وكان العباس ﵁ هو الذي زوجها النبي ﷺ يقول ابنه عبد الله: كان الذي زوجه إياها العباس بن عبد المطلب فأقام رسول الله ﷺ بمكة" (١) وقد بقي ﷺ في مكة ثلاثة أيام هو وأصحابه يستمتعون بأجواء مكة الطيبة ... بمراتع الطفولة وذكريات الشباب .. بطرقاتها وبيوتاتها التي أرغمهم الكفر على مغادرتها. وبعد اليوم الثالث اضطروا إلى مغادرتها .. كان فراقًا مؤلمًا يتحدث عنه البراء بن عازب فيقول: "أقام رسول الله ﷺ ثلاثة أيام في عمرة القضاء فلما كان يوم الثالث قالوا لعلي إن هذا آخر يوم من شرط صاحبك فمره فليخرج، فحدثه بذلك قال: نعم فلنخرج" (٢).
فالنبي ﷺ خير من يفى بالعهود .. لكن:
النبي ﷺ يقدم عرضًا لقريش
يلتمس منهم السماح له بتمديد فترة بقائه وأصحابه في مكة أيامًا كما طلب منهم مشاركته أفراح عرسه ووليمته .. عن هذا الالتماس وعن رد قريش يقول ابن عباس ﵄: "إن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة بنت الحارث ﵂ وأقام بمكة ثلاثًا فأتاه حويطب بن
стр. 982
عبد العزى في نفر من قريش في اليوم الثالث فقالوا له: إنه قد انقضى أجلك فاخرج عنا .. قال: وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم فصنعت لكم طعامًا فحضرتموه؟ قالوا لا حاجة لنا في طعامك فاخرج عنا فخرج بميمونة بنت الحارث ﵂ حتى أعرس بها بسرف" (١) وعندما هم ﷺ بمغادرة أحب البلاد إلى قلبه لحقت به ابنة عمه وحبيبه سيد الشهداء حمزة ﵁ ورغبت في مصاحبته إلى تلك المدينة الطيبة التي آوت والدها واحتضنته إلى يوم القيامة ..
"خرج النبي ﷺ فتبعته ابنة حمزة تنادي يا عم يا عم فتناولها علي فأخذ بيدها وقال لفاطمة ﵍ دونك ابنة عمك احمليها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر .. قال علي: أنا أخذتها وهي بنت عمي .. وقال جعفر ابنة عمي وخالتها تحتي .. وقال زيد ابنة أخي فقضى بها النبي ﷺ لخالتها وقال الخالة بمترلة الأم وقال لعلي أنت مني وأنا منك وقال لجعفر أشبهت خلقي وخلقي وقال لزيد أنت أخونا ومولانا" (٢) نسيج متناغم وخلاب من العلاقات والحب حوله ﷺ .. كل يرى أنه أحق برعاية يتيمة حمزة .. وكلمات تواسي تلك القلوب المفعمة:
أنت مني وأنا منك .. أشبهت خلقي وخلقي .. أنت أخونا ومولانا ..
стр. 983
وقافلة ﵂ تحت الشجرة .. والمطايا والقلوب تتفطر بين مكة وطيبة ..
وصل ﷺ إلى المدينة .. لكن حياة من نذروا أنفسهم لإزالة تجاعيد الأرض وأحزان القلوب بالإيمان والتوحيد لا تعرف الهدوء ما دام هناك شبر يئن من وخز الأصنام والأوثان .. فالقضية ليست بحثا عن الغنائم أو سعيًا وراء دفع حدود الدولة الجديد إلى الأقصى الممكن .. هي النبوة والتوحيد ومن حق كل البشر الحصول عليها وليس من حق من يحملونها الاستئثار بها وحرمان الآخرين من التمتع بها .. وليس من حق أحد مهما كان منع صوت التوحيد من الوصول إلى القلوب .. بعد عودة النبي ﷺ من مكة قرر القيام بالتخاطب مع الدول العظمى المجاورة .. لكن قبل ذلك وصلت أخبار ووصلت شخصيات وحدثت أحداث اهتزت لها مكة والمدينة حتى الحبشة هزها ما هز مكة والمدينة .. ولم لا تهتز المدينتان وآخر داهيتين من قريش ينتزعان قلبيهما وروحيهما من مخلفات العادات والوثنية الموروثة ويتجهان بها نحو مدينة الفجر والتوحيد:
خالد بن الوليد وعمرو بن العاص يهاجران
وإسلام أمثالهما يفقد قريشًا توازنها ويصيبها في ما تبقى لها من عزم .. فأين لقريش بقائد ميداني في مثل دهاء خالد الذي يقرأ جيش خصمه كما يقرأ اسمه .. وأين لها بمثل عمرو بن العاص داهية يزحزح دهاؤه الجبال ..
كان لهذين العظيمين عناد العظماء وثقتهم بقدراتهم على حل معضلة محمَّد عاجلًا أو آجلًا .. وهذا ما يغري أمثالهما ممّن حباهم الله بعقول وقدرات ذات مواصفات قياسية .. تجد لديهم الفرح بما عندهم وحب الاستقلال والترفع عما يؤمن به ويسلكه البسطاء .. لكن الميزة في الإِسلام
стр. 984
هو أنه بسيط ومدهش ومعجز في الوقت نفسه وتلك حقيقة لا مفر منها .. وقدرته على تطويع الجبابرة والمفكرين تمامًا هي كنعومته ورقته في الإمساك بأيدي البسطاء والمساكين وأخذهم إلى حيث ينعمون .. لكن عنصر العناد والاعتداد بالنفس والحسد أحيانًا لدى العظماء يحرمهم من البوح بالحقيقة الصارخة داخل أعماقهم .. وقد كان إسلام خالد وعمرو هو الخلاص من معاناة العناد والاعتداد بالذات .. وفي قصة إسلامهما تفاصيل تلك التعرجات التي سلكتها الروح والعقل بعيدًا عن الصراط المستقيم حتى وجدا نفسيهما يومًا في صحاري أبي جهل حيث لا مكان لغير الضياع والعطش والموت .. يقول عمرو ﵁: "إني قد كنت على أطباق ثلاث لقد رأيتني وما أحد أشد بغضًا لرسول الله ﷺ مني ولا أحب إلي أن أكون قد استمكنت منه فقتلته فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار فلما" (١) .. لما .. لما ماذا يابن العاص .... "لما انصرفنا من الأحزاب عن الخندق جمعت رجالًا من قريش كانوا يرون مكاني ويسمعون مني فقلت لهم تعلمون والله إني لأرى أمر محمَّد يعلو الأمور علوًا كبيرًا منكرًا وأني قد رأيت رأيًا فما ترون فيه؟ قالوا: وما رأيت؟ قال: رأيت أن نلحق بالنجاشى فنكون عنده فإن ظهر محمَّد على قومنا كنا عند النجاشي فإنا أن نكون تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يدي محمَّد، وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرف فلن يأتينا منهم إلا خير فقالوا: إن هذا الرأي. فقلت لهم: فاجمعوا له ما نهدي له وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم فجمعنا له أدمًا كثيرًا فخرجنا حتى قدمنا عليه فوالله إنا لنعده إذ جاء عمرو بن أمية الضمري وكان رسول الله ﷺ قد بعثه إليه في شأن جعفر وأصحابه قال: فدخل عليه ثم خرج من عنده
стр. 985
قال: فقلت: لأصحابي هذا عمرو بن أمية الضمري لو قد دخلت على النجاشى فسألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه فإذا فعلت ذلك رأت قريش إني قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمَّد .. قال: فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع فقال: مرحبًا بصديقى أهديت لي من بلادك شيئًا قال: قلت: نعم أيها الملك قد أهديت لك أدمًا كثيرًا ثم قدمت إليه فأعجبه واشتهاه ثم قلت له: أيها الملك إني قد رأيت رجلًا خرج من عندك وهو رسول رجل عدو لنا فأعطنيه لأقتله فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا .. فغضب ثم مد يده فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره فلو انشقت لي الأرض لدخلت فيها فرقًا منه ثم قلت: أيها الملك والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه فقال له أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لتقتله قلت أيها الملك أكذاك هو فقال ويحك يا عمرو أطعني واتبعه فإنه والله لعلى الحق وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده قلت فبايعني له على الإِسلام قال نعم فبسط يده وبايعته على الإِسلام ثم خرجت إلى أصحابي وقد حال رأيى عما كان عليه وكتمت أصحابي إسلامي ثم خرجت عامدًا لرسول الله ﷺ لأسلم فلقيت خالد بن الوليد وذلك قبيل الفتح وهو مقبل من مكة فقلت أين يا أبا سليمان قال والله لقد استقام المنسم وإن الرجل لنبي أذهب والله أسلم فحتى متى قلت والله ما جئت إلا لأسلم فقدمنا على رسول الله ﷺ فقدم خالد بن الوليد فأسلم وبايع ثم دنوت فقلت: يا رسول الله" (١) "ابسط يمينك لأبايعك فبسط يمينه فقبضت يدي
стр. 986
قال: ما لك يا عمرو؟ قلت: أردت أن أشترط قال: تشترط .. بماذا؟ قلت: أن يغفر لي. قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله .. وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله.
وما كان أحد أحب إلي من رسول الله ﷺ .. ولا أجلّ في عيني منه .. وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالًا له .. ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة" (١) تلك هي عبارات عمرو بن العاص وذاك هو ما يتقد في داخله .. أما اتخاذ القرار الشجاع في اعتناق الحقيقة فهو مؤلم حقًا لكن ذلك الألم لا يدوم أمام سعادة العيش في واحة الإيمان وراحته .. وأمام العيش بين تلك المشاعر الفياضة التي تتدفق من كلمات وأحضان إخوته الجدد الذين يبتهجون به وبخالد الآن .. شمس جديدة تطلع على خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وحياة جديدة تشرق عليهما وهما يشعران بسريان صلاة الفجر تسري في عروقهما نشاطًا وحيوية وأهدافًا أسمى وآفاقًا كانت الوثنية تعصب عينيهما وروحيهما عنها ..
وإذا كانت كلمات النجاشي العظيم هي الجمرة التي تغلغلت في ضمير عمرو لتوقضه فإن هذا النجاشى لا يكف عن تحريك الحب والمشاعر .. لكنه اليوم يمارس استمطار الدموع والذكريات .. ويضفي على
стр. 987
أجواء المدينة سحابًا من الحزن والوجوم .. النجاشى اليوم ثقيل طريح الفراش والحبشة حزن عليه.
مات النجاشى ﵀ ورضي عنه
خبر تكدر له جعفر وأصحاب السفينة والنبى ﷺ والمؤمنون جميعًا .. خبر يجعل اليوم ثقيلًا تحسب ساعاته بالدموع لم يأت الخبر فوق سفينة أو بعير .. جاء الخبر من السماء فتكدر له أهل الأرض ولا أدري كم من الدموع سفحت على ذلك الملك الإنسان العادل الصالح الذي كان خير معين عندما عز المعين .. وكان خير مجير عندما ضاقت الديار والأهل بمن يقول:
لا إله إلا الله .. أصحمة النجاشى تحت الثرى لتنزل من السماء سنة جديدة مع خبر وفاته .. يقول أبو هريرة ﵁: "نعى لنا رسول الله ﷺ صاحب الحبشة في اليوم الذي مات فيه فقال استغفروا لأخيكم" (١)
وقال لهم: "مات اليوم رجل صالح" (٢) "مات اليوم عبد لله صالح" (٣).
ثم قال: "صلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم .. قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: أصحمة النجاشى" (٤) ثم دعا النبي ﷺ أصحابه "فخرج
стр. 988
بهم إلى المصلى" (١). والمصلى غير المسجد فالمصلى في الصحراء وليس له جدران ..
ثم "إن رسول الله ﷺ صف بهم بالمصلى فصلى فكبر عليه أربع تكبيرات" (٢) ليس فيها ركوع أو سجود يقول جابر: "إن رسول الله ﷺ صلى على النجاشي فكنت في الصف الثاني أو الثالث" (٣) استغرب بعض المصلين تلك الصلاة وذلك الاستغفار لرجل لم ير النبي ﷺ ولم يره النبي ولم يهاجر إليه ولم يبايعه بل ظنوه مازال علجًا نصرانيًا يقول أنس بن مالك: "لما توفي النجاشى قال رسول الله ﷺ استغفروا لأخيكم فقال بعض الناس يأمرنا أن نستغفر لعلج مات بأرض الحبشة فنزلت ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩)﴾ " (٤) علم أولئك المتسائلون مكانة النجاشي عند ربه وشهادته له التي أنزلها من فوق سبع سماوات .. الحبشي الكريم الذي كان ذات يوم يلتقط عودًا من الأرض ويرفعه ليخاطب من حوله من النصارى والوثنيين المؤمنين الذين لاذوا بعدله وطمعوا في حمايته من بطش طواغيت قريش .. تحدث حينها فاضحًا شوقه للنبي ﷺ : "تناول النجاشي عودًا من
стр. 989
الأرض فقال يا معشر القسيسن والرهبان ما يزيد ما يقول هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزن هذه. مرحبًا بكم وبمن جئتم من عنده فأنا أشهد أنه رسول الله والذي بشر به عيسى ابن مريم ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أحمل نعليه امكثوا في أرض ما شئتم وأمر لنا بطعام وكسوة" (١) يتذكر جعفر ورفاقه الهاربين من البطش ذلك الطعام وتلك الكسوة وذلك الملك الحبيب الذي جاءت الأخبار من أهل الحبشة بعد دفنه بـ:
كرامة على قبر النجاشي
تقول عائشة ﵂: "لما مات النجاشى كنا نتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور" (٢) .. ودع الصحابة أخاهم بالدعاء وطلب الرحمة له من الله .. وتولى بعده ملك آخر ونجاشى آخر على الحبشة ..
стр. 990
وكان هذا الملك كغيره من البشر له عقل وروح وهما بحاجة إلى من يأخذهما إلى حيث أجواء الإسلام الرحبة .. لأن في إطلاقهما إطلاقًا للشعوب والأتباع .. لقد قرر ﷺ مكاتبته ودعوته للإسلام هو وغيره من الملوك والأكاسرة فالإسلام لا يعرف الطبقات في نظرته للبشر ولا يعرف الألوان ولا الأحساب ولا الأنساب .. هو رسالة توحيد من الخالق إلى المخلوق .. ويجب على من يحملون هموم الرسالة تسليمها إلى أهلها .. إلى كل البشر دون استثناء أو تمييز .. وإذا كان الإسلام يمنح الضعفاء والمستضعفين أهمية قصوى فإنه يوظف الأقوياء لنشر الحق والعدل على وجه الأرض. ويسير معهم في ذلك إلى أقصاه .. وليس هناك أنسب من هذه الأيام التي أعقبت فتح خيبر .. فهي أيام سلام غل فيها النبي ﷺ قريشًا عن الاعتداء والحرب .. وتمكن من السيطرة على اليهود واستطاع تحجيم خيانتهم داخل دوائر ضيقة يمكن مراقبتها .. وهؤلاء في نظر الإِسلام عصابات مزعجة وحفر في طريق دعوة تنظر إلى أبعد من قريش واليهود .. دعوة عالمية تنظر إلى الأرض دون حدود وإلى ما هو أبعد من الأرض .. أما الأقوياء الذين يسعى ﷺ لاستثمار سطوتهم وسلطتهم فهم قادة الدول الكبرى المحيطة بالجزيرة العربية والذين تتوزعهم ديانات واتجاهات مختلفة .. لذلك قرر:
مراسلة الملوك والجبابرة
ومن المؤكد أن ردود الفعل تجاه تلك الرسائل ستكون متباينة .. كما أن من غير المستساغ لدى هؤلاء الجبابرة أن يروا عربيًا كان يرعى الغنم في الصحاري وبين الجبال يقتحم عليهم ما هم فيه من أبهة وعظمة .. مطالبًا إياهم باتباعه وترك ما ألفوه وورثوه هم وشعوبهم .. الأمر حقًا
стр. 991
شديد الخطورة .. يقول أنس بن مالك ﵁: "إن نبي الله ﷺ كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشى وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى وليس بالنجاشى الذي صلى عليه النبي ﷺ " (١) .. لكن وقبل أن يبعث بتلك الرسائل اضطر ﷺ إلى أن يأمر بصنع خاتم له.
النبي ﵇ يأمر بصنع خاتم
يقول "أنس إن النبي ﷺ أراد أن يكتب إلى كسرى وقيصر والنجاشى فقيل إنهم لا يقبلون كتابًا إلا بخاتم فصاغ رسول الله ﷺ خاتمًا حلقة فضة ونقش فيها محمَّد رسول الله" (٢) "كأني انظر إلى بياضه في يده" (٣) "وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر محمَّد سطر .. ورسول سطر .. والله سطر" (٤).
ختم ﷺ رسائله وسلمها لمن سيقوم بحملها إلى أصحابها .. وقد جاءت أقسى ردود الفعل على تلك الرسالة من بلاد المجوس- فارس .. ومن ملكهم المتعجرف كسرى وقد حمل هذه الرسالة صحابي جليل اسمه عبد الله بن حذافة السهمى .. وكانت مهمة عبد الله مقتصرة على تسليم الرسالة إلى عظيم البحرين والذي طلب منه النبي ﷺ تسليم الرسالة بدوره إلى كسرى:
стр. 992
رد كسرى الفرس
الذي لم يكن يتمتع بلياقة أدبية ولا حتى دبلوماسية تؤهله لقيادة أمة عظيمة كأمة فارس .. كان كسرى كتلة من الغرور .. لم يُجد خطاب النبي ﷺ في تذكيره ببشريته وقدرة الله عليه .. قرأ كتاب رسول الله ﷺ فاستشاط غضبًا وغرورًا .. كيف يبعث عربي إليه رسالة يقدم فيها مطالب بدلًا من أن يبعث له بفروض الطاعة والولاء مقرونة بالهدايا والضرائب .. هذا ما لا يحتمله رجل وثني عديم الاحترام مثل كسرى .. يقول أحد الصحابة ﵃ "إن رسول الله ﷺ بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى فلما قرأه مزقه" (١) و"خرقه" (٢) غير آبه به ولا بمن كتبه .. أما النبي ﷺ فواصل كتابة الرسائل مبشرًا الدنيا بعودة التوحيد النقي إلى الأرض من جديد فكتب:
رسالة إلى المقوقس ملك الإسكندرية
وهو أمير القبط .. كان رجلًا أكثر تهذيبًا وأكرم خلقًا من ذلك المجوسي الأرعن .. المقوقس "أمير القبط أهدى إلى رسول الله ﷺ جاريتين وبغلة وكان يركب البغلة بالمدينة وأخذ إحدى الجاريتين لنفسه" (٣)
стр. 993
فأسلمت وتسراها النبي ﷺ .. وقد تردد في المدينة أن قبطيًا له قرابة منها ﵂ يزورها ويتردد عليها فدخل الشك إلى النبي ﷺ "فقال رسول الله ﷺ لعلي اذهب فاضرب عنقه فأتاه علي فإذا هو في ركي يتبرد فيها فقال له علي أخرج فناوله يده فأخرجه فإذا هو مجبوب" (١) "فكف علي عنه ثم أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إنه لمجبوب" (٢).
حملت تلك الفتاة القبطية فكانت أول امرأة تحمل منه ﷺ بعد زوجته خديجة ﵂ .. تلك هي هدية المقوقس الذي رفض الإِسلام لكنه كان مهذبًا في رده .. أما أكثر الرسائل إثارة فكانت تلك التي حملها الصحابي دحية الكلبي إلى ملك الروم .. انطلق دحية الكلبي إلى عظيم بصرى في الشام والذي سيقوم بدوره بإيصال الرسالة إلى ملك الروم هرقل .. وانطلق قبله من مكة إلى أرض الروم - الشام زعيم مكة وقريش أبو سفيان لا لشىء سوى التجارة فقط .. فتصادف وجود أبي سفيان مع وصول الرسالة النبوية الكريمة .. لن يقص دحية ما حدث .. سيتولى ذلك زعيم قريش أبو سفيان الذي كان حاضرًا في بلاط الروم .. حيث استدعاه ذلك الملك لطرح بعض الأسئلة عليه حول شخصية النبي ﷺ بصفته رجلًا من قومه ومن أعرف الناس به .. لكن سؤلا ملحًا يتجول على طريق الشام ذلك هو: كيف يسافر أبو سفيان وتجارته بأمان .. صحيح أنه لن يخرج أحد من المدينة لاعتراضهم لكن في الطريق أمر مرعب ومخيف .. أسدان جريحان يتلمظان لانتزاع حريتهما وما سلبته قريش منهما .. وهما في حل من ذلك كله والنبي ﷺ في حل مما يفعلانه .. ومن الظلم إلصاق
стр. 994
صفة الإرهاب وقطع الطريق بهما .. هما طريدا الفكرة والعقيدة صودرت أموالهما وأولادهما وأوطانهما وحريتهما ومنازلهما وليس لهما على هذه الأرض سوى مساحة بالكاد تتسع لأنفاسهما وسيفيهما .. لكنهما ليسا في أزمة ك أزمة قريش لأنهما يحتسبان معاناتهما عند الله .. أما قريش فتعيش أزمة لا حل لها سوى العار.
أزمة قريش
تكمن في انهيار اقتصادها وتعذر تسيير تجارتها وانقطاعها عن العالم .. ولا مخرج لها من ذلك كله إلا خلال بوابة العار المخزية وهى التنازل عن شرطها في منع المؤمنين من اللحاق بدولتهم ونبيهم ﷺ وهذا ما حدث بالضبط: انفلت (أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده بالله والرحم لما أرسل فمن أتاه فهو آمان فأرسل النبي ﷺ إليهم فأنزل الله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤)﴾ وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم وحالوا بينهم وبين البيت) (١).
وها هم اليوم يمحون باطلهم بأيديهم ويتنازلون عن جورهم الذي ارتد طعنات من أبي جندل وأبي بصير في صدورهم ..
لحق أبو جندل وأبو بصير ومن معهما بالمدينة ليمارسوا حرية الحركة
стр. 995
والمعتقد في أجواء نقية بعيدة عن الخرافة والظلم والجاهلية .. وانطلق الكثير من الممنوعين نحو مهوى الفؤاد محمَّد ﷺ ومدينته المنورة بالحب والأنصار .. وعادت لقريش حرية التنقل نحو الشام واليمن بعد أن أمنت فتك أبي جندل ورفاقه .. وانطلق أبو سفيان في رحلة صيفية نحو الشام ليتزامن وصوله مع وصول:
رسالة النبي ﷺ إلى هرقل الروم
كان النبي ﷺ يريد استثمار فترة التواضع لله التي يمر بها هرقل ملك الروم بعد انتصار جيشه على جيش فارس .. حيث عاد ذلك الملك من مدينة حمص إلى بيت المقدس سيرًا على الأقدام شكرًا لله .. يقول أحد الصحابة:
"إن رسول الله ﷺ كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإِسلام وبعث بكتابه إليه مع دحية الكلبي وأمره رسول الله ﷺ أن يدفعه إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى قيصر وكان قيصر لما كشف الله عنه جنود فارس مشى من حمص إلى إيلياء شكرًا لما أبلاه الله فلما جاء قيصر كتاب رسول الله ﷺ قال حين قرأه: التمسوا لي ها هنا أحدًا من قومه لأسألهم" (١).
وهنا يكمل أبو سفيان القصة فيقول:
"انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله ﷺ قال: فبينا أنا بالشام إذ جيء بكتاب من النبي ﷺ إلى هرقل وكان دحية الكلبي جاء به فدفعه إلى عظيم بصرى فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل:
فقال هرقل: هل ها هنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟
стр. 996
فقالوا: نعم فدعيت في نفر من قريش فدخلنا على هرقل فأجلسنا بين يديه فقال: أيكم أقرب نسبًا من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقلت: أنا .. فأجلسوني بين يديه وأجلسوا أصحابي خلفي ثم دعا بترجمانه
فقال: قل لهم إني سائل هذا عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي فإن كذبني فكذبوه.
قال أبو سفيان: وايم الله لولا أن يؤثروا علي الكذب لكذبت.
ثم قال لترجمانه سله كيف حسبه فيكم؟ قلت. هو فينا ذو حسب. قال: فهل كان من آبائه ملك؟ قلت: لا.
قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا.
قال: أيتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم. قال: يزيدون أو ينقصون؟
قلت: لا بل يزيدون.
قال: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ قلت: لا.
قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم.
قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: تكون الحرب بيننا وبينه سجالًا يصيب منا ونصيب منه. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا ونحن منه في هذه المدة لا ندري ما هو صانع فيها. قال: والله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئًا غير هذه (١).
стр. 997
قال: فهل قال هذا القول أحد قبله؟ قلت: لا.
ثم قال لترجمانه قل له إني سألتك عن حسبه فيكم فزعمت أنه فيكم ذو حسب .. وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومهم.
وسألتك هل كان في آبائه ملك فزعمت أن لا .. فقلت: لو كان من آبائه ملك قلت رجل يطلب ملك آبائه.
وسألتك عن أتباعه أضعفاؤهم أم أشرافهم فقلت: بل ضعفاؤهم .. وهم أتباع الرسل.
وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فزعمت أن لا .. فعرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله.
وسألتك هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له فزعمت أن لا .. وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب. وسألتك هل يزيدون أم ينقصون فزعمت أنهم يزيدون .. وكذلك الإيمان حتى يتم.
وسألتك هل قاتلتموه فزعمت أنكم قاتلتموه فتكون الحرب بينكم وبينه سجالًا ينال منكم وتنالون منه .. وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة.
وسألتك هل يغدر فزعمت أنه لا يغدر .. وكذلك الرسل لا تغدر.
وسألتك هل قال أحد هذا القول قبله فزعمت أن لا فقلت لو كان قال هذا القول أحد قبله قلت رجل ائتم (١) بقول قيل قبله.
стр. 998
ثم قال: بم يأمركم؟ قلت: يأمرنا بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف.
قال إن يك ما تقول فيه حقًا فإنه نبي وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أك أظنه منكم ولو أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه .. وليبلغن ملكه ما تحت قدمي. ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ فقرأه فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم من محمَّد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم .. وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ إلى قوله ﴿اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده وكثر اللغط وأمر بنا فأخرجنا.
فقلت لأصحابي حين خرجنا: لقد أمر أمر بن أبي كبشة إنه ليخافه ملك بني الأصفر فما زلت موقنًا بأمر رسول الله ﷺ أنه سيظهر" (١).
"والله ما زلت ذليلًا مستيقنًا بأن أمره سيظهر" (٢) لكنها الزعامة والسلطة التي تخول صاحبها تشويه الحقيقة وتبرير رفضها لم ينتفع هرقل من تلك الرسالة لكنه يشعر بوخزها المؤلم في ضميره ولم يكن أبو سفيان أحسن حالًا منه .. أما النبي ﷺ فلم يكن يعقد آمالًا على عناد كهذا .. كان يتطلع إلى مساحات خصبة يقف هذان العنيدان حراسًا للقحط وتغييب الأخضر عنهما .. لكن لا يأس مع الدعوة ومن يحمل الحق لا بد أن ينتشر وينتصر ولو متأخرًا. .فالتأخير مجرد تمحيص للضمائر والأتباع .. والتأخير في حقيقة الأمر هو اتجاه نحو الجذور وسفر في الأعماق كي
стр. 999
تتعالى شجرته في السماء بعد أن تتمكن في الضمائر والعقول والوجدان .. أما تلك النباتات التي تظهر فجأة وبسرعة ودون رصيد جذري فما هي إلا ريح واحدة وتختفي .. لم يكن في رسائل النبي التهديد بقوة عسكرية أو زحف أحمر لا يرحم .. كانت الرسائل موجهة نحو الضمير والعقل .. كانت رسائل تهز من الداخل وتغزو من العمق فليس هناك من يستطيع اليوم تهديد هرقل أو كسرى .. لكنها رسالة الإسلام التي لا تعرف حدودًا.
وقد أدرك هرقل أنه إن لم يستقبل الحق اليوم فسوف يستقيل له غدًا .. وأدرك أبو سفيان من قول هرقل ما كان يرفض إدراكه منذ سنين .. والقريب دائمًا لا يقنع بإبداع القريب منه إلا بعد أن يرى اعترافات الأبعد والأقوى تنهال على قريبه المبدع .. والنبي- ﷺ لم يكن ليضيع أوقاته في إقناع المعاند والحاسد فالإسلام والزمن كفيلان بهما .. وبعد أن وصلت إلى مسامع النبي ﷺ تلك الردود قال لأصحابه وحيًا صادقًا وبشرى لن تتخلف .. قال " ﷺ : إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده .. وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله" (١).
أما النجاشي فلا أدري ما هو رده على الرسالة الموجهة له .. لكن يبدو أن الرسالة الموجهه إلى هرقل أحدثت تداعيات مزعجة ومقلقة للنبي ﷺ ولدولته مما جعله يعد جيشًا لملاقاة طموحات الروم بإيقاف النبوة والإسلام وتداعيات الرسالة .. النبي ﷺ يعد الآن جيشًا للتوجه للشام .. لكنه قبل ذلك يقوم بـ
стр. 1000
إرسال عبد الله بن رواحة إلى خيبر
وقد أرسله ﵇ لكي يقبض نصف المحصول السنوي من زراعة أرض خيبر حسب الاتفاق المبرم بين النبي ﷺ واليهود والذي على أساسه أبقاهم هناك ولم يطردهم منها وكان عبد الله يقوم بذلك عن طريق الخرص نظرًا لاستحالة الوزن والعد .. والخرص هو تقدير الثمر وهو على رؤوس النخل. وفي هذا العام حاول اليهود رشوة ابن رواحة .. حيث "كان عبد الله ابن رواحة يأتيهم كل عام يخرصها عليهم .. ثم يضمنهم الشطر .. فشكوا إلى رسول الله ﷺ شدة خرصه وأرادوا أن يرشوه .. فقال: يا أعداء الله أتطعموني السحت والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إلي .. ولأنتم أبغض إلي من عدتكم من القردة والخنازير .. ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على أن لا أعدل عليكم .. فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض" (١) وبهذا العدل قام الإسلام وانتشر وبغيره تنهار دولته مهما تدين أصحابها وصاموا وصلوا وادعوا أنهم أهل الإسلام وحماته .. وقد أرسل النبي ﷺ أصحابه المعذبين ذات يوم إلى رجل يعلق الصليب على صدره لأنه عادل لا يظلم عنده أحد .. عاد ابن رواحة إلى المدينة محملًا بنصيب دولة الإسلام من التمر .. وعاد اليهود إلى بيوتهم بعد أن فشلت رشوتهم في بث الفساد الإداري إلى هذه الدولة التي تزرع رقابة الله قبل أن تزرع الخوف من السلطة والحكومة .. عاد اليهود يخططون لجريمة جديدة ضد رأس الدولة وأخيرًا فكر اليهود بـ:
стр. 1001
سحر النبي ﷺ
ولم يجدوا أنسب للقيام بهذه الجريمة من خادم للنبي يدعى "لبيد بن أعصم رجل من بني زريق حليف لليهود كان منافقًا .. " (١) وقد كان يخدم النبي ﵇ ويثق به رغم أنه يهودي .. وقد خضع هذا الخادم لإلحاح اليهود فأحضر لهم مشطه وبه شيء من مشاطه أي الشعر الذي يعلق بالمشط .. ووضعه في وعاء للقاح النخل يسمونه جف طلعة .. ثم قرأوا عليه تعاويذ السحر بمساعدة الجن .. ثم أخذوه إلى مكان لا يمكن لأحد أن يعثر عليه .. مكان غائر كحقد اليهود .. لقد وضعوه تحت صخرة يسمونها رعوف توضع في أسفل البئر .. ثم بدأ مفعول السحر يسري في جسد النبي ﷺ فقط لا غير. تقول "عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ سحر حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن" (٢) أي أنه أثر على جسده فقط أما الوحي والتبليغ فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .. لكن هذا السحر أثر على النبي ﷺ جسديًا حيث إنه حرمه من الاتصال بنسائه أيامًا .. لكن الله لم يترك نبيه. تقول عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ سحر حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن .. فقال: يا عائشة .. أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟ أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال الذي عند رأسي للآخر ما بال الرجل؟
قال: مطبوب. قال: ومن طبه؟
قال: لبيد بن أعصم رجل من بني زريق حليف لليهود كان منافقًا.
стр. 1002
قال: وفيم؟ قال في مشط ومشاطة. قال: وأين؟ قال في جف طلعة ذكر تحت رعوفة في بئر ذروان. فأتى النبي ﷺ البئر حتى استخرجه فقال هذه البئر التي أريتها وكأن ماءها نقاعة الحناء وكأن نخلها رؤوس الشياطن فاستخرج فقلت: أفلا؟ أي تنشرت فقال: أما والله فقد شفاني الله وأكره أن أثير على أحد من الناس شرًا" (١).
ويروي زيد بن أرقم تفاصيل إخراج السحر فيقول: "سحر النبي- ﷺ رجل من اليهود فاشتكى فأتاه جبريل فنزل عليه بالمعوذتين .. وقال: إن رجلًا من اليهود سحرك والسحر في بئر فلان .. فأرسل عليًا فجاء به .. فأمره أن يحل العقد وتقرأ آية .. فجعل يقرأ ويحل حتى قام النبي ﷺ كأنما أنشط من عقال .. فما ذكر رسول الله ﷺ لذلك اليهودي شيئًا مما صنع به ولا أراه في وجهه" (٢).
أي أن النبي ﷺ لم يقتل ذلك الرجل ولم يشعره حتى في تعابير وجهه ﵇ أنه يضمر له شيئًا .. فلم يكن ﵇ ينتقم لنفسه .. لم يعد لليهود من وزن .. فقد تلاشت قواهم وأصبح همه ﵇ موجهًا للقوة العظمى التي سيطول الصراع معها في المستقبل قوة النصارى ممثلة بالروم .. لذلك أعد جيشًا لملاقاة الروم الزاحفين نحوه في مكان شمال المدينة يقال له:
стр. 1003
مؤتة
هيأ النبي ﷺ جيشه وعين له قائدًا هو ابن عمه جعفر بن أبي طالب ﵁ فهو لن يذهب معهم هذه المرة ..
وبعد أن انتهى من كل شيء خرج لتوديعهم مبكرًا وهي سنته ﷺ .. وجعل زيد بن حارثة أميرًا عليهم ثم قال لهم "رسول الله ﷺ إن قتل زيد فجعفر وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة" (١) إذًا هذه أول غزوة يشارك فيها جعفر ﵁ بعد قدومه من الحبشة .. وهي كذلك أول غزوة يشارك فيها فارس الإسلام الجديد خالد بن الوليد .. يا لها من أسماء تهز الأرض ويا له من وداع يأخذ بنياط القلب .. كيف لا وهذا الجيش القليل ذاهب لملاقاة جيش الروم الذي هزم جيش فارس .. كيف لا والوداع كان لزيد وجعفر .. زيد الذي يقول عنه أحد أفراد هذا الجيش: "ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزل في القرآن ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ " (٢).
زيد المولى هو القائد وغيره تبع له .. زيد الذي ملأ سمع النبي وبصره وقلبه .. زيد حب النبي ﷺ تقول عنه عائشة: "ما بعث رسول الله زيد بن حارثة في جيش قط إلا أمره عليهم ولو كان حيًا بعده لاستخلفه" (٣) .. زيد يودع النبي- ﷺ ويودع ابنه أسامة وينطلق نحو مؤته أم نحو موته والجنة ..
стр. 1004
وجعفر ابن عمه الذي عانى الآلام والكثير من الغربة والبعد عنه ﷺ أما عبد الله بن رواحة فهو شاعر الموت الذي ردد الخندق شعره وتغنى به شهداء خيبر وفرسانها .. الشاعر الذي قال أحد أفراد هذا الجيش إن النبي ﷺ قال عن شعره "إن أخًا لكم لا يقول الرفث يعني بذاك بن رواحة قال:
وفينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشق معروف من الفجر ساطع
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أن ما قال واقع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالكافرين المضاجع" (١)
وقبل انطلاق أمراء مؤتة تقدم جعفر ﵁ بأمنية أملتها عليه قرابته من رسول الله ﷺ .. أبو قتادة كان هناك يرى ويسمع "أبو قتادة فارس رسول الله ﷺ قال بعث رسول الله ﷺ جيش الأمراء وقال عليكم زيد بن حارثة .. فإن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب .. فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة .. فوثب جعفر فقال: يا رسول الله ما كنت أرهب أن تستعمل علي زيدًا فقال: امض فإنك لا تدري أي ذلك خير فانطلقوا" (٢) حتى وصولوا إلى أرض مؤتة وهي قرية من قرى البلقاء بالشام وهناك واجهوا أمواجًا بشرية تدفقت من أرض الروم.
واستعدت وأعدت ولا أدري بالضبط عددهم لكن الذي أعرفه أن
стр. 1005
عدد المسلمين كان قليلًا جدًا جدًا بالنسبة لجيش الروم .. أما من حيث الاستعداد فلا يمكن مقارنة جيش دولة الإسلام التي تبلغ الثامنة من عمرها بجيش إمبراطورية الروم ذات القرون .. والتي تسيح جيوشها بين قارتين .. وهنا ترد الإشكاليات العسكرية والسياسية التي تداعت على دولة الإسلام أثناء أزمة الخندق.
ما هو القرار في مثل حال مؤتة
جيش رومي أوله في أوروبا وآخره في مؤتة لم يتوقعه المسلمون أمام جيش مسلم لا أظن أن عدده يتجاوز الألفين .. وهو العدد الذي حضر الحديبية وخيبر بالإضافة إلى القادمين من الحبشة والمؤمنين الجدد .. مع ملاحظة أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان وعليًا وكثيرًا من كبار الصحابة ﵁ لم يشاركوا .. إنها معركة أشبه بالأساطير لكن القرآن نزل ليطبقه البشر لا ليدهشهم فقط .. القرآن يتعامل مع مثل هذا الظرف بواقعية تناسب البشر وقدراتهم وعددهم والأدوات المتاحة بين أيديهم .. نزل قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (١).
و"لما نزلت هذه الآية ثقلت على المسلمين وأعظموا أن يقاتل عشرون مئتين ومئة ألفًا فخفف الله عنهم فنسخها بالآية الأخرى فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢)
стр. 1006
وكانوا إذا كانوا على الشطر من عدوهم لم ينبغ لهم أن يفروا منهم وإن كانوا دون ذلك لم يجب عليهم أن يقاتلوا وجاز لهم أن يتحوزوا عنهم" (١) أي ينسحبوا من مواجهة العدو ويلتحقوا بباقي المسلمين وهو ليس كالفرار فالفرار هروب إلى أي جهة أما التحيز فانسحاب منظم هدفه الإبقاء على قوة الجيش المسلم عند تعذر المقاومة .. وهم الآن معذورون في التحوز والانسحاب نظرًا لأن عدد الروم يعادل أضعاف أضعاف عدد المسلمين وعدتهم وهو ما ينبغي ملاحظته عند التحدث عن الجهاد .. فالجهاد ليس مجرد حماس وشجاعة فقط .. وعندما تأمل أحد الصحابة جيش الروم وجد أن الروم لم يكونوا وحدهم .. معهم أبناء جلدتهم وديانتهم الذين لا يتخلون عنهم .. معهم جيوبهم المتغلغلة في أراضي المسلمين في كل زمان ومكان.
نصارى العرب يقاتلون مع الروم
ظروف قاسية للغاية فالحرب الآن ضد النصارى العرب والروم .. ويبدو أن المعارك تقفز نوعيًا إلى مرحلة المجابهة مع الدول الكبرى التي غالبًا ما يصيبها الهلع والغضب من انتشار أفكار تخالف أفكارها فكيف إذا كان الأمر يتعلق بالدين ..
كان الصحابة يأخذون قسطًا من الراحة ويتناولون شيئًا من الطعام .. أحد المجاهدين تبرع بذبح ناقته ليطعم بعض أفراد الجيش وكان ضمن هؤلاء رجل من أهل اليمن لا يملك ﵁ إلا سيفه وإيمانه .. قدم
стр. 1007
من بلاده للمساهمة في منازلة الروم .. تقدم اليمني إلى صاحب الناقة بطلب غريب .. وكان بالقرب منه عوف بن مالك الذي يحدثنا عن:
صنيع اليمني
يقول عوف: "كنت فيمن خرج مع زيد بن حارثة ﵁ في بعث مؤتة فرافقني مددي من أهل اليمن ليس معه إلا سيفه فنحر رجل من الجيش جزورًا له فاستوهبه المددي من جلده فوهب له فبسطه في الشمس على أطرافه فلما جف اتخذه كهيئة الدرقة وجعل له مقبضًا" (١) أي جعله مثل الترس بعد الاستراحة قرر زيد ﵁ حمل الراية وبدء القتال فكان له ما أراد .. قاتل زيد ومن معه قتالًا أشبه بالأساطير وبدأ فارس اليمن بتنفيذ ما برأسه .. يقول عوف: "خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة فرافقني مددي من أهل اليمن ليس معه غير سيفه فنحر رجل من المسلمين جزورًا فسأله المددي طائفة من جلده فأعطاه إياه فاتخذه كهيئة الدرق ومضينا فلقينا جموع الروم وفيهم رجل على فرس له أشقر عليه سرج مذهب وسلاح مذهب فجعل الرومي يغري بالمسلمين فقعد له المددي خلف صخرة فمر به الرومي فعرقب فرسه فخر وعلاه فقتله وحاز فرسه وسلاحه" (٢)
لكن مهما بلغت شجاعة هؤلاء الأبطال فهم كنقطة وسط بحر من
стр. 1008
الروم والنصارى العرب .. قاتل زيد وقاتل بحماس من يريد اقتحام باب الجنة لكن حبيب النبي وأمير جيشه حوصر بالرماح والسيوف حتى خر شهيدًا على أرض المعركة فالتقط الراية جعفر بن أبي طالب ليقوم بما يشبه المعجزات .. وكأنه يسابق زيدًا ويزاحمه على دخول باب الجنة ..
جعفر
هذا المبحر في المعاناة المليء بالأسرار الذي يخبئ الكثير للإسلام .. يتفجر على أرض مؤتة وكأنه يعوض غيابه المرير عن بدر وأحد والخندق وباقي المعارك المجيدة .. وكأنه يبحث عن شهادة كشهادة عمه حمزة .. وكأن فرسه تعيقه عن اقتحام الجنة .. قام بعقرها فهو لن يحتاجها بعد اليوم فليس أمامه سوى جحافل الروم والنصارى العرب والموت .. وهو لا يهاب هذه المصطلحات وليس في ذاكرته حروف للهرب ..
يقول أحد الصحابة: "وهو أحد بني مرة بن عوف وكان في الغزاة غزاة مؤتة قال: والله لكأني انظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ثم قاتل القوم حتى قتل وهو يقول:
يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وباردًا شرابها
والروم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها
عليَّ إذا لاقيتها ضرابها" (١)
أما كيف قتل .. فعلى طريقته الخاصة والخارقة التي نحت تفاصيلها
стр. 1009
بحرقته إلى الشهادة. لقد عقر الفرس الشقراء ثم استقبل الروم حاملًا راية رسول الله ﷺ بيده اليمنى .. متلقيًا الطعنات والضربات بالرماح والسيوف حتى قطعت يده اليمنى وقطعت اليسرى كذلك .. فواصل احتفاءه بالطعنات حتى خر شهيدًا فحلق بعدها نحو أحلامه والجنة .. ثم أخذ الراية الأمير الثالث عبد الله بن رواحة الذي شاهد تلك المناظر المروعة لأصحابه وتلك الجموع التي لا يمكن مجابهتها إلا بالموت .. أحس عبد الله بن رواحة بشيء من التردد .. لكن الشعر يقوم بتذكيره.
ابن رواحة والشعر والجنة
كان تردده لسان حال المعركة الشرسة والأطراف المتطايرة والدماء التي تلون أرض موتة .. لكن ابن رواحة يقذف مرة أخرى بالخوف وبشعر كالحتف ..
كان الشعر على أرض مؤتة صهوة من الأهوال .. كان الشعر وقودًا يؤجج أرض مؤتة التي تحترق بأنفاس المحاربين وتكبيرهم وصياحهم وأنينهم.
يواصل ذلك الصحابي وصفه لما رآه من أمرائه الأشاوس فيقول:
"لما قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الراية ثم تقدم بها وهو على فرسه فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد ثم قال:
أقسمت يا نفس لتنزلنه ... لتنزلن أو لتكرهنه
إن أجلب الناس وشدوا الرنه ... مالي أراك تكرهين الجنة
قد طال ما قد كنت مطمئنة ... هل أنت إلا نطفة في شنه
стр. 1010
وقال أيضًا:
يا نفس إلا تقتلى تموتى ... هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت ... إن تفعلي فعلهما هديت
هل أنت إلا نطفة في شنه ... قد طال ما قد كنت مطمئنة
يريد صاحبيه زيدًا وجعفرًا" (١)
"ثم نزل فلما نزل أتاه ابن عم له بعرق من لحم فقال شد بهذا صلبك فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت فأخذه من يده ثم انتهس منه نهسة ثم سمع الحطمة في ناحية الناس فقال وأنت في الدنيا .. ثم ألقاه من يده ثم أخذ سيفه فتقدم فقاتل حتى قتل" (٢) ﵁ واستشهد مع صاحبيه وفعل فعلهما .. اختفى الأمراء الثلانة لكن راية الإسلام ترفرف فقد اختطفتها يد أحد الصحابة الذين يحبون الموت في سبيل الله ولا يحبون الإمارة "أخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بني العجلان فقال: يا معشر المسلمين .. اصطلحوا على رجل منكم .. قالوا: أنت .. قال: ما أنا بفاعل .. فاصطلح الناس على خالد بن الوليد.
أين خالد بن الوليد
في وسط هذه المعمعة كان ابن الوليد يفتك بالروم فردًا فردًا ويفتك أيضًا بالسيوف فردًا فردًا .. يقول ﵁ وقد أفنى مجموعة من السيوف على رقاب النصارى العرب وأسيادهم: "يقول لقد انقطعت في
стр. 1011
يدي يوم مؤتة تسعة أسياف فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية" (١) ثم أخذ الراية بعد الشهيد ابن رواحة.
"فلما أخذ الراية دافع القوم وخاشى بهم ثم انحاز وانحيز عنه حتى انصرف بالناس" (٢) ووقى الله بحسن تصرف خالد جيش الإسلام من انتكاسة لأن استمرار الحرب معناها الإبادة لا محالة .. فقوة الروم ونصارى العرب لا يمكن هزيمتها بمثل هذا الجيش الصغير الذي يشرب أفراده الموت كما يشربون الماء .. هم لم ينتصروا على جيش الروم لكنهم أيضًا لم يهزموا وقد قنع كل فريق بما جرى له وعليه .. لكن بعض المسلمين تمكنوا من تحقيق أهدافهم الشخصية التي من أجلها خرجوا .. أما بقية الجيش فهم يشعرون بالهزيمة لأنهم لم يكونوا ضمن موكب أمرائهم الذين تعطروا بجراحهم لدخول الجنة .. لذلك مال بهم أميرهم الجديد إلى مكان آمن.
خالد بن الوليد واستراحة المحارب
خالد بن الوليد الذي ولد في عالم الإسلام أميرًا أخذ جيشه بعيدًا وقد أسعد الروم تصرفه ذلك فلم يقوموا بملاحقته .. لأنهم ليسوا على استعداد لتقديم المزيد من الضحايا على يد جيش لا تخيفه الأرقام ولا الأجسام .. ولو كان النصارى في حالة معنوية مرتفعة للاحقوهم حتى الإبادة .. لكن ذلك لم يحدث فهم يحبون الحياة كما يحب المسلمون الجنة .. في هذه الأثناء كانت المدينة تلهج بالدعاء بالنصر وعودة المحاربين ظافرين .. لكن الوحي سبق الجيش بالأخبار والبشائر والأحزان .. يقول أحد الصحابة
стр. 1012
"إن رسول الله ﷺ نعى زيدًا وجعفرًا قبل أن يجيء خبرهم نعاهم وعيناه تذرفان" (١) كان النعي مصحوبًا بالدموع والمجد ولقب خالد لخالد بن الوليد ..
خالد بن الوليد سيف من سيوف الله
" نعى ﷺ زيدًا وجعفرًا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم فقال أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذها جعفر فأصيب ثم أخذه ابن رواحة فأصيب وعيناه تذرفان (٢) حتى أخذها سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم" (٣)
وهذا الفتح يعني ضمن ما يعني قرارًا سليمًا أو نصرًا على تلك الأرض الميتة .. انتشر الخبر فانتشر الحزن والبكاء واليتم .. أحد أيتام مؤتة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب يتحدث عن مرارة ذلك اليوم فيقول:
"بعث رسول الله ﷺ جيشًا واستعمل عليهم زيد بن حارثة فإن قتل واستشهد فأميركم جعفر بن أبي طالب فإن قتل واستشهد فأميركم عبد الله بن رواحة فانطلقوا فلقوا العدو فأخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل حتى قتل ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب فقاتل حتى قتل ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل ثم أخذ الراية خالد بن الوليد ففتح الله عليه فأتى خبرهم النبي ﷺ فخرج فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن إخوانكم لقوا العدو فأخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل حتى قتل أو
стр. 1013
استشهد ثم أخذ الراية جعفر فقاتل حتى قتل أو استشهد ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل أو استشهد ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله خالد بن الوليد ففتح الله عليه ثم أمهل آل جعفر ثلاثًا أن يأتيهم" (١) أي ترك زيارتهم .. لكنه حرض مشاعر المدينة على العناية والطواف بآلامهم فقال لمن حوله: "اصنعوا لآل جعفر طعامًا فقد جاءهم ما يشغلهم" (٢) ثم توجه إلى بيته مثقلًا بالحزن الشديد على أحبابه وكانت عائشة تطل على ذلك المشهد الحزين لكن حزنها لم يمنعها من الغضب على تصرف أحد الصحابة الذي لم يراع حالة النبي- ﷺ .
ما الذي أغضب عائشة في ذلك اليوم الحزين
وبماذا همهمت في نفسها .. تقول ﵂: "لما جاء النبي- ﷺ قَتْلُ ابن حارثة وجعفر وابن رواحة جلس يعرف فيه الحزن وأنا أنظر من صائر الباب شق الباب .. فأتاه رجل فقال: إن نساء جعفر وذكر بكاءهن فأمره أن ينهاهن فذهب ثم أتاه الثانية (فقال قد نهيتهن وذكر أنهن) لم
стр. 1014
يطعنه فقال: انْهَهُنَّ فأتاه الثالثة قال: والله غلبننا يا رسول الله .. فزعمت أنه قال: فاحثُ في أفواههن التراب فقلت: أرغم الله أنفك لم تفعل ما أمرك رسول الله ﷺ ولم تترك رسول الله ﷺ -من العناء" (١) "ثم أتاهم فقال لا تبكوا عليه بعد اليوم ثم قال ادعوا بني أخي فجيء بنا كأنا أفرخ فقال ادعوا لي الحلاق فأمره فحلق رؤوسنا ثم قال أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب وأما عون فشبيه خلقي وخلقي ثم أخذ بيدي فشالها فقال اللَّهم أخلف جعفرًا في أهله وبارك لعبد الله في صفقة يمينه قالها ثلاث مرات فجاءت أمنا فذكرت يتمنا ..
فقال رسول الله ﷺ العيلة تخافين عليهم وأنا وليهم في الدنيا والآخرة" (٢) .. كلمات كالبرد على قلوب كالهجير.
ولم تكن الحال بأحسن في بيت زيد بن حارثة حيث زوجته أم أيمن ويتيمه أسامة الذي ملك قلب النبي ﷺ وعيونه .. والذي قال فيه وفي والده الفقيد ذات يوم وهو يتحدث عن انتقاص البعض لـ"إمارة أبيه من قبله وايم الله إن كان لخليقًا لها وأيم الله إن كان لأحب الناس إلي وأيم الله إن هذا لها لخليق يريد أسامة بن زيد وأيم الله إن كان لأحبهم إلي من بعده فأوصيكم به فإنه من صالحيكم" (٣)
أما بيت عبد الله بن رواحة ﵁ فقد شهد أهون من هذه المصيبة قبل الرحيل إلى مؤتة حيث "أغمي على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته عمرة تبكى: واجبلاه .. واكذا .. واكذا .. تعدد عليه
стр. 1015
فقال حين أفاق ما قلت شيئًا إلا قيل لي أنت كذلك" (١) فكيف هي حالها اليوم وقد بلغها أن عبد الله لن يعود بعد اليوم إلى المدينة .. يقول أحد الصحابة "أغمى على عبد الله بن رواحة بهذا .. فلما مات لم تبك عليه" (٢) بكاء النواح والعويل الذي حدث منها في السابق بل بكته بكاء المؤمنة بقضاء الله وقدره التي تحتسب ما بها من حزن وأسى عند الرؤوف الرحيم بها وبأخيها ..
هذه هي أجواء المدينة وتلك هي همومها .. أما على أرض مؤتة فاليتم له طعم آخر .. الأيتام هناك لم يعودوا صغارًا .. وعندما يكون اليتيم رجلًا فصفات الفقيد أعظم من أن تحيط بها جدران المنزل والقلوب .. على أرض مؤتة شعر بعض المساكين بيتم مرير .. وأبو هريرة أكثر من عانى ووصف وباح فقال: "ما احتذى النعال ولا انتعل ولا ركب المطايا ولا لبس الكور بعد رسول الله ﷺ أفضل من جعفر" (٣)
قال أبو هريرة ذلك مأخوذًا بسلوك جعفر وكرمه تجاهه وتجاه غيره من المساكين وهو سلوك يرتقى إلى مستوى الإسلام .. أبو هريرة المسكين الذي نحت الجوع على وجهه لغة لا يقرأها إلا جعفر والنبي ﷺ يبكي على جعفر الممدد أمامه .. يبكي على الجود الممدد على أرض مؤتة .. يبكي على يديه اللتين طالما قدمتا له وأعطته وواسته وكأنهما انفصلتا عن جسده لتقديم المزيد من العطاء .. يتحدث أبو هريرة عن تلك اللغة التي
стр. 1016
يعرف تفاصيلها حبيباه محمد وجعفر فيقول: "لقد رأيتني وإني لأخر فيما بين منبر رسول الله ﷺ إلى حجرة عائشة مغشيًا علي فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي ويرى أني مجنون .. وما بي من جنون ما بي إلا الجوع" (١) ويقول ﵁: "آلله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع .. وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع .. ولقد قعدت يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني فمر ولم يفعل .. ثم مر بي عمر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني فمر ولم يفعل .. ثم مر بي أبو القاسم ﷺ فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي .. ثم قال يا أبا هر قلت لبيك يا رسول الله قال: الْحقْ ومضى فتبعته فدخل فاستأذن فأذن لي فدخل فوجد لبنًا في قدح فقال من أين هذا اللبن قالوا أهداه لك فلان أو فلانة قال: أبا هر قلت لبيك يا رسول الله قال الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي -وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئًا وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها- فساءني ذلك فقلت وما هذا اللبن في أهل الصفة .. كنت أحق أنا أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها .. فإذا جاء أمرني فكنت أنا أعطيهم وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ بد .. فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم .. وأخذوا مجالسهم من البيت .. قال يا أبا هر قلت لبيك يا رسول الله .. قال: خذ فأعطهم .. فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى .. ثم يرد علي القدح فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروي ثم يرد علي القدح فيشرب حتى يروي، ثم يرد
стр. 1017
علي القدح حتى انتهيت إلى النبي- ﷺ -وقد روى القوم كلهم .. فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر لي فتبسم .. فقال أبا هر قلت لبيك يا رسول الله قال بقيت أنا وأنت .. قلت صدقت يا رسول الله قال اقعد فاشرب فقعدت فشربت .. فقال اشرب فشربت .. فما زال يقول اشرب حتى قلت لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكًا .. قال فأرني فأعطيته القدح فحمد الله وسمى وشرب الفضلة" (١) أبو بكر الذي تصدق بكل ماله على المساكين وعمر الذي تصدق بنصف ماله على أمثال أبي هريرة لم يقرءا ما خلف سؤال أبي هريرة من أنين .. لكن النبي ﷺ قرأه .. أما جعفر فللحديث عنه عند أبي هريرة مذاق مميز .. إنه يدافع عن نفسه وعن كثرة رواياته لحديث النبي ﷺ فيحمله الحديث إلى بيت جعفر حيث تتدفق الرحمة والكرم فيقول:
"إن الناس كانوا يقولون أكثر أبو هريرة وإني كنت ألزم رسول الله ﷺ بشبع بطني حين لا آكل الخمير ولا ألبس الحبير .. ولا يخدمني فلان ولا فلانة وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع .. وإن كنت لأستقرئ الرجل الآية هي معي كي ينقلب بي فيطعمني .. وكان أخير الناس للمسكين جعفر بن أبي طالب كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته حتى إن كان ليخرج إلينا العكة التي ليس فيها شيء فنشقها فنلعق ما فيها" (٢) .. جعفر القادم من الغربة والفقر ينجز في عام واحد فقط أضعاف ما ينجزه البعض في أعمارهم الطويلة والعريضة .. الإنسان موقف وجعفر أكثر من موقف .. ها هو الشاب الصغير عبد الله بن عمر ﵄ يقلب جسد جعفر الطاهر بعينيه ويعدد ويحدد تلك الطعنات اللذيذة
стр. 1018
النازفة فيدهش لكثرتها ويدهش لمواقعها .. فليس فيها على كثرتها طعنة أو رمية من الخلف .. يقول ابن عمر "أنه وقف على جعفر يومئذ وهو قتيل فعددت به خمسين بين طعنة وضربة ليس منها شيء في دبره يعني في ظهره" (١) لأنه ليس بحاجة إلى الالتفات إلى الدنيا القابعة خلفه فقد عقر فرسه وعقر الدنيا معها وهو بحاجة شديدة إلى هذه الجنة التي يحاول شق جموع الروم المحتشدة كي يرتمي بين أحضانها .. وقد دخل الجنة بطريقة غير مسبوقة فقد شاهده النبي ﷺ في منامه فقال "رأيت جعفرًا ملكًا ذا جناحين" (٢)
ولما عاد عبد الله بن عمر ﵄ إلى المدينة "كان إذا سلم على ابن جعفر قال السلام عليك يا ابن ذي الجناحين" (٣)
لكن قبل عودة عبد الله بن عمر ومن معه ﵃ حدث خلاف حول مسألة مادية هي أحقية الفارس بمتاع المقتول من الأعداء وكان:
الخلاف بين الصحابي اليمني وخالد بن الوليد
فبينما يطالب اليمني بكل سلب الرومي من سرجه المذهب وسيفه إلى فرسه الشقراء يرى قائد المعركة الجديد غير ذلك. وتدخل عوف بن مالك لحل الخلاف فلم يغير من الأمر شيئًا فكانت هذه القصة التي يرويها عوف نفسه وكان طرفًا فيها فيقول:
стр. 1019
"كنت فيمن خرج مع زيد بن حارثة ﵁ في بعث مؤتة فرافقني مددي من أهل اليمن ليس معه إلا سيفه، فنحر رجل من الجيش جزورًا له فاستوهبه المددي من جلده فوهب له فبسطه في الشمس على أطرافه فلما جف اتخذه كهيئة الدرقة وجعل له مقبضًا. ومضينا حتى لقينا الروم ومعهم من معهم من نصارى العرب فقاتلونا قتالًا شديدًا ومعهم رومي على فرس له أشقر عليه سيف مذهب وسلاحه مذهب فيه الجوهر وسرجه مذهب فجعل يغري بالناس فتلطف المددي فجلس له جانب صخرة فلما مر به ضرب عرقوبي فرسه فقعد على رجليه وخر عنه الرومي وعلاه المددي بالسيف حتى قتله وأخذ سلبه فأتى به خالد بن الوليد فلما فتح الله علينا أعطاه خالد بن الوليد السلب وأمسك منه فقلت يا خالد أما علمت أن النبي ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى .. فقلت: فلم لم تعطه السلب كله؟ قال: استكثرته .. قلت: لتردنه إليه أو لأعرفنكها عند رسول الله ﷺ -فأبى أن يرد عليه .. قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله ﷺ فقصصت عليه قصة المددي وما فعل خالد .. فقال رسول الله ﷺ : يا خالد .. ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رسول الله .. استكثرته فقال رسول الله: ﷺ يا خالد .. أعطه السلب كله .. فولى خالد ليفعل .. فقلت: كيف رأيت يا خالد ألم أف لك بما قلت لك؟ قال رسول الله ﷺ : وما ذاك؟ فأخبرته .. قال: يا خالد .. لا تعطه شيئًا .. هل أنتم تاركوا لي أمرائي لكم صفوته وعليهم كدره؟ قالها مرتين أو ثلاثًا" (١)
لأن من حق الفرد مهما كان أن يشتكي أميره عند إمامه وأن يحتج ويبين وجهة نظره وأن ينكر الظلم ويحاول إزالته وهذا ما فعله عوف بن
стр. 1020
مالك ﵁ لأن الأمير ليس معصومًا ولا مقدسًا ولا إطلاق في صلاحياته .. لكن ليس من حق المأمور التشفي والتحدي ووضع الغرض الشخصي ضمن أهداف تلك الأعمال النبيلة الراقية وهو ما أفسد جهود عوف ﵁ لأن الأمور اتخذت منحى آخر يرفضه الإسلام .. تعلم الجميع من النبي ﷺ حريتهم وحدودهم وسعدوا ببشاشة النبي- ﷺ بوجوههم .. وبعد أيام رأى النبي ﷺ رؤيا تحمل الفزع والسرور معًا ورأى فيها قادة مؤتة .. فقال لأصحابه:
"بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان فأخذا بضبعي فأتياني جبلًا وعرًا فقالا لي اصعد
فقلت: إني لا أطيق فقالا إنا سنسهله لك فصعدت حتى كنت في سواء الجبل إذا أنا بأصوات شديدة قلت ما هذه الأصوات قالوا هذا هو عواء أهل النار ثم انطلق بي فإذا بقوم معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم تسيل أشداقهم دمًا.
فقلت ما هؤلاء قال هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم ثم انطلقا بي فإذا بقوم أشد شيء انتفاخًا وأنتنه ريحًا وأسوأه منظرًا.
فقلت من هؤلاء قال هؤلاء الزانون والزواني ثم انطلق فإذا أنا بنساء تنهش ثديهن الحيات.
فقلت ما بال هؤلاء فقال هؤلاء اللواتي يمنعن أولادهن ألبانهن ثم انطلق بي فإذا بغلمان يلعبون بين نهرين.
فقلت من هؤلاء قال هؤلاء ذراري المؤمنين ثم شرف لي شرف فإذا أنا بثلاثة نفر يشربون من خمر لهم.