرَ لَيُضْرَبُ بِمِطْرَقةٍ يَسْمَعُ صِيَاحَهُ كلّ شيءٍ إلَّا الثَّقلاَنِ" (٤) وإنّما لم يسمع ذلك الجنّ والإنس؛ لأنّ الله لم يُرِد للأنبياء، ولأنّهم لو سمعوه لازدجروا، وإنّما يدعهم ليطيع مَنْ يطيع ويعصي مَنْ يعصي.
نكتةٌ أصولية:
قال الإمام: وقد احتج الأستاذ أبو إسحاق الاسفراييني بهذا الحديث (٥) في أنّ البهائم تعقل وتعرف الله سبحانه، واستدلَّ أيضًا على قوله حكايته عن الهُدْهُد في قوله لسليمان (٦)، الآية كلّها فيها استدلال على الصَّانع وعلى حَدَثِ العالَمِ.
فإن قيل: هذه معجزة لسليمان، فلا دليل فيها.
قلنا: إنّما المعجزةُ في قصَّةِ سليمان؛ أنّ الله فَهَّمَهُ منطِقَ الطَّير لا غير، ولو كان أكثر من ذلك، لكان خبر الله بخلافِ مُخْبره، وفَهْمُ الطَّيرِ للقُدْرَةِ إنّما هو شيءٌ بلا آخَرَ.
стр. 926
المسألة السادسة (١): قوله (٢): "وَفِيهَا سَاعَةٌ لاَ يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ"
وقدَّمنا اختلاف العلماء من الصّحابة والتّابعين في تحديدها. وأَصْفَقَ (٣) جِلَّةُ العلماء على أنّها بعد العصر، وهو مذهب أبي عيسى (٤)، وروى الدّارقطني أنّها عند نزول الإمام (٥)، وروى مسلم (٦) أنّها حين يجلس الإمام على المنبر حتّى تقوم الصّلاة، وهو أصحّه، وبه أقول؛ لأنّ ذلك العمل في ذلك الوقت كلّه صلاة، فينتظم به الحديث لفظًا ومعنىً.
المسألة السّابعة (٧):
قَوْلُ بَصْرَة بن أَبِي بَصْرَةَ (٨): لَوْ أَدْركْتُكَ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ إِلَيْهِ، مَا خَرَجْتَ، سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لاَ تُعْمَلُ الْمَطِيُّ إِلَّا إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِد الحَرَام، وَإِلَى مَسجِدِي هَذَا، وإِلَى مَسْجِدِ إِيلْيَاءَ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ".
فقوله: "لاَ تُعْمَلُ المَطِيُّ"يقتضي أنّ مَنْ نذَرَ صلاةً في مسجدِ البَصْرَةِ أوِ الكوفَةِ، فإنه يُصلِّي بمَوْضِعِه ولا يأتيه، لحديث بَصْرَةَ المنصوص، وذلك أنّ النَّذر إنّما يكون فيما فيه القُرْبَة، ولا فصيلةَ لمساجد البلاد بعضها على بعضٍ. وأمّا من نَذَرَ الصَّلاة أو الصِّيام، أو في شيءٍ من مساجد الثُّغُورِ، فإنه يلزمه إتيانها والوفاء بِنذره؛ لأنّ نَذْرَهُ لم يمن بمعنى الصّلاة (٩)، بل قد اقترنَ بذلك الرِّباط، فوجب الوفاء به. ولا خلافَ في المنع من ذلك في غير المساجد الثّلاثة، إلَّا ما قالَهُ ابن مَسْلَمَة في "المبسوط" فإنه أضافَ إلى ذلك مسجدًا رابعَا وهو مسجد قُبَاء، فقال: من نذرَ أنّ
стр. 927
يأتيه فيصلِّي فيه، كان عليه ذلك.
المسألة الثّامنة (١):
قول ابنُ سلام (٢): "كَذَبَ كَعْبٌ" يعني أخبر بالشَّيءِ على غير ما هو به، سواء تعمَّدَ ذلك أو لم يتعمَّد. وقال بعض العلماء: إنّ الكذب هو أنّ يتعمَّدَ الإخبارَ عن المخبرِ على ما ليس به، وليس ذلك بصحيحِ، قال الله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ (٣)، فأخبرَ اللهُ عنهم أنّهم يعلمون إذا بُعِثُوا بعدَ الموتِ أنّهم كانوا كاذبين في قولهم (٤): ﴿لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ (٥) وإن كانوا في حالِ قولهم ذلك يعتقدون أنّهم صادقونَ.
الهَيْئَةُ وتخَطِّي الرّقاب واستقبالُ الإمامِ يَوْم الجُمُعَةِ
مالكٌ (٦)، عن يَحيىَ بْنِ سَعِيدٍ؛ أنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَا عَلَى أَحَدِكُم لَوْ اتَّخَذَ ثَوبَيْنِ لِجُمُعَتِهِ، سِوَى ثَوْبَي مَهْنَتِهِ".
الإسناد:
قال الشّيخ أبو عمر (٧): "هكذا يرويه أكثر رواة "الموطَّأ" (٨) والحديث مُرْسَلٌ مُنْقَطِعٌ، ويَتَّصِلُ من أوجه صحاح" (٩).
العربية (١٠):
والمَهنَةُ -بفتح الميم- الخِدْمة. قال الأصمعي: ولا يقالُ بالكسر. وأجاز الكسائي فيه الكسر، مثل: الخِدّمَة والجِلْسَة والرَّكْبَة.
стр. 928
ومعنى: "ثَوْبَي مَهْنَتِهِ" أي ثوبي بِذْلَتِهِ. يقال منه: امْتَهَنَنِي القوم، أي ابتذلوني. والثَّوبان -والله أعلم-: قميصٌ ورِدَاءٌ، أو جُبَّةٌ ورِدَاءٌ.
الفقه (١):
قال علماؤنا (٢) - رحمة الله عليهم-: في هذا الحديث من الفقه النَّدْب لكلِّ مَنْ وجَدَ سَعَةً أنّ يتَّخِذَ الثِّيابَ الحسان للأَعْيَادِ والجُمُعات، ويتجمّل (٣)، وكان رسولُ الله ﷺ يفعلُ ذلك، ويلبس الحَسَنَ ممّا يجد (٤)، ويتطَيَّب، وهو مطابقٌ لقوله ﵇: "إذا وَسَّعَ اللهُ عَلَيْكُم فَوَسِّعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ" (٥) وسيأتي الكلام على هذا المعنى في "كتاب العيد" إنّ شاء الله.
حديث أبي هريرة (٦)؛ أنّه كان يقول: لأنْ يُصَلِّيَ أَحَدُكُمْ بِظَهرِ الحَرَّةِ، خّيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَقْعُدَ، حَتَّى إِذَا قَامَ الإمَامُ يَخْطُبُ، جَاءَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ.
الفقه (٧):
مسألة التخطّي يوم الجمعة على ضربين:
أحدهما: قبل أنّ يجلسَ الإمامُ على المِنْبَرِ.
والثّاني: بعد ذلك.
فأمّا التَّخطِّي قبل الجلوس لمن رأى فُرْجَةً لجُلُوسِه، فإنّه مباحٌ.
ورواهُ (٨) ابنُ القاسم عن مالكٌ؛ لأنّ للدَّاخِلِ (٩) حقًّا في الجلوس في الفُرْجَةِ ما لم يجلس فيها غيره؛ لأنَّ جلوس الجَالِسِ دونهما (١٠) لا يمنعُ هذا الدّاخل من
стр. 929
الجلوس فيها؛ لأنّه لم يتَأخَّر عن وقتِ الوُجوب، ولابُدَّ له من طريق إليها، إلَّا أنَّه يُومَرُ بالتَّحَفُظِ من إذاية النَّاسِ، والرِّفْقِ في التَّخطِّي إليها.
وأمّا الدَّاخلُ بعد جلوس الإمام على المنبر، فلا يتخطَّى إلى (١) فُرْجَةٍ ولا غيرها؛ لأنّ تأخيره (٢) عن وقت وجوب السَّعْي قد أبطلَ حقَّه من التَّخَطِّي إلى الفُرْجَةِ، بَيَّن ذلك مَا رُوِيَ عن النّبيّ ﷺ ؛ أنّه قال للداخل يوم الجمعة: "اجْلسْ فَقَد أَذَيْتَ" (٣) ويروى (٤): "آذَيتَ وآنيْتَ".
نُكتَةٌ فقهيّة بدِيعَةٌ (٥):
رُوِي في الحديث؛ أنّه إذا دَخَلَ ولم يُفَرِّق بين اثنَيْنِ كان له أَجرٌ (٦).
ورُوِيَ عن عثمان بن الأرقم بن أَبي الأرقم، عن أبيه (٧) - وكان من أصحاب النّبيّ ﷺ قال: " الّذِي يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ وَيُفَرِّقُ بَيْنَ اثنَيْنِ يَومَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ خُرُوجِ الأمَامِ كالْجَاعِلِ قُصبَهُ في النَّارِ" (٨).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ اثنَين إلَّا بِإِذْنِهِمَا" (٩).
стр. 930
وقال سلمان الفارسيّ: "إِيَّاكَ وَالتَّخَطِّي، وَاجْلِسْ حَيْثُ تبلغك الْجُمُعَة" (١)، وهذا قول عطاء، والثّوري، وأحمد بن حنبل (٢).
وكره التَّخَطِّي أبو هريرة (٣)، وكعب، وسلمان الفارسي.
وقال كعب: "لأنْ أَدَعَ الْجُمُعَةَ أَحَبُّ إِليَّ مِنْ أَنْ أتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ" (٤).
وقال الحسن البصري: "لا بَأسَ بالتَّخَطِّي إِذَا كَانَ في المسجِدِ فُسْحَةٌ" (٥).
قال الشّافعيّ (٦): "أَكرَهُ التَّخَطِّيَ قبل دخولِ الإمام وبعدَهُ". وروي عن أبي نضرة؛ (٧) إنّه يتخطَّى بإذنهم.
وأمّا مذهب مالكٌ، فإنّه قال (٨): "لا يُكْرَهُ التخطِّي إلَّا إذا كان الإمام على المنبر، ولا بَأسَ به قَبْل دخول الإمام إذا كان بين يديه فَرْجٌ".
ونشأت هنا مسألتان:
المسألة الأُولَى: هل للرّجل أنّ يقيم أخاه؟
قيل: قد جاء النّهيُ عن النَّبيِّ ﷺ ألَّا يُقَام الرَّجُل من مَوْضِعِه (٩)، وإن كان دونَه في العِلْمِ والمَرْتَبَةِ، إلَّا إنّ كان سَبَقَهُ إلى ذلك الموضع، فهو أحقّ منه، ويقيمه منه.
المسألة الثّانية:
إذا بسط الرّجل في الجامع سجّادة، واتَّخَذَ موضعًا، هل له أنّ يختصّ به أم لا؟
стр. 931
خاتمة هذا الباب
قال مالك (١): "السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنْ يَسْتَقبِلَ النَّاسُ الإمَامَ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخطُبَ، مَنْ كَانَ مِنْهُم (٢) يَلِي القِبْلَةَ وَغَيْرَهَا".
قال الإمام: وهذا الّذي ذَكَرَهُ مالكٌ في خاتمة هذا الباب، أَمْرٌ مجتمعٌ عليه عند علماء الصّحابة والتّابعين ومَنْ بَعْدَهم، واسّتقبلَ ابنُ عمرَ وأَنَسٌ الإمامَ" (٣)، وأستقبالُ الإمام سُنَّةٌ ماضيةٌ لكلِّ من يقابله ويصرف وجهه إليه.
وقال عبد الله البجلي: كان النّبيُّ ﷺ إذا خطبَ استقبله أصحابه بوجوههم (٤).
والعمدةُ فيه -والله أعلم- في معنى استقبالهم لكي يتفرَّغُوا لاستماع مَوْعِظَتِه، وتَذَكُّرِ كلامه، ولا يشتغلوا بغير ذلك.
وقال الشّافعيّ: هي السُّنَّةُ استقبال الإمام (٥).
قال ابن المُنْذِر: هو قول ابن شُرَيح، وعَطَاء، ومالك، والثّوريّ، والكُوفيِّين.
القراءةُ في صلاة الجمعة والاحتباءُ ومَنْ تَرَكَهَا من غير عُذْرِ
وفي هذا الباب ثلاث مسائل: المسألة الأولَى: في القراءة في الجمعة. المسألة الثّانية: في الاحتباء. المسألة الثّالثة: في بيان الأعذار الّتي يُتَخَلَّف بسببها عن الجمعة.
المسألة الأولَى (٦):
في القراءة في الجمعة ثلاث روايات:
الأولى: سورة الجمعة والمنافقون (٧).
أمّا قراءة سورة الجمعة فهي سنّة، قال مالك في "المجموعة": وهو أمرٌ أدركتُ
стр. 932
عليه العمل في المدينة (١). وأما الثّانية فمرّة كان يقرأ فيها بهل أتاك حديث
الغاشية (٢)، وروي أنّه كان يقرأ بسبح اسم رَبَّكَ الأَعْلَى (٣).
قال الشّافعيّ (٤) وأبو حنيفة: هي وغيرها سواء (٥).
ودليلنا: حديث ضَمرَة المذكور (٦).
ومن جهة المعنى: أنّ هذه السُّورة تختصُّ بتضَمُّنِ أحكام (٧) الجمعة، فكانت أَوْلَى بذلك من غيرها وأشبه بالحال.
ورُوِيَ في حديث النّعمان بن بشير (٨)؛ أنَّه كان يقرأُ بِسَبِّح، وهلْ أتَاكَ حديثُ الغاشية، ولا خلافَ أنّ المراد بذلك الثّانية، لا يختصّ بأحدهما (٩)، وهي عند مالكٌ، وأبي حنيفة (١٠) لا تختصّ بغيرهما.
وقال الشّافعيّ (١١): لا يقرأ فيها إلَّا بالمنافقين.
مسألة (١٢):
ويتضمَن هذا الحديث جَهر النَّبىِّ ﷺ بالقراءة، وبذلك علموا ما قَرَأَ به، ولو أسرَّ بالقراءة لذهبوا إلى التّغرير في ذلك، كما ذهبوا في ذلك في قراءة الظّهر والعصر وصلاة الكسوف.
стр. 933
المسألة الثّانية: في الاحتباء
قال علماؤنا: ذكر مالك ﵀ في (١) هذه التّرجمة الاعتباء، ولم يجىء له ذِكْرٌ في هذا الباب (٢).
ولأصحابنا في صفَةِ الجلوسِ أقوال نذكرها إنّ شاء الله. فأوّلها الإحتباء؛ رَوَى ابنُ نافع عن مالكٌ أنّه لا بأس أنّ يحتبي يوم الجمعة والإمام يخطبُ (٣)، وله أنّ يمدّ رِجْلَيه؛ لأنّ ذلك مَعُونَة له على ما يريده من أمره، فليفعل من ذلك ما هو أَرْفَق به (٤).
المسألة الثّالثة: في الأعذار
قال الإمام: وروى مالكٌ (٥) هذا الحديث قوله: "مَنْ تَرَكَ الجُمَعَةَ ثلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، طَبَعَ اللهُ على قَلْبِهِ بطابع النِّفاق" (٦).
وخرّج التّرمذي (٧) في حديث أبي الجَعْدِ الضَّمْرِيِّ، قال: قال رسول الله ﷺ "مَنْ تَرَكَ الجُمُعَةَ ثلاثًا تَهَاوُنًا، طبعَ اللهُ عَلَى قَلْبِهِ" الحديث.
قال الإمام: أبو الجعد هذا لم يرو عن النَّبيِّ ﷺ غير هذا الحديث الواحد (٨). قال الحاكم: اسمه عمرو بن بكر (٩).
وقال التّرمذي (١٠): "هو حديث حسن" وعندي: أنّه صحيح.
قال علماؤنا- رضوان الله عليهم-: لا تُتْرَكُ إلاَ لعُذرٍ، والأعذار أربعة:
١ - عُذرٌ في البَدَنِ، كالمرض.
стр. 934
٢ - وعُذْرٌ في المال، كمن له شيءٌ يخافُ إنّ ذهب (١) إلى الجمعة يذهب.
٣ - وعُذرٌ في الأهل، كمن له زوجة مريضة، أو قريبٌ، أو جارٌ يخاف بتركه له أنّ يهلك.
٤ - وعذر في الدِّينِ -وهو أشدُّها- كالصّلاة وراء الفاجر البيِّن الفجور، إلَّا أنّ يُخَافَ منه.
فإن كان على الرَّجُل دَيْنٌ؟
قال سحنون: يخرج وإن لم يكن له مال (٢).
وقال غيره: لا يخرج إلَّا أنّ يكون له مال يؤدِّيه منه.
النَّاسِ أنَّه يتخلَّف لأنّه حقّ لها بالسُّنَّةِ (٣). ويخرجُ على هذا القول: أنّ الجمعةَ فَرْضٌ على الكفاية، وليس كذلك؛ لأنّ المسألةَ مبنيَّةٌ هل السّابع من حقِّ الزوجِ أو من حقِ الزوجة (٤)، على الحسب الّذي بينّاه في "كتاب النِّكاح". فإن كان من حقِّها لم يجز له الخروج، وإن كان من حقِّه جاز له الخروج.
تكملة:
قوله: "مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَة ثَلاَثَا" قال علماؤنا: إنّما خص الثّلاثة لكَثْرتِهَا، أو أنّ تركَ المرَّةِ خفيفٌ وهو عاصِ، فمرّة يثبتُ العِصيَان، وثلاثة يثبتُ النِّفاق، واللهُ أعلم.
التَّرغيبُ في الصَّلاةِ في رمضان
وفيه ثلاث فوائد:
الفائدة الأولى (٥):
قوله (٦): "التَّرْغِيبُ في الصَّلَاةِ في رَمَضَانَ" روى ابنُ عبّاس أنَّه قال: "إِنَّ
стр. 935
رَمَضَان اسْمٌ مِنْ أَسْمَاء اللهِ، وإِنَّ القَائِلَ إِذَا قَالَ: شَهر رَمَضَان؛ أنّ المُرَاد بِذَلِكَ شْهر الله" (١) وهذا ضَعِيفٌ سَنَدًا ومعنىً. أمّا طريقه فلم (٢) يصحّ، وأمّا معناه فساقطٌ، لقوله ﷺ : "إِذَا جَاءَ رَمَضَان" (٣) وهذا يدلُّ على أنَّه اسمٌ من أسماء الشَّهر، وقد كانت العرب تُسَمِّيه في الجاهلية قبل أنّ يأتي الشّرع (٤)، وهذا بَيِّنٌ في بابه، وسيأتي الكلام عليه في "كتاب الصّيام" إنّ شاء الله.
وشهر رمضان مُرَغَّبٌ فيه على الجملة والتّفصيل، ولفَضْلِهِ أنزلَ اللهُ القرآنَ فيه جملةً إلى سماءِ الدُّنيا، ثم أُنْزِلَ نجومًا بعد ذلك مرَّة أخرى، حتّى استوفاه اللهُ تعالى، فلمّا استوفاه، استأثر اللهُ برسوله، ورفَعَهُ إليه، إلى الرّفيق الأعلى.
الفائدة الثّانية:
قوله (٥): "مَا مَنَعَنِي أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُم إلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ" فيه لعلمائنا ثلاث روايات:
إحداها: أنّ الله أَوحَى إليه ما قاله، فقال النّبيُّ: إذا كانْ الفَرضُ بسبَب التّمادي فأنا أقطعه.
الثّاني (٦): أنّ الله رَفَعَ التَّكليفَ عن عباده لكَيْ يُثِبَهُم على ذلك، فإذا تكلَّفْنَا ما رفَعَ عنَّا، أُلْزِمْنَاهُ، كقول الله تعالى: ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ (٧) فردَّ عليهم الذَّمَّ، لأنّهم التزموا أمرًا لم يلزموهُ ولم يُرَعوا حقّه (٨).
الثّالث (٩): إنّ مَنْ كان قَبلَنَا كان إذا عمل عملًا لزمه، وكانت عقوبة، فخَشِيَ النّبيُّ ﷺ أَنْ تُوخَذَ أُمَّته بذلك، والله أعلم.
стр. 936
حديث (١): قولُه: كان رسول الله ﷺ يَأمُرُ بقيام رمضانَ من غيرِ أَنْ يَأْمُرَ بعَزِيمَةٍ، فيقول: "من قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ لَهُ ما تقدَّمَ من ذنْبه" (٢).
الفوائد:
الأولى (٣): يريد بقوله: "إيمَانًا" أي أنَّ فَرْضَهُ من عند الله، واحتِسابًا أجْره على الله. فإذا كان هذا، فإنَّ الله يُثِيبُ العَبْدَ على أمرِ الطَّاعة، وامتثالِ أَمرِهِ والتَّقَّرُّبِ إليه، كمن توضَّأ نيةً خالصةً للصّلاة، فأمّا إذا كان ذلك لغير الله، فهو كمن تَوَضَّأ تَبَرُّدًا لا يتَعَبَّد بِهِ (٤) تَعَبدًا (٥).
وكذلك من صام يومًا قَبلَ رمضانَ احتياطًا لمقدمة رمضان، فإنّه لا يُعتَد به. وقوله: "احتِسَابًا" فمذهبُ المنقطعينَ إلى الله تعالى أنّ معناه: يصومُه امتثالَ الأمر (٦)، لا لِطَلَبِ الأجرِ.
ومَذْهَبُهُم: أنّ الإخلاص في العبادات إنّما يكونُ بأن يُطِيعَ الرَّجلُ رَبَّهُ مَحَبَّةً فِيهِ، لا يستجلبُ بذلك جَنَّةَ، ولا يدفعُ بذلك نَارًا (٧). ويروُونَ في ذلك حديثًا عن عمر بن الخطّاب؛ أنّه كان يقول إذا نظرَ إلى صُهَيْبٍ: "نِعْمَ العَبد صُهَيْب، لو لم يخف الله لم يعصه" (٨) وآثارًا في ذلك كثيرة.
وأنكر ذلك الفقهاء، وقالوا: لو كان ذلك لم تكن لأحد عبادة تامّة، ولولا رجاء الجَنَّة وخوف النّار ما عَبَدَ اللهَ أَحَدٌ، وهو الصّحيح عندي؛ لأنّ العبادة حظّ النّفس وخالصة منفعتها, لا يبالي البارئ عنها، إذ العبادةُ وتركها إلى جلاله واحدةٌ، ولكنّه بحِكمَتِهِ البالغة، ومشيئَتِه النَّافذَةِ, جعلَ الدُّنيا دارَ عَمَلٍ، وجعلَ الآخرةَ دارَ أَجْرٍ وجزَاءٍ.
стр. 937
وقد صرّح النّبيُّ ﷺ بذلك في الحديث المتقدِّم إذ قال: "إِنَّ مَثَلَكمْ ومَثَلَ أهْلِ الكتابِ مِنْ قَبْلِكُم، كَمَثَلِ رَجُلٍ استَأَجَرَ أُجَرَاء" الحديث إلى آخره (١)، فصرّح أنّها أجرة.
وقال بعض علمائنا: يكون معنى قوله: "احتسابًا" أنّه يعتدّ بالأجر عند الله يَدَّخِرُهُ إلى الآخرة، لا يرجو أنّ يتعجَّلَ شيئًا منها في الدُّنيا؛ لأنّ ما يفتح اللهُ على العبد في الدُّنيا من المال ويناله من لَذَّةِ، فمَحْسُوبٌ من أَجرِهِ، ويحاسَبُ يوم القيامة به، فعلى العبدِ أن ينفي ذلك من قَلْبِه، وأن ينوي بِعَمَلِىِ الدّار الآخرة خاصّةً، فإن يَسَّرَ اللهُ له في هذه الدّار مالًا، فذلك فضلٌ منه يُؤتِيهِ من يشاء.
ولمّا استنكر عمر بن الخطّاب على رسول الله ﷺ أنّ ينامَ على سريرٍ منسوجٍ بالحِبَالِ، ليس بينه وبين جَنبِهِ حجابٌ، حتّى أَثَرَ في جَنْبِهِ، فقال له: "أَوَفِي شَكٍّ أنت يا ابنَ الخَطَّابِ؟ أولئك قومٌ عُجِّلَت لهم طَيِّباتُهُم في الحياةِ الدُّنْيَا" (٢).
ورُوِيَ أنّ عمر بن الخطّاب جاء يزورُ جابر بن (٣) عبد الله فوَجَدَهُ قد اشترى لحمًا بدرهم فقال: أمّا تخاف قول الله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ الآية (٤).
وأمّا قوله: "غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" فعلى نحو ما سَبَقَ بيانُه من تبديل (٥) الصَّغائرِ مع الكبائر في باب الموازنة والإسقاط المَحْضِ.
ومن مُعْظَمِ فضائله، قوله ﵇: "إذا دخلَ رمضانُ فُتَّحَت أبوابُ الجَّنَةِ، وغُلِّقَت أبوابُ النَّارِ، وصُفِّدَتْ الشَّيَاطينُ، ونَادَى مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الخَيْرِ هَلُمَّ، ويا بَاغِيَ الشَرِّ أَقْصِرْ" (٦). على ما يأتي بيانه في "كتاب الصّيام" إنّ شاء الله.
стр. 938
الأصول (١):
قال في الحديث الّذي صدر به مالك (٢) "باب التّرغيب في صلاة رمضان"، إنّ النّبيّ ﵇ صلَّى والنّاس اللّيالي، ثم تَرَكَ النّبيُّ الصّلاةَ واعْتَذَرَ لهم بأنه خَشِيَ إَنْ يفرضَ عليهم. وذلك أنّه سأل لأُمَّتِه ليلةَ الإسراءِ التَّخفيفَ عنهم من خمسين إلى خَمْسٍ (٣)، فلو اجتمعوا على هذه الصّلاة لجاز (٤) أنّ يقال: سألتَ التَّخفيفَ عنهم فخَفَّفْنَا، فتراهم قد التزموا ذلك من قِبَلِ أنفُسِهم زيادةً على ذلك، فيلزمهم. وكان ﷺ بالمؤمنين رؤوفًا رحيمًا. وهذا يدلُّ على فَضلِ الجماعة وعِظَمِ (٥) موقعها في الدِّين؛ لأنّ كلَّ أحدِ يصلِّي وحدَهُ في بيته ليلًا، ولم يخف النّبيُّ ﷺ توجّه الفريضة بذلك، وإنّما خافَها عند إلاجتماع، فتركَها رسول الله ﷺ مدَّته، وأبو بكرٍ في خِلاَفَتِه، اشْتِغَالًا بتأسيس القواعد ورَبطِ المعاقد، وبنيان الدَّعائم، وسَدِّ الثُّغور بأهل النَّجْدَة من المؤمنين. ثمّ جاء عمر والأمورُ منتظمة، والقلوبُ لعبادة الله فارغة، والنّفوسُ إلى الطَّاعة مُحِبَّة. فلمّا رآهم في المسجد أَوْزَاعًا، رأى أنَّ نَظْمَ جميعهم على إمامٍ واحدٍ فَضْلًا ودينًا، فجمعهم على أُبَيِّ بن كعب (٦) اقتداءً بالنَّبىِّ ﷺ في لياليه الثّلاث الّتي صلَّى بالنّاس فيها, ولعِلمِهِ أنّ العلَّةَ الّتي تركَ لها رسول الله ﷺ الصّلاةَ من خَوفِ الفَرِيضَةِ قد زالت، فصار قيامُ رمضان سُنَّةَ، للاقتداءِ بالنّبىِّ ﷺ بَعْدَ زوال العِلَّةِ الّتي تركها لأجلها، وصار بدعة؛ لأنّه لم يكن مفعولًا فيما سَلَفَ من الأزمنة، ونِعْمَت البِدْعَة، سنّة أُحْيِيَت وطاعةً فُعِلَت.
والبدعة بدعتان: بدعة هُدى واقتداء، وبدعة ضلالةٍ واعتداءٍ (٧)،
قال علماؤنا: هذا يدلُّ على أنّ الحُكمَ إذا ثبت لعلَّةٍ، وُجِدَ بِوُجُودِهَا وعُدِمَ بِعَدَمها. قال لنا (٨) فخرُ الإسلام الشّاشىّ بمدينة السّلام في الدَّرس: إذا ثبتَ الحُكمُ
стр. 939
في الشّريعة بِعلَّةِ، وُجدَ بوُجُودِهَا وعُدِمَ بعَدَمِها، ما لم تثر العِلَّةُ نصًّا (١) مطلقًا، فإن أثارتِ العلّةُ نصًّا (١) مَطلقًا، تعلَّقَ الحُكمُ به ولا يُنْظَر إلى العلَّةِ وُجِدَت أو عُدِمَتْ، مثالُه: ما رُوِيَ عن النّبيِّ ﷺ ؛ أنّه سَعَى في الطَّوَافِ لإظهارِ الجَلَدِ للمُشْرِكينَ (٢)، وقد زالتِ العلّةُ، ولكن بَقِيَ قولُه لأصحابه: "اسْعَوْا" (٣). وسَعْيُه ﷺ في حَجَّةِ الوَدَاع (٤)، والعلّة قد زالت، فتعلَّقَ الحُكم بذلك، وسقَطَ اعتبارُ العِلَّةِ.
تقدير (٥):
ليس لصلاةِ رمضانَ ولا لغيرها تقديرٌ، إنّما التَّقديرُ للفرائض، وإنَّما هو قيامُ اللّيل كلّه إلى طلوعِ الفجر لمن استطاع، أو بعضه، على قَدْرِ ما تنتهي إليه قُدْرَتُه.
ومن (٦) النّاس من يصلِّي في القيام تسعًا وثلاثينَ ركعة، يختصّ الإمام باثني عَشْرَةَ ركعةً (٧). والقديرُ: اثنا عشر ركعة، أو سبع عشرة ركعة (٨)، حسبما رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ في قيام اللّيل، وحَسَبَ عدد ركعاتِ الصّلواتِ في الفريضة في العَدَدِ الآخر منها، فأمّا غير ذلك من الأعداد فلا يتحصَّل في تقديرِ، ولا ينتظم (٩) بدليلٍ (١٠)، والله أعلمُ.
الفقه في عشر مسائل:
المسألة الأولى (١١): قوله (١٢): "فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ يُصَلُّونَ" يعني جماعاتٍ في
стр. 940
نواحي المسجد.
وقوله (١): "يُصَلِّي الرَّجُل لِنَفْسِهِ، وَيُصَلّي بِصَلاَتِهِ الرَّهْطُ" فيحتمل معنيين: أحدهما: يصلِّي رجلٌ لنفسه، ويصلِّي آخر ومعه الرَّهْطُ يُصَلُّون بصلاته، فيون الضّمير عائدًا على غير مذكورٍ، ويدلُّ عليه قوله: "الرَّجُلُ" فتكون الألف واللام للجنس.
والوجه الثّاني- أنّ يريدَ: يُصَلِّي، ويُصَلِّي بصلاة ذلك الرَّجُل الرَّهْطُ، فيصحُّ أنّ تكون الألف واللّام للعهد أو للجنس، ويقتضي أنّ المأمومَ يصحُّ له أنّ يقتدي بالمصلِّي وإن لم يقصد المصلِّي ذلك.
المسألة الثّانية (٢):
قال ابنُ حبيب (٣): ولا بأس من أنّ يُصَلِّيَ مَنْ حَوْلَ المسجدِ في دُورِهِم بصلاةِ الإمامِ إذا سمعوا التَّكبيرَ، ولا بأس أنّ يُسْمِعَ النَّاسَ رَجُلٌ التَّكْبِيرَ، ولا يفعل ذلك في الفرائضِ.
المسألة الثّالثة (٤):
قولُه (٥) -أعني عمر-: "نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ" تصريحٌ منه أنَّه أوّل من جَمَعَ النَّاسَ في قيام رمضان على إمامٍ واحدٍ، بِقَصْدِ الصّلاة بهم، ورتَّبَ ذلك في المساجد؛ لأنَّ البدعةَ هي ما ابتدعه الإنسان، ولم يسبق إليه، ولم يتقدّمه أحد إلى ذلك (٦)، وهذا بيِّن في صحّة القول بالرَّأي والاجتهاد.
المسألة الرّابعة (٧):
ويُكرَهُ للقارىء التَّطْريب في قراءته، ولا بأس أنّ يُحَزِّنَ قراءَته من غير تَطْرِيبٍ
стр. 941
ولا تَحْزِينٍ فاحِشٍ كالنَّوْحِ، أو يُخْفِي حروفه (١)، ولكن على معنى التَّرَسُّلِ والخشوع، قاله ابنُ حبيب (٢)، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (٣).
المسألة الخامسة (٤):
قال: ولا بأس بالاستعاذة للقارىء في رمضان في رواية ابنِ القاسم (٥)، وروى عنه أشهب في "العَتْبِيَّة" (٦): تَرْكُ ذلك أحبّ إليَّ.
ووجه قول ابن القاسم: قوله تعالي: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ الآية (٧).
ووجهُ قول أشهب: أنّ الآية محمولهُ على- القراءة في غير الصّلاة؛ لأنّ هذا اللّفظ ليس من المُعْجِزِ، فلم يسنّ الإتيان به مع القراءة إلَّا (٨) كسائر الكلام.
المسألة السادسة (٩):
وإذا قلنا بجواز ذلك، فقد رَوَى ابنُ حبيب عن مالكٌ: لا بأس بالجَهْرِ في ذلك (١٠).
ورَوَى أشهب كراهية ذلك (١١).
ورَوَى ابنُ حبيب أيضًا؛ أنّ ذلك في افتتاح القارئ، قال: وأحَبُّ إليّ أنّ يفتتح بها في كلِّ ركعةٍ.
المسألة السابعة (١٢):
اختلفتِ الرّوايةُ فيما كان يصلِّي به في رمضان في زمان عمر:
стр. 942
فروى السائب بن يزيد (١): إِحدَى عَشْرَةَ ركعة.
ورَوى يزيد بن رُومَان ثلاثًا وعشرين (٢).
ورَوَى نافع (٣): تسعًا وثلاثين: يُوتِرُونَ منها بثلاث, وهذا الّذي اختاره مالك.
واختار الشّافعيّ (٤) عشرين غير الوتر، على حديث ابن رُومَان.
المسألة الثّامنة (٥): قوله: "إحْدى عَشْرَةَ"
ويحتمل أنّ يُرَاعَى الخلاف في ذلك؛ لأنّ جماعة من أهل العلم يقولون: الوتر (٦) ثلاث لا سلامَ بينهُما، فأراد مالكٌ إبقاءَ الصُّورة إِذْ لم يجز عنده اتِّصالها.
وقد جرت عادةُ الأيمّة أنّ يفصلوا بين كلِّ وِتْرٍ (٧) بركعتين خفيفتين يصلّونهما أفذاذًا, ولذلك وجهان:
أحدهما: أنّ يكون ذلك أقرب إلى تصحيح عَدَدِ الرَّكَعات، وأبعد من الغَلَطِ فيها.
والثّاني: أنّ يتمكَّنَ من فَاتَهُ الإمامُ بركعةٍ من قضاءِ ما فاتَهُ في تلك المُدَّة.
المسألة التّاسعة:
قوله (٨): "وَالتِي تنَامُونَ عَنْهَا أَفضَلُ" فيه ثلاث تأويلات:
١ - قيل: عن صلاة الصُّبحِ (٩)، قاله الباجى (١٠).
٢ - والثّاني - قيل: يحتمل أنّ يكون ذلك من كلام مالكٌ.
٣ - والثّالث - قيل: أي الّتي تغفلون عنها وتتركون أفضل، عَبَّرَ عن النّوم بالترك.
стр. 943
وقيل: إنّما قال ذلك لأجل صلاة آخر اللّيل، لأنّها أفضل، وحضَّ النّبيّ ﷺ عليها.
وفي هذا الباب "نكتةٌ":
وهي أنّ صلاة عائشة خلف ذَكْوَان مُدَبّرها في رمضان (١)، فيه دليلٌ على أنَّ إلامامة ليست إلى النِّساء في فريضةٍ ولا نافلةٍ، وأنه لا بأس بصلاة العَبْدِ (٢) في النَّافلةِ.
تكملة:
قال الإمام الحافظ: والعمدة فيما تقدّم: أنّه ليس في قيام اللّيل شيءٌ معلومٌ، وذكر في "المدوّنة" (٣): تسعًا وعشرين ركعة.
والّذي يصح أنّه لا حدَّ لها.
وقيل: إنّ قيامه سُنَّةٌ من سُنَنِ المسلمين.
واختلف العلماء في السُّنَّةِ:
فقيل: ما قرّره الشّرع، ولا زيادة ولا نقصان.
وقيل: ما واظَبَ رسول الله ﷺ عليه في جماعة فلم يتركه.
ما جاء في صلاة اللّيل
مالكٌ (٤)، عن مُحَمَّدِ بْنَ المُنْكدِرِ، عَن سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ، عَن رَجُلٍ عندَهُ رِضًا، أنّهُ أَخبَرَهُ؛ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ امرِئٍ تَكُونُ لَهُ صَلاَة بِلَيلٍ، يَغْلِبُهُ عَلَيْهَا نَوْمٌ، إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ أَجْرَ صَلاَتِهِ، وكَانَ نَوْمُهُ عَلَيْهِ صَدَقَةً".
الإسناد:
قول مالكٌ: "الرَّجُلُ الرِّضًا" الّذي حدَّثَ سعيد بن جُبَيْر عن عائشة هو الأسود
стр. 944
بن يزيد، وكانت عائشة تحبُّه لفَضلِهِ ودِيِنهِ (١).
تنبيه.
قال الإمام: وقوله: "إلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ أَجرَ صَلاَتِهِ" مطابقٌ لقوله ﵇: "مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَم يَعْمَلهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٍ" (٢).
وكقوله: "الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَلِكُلِّ امرِىءٍ مَا نَوَى" (٣).
التّرجمة (٤) - قوله (٥): "صَلَاةُ اللَّيلِ"
اعلم أنّ الله سبحانه لو شاء لسوَّى بين الأزمنة والأمكنة في الفَضل، ولكنّه بِبَالِغِ حِكمَتِه، وواسع رَحْمَتِه، جعلَ لبعضِهَا مزيدًا (٦) على بعض في الأجرِ، وخصَّ كلَّ واحدٍ منها بعملٍ من الطّاعة، وإلى هذه الإشارة من قول الصِّدِّيق (٧) ﵁: "إِن لله عَمَلًا بِاللَّيلِ لاَ يقبَلُهُ بِالنَّهارِ، وَعَمَلًا بِالنَّهَارِ لاَ يَقبَلُهُ بِاللَّيلِ" (٨) فالأوّلُ كالمغرب، والعشاء، والصّبح، والوقوف بعرفة، والمبيت بالمزدلفة، وليالي منًى، والثّاني كالظُّهرِ، والعصرِ، والصّومِ.
معلمة (٩):
قال الإمام الحافظ: اعلم أنَّ اللَّيلَ خَلْقٌ من خَلْقِ الله عظيم، جعَلَهُ تعالى سَكَنًا ولِبَاسًا، كما جعل النَّهار سِرَاجًا (١٠) وضِيَاءً ومَعَاشًا, ولكلِّ واحدٍ منهما حظّه، وخصَّ اللهُ اللّيلَ بأن جعلَهُ موضعًا لإجابةِ الدُّعاءِ، وقال ﷺ : "جَوْفُ اللَّيل أَسْمَعُ" (١١)، فأضافَ السَّماعَ إليه وهو القَبُولُ، كما تقول العرب: ليلٌ نامٌ، وسيأتي الكلام عليه
стр. 945
في موضعه من قيام النّبيِّ ﷺ
حديث: قول عائشة (١): "كُنْتُ أَنَامُ بَينَ يَدَي رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرِجْلاَيَ في قِبْلَتِهِ، فإذَا سَجَدَ غَمَزَنِي، فَقَبَضْتُ رِجلَىَّ، فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا، وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ".
الفقه:.
قال علماؤنا: فيه ثلاث تأويلات، وأربع مسائل:
الأولى:
فيه من الفقه: أنّ المرأة لا تقطع الصّلاة.
الثّانية (٢):
فيه من الفقه: أنّ الملامسة إذا لم يقصد بها اللّذة لم تنقض الوضوء، وذلك أنّ النَّبىِّ ﷺ كان يُبَاشِرُ عائشة بيده عند سجوده (٣).
الثّالثة:
فيه من الفقه: أنّ العملَ القليلَ مُبَاحٌ في الصّلاة.
الرّابعة (٤):
فيه من الفقه: الصّلاة إلى المرأة وهي إلى القِبلَةِ، وقد كَرِهَ مالكٌ الصّلاة إلى المرأة، لِئَلَّا يتذكر منها ما يشغله عن صلاته، والنبيُّ ﷺ معصومٌ من هذا الأمر.
الخامسة:
كان نومُها معترضة من المشرق إلى المغرب، ورِجْلَاها تصلُ إلى موضع سجوده، وقد رُوِيَ أنّها قالت: إنّ النّبيّ ﷺ كان يصلِّي من اللَّيلِ، وأنا معترضة بينه وبين القِبْلَةِ كاعتراض الجنازة (٥).
стр. 946
السادسة:
قوله ﷺ : "مَنْ قَامَ إِلَى حِزْبِهِ وَامرَأَتُهُ نَائِمَةٌ، فلينضح وَجْهَهَا بالماءِ لينبِّهَهَا" (١) قيل: إنّ ذلك على النَّدْبِ لا على الوجوب.
خاتمة (٢):
قولها (٣): "وَالبُيُوتُ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ" فيه التَّزَهُّد في الدُّنيا وأخذ البُلْغَةِ (٤) منها، وترك الاتِّساع في البُنْيَانِ.
وفيه: أنّ الصّلاةَ في الظَّلامِ مأمورٌ بها, لتكون له نورًا يوم القيامة، ولقوله: "أَطْفِئُوا المَصَابِيحَ" (٥).
حديث: قوله ﵇: "إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُم في صَلاَتِهِ، فَلْيَرْقُد، فَإِنَّهُ لَا يَدرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ اللهَ فيَسُبّ نَفْسَهُ" (٦).
قال علماؤنا: فيه دليلٌ على أنّ العِلْمَ شرطٌ في صحَّة الصّلاة، وهذا المعنى موجودٌ في القرآن، قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الآية (٧) فالعلمُ شرطٌ في صحَّة الصّلاة، وقد قال جماعة من المفسِّرين معنى سكارى من النّوم (٨).
وإذا (٩) قلنا بالعموم، فنحملُهُ على سُكْرِ النَّوْمِ وغيره، وهو عامٌ في كلِّ صلاة، والنوم أخصَّ به، ولذلك أدخله مالكٌ في صلاة اللّيل، وقد وافقه على ذلك جماعة
стр. 947
من العلماء؛ لأنّ (١) النّوم الغالب لا يكون في الأغلب إلَّا في صلاة اللّيل، وليس في الشّريعة دليلٌ على وجوب الوُضوء من النَّوم سوى هذا الحديث.
قوله: "إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُم": ووجهُ التَّعلُّق به أنّه لعلَّهُ يذهب يستغفر فيسبّ نفسَهُ، فأشار إلى اختلال الحسّ (٢)، وذهاب العقل الّذي يكون معه التّحصيل، فربَّمَا استرسلَ دُعَاؤُهُ (٣)، وانحلَّ وِكَاؤُهُ، فانتقضت طهارته، وهو الغالب من حاله؛ لأنّها جِبِلَّةٌ لا تُنْكَر، وحالةٌ لا تُرَدّ، فيعارض أصل الطّهارة ظاهر هذه الحالة، فيُسقِطُ الطَّاهِرُ الأصلَ، وهي مسألة من أصول الفقه بديعةٌ، وهو إذا تعارضَ أصلٌ وظاهرٌ، تختلف فيها الأحوال وتتعارض فيها الأدلّة، وقد بيَّنَّاهُ في موضعه.
حديث مالكٌ (٤)، عن إسماعيل بن أبي حَكِيمٍ؛ أنّه بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ سَمِعَ امرَأَةَ تُصَلِّي من اللَّيلِ، فَقَالَ: "مَنْ هَذ؟ " فَقِيلَ لَهُ: الحَوْلاَءُ بنتُ تُوَيْتٍ، لَا تنَامُ اللَّيلَ، فَكَرِهَ ذَلِكَ رَسُولُ الله ﷺ حَتَّى عُرِفَتِ (٥) الْكَرَاهِيَة فِي وَجهِهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ اللهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، اكلَفُوا مِنَ الَعمَلِ مَا لَكُم بِهِ طَاقَةٌ".
الإسناد (٦):
قال الإمام الحافظ: هذا حديثٌ منقطعُ السَّنَدِ، ولم يختلف الرّواة للموطَّأ (٧) في ذلك من رواية إسماعيل بن أبي حَكِيم كذلك، وقد يتَّصل معنىً ولفظًا عن النَّبيِّ صلّى الله عليه من طُرُقٍ كثيرة -من حديث مالكٌ وغيره صِحَاحٍ ثابتةٍ (٨).
والحَوْلاَءُ هذه امرأةٌ من قُرَيش، وهي الحَوْلاَءُ بنت تُوَيتٍ بن حبيب بن أسدّ بن عبد العزَّى بن قُصَي، وقيل: من بني أسد (٩).
стр. 948
الأصول والفقه والفوائد:
وفيه ثنتا عشرة مسألة:
الأولى (١):
قوله: "سَمعَ امرَأَةً مِنَ اللَّيْلِ تُصَلِّي لا: يحتمل أنّه سَمِعَ ذِكْرَ صلاتِهَا من اللَّيل. ويحتمل من جهة اللَّفظ أنّ يسمع قراءتها، وهذا ممنوعٌ للنّساء؛ لأنّ أصواتهنّ عَورَة، وإنّما حكمها فيها تَجْهَرُ فيه أنّ تُسْمِعَ نفسها خاصّة.
الثّانية (٢):
قوله: "لا تنَامُ اللَّيلَ" يريد أنّها تُصَلِّي في جميع ليلتها، وإنّما كره النّبيُّ ﷺ ذلك؛ لأنّه عَلِمَ أنّه أمرٌ لا يُستطَاع الدَّوام عليه، وكان يعجبه من العمل ما داوم عليه صاحبه وان قَلَّ.
وقد اختلف قولُ مالك فيمن يُحْيى اللَّيْلَ كلّه: فكرهه مرّة، وأَرْخَصَ فيه مرَّة، وقال: لعلّه يصبح مغلوبًا، وفي رسولِ الله ﷺ أُسْوَة، كان يصلِّي أَدْنَى من ثُلْثَي اللَّيلِ ونصفه، فإذا أصابه النّوم فَلْيَرقُدْ حتّى يذهبَ عنه. ثمّ رجع (٣) عن هذا وقال: لا بأس به ما لم يَضُرَّ بصلاة الصُّبح. وإن كان يأتيه الصّبح وهو ناعس فلا يفعل.
الثّالثة:
فيه من الفقه: جواز السُّؤال عن المرأة لقوله: "مَنْ هَذِهِ؟ " وأمّا السؤال عن الرِّجال فلا إشكالَ فيه.
الرّابعة:
الغضَبُ والكراهيةُ في وجهه ﷺ ، والغضبُ هو من تغير النفس، بيانه في "كتاب الجامع" إنّ شاء الله.
الخامسة:
فيه: الزّجر عن ذلك كلِّه، وأنّ قوله (٤): "مه" يحتمل زَجْرًا عن ما مَضَى مِنَ
стр. 949
القولِ، وزجرًا عما جاء بعد من تكليف العمل.
السّادسة:
فيه: دليلٌ على الزَّجْر عن الدَّوام على الأعمال، فإنّ العبدَ خُلِقَ خَلْقًا ضعيفًا عاجِزًا, ولأجل ذلك كره له التّعاطي.
السّابعة:
قال علماؤنا: وفيه الحضّ على الاقتصاد بني أصل العمل كما بالدّوامِ، وهو قوله: "اكلَفُوا مِنَ العَمَلِ مَا لَكُم بِهِ طَاقةٌ".
قيل: إنّ في هذا إسقاط التكليف فيما لا يُطَاق.
وقيل: هو كلُّ فعلٍ وطاعةٍ كلَّفها الله لعباده.
وقال أبو المعالي إمام الحرمين (١): كلُّ تكليفٍ في الشّريعة فإنّه تكليفُ ما لا يُطَاق حقيقةً؛ لأنّ المكلَّفَ مأمورٌ بالقيام في حال القعود، والقُدْرةُ معدومة حينئذٍ، إذ الاستطاعة مع الفعل، فإن أعان تعالى على ما أَمَرَ به، وخَلَقَ القُدْرةَ، ويَسَّرَ الفعلَ، كان الامتثال ووجبَ الجزاء. وإن لم يخلق القُدْرَةَ، ولا يَسَّرَ الفعلَ، كان العجز ووقع التّعزير وتعيَّنَ العقاب؛ فإنّ الأمر كلّه لله، وبيان ذلك في "كتاب الأصول".
الثامنة:
قوله: "اكلَفُوا مِنَ العَمَلِ مَا لَكمْ بهِ طَاقَةٌ"، قال أهل العربية: اكلَفُوا بفتح اللّام، يقال كلِف الرَّجُلُ- بكسر-، العين يَكْلَفُ -بفتحها-: إذا بالغَ في الشَّيءِ.
التّاسعة: قوله: "فَإنَّ اللهَ لا يَمَلُّ حَتى تَمَلُّوا"
قال الإمام: قوله: "فَإنَّ اللهَ لاَ يَمَلُّ" عبارة عن التَّرك لأنّه فائدته؛ لأنّ العرب تعبِّر في المجاز عن الشَّيء بجنسه وفائدته، كما تُعبِّر بسببه، وهو أحد قِسمَي المجاز كما بينّاه (٢).
стр. 950
العاشرة:
معناه: لا يقطع وبترك حتّى تتركوا وتقطعوا، كما تقدّم، يريد: لايترك ثوابكم حتّى تتركوا طاعتي (١).
الحادية عشر:
يكون معنى "حَتَّى" بمعنى الواو، والتّقديرُ: فإن الله لا يملّ وتمَلّوا (٢). وفيه نظرٌ من طريقِ الإعراب، لضَعْفِهِ عندي ها هنا.
الثّانية عشر:
قال علماؤنا رحمة الله عليهم: لا يقتضي هذا إضافة الملل إلى الله تعالى، إنّما هو كما تقول العرب: لا ينقضي الزّمان حتّى ينقضي عمرك، ولا ينقطع الطريق حتّى تهلك إبلك، المعنى: أنّ ذلك لا يكون وهذا يكون.
الثّالثة عشر:
قال بعض النَّاس: له في التّأويل تقديمٌ وتأخيرٌ؛ حتّى تملّوا فإنّ الله لا يملّ.
الرّابعة عشر:
قال الكوفيون: فيه "لا" مضمرةٌ، التّقدير: فإنّ الله لا يملّ حتّى لا تملّوا، بيانه: قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ (٣) التقدير: ألَّا تضلّوا، وهذا فاسدٌ، فإنّه أبطل الكلاَمَ وأذهبَ الفائدةَ.
والصّحيحُ فيه: أنّ الله لا يقطع الثواب للعامل ما دام يعمل، فهذا قطع الخِدْمَةَ انقطعَ عنه الثّواب.
نكتةٌ أصوليّة:
قال القاضي أبو الوليد (٤): قوله: "اكلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ" يحتمل معنيين: