← Сира

Сира · id 123668

السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة

محمد الصوياني

Полный текст (1 354 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

يعرف تفاصيلها حبيباه محمد وجعفر فيقول: "لقد رأيتني وإني لأخر فيما بين منبر رسول الله ﷺ إلى حجرة عائشة مغشيًا علي فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي ويرى أني مجنون .. وما بي من جنون ما بي إلا الجوع" (١) ويقول ﵁: "آلله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع .. وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع .. ولقد قعدت يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني فمر ولم يفعل .. ثم مر بي عمر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني فمر ولم يفعل .. ثم مر بي أبو القاسم ﷺ فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي .. ثم قال يا أبا هر قلت لبيك يا رسول الله قال: الْحقْ ومضى فتبعته فدخل فاستأذن فأذن لي فدخل فوجد لبنًا في قدح فقال من أين هذا اللبن قالوا أهداه لك فلان أو فلانة قال: أبا هر قلت لبيك يا رسول الله قال الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي -وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئًا وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها- فساءني ذلك فقلت وما هذا اللبن في أهل الصفة .. كنت أحق أنا أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها .. فإذا جاء أمرني فكنت أنا أعطيهم وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ بد .. فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم .. وأخذوا مجالسهم من البيت .. قال يا أبا هر قلت لبيك يا رسول الله .. قال: خذ فأعطهم .. فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى .. ثم يرد علي القدح فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروي ثم يرد علي القدح فيشرب حتى يروي، ثم يرد

стр. 1017

علي القدح حتى انتهيت إلى النبي- ﷺ -وقد روى القوم كلهم .. فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر لي فتبسم .. فقال أبا هر قلت لبيك يا رسول الله قال بقيت أنا وأنت .. قلت صدقت يا رسول الله قال اقعد فاشرب فقعدت فشربت .. فقال اشرب فشربت .. فما زال يقول اشرب حتى قلت لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكًا .. قال فأرني فأعطيته القدح فحمد الله وسمى وشرب الفضلة" (١) أبو بكر الذي تصدق بكل ماله على المساكين وعمر الذي تصدق بنصف ماله على أمثال أبي هريرة لم يقرءا ما خلف سؤال أبي هريرة من أنين .. لكن النبي ﷺ قرأه .. أما جعفر فللحديث عنه عند أبي هريرة مذاق مميز .. إنه يدافع عن نفسه وعن كثرة رواياته لحديث النبي ﷺ فيحمله الحديث إلى بيت جعفر حيث تتدفق الرحمة والكرم فيقول: "إن الناس كانوا يقولون أكثر أبو هريرة وإني كنت ألزم رسول الله ﷺ بشبع بطني حين لا آكل الخمير ولا ألبس الحبير .. ولا يخدمني فلان ولا فلانة وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع .. وإن كنت لأستقرئ الرجل الآية هي معي كي ينقلب بي فيطعمني .. وكان أخير الناس للمسكين جعفر بن أبي طالب كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته حتى إن كان ليخرج إلينا العكة التي ليس فيها شيء فنشقها فنلعق ما فيها" (٢) .. جعفر القادم من الغربة والفقر ينجز في عام واحد فقط أضعاف ما ينجزه البعض في أعمارهم الطويلة والعريضة .. الإنسان موقف وجعفر أكثر من موقف .. ها هو الشاب الصغير عبد الله بن عمر ﵄ يقلب جسد جعفر الطاهر بعينيه ويعدد ويحدد تلك الطعنات اللذيذة

стр. 1018

النازفة فيدهش لكثرتها ويدهش لمواقعها .. فليس فيها على كثرتها طعنة أو رمية من الخلف .. يقول ابن عمر "أنه وقف على جعفر يومئذ وهو قتيل فعددت به خمسين بين طعنة وضربة ليس منها شيء في دبره يعني في ظهره" (١) لأنه ليس بحاجة إلى الالتفات إلى الدنيا القابعة خلفه فقد عقر فرسه وعقر الدنيا معها وهو بحاجة شديدة إلى هذه الجنة التي يحاول شق جموع الروم المحتشدة كي يرتمي بين أحضانها .. وقد دخل الجنة بطريقة غير مسبوقة فقد شاهده النبي ﷺ في منامه فقال "رأيت جعفرًا ملكًا ذا جناحين" (٢) ولما عاد عبد الله بن عمر ﵄ إلى المدينة "كان إذا سلم على ابن جعفر قال السلام عليك يا ابن ذي الجناحين" (٣) لكن قبل عودة عبد الله بن عمر ومن معه ﵃ حدث خلاف حول مسألة مادية هي أحقية الفارس بمتاع المقتول من الأعداء وكان: الخلاف بين الصحابي اليمني وخالد بن الوليد فبينما يطالب اليمني بكل سلب الرومي من سرجه المذهب وسيفه إلى فرسه الشقراء يرى قائد المعركة الجديد غير ذلك. وتدخل عوف بن مالك لحل الخلاف فلم يغير من الأمر شيئًا فكانت هذه القصة التي يرويها عوف نفسه وكان طرفًا فيها فيقول:

стр. 1019

"كنت فيمن خرج مع زيد بن حارثة ﵁ في بعث مؤتة فرافقني مددي من أهل اليمن ليس معه إلا سيفه، فنحر رجل من الجيش جزورًا له فاستوهبه المددي من جلده فوهب له فبسطه في الشمس على أطرافه فلما جف اتخذه كهيئة الدرقة وجعل له مقبضًا. ومضينا حتى لقينا الروم ومعهم من معهم من نصارى العرب فقاتلونا قتالًا شديدًا ومعهم رومي على فرس له أشقر عليه سيف مذهب وسلاحه مذهب فيه الجوهر وسرجه مذهب فجعل يغري بالناس فتلطف المددي فجلس له جانب صخرة فلما مر به ضرب عرقوبي فرسه فقعد على رجليه وخر عنه الرومي وعلاه المددي بالسيف حتى قتله وأخذ سلبه فأتى به خالد بن الوليد فلما فتح الله علينا أعطاه خالد بن الوليد السلب وأمسك منه فقلت يا خالد أما علمت أن النبي ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى .. فقلت: فلم لم تعطه السلب كله؟ قال: استكثرته .. قلت: لتردنه إليه أو لأعرفنكها عند رسول الله ﷺ -فأبى أن يرد عليه .. قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله ﷺ فقصصت عليه قصة المددي وما فعل خالد .. فقال رسول الله ﷺ : يا خالد .. ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رسول الله .. استكثرته فقال رسول الله: ﷺ يا خالد .. أعطه السلب كله .. فولى خالد ليفعل .. فقلت: كيف رأيت يا خالد ألم أف لك بما قلت لك؟ قال رسول الله ﷺ : وما ذاك؟ فأخبرته .. قال: يا خالد .. لا تعطه شيئًا .. هل أنتم تاركوا لي أمرائي لكم صفوته وعليهم كدره؟ قالها مرتين أو ثلاثًا" (١) لأن من حق الفرد مهما كان أن يشتكي أميره عند إمامه وأن يحتج ويبين وجهة نظره وأن ينكر الظلم ويحاول إزالته وهذا ما فعله عوف بن

стр. 1020

مالك ﵁ لأن الأمير ليس معصومًا ولا مقدسًا ولا إطلاق في صلاحياته .. لكن ليس من حق المأمور التشفي والتحدي ووضع الغرض الشخصي ضمن أهداف تلك الأعمال النبيلة الراقية وهو ما أفسد جهود عوف ﵁ لأن الأمور اتخذت منحى آخر يرفضه الإسلام .. تعلم الجميع من النبي ﷺ حريتهم وحدودهم وسعدوا ببشاشة النبي- ﷺ بوجوههم .. وبعد أيام رأى النبي ﷺ رؤيا تحمل الفزع والسرور معًا ورأى فيها قادة مؤتة .. فقال لأصحابه: "بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان فأخذا بضبعي فأتياني جبلًا وعرًا فقالا لي اصعد فقلت: إني لا أطيق فقالا إنا سنسهله لك فصعدت حتى كنت في سواء الجبل إذا أنا بأصوات شديدة قلت ما هذه الأصوات قالوا هذا هو عواء أهل النار ثم انطلق بي فإذا بقوم معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم تسيل أشداقهم دمًا. فقلت ما هؤلاء قال هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم ثم انطلقا بي فإذا بقوم أشد شيء انتفاخًا وأنتنه ريحًا وأسوأه منظرًا. فقلت من هؤلاء قال هؤلاء الزانون والزواني ثم انطلق فإذا أنا بنساء تنهش ثديهن الحيات. فقلت ما بال هؤلاء فقال هؤلاء اللواتي يمنعن أولادهن ألبانهن ثم انطلق بي فإذا بغلمان يلعبون بين نهرين. فقلت من هؤلاء قال هؤلاء ذراري المؤمنين ثم شرف لي شرف فإذا أنا بثلاثة نفر يشربون من خمر لهم.

стр. 1021

قلت من هؤلاء قال هؤلاء جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة ثم شرف لي شرف آخر فإذا أنا بثلاثة نفر. قلت من هؤلاء قال إبراهيم وموسى وعيسى ﵈ ينتظرونك" (١) هذه البشرى لم تمنع الصحابة من الحزن على أولئك الرجال الأفذاذ و"لما اشتد جزع أصحاب رسول الله ﷺ على من قتل يوم مؤتة قال رسول الله ﷺ ليدركن الدجال قومًا مثلكم أو خيرًا منكم ثلاث مرات ولن يخزي الله أمة أنا أولها وعيسى بن مريم آخرها" (٢) في غزوة مؤتة شهادة ومجد للأموات وأما الأحياء فيكفيهم رضا النبي ﷺ عن أدائهم أما خالد بن الوليد فتميز بحيازته على شرف القيادة واللقب .. لكن ماذا عن عمرو بن العاص رفيق خالد؟ لا بد أنه يتحرق لخدمة الإسلام كما خدمه رفيقه .. لم يكن النبي- ﷺ بعيدًا عن مشاعر عمرو الداهية ولا عن توظيف دهائه في نشر دين الله .. استدعاه النبي ﷺ وعرض عليه قيادة حملة سميت فيما بعد بـ

стр. 1022

غزوة ذات السلاسل فبعد مؤتة وذات شتاء قارس استدعي عمرو بن العاص للمثول بين يدي النبي ﷺ فمثل وتحدث عن ذلك الحوار مع نبيه فقال: "بعث إلى رسول الله ﷺ فقال: خذ عليك ثيابك وسلاحك ثم ائتني .. فأتيته وهو يتوضأ .. فصعَّد فيَّ النظر ثم طأطأ .. فقال: إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلمك الله ويغنمك وأرغب لك من المال رغبة صالحة .. قلت: يا رسول الله .. ما أسلمت من أجل المال ولكني أسلمت رغبة في الإسلام وأن أكون مع رسول الله ﷺ : فقال: يا عمرو .. نعم المال الصالح للمرء الصالح" (١) ونعم الجيش الصالح جيش عمرو هذا .. سمع عمرو تلك الكلمات الجميلة وأطاع قائده وانطلق بجيشه الذي كان ضمنه رجال سبقوا عمرًا بالفضل والإسلام أمثال أبي بكر وعمر. يقول أحد الصحابة المشاركين في ذلك الجيش: "رأيت أبا بكر ﵁ في غزوة ذات السلاسل وكأن لحيته لهب العرفج على ناقة له أدمًا أبيض خفيفًا" (٢)

стр. 1023

إذا كان أبو بكر وعمر والعظماء أمثالهما تحت قيادة رجل لم يسلم إلا منذ أشهر فهناك تميز لهذا الرجل في مثل هذا الموقف .. فهل ستشير ذات السلاسل إلى الأفق الذي كان ﷺ -يرمي بتصرفاته إليه .. كانت المدينة في حالة طوارئ .. كان المسجد يموج بالمعنويات والحماس والرايات السوداء والوداع .. وبلال كان في حالة تأهب لحماية النبي ﷺ .. أحد الصحابة قدم لتوه إلى المدينة وتساءل عما يجري داخل المدينة وقال: "قدمت المدينة فدخلت المسجد فإذا هو غاص بالناس وإذا رايات سود تخفق وإذا بلال متقلد السيف بين يدي رسول الله ﷺ قلت ما شأن الناس قالوا يريد أن يبعث عمرو بن العاص" (١) رفرف الصحابة ورفرفت الرايات خلف عمرو بن العاص منطلقين شرقًا حتى أتوا على مشارف بلاد طي عندها طلب عمرو بن العاص رجلًا عارفًا بالدروب للاستفادة منه في الوصول إلى الهدف .. فأخبره الصحابة أنهم لا يعرفون سوى لص محترف وشهير يدعى: رافع الطائي وهو أعلم الناس بالصحاري والدروب خاصة في هذه المنطقة .. رافع نفسه يروي قصة انضمامه إلى جيش ذات السلاسل فيقول: "بعث رسول الله ﷺ -عمرو بن العاص على جيش ذات السلاسل وبعث معه في ذلك الجيش أبا بكر وعمر ﵄ وسراة أصحابه فانطلقوا حتى نزلوا جبل طي فقال عمرو انظروا إلى رجل دليل بالطريق فقالوا ما نعلمه إلا رافع بن عمرو فإنه كان ربيلًا في الجاهلية فسألت

стр. 1024

طارقًا ما الربيل قال اللص الذي يغزو القوم وحده فيسرق" (١) ويذكر أحد الصحابة بعض أساليب رافع في البقاء حيًا في الصحاري بعد أن ينجح في سرقاته فيقول إنه: "كان لصًا في الجاهلية وكان يعمد إلى بيض النعام فيجعل فيه الماء ويضعه في المفازة" (٢) للاستفادة منه بعد فراره حيث يدرك العطش من يلاحقه بينما يرتوي هو من ذلك البيض الفرغ المليء بالماء المفرق في الصحراء .. وافق رافع على مرافقة جيش عمرو بن العاص لكن الغريب في الأمر أن أحد الصحابة تمكن من سرقة هذا اللص الطائي الشهير بل وأسره وإجباره على التعلم منه .. لكن قبل أن نعرف ذلك دعونا نسير مع هذا الجيش المؤمن الذي أصابه الجوع ولم يستطع رافع أن يقدم له شيئًا من بيض النعام .. لكن عوف بن مالك الأشجعي صاحب المجاهد اليماني وخصم خالد بن الوليد يتبرع للقيام بشيء قد يخفف من جوع بعض رفاقه .. يقول عوف بن مالك ﵁: "غزونا وعلينا عمرو بن العاص

стр. 1025

وفينا عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح فأصابتنا مخمصة شديدة فانطلقت ألتمس المعيشة فألفيت قومًا يريدون ينحرون جزورًا لهم فقلت إن شئتم كفيتكم نحرها وعملها وأعطوني منها ففعلت فأعطوني منها شيئًا فصنعته ثم أتيت عمر بن الخطاب فسألني من أين هو فأخبرته فقال أسمعك قد تعجلت أجرك وأبى أن يأكله ثم أتيت أبا عبيد فأخبرته فقال لي مثلها وأبى أن يأكله فلما رأيت ذلك تركتها" (١) .. لم يبرر الجوع لأبي بكر وعمر وأبي عبيدة وعوف ﵃ أن يتناولوا لقمة شكوا في إباحة مصدرها .. وكأن الصديق يجعل من جهالة تحديد أجرة الذبح مبررًا لتركها .. وكأنه يقول لعوف: أنه لا بد من تحديد الأجرة قبل القيام بالعمل المتفق عليه وحكمة الإسلام هي في إقصاء أسباب النزاع بين العامل وصاحب العمل لا سيما إذا كان الاثنان من المسلمين .. فالاقتصاد الإسلامي اقتصاد أخلاقي قبل كل شيء وليس كاقتصاد اليهود والمشركين الذين يتسم بالمراباة والاستغلال واللا أخلاقية لكن المدهش أن أبا بكر الصديق بعد هذا كله يقوم بسلب بعض أشياء رافع الطائي .. أبو بكر الصديق يتمكن من سرقة رافع السرقة هنا ليست على طريقة رافع الطائي بل على طريقة أبي بكر الصديق وفي وضح النهار وعلى مرأى من الجميع .. ففي تلك الأجواء

стр. 1026

والليالي الباردة جدًا كان دفء أبي بكر وعطفه يغمران رافعًا حتى أحس بقلبه ومشاعره بين يدي الصديق .. كان رافع مأخوذًا بصاحب رسول الله ﷺ ورفيق عمره وكأنه قد هبط عليه من السماء .. يقول رافع: "لما كان غزوة ذات السلاسل قلت اللَّهم وفق لي رفيقًا صالحًا فوفق الله أبا بكر ﵁ فكان ينيمني على فراشه ويلبسني كساء له من أكسية فدك فإذا أصبح لبسه ولا يلتقي طرفه حتى يخله بخلال" (١) أي يجمع طرفي ثوبه بعود أو إبرة ولذلك صار رافع ينادي أبا بكر: يا ذا الخلال ويواصل رافع حديثه فيقول "رافقت أبا بكر في غزوة ذات السلاسل وعليه كساء له فدكى يخله عليه إذا ركب ونلبسه أنا وهو إذا نزلنا" (٢) كانت مشاعر أبي بكر الفياضة تعرف طريقها إلى أحوج الناس إليها ولم يكن هناك أحوج إلى الرعاية والعطف من هذا الشقي الهائم في البراري والجريمة .. قدم له أبو بكر كرمًا وخلقًا ساحرين جعلته يتعلق به دون غيره .. ومارس أبو بكر دور الداعية الناضج بالتربية المحمدية

стр. 1027

السخية .. لم يحدثه عن الإسلام جعل أخلاق الإسلام تتحدث إليه .. تغطيه وتدفئه وتحنو عليه .. جعل أخلاق الإسلام تقله وتظلله حتى ذهل عن كل شيء سوى الإسلام .. استحضر دفاتره وحسابات عمره وأحصى ماله وما عليه فرأى بقلبه الذي ولد اليوم على يد أبي بكر أشياء جميلة ورائعة تمر بين يديه وهو غافل عنها .. رأى بذلك القلب كم هي المسافة بينه وبن هؤلاء القوم الذي يتولى بنفسه إرشادهم إلى دربهم .. هي المسافة بين من يحلق في الأجواء وبين من ينحشر في الجحور .. رايات سوداء لكن القلوب بيضاء ترفرف في سعادة غامرة .. لا خمر لا سباب لا بغضاء ولا عداوة .. نظافة وطهارة وانتظام وصلاة وحب لا مثيل له .. أما هو فسطو وقتل ونهب وغدر وخمر وفر وحياة أذل من حياة حيوان تطارده كل وحوش الأرض .. تلك هي حال رافع الطائي وهو يرافق جيش الإسلام حتى اقتربوا من جيش المشركين عندها بدأت ملامح الدهشة تحدق بعمرو بن العاص الذي بدأ يتصرف بغرابة أثارت الكثير من الجيش مما حدا بعمر بن الخطاب إلى التوجه نحو عمرو بن العاص ليطالبه بتفسير مقنع أو ليوقفه عند حد يراه عمر ومن معه ﵃ .. يقول أحد الصحابة: "بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل وفيهم أبو بكر وعمر ﵄ فلما انتهوا إلى مكان الحرب أمرهم عمرو أن لا ينوروا نارًا فغضب عمر وهم أن ينال منه [قال عمر لأبي بكر لِمَ لَمْ يَدَعْ عمرو الناس أن يوقدوا نارًا؟ ألا ترى إلى هذا الذي منع الناس منافعهم؟ فقال أبو بكر دعه قائمًا ولاه رسول الله ﷺ علينا] فنهاه أبو بكر ﵁ وأخبره أنه لم يستعمله رسول الله ﷺ عليك إلا لعلمه

стр. 1028

بالحرب فهدأ عنه عمر ﵁" (١) والتزموا طاعة الأمير رغم فضل الكثير منهم عليه وسبقهم إياه في الدخول إلى الإسلام .. وكان أبو بكر ﵁ أرفع الصحابة منزلة وأعلم الناس برسول الله ﷺ وأعلم الناس بمراده الذي خفي على كثير منهم .. لذا لجأوا إليه ووسطوه بينهم وبين عمرو بن العاص عله يأذن لهم بإشعال النار وسط هذا الزمهرير الذي لا يخففه سوى أكوام من الحطب واللهب .. فتوجه أبو بكر ليشفع لهم عند أميرهم فكان رد الأمير أشد من ذلك الزمهرير وأقسى .. لقد "منع الناس أن يوقدوا بليل نارًا فكلموا أبا بكر ﵁ فقالوا: كلمه لنا فأتاه فقال: زملوك إلي لا يوقد أحد منهم نارًا إلا ألقيته فيها" (٢) إلى هذه المسافة وصلت الصرامة بعمرو بن العاص ﵁ .. لم يأبه لتلك الوساطة التي تقدم بها خير الأمة رغم تقديره الشديد لصاحبها لكن يبدو أن لدى عمرو من المبررات ما يدفع به إلى هذا المستوى من الشدة .. وبالفعل فقد كان العدو على مقربة من جيش المسلمين الذي تأهب من الغد وأخذ أوامره وخططه من أميره لينفذها كما صدرت .. ودارت معركة كانت نهايتها للمؤمنين "فلقوا العدو فهزموهم" (٣) وغنم المسلمون ذلك الجيش وهزموه ورأى عمرو ما بشره به رسول الله ﷺ

стр. 1029

منثورًا بين يديه وولت فلول الأعداء منهزمة ذليلة "فأرادوا أن يتبعوهم فمنعهم" (١) ونهي جيشه أن يلاحق تلك الفلول المنهزمة رغم هشاشتها وسهولة أخذها مما جعل الأمر أشد غرابة من منع إشعال النار .. لكن الصحابة لم يحتجوا هذه المرة واكتفوا بموقف أبي بكر المتعقل والملتزم .. كما اكتفى عمرو بهذا الانتصار ثم أمر أتباعه بالعودة فأطاعوه .. والجدير بالانتباه أن عمرًا لم يكن أميرًا حربيًا يجب الالتفاف عليه والوقوف عند أوامره العسكرية فقط بل هو إمام الجيش في الصلاة رغم وجود من يحفظ من القرآن أكثر منه ورغم وجود من هو أفضل منه ومع ذلك التزم أبو بكر وعمر ومن معهما الصلاة خلفه مما يؤكد أنه لا مكان في القيادة الإسلامية للعلمانية النصرانية فهي قيادة لا تفرق بين الدين والدنيا .. هما مفهومان متناغمان ومهمة القائد تكمن بتنقية الدنيا بالدين وبإشعالها به حيث لا مكان للرهبانية وتصوفها .. ولا للمادية البحتة التي تجعل الإنسان رقمًا أو كتلة تحتل حيزًا من هذا الكون .. في ضوء هذا المبدأ كان عمرو بن العاص الأمير يؤم الناس في صلاتهم وجهادهم وذات ليلة من تلك الليالي القاتلة البرودة احتلم عمرو بن العاص ولما نهض لصلاة الفجر وجد لزامًا عليه أن يستحم .. لكن الماء بارد والجو أبرد وحتى لو قام بعملية تسخين الماء فالتسخين لن يزيل ضرر الاستحمام وسط هذا الجو الزمهريري القارس .. في مثل هذه الأحوال تتداعى الحلول من كل جهات الأرض والسماء .. يقول عمرو: "احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي

стр. 1030

الصبح" (١) أما سبب فعله ذلك فبسيط للغاية إنه يقول "إني سمعت الله يقول ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما" (٢) والله لا يكلف نفسًا إلا ما قدر طاقتها .. يقول- ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٣) وجد عمرو في القرآن مخرجًا لما هو فيه .. أما رافع الطائي فقد وجد في صاحب الخلال الرائعة بوابة يهرب خلالها مما هو فيه من تشرد وضياع وحياة وضيعة .. ففي طريق العودة توجه رافع بقلبه إلى صاحب الخلال .. إلى رفيقه الرائع أبي بكر الصديق فكانت كلمات الصديق أجمل ما تعلمه وأغلى ما حصل عليه رافع في حياته كلها .. كلمات أبي بكر لرافع الطائي يقول رافع "انطلقت معهم حتى إذا رجعوا من المكان الذي حاجتهم فيه أتيت أبا بكر ﵁ فقلت يا ذا الخلال توسمتك من بين أصحابك قال ولم؟ قال: لتعلمني .. قال: قد اجتهدت .. فقلت: أردت أن تخبرني بشيء يسير إذا فعلت كنت معكم ومنكم .. قال: تحفظ أصابعك

стр. 1031

الخمس؟ قلت: نعم، قال: فذكر شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وتقيم الصلاة الخمس وتخرج زكاة مالك إن كان عندك وتحج البيت وتصوم رمضان .. قال: وخير لا تأمرن على اثنين .. فقلت: وهل تكون الإمرة إلا فيكم أهل المدر .. قال: لعلها تفشو فتبلغك ومن هو في دونك .. إن الله لما بعث نبيه ﷺ دخل الناس في الإسلام فهم عواذ الله وجيران الله وفي خفرة الله .. إن الأمير إذا كان في قوم فظلموا فلم ينتصر بعضهم من بعض انتقم الله منهم .. ولعمر الله إن الرجل منكم يظل ناتيًا عضله غضبًا لجاره والله من وراء جاره" (١) اكتفى رافع بوصية الصديق العظيمة واعتنقها وودع أصحابه مؤمنًا بعد أن صاحبهم مشركًا .. ودعهم بغير القلب الذي استقبلهم به وبقي في أرضه ليبدأ حياة بيضاء بالتوحيد .. وغاب الجيش عن ناظريه لكنه لم يغب عن ذاكرته ووجدانه .. أما جيش ذات السلاسل فسافر كالشوق نحو المدينة .. وقد تزامن وصوله مع وصول مسافر حمل معه عجوزًا من بني تميم تقيم في بادية يقال لها الربذة بين مكة والمدينة وهي تبحث عن أحد يحملها إلى النبي- ﷺ .. هذا المسافر هو أحد الصحابة واسمه الحارث بن حسان وقد أثارت تساؤله تلك الرايات السوداء وتلك الاحتفالية بعودة المحاربين منتصرين محملين بالغنائم وأحاديث السفر. يقول الحارث "خرجت لأشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله فمررت بالربذة فإذا عجوز منقطع بها من بني تميم فقالت يا عبد الله إن لي إلى رسول الله حاجة فهل أنت مبلغي إليه .. قال: فحملتها فقدمت المدينة" (٢) فـ

стр. 1032

"دخلت المسجد فرأيت النبي ﷺ قائمًا على المنبر يخطب وفلان قائم متقلد السيف فإذا رايات سود تخفق .. قلت: ما هذا قالوا عمرو بن العاص قدم من جيش ذات السلاسل" (١) "فلما نزل رسول الله من على منبره أتيته فاستأذنت فأذن لي .. فقلت: يا رسول الله إن بالباب امرأة من بني تميم وقد سألتني أن أحملها إليك قال: يا بلال .. ائذن لها قال فدخلت فلما جلست قال لي رسول الله: هل بينكم وبين تميم شيء؟ قلت: نعم .. وكانت لنا الدائرة عليهم فإن رأيت أن تجعل الدهناء بيننا وبينهم حاجزًا فعلت. تقول المرأة: فإلى أين يضطر مضطرك يا رسول الله؟ قال: قلت: إن مثلي مثل ما قال الأول معزى حملت حتفها وحملتك تكونين على خصمًا أعوذ بالله أن أكون كوافد عاد. فقال رسول الله وما وافد عاد قلت: على الخبير سقطت: إن عادًا قحطت فبعثت من يستسقي لها فبعثوا رجالًا فمروا على بكر ابن معاوية فسقاهم الخمر وتغنتهم الجرادتان شهرًا [جاريتان يقال لهما الجرادتان فخرج إلى جبال مهرة فنادى إني لم أجئ لمريض فأداويه ولا لأسير فأفاديه اللَّهم اسق عادًا ما كنت مسقيه فمرت به سحابات سود فنودي منها خذها رمادًا رمددًا لا تبق من عاد أحدًا] ثم فصلوا من عنده

стр. 1033

حتى أتوا جبال مهرة فدعوا فجاءت سحابات .. وكلما جاءت سحابة قال: اذهبي إلى كذا حتى جاءت سحابة فنودي خذها رمادًا رمددًا لا تدع من عاد أحدًا فسمعه وكلمهم حتى جاءهم العذاب [فكانت المرأة تقول لا تكن كوافد عاد] " (١) ثم نظر ﷺ في حاجة التميمية وحاجة حسان ثم قابل الأمير المظفر عمرو بن العاص بعد أن قام بعض أفراد جيشه بتقديم شكوى ضده لدى النبي ﷺ شكوى ضد عمرو بن العاص تقبلها ﷺ كما قبل تلك الشكوى ضد خالد بن الوليد بعد معركة مؤتة .. لكن هذه الشكوى لا تحمل شيئًا من التشفي أو الانتصار للذات .. كانت شكوى ضد الأمير هدفها الصالح العام وهي مشروعة ومبررة .. ولم يشفع انتصار عمرو بن العاص له برفض الدعوى .. فقد قام النبي ﷺ باستدعاء عمرو بن العاص للتحقيق معه والنظر في الشكوى بل الشكاوى المقدمة ضده .. وتتلخص في ثلاثة أمور: الأول: منعه للجيش من إيقاد النار والأجواء شديدة البرودة. الثاني: حرمانه الجيش من غنائم مؤكدة برفضه ملاحقة فلول الأعداء الهاربة من المعركة. الثالث: صلاته بالجيش وهو جنب دون اغتسال. يقول عمرو ﵁: "لما بعثه رسول الله ﷺ إلى غزوة ذات السلاسل منع الناس أن يوقدوا بليل نارًا .. فكلموا أبا بكر ﵁ فقالوا: كلمه لنا .. فأتاه فقال: زملوك إلي لا يوقد أحد منهم نارًا إلا ألقيه

стр. 1034

فيها .. ثم لقي العدو فهزمهم ولم يدعهم يطلبون العدو .. فلما رجعوا إلى رسول الله ﷺ أخبروه بالخبر وشكوا إليه .. فقال: كانوا قليلًا فكرهت أن يوقدوا فيستبين للعدو قلتهم .. وكرهت أن يتبعوا العدو وخفت أن يكون لهم مادة فيعطفوا على الناس. فحمد رسول الله ﷺ أمره" (١) وتبين للجميع بعد نظر النبي- ﷺ في اختياره لقادة جيشه ودهاء عمرو العسكري مع مساحة الحرية الشاسعة في طرح المشاكل والشكاوى دون قمع أو مصادرة للرأي الآخر .. بعد ذلك طرح النبي ﷺ -سؤالًا حول اجتهاده عندما صلى بأصحابه ولم يغتسل واكتفائه بالتيمم فقط ويقول عمرو: "احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح .. فذكروا ذلك للنبي- ﷺ فقال: يا عمرو .. صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت إني سمعت الله يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا" (٢) انتصارات لعمرو بن العاص في الحرب والسلم .. خرج عمرو منها بأشياء كثيرة لكن نفسه كانت تحدثه بنصر أكثر اتساعًا وأعمق غورًا .. عمرو بن العاص في يبحث عن مكانه في قلب النبي ﷺ فقد قام بأعمال قياسية في فترة قصيرة وهو أمر لم يكن يحلم به بل هو من المستحيلات لو ظل عمرو قابعًا متخثرًا بشركه .. ولاه ﷺ على صاحبيه أبي بكر وعمر وهو أمر لم يكن عمرو يتوقعه .. ثم إنه انتصر في المعركة وأبدع في قراراته وأصاب في اجتهاده .. فماذا بقي سوى أن ينتصر على من

стр. 1035

حوله في احتلال الجزء الأكبر من قلب النبي ﷺ .. توجه عمرو بن العاص نحو النبي ﷺ بقلب يحلم بالكثير الكثير وسأله .. يقول ﵁: "إن رسول الله ﷺ بعث عمرو بن العاص على جيش ذات السلاسل .. قال: فأتيته فقلت أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة .. قلت: من الرجال؟ قال: أبوها .. قلت: ثم من؟ قال: عمر .. فعد رجالًا فسكت مخافة أن يجعلني في آخرهم" (١) .. عندها أدرك عمرو فضل السابقين عليه وأدرك أيضًا تثمين النبي ﷺ -لقدراته وأن عليه حسب عدالة هذا النبي وإنصافه أن يبذل الكثير للَّحاق بمن سبقوه بإنجازاتهم العظيمة .. وذلك لأن عمْرًا ليس رجلًا عاديًا يقنع باعتناق الإسلام فقط دون أن يكون له دور في حياته الجديدة .. عمرو بن العاص ليس كهذا الرجل الذي جاء "إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام فقال رسول الله ﷺ : خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: هل عليّ غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع .. وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة .. قال: هل عليّ غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع، فأدبر الرجل وهو يقول والله لا أزيد على هذا ولا أنقص .. قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: أفلح إن صدق" (٢) أما عمرو فيبحث عن دور يخدم به هذا الإسلام ليعوض ذلك الفرق الذي قطعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وبقية المهاجرين والأنصار .. وهو ممّن ينطبق عليه مفهوم الخيرية التي قدمها ﷺ لبعض الصحابة عندما قالوا "للنبي ﷺ : من أكرم الناس؟ قال: أكرمهم أتقاهم .. قالوا: يا نبي الله: ليس عن هذا نسألك .. قال: فأكرم الناس يوسف نبي الله بن نبي الله بن نبي الله بن خليل الله .. قالوا: ليس عن هذا نسألك .. قال: فعن معادن العرب تسألونني .. قالوا: نعم .. قال فخياركم في الجاهلية

стр. 1036

خياركم في الإسلام إذا فقهوا" (١) وعمرو وخالد وأمثالهما أصحاب قرار وأدوار بارزة في الجاهلية .. فليس من المتوقع أن يخبو وهجهم بعد إسلامهم .. لأن الإسلام مأخوذ بتفجير الطاقات واستثمارها ولكن نحو الأجمل والأسمى .. وهل هناك تفجير واستثمار كهذا الذي حصل عليه عمرو وخالد .. هل هناك من قطع بلمح البصر تلك المسافة التي قطعاها أو اعتلى قمة كالتي يقفان عليها .. والمستقبل بالإسلام يعد لطاقات عمرو بن العاص الكثير والكثير مما لا يحلم به لو كان منبطحًا تحت أقدام هبل وبقية الأخشاب والأحجار المقذوفة فوق ظهر الكعبة .. ها هو بعد أن ترك تلك الأصنام التي حجمته في دائرة مساحتها لا تتجاوز مساحة دائرة الطواف بصنم .. ها هو يتبختر على مشارف أعظم دولتين في العالم فارس والروم بكل ثقة .. هذا بالضبط ما كان الإسلام يعده لأبي جهل وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط لو أسلموا .. وهذا ما تنبأ أبو سفيان بحدوثه وهو واقف على بلاط هرقل الروم ينصت إلى زعيم الروم وهو يتأهب للرحيل عن بلاطه وأرضه وسلطانه وملكه لمحمد البسيط الذي "يخصف نعله ويخيط ثوبه ويرقع دلوه" (٢) لمحمد الذي يقول عن نفسه "آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد فإنما أنا عبد" (٣) لمحمد الذي يأمن عنده الخائف .. أُتي له "برجل ترعد فرائصه، فقال له هون عليك فإنما أنا بن امرأة من قريش كانت تأكل القديد في هذه البطحاء" (٤)

стр. 1037

ليس محمَّد ﷺ فقط بل أي مسلم .. عندما يتقدم للعالم بمشروعه الحضاري .. عندما يضع نفسه خلف مشروعه لا أمامه .. عندها فقط تجد كل شيء يحبه ويخافه .. تجده يبدع يتوهج .. يعيد صياغة العالم بأحرف نقية وجديدة .. أما إذا رأيت خللًا في مشروع إسلامي ففتش عمن وضع نفسه أمام ذلك المشروع لا خلفه .. عندها تتهاوى أمام عينيك القيم والمبادئ والثوابت وينتهي بك المشهد إلى أكوام يستحيل معها الإبداع والإقناع .. لم يكن الصحابة يقدمون للعالم أنفسهم وأهواءهم كانوا يقدمون كتاب الله وسنة رسوله .. كانوا يضعون أخطاءهم ضمن أرصدتهم لا ضمن أرصدة الإِسلام .. وهو ما قفز بهم في فترة قياسية إلى حدود فارس والروم .. أما قريش ذلك الخصم الذي كان يحتقرهم ويطلق عليهم ألقابًا لا تليق إلا بالمجانين وقطاع الطرق .. قريش اليوم دون طرق دون معنويات .. فالمعنويات والانتصارات والمساحات لمحمد وأتباع محمَّد ﷺ .. ولم يبق لقريش سوى شرف الحج وقد تحول إلى موسم يسخر من قريش وأصنامها وعنادها .. قريش اليوم مكبلة بعهد مع خصمها محمَّد .. ومحاطة بمناطق يملكها خصمها محمَّد .. ومخنوقة بإنجازات يصنعها خصمها محمَّد .. فما الذي بقي لقريش سوى مكة الحزينة والأصنام التي بدأت بالتآكل .. وهو في الحقيقة ليس خصمًا لها بل هي التي تصر على خصومته وها هو المجد الذي وعدها به يرف على أرض فارس والروم ولكنه للمؤمنين به أما قريش فقد أعماها رمد التحديق بهبل وبقية الأخشاب والأحجار الجاثمة على أنفاسها وعقولها كما أعمى سيد اليمامة الذي لم يكتف بالوثنية والشرك بل أقدم على شيء خطير يؤكد به كرهه لهذا النبي ودينه:

стр. 1038

السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة (قراءة جديدة) محمَّد الصوياني الجزء الرابع مكتبة العبيكان

стр. 1039

(ح) مكتبة العبيكان، ١٤٢٤هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الصوياني محمَّد السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة. / محمَّد الصوياني - الرياض، ١٤٢٤ هـ ٤٠٠ ص، ١٦.٥ × ٢٤ سم ردمك: ٠ - ٣٧٥ - ٤٠ - ٩٩٦٠ (مجموعة) ٣ - ٣٧٩ - ٤٠ - ٩٩٦٠ (ج٤) ١ - السيرة النبوية ٢ - الحديث -مباحث عامة أ. العنوان ديوى ٢٣٩ ٢٨٧٨/ ١٤٢٤ ردمك:٠ - ٣٧٥ - ٤٠ - ٩٩٦٠ (مجموعة) رقم الإيداع: ٢٨٧٨/ ١٤٢٤ ٣ - ٣٧٩ - ٤٠ - ٩٩٦٠ (ج٤) الطبعة الأولى الخاصة بمكتبة العبيكان ١٤٢٤هـ/٢٠٠٤ م حقوق الطباعة والنشر محفوظة للناشر الناشر مكتبة العبيكان الرياض -العليا- تقاطع طريق الملك فهد مع شارع العروبة ص. ب: ٦٢٨٠٧ - الرمز: ١١٥٩٥ هاتف:٤٦٥٤٤٢٤ - فاكس: ٤٦٥٠١٢٩

стр. 1040

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1041

زعيم اليمامة يحاول اغتيال النبي ﷺ اسمه ثمامة بن أثال الحنفي سيد اليمامة وبني حنيفة يعلنها صريحة للنبي ﷺ "ما وجه أبغض إلي من وجهك ولا دين أبغض إلي من دينك ولا بلد أبغض إلي من بلدك" (١) لم يقنع ثمامة بتلك المشاعر بل حاول تجسيدها على أرض الواقع حاول أن يشفي غليله وغليل قريش والأصنام بسفح دماء النبي ﷺ لكن محاولته فشلت فدعا النبي ﷺ ربه أن يمكنه منه .. يقول أبو هريرة رضى الله عنه: "إن رسول الله ﷺ دعا الله حين عرض لرسول الله ﷺ بما عرض له أن يمكنه الله منه وكان عرض له وهو مشرك، فأراد قتله" (٢) لكنه خاب .. أما النبي ﷺ فكان كعادته لا يكتفي بالدعاء فقط دون الأفعال .. فالتوكل عنده هو القيام بالعمل بطريقة صحيحة مع جعل النتائج كلها على الله .. وهذا بالضبط ما قام به للإمساك بهذا المشرك الذي ملأ الحقد قلبه فأعماه عن رؤية شمس التوحيد ونهاره .. ويبدو أنه كان مدفوعاً بمفكر اليمامة ومنظرها مسيلمة الكذاب الذي بدأ يستعد لإعلان نفسه نبياً ونداً للنبي ﷺ .. في الوقت الذي كان ﷺ يعد جيشاً ذكياً لـ: غزو نجد ويبدو أن هذه الغزوة مرت بمرحلتين الأولى مواجهة جماعية غنم فيها المسلمون الكثير .. حيث يقول عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله

стр. 1042

عنهما "بعث النبي ﷺ سرية وأنا فيهم قبل نجد فغنموا إبلًا كثيرة فكانت سهمانهم اثنا عشر بعيرًا أو أحد عشر بعيرًا ونفلوا بعيرًا بعيرًا" (١) ما المرحلة الثانية فتتلخص في القبض على سيد أهل اليمامة ثمامة بن أثال الحنفي الذي يستعد للانطلاق من بلاده متوجهًا نحو مكة لأداء العمرة عندما فاجأته الخيل وأسرته وأخذته معها إلى المدينة .. قصة مثيرة تحمل حكمًا وأحكامًا عندما "بعث رسول الله ﷺ خيلًا قبل نجد .. فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة فربطوه بسرية من سواري المسجد .. فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال: ماذا عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي يا محمد خير إن تقتل تقتل ذا دم وإن تنعم تنعم على شاكر وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول الله ﷺ حتى كان بعد الغد فقال ما عندك يا ثمامة .. قال ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر وإن تقتل تقتل ذا دم وإن كنت تريد المال فسل تعط ما شئت .. فتركه رسول الله ﷺ حتى كان من الغد فقال ماذا عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر وإن تقتل تقتل ذا دم وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت" (٢) .. كان أبو هريرة ومن معه من المساكين يستمعون إلى هذا الحوار ويتمنون لو ينتهى الأمر إلى شيء يفرحهم يقول ﵁ "فجعلنا -المساكن- نقول -بيننا- ما يصنع بدم ثمامة، والله لأكلة من جزور سمينة من فدائه أحب إلينا من دم ثمامة" (٣) أما النبي ﷺ فيرى أن الدنيا بحذافيرها لا تساوي شيئًا أمام هداية رجل أو امرأة فكيف بسيد اليمامة هذا .. "فقال

стр. 1043

رسول الله ﷺ : عفوت عنك يا ثمامة" (١) "فقال رسول الله ﷺ : أطلقوا ثمامة فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل .. ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله .. يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي .. والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب الدين كله إلي .. والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إلي .. وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ وأمره أن يعتمر" (٢) "فيسره رسول الله ﷺ في عمرته وعلمه فخرج معتمرًا" (٣) بعد أن اعترف بذنبه واستحقاقه لعقوبة القتل .. لكن النبي ﷺ أسره بكرمه وعفوه بعد أن أطلقه من أسر الحبال .. رافع الطائي وثمامة الحنفي وبنو المصطلق وكثير من البشر قد لا يتأثرون بكثرة صلاة المسلم أو صيامه ولا بشكل لحيته وطول ثوبه بل قد يرونها -قبل أن يسلموا- نوعًا من تعذيب الذات من أجل الخلاص .. هذه النوعية من البشر لا تأبه بالعبادات قبل هدايتها .. هي منساقة خلف خلق جميل وتعامل راق .. مأخوذة بالدين المعاملة لا بالدين العبادة .. وهي طائفة لا تجد أفضل من محمد ﷺ للتعامل معها .. لا تجد أفضل من محمد يتهادى خلف كلمات ربه التي تقول: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا

стр. 1044

غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (١) ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (٢) تعامل ﷺ بهذا المستوى مع ثمامة فحقق قول الله سبحانه: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (٣) وقد حولت أخلاق محمد ثمامة إلى ولي حميم بعد أن كان عدوًا مبغضًا .. ودع ثمامة نبيه ﷺ وأحبابه الجدد متجهًا إلى مكة بقلب آخر وشخصية أخرى وأهداف أرقى وأسمى .. وكأنه اغتسل بنهر حياة أخرى .. وتوجه نحو قريش بعد أن "اغتسل وصلى ركعتين فقال النبي ﷺ لقد حسن إسلام أخيكم" (٤) "فلما قدم مكة قال له قائل أصبوت فقال لا ولكني أسلمت مع رسول الله ﷺ ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ " (٥) "وأيم الذي نفس ثمامة بيده لا تأتيكم حبة من اليمامة -وكانت ريف مكة- ما بقيت حتى يأذن فيها محمد ﷺ وانصرف إلى بلده ومنع الحمل إلى مكة حتى جهدت قريش" (٦) لقد "رجع فحال

стр. 1045

بين أهل مكة وبين الميرة من اليمامة حتي أكلت قريش العلهز" (١) أي الدماء. ادفع بالتي هي أحسن .. كلمات قليلة حولت أرض اليمامة إلى ربيع في قلب النبي ﷺ وسيف في يده .. أما قريش فـ: قريش تأكل الدم بسبب حصار اليمامة الاقتصادي بعد أن دعا النبي ﷺ عليها فكان ثمامة استجابة الدعاء .. وعندما أشرفت قريش على الهلاك انطلق زعيمها أبو سفيان كارهًا مستغيثًا بالمدينة .. باحثًا عن مخرج لأزماته المتسارعة والثقيلة مستغلًا قرابته ومصاهرته للنبي ﷺ علها تنقذه مما هو فيه .. أبو سفيان في المدينة يطلب الرحمة من هذا الحصار ويستغيث وقد علم عبد الله بن مسعود بمجيئه فقال: "إن قريشًا أبطؤوا عن الإِسلام فدعا عليهم النبي ﷺ فقال اللَّهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها وأكلوا الميتة والعظام ويرى الرجل ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان فجاءه أبو سفيان فقال يا محمَّد جئت تأمرنا بصلة الرحم وإن قومك قد هلكوا فادع الله فقرأ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ

стр. 1046

أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ (١) استمر الوضع على ما هو عليه "حتى جهدت قريش فكتبوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة يخلي حمل الطعام ففعل رسول الله ﷺ " (٢) وعفا عنهم لكن قريشًا لم تتأثر بذلك العفو ولم تتعظ .. لم تدرك الدرس جيدًا .. فقدت مبررات البقاء على جاهليتها ووثنيتها ولم يبق لها سوى العناد .. العناد هو آخر أسوار قريش التي بقيت لها .. لكن العناد تحول إلى قشرة خفيفة تستر بها عورة الشرك وعيوبه وفضائحه .. كانت الجزيرة العربية وما حولها تترقب نهاية حاسمة وقريبة فلم يبق في صف قريش إلا حلفاء الأصنام الذين وقعوا معها حلفًا بعد صلح الحديبية وهم بنو بكر .. لكن يبدو أن الظروف لا تساعد قريشًا كثيرًا فحتى هؤلاء الحلفاء لم تعد لهم أهمية تُذكر .. فقد تحولوا إلى فخ يُدني البقاء فيه قريشًا كل يوم من حتفها .. حتى جاءت تلك الليلة المشؤومة على قريش وحليفتها بكر عندما قررتا الانتحار عند نبع الوتير. ليلة المؤامرة على خزاعة عند نبع الوتير اتفق الطرفان قريش وبنو بكر على استغلال الليل للغدر بالقبيلة التى حالفها المسلمون عند توقيع صلح الحديبية وهي قبيلة خزاعة ومباغتتها .. وقد خطط طرفا المؤامرة أن تتم العملية بسرية لا يعلمها النبي ﷺ ولا حتى

стр. 1047

خزاعة وكأن العملية من بقايا السلب والنهب الجاهلي .. يقول أحد الصحابة "كان في صلح رسول الله ﷺ يوم الحديبية بينه وبين قريش أنه من شاء أن يدخل في عقد محمَّد وعهده دخل ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فتواثبت خزاعة فقالوا نحن ندخل في عقد محمَّد وعهده وتواثبت بنو بكر فقالوا نحن ندخل في عقد قريش وعهدهم فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة أو الثمانية عشر شهرًا ثم إن بني بكر الذين كانوا دخلوا في عقد قريش وعهدهم وثبوا على خزاعة الذين دخلوا في عقد رسول الله ﷺ وعهده ليلًا بماء لهم يقال له الوتير قريب من مكة فقالت قريش ما يعلم بنا محمَّد وهذا الليل وما يرانا أحد فأعانوهم عليهم بالكراع والسلاح فقاتلوهم معهم للضغن على رسول الله ﷺ " (١) والنيل منه ولو معنويًا .. لكن ذلك الليل لم يستطع طمس وجوه المجرمين الذين مزقوا معاهدة الحديبية التي تطرفوا في شروطها وتغطرسوا ومع كل هذا لم يلتزموا بها .. لم يستطع الظلام إخفاء تلك الجريمة فقد تمكن بعض رجال خزاعة من التعرف على المجرمين فأمرت خزاعة أحد رجالها واسمه: عمرو بن سالم كي ينطلق نحو المدينة لطلب النجدة من النبي ﷺ ففعل .. ولما وقف أمام النبي ﷺ انطلق الشعر من أعماقه جمرًا ومراراة الشعر يستغيث النصر لخزاعة يقول أحد الصحابة "أن عمرو بن سالم ركب إلى رسول الله عندما كان من أمر خزاعة وبنى بكر بالوتير حتى قدم المدينة إلى رسول

стр. 1048

الله ﷺ يخبره الخبر وقد قال أبيات شعر فلما قدم على رسول الله ﷺ أنشده إياها: اللَّهم إني ناشد محمدًا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا كنا والدا وكنت ولدا ... ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا فانصر رسول الله نصرًا عتدا ... وادعوا عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجردا ... إن سيم خسفًا وجهه تربدا في فيلق كالبحر يجري مزبدا ... إن قريش أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا ... وزعموا أن لست أدعو أحدا فهم أذل وأقل عددا ... قد جعلوا لي بكداء مرصدا هم بيتونا بالوتير هجدا ... فقتلونا ركعًا وسجدا فقال رسول الله ﷺ : نصرت يا عمرو بن سالم .. فما برح حتى مرت عنانة في السماء .. فقال رسول الله ﷺ : إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب وأمر رسول الله ﷺ الناس بالجهاز .. كتمهم مخرجه .. وسأل الله أن يعمي عليهم قريش خبره حتى يبغتهم في بلادهم" (١) فهذه الجريمة لن تمر دون عقاب رادع يوقف قريش ومن معها عند حدهم .. ولن يوقفهم عند حدهم إلا إجراء بالغ الصرامة .. لن يوقف تآمرهم وكفرهم إلا:

стр. 1049

فتح مكة فهذا النوع من البشر يستنفذ منك كل طاقات الإقناع والسلام والعفو والحكمة والموعظة الحسنة .. بل هو ينظر إلى هذه الأنماط السلوكية في الدعوة على أنها ضرب من ضروب السذاجة والسطحية والغباء تستحق الانتهازية والاستغلال والمماطلة ما أمكن .. هذا النوع لا يخضع للحق رغم سطوعه كالشمس في عينيه .. لكنه يسرع إليه إذا رأى شعاع الشمس منعكسًا على شفرة سيف حاد .. ولأهمية هذا الأمر لم يعلن النبي ﷺ لأصحابه كيف سيكون الرد ولا متى .. حتى أهل بيته حتى أبو بكر لا يعلم هدف هذا الاستعداد ولا وجهته .. فقد دخل أبو بكر الصديق على ابنته "عائشة وهي تغربل حنطة لها .. فقال: ما هذا؟ أمركم رسول الله ﷺ بالجهاز .. فقالت: نعم فتجهز، فقال: وإلى أين؟ قالت: ما سمى لنا شيئًا، غير أنه قد أمرنا بالجهاز" (١) ثم صدرت أوامر النبي ﷺ للمهاجرين والأنصار جميعًا بالتأهب فامتثلوا .. وبعث ﷺ إلى قياداته من بني سليم ومزينة فتطوع من بني سليم حوالي السبعمائة أما مزينة فتجاوزوا هذا العدد ليصلوا إلى ألف مقاتل .. وتداعت القوات من كل مكان في الجزيرة .. حتى توافر لدى النبي ﷺ قوة ضاربة قوامها عشرة آلاف مقاتل .. كل ذلك وهم لا يدرون إلى أين سيتوجه بهم النبي ﷺ .. والمدهش في الأمر أن شهر رمضان قد دخل على الأمة فلم يتزحزح النبي ﷺ عن قراره بغزو مكة وتخليصها .. يقول أحد الصحابة عن عدد القوات المتوفرة "مضى رسول الله ﷺ وأصحابه عام الفتح حتى

стр. 1050

نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين .. فسبعت سليم وألفت مزينة وفي كل القبائل عدد وإسلام .. وأوعب مع رسول الله ﷺ المهاجرون والأنصار .. فلم يتخلف عنه منهم أحد .. وقد عميت الأخبار على قريش فلا يأتيهم خبر رسول الله ﷺ ولا يدرون ما هو صانع" (١) وهو مؤشر على مدى السرية التي أحاط النبي ﷺ هدف كل هذا الاستعداد الضخم الذي لم تشهد له الجزيرة العربية مثيلًا. ولا أستبعد أن يكون كبار الصحابة يرجحون أن مكة هي الهدف القادم .. لكنهم لا يستطيعون البوح بذلك لأن التلفظ به يعني مزيدًا من البلبلة والإشاعات والإرجاف وإعطاء العدو فرصة للتأهب .. وهم يعلمون أن النبي ﷺ لا يريد ذلك كله .. لكن أحد أفاضل الصحابة من المهاجرين ورجال بدر العظماء قام بعمل خطير جدًا لا يقوم به إلا منافق أو عدو لهذه الأمة .. لقد كان هذا الصحابي الجليل لماحًا فهم من هذه الجموع والترتيبات أن النبي ﷺ لا يمكن أن يقصد قبيلة عادية من قبائل الجزيرة .. فقد انتصر على كل القبائل التي واجهها بسرايا محدودة العدد محدودة التجهيز .. لكن الأمر اليوم يحمل بين حروفه ضربة حاسمة ستغير وجه الجزيرة وأعماق من يسكنها .. فلا يمكن أن تكون إلا أعظم قبيلة على أرض الجزيرة ولا يمكن أن تكون إلا أقدس أرض على سطح الأرض .. وهذا ما جعل انتقام قريش من ذوي المسلمين الضعفاء متوقعًا .. وكان أهل حاطب في مكة معرضين لانتقام طواغيت قريش في حالة مداهمتهم .. وربما يستغلونهم كرهائن في حالة الانكسار وأشياء عديدة وثقيلة كالهموم تغرز حرابها في رأس

стр. 1051

حاطب .. لكن حاطبًا يعلم من هذه الجموع ومن معنويات قريش أن النصر محسوم للإسلام وأهله فلن يضرهم أن يتصرف بطريقة تحمي أهله وهو يجزم أنها لن تعيق انتصار النبي ﷺ : حاطب ينذر قريشًا معركة فاصلة فقد كتب خطابًا "فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ " (١) ثم تسلل ﵁ إلى مكان إحدى النساء المسافرات إلى مكة أو أرسلها هو بذلك الخطاب .. لكن ومن باب السرية أيضًا أمرها أن تخفي كتابه بضفائر شعرها .. لكن جبريلًا ﵇ نزل يخبر النبي ﷺ بصنيع حاطب فاستدعى علي بن أبي طالب والزبير بن العوام والمقداد بن الأسود ﵃ فجاءوا .. ها هو علي سوف يخبرنا بما حدث. .. يقول ﵁: "بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد فقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها .. فذهبنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة فقلنا: أخرجي الكتاب فقالت: ما معي من كتاب، فقلنا لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب .. فأخرجته من عقاصها (٢) فأتينا به النبي ﷺ فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين ممّن بمكة يخبرهم ببعض أمر النبي ﷺ " (٣) أخذ الفرسان الكتاب ثم عادوا إلى المدينة دون أن يمسوا المرأة بسوء فهي لا تعلم عما بداخله شيئًا .. ولما سلموه إلى النبي ﷺ أمر بقراءته

стр. 1052

ثم استدعى حاطبًا لمساءلته عن هذا الخطأ الشنيع الذي لا يفعله إلا أعداء هذا النبي وأعداء هذا الدين. مساءلة حاطب حاطب بين يدي النبي ﷺ دون قيود دون ضرب أو إهانة أو سجن على ذمة التحقيق .. لكن عمر بن الخطاب كان متأهبًا بالسيف لفصل رأس حاطب عن جسده فهو في نظر عمر منافق مرتد .. لكن للنبي ﷺ قولًا آخر وحلمًا آخر .. خاطب صاحبه بكلمات قليلة "قال رسول الله ﷺ يا حاطب ما هذا؟ قال: يا رسول الله لا تعجل عليّ .. إني كنت امرأ ملصقًا في قريش .. كنت حليفًا ولم أكن من أنفسها .. وكان من معك من المهاجرين من لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم .. فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا يحمون قرابتي .. ولم أفعله ارتدادًا عن ديني ولا رضًا بالكفر بعد الإِسلام .. فقال رسول الله ﷺ : أما إنه قد صدقكم .. فقال عمر يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق .. فقال: إنه قد شهد بدرًا وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرًا فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. فأنزل الله السورة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ " (١) ما قام به حاطب ﵁ خطأ شنيع لكنه لم يكن مقرونًا بنية فاسدة تحمله معها إلى حيث مراتع الردة وسيف عمر .. كان الدافع خوفًا على الأهل .. كان تصرفًا تمليه حالة ضعف بشرية يمر بها

стр. 1053

الجميع ويتجاوزها القليل .. ومع ذلك لم تفلح تلك النية السليمة في تمرير ذلك الخطأ .. لكن في هذه القصة ردع لأي حكم بالردة والسيف قبل المساءلة والتثبت واكتشاف الدوافع الحقيقية .. تلك الدوافع التي اكتشف حاطب أنه كان ضعيفًا جدًا أمامها واكتشف أيضًا كم هو مخطئ وكم هي ثقيلة تلك المسؤولية التي يحملها تجاه أمته وأسرار دولته .. ندم حاطب ندمًا شديدًا فوجد النبي ﷺ واحة تقول "الندم توبة" (١) ووجد الإِسلام يحتفظ له برصيد أودعه أيام بدر .. وما زال يتنامى ولا يزال إلى يوم البعث .. أما النبي ﷺ فقد اطمأن إلى عدم وجود أي قناة تتسرب منها أخباره إلى أهل مكة .. ودخل شهر رمضان بروحانيته وسكينته وجماله ليضفي كل تلك الأشياء على أفراد جيشه .. ليغسلوا حماسهم بها حتى لا يتحول الحماس إلى ثأر أو تهور وللقوم ثارات لا يجتثها سوى تجذر الإِسلام في أعماقهم .. ولا يطفئ جحيمها سوى مطر الاحتساب .. ولما جاء اليوم العاشر من رمضان وكمل احتشاد الجموع نادى ﷺ رجلًا من أصحابه اسمه كلثوم بن عتبة بن خلف الغفاري ويلقب بأبي رهم .. ولما جاء عينه ﷺ أميرًا على المدينة حتى يعود:

стр. 1054

أبو رهم خليفة رسول الله ﷺ في المدينة يقول أحد الصحابة "مضى رسول الله ﷺ لسفره واستخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفاري .. وخرج لعشر مضين من رمضان فصام رسول الله ﷺ وصام الناس معه حتى إذا كان بالكديد ماء بين عسفان وأمج أفطر .. ثم مضى حتى نزل بمر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين" (١) و"الظهران واد قرب مكة وعنده قرية يقال لها مر تنسب إلى هذا الوادي فيسمونها: مر الظهران" (٢) ويحدد ﵁ العام الذي خرج فيه النبي ﷺ فيقول إنه "خرج في شهر رمضان من المدينة معه عشرة آلاف من المسلمين وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة .. فسار بمن معه من المسلمين إلى مكة يصوم ويصومون حتى بلغ الكديد وهو ماء بين عسفان وقديد فأفطر وأفطر المسلمون معه .. فلم يصوموا من بقية رمضان شيئًا" (٣) طوال مدة سفرهم .. إذًا فقد "نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين فسبعت سليم وألفت مزينة وفي كل القبائل عدد وإسلام وأوعب مع رسول الله ﷺ المهاجرون والأنصار فلم يتخلف عنه منهم أحد وقد عميت الأخبار على قريش فلا يأتيهم خبر رسول الله ﷺ ولا يدرون ما هو صانع" (٤) لكن

стр. 1055

بعض فرسان قريش يشعرون بسكون يسبق إعصارًا مدمرًا .. يشعرون بسكون مخيف مقلق وتحركات يجهلون هدفها بعد جريمة ارتكبها بعضهم تستحق انتقامًا فظيعًا مجهول التاريخ .. كان ليل مكة مخيفًا وكأن الجن تطل عليها من رؤوس جبالها وكأن تلك النجوم بريق عيون غيلان ووحوش .. لم يطق بعضهم هذا الجو الخانق فهرب يبحث عن محمَّد الذي لا ينضب عفوه ولا تنقطع أمطار تسامحه. أبو سفيان يهرب من مكة المختنقة إلى أجواء أكثر رحابة .. لكنه ليس أبا سفيان بن حرب والد معاوية وزوج هند بنت عتبة .. إنه أبو سفيان بن الحارث وهو ابن ابن عم النبي ﷺ : الحارث بن عبد المطلب .. وبصحبته ابن له صغير ومعه أيضًا ابن عمة النبي ﷺ واسمه: عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة وخرج آخرون لتنقيب الأرض بحثًا عن شيء يريح هذه الأنفس والأرواح المتعبة وكأن حجارة ستهوي عليهم من السماء أو بركانًا ينفجر من تحت أقدامها وذلك عندما "نزل رسول الله ﷺ بمر الظهران وقد عميت الأخبار عن قريش فلم يأتهم عن رسول الله ﷺ خبر ولا يدرون ما هو فاعل خرج في تلك الليلة أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتحسسون وينتظرون هل يجدون خبرًا أو يسمعون به .. وقد كان العباس بن عبد المطلب أتى رسول الله ﷺ ببعض الطريق .. وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله ﷺ فيما بين مكة والمدينة .. فالتمسا الدخول عليه فكلمت أم سلمة فيهما فقالت: يا رسول الله ابن عمك وابن عمتك وصهرك .. قال: لا حاجة لي بهما .. أما ابن عمي فهتك عرضي .. وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما
следующие страницы →