← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

السادسة: قوله ﷺ : "مَنْ قَامَ إِلَى حِزْبِهِ وَامرَأَتُهُ نَائِمَةٌ، فلينضح وَجْهَهَا بالماءِ لينبِّهَهَا" (١) قيل: إنّ ذلك على النَّدْبِ لا على الوجوب. خاتمة (٢): قولها (٣): "وَالبُيُوتُ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ" فيه التَّزَهُّد في الدُّنيا وأخذ البُلْغَةِ (٤) منها، وترك الاتِّساع في البُنْيَانِ. وفيه: أنّ الصّلاةَ في الظَّلامِ مأمورٌ بها, لتكون له نورًا يوم القيامة، ولقوله: "أَطْفِئُوا المَصَابِيحَ" (٥). حديث: قوله ﵇: "إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُم في صَلاَتِهِ، فَلْيَرْقُد، فَإِنَّهُ لَا يَدرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ اللهَ فيَسُبّ نَفْسَهُ" (٦). قال علماؤنا: فيه دليلٌ على أنّ العِلْمَ شرطٌ في صحَّة الصّلاة، وهذا المعنى موجودٌ في القرآن، قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الآية (٧) فالعلمُ شرطٌ في صحَّة الصّلاة، وقد قال جماعة من المفسِّرين معنى سكارى من النّوم (٨). وإذا (٩) قلنا بالعموم، فنحملُهُ على سُكْرِ النَّوْمِ وغيره، وهو عامٌ في كلِّ صلاة، والنوم أخصَّ به، ولذلك أدخله مالكٌ في صلاة اللّيل، وقد وافقه على ذلك جماعة

стр. 947

من العلماء؛ لأنّ (١) النّوم الغالب لا يكون في الأغلب إلَّا في صلاة اللّيل، وليس في الشّريعة دليلٌ على وجوب الوُضوء من النَّوم سوى هذا الحديث. قوله: "إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُم": ووجهُ التَّعلُّق به أنّه لعلَّهُ يذهب يستغفر فيسبّ نفسَهُ، فأشار إلى اختلال الحسّ (٢)، وذهاب العقل الّذي يكون معه التّحصيل، فربَّمَا استرسلَ دُعَاؤُهُ (٣)، وانحلَّ وِكَاؤُهُ، فانتقضت طهارته، وهو الغالب من حاله؛ لأنّها جِبِلَّةٌ لا تُنْكَر، وحالةٌ لا تُرَدّ، فيعارض أصل الطّهارة ظاهر هذه الحالة، فيُسقِطُ الطَّاهِرُ الأصلَ، وهي مسألة من أصول الفقه بديعةٌ، وهو إذا تعارضَ أصلٌ وظاهرٌ، تختلف فيها الأحوال وتتعارض فيها الأدلّة، وقد بيَّنَّاهُ في موضعه. حديث مالكٌ (٤)، عن إسماعيل بن أبي حَكِيمٍ؛ أنّه بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ سَمِعَ امرَأَةَ تُصَلِّي من اللَّيلِ، فَقَالَ: "مَنْ هَذ؟ " فَقِيلَ لَهُ: الحَوْلاَءُ بنتُ تُوَيْتٍ، لَا تنَامُ اللَّيلَ، فَكَرِهَ ذَلِكَ رَسُولُ الله ﷺ حَتَّى عُرِفَتِ (٥) الْكَرَاهِيَة فِي وَجهِهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ اللهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، اكلَفُوا مِنَ الَعمَلِ مَا لَكُم بِهِ طَاقَةٌ". الإسناد (٦): قال الإمام الحافظ: هذا حديثٌ منقطعُ السَّنَدِ، ولم يختلف الرّواة للموطَّأ (٧) في ذلك من رواية إسماعيل بن أبي حَكِيم كذلك، وقد يتَّصل معنىً ولفظًا عن النَّبيِّ صلّى الله عليه من طُرُقٍ كثيرة -من حديث مالكٌ وغيره صِحَاحٍ ثابتةٍ (٨). والحَوْلاَءُ هذه امرأةٌ من قُرَيش، وهي الحَوْلاَءُ بنت تُوَيتٍ بن حبيب بن أسدّ بن عبد العزَّى بن قُصَي، وقيل: من بني أسد (٩).

стр. 948

الأصول والفقه والفوائد: وفيه ثنتا عشرة مسألة: الأولى (١): قوله: "سَمعَ امرَأَةً مِنَ اللَّيْلِ تُصَلِّي لا: يحتمل أنّه سَمِعَ ذِكْرَ صلاتِهَا من اللَّيل. ويحتمل من جهة اللَّفظ أنّ يسمع قراءتها، وهذا ممنوعٌ للنّساء؛ لأنّ أصواتهنّ عَورَة، وإنّما حكمها فيها تَجْهَرُ فيه أنّ تُسْمِعَ نفسها خاصّة. الثّانية (٢): قوله: "لا تنَامُ اللَّيلَ" يريد أنّها تُصَلِّي في جميع ليلتها، وإنّما كره النّبيُّ ﷺ ذلك؛ لأنّه عَلِمَ أنّه أمرٌ لا يُستطَاع الدَّوام عليه، وكان يعجبه من العمل ما داوم عليه صاحبه وان قَلَّ. وقد اختلف قولُ مالك فيمن يُحْيى اللَّيْلَ كلّه: فكرهه مرّة، وأَرْخَصَ فيه مرَّة، وقال: لعلّه يصبح مغلوبًا، وفي رسولِ الله ﷺ أُسْوَة، كان يصلِّي أَدْنَى من ثُلْثَي اللَّيلِ ونصفه، فإذا أصابه النّوم فَلْيَرقُدْ حتّى يذهبَ عنه. ثمّ رجع (٣) عن هذا وقال: لا بأس به ما لم يَضُرَّ بصلاة الصُّبح. وإن كان يأتيه الصّبح وهو ناعس فلا يفعل. الثّالثة: فيه من الفقه: جواز السُّؤال عن المرأة لقوله: "مَنْ هَذِهِ؟ " وأمّا السؤال عن الرِّجال فلا إشكالَ فيه. الرّابعة: الغضَبُ والكراهيةُ في وجهه ﷺ ، والغضبُ هو من تغير النفس، بيانه في "كتاب الجامع" إنّ شاء الله. الخامسة: فيه: الزّجر عن ذلك كلِّه، وأنّ قوله (٤): "مه" يحتمل زَجْرًا عن ما مَضَى مِنَ

стр. 949

القولِ، وزجرًا عما جاء بعد من تكليف العمل. السّادسة: فيه: دليلٌ على الزَّجْر عن الدَّوام على الأعمال، فإنّ العبدَ خُلِقَ خَلْقًا ضعيفًا عاجِزًا, ولأجل ذلك كره له التّعاطي. السّابعة: قال علماؤنا: وفيه الحضّ على الاقتصاد بني أصل العمل كما بالدّوامِ، وهو قوله: "اكلَفُوا مِنَ العَمَلِ مَا لَكُم بِهِ طَاقةٌ". قيل: إنّ في هذا إسقاط التكليف فيما لا يُطَاق. وقيل: هو كلُّ فعلٍ وطاعةٍ كلَّفها الله لعباده. وقال أبو المعالي إمام الحرمين (١): كلُّ تكليفٍ في الشّريعة فإنّه تكليفُ ما لا يُطَاق حقيقةً؛ لأنّ المكلَّفَ مأمورٌ بالقيام في حال القعود، والقُدْرةُ معدومة حينئذٍ، إذ الاستطاعة مع الفعل، فإن أعان تعالى على ما أَمَرَ به، وخَلَقَ القُدْرةَ، ويَسَّرَ الفعلَ، كان الامتثال ووجبَ الجزاء. وإن لم يخلق القُدْرَةَ، ولا يَسَّرَ الفعلَ، كان العجز ووقع التّعزير وتعيَّنَ العقاب؛ فإنّ الأمر كلّه لله، وبيان ذلك في "كتاب الأصول". الثامنة: قوله: "اكلَفُوا مِنَ العَمَلِ مَا لَكمْ بهِ طَاقَةٌ"، قال أهل العربية: اكلَفُوا بفتح اللّام، يقال كلِف الرَّجُلُ- بكسر-، العين يَكْلَفُ -بفتحها-: إذا بالغَ في الشَّيءِ. التّاسعة: قوله: "فَإنَّ اللهَ لا يَمَلُّ حَتى تَمَلُّوا" قال الإمام: قوله: "فَإنَّ اللهَ لاَ يَمَلُّ" عبارة عن التَّرك لأنّه فائدته؛ لأنّ العرب تعبِّر في المجاز عن الشَّيء بجنسه وفائدته، كما تُعبِّر بسببه، وهو أحد قِسمَي المجاز كما بينّاه (٢).

стр. 950

العاشرة: معناه: لا يقطع وبترك حتّى تتركوا وتقطعوا، كما تقدّم، يريد: لايترك ثوابكم حتّى تتركوا طاعتي (١). الحادية عشر: يكون معنى "حَتَّى" بمعنى الواو، والتّقديرُ: فإن الله لا يملّ وتمَلّوا (٢). وفيه نظرٌ من طريقِ الإعراب، لضَعْفِهِ عندي ها هنا. الثّانية عشر: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: لا يقتضي هذا إضافة الملل إلى الله تعالى، إنّما هو كما تقول العرب: لا ينقضي الزّمان حتّى ينقضي عمرك، ولا ينقطع الطريق حتّى تهلك إبلك، المعنى: أنّ ذلك لا يكون وهذا يكون. الثّالثة عشر: قال بعض النَّاس: له في التّأويل تقديمٌ وتأخيرٌ؛ حتّى تملّوا فإنّ الله لا يملّ. الرّابعة عشر: قال الكوفيون: فيه "لا" مضمرةٌ، التّقدير: فإنّ الله لا يملّ حتّى لا تملّوا، بيانه: قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ (٣) التقدير: ألَّا تضلّوا، وهذا فاسدٌ، فإنّه أبطل الكلاَمَ وأذهبَ الفائدةَ. والصّحيحُ فيه: أنّ الله لا يقطع الثواب للعامل ما دام يعمل، فهذا قطع الخِدْمَةَ انقطعَ عنه الثّواب. نكتةٌ أصوليّة: قال القاضي أبو الوليد (٤): قوله: "اكلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ" يحتمل معنيين:

стр. 951

أحدهما: النَّدبُ لنا إلى تكلُّفِ ما لنا به طاقة. الثّاني: النّهي عن تَكَلُّفِ ما لا نطيق (١)، والأمر بالاقتصار على ما نطيقه، وهذا أَليَق بنَسَق (٢) الحديث. وقوله: "مِنَ الْعَمَلِ" الأظهر أنّه أراد به عمل البرِّ؛ لأنّه ورد على سَبَبِهِ، وهو قول مالكٌ؛ أنّ اللَّفظَ الوارد على سببه مقصورٌ عليه. الثّالث: أنّه لفظٌ وردَ من جِهَةِ صاحب الشَّرْعِ، فيجب أنّ يُحمَلَ على الأعمال الشرعيّة. وقوله: "مَا لَكُمْ بِهِ طَاقَةٌ" يريد -والله أعلم-: ما لكم بالمداومة به طاقة. وقوله: "فَإنَّ اللهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا" قال ابنُ وَضَّاح: معناه ترك العطاء (٣)، والمَلَل مِنَّا السآمةُ والعَجزُ عن الفعل، إلَّا أنّه لمّا كان معنى الأمرين التّركُ، وصفَ تركه بالملل على معنى المقابلة. وليس في هذا ما يدلُّ على أنّه يملّ العطاء إذا مللنا العمل، إلَّا من جهة دليل الخطّاب أذا عُلِّق بالغاية، وبه قال أبو بكر بن الطَّيِّب. وذكر الدّاوُدي في هذا المعنى (٤) فقال: معناه أنّ الله سبحانه لا يملّ وأنتم تملّون، فالخَلْق تلحقهم السآمة والغَفْلَة والعجز، والله تعالى مُنَزَّهٌ عن ذلك. قال ابن مسعود (٥): "إِن لِهَذِهِ الْقُلُوب شَهْوَةً وإِقْبَالًا، وَإِنَّ لَهَا فَتْرَةً وَإِدبَارًا، فخُذُوهَا عِنْدَ شَهْوَتِهَا وَإِقْبَالِهَا، وَدَعوُهَا عِنْدَ فَترَتِهَا وَإِدْبَارِهَا" (٦).

стр. 952

حديث (١): قوله (٢):"يُكرَهُ النَّوْمُ قَبْلَ العِشَاءِ، والحديثُ بَعْدَهَا". قال الإمام: إنّما هذا لِمَا فيه من التّغرير بصلاة العشاء وتعريضها للفَوَاتِ. ومعنى كراهية الحديث بَعْدَها: أنّ ذلك يمنع من صلاة اللّيل، وقد أرخصَ في ذلك لمن تحدَّثَ مع ضيفٍ، أو قرأَ عِلْمًا. وزادَ الدّاوديّ: أو لعروسٍ أو مسافرٍ. حديث: قوله (٣): "إنّ عَبْدَ اللهِ بنِ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: صَلَاةُ اللَّيلِ مَثْنَى مُثْنَى، يُسَلِّمُ مِن كُلِّ رَكْعَتَيْنِ" قال مالكٌ: "وَهُوَ الأَمْرُ عِنْدَنَا". حديث حسن صحيحٌ، يُسْنَدُ من طُرُقٍ (٤). وفيه من الفقه ثلاث، مسائل: المسألة الأولى (٥): قوله: "صَلاَةُ اللَّيْلِ" يريد النّافلة، ولذلك أضيفَ إلى اللّيل والنّهار، وبَيَّنَ ذلك بقوله: "يُسَلِّمُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ" فإضَافَتُهما إليهما (٦) يقتضي أنّ للّيل نافلة، وللنّهار نافلة، وأفضل أوقاتِ صلوات اللّيل ما تَقَدَّم ذِكْرُه، وأفضل النّهار الهَاجِرَة. المسألة الثّانية (٧): كره مالكٌ (٨) الصّلاة بين الظُّهر والعصر. ووجهُ ذلك: أنّ هذا وقت التَّصَرُّف والاشتغال بأمر الدّنيا، وإنّما يجب أنّ تكون الصّلاة في وقت النّوم والدَّعَةِ كصلاة اللّيل.

стр. 953

المسألة الثّالثة (١): قوله: "مَثْنَى مَثْنَى" يريد أنّ كلَّ ركعتين منها صلاة قائمة بنفسها, ولذلك قال مالك (٢): "وذلك الأمرُ عندنا" يريد: أنّ النّوافلَ لا يُزَادُ فيها على ركعتين، وبهذا قال الشّافعيّ (٣) وأبو يوسف. وقال أبو حنيفة (٤): إنّ شاء سلَّمَ من ركعتين، وإن شاء من أربع. وقال الثّوري والحسن بن صالح: صلِّ ما شئت بسلامٍ واحدٍ بعد أنّ تجلس في كلِّ ركعتين. والدّليل على ما ذهب إليه مالكٌ: قوله ﷺ : "صلاةُ اللَّيلِ مَثنَى مَثْنَى". ودليلنا من جهة المعنى: أنّ هذه صلاة نَفْلٍ لم تجز الزِّيادة فيها، كصلاة العيد.

стр. 954

صلاةُ النّبيّ ﷺ -في الوِتْرِ فيه ثمان مسائل: المسألة الأولى: في الإسناد روى (١) هذا الحديث (٢) جماعة عن ابن شهاب؛ فزادوا فيه: " يُسَلَّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ". ورواه مالكٌ عن الزُّهري، عن عروة، عن عائشة، في عدد ركعات النّبيّ ﷺ في الوِتْرِ موافقًا لما رواه هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة، فقال فيه: "إِنّ النّبيَّ ﵇ كان يُوتِرُ بثلاث عشرة ركعة". والصّحيح في هذا عن عائشة ما رواه الزُّهريّ وسعيد بن أبي سعيد؛ أنّ النّبيَّ صلّى الله عليه كان يُوتِرُ بإحدى عشرة ركعة (٣). قال الإمام: والغَلَطُ فيه من طريقِ هشامٍ لا غير. وقوله: "يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ" يقتضي أنَّ الوِتْرَ واحدةٌ (٤). وقد (٥) اختلف النَّاس في الوِتْرِ في ثلاث مسائل: أحدها: وجوبه. والثّانية: عدده. والثّالثة: إفرادُه من الشَّفْعِ. فأمّا وُجُوبُه، فقد اختلف العلماء في ذلك: فذهب مالكٌ ﵁ إلى أنّه غير واجبٍ (٦)، وبه قال الشّافعيّ (٧). وقال أبو حنيفة (٨): هو واجببٌ وليس بفَرْضٍ، والوجوبُ عنده دون الفَرْضِ وفوق السُّنَنِ، ومزيّته على السُّنَنِ أنّه يجوز ترك السُّنَنِ ولا يجوز ترك الوجوب (٩)

стр. 955

ونقصه من الفَرْضِ؛ أنّه يَكفُر جاحد الفَرْض ولا يكفر جاحِدَ الوَاجِبِ. وقال عبد الوهّاب (١): الواجب عندنا والفَرْضُ، واللّازم، والخَتْمُ والمستحقّ، بمعنى واحد، فيتحقّق معهم الكلام في هذه المسألة، فإن أرادوا بالوجوب أنّه ممّا يحرمُ تركُه (٢)، فهو خلافٌ في عبارة، فلا معنى بالاشتغال بالمناظرة في ذلك. وإن قالوا: إنّه ممّا يحرم تركه، فهو خلافٌ في معنى. والدليل على نفي وجوبه: قوله ﷺ للأعرابي الّذي سأَلَهُ عن الخمس صلوات في اليوم والليلة، قال: هل عليَّ غيرهن؟ قال: "لا، إلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ" (٣). فوجه الدّلالة منه: ١ - أنّه سأل عن الفَرْضِ، فأجابَ بالخمس، وهذا يقتضي أنّ الخمس جميعٌ فَرْض الصّلاة. ٢ - والثاّني: أنّه قال: هل عَلَىَّ غيرها؟ قال:" لا" فَنَفَى الوجوب عن غيرها. ٣ - والثاّلث: أنّه قال: "إلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ" فوصف ما زاد على الخمس بالتَّطَوُّعِ. المسألة الثّانية (٤): في عدد الوتر، فإن مالكًا ﵀ ذهب إلى أنّ الوِتْرَ واحدة (٥)، وبه قال الشّافعيّ. وقال أبو حنيفة: الوِتْرُ ثلاثٌ في تسليمةٍ واحدةٍ. والدليلُ على ما نقوله: قول عائشة في هذا الحديث: "يُوترُ مِنْهَا بَواحِدَةٍ". ودليلٌ ثانٍ (٦): قوله في هذا الحديث: "كان رسولُ الله صلّى الله عليه قد أسن

стр. 956

وبدن" (١). يقال بَدَنَ وبَدُن بفتح الدّال وضمّها، أي كَثُرَ لَحْمُه، وأنكره أبو عُبَيْد (٢). وله معان كثيرة في غير هذا الموضع (٣). المسألة الثّالثة (٤): وهي أنّ الوِتْرَ لا يكون إلَّا عَقِبَ شَفْعٍ، وأقلّه ركعتان، قالَهُ ابن حبيب عن مالكٌ، وهو المشهور من المذهب (٥)، وقال سحنون في "كتاب ابنه" عن مالكٌ: إنّ المسافر يُوترُ بركعةٍ واحدةٍ، وقد أَوْتَرَ سحنون في مَرَضِهِ بركعة واحدة، وذلك يدلُّ على تخفيف ذلك على أهل الأعذار، وأنّ الشَّفْعَ ليس بشَرْطٍ في صِحَّتِهِ (٦). المسألة الرّابعة: في ذكر المسنون والمفروض من الصّلاة قال الإمام الحافظ ﵁: فرضَ اللهُ من الصلوات نوعًا واحدًا، وهي الخُمسُ. واختلفَ العلماءَ فيما شرع: فقال أبو حنيفة: شرع أربعة أنواع فَرْضًا، وسنَّةً واجبةً، وسنةٌ غير واجبةٍ، ونفْلًا. وقال أشياخنا: شَرَعَ أربعًا: فَرْضًا، رَغِيبَةً، سُنَّةً، ونَفْلًا. قال الإمام: وهذه اصطلاحات منهم لم تجىء على لسان الشَّرع إلَّا بعضها، فلا ينبني عليها حُكْمٌ. وقال أبو حنيفة: الفَرْضُ ما ثبتَ في كتاب الله، والواجبُ ما ثبت بسنَّتِهِ وسنّة رسوله (٧)، كالوِترِ. وقلنا: الفَرْضُ: ما ورد الذَّمُ بِتَرْكِهِ. والسُّنة: ما فَعَلَهُ رسول الله صلّى الله عليه في جماعةٍ. والنَّفْلُ: ما وعد بالثّواب على فعله. والرَّغَائب: ما أكّد الثّناء عليها وخصّها بالذِّكْر.

стр. 957

وأمّا الفرائض فخمسٌ. وسَنَّ أيضًا رسولُ الله صلّى الله عليه خَمْسًا: الوِتْر، والخسوف، والاستسقاء، والفطر، والأضحى، وما سوى ذلك نافلة، إلّا ركعتي الفجر فهي من الرَّغائب. ومِنْ أَوْجَبِ النّوافل وأَعْظَمِها ما رُوِيَ في الحديث الحسن؛ أنَّ رسول الله صلّى الله عليه قال: "إنَّ اللهَ أَمَرَكُم بِصَلاَةِ هي خَيرٌ لكم من حُمْرِ النَّعَمِ، وهي ما بين صلاة العشاء وطُلُوع الفَجْرِ، الوِتْرُ الوِتْرُ" (١). وقال:" لا تدعوا رَكْعتي الفجر وإن كانت الخَيْلِ مُغِيَرة في أَثَركِمْ، فإنّ فيها الرَّغائب والخير كلّه" (٢). المسألة الخامسة (٣): وهل يتعيَّن للوِتْر قراءة على الوجوب أو الاستحباب؟ قال ابنُ نافع في "المجموعة": إنّ النَّاس يَلْتَزِمُونَ في الوِتْر قراءة قُل هو الله أحد والمعوّذتين (٤) وما هو بلازم، وهذا ينفي الوجوب. وروى عنه ابنُ القاسم؛ أنَّه قال: إنِّي لأفْعَلُه، وذلك يدلُّ على الاستحباب. ورَوَى ابنُ القاسم عن مالكٌ: من قرأَ في الوِتْرِ سَهْوًا باُمِّ القرآن فقط، فلا سجود عليه. وأمّا الشَّفْع، فقد رَوَى ابنُ زياد عن مالك: أنّه قال: ما عندي شيء يستحبّ به القراءة دون غيره، وهذا يدلُّ على أنّ الشَّفْع من جِنْسِ سائر النّوافل، وهذا عندي لمن كان وِتْرُهُ (٥) عَقِبَ صلاتِه باللّيل، وأمّا مَنْ لم يُوتِر إلَّا عَقِبَ شَفْعٍ، فإنّه يستحبُّ له أنّ يقرأَ بسَبَّح وقُلْ يا أيّها الكافرون، على ما تقدَّمَ في حديث ابن عبّاس.

стр. 958

المسألة السادسة (١): قوله (٢): "اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَن" قال علماؤنا (٣): هذه الضّجعة ليست بقُرْبَةٍ، وإنّما كان ﷺ يضطجعُ راحةً وإِبقَاءً على نفسه. وقال مالكٌ: مَنْ فَعَلَها راحةً فلا بأس به، ومن فعلَها سُنَّةَ فلا خَيْرَ في ذلك. وإلى هذا ذهب جماعة الفقهاء. وأهل (٤) الظاهر بجَهْلِهِمْ يُوجِبُونَها ويجعلونها سُنَّة (٥)، وليس هذا بشيءٍ، وأنكر هذه الضَّجْعَة جماعةٌ. وقال ابنُ عمر: هي بدعة لمن لم يقم اللّيل. المسألة السّابعة: وقولُه في الحديث (٦):" كانَ يَنَامُ قَبْلَ أنّ يُوتِر" (٧) يحتمل معنيين: ١ - إحدهما: أنّه كان ينام بإثْرِ صلاة العشاء قبل أنّ يُوتر. ٢ - ويحتمل أنّ يكون أراد به: صلَّى أَرْبَعًا ثُمَّ نامَ قبلَ أنّ يُوتِر، فقالت ذلك، فقال: "يا عائشةُ، إنَّ عَيْنَيَّ تنَامُ ولا يَنَامُ قَلْبِي" (٨) يريد أنّه لا ينامُ عن مراعاة الوقت، وهذا ممّا خُصَّ النّبيُّ ﷺ به من أَمْرِ النُّبُوَّةِ والعصمة؛ ولذلك كان لا يحتاج إلى الوضوء من النّوم، لعلمه بما يكون منه، وإن كان محروسًا من الحَدَثِ. المسألة الثّامنة: الوِتْرُ قبلَ النَّومِ فيه حديث أبي هريرة؛ قال: "أَوْصَاني خَلِيلي أبو القاسم بصيامِ ثلاثةِ أيّامٍ من كلِّ شهرٍ، وركعَتَي الضُّحى، ولا أنام إلّا على وِترٍ" (٩). قال أهلُ الزُّهد: في هذا ثلاث فوائد:

стр. 959

الفائدة الأولى: فيه تحصيل الوِتْر من أوَّل اللّيل ومن آخر اللّيل، أوَّلًا لفَضْلِهِ، فإن أوْتَر أوَّل اللّيل، حَصَلَ له بذلك ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: قَصْرُ الأمل وتحصيل الوِتْر. والثّانية: أنّه قد أدّى سنّة، والوِتْرُ من آخر اللّيل لأهل الأوراد أفضل. وكان أبو بكر الصديق ﵁ يُوترُ إذا أراد أنّ يأتي فِرَاشَه، وكان عمر بن الخطّاب يُوتر بواحدةٍ آخِرَ اللّيل، وكذلك كان فعل السَّلَفِ. قال سعيد بن المسيِّب: فامّا أنا فإذا جئتُ فراشي أَوْتَرْتُ. حديث مالك (١)، عن مَخرَمَة بن سليمانَ، عن كُرَيْبٍ مَوْلَى ابنِ عبّاس؛ أنَ عبد الله بن عبّاس أخبرهُ: أنّه باتَ عند ميمونة زوج النّبيّ ﷺ وهي خَالَتُه - قال: فَاضْطَجَعْتُ في عَرْضِ الوِسَادَةِ، واضْطَجَعَ رسولُ الله وأَهْلهُ في طُولِهَا، فنامَ رسولُ الله حتّى إذا انتصفَ الليلُ أَوْ قَبْلَهُ بقليل الحديث إلى آخره. فيه ست عشرة مسألة: المسألة الأولى: في السَّندَ قال جماعة المحدِّثين: هذا الحديث مُسْنَدٌ صحيحٌ من طُرقِ (٢)، وخرجَّه الأيمّة مسلم (٣)، والبخاريّ (٤)، وغيرهما (٥). المسألة الثّانية: فيه من الفقه: جواز مبيت الغلمان عند ذوات أرحامهم (٦)، والدخول عليهنّ. المسألة الثّالثة: "الاضطجاع" قال علماؤنا: هو مأخوذٌ من قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (٧) والمضاجِعُ جمعُ مضجع، وهي مواضع النّوم، ويحتمل وقت الاضطجاع، ولكنه مجازٌ والحقيقةُ أَوْلَى، وذلك كناية عن السَّهَرِ في طاعة الله.

стр. 960

وقوله: ﴿تَتَجَافَى﴾ فيه قولان: أحدهما: ذكر الله، والآخر: الصّلاة. المسألة الرّابعة (١): قوله: "في عَرْضِ الوِسَادَةِ" قال علماؤنا: هي الفراش الّذي ينامُ عليه، فكان ابنُ عبّاس في عَرضِها عند رؤوسهما، أو عند رجليهما. وقال الدّاوديُّ: الوِسَادةُ ما يضعون رؤوسهم عليه للنّوم، فوضع سول الله ﷺ وأهله رؤوسهما في طُولِها، ووضع ابن عبّاسٍ رأسه في عرضها. نكتةٌ لغوية (٢): قال أهل اللُّغة: والعُرْضُ -بالضَّمَّ- هو الجانب، يريد الجانب الضَّيَّق منها. وهذا ليس بالبَيَّينِ عندي، ولو كان ذلك لقال: يَتَوسَّد رسولُ الله ﷺ طول الوِسَادة، وتوسّد ابن عبّاس عرضها. وأمّا قوله: "فَاضْطَجَعَ" فإنّه يقتضي أنّ يكون العُرْض مَحَلًّا لاضطجاعه، ولا يصحّ ذلك إلَّا بأن يكون فراشًا له، وما قالوه في العُرْضِ فغير صحيحٍ من جهة النَّقل، ومن جهة المعنى، فإن العُرْضَ الجانبُ، الّذي كان يتوسَّدُ رسولُ الله ﷺ عليه إنّما كان الجانب، بلا فرق بينهما إلّا بالطُول والعَرْضِ، والله أعلم. ومن جهة المعنى أيضًا: أنَّه لم يرو أحدٌ من علمائنا بالضَّمِّ (٣)، وإنّما الرِّواية فيه بالفتح، وإذا كان هذا، فإنّ العرض الجانبُ، فلا فرق بينهما إلَّا بالطُّول والعرض. المسألة الخامسة (٤): فيه: إباحة هذا لمن كان في سِنِّهِ، ويحتمل أنّ يكون سِنُّهُ في هذا الوقت نحو العشرة الأعوام؛ لانّ النّبيَّ ﷺ تزوّج ميمونة في ذي القعدة من سنة سبعٍ من الهجرة، وكان عبدّ الله في ذلك الوقت على ما ذكرنا من السِّننَّ، وهو سِنُّ يُمنع أنّ يَرْقُدَ من بَلَغَهُ مع أحدٍ من الأجانب، أو ذي المحارم دون حائل بينهما، ذَكَرًا كان أو أُنْثَى. وقد رَوَى ابنُ وهب (٥)؛ أنّ النَّبيِّ ﷺ قال: "يُؤْمَرُ الصِّبيانُ بالصلاة لسبع، ويُضرَبُون عليها لعَشْرٍ وَيُفَرَّق بينهم في المضاجع " ولا يكون التّفريق إلَّا إذا بلغ عشر سنين.

стр. 961

المسألة السادسة (١): قوله: "حتَّى انتصفَ اللَّيْلُ، أو قَبْلَهُ بقَليلٍ، أو بعده بقليل" فيه التَّحَرَّي في اللّفظ والمعني؛ لقوله: "أو قَبلَهُ بقليلٍ" وهذا فرارٌ من الكَذِبِ، وَوَرَعٌ صادقٌ، ومثلُ (٢) هذا من أفعال الصِّدْقِ. المسألة السَابعة: قوله: "يَمْسَحُ النَّوْمَ عن وَجْهِهِ بِيَدِهِ" إنّما فعل ذلك لكي يزول النّوم، ويستجلب اليقظة. المسألة الثّامنة (٣): قوله: " وقرأَ العَشْرَ الأَوَاخِرَ من سُورة آل عِمْرَانَ" قال علماؤنا: فيه من الفقه: قراءةُ القرآن على غير وضوءٍ؛ لأنّه نام النَّوْمَ الكثير الّذي لا يختلف في مِثْلِه. وأمّا قراءة القرآن على غير وُضُوءٍ" فلا أعلم خلافًا في جوازه ما لم يكن حَدَثَ جَنَابَةٍ، وعلى هذا جماعة العلماء. وَرُوِيَ عن عليّ بن أبي طالب ﵁ عن النّبيِّ ﷺ أنّه قال: كانَ النّبيُّ ﷺ لا يحجزُهُ عن قراءةِ القرآن شيءٌ إلَّا الجَنَابَة (٤). المسألة التّاسعة (٥) قوله: "ثُمَّ قَامَ إلَى شَنٍّ مُعَلَّقٍ" قال علماؤنا: هي القِرْبَةُ، والإداوة الخَلَقُ، ويقال لكلِّ واحدٍ منهما: شَنٌّ، وشِنَانٌ وهو الجمع (٦). المسألة العاشرة: قوله: " فتوضَّأَ منها فأحسن وضوءَهُ، ثمَّ قامَ يُصَلَّي " قد تكلَّم النّاسُ في قيام اللّيل، هل هو فَرْضٌ على النّبيِّ ﷺ أم لا؟ فقيل: كان فَرْضًا على النّبيِّ ﷺ وعلى النَّاس، ثمّ نُسِخَ عن النّاس بقوله تعالى:

стр. 962

﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ (١) وبقِيَ فَرْضًا على النَّبيِّ ﷺ . وقيل: بَقِيَ منه فرض القليل، وهو قول البخاريّ (٢). نكتةٌ أصولية: فإن قيل: فايُّ شىءِ بَقِيَ فَرْضًا على النّبيِّ ﷺ وقد دخل ﵇ في العموم بقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ (٣). قلنا: إنه لا صِيغَة للعموم، وبهذا يحتجُّ مَنْ لا يقول بالعموم مثلنا. فإن قيل: وبأيّ شيء يحتجّ من يقول به؟ قلنا: الإجماع انعقدَ عليه أنّه فَرْضٌ على النَّبِيّ ﷺ . المسألة الحادية عشر (٤): قوله: "فَصَنَعْتُ مثلَ ما صنَعَ" يحتمل أنّ يريد به جميع ما فعله النّبيّ ﷺ على وجه الاقتداء به. ويحتمل أنّ يريد به فعل الوضوء والصّلاة، أعني القيام إلى جَنْبِه. المسألة الثّانية عشر (٥): قوله: "فقامَ إلى جَنبِهِ" يريد أنّه قام يُصَلَّي يصلاتِهِ , وهذا يدلُّ على أنَّ الإمام يَأْتَمُّ بمن لم ينو أنّ يَوُمَّ به. وبهذا قال مالك (٦). وقال الشّافعيّ: لا يجوز أنّ يأتمَّ به حتَّى ينوي ذلك الإمام عند إحرامه. وقال أبو حنيفة: يأتمُّ به الرِّجال ولا يأتمّ به النِّساء. ودليل مالكٌ: فعلُ ابن عبّاس هذا. وأقَّرَهُ النّبيُّ ﷺ ، وهو دليلٌ على جوازه؛ لأنّه لا يُقِرِّهُ على المنكر. فإن قيل: يحتمل أنّ يكون ابن عبّاس صادفَ دخوله في الصّلاة حين افتتح

стр. 963

النَّبيّ ﷺ ركعتين بعد أنّ سلَّمَ مِمَّا قبلهما، فَنَوَى النبيُّ ﷺ إمامته. فالجواب: أنّه لا يصحّ؛ لأنّه كان يقيمه على يمينه (١)، ولم يكن ليُقرِّهُ على أنّ يقوم على يساره فيديره في الصّلاة. وقد (٢) بيَّنَّا مواقف المأموم مع الإمام على سبعة مواقف في بَدْءِ الأذان في حديث ابن المسيَّب. وقال بعضهم: جائزٌ لكلِّ مَنِ افتتح الصّلاة وحدَهُ، أنّ يكون إمامًا، وينقله عن شماله إلى يمينه. تركيب (٣): قال آخرون: أمّا الامامُ والمؤذِّن إذا أَذَّنَ فقد دعا النّاسَ إلى الصّلاة، ثمّ (٤) انتظر فلم يأته أحدٌ، فيقيم (٥) وحدَهُ ويصلِّي، فيدخل رجلٌ، فجائزٌ أنّ يدخل معه في الصّلاة ويكون إمامه؛ لأنّه قد دعا النّاسَ إلى الصّلاةِ ونوَى الإمَامَةَ، والقولُ في هذا الحديث أنّ الإمَامَةَ صحيحةٌ. المسألة الثّالثة عشر (٦): في هذا دليلٌ على صحَّةِ صلاته وإن لم يبلغ الحُلُم إذا عقل صلاته، وهذا (٧) في صلاة من قولها هذا الحديث أصلٌ في هذا المعنى. المسألة الرّابعة عشر (٨): قولى: "فأَخَذَ بِأُذُنِي اليُمنَى يَفْتِلُهَا" يدلُّ على يسير العمل في الصّلاة لا يمنع صحّتها (٩) ويحتمل أنّ يفعل ذلك تأنيسًا. ويحتمل أنّ يفعله إيقاظًا له، وقد رُوِيَ عنه أنّه قال: فجعلتُ إذا أَغْفَيْتُ يَأْخُذُ بِشَحْمَةِ أُذُنِي (١٠).

стр. 964

المسألة الخامسة عشر (١): قوله (٢): "ثُمَّ صَلَّى ركعتين وهما دون اللَّتَيْنِ قَبْلَهُما"، يعني في الطُولِ، ومعنى ذلك: أنّ آخر الصّلاة مبنيٌ على التّخفيف عمّا (٣) تقدم في أوّلها, ولذلك شرع هذا المعنى في صلاة الفَرْضِ. المسألة السادسة عشر (٤): قوله: "ثُمَّ أَوْتَرَ، فَذَلِكَ ثلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً" بَيِّنٌ أنّ الوِتْرَ منها ركعة واحدة. حديثُ (٥) زيد بن خالد الجهنيّ (٦)؛ أنّه قال: لأرْمُقَنَّ اللَّيلَةَ صلاةَ رَسولِ الله ﷺ . الحديث. الأصول: فإن قيل: كيف جاز هذا لزَيْدٍ وهو تَجَسُّسٌ منه، وقد قال النّبيّ ﷺ : "لا تَحسَّسُوا ولا تَجَسَّسُوا" الحديث إلى آخره (٧). وإذْنُ (٨) الرَّجل لمنزل صاحبه يسمع ما يحتاج إليه، كذلك يسمع ما يستغني عنه، أو ما لا يجوز له سماعه. قلنا: الجواب عنه من وجهين: ١ - أحدهما: أنّ يكون ذلك بِعِلْمِ رسول الله ﷺ بمكان زَيْد، وإذا عَلِمَ صاحب المنزل، فذلك جائز التّحسُّسِ والتّجسُّسِ (٩). ٢ - ويحتمل أنّ يكون بغير علمه، ولكن زيدًا كان على بُعْدٍ حتّى سمع النّبيَّ ﷺ يتوضَّأ أو يقرأ، فحينئذٍ دَنَا، وذلك جائز مع كلَّ أحدٍ.

стр. 965

المسالِك في شرح مُوَطَّأ مالِك للقاضي أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربيّ المعافريّ (المتوفَّي سنة:٥٤٣ هـ) قرأه وعلّق عليه محمد بن الحسين السُّليماني ........ عائشة بنت الحسين السُّليماني قدَّم له الشّيخ الإمام يوسف القَرَضَاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين المجلد الثّالث دَار الغَرب الإسلامي

стр. 966

دَار الغرب الإسلامي جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٨ هـ -٢٠٠٧ م دار الغرب الإسلامي ص: ب. ٥٧٨٧ - ١١٣ ببروت جميع الحقوق محفوظة. لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في نطاق استعادة المعلومات أو نقله بأي شكل كان أو بواسطة وسائل إلكترونية أو كهروستاتية، أو أشرطة ممغنطة، أو وسائل ميكانيكية، أو الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطي من الناشر.

стр. 967

المسالِك في شرح مُوَطَّأ مالك للقاضي أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربيّ المعافريّ (المتوفَّي سنة:٥٤٣هـ) المجلد الثّالث

стр. 968

الأَمْرُ بالوِتْرِ قال علماؤنا: الوِتْرُ عبادةٌ مؤَقَّتَهٌ، رَوَى مسلم (١)؛ أنَّ النّبيَّ ﷺ أوتر من صلاة العشاء إلى طلوع الفجر. ويعضده حديثُ مالكٌ (٢)، وذلك قوله: "فإذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصّبْحَ" دليلٌ على الخوفِ، بَيْدَ أنّ مالكًا قال: يجوزُ وإن طلعَ الفجرُ مالم يصلّ الصُّبح. وبالغ فيه حتىّ قال: تقطع به صلاة الصُّبح بدخوله فيها، فإن فعل بعد الفجر، فإنّما يكون على معنى القَضَاء، كما يفعل بركعتي الفجر بعد طلوع الشّمس وقبل صلاة الصُّبح على معنى القضاء، والأمرُ في ذلك قريبٌ. نكتةٌ لغوية: قوله في التّرجمة (٣): "الأمرُ بالوِتْرِ" فيه لغتان: بفتح الواو، وكسرها. والتّاءُ في اللُّغتين ساكنة، وأهل نجد يفتحونها، وأهل الحجازي يكسرونها. والوَتْرُ: الفَرْدُ الّذي لا ثاني له، والوِتْرُ -بكسر الواو- طلبك الدَّم. إلحاق: قوله في هذا الباب: "صَلاةُ اللَّيْل مَثْنَى مَثْنَى" (٤) قد تقدّم الكلام عليه. اختلف العلماء أيُّهما أفضل في النّوافل، أَطُول القيام وإن قلّ الرّكوع والسّجود، أم الإكثار من الرّكوع والسجود وإن قصر القيام؟ فعلى قولين: القول الأوّل - قيل: طُولُ القيام أفضل، لقوله ﷺ : "أفضلُ الصّلاةِ طُولُ القُنُوتِ" (٥). القول الثّاني - قيل: بل الأفضل الإكثار منَ السُّجود وإن خَفَّ القيام، لحديث أم هانئ المذكور في صلاة الضُّحَى، ولقوله ﷺ : "أعِنِّي على ذلك بِكَثْرَة السُّجود" (٦).

стр. 969

تفصيل: أمّا في النّهار، فكثرةُ السُّجود أفضلُ، لحديث أم هانئ (١). وأمّا اللّيل، فطُولُ القيام أفضل، لما رُوِيَ فيه من فِعْلِهِ ﷺ . فقه: اختلف العلماء في العدد الّذي يجمع من الرَّكَعات في صلاة النّافلة على قولين: القولُ الأوّل - قال مالكٌ: لا يُجْمَعُ في النّوافل أكثر من اثنتين (٢)، لقوله ﷺ : "مَثْنَى مَثْنَى". الثّاني - قال أبو حنيفة (٣): يُصَلِّي ما شاءَ أرْبَعًا، أو خَمْسًا, أو ثمانيًا، ولا يزيد على الثّمان. والحُجَّةُ فيما (٤) اعتمد عليه مالكٌ ﵀: الحديث الّذي صَدَّرَ به هذا الباب، ومصاحبة العمل له وغير ذلك. واحتجَّ المخالفُ أبو حنيفة بحديث أمّ هانئ، وحديث عائشة؛ قالت: كان يُصَلَّي الضُّحَى أرْبعًا (٥). وحملَ مالكٌ ذلك على أنّه كان يُسَلَّم من كلِّ ركعتين، وليس في الأحاديث بأنّه لم يسلِّم. تنبيه على وهم (٦): قال الإمام: رَوَى الرُّوَاةُ فيه: "صَلاةُ اللَّيلِ مَثْنَى مَثْنَى" وهو وَهْمٌ قبيحٌ، وإنمّا الصّحيح الثّابت؛ أنّ كلَّ صلاةٍ رُوِيت عن النّبيِّ ﷺ في النّهار، إنّما هي مَثْنَى شَفْع، وكلُّ صلاةٍ رُوِيَت عنه باللّيل (٧) فإنمّا عقبها الوِتْر. قال علماؤنا: فإذا ثبت هذا، فإن الوِتْر سُنَّةٌ غير مفروض، وفي فعله ثوابٌ تفضَّلَ الله به على عباده، في تركه عقاب، إنّ شاء ربّه أنّ يعاقبه، وإن ئساء غفر له برحمته.

стр. 970

وقال أبو حنيفة (١): هو واجب يعاقَبُ تارِكُهُ، وهو في المشيئة. وليس له في هذه المسألة دليلٌ يُعَوَّلُ (٢) عليه، وكلّ حديث تعلَّقَ به فباطلٌ، وقد نزع سحنون بهذه المسألة إلى رَأْي أبي حنيفة، فقال: إنّ من تركَ الوِتْرَ يُؤَدَّبُ، وإنّما الْتَقَفَهَا من أسَد بن الفرات (٣)، وحديث الأعرابي يقطعُ به قوله: "إلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ" (٤). تكملة (٥): اعملوا -نور الله قلوبكلم بالمعارف- أنّ الوِترَ خاتمة النّوافل، وذلك أنّ البارئ تعالى شرع الفرائضَ وِتْرًا شرعًا مفروضًا، فشرع لكلِّ (٦) النّوافل وترًا (٧) شرعًا مسنونًا؛ لأنّ الله وِترٌ يحبُّ الوِتْرَ، ولولا الوِتْرُ ماخلقَ الشَّفْع، وإنّما خلقَ الشَّفْع ليتبيَّنَ الوِتْر به. فغاية الفَرْضِ سبع عشرة ركعة، وإلى هذا العدوإنتهى النَّبيُّ ﷺ بالنوافل في صلاة اللّيل، ولم يزد عليه. وإنّما يكون الوِتْرُ باللّيل دون النهار، لقوله صلّى الله عليه: "صلاةُ اللّيْل مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ، صَلَّى ركعَةً واحدةً تُوتِر لَهُ مَا قَدْ صَلَّي" (٨) فلا تلتفتوا إلى قول أبي حنيفة؛ لأنّه جاء بشَيْءٍ: شَاذًّ، وهو خَرْقٌ في الشّريعة لا يرقع , وليس له فيه حديث أشبه من قوله: "أَوتِرُوا يا أَهْلَ القُرآنِ" (٩) ولم يصحّ من جهة السَّنَدِ، ولا قوي من جهة المعنى، فإنّما يريد به أهل القرآن الّذين يقومون به ليلًا، وقيامُ اللّيل ليس بمفروضِ في أصله، فكيف يكون فرْضًا في وصفه؟ وقد ناقض فقال: إنّ الوِتْرَ يُفعَلُ على الرّاحلة. فحجَّتُنَا أنّ نقول: صلاة تُفْعَلُ على الراحلة مع الأمن والقُدْرَةِ، فلا تكون واجبة كركعتي الفجر، عكسهُ الصُّبح.

стр. 971

حديث عبادة (١)؛ قال: كَذبَ أبو محمدٍ، سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "خَمْسُ صلواتٍ كَتبَهُنَّ اللهُ على العِبَادِ" الحديث. قال الإمام: هذا حديثٌ من معظم أُصولِ العبادات، وقال بعض العلماء (٢): سَنَدُ (٣) هذا الحديث في "الموطَّأ" مجهولٌ (٤)، وهو حديث رواه يحيى بن سَلّام عن يحيى بن سعيد (٥). والمتعلّق منه الكلام على معنى قوله: "اسْتِخفَافًا بِحَقَّهِنَّ " فاعلم أنّ تارك العبادات على ضربين: غير قاصدٍ، كالنّاسِي والنائم وما أشبههما، واللَّومُ عنه مرفوعٌ شَرْعًا. وقاصدٌ تركها، إمّا للاشتغال بغيرها، أو تركًا (٦) مجردًا, ولا يكون ذلك على إلاستخفاف الّذي هو في لسان العرب: التّهاونُ والاحتقارُ، مشتقٌ من الخِفَّةِ؛ فإن المرءَ إذا اعتقد الشَّيءَ عَظيمًا هَابَهُ ووفّاهُ من الخدمة حَقَّه. وإذا اعتقدَهُ خفيف الوَطْأَة هَيَّنَ المَدْرَكِ احْتَقَرَهُ. وهذا الاستخفاف إمّا أنّ يكون عن رَبِّ الرُسُلِ (٧) تعالى، أو في المُرْسَلِ ﷺ ، فيكون بهذا كافرًا مُخَلَّدًا في النَّارِ. وأمّا أنّ يكون عن تغَافُلٍ عن عذاب الله تعالى واغتِرَارٍ بالأمَلِ، فذلك فاسقٌ عند أكثر العلماء. وهو القسمُ المراد في الحديث، بدليل قوله: "إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ, وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ" (٨) ولو كان القسم الّذي يكون به كافرًا لما جَعَلَهُ تحت المشيئة. وقد ينقسم التَّرْكُ للاشتغال بعد هذا، إلَّا أنّ يكون الشُغْلُ بفَرْضٍ يتعيَّن، كإنجاء الغَرْقَى، وإنقاذ الهَلْكَى، وشِبْهِ ذلك، فهذا قسمٌ محمودٌ. فهذا اشتغل بهذين وتركهما، كان أيضًا مُسْتَخِفًّا؛ لأنّه ترك الأَعْلَى للأَدْنَى، والأكبر للأَجَلَّ، والله أعلم.

стр. 972

قال القاضي أبو بكر: والعهدُ في القرآن: كلُّ ما كان فيه الوَعْدُ على العمل الصّالح، مثل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية (١)، وكذلك: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ (٢). وقال القاضي أبو الوليد الباجي (٣): "في هذا الحديث، "استخفَافًا بحَقهِنَّ" هو احترازٌ من النِّسيَانِ والسَّهْوِ الّذي لأ يمكن لأحدٍ الاحترازَ منه، إلَّا مَنْ تفضَّلَ اللهُ عليه بالعِصْمَةِ، فمن نقصَ منهُنَّ شيئًا استخفَافًا وهو عالِمٌ بذلك، فذلك المستخفُّ قَطْعًا الّذي لا عَهدَ له. وقوله: "مَنْ لَمْ ياتِ بِهِنَّ" نصٌّ في أنَّ مرتكبَ الكبائر في المشيئة، ومانِعٌ من قول من قال: لا يغفر له، ومانعٌ أيضًا من قول من قال: إنّه كافرٌ (٤). ومعنى الحديث: ألاّ يأتي بها وهو مؤمنٌ بها، فحُكمُهُ في الدُّنيا أنّ ينتظر به وقت (٥) الصّلاة، فإن صلّاها وإلّا قُتِلَ حَدًّا. وإنّ مَنْ تركها مُكَذِّبًا بِهَا اسْتُتِيبَ ثلاثًا، فإن تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ كُفْرًا". نكتةٌ (٦): تقديم أبي بكر الوِتْرَ (٧) للاحتياط، وكان عمر قد عَلِمَ من نفسه القوّة على القيام , فكان يؤخِّره. ومن حُكمِ الشَّفْعِ؛ أنّ يتَّصِلَ بالوِتْر فيما رواه ابنُ القاسم (٨) فيمن تنفَّلَ بعد

стр. 973

العشاء ثم انصرفَ، فلا ينبغي أنّ يُوتِر حتَّى يأتي بشَفْعٍ. وقال عنه (١) ابنُ نافع: لا بأس أتى يُوتِرَ بواحدةٍ في بيته. فوجه رواية ابن القاسم: فعلُ النّبيِّ ﷺ وأصحابه بعدَهُ. ومن جهة المعنى: أنّ وقتها واحدٌ، لاختصاص هذا الشَّفْع بالوتر، حتّى نسب إليه وسُمِّيَ باسمه، فوجب أنّ يُفَارِقَه. ووجه رواية ابن نافع: أنّه أَوْجَدَ الوِتْرَ في وقته ليفعل (٢) في الحين (٣). ما جاء في رَكْعَتَي الفجر قال المؤلِّفُ: في هذا الباب تسع مسائل: المسألة الأولَى: قد بيَّنَّا أنَّ الوِتْرَ سُنَّةٌ. وأمّا ركعتا الفجر، فقيل فيهما: إنّهما من الرَّغائب. وقيل: إنّهما من السُّنَنِ المؤكَّدَةِ. وليس في الشّريعة بعد الصّلوات الخمس آكد من الوِتْرَ ورَكْعَتَي الفجر. ولذلك أسكتَ عُبَادَةُ المؤذِّنَ (٤). وقد يكون التّرغيب في الشَّيْءِ الواجب، لكنّ (٥) الفقهاء أوقفوا هذا اللّفظ على ما تَأَكَّدَ من المندوب إليه (٦). المسألة الثّانية (٧): اختلفَ العلماء في المعنى الّذي تستحق به النّوافل الوَصْفَ بالسُّنَنِ. فعند أشهب أنّ السُّنَنَ منها: كلُّ ما تَقَرَّرَ ولم يكن للمكلَّفِ الزِّيادة فيه بحُكْمِ التَّسمية المختصَّةِ به كَالْوِتْرِ، ولذلك قال في "المجموعة": رَكْعَتَا الفجر من السُّنَنِ. وعند مالكٌ: إنّ السُّنَنَ من النّافلة، ما تكَرَّرَ فعلُ النّبيِّ ﷺ في الجماعات، كصلاة العِيدَيْن

стр. 974

والاستسقاء. ومن (١) لم يكن له هذا الحكم، فمقصورٌ عن رتبة السُّنَنِ. وإنّما تُوصَفُ بأنّها من الرَّغائِبِ. وهذه كلُّها عبارات واصطلاحات بين أهل الصِّناعة، ولا خلافَ بين الأُمَّة في تأكيد رَكْعَتَي الفجر، كما روي عن عائشة ﵂ أنّها قالت: لم يَكُن رسولُ الله ﷺ على شيءٍ من النَّوافِلِ أَشَدَّ مُعَاهَدَةً منه على رَكْعَتَي الفَجْرِ (٢). المسألة الثّالثة (٣): ومن شرطهما التّعيين بالنِّية. ووجه ذلك: أنّ ما كان من الصّلوات له وقتٌ مُعَينٌ، فإنّه يجب أنّ يُعَيَّنَ بالنِّية، كرَكْعَتَي العيد. المسألة الرّابعة (٤): ومن سُنّتِهما التّخفيف، لحديث عائشة (٥). واستحبَّ مالك أنّ يقرأَ فيهما بأمِّ القرآن، لقولها: "حتّى أَقُولُ: أَقرَأُ فِيهَا بأمِّ القُرآن أم لا؟ " والظّاهر من تقرير (٦) عائشة لقراءته مع عِلمِهِا بحاله في ذلك وتَرَسُّلِهِ (٧)، أنّه كان لا يقرأ بغيرها. ومن جهة المعنى: أنّها مع صلاة الصُّبح من جهة الصُّورة، كالرُّباعية أنّ تكون ركعتان يقرأ فيهما بأمِّ القرآن فقط. وفَرْضُ الصُّبح قد سنَّ فيه سورة مع أمِّ القرآن , فوجبَ أنّ تكون سُنَّة ركعتي الفجر الافراد بأمِّ القرآن. وقد رَوَى ابنُ القاسم (٨)؛ أنّه يقرأ فيهما بأمِّ القرآن وسورة من قِصَارِ المفضَّلِ. ورَوَى ابنُ وَهْب؛ أنّ النّبىَّ ﷺ قرأ فيهما بأم القرآن، وقيل يا أيّها الكافرون، وقيل هو الله أحد، وذكر الحديث لمالك فأَعْجَبَهُ، والمشهور من مذهبه الإفراد بأمِّ القرآن.

стр. 975

المسألة الخامسة (١): ومن سنّتهما القراءة فيهما بالإسرار، قاله (٢) ابن زياد عن مالك، بَيَّنَ ذلك قول عائشة: "حتّى إني أقولُ أقرَأُ فيها بأُمِّ القرآنِ أمْ لَا" وأَيضًا فقد تقدَّمَ أنّهما بمنزلة الرّكعتين من الرُّباعية، وسنّتهما الإسرار، وقد أجمعنا أنّ الجَهْرَ من سُنَّةِ الفَرْضِ، فوجبَ أنّ تكون سنّتهما الإسرار. المسألة السّادسة: قد بيَّنَّا إنّ مِن سُنَّتهما الإسرار والإسراع إلى فعلهما؛ لأنّهما مفتاح عمل النّهار، كما أنّ الوِترَ مختتم عمل اللّيل. فيسرع أنّ يتلقَّى الحياة المُسْتَقْبَلَة بعمل صالحٍ. ولذلك إذا انتبه بعد النَّومِ وحَيًا بعد مَوْتِهِ، وجَبَ عليه أنّ يذكر الله ويتوضّأ ويُصَلِّي ركعتين، فتأتي فاتحة صحيفته تتلألأ. ومن هاهنا قال أشهب: إنّها سُنَّة، وإنّ القراءة فيهما بسورة أفضل من القراءة بآية، لقراءة أبي بكر فيهما ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ الآية (٣)، والفضل إنّما وقع بسورة، وهو أفضل. المسألة السّابعة (٤): قال: ومَنْ ركعهما في بيته، ثم أتى المسجد، فهل يركعهما أم لا؟ فعلى قولين: ١ - القول الأوّل: رُويَ عن مالكٌ فيهما الخلاف، فقال مرّة: يركعهما، رواه (٥) عنه ابن القاسم وابن وهب. ٢ - وروى عنه (٦) ابن نافع؛ أنّه لا يعيدهما (٧). تنقيح: فوجه القول الأوّل: أنَّ دخوله المسجد قد شرعَ له الرُّكوع، والوقتُ يمنعُ من ذلك، الّا من ركعتي الفجر فلزمه إعادتهما لذلك.

стр. 976

ووجه القول الثّاني: أنّه قد أتى بهما, ولم يُشْرَع له إعادتهما كسائر الصلوات. المسألة الثّامنة (١): قوله: "لا صلاةَ بعد رَكعَتَي الفَجْرِ إلَّا الفَجْرِ" (٢) قال الإمام: فهذا وإن لم يصحّ سَنَدُه صحيح المعنى؛ لانه -كما قدَّمنا- وقت يُبَادَرُ فيه إلى الصّلاة، فلا يشرع قبلها صلاة سواها؛ ولذلك نقول له: إذا دخلتَ المسجد فلم تصلّهما، فصلّهما تجمع بين فضل التّحيّة وبينهما، وإن كان صلّاهما في بيته* فقال مالكٌ وابن وهب عنه: يركعهما. وروى ابن نافع: لا يعيدهما. وهذا لفظ قَلِقٌ، إنّما يقال هل يُحَيِّى المسجد بركعتيه* (٣) ولم (٤) يجلس دون تحية. * فقيل: لا يُحَيِّى، للحديث المأثور: " لا صَلَاة بعد طُلُوعِ الفَجْرِ إلَّا ركعتي الفجر" وهو المتقدِّم، وليس بصحيح. وقيل: يُحَيِّى، وهو الصَّحيح، وبه أقول* (٥) المسألة التّاسعة: قوله (٦): "فَاتَتْهُ رَكعَتَا الفَجْرِ، فَقَضَاهُمَا بَعْدَ أنّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ" يحتمل أن يذكرهما بعد الصُّبح ويؤخِّر ذلك، وهو مذهب مالك. وقال الشّافعيّ: يصلِّيهما قبل طلوع الشَّمس (٧). والدليل على ما نقوله: أنّ النّبيَّ ﷺ نَهَى عن الصَّلاة بعد الصُّبح حتَّى تطلع الشَّمس. إكمال: رَوَى التّرمذيّ (٨) عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "رَكْعَتَا

стр. 977

الفَجرِ خَيْرٌ منَ الدُّنيَا وما فيها". قال الإمام: هذا حديث صحيح بلا خلافٍ، ومن ألفاظه في الصّحيح: "أَحَبُّ إِليَّ من الدُّنيا وما فيها" (١). وللعلماء في هذا الحديث أغراض حِسَانٌ وفوائد جَمَّة، وتهليلةٌ واحدةٌ خيرٌ من الدُّنيا وما فيها، هذا بينهم أَمْرٌ متَّفَقٌ، إنّه لا خلاف في ذلك، فكيف بركعتي الفجر؟ والفائدة الثّانية فيه (٢): التّفضيلُ بين الدُّنيا والآخرة، وإن كان لا نسبة بينهما، إلَّا على أنّهما داران ومنزلان وحالتان، إحداهما أفضل من الأخرى، وأهنأ وأبلغ في القُدْرَةِ، مع عدم الآفات والهموم. فإن قيل: إنّ ذلك خرج على مذهب من يرى أنّه لا دار إلَّا الدُّنيا, ولا وجودَ سواها. فقيل لهم: لو علمتم تلك الدّار، لحكمتم أنّها أفضل لا محالةَ، لما أَخْبَرنَا به الصّادق المختار. فضلُ صلاةِ الجماعةِ على صلاةِ الفَذِّ قال الإمام الحافظ: أدخلَ مالك ﵀ في هذا الباب أربعة أحاديث: ١ - الحديث الأوّل: حديث عبد الله بن عمر (٣)؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "صلاةُ الجماعةِ تَفْضُلُ مِنْ صلاةِ الفَذِّ بِسَبْعٍ وعِشْرِينَ دَرَجَةً". ٢ - وحديث أبي هريرة (٤)، عن النّبيِّ ﷺ قال: "صَلاَةُ الجماعةِ أفضلُ من صلاةِ أَحَدِكُمْ بِخَمْسةٍ وَعِشرِينَ جُزْءًا". الإسناد: قال الإمام: هذه الأحاديث صِحَاحٌ حِسَانٌ، خَرَّجَهُمَا الأيمَّة (٥)، وأجمعت عليها الأُمَّة.

стр. 978

الأصول (١): عند علمائنا وعند أبي حنيفة والشّافعيّ (٢)؛ أنّ صلاةَ الجماعة من فروض الكفاية؛ لأنّها من شعار الدِّين، وليست عامة في جميع المسلمين، وعليها ترجم مالكٌ (٣) بقوله: " فَضْلُ صلاةِ الجماعةِ على صلاةِ الفَذِّ" ولولا أنّ صلاة الفَذِّ مجزئةٌ، ما كان بينها وبين صلاة الجماعة فضلٌ؛ لأنّ الفضلَ فرع الإجزاء، ومن المُمْتَنِعِ ثبوت الفرع مع عدم الأصل. فإن قيل: لعلَّ المفاضلة تقع بينهما إذا كانت صلاة الفَذِّ عن عُذْرٍ؟ قلنا: هذا لا يجوز (٤). الفقه: قال الإمام في "العارضة" (٥): إنّ في صلاة الجماعة ثلاثة أقوال: القول الأوّل: أنّها مستحبّة، وهو الأكثر، وعليه الجمهور الأعظم؛ لأنّ النّبيَّ ﷺ فاضَلَ بينها وبين صلاة الفَذِّ، ولم نجد بين صلاة الجمعة مفاضلة؛ لأنّها فرضٌ على كلّ أحَدٍ. القول الثّاني: أنّها فرضٌ، قاله داود (٦) وأهل الظاهر (٧) الّذين لا معرفةَ لهم بأصول الشّريعة، ولا بخطاب النّبيِّ ﷺ ؛ لأنّها لو كانت فَرْضًا لما صَحَّ للفَذِّ صلاة، واحتجوا بحديث ابن أمِّ مَكتُومِ الّذي خَرَّجَهُ أبو داود (٨) ومسلم (٩)؛ إذ جاءه فقال: يا رسول الله، إنِّي رجلٌ ضرِير البَصَرِ، شاسع الدَّار، ليس لي قائد يقودُني، فهل لي من رخصة؟ قال: "لا". وقال الّذي حديث: "هل تسمعُ النِّداءَ؟ " قال: نعم، قال: "أَجِب" فجعلوها فَرْضًا بهذا الحديث.

стр. 979

الجواب عنه من ثلاثة أوجه (١): الأوّل: اتِّفاقُ الأُمَّة على أن العُذْرَ مُسْقِطٌ للجماعة، نعم ولأصلِ الصّلاة (٢). وكان النّبىَّ ﷺ يرى ما ذَكِرَ من ضَرَرِ البصر ليس بعُذرٍ، لانّه كان يتَصرَّف في حوائج نفسه، فعبادةُ رَبِّه أَوْلَى. الثاني: أنه زمانُ نفاقٍ، فَكَرِهَ النّبيُّ ﷺ أن يرخص له، ولو رخّص له لتَسَبَّبَ المنافقون بذلك بالأعذار الكاذبة، فكان ذلك منه تَشَدّد أو سَدّ (٣) ذَريعةٍ، لِئَلّا تبطل صلاة الجماعة. الثّالث: قال علماؤنا: إنّ هذا السُّؤال إنّما كان في صلاة الجمعة، وهي فريضةٌ على الأعيان، وليست فريضة عامّة، ويعضدها قوله: "ما منكم مِنْ أحَدٍ إلاّ وله مسجدٌ في بَيتِهِ، ولو صَلَّيتُم في بُيُوتكُم لتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكْمْ، ولو تَرَكْتُم سُنَّةَ نبيكُم لَكَفَرْتُمْ" (٤) فليس بمثل هذا الدليل يثبتُ فرض الإِسلام؛ لأنّ المنافقين كانوا في ذلك الزّمان يتكاسلون، فلو رخّص لأحدٍ في ذلك لبَطَلَتْ صلاة الجماعة، كما تقدَّم بيانُه، وامتزجَ المنافقُ مع الموحَّدِ المُخلِصِ فحسم الباب. القول الثاني (٥) - قيل: إنها سُنّة، لقوله: "تَرَكتُنم سُنَّةَ نَبِيكُمْ". وقد قال بعض المتاخِّرين: إنَّ صلاةَ الجماعة ليست بفَرْضٍ ولا سُنَّةٍ، وإنّما هي فضيلةٌ لا غير، فإنْ فَعَلَها الفذُّ أجزأته صلاته؛ لأنّه قد أدّى الفَرْضَ الواجبَ عليه، وهو القول الثّالث. والصّحيحُ عندي أنَّها سُنَّة مؤكَّدة؛ لأن النّبيّ ﷺ دَاوَمَ على الصّلاة في الجماعة، والسُّنَنُ هي ما دَاوَمَ النّبيُّ ﷺ فِعْلِها، أو ندب إليها وجعل في فعلها الثّواب.

стр. 980

الشرح والفوائد المنثورة (١): قال الإمام حافظ أبي بكر ﵁:تحديدُ التَّفضيلِ بين صلاة الجماعة وصلاة الفَذِّ بخمسة وعشرين جزءًا، وبسبع وعشوين درجة أيضّا، هذا مِمّا لا يُوقَف عليه ولا على تعيينه، وقد تَكَلَّفَ النَّاسُ جمعها على وجه لا أَرْضَاهُ، أُنَبِّهُ عليه إنّ شاء الله تعالى. أمّا أنّه قد جاء في الصّحيح إشارة إلى ذلك في قوله: "صلاةُ احَدِكُمْ في المسجدِ تزيدُ على صلاتِهِ في سُوقِهِ، وصلاتهِ في بيته بخمسٍ وعِشْرِينَ دَرَجَة" وذلك أنّه لا يخطو خطوة إلَّا كتبَ اللهُ له بها حَسَنَة، ومحا عنه بها سيِّئَة (٢)، وهذا ممّا لا يُدْرَكُ بالقياس، فاستعمال النّظر فيه جَهلٌ وعَنَاء. وقولُه: "في سُوقِهِ " يعني إذا صَلَّى وَحْدَهُ (٣). مزيد بيان: قال أبو عبد الله في "المُعْلِم" (٤) هذا المعنى في الدّرجات والأجزاء ممّا اختلفَ العلماءُ في تحصيله، فقالوا: إنّ الدرجة أصغر من الجزء، فكأَنَّ الخمسة والعشرين جزءًا جُزِّئَتْ درجات كانت سبعًا وعشرين درجة. قال الإمام الجزءُ والدَّرجة هي الصّلاة، ذكر ذلك مسلم في "كتابه" (٥)، والتّفاضُل بينهما, أنّ تارك الصّلاة في جماعة لغير عُذْرٍ، تزيدُ عليه صلاة المصلِّى في الجماعة بسبع وعشرين صلاة. وقد قيل: إنّ قومًا خوطِبُوا بالحديث الأوّل، وْقومًا بالثّاني. وقيل: إنّ الفضل الزّائد للفَضْل في الجماعة.

стр. 981

قال أبو عبد الله (١): "والأشبه (٢) عندي بقوله: "بخَمسِ وَعِشرِينَ وسَبعٍ وعِشرِينَ جُزْءًا، راجعٌ إلى أحوال المصلِّي وحال الجماعة، فإذا كانت (٣) متوافرة، وكان المصلِّي على غاية من التَّحْفُظِ هاكمال الطّهارة، كان هو الموعود بسبع وعشرين. وإذا كان على دون تلك الحال، كان هو الموعود بخمس وعشرين، والله أعلم". الفائدة الثّانية (٤): في الكلام على الدّرجات والأجزاء منها في حديث أبي هريرة أربعة، لقوله: لأوذلك أنَّه إذا تَوَضَّأَ، ثمَّ خَرَجَ إلى المسجدِ" (٥) لأنّ ذلك إشارة إلى تفسير المُجْمَلِ (٦) المذكور في أوَّلِ الكلام، " بقوله: "لم يَخْطُ خَطْوةً إلَّا كتبَ اللهُ له بِهَا درجةٌ، وحَطَّ عنه بها سيِّئَةٌ" وقوله: "لا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيتِهِ إلَّا الصّلاة - أي بِنيَّتِهِ - إلَّا رُفِعَت لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ" وقوله: "إذا صَلَّى، لم تزَلِ الملائكةُ تُصَلِّي عليه ما دَامَ في مُصَلِّاهُ " فهذه ثلاثة. وقولُه أيضًا: "فهو في صلاةٍ ما دَامَ في الصّلَاة" أو"مَا انتَظَرَ الصَّلاةَ" وفي حديث آخر: "لوْ يَعلَمُ النَّاسُ مَا لَهُم في النِّداءِ أَوِ الصَّفِّ الأوَّلِ" (٧) الحديث. وقوله: "تَجْتَمعُ فِيكُمْ مَلاَئِكَةُ اللَّيل وَمَلاَئِكَةُ النَّهَارِ" (٨). ومنها: لزومُ الخضوعِ والخُشوع في السَّيْرِ إلى المسجد، لقوله ﵇: "ائتُوا الصَّلَاة وَعَلَيْكمُ السَّكِينَةُ وَالوَقار" (٩). ومنها: لزومُ الذِّكْرِ في مسيره، وقوله ﷺ من حديث أبي سعيد الخُدرِيِّ، قال: "من قال إذا خرجَ إلى المسجدِ أو إلى الصّلاةِ: اللهُم إِنِّي أسأَلُكَ بحقِّ السَّائلينَ عليكَ، وبِحَقِّ مَمْشَايَ إليكَ، لم أَخْرُج أَشَرًا ولا بَطَرًا, ولا رِيَاءً ولا سُمعَةً، خرجتُ اتِّقَاءَ سخْطِكَ، وابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ، أَسْأَلُكَ أنّ تُبعدني من النَّارِ، وأن تُدْخِلَنِي الجَنَّةَ، وأن

стр. 982

تغْفِرَ لي ذُنُوبِي , فإنّه لا يَغْفِرُ الذنُوبَ إلّا أنتَ. خرجَ معه سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يستغفرونَ له، وأقبلَ اللهُ عليه بوَجْهِهِ حتّى يقضي صَلاَتَهُ" (١) ومثلُ هذا لا يُدْرَكُ بالرَّأْيِ، ولا يكون إلَّا عن النّبيِّ ﵇. ومنها: السّلام على النّبيّ ﷺ ، والدُّعاء عند دخول المسجد، وعند خروجه، فهاتان درجتان. وَرَوَى النّسائي (٢) من حديث المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال النّبيُّ ﷺ : "إذا دخل أحدُكُم المسجدَ، فَلْيُسَلِّم على النَّبيِّ: ﷺ ولْيَقُلْ: اللهمَّ افتح لي أبوابَ رَحْمَتِكَ وإذا خرجَ فَلْيُسَلِّم على النَبيِّ ﷺ ، وليقل: اللهُمَّ اعْصِمْنِي من الشَّيطَانِ". ومنها: السلامُ عند دخول المسجد ولو كان فارغًا؛ فقد رُويَ عن ابن عبّاس في قوله: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية (٣)، قال: هو المسجد إذا دَخَلْتَهُ فَلْتَقُل: السَلاَمُ علينا وعلى عباد الله الصّالحين (٤). ومنها: الرُّكُوع في المسجد عند دخوله، فقد أمر النّبيُّ ﵇ بذلك، وهي تحيّة المسجد. ومنها: تَرْكُ الخوضِ في أَمْرِ الدُّنيا، لحرمة المسجد والصّلاة، وذِكرُ الله تعالى فيه، لقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ الآية (٥).وكان عمر يضرب النَّاسَ على ذِكْرِ الدُّنيا في المسجد، واتَّخَذَ البطيحاء لمن أراد اللَّغَطَ فيه. ومنها: إجابةُ الدَّعوةِ حضرة النِّداء للصلاة، فقد قال ﵇: "ساعتان تفتح فيهما أبواب السَّماء للدُّعاء: حضرة النِّداء للصَّلاة، والصَّف في سبيل الله". ومنها: اعتدالُ الصُّفوفِ وإقامتها، والتّراصّ في الصّلاة، وإلزاق الْمَنْكِبِ

стр. 983

بالمْنْكِبِ، والقَدَم بالقَدَمِ، فقد جاء الحديث أنّ ذلك من تمام الصّلاة (١). ومنها: استماع قراءة الإمام والتَّدَبُّرِ لها، وقد جاء في قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ الآية (٢) أنّ ذلك في الصّلاة. ومنها: قوله: "ربَّنَا ولَكَ الحمدُ" إذا قال الإمام: "سَمعَ اللهُ لِمَن حَمِدَهُ" كما جاء في الحديث (٣). ومنها (٤):التَّأمِينُ، وموافقةُ تأمين الملائكة، ودعائهم للمصلَّين، كما جاء في الحديث (٥). والموافقةُ هنا ما قدَّمنَاهُ في باب التأمين على الأقوال الخمسة: إمّا أنّ يوافقَ اللَّفْظُ اللَّفظَ. وقيل: هو الإخلاص. وقيل: في المُدَّةِ. وظاهرُ اللَّفظِ يشهد للزَّمان. وأمّا أنّ يوافِقُ اللَّفظَ اللّفْظَ، فهو خطأٌ؛ لأنّ المُصِرَّ على الكفْرِ لو وافَقَ تأمين الملائكة لم يغفر له. والصّحيح أنّه لا يوافق تأمين الكُفَّار، وإنّما يوافقُ تامينَ المخلِصين للهِ في العبادة (٦) , لقوله: "موافقة" المعنى: وحينئذ يغفر له. ومنها: شهادةُ الملائكةِ لمن حضَرَ الجماعة، لقوله مُخْبِرًا عن الملائكة: "أتيناهم وهم يُصَلُّون، وتركناهم وهم يُصَلُّون" (٧). ومنها: تَحَرِّي موافقة الإمام، فلا يختلف على الإمام في القول والعمل، لقوله ﵇ "إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليُوتَمَّ به فلا تختلفُوا عليه" (٨).

стр. 984

ومنها: الاعتصام من سَهوِ الشَّيطان، لقوله: "أَصَدَقَ ذُو اليَدَيْنِ" (١) ولا يجوز على الجماعة كلِّها السَّهو، فَتَمَّتْ سبعًا وعِشْرِينَ دَرَجَة. نكتةٌ (٢): فإن قال قائل: ما مَعْنى اختلاف الدَّرَجَة والأجزاء في الآثار" فمرَّة قال: "بخمس وعشرين" ومرة قال: "بسبع وعشرين درجة". الجواب: أنّ الفضائل لا تُدْرك بالرَّأي، وإنّما تُدْرَك بالتَّوقيفِ، وهذا الاختلاف له معنى صحيح يُؤَيَّد بعضه بعضًا. وذلك أنَّه يحتمل أنّ يكون النّبيَّ ﵇ أَعْلَمَهُ اللهُ أنّ فضل صلاة الجماعة على صلاة الفَذِّ بخمس وعشرين جُزْءًا، ثم زاد في فضل الجماعة درجتين، فَكَمُلَتْ سَبْعًا وعشرين. وفيه وجه آخر: يحتمل أنّ تكون السَّبع والعشرون الدَّرجة للعِشَاء والصُّبح، وتكون خمس وعشرون لسائر الصلوات، والله أعلم. ٣ - الحديث الثّالث: مالكٌ (٣)، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعْرَجِ، عن أبي هريرة؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "وَالَّذي نفسي بِيَده، لقد هَمَمْتُ أنّ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَب، ثمَّ آمُرَ بالصّلاةِ فَيُؤَذَّنَ لها، ثمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُم النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إلى رجالٍ فَاُحَرِّقَ عليهم بُيُوتَهُم. والَّذِي نفسي بِيَدِهِ لو يجدُ أحدُهم عَظْمًا سمينًا، أو مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ العِشَاءَ". الإسناد: قال الإمام هذا حديثٌ صحيحٌ خرَّجَهُ الأيمّةُ (٤) اقتداءً بمالك ﵁: الفو ائد: فيه ثلاث فوائد:

стр. 985

الفائدة الأولى: استدل جماعة من العلماء بهذا اللَّفْظِ على أنَّ شُهودَ الجماعة ليس بواجبِ، لما لم ينفذ ما أهمَّ به، وليس هذا بصحيح (١)؛ لانّه قد توعَّد على التخلُّف عن الصّلاة، ولا يتوعّد إلَّا في ترك الواجب. قال الإمام: والصحيحُ في هذا -والله أعلم- أنّ هذا الحديث في قومٍ مخصوصينَ من المنافقين ممّن كان لا يعتقد فَرْضَ الصّلاة، ويعلم من حاله الاستخفاف بها. تَبَيَّنَ (٢) بذلك أنّه لابدّ أنّ يكون. هؤلاء المتخلِّفونَ عنها مَوْسُومِينَ عندَهُ بذلك بالتّكرَارِ لفعلهم لذلك، أو بِوَحْيٍ أو بغير ذلك؛ لأنّه لا يجوز أنّ يهمَّ بذلك إِلَّا فيمن يعتقد منه الاستخفاف والتّضَييع. ولذلك أُعْلِمَ صلّى الله عليه من حالهم أنّهم أشدَّ مسارعةً إلى مِرمَاتَين، ولا يكون هذا إلَّا فيمن استخفَّ أَمْرَها ولا يعتقد وُجُوبَها (٣). الفائدة الثّانية (٤): قوله: "ثُمَّ آمُرُ رَجُلًا، فَيَؤُمَّ الناَّسَ ثم أُخَالِفُ إلى رجالٍ فَأحَرِّقَ عليهم بُيُوتَهُمْ" قال علماؤنا (٥): هذا دليلٌ واضحٌ أيضًا على أنّ حضور الجماعة ليس بفَرْضٍ على
следующие страницы →