حاطب .. لكن حاطبًا يعلم من هذه الجموع ومن معنويات قريش أن النصر محسوم للإسلام وأهله فلن يضرهم أن يتصرف بطريقة تحمي أهله وهو يجزم أنها لن تعيق انتصار النبي ﷺ :
حاطب ينذر قريشًا معركة فاصلة
فقد كتب خطابًا "فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ " (١) ثم تسلل ﵁ إلى مكان إحدى النساء المسافرات إلى مكة أو أرسلها هو بذلك الخطاب .. لكن ومن باب السرية أيضًا أمرها أن تخفي كتابه بضفائر شعرها .. لكن جبريلًا ﵇ نزل يخبر النبي ﷺ بصنيع حاطب فاستدعى علي بن أبي طالب والزبير بن العوام والمقداد بن الأسود ﵃ فجاءوا .. ها هو علي سوف يخبرنا بما حدث.
.. يقول ﵁: "بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد فقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها .. فذهبنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة فقلنا: أخرجي الكتاب فقالت: ما معي من كتاب، فقلنا لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب .. فأخرجته من عقاصها (٢) فأتينا به النبي ﷺ فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين ممّن بمكة يخبرهم ببعض أمر النبي ﷺ " (٣) أخذ الفرسان الكتاب ثم عادوا إلى المدينة دون أن يمسوا المرأة بسوء فهي لا تعلم عما بداخله شيئًا .. ولما سلموه إلى النبي ﷺ أمر بقراءته
стр. 1052
ثم استدعى حاطبًا لمساءلته عن هذا الخطأ الشنيع الذي لا يفعله إلا أعداء هذا النبي وأعداء هذا الدين.
مساءلة حاطب
حاطب بين يدي النبي ﷺ دون قيود دون ضرب أو إهانة أو سجن على ذمة التحقيق .. لكن عمر بن الخطاب كان متأهبًا بالسيف لفصل رأس حاطب عن جسده فهو في نظر عمر منافق مرتد .. لكن للنبي ﷺ قولًا آخر وحلمًا آخر .. خاطب صاحبه بكلمات قليلة "قال رسول الله ﷺ يا حاطب ما هذا؟ قال: يا رسول الله لا تعجل عليّ .. إني كنت امرأ ملصقًا في قريش .. كنت حليفًا ولم أكن من أنفسها .. وكان من معك من المهاجرين من لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم .. فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا يحمون قرابتي .. ولم أفعله ارتدادًا عن ديني ولا رضًا بالكفر بعد الإِسلام .. فقال رسول الله ﷺ : أما إنه قد صدقكم .. فقال عمر يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق .. فقال: إنه قد شهد بدرًا وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرًا فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. فأنزل الله السورة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ " (١) ما قام به حاطب ﵁ خطأ شنيع لكنه لم يكن مقرونًا بنية فاسدة تحمله معها إلى حيث مراتع الردة وسيف عمر .. كان الدافع خوفًا على الأهل .. كان تصرفًا تمليه حالة ضعف بشرية يمر بها
стр. 1053
الجميع ويتجاوزها القليل .. ومع ذلك لم تفلح تلك النية السليمة في تمرير ذلك الخطأ .. لكن في هذه القصة ردع لأي حكم بالردة والسيف قبل المساءلة والتثبت واكتشاف الدوافع الحقيقية ..
تلك الدوافع التي اكتشف حاطب أنه كان ضعيفًا جدًا أمامها واكتشف أيضًا كم هو مخطئ وكم هي ثقيلة تلك المسؤولية التي يحملها تجاه أمته وأسرار دولته ..
ندم حاطب ندمًا شديدًا فوجد النبي ﷺ واحة تقول "الندم توبة" (١) ووجد الإِسلام يحتفظ له برصيد أودعه أيام بدر .. وما زال يتنامى ولا يزال إلى يوم البعث .. أما النبي ﷺ فقد اطمأن إلى عدم وجود أي قناة تتسرب منها أخباره إلى أهل مكة .. ودخل شهر رمضان بروحانيته وسكينته وجماله ليضفي كل تلك الأشياء على أفراد جيشه .. ليغسلوا حماسهم بها حتى لا يتحول الحماس إلى ثأر أو تهور وللقوم ثارات لا يجتثها سوى تجذر الإِسلام في أعماقهم .. ولا يطفئ جحيمها سوى مطر الاحتساب .. ولما جاء اليوم العاشر من رمضان وكمل احتشاد الجموع نادى ﷺ رجلًا من أصحابه اسمه كلثوم بن عتبة بن خلف الغفاري ويلقب بأبي رهم .. ولما جاء عينه ﷺ أميرًا على المدينة حتى يعود:
стр. 1054
أبو رهم خليفة رسول الله ﷺ في المدينة
يقول أحد الصحابة "مضى رسول الله ﷺ لسفره واستخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفاري .. وخرج لعشر مضين من رمضان فصام رسول الله ﷺ وصام الناس معه حتى إذا كان بالكديد ماء بين عسفان وأمج أفطر .. ثم مضى حتى نزل بمر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين" (١) و"الظهران واد قرب مكة وعنده قرية يقال لها مر تنسب إلى هذا الوادي فيسمونها: مر الظهران" (٢) ويحدد ﵁ العام الذي خرج فيه النبي ﷺ فيقول إنه "خرج في شهر رمضان من المدينة معه عشرة آلاف من المسلمين وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة .. فسار بمن معه من المسلمين إلى مكة يصوم ويصومون حتى بلغ الكديد وهو ماء بين عسفان وقديد فأفطر وأفطر المسلمون معه .. فلم يصوموا من بقية رمضان شيئًا" (٣) طوال مدة سفرهم .. إذًا فقد "نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين فسبعت سليم وألفت مزينة وفي كل القبائل عدد وإسلام وأوعب مع رسول الله ﷺ المهاجرون والأنصار فلم يتخلف عنه منهم أحد وقد عميت الأخبار على قريش فلا يأتيهم خبر رسول الله ﷺ ولا يدرون ما هو صانع" (٤) لكن
стр. 1055
بعض فرسان قريش يشعرون بسكون يسبق إعصارًا مدمرًا .. يشعرون بسكون مخيف مقلق وتحركات يجهلون هدفها بعد جريمة ارتكبها بعضهم تستحق انتقامًا فظيعًا مجهول التاريخ .. كان ليل مكة مخيفًا وكأن الجن تطل عليها من رؤوس جبالها وكأن تلك النجوم بريق عيون غيلان ووحوش .. لم يطق بعضهم هذا الجو الخانق فهرب يبحث عن محمَّد الذي لا ينضب عفوه ولا تنقطع أمطار تسامحه.
أبو سفيان يهرب من مكة المختنقة
إلى أجواء أكثر رحابة .. لكنه ليس أبا سفيان بن حرب والد معاوية وزوج هند بنت عتبة .. إنه أبو سفيان بن الحارث وهو ابن ابن عم النبي ﷺ : الحارث بن عبد المطلب .. وبصحبته ابن له صغير ومعه أيضًا ابن عمة النبي ﷺ واسمه: عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة وخرج آخرون لتنقيب الأرض بحثًا عن شيء يريح هذه الأنفس والأرواح المتعبة وكأن حجارة ستهوي عليهم من السماء أو بركانًا ينفجر من تحت أقدامها وذلك عندما "نزل رسول الله ﷺ بمر الظهران وقد عميت الأخبار عن قريش فلم يأتهم عن رسول الله ﷺ خبر ولا يدرون ما هو فاعل خرج في تلك الليلة أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتحسسون وينتظرون هل يجدون خبرًا أو يسمعون به .. وقد كان العباس بن عبد المطلب أتى رسول الله ﷺ ببعض الطريق .. وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله ﷺ فيما بين مكة والمدينة .. فالتمسا الدخول عليه فكلمت أم سلمة فيهما فقالت: يا رسول الله ابن عمك وابن عمتك وصهرك .. قال: لا حاجة لي بهما .. أما ابن عمي فهتك عرضي .. وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما
стр. 1056
قال. فلما أخرج إليهما بذلك ومع أبي سفيان بني له .. فقال: والله ليأذنن لي أو لآخذن بيد ابني هذا ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشًا وجوعًا .. فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ رق لهما ثم أذن لهما فدخلا وأسلما" (١) وعفا عنهما ﷺ تلك القائمة الطويلة من الجرائم بحقه .. فكان ذلك العفو جمرًا قذفه ﷺ في مجمرة بين أضلع أبي سفيان بن الحارث .. فتعالى الشعر من صدره ذكريات وزفرات ومشاعر حركت مشاعر النبي ﷺ فقام بحركة تنضح بالعتاب على ابن عمه وقسوته معه وهو الذي لم يؤذه يومًا ولم يؤذ مشاعره
"فأنشده أبو سفيان قوله في إسلامه واعتذاره مما كان مضى فيه فقال
لعمرك أني يوم أحمل راية ... لتغلب خيل اللات خيل محمَّد
لكالمدلج الحيران أظلم ليلة ... فهذا أوان الحق أهدي واهتدي
فقل لثقيف لا أريد قتالكم ... وقيل لثقيف تلك عندي
هداني هاد غير نفسي ودلني ... إلى الله من طردت كل
"فلما أنشد رسول الله ﷺ إلى الله من طردت كل مطرد ضرب رسول الله ﷺ في صدره فقال أنت طردتني كل مطرد" (٢)
تلك الضربة المعاتبة لم توقف نزيف الشعر .. فقد تدفق أبو سفيان ندمًا وحزنًا وقال:
"أفر سريعًا جاهدًا عن محمَّد ... وادعي ولو لم أنتسب لمحمد
هم عصبة من لم يقل بهواهم ... وإن كان ذا رأي يلم ويفند
стр. 1057
أريد لأرضيهم ولست بلافظ ... مع القوم ما لم أهد في كل مقعد
فما كنت في الجيش الذي نال ... ولا كل عن خير لساني ولا يدي
قبائل جاءت من بلاد بعيدة ... توابع جاءت من سهام وسردد
وإن الذي أخرجتم وشتمتم ... سيسعى لكم سعي امرئ غير
لم يكن الشعر وحده هناك
الطفولة أيضًا في طريق النبي ﷺ
لئن كانت الطفولة أحد الأشياء التي يستسلم قلب النبي ﷺ لها فإن الحديث عنها وعن براءتها يذهب عناء الطريق إلى مكة .. فعلى ذلك الطريق كانت القبائل العربية تتوجس حدثًا يرفعها أو يحطها .. كان التساؤل ممتدًا على طول الطريق يرصفه حينًا ويثير غباره أحيانًا ..
وكان على الطريق طفل عذب كالمطر شغوف كعينيه البريئتين يبلغ السادسة من عمره اسمه عمرو بن سلمة .. يشده منظر المترددين ما بين مكة والمدينة .. لكن توقد ذهنه وحافظته لا يقنع بالدهشة والتأمل كقومه .. كان يستدعي المزيد ويحفظ الآيات بشكل ملفت .. ويبدو أن قصر ثوبه الوحيد يتيح له خفة الانطلاق خلف الرائح والجاي .. وكان والده سفير قومه للمسير خلف هذا الجيش المتوجه نحو مكان مجهول .. يقول هذا الطفل عن نفسه وعن قومه وعن عرب الجزيرة: "كنا بماء ممر الناس وكان يمر بنا الركبان فنسألهم ما للناس ما للناس ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله أوحى إليه أو أوحى الله بكذا .. فكنت
стр. 1058
أحفظ ذلك الكلام وكأنما يقر في صدري .. وكانت العرب تلوم (١) بإسلامهم الفتح .. فيقولون: اتركوه وقومه فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق .. فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم وبدر أبي قومي بإسلامهم" (٢) أي ذهب قبل قومه للاستفسار عما يجري.
ماذا عن العباس بن عبد المطلب
لقد خرج ﵁ وقد أخرجه من مكة خوفه على تاريخ قريش ومستقبلها .. ولعله بقي كل هذه المدة يخفي إيمانه للإبقاء على زعامة أهل بيت النبي ﷺ لهذه القبيلة العظيمة فهو الوحيد الباقي من أبناء عبد المطلب العشرة .. ولا يمكن أن يفرط بتلك الزعامة لعبدة الأصنام من حوله .. فزعامة أبي سفيان لمكة كانت كزعامة أبي جهل زعامة إثارة وعزف على العواطف لا زعامة حكمة ونضج وتروي .. خرج العباس بن عبد المطلب خائفًا على مدينته وقبيلته من تهور تدفع ثمنه غاليًا وغاليًا جدًا .. ها هو العباس يتحدث عن تلك اللحظات التي تحبس الأنفاس وتزهق الأرواح وذلك "لما نزل رسول الله ﷺ بمر الظهران قال العباس: واصباح قريش .. والله لئن دخل رسول الله ﷺ مكة عنوة قبل أن يستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر .. الدهر قال: فجلست على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء فخرجت عليها حتى جئت الأراك فقلت: لَعَلِّي ألقى بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول الله ﷺ ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة .. فوالله إني لأسير عليها وألتمس ما خرجت له إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء
стр. 1059
وهما يتراجعان وأبو سفيان يقول ما رأيت كاليوم قط نيرانًا ولا عسكرًا .. يقول بديل: هذه والله نيران خزاعة حمشتها الحرب .. يقول أبو سفيان: خزاعة والله أذل وألأم من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها .. قال:
فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة .. فعرف صوتي .. فقال: أبو الفضل؟ فقلت: نعم .. قال: ما لك فداك أبي وأمي .. فقلت: ويحك يا أبا سفيان .. هذا رسول الله ﷺ في الناس واصباح قريش والله .. قال: فما الحيلة فداك أبي وأمي؟ قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك فاركب معي هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله ﷺ أستأمنه لك .. فركب خلفي ورجع صاحباه" (١) إلى مكة أما العباس فكان خائفًا على صديقه أبي سفيان .. وكان خوفه في موضعه فقد رآه عمر بن الخطاب ففرح فرحًا شديدًا بتمكنه منه .. لكنه لا يستطيع أن يقدم على مس هذا التاريخ الطويل من الأذى والحرب على رسوله إلا بإذن من رسول الله ﷺ .. لذلك ركض نحوه طالبًا الإذن بتصفية أبي سفيان فلن يجد فرصة كهذه الفرصة ..
عمر يريد قتل أبي سفيان بن حرب
والعباس يريد إنقاذه حيث يقول ﵁: "فحركت به كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله ﷺ قالوا: عم رسول الله ﷺ على بغلته .. حتى مررت بنار عمر بن الخطاب ﵁ فقال: من هذا؟ وقام إليّ فلما رأى أبا سفيان على عجز البغلة قال:
стр. 1060
أبو سفيان عدو الله الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد .. ثم خرج يشتد نحو رسول الله ﷺ وركضت البغلة فسبقته بما تسبق الدابة البطيء الرجل البطيء .. فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله ﷺ ودخل عمر فقال: يا رسول الله .. هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد فدعني فلأضرب عنقه .. قلت يا رسول الله: إني أجرته ثم جلست إلى رسول الله ﷺ فأخذت برأسه فقلت: لا والله لا يناجيه الليلة رجل دوني فلما أكثر عمر في شأنه قلت: مهلًا يا عمر أما والله لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا .. ولكنك عرفت أنه رجل من رجال بني عبد مناف .. قال: مهلًا يا عباس فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب.
فقال رسول الله ﷺ اذهب به إلى رحلك يا عباس فإذا أصبح فائتني به .. فذهبت به إلى رحلي فبات عندي فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله ﷺ فلما رآه رسول الله ﷺ قال: ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله.
قال: بأبي أنت وأمي ما أكرمك وأوصلك .. والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى عني شيئًا .. قال: ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك هذه والله كان في نفسي منها شيء حتى الآن" (١) كان داخل أبي سفيان كتلة من العناد والزعامة والأوهام المتكلسة التي تعيق نظره إلى الحقيقة لكن حد السيف جعله يتخلص منها .. لأن السيف سيبيده معها
стр. 1061
كما أباد أبا جهل على أرض بدر .. ثم نسي الناس من يكون أبو جهل ونسوا زعامته وبقي محمَّد ومن معه .. لذلك تم:
إسلام أبي سفيان
وذلك عندما "قال العباس ويحك يا أبا سفيان أسلم وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله قبل أن تضرب عنقك، فشهد بشهادة الحق وأسلم .. قلت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر فاجعل له شيئًا قال: نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن" (١)
لكن النبي ﷺ لم يكن يريد إيمانًا كإيمان ابن سلول .. فأبو سفيان زعيم وإيمان هذا الصنف من الناس لا يمكن أن يتم إلا إذا واجهته بعاصفة من الحقائق يستحيل بقاؤه معها .. وقد أحب ﷺ أن يقدم لأبي سفيان برهان ما قاله هرقل زعيم الروم أمواجًا تتلاطم على وجه الأرض وتغرق الأصنام ومن يعبدها .. لكن قبل ذلك قام النبي ﷺ بتقسيم جيشه إلى أربع كتائب أو أقسام:
كتيبة تمثل جناحًا أيمنًا يقودها الزبير ﵁ .. وكتيبة أخرى تمثل جناحًا أيسر ويقودها خالد بن الوليد ﵁.
وقسم يقوده أبو عبيدة وهم الحسر الذين لا يملكون دروعًا ويبدوا أنهم في المؤخرة .. وقسم يقوده النبي ﷺ وهو قلب الجيش وأكثره .. وهو عبارة عن معظم القبائل العربية .. وفرقة مدرعة ضخمة لقبت بالخضراء لشدة سوادها من كثرة الدروع وهو مكون من المهاجرين والأنصار ..
стр. 1062
أما قريش فقد جمعت لها جيشًا من المرتزقة من بعض أفراد القبائل في محاولة كالمقامرة بحيث إذا ما تمت المعجزة وانتصروا شاركوهم في الغنائم وإن انهزموا فاوضوا المسلمين .. لكن النبي ﷺ كان أكثر حزمًا هذه المرة فقد قرر حصد كل من يقاوم من تلك القوات المرتزقة وغيرهم .. وخص الأنصار وحدهم دون غيرهم بتنفيذ هذه المهمة .. وهذا الحصد هو ما بقي من خيارات استنفذتها قريش كلها .. أبو هريرة ﵁ كلف بمهمة تجميع الأنصار .. ها هو يقول:
"أقبل رسول الله ﷺ فدخل مكة فبعث الزبير على أحد الجنبتين .. وبعث خالد بن الوليد على اليسرى .. وبعث أبا عبيدة على الحسر فأخذوا الوادي .. ورسول الله ﷺ في كتيبته .. وقد بعثت قريش أوباشًا لها وأتباعًا لها فقالوا: نقدم هؤلاء وإن كان لهم شيء كنا معهم .. وإن أصيبوا أعطينا ما سألوا .. فنظر رسول الله ﷺ فرآني فقال: يا أبا هريرة .. اهتف بالأنصار فلا يأتيني إلا أنصاري فهتف بهم: يا معشر الأنصار أجيبوا رسول الله ﷺ .. فجاؤوا كأنما كانوا على ميعاد .. ثم قال: اسلكوا هذه الطريق ولا يشرفن لكم أحد إلا أنمتموه .. فجاؤوا فأحاطوا برسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : أما ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم وضرب بيده اليمنى مما يلي الخنصر وسط اليسرى وقال: احصدوهم حصدًا حتى توافوني بالصفا .. قال أبو هريرة: فانطلقنا فما يشاء أحد منا أن يقتل من شاء منهم إلا قتله وما يوجه أحد منهم إلينا شيئًا" (١)
стр. 1063
أما النبي ﷺ فقد أمر عمه العباس أن يأخذ زعيم قريش أبا سفيان إلى مكان يطل على ممر الجيش كله حتى يرى بعينيه قوات المسلمين وحتى يتأكد من عدم جدوى المقاومة وحتى يتطاير ما تبقى لديه من شك في صدق محمَّد ونبوته.
يقول العباس مكملًا قصته: "فلما ذهب لينصرف قال رسول الله ﷺ : يا عباس احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها .. قال: فخرجت به حتى حبسته حيث أمرني رسول الله ﷺ أن أحبسه .. ومرت به القبائل على راياتها كلما مرت قبيلة قال: من هؤلاء؟ فأقول: سليم .. فيقول: ما لي ولسليم .. ثم تمر القبيلة قال: من هؤلاء؟ فأقول: مزينة .. فيقول: ما لي ولمزينة؟ حتى تعدت القبائل لا تمر قبيلة إلا قال: من هؤلاء؟ فأقول: بنو فلان .. فيقول: ما لي ولبني فلان؟ حتى" (١) حتى ماذا .. كان أبو سفيان ينتظر مرور النبي ﷺ محاطًا بالمهاجرين والأنصار لأنه لا يزال يرى أن تلك القبائل ما هي إلا عبيد لمن غلب .. وهو يريد رؤية هذا الذي غلب وهل بالإمكان مقاومته .. بقي أبو سفيان متحرقًا حتى مر به سيل أسود كالموت.
النبي يمر أمام أبي سفيان
" مر رسول الله ﷺ في الخضراء كتيبة فيها المهاجرون والأنصار لا يرى منها إلا الحدق .. قال: سبحان الله من هؤلاء يا عباس؟
قلت: هذا رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار.
стр. 1064
قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة والله يا أبا الفضل .. لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيمًا .. قلت: يا أبا سفيان إنها النبوة .. قال: فنعم إذن" (١) إلى هذه اللحظات الحاسمة وأبو سفيان لا يزال يصر على أن الأمر زعامة وملك وقد أعمى العناد بصيرته كما هي حال الكثير من أمثال أبي سفيان ممّن يحملون أفكارًا منحرفة عن الإِسلام .. إذا رأوا انتصار الإِسلام ومده ينتشر كالطوفان ويجرف ما تبنوه من أفكار متهالكة برروا انتشاره وانتصاره بكل شيء إلا الاعتراف بأنه حق .. ولا يمكن أن يسلم أمثال هؤلاء إلا إذا رأوا حكم الإِسلام واقعًا مطبقًا وسيفًا يحطم تلك الكثافة الغليظة من العناد والتي لا يمكن معها أن يصبح الفرد إلا معيقًا لكل إبداع .. وفي الوقت الذي كان فيه أبو سفيان متحسرًا على مجد وثني ينهار أمام عينيه كان أول الناس إسلامًا أبو بكر الصديق ﵁ أسعد الناس بهذا النصر العظيم الذي شارك في كل لحظة من لحظاته وفي كل خطوة من خطواته .. وها هو اليوم يحوم على الخيل يرتبها وينظمها ويشرف على تحركاتها .. لكن شيئًا ما يكدر صفو هذا النصر ويحزن يوم أبي بكر ذلك هو والده الشيخ الطاعن في السن والعمى والشرك .. فأين هو الآن؟
أين والد الصديق
في الوقت الذي كلف النبي ﷺ أبا بكر بالإشراف على الخيل كان والده يرقبه من بعيد رغم أنه أعمى وبصحبته أصغر أخوات أبي بكر
стр. 1065
الصديق وذلك "لما وقف رسول الله ﷺ بذي طوى قال أبو قحافة لأصغر بناته: أظهريني على الجبل .. وكان يومئذ أعمى .. قالت: فأشرفت به عليه .. فقال: ما ترين؟ فقالت: سوادًا مجتمعًا .. فقال: تلك والله الخيل .. قالت: وأرى بين يدي ذلك السواد رجلًا يسعى مقبلًا ومدبرًا فقال: ذاك الوازع -يعني الذي يأمر الخيل ويتقدم إليها- وكان الوازع يومئذ أبو بكر ابن أبي قحافة .. فقالت: وأرى أن ذلك السواد قد انتشر .. فقال: قد والله دفعت الخيل فأسرعي فانحدرت به من الجبل وتلقته الخيل قبل أن يصل إلى بيته .. وكان في عنق الجارية طوقًا لها من ورق .. فمر عليها رجل فاقتطعه منها" (١) وذهب العقد ولكن هناك ما هو أهم من العقد بالنسبة للعباس ابن عبد المطلب .. هناك قريش وأهل مكة .. لكن يبدو أن أبا سفيان لا يزال مشدوهًا مأخوذ العقل بما يجري على ساحة كانت قبل ساعات ساحة يظللها نفوذه وتخضع لكلمته .. وها هو اليوم لا يملك نفوذًا ولا كلمة .. فأراد العباس أن يوقظه مما هو فيه فالخيل إلى مكة ومن عليها أكثر شوقًا ولهفة .. يقول العباس ﵁:
"قلت النجاء إلى قومك .. فخرج حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته:
يا معشر قريش .. هذا محمَّد قد جاءكم بما لا قبَلَ لكم به فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقامت إليه امرأته هند بنت عتبة فأخذت بشاربه فقالت: اقتلوا الدسم الأحمس فبئس من طليعة قوم.
стр. 1066
قال: ويحكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم فإنه قد جاء ما لا قبل لكم به، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. قالوا: ويلك وما تغني عنا دارك؟
قال: ومن أغلق بابه فهو آمن .. ومن دخل المسجد فهو آمن.
فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد" (١) يطاردهم الموت في كل شبر طاردوا فيه النبي ﷺ وأصحابه .. ها هو الموت يحمله عشرة آلاف محارب تغص بهم مكة ..
وها هى طرقات مكة تخلو من أهلها الذين طالما نشروا الرعب والتعذيب والاضطهاد فيها .. ها هي طرقات مكة لا يسير فيها إلا مؤمن .. وها هي ساحاتها التي عذب فيها بلال وعمار وخباب تهتز ربيعًا بهم .. وها هو الشرك وأهله يفرون كالفئران إلى مساكنهم وإلى المسجد الحرام .. فقد عزلوا كالطاعون والأوبئة في تلك البيوت.
ها هو أحدهم يحمل متاعه ويتسلل هاربًا نحو آخر معاقل المشركين .. إنه وحشي قاتل حمزة عم النبي ﷺ وحبيبه لم يستطع أن ينعم بحريته التي حصل عليها والتي دفع ثمنها غاليًا جدًا .. ومع ذلك فهو يشعر بجبال مكة تتحول إلى حتف يكاد يطبق على صدره .. ويشعر بفداحة جرمه وكأن هؤلاء العشرة آلاف قد جاءوا للأخذ بثأر حمزة .. لذلك فر وحشى ليجد أبواب الطائف مفتوحة لاستقباله .. لنترك وحشي ونعود إلى الصحابة الذين يعودون إلى بيوتهم ومراتع طفولتهم وبيت ربهم دون قيد أو شرط أو طعنة أو ضربة سوط .. أين أبو جهل وأبو لهب وأمية وعقبة ليشهدوا
стр. 1067
هذا المنظر الذي عاشوا لاغتياله واغتيال من يتمناه .. أما أبو سفيان فبعد أن رأى هذه الفاجعة ذهب هذه المرة بنفسه خائفًا بعد أن قال ﷺ "احصدوهم حصدًا حتى توافوني بالصفا. قال أبو هريرة: فانطلقنا فما يشاء أحد منا أن يقتل من شاء منهم إلا قتله .. وما يوجه أحد منهم إلينا شيئًا فقال أبو سفيان: يا رسول الله أبيحت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم فقال رسول الله ﷺ : من أغلق بابه فهو آمن .. ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن فأغلقوا أبوابهم" (١) لكن:
هذا الأمان لا يشمل أربعة من مشركي قريش
ربما لرفعهم السلاح ومقاومتهم للمسلمين وربما لجرائم شنيعة ارتكبوها وقد استثناهم ﷺ وذلك "يوم فتح مكة أمن رسول الله ﷺ الناس إلا أربعة وامرأتين وقال اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة؛ عكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن خطل ومقيس بن صبابة وعبد الله بن سعيد بن أبي سرح" (٢).
стр. 1068
ما مصير هؤلاء الأربعة الذين أهدر دمهم
خبر ورود هذه الأسماء ضمن لائحة المطلوبين أمواتًا ينتشر الآن في مكة .. وكلما انتشر الخبر في مكان خسر هؤلاء مساحة من الأمن .. حتى أصبحت مساكن مكة وطرقاتها ووديانها وجبالها تضاريس للموت والرعب الذي لا يطاق .. أما عكرمة بن أبي جهل وخليفته في حمل لواء العنف ضد الإِسلام والمسلمين فقد فر على وجهه من مكة حتى وجد نفسه أمام البحر "فركب البحر" (١)
وأما مقيس فيبدو أنه لم يأخذ وقتًا طويلًا حتى قضي عليه فقد "أدركه الناس في السوق فقتلوه" (٢) ..
أما ذلك المرتد المدعو عبد الله بن أبي سرح والذي كان أحد كتبة الوحي الذين تم الاستغناء عنه وعن كتابته فهو مختبئ نادم على ما صدر عنه من سخافات فالنبي ﷺ مازال حيًا والوحي لم ينقطع ينزل كل يوم وجبريل يراجع لمحمد ﵉ كل عام ما نزل من القرآن وبالتحديد في كل رمضان من كل عام .. أما ابن أبي سرح فقد خسر شرف الكتابة وشرف الأمانة وشرف الفروسية والنصر وهو الآن يفتش عن ثقب إبرة يهرب من خلاله.
أما الشقي الرابع ابن أخطل فقد أغلقت في وجهه أبواب الهروب ففر إلى الكعبة كخيار أخير للنجاة من الموت وهو الآن متعلق بأستار الكعبة .. وسنتركه معلقًا لنعود للنبي ﷺ كي نعرف آخر تحركاته ..
إنه الآن على أبواب مكة وهو يهم بدخولها لكنه سيدخل هذه المرة من مكان يقال له: (كداء) وهو في أعلى مكة ومعه الرجل الذي حدد
стр. 1069
مكان الدخول .. صاحبه وشاعره حسان ﵁ وذلك قبل سنين من هذا اليوم.
الشعر يحدد مكان دخول النبي لفتح مكة
تقول عائشة ﵂ "إن النبي ﷺ لما جاء إلى مكة دخل من أعلاها" (١) "من كداء من الثنية العليا التي بالبطحاء" (٢)
وركز رايته بجبل من جبال مكة يقال له (الحجون) وأمر الزبير ﵁ بركزها هناك .. كما أمر قوات خالد بن الوليد بالدخول من كداء أيضًا لكن خالدًا لقي مقاومة هناك وقد خسرت قواته اثنين من الرجال ﵄ .. ها هو "العباس يقول للزبير بن العوام يا أبا عبد الله ها هنا أمرك رسول الله ﷺ أن تركز الراية .. وأمر رسول الله ﷺ يومئذ خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكة من كداء .. ودخل النبي ﷺ من كداء فقتل من خيل خالد بن الوليد ﵁ يومئذ رجلان حبيش ابن الأشعر وكرز بن جابر الفهري" (٣)
أما عن قصة ذلك التحديد فترويه لنا عائشة بنت الصديق ﵂ فتقول:
"إن رسول الله ﷺ قال: اهجوا قريشًا فإنه أشد عليها من رشق بالنبل .. فأرسل إلى بن رواحة فقال اهجهم فهجاهم .. فلم يرض .. فأرسل إلى كعب بن مالك .. ثم أرسل إلى حسان بن ثابت .. فلما دخل عليه قال حسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه .. ثم اندلع لسانه فجعل
стр. 1070
يحركه فقال: والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم .. فقال رسول الله ﷺ : لا تعجل فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها وإن لي فيهم نسبًا حتى يخلص لك نسبي .. فأتاه حسان ثم رجع فقال: يا رسول الله .. قد خلص لي نسبك .. والذي بعثك بالحق لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين .. قالت عائشة: فسمعت رسول الله ﷺ يقول لحسان: إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله .. وسمعت رسول الله ﷺ يقول: هجاهم حسان فشفى واشتفى قال حسان: (١)
هجوت محمدًا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
هجوت محمَّد برًا تقيًا ... رسول الله شيمته الوفاء
فإن أبي ووالده وعرضى ... لعرض محمَّد منكم وقاء
ثكلت بنيتي إن لم تروها ... تثير النقع من كنفي كداء
يبارين الأعنة مصعدات ... على أكتافها الأسل الظماء
تظل جيادنا متمطرات ... تلطمهن بالخمر النساء
فإن أعرضتموا عنا اعتمرنا ... وكان الفتح وانكشف الغطاء
وإلا فاصبروا لضراب يوم ... يعز الله فيه من يشاء
وقال الله قد أرسلت عبدًا ... يقول الحق ليس به خفاء
وقال الله قد يسرت جندًا ... هم الأنصار عرضتها اللقاء
لنا في كل يوم من معد ... سباب أو قتال أو هجاء
فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء
وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له [كِفَاءُ] (١) (*)
بهذا المستوى من الشعر يفتح الشاعر الإِسلامي المستقبل على
стр. 1071
مصراعيه .. يرسم أشكالًا أرقى للحياة ويعمق الشعور باللا مستحيل في حياة طاقتها يقين كالوحي .. عندما قال حسان هذه الأبيات لبى شيئًا من طموح النبي ﷺ الذي لم يرتق إليه شعر ابن رواحة ولا شعر كعب ﵄ .. ومازال هذا الطموح حيًا يطلق الشعر إلى تلك المستويات الغائبة المأمولة .. ولئن كان للقرآن مسافات هائلة ومذهلة ومعجزة إلا أنه لم يزح الشعر عن عرشه .. ترك له عرشه لكنه قدم له تحديًا قاسيًا أن يردم تلك المسافات الشاسعة بينهما .. إذًا فالشعر في الإِسلام إما أن يكون قطعًا لمسافات جديدة أو لا يكون .. القرآن اليوم يفتح مكة لينطلق منها إلى غيرها فماذا سيقدم الشعر وماذا سيفتح .. لا أدري لكنني اليوم أرى النبي ﷺ يفسح للشعر طرقاته .. ها هو يقول في طريقه لفتح مكة كلمات تحتفي بالشعر سمعها ابن عمر ورواها فقال: "لما دخل رسول الله ﷺ عام الفتح رأى نساء يلطمن وجوه الخيل بالخمر فتبسم فقال يا أبا بكر كيف قال حسان بن ثابت؟ فأنشد أبو بكر:
عدمت بنيتي إن لم تروها ... تثير النقع من كنفي كداء
ينازعن الأعنة مسرجات ... يلطمهن بالخمر النساء
فقال رسول الله ﷺ : ادخلوا من حيث. قال حسان" (١) الذي لم يكتف بجعل الشعر تعبيرًا عن تجربة شعورية بصورة موحية .. بل تجاوزها إلى جعله كشفًا وإضاءة للقادم وتشكيلًا له .. لا على طريقة المأخوذين
стр. 1072
بالسياحة في الحلم بل بأسلوب المأخوذين بإنجاز الحلم .. كيف لا وهو يسير خلف هذا النبي العظيم الذي ينحدر كالسيل نحو مكة العطشانة .. ولما وصلها لم يجد في طرقاتها سوى الهواء النقي والذكريات الجميلة والمريرة .. هنا ولد وهنا كان يتهادى طفلًا وهنا كان يلعب مع أبي بكر وأصحابه .. وهنا كانت أمه الحبيبة تناديه وتحمله وتلاعبه .. هنا كان يسير مع جده وعمومته وأبناء عمومته .. هنا التقي بخديجة وهنا تزوجا وهنا ولدت زينب وفاطمة وأم كلثوم ورقية .. من هنا جاء يخبر خديجة عن جبريل .. وهنا دعا الناس وهنا كذبه الناس وهنا صدقوه وهنا ناصروه وهنا خذلوه وعذبوه .. هنا مكة ما أطيبها وأطيب ريحها .. ذكريات تطوف لا شك بروح أبي بكر وبلال وعمر وعمار وعلي وعثمان وخباب وصهيب وبقية المهاجرين من مكة .. لا بد أن بعض الدموع والزفرات خالطت فرح السير في طرقات مكة الجميلة ..
مواكب الإيمان الجارفة ونشوة النصر العظيم لا تسكر الفرسان المؤمنين عن شكر الله وذكره .. يقول أحد الصحابة الذين كانوا يرقبون النبي ﷺ يوم الفتح وينصتون إليه:
"رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح يرجع" (١) أي يردد القراءة في الحلق.
كان لسانه ممتنًا لله الذي أكرمه بنصره .. ولم يكن لسانه هو الممتن فقط كان قلبه بل كانت طريقته وهو يتقدم ذلك الجيش الضخم الممتزج بعظماء الرجال تنضح بالتواضع في أرقى صوره وأعظمها .. لم يكن ﷺ وحده على ناقته .. لم يكن مردفًا أبا بكر سيد المهاجرين ولا سعد بن عبادة سيد الأنصار
стр. 1073
ولا حتى سيدًا من سادات العرب .. كان ﷺ يردف شابًا أسودًا صغير السن اسمه أسامة ابن أمير مؤتة الشهيد: زيد بن حارثة .. وبجانبه صاحبه الحبشي بلال بن رباح وهو في طريقه نحو تحطيم الأصنام وتطهير الكعبة .. لكنه كان أثناء الطريق يحطم أصنام الجاهلية داخل النفوس .. يحطم الفخر بالآباء والأجداد ليشيد التنافس على الإنجاز والإبداع .. كان ﷺ وفي لحظات النصر يؤكد تمسكه بمبدأ المساواة التي طالما اختبأ خلفه دعاة مذهب فإذا ما انتصروا تنكروا له .. مشهد جميل ورائع للنفوس المؤمنة والمتحضرة لكنه لا شك يؤذي نفوسًا غارقة في دبق الجاهلية والتخلف ..
يقول ابن عمر ﵄: "إن رسول الله ﷺ أقبل يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته مردفًا أسامة بن زيد ومعه بلال" (١) في هذه الأثناء يقول أنس بن مالك ﵁: "إن رسول الله ﷺ دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر .. فلما نزعه جاء رجل فقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال: اقتلوه" (٢) فقتل .. فالرجل لم يعلن توبته عما بدر منه ولم يطلب الرحمة ولم يقبل دين الإِسلام .. كان عنادًا كأبي جهل وقد استجار بقماش مطروح على الكعبة فلم يمنعه ذلك القماش من السيوف .. ثم قال ﷺ يطمئن مكة باستمرار التوحيد فيها ويطمئن قريشًا التي بدأت ترتعد من مصير ابن خطل بحديث جميل سمعه أحد المعنيين واسمه العاص بن الأسود .. يقول العاصي: "سمعت النبي ﷺ يقول يوم فتح مكة: لا يقتل قرشي صبرًا بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة" (٣) "لا تغزى مكة بعد هذا اليوم" (٤)
стр. 1074
وقد قبض ﷺ على العاصى فعفا عنه وغير اسمه إلى مطيع .. يقول ابنه عبد الله: "لم يكن أسلم أحد من عصاة قريش غير [أبي] مطيع كان اسمه العاصي فسماه رسول الله ﷺ مطيعًا" (١)
لكن إذا كانت مكة لن تغزى كدولة غير مسلمة بعد اليوم فإن حلفاء الإِسلام بني خزاعة يريدون الاحتفال بفتحها على طريقتهم المفضلة .. فتقدموا للنبي ﷺ بطلب أخذ الثأر من سبب كل هذا الذي يحدث اليوم بني بكر:
ثأر خزاعة من بني بكر
أرادت خزاعة الثأر ممّن غدروا بها ونقضوا العهد والميثاق دون سابق إنذار وهم بنو بكر .. فتقدموا بطلب إلى النبي ﷺ أن يأذن لهم بغزو بني بكر على ما فعلوه فأذن لهم لكنه حدد لهم فترة زمنية قصيرة تبدأ من الآن وحتى وقت العصر فقط .. وقد أعلن ﷺ ذلك على الملأ مطمئنًا قريش على أموالها ودمائها وأعراضها فقال: "يوم فتح مكة: كفوا السلاح إلا خزاعة من بني بكر فأذن لهم حتى صلوا العصر ثم قال لهم كفوا السلاح" (٢) ويقول أحد الصحابة من بين خزاعة واسمه أبو شريح "أذن لنا رسول الله ﷺ يوم الفتح
стр. 1075
في قتال بني بكر حتى أصبنا منهم ثأرنا وهو بمكة .. ثم أمر رسول الله ﷺ برفع السيف" (١) وذلك بعد أن تم التخلص من ابن أخطل .. وتنفس المشركون حياة أخرى وخرجوا من بيوتهم آمنين وانطلقوا للتفرج على مكة وهي مدينة إسلامية .. أما النبي ﷺ فتوجه نحو الكعبة ليخلصها من أغلالها التي خنقتها ودنست طهارتها مئات السنين .. وكان برفقته هذان الأسمران العظيمان بلال وأسامة بن زيد .. فكم هو حجم الغيظ في قلوب أهل الأصنام وهم يرون الإِسلام يحتفي ببلال وأسامة كل هذا الاحتفاء .. ويقدمهما في ساعات النصر التي يتطاول لها زعماء العرب كلهم .. وهم يرون الأحساب والأنساب لا تنفع مشركًا ولا ترفع أنفه عن الوحل .. لكن ذلك كله يهون أمام تلك الخطوات التي كان ﷺ يمشيها نحو "ثلاث مائة وستون صنمًا" (٢) حول الكعبة وفوقها .. كان يمشي نحوها والمؤمنون ينتظرون هذه اللحظات منذ سنوات طويلة لتفيق قريش ومن معها على حقيقة الوهم الذي عاشوه مئات السنين .. أما المشركون فينتظرون فاجعتهم بأصنامهم ويطرقون السمع إلى صوت متوقع .. صوت:
تحطيم الأصنام
فقد "أقبل رسول الله ﷺ عام الفتح على ناقة لأسامة بن زيد حتى أناخ بفناء الكعبة" (٣)
стр. 1076
ثم "أقبل رسول الله ﷺ إلى الحجر فاستلمه وطاف بالبيت في يده قوس أخذ بسية (١) القوس فأتى في طوافه صنمًا في جنبة البيت يعبدونه فجعل يطعن بها في عينيه ويقول جاء الحق وزهق الباطل" (٢) ربما كان هذا هو هبل الذي تغنى باسمه أبو سفيان على أرض أحد .. ربما لكن هذا الصنم ليس الوحيد الذي يزعج الكعبة والحرم ومكة .. لم يكن وحده يلوث نقاء الحياة فيها فقد كان "حول الكعبة ثلاثمائة وستون نصبًا فجعل يطعنها بعود في يده وجعل يقول جاء الحق وزهق الباطل" (٣) .. ولما انتهى ﷺ من الطواف وتم كنس بقايا تلك الأخشاب والحجارة التي كانت ملقاة على الكعبة وحولها اكتشف الوثنيون أنهم كانوا يعبدون نفايات جمعها المسلمون وقذفوها خارج الحرم وربما في إحدى المزابل ..
هذا هو الشرك ببساطة غابة من الكلام والهشيم والعناد ليس لها جذور .. ويكفي للقضاء عليها عود ثقاب صغير ..
تناثرت الأصنام وطهرت الكعبة من الخارج فأراد النبي ﷺ تطهيرها من الداخل فطلب مفاتيح الكعبة من العائلة التي شرفها الله بحجابة بيته وخدمته وسدانته.
стр. 1077
من هذه العائلة وما هي قصة السدانة
باختصار شديد: كان في قريش زعيم يقال له قصي وكان يتم في بيته كل أمر يهم القبيلة ويؤثر في مسارها .. وكان له أربعة أولاد أكبرهم عبد الدار وأحدهم جد النبي ﷺ واسمه: عبد مناف فجعل قصي أمر الكعبة من اختصاص ابنه عبد الدار الذي يقف حفيده بجانب النبي ﷺ واسم حفيده هذا: "عثمان بن عبد الله بن عبد العزيز بن عثمان بن عبد الدار" .. وهو يلقب الآن بطلحة "الحجبي" (١) وكانت المفاتيح عند أمه وهي مشركة وترفض تسليمها فاستأذن لإحضارها .. يقول أحد الشباب القرشين المتشوقين لدخول الكعبة: "دعا عثمان بن طلحة فقال ائتني بالمفتاح فذهب إلى أمه .. فأبت أن تعطيه فقال: والله لتعطينه أو ليخرجن هذا السيف من صلبي .. فأعطته إياه فجاء به إلى النبي ﷺ فدفعه إليه ففتح الباب" (٢) لكن النبي ﷺ رفض دخول الكعبة بعد فتح بابها!
لماذا رفض النبي دخول الكعبة
لقد شاهد مناظر كدرته .. شاهد الشرك متعفنًا داخل الكعبة يلوثها ويخنق براءتها .. شاهد صورًا وتماثيل هي بالنسبة لكثير ممّن يعمرون القبور وينسون الإنسان تحفًا وآثارًا يجب الحفاظ عليها .. لكن النبي ﷺ يقدم درسًا علميًا لمن يجعلون من تلك الآثار وحيًا لا يكذب .. درسًا يقول إنها أعمال بشرية محضة تنبع من ميول الإنسان وخياله وهواه وأساطيره وخرافاته .. ولا تعدو إطلاقًا كونها عملًا فنيًا يعبر عمن رسمها ونحتها لا عن حقيقة هذا الشىء المرسوم ووجوده.
стр. 1078
رفض ﷺ دخولها حتى يتم تطهيرها تمامًا و"أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة فأمر بها فأخرجت .. فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما الأزلام .. فقال النبي ﷺ : قاتلهم الله لقد علموا ما استقسما بها" (١) هذا هو مصير التماثيل أما الصور المرسومة على جدران الكعبة "فوجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم .. فقال: أما لهم فقد سمعوا أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة. هذا إبراهيم مصور فما له يستقسم" (٢) و"لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت" (٣) ثم دخل النبي ﷺ الكعبة .. لم يدخل معه أبو بكر ولا عمر ولا سعد بن عبادة ولا غيرهم من كبار الصحاية .. دخل معه أسامة وبلال وسادن الكعبة "دخل النبي ﷺ وبلال وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة وأمر بالباب فأغلق .. فلبثوا فيه مليًا" (٤) "فكبر في نواحي البيت" (٥) يقول الشاب عبد الله بن عمر: "فمكثوا فيه مليًا ثم فتح الباب فخرج النبي ﷺ ورقيت الدرجة فدخلت البيت" (٦)
"فكنت أول من دخل فلقيت بلالًا .. فقلت أين صلى رسول الله ﷺ ؟ فقال بين العمودين المقدمين فنسيت أن أسأله كم صلى رسول الله ﷺ " (٧).
استطاع الشاب ابن عمر أن يسبق غيره إلى الدخول إلى الكعبة فقد كان نموذجًا حرفيًا لسنة النبي ﷺ لا يحب الزيادة عليها ولا النقصان ..
стр. 1079
فهي الكمال وهي النموذج والناس تتأرجح صعودًا ونزولًا حولها .. وبينما كان ابن عمر مأخوذًا بتطبيق سنة النبي ﷺ كان المسجد يغص بالمؤمنين المزينين بنصر الله وفتح مكة وبالمشركين اللائذين ببيت الله من الموت .. وكان هؤلاء المشركون على أحر من الجمر ينتظرون
بيان النصر الأول
فقد تناثرت الأصنام وسيطر الجيش المؤمن على كل شيء فما هي لغة هؤلاء المنتصرين الجديدة وما هو مصير هؤلاء الخائفين داخل الحرم وخارجه .. أسئلة أجاب عنها النبي ﷺ بعد خروجه من الكعبة مباشرة وسمعها أبو هريرة بذاكرة لا تعرف الصدأ .. يقول ﵁:
"حتى إذا فرغ وصلى جاء فأخذ بعضادتي الباب ثم قال يا معشر قريش ما تقولون قالوا نقول ابن أخ وابن عم رحيم كريم .. ثم عاد عليهم القول .. قالوا مثل ذلك "قال: يا معشر قريش ما تقولون؟ قالوا: نقول ابن أخ وابن عم رحيم كريم .. ثم قال: يا معشر قريش .. ما تقولون؟ قالوا نقول: ابن أخ وابن عم رحيم كريم"
قال: فإني أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم .. اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين فخرجوا [كأنما نشروا من القبور فدخلوا في الإسلام] " (١)
إذا كان لعظمة محمَّد مقاييس فتلك هي مقاييسها .. لا انتقام للذات ولا للأهل والعشيرة .. لم يأخذ سبايا ولا أموالًا .. ترك كل شيء لله فمن
стр. 1080
أجل الله دعا وحورب وحارب وانتصر .. وها هو يشرع أبواب الله لمن يريد الدخول فيها .. يشرعها بالعفو والصفح ونسيان الماضي بآلامه .. والبدء من جديد لإعادة تشكيل الأرض ومن عليها .. هرول المشركون الطلقاء إلى النبي ﷺ "فبايعوه على الإِسلام" (١)
هرول من في المسجد نحو النبي ﷺ أما أبو بكر الصديق ﵁ فقد هرول خارجًا من المسجد يدفعه البر وتحمله الصلة .. ثم عاد ﵁ إلى النبي ﷺ فقد "أتاه أبو بكر بأبيه يعوده .. فلما رآه الرسول ﷺ قال هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه .. قال أبو بكر يا رسول الله هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي أنت إليه .. فأجلسه بين يديه ثم مسح صدره ثم قال له أسلم فأسلم ودخل به أبو بكر ﵁ على رسول الله ﷺ ورأسه كأنه ثغامة فقال رسول الله ﷺ : غيروا هذا من شعره .. ثم قام أبو بكر فأخذ بيد أخته فقال: أنشد بالله وبالإسلام طوق أختي فلم يجبه أحد .. فقال: يا أخية احتسبي طوقك" (٢) ثم أخذ أباه "فأمر به إلى نسائه قال: غيروا هذا بشيء" (٣) .. أما عثمان بن عفان ﵁ فقد تهادى نحو النبي ﷺ وبصحبته رجل يسحب خجله وعاره معه .. ذلك الرجل الذي خان الأمانة والثقة ورضي بأكوام الحجارة .. لكن السيف أعاد له رشده وما شرد من صوابه .. عبد الله ابن أبي سرح يقدمه عثمان للنبي ﷺ ذليلًا خائفًا تائبًا معتذرًا .. ويلخص أحد الصحابة مصيبته
стр. 1081
وتوبته بكلمات فيقول "كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح يكتب لرسول الله ﷺ فأزله الشيطان فلحق بالكفار فأمر به رسول الله ﷺ أن يقتل يوم الفتح فاستجار له عثمان بن عفان فأجاره رسول الله ﷺ " (١) .. ولما انتهى ﷺ من مبايعة الحاضرين نهض نحو موعده مع الأنصار نهض نحو جبل الصفا ولما "أتى الصفا لميعاد الأنصار" (٢) حسب اتفاقه مع أبي هريرة أن يجمع له الأنصار عند ذلك الجبل .. وتحت ذلك الجبل أحس الأنصار بمرارة لا تطاق .. شعروا بلهف النبي ﷺ على مكة وبيت ربه وأشعرهم عفو النبي ﷺ عن قريش وكأن المدينة والأنصار في حالة وداع لا يحتمل فكانت هذه القصة التي ترتب:
حب الأنصار ثم باقي البشر
أبو هريرة كان عند الصفا يروي فيقول:
"أتى الصفا فعلاها حيث ينظر إلى البيت .. فرفع يديه وجعل يحمد الله ويذكره ويدعو بما شاء أن يدعو .. والأنصار تحته .. يقول الأنصار بعضها لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته .. قال أبو هريرة: وجاء الوحي وكان إذا جاء الوحي لم يخف علينا فليس أحد من الناس يرفع طرفه إلى رسول الله ﷺ حتى يقضي .. فلما قضي الوحي .. قال رسول الله ﷺ : يا معشر الأنصار .. قالوا: لبيك يا رسول الله .. قال: قلتم
стр. 1082
أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته .. قالوا: قد قلنا ذلك يا رسول الله .. قال فما أسمى إذًا .. كلا إني عبد الله ورسول الله هاجرت إلى الله وإليكم .. المحيا محياكم والممات مماتكم .. فأقبلوا إليه يبكون يقولون: والله يا رسول الله ما قلنا الذي قلنا إلا للضن بالله ورسوله .. قال: فإن الله ورسوله يعذرانكم ويصدقانكم" (١) "فوالله ما منهم أحد إلا بل نحره بالدموع" (٢) "قال أبو هريرة: فرأيت الشيوخ يبكون حتى بل الدموع لحاهم" (٣) فهذا النوع من الوفاء لا تقاومه الدموع والكلمات وحدها لا تكفى ..
بذلك الوفاء طهر ﷺ قلوب الأنصار من الحزن بعد أن طهر المسجد الحرام والكعبة من الشرك والأصنام ..
وبتلك العبارات شعر الأنصار أنهم سادة الدنيا وأن مدينتهم غدت عاصمة الإِسلام .. حتى مكة أفضل بقعة على وجه الأرض غدت مدينة تابعة للمدينة المنورة ..
أدرك الأنصار كم هذا النبي وفي وعظيم ولا تعرف مصطلحات تعامله شيئًا عن الجحود والنكران .. وأدرك أبو سفيان ومن معه كم يرفع الإِسلام أهله ويعلي قدرهم .. فهو اليوم يرى نفسه ومن معه من صناديد
стр. 1083
قريش دون من سبقهم إلى الإِسلام .. دون من تخلوا عن العناد والمكابرة وإغلاق العقول .. وأدرك كذلك أن الإِسلام وضع اليوم قدمه وقدم من أسلم معه على أول المضمار .. وعليهم أن يبذلوا الكثير ليلحقوا بهؤلاء العظماء الذين اصطحبهم محمَّد ﷺ معه من المدينة وغيرها .. أما النبي ﷺ فقد أنهي كلماته تلك حيث كان الوقت ضحى .. ثم توجه نحو بيت ابنة عمه أبي طالب وهي أخت علي وتدعى أم هانئ كي يرتاح ويغتسل ويغسل غبار السفر والتعب عنه .. وأخذ بصحبته ابنته فاطمة وزوجها عليًا ﵄ .. وقد جرت بعض الـ:
أحداث في بيت أم هانئ
تقول ﵂: "إنه يوم فتح مكة اغتسل في بيتها ثم صلى ثماني ركعات قالت لم أره صلى صلاة أخف منها غير أنه يتم الركوع والسجود" (١) وتقول ﵂ عندما "كان نازلًا عليها: إن النبي ﷺ ستر عليه فاغتسل في الضحى فصلى ثمان ركعات لا يدري قيامها أطول أم ركوعها أم سجودها" (٢)
وأثناء ذلك جاء رجل من المشركين يقال له ابن هبيرة إلى أم هانئ فارًا من الموت طالبًا اللجوء والحماية .. فقد هدده أخوها علي بن أبي طالب ﵁ بالقتل إن وجده .. تقول أم هانئ: "ذهبت إلى
стр. 1084
رسول الله ﷺ عام الفتح فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره بثوب .. فسلمت .. فقال: من هذه؟ قلت: أم هانئ بنت أبي طالب .. قال: مرحبًا بأم هانئ .. فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات ملتحفًا في ثوب واحد فلما انصرف .. قلت: يا رسول الله .. زعم ابن أمي علي بن أبي طالب أنه قاتل رجلًا أجرته فلان بن هبيرة .. فقال رسول الله ﷺ : قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ .. قالت أم هانئ: وذلك ضحى" (١) فالإسلام لا يفرق بين الرجل والمرأة في هذا الشأن وللمرأة أدوارها العظيمة في الحياة الإِسلامية بشرط أن تعيها وترتقي إلى مستوى الإِسلام في تفكيرها واهتماماتها ..
ولما جاء وقت العصر أمر ﷺ بني خزاعة بالتوقف عن قتال بني بكر .. يقول أحد الصحابة: "لما فتح على رسول الله ﷺ مكة قال كفوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر فأذن لهم حتى صلوا العصر ثم قال كفوا السلاح" (٢) فكفوا السلاح ..
انقضى العصر وانقضى القتال وجاء الليل فأين سينزل رسول الله ﷺ .. طرح أسامة هذا السؤال على النبي ﵇ فقال "يا رسول الله أين تنزل غدًا قال النبي- ﷺ وهل ترك لنا عقيل من منزل ثم قال لا يرث المؤمن الكافر ولا يرث الكافر المؤمن" (٣) .. أي أن النبي ﷺ لم يرث نصيب أبيه من تلك الدار وكذلك علي ﵁ لم يرث والده فاستولى عقيل على نصيبهما ..
стр. 1085
بحث ﷺ عن مكان يبيت فيه .. لم يصادر بيت زعيم أو صنديد ولم يغتصب أرضًا ولا بيتًا ولا حتى خيمة بحجة أنه رأس الدولة الإِسلامية .. فقط نام حيث يسر الله له .. ولما جاء الغد حدث خرق لذلك الأمر الذي صدر بالأمس من النبي ﷺ بوقف القتل والقتال .. وقد قام بارتكاب تلك الحماقة رجل من خزاعة ضد أحد رجال بني بكر ولما وصل الأمر إلى النبي ﷺ غضب غضبًا شديدًا وأنكر ذلك العمل وأصدر:
البيان رقم ٢ للدولة الإِسلامية في مكة
يقول أحد الصحابة: "لما فتح على رسول الله ﷺ مكة قال: كفوا السلام إلا خزاعة عن بني بكر .. فأذن لهم حتي صلوا العصر ثم قال: كفوا السلاح .. فلقى من الغد رجل من خزاعة رجلًا من بني بكر بالمزدلفة فقتله فبلغ ذلك رسول ﷺ فقام خطيبًا فقال: "يا أيها الناس إن الله كرم مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام من حرام الله تعالى إلى يوم القيامة .. لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دمًا ولا يعضد بها شجرًا .. لم تحلل لأحد كان قبلي ولا تحل لأحد يكون بعدي ولم تحلل لي إلا هذه الساعة غضبًا على أهلها .. ألا ثم قد رجعت كحرمتها بالأمس .. ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب فمن قال لكم إن رسول الله ﷺ قد قاتل بها فقولوا إن الله قد أحلها لرسوله ولم يحللها لكم يا معشر خزاعة .. وارفعوا أيديكم عن القتل فقد كثر أن يقع .. لئن قتلتم قتيلًا لأدينه فمن قُتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين إن شاؤوا فدم قاتله وإن شاؤوا فعقله" (١)
стр. 1086
إن أعدى الناس على الله من عدا في الحرم
ومن قتل غير قاتله.
ومن قتل بنحول الجاهلية (١)
فقال رجل: يا رسول الله إن ابني فلانًا عاهرت بأمه في الجاهلية (٢).
فقال: لا دعوة في الإِسلام .. ذهب أمر الجاهلية الولد للفراش (٣) .. وللعاهر الأثلب .. قيل: يا رسول الله .. وما الأثلب قال: الحجر
وفي الأصابع عشر عشر (٤)
وفي المواضع خمس خمس (٥)
ولا صلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس .. ولا صلاة بعد العصر تغرب الشمس
ولا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها
ولا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها (٦)
وأوفوا بحلف الجاهلية فإن الإِسلام لم يزده إلا شدة
ولا تحدثوا حلفًا في الإِسلام" (٧)
стр. 1087
وبعد أن انتهى من خطبته "ودى رسول الله ﷺ الرجل الذي قتلته خزاعة" (١) أي دفع دية الرجل المقتول من بني بكر .. ثم حدد ﷺ عقوبة جنائية هي القتل خطأ "فقال: لا إله إلا الله وحده نصر عبده وهزم الأحزاب وحده .. الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده .. ألا إن كل مأثرة كانت في الجاهلية تعد وتدعى .. وكل دم أو دعوى موضوعة تحت قدمي (٢) هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ألا وإن قتيل خطأ العمد بالسوط والعصا والحجر دية مغلظة مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها" (٣)
توالت التوبة تلو التوبة والبيعة تلو البيعة. وأعطى الطلقاء فرصة كبيرة للتفكير والتروي ومراجعة النفس والتعود على حياة صافية دون أصنام أو أوثان أو خرافات .. لذلك:
قرر النبي ﷺ البقاء في مكة
لمدة تكفي لإذابة ما بقى في نفوس الطلقاء من بقايا الجاهلية .. يقول أحد الصحابة "أقام النبي ﷺ بمكة تسعة عشر يومًا يصلى ركعتين" (٤) الظهر ركعتين والعصر والعشاء كذلك أما المغرب والفجر فليس فيهما
стр. 1088
قصر .. وكان من عادة النبي ﷺ أن يقصر الصلاة إذا خرج من المدينة مسافة تقارب الأربع وعشرين كيلو مترًا .. يقول أنس بن مالك "كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين" (١) والقصر هو أن يؤدي الصلاة ذات الأربع ركعات ركعتين بدلًا من أربع طوال أيام السفر .. وهذا ما فعله النبي ﷺ مدة بقائه في مكة .. حيث كانت تلك الأيام عبارة عن إعطاء الطلقاء فرصة لتغيير الزاوية التي كانوا ينظرون من خلالها إلى النبي ﷺ .. زاوية الحسب والنسب والقبيلة والعادات والتقاليد والتنافس والثأر لينتقلوا إلى زاوية أخرى حيث الصفاء والعقل والاتزان والتجرد من أثقال الموروثات البالية .. تسعة عشر يومًا يفز فيها أكثر من عشرة آلاف مؤمن للصلاة يحيطون بالكعبة ويملأون البيت الحرام خمس مرات في اليوم والليلة .. في سكون وحركات خاشعة رائعة موحدة راكعة ساجدة خلف رجل واحد هو محمَّد ﷺ .. مشهد مهيب وجليل اختفت فيه الأصنام والأزلام وبقي فيه التوحيد نقيًا دون شوائب .. مشهد مهيب أخذ عقول الطلقاء إلى المقارنة بين صلاة هؤلاء المؤمنين الخاشعين الراكعين الساجدين وبين صلاتهم المليئة بالجهل والتخلف والهمجية ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ أي ما كانت صلاتهم إلا تصفيرًا وتصفيقًا كما كانت تعريًا أيضًا .. وقد تمكن ﷺ من استمالة كل مكة إلى الإِسلام في تلك الفترة القصيرة حتى هذه المرأة زوجة أبي سفيان التي كانت تحمل ضد النبي ﷺ وأصحابه ثارات وأحقادًا سوداء تتجه إليه مختارة طائعة
стр. 1089
لتبايعه بعد أن أذهلتها أخلاق النبي ﷺ وسماحته وعدالته عن كل ما مضى .. تقول عائشة ﵂: "جاءت هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله .. ما كان على ظهر الأرض من أهل خباء أحب إلي أن يذلوا من أهل خبائك .. ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي أن يعزوا من أهل خبائك .. قال: وأيضًا والذي نفسي بيده .. قالت: يا رسول الله .. إن أبا سفيان رجل مسيك .. فهل عليَّ حرج أن أطعم من الذي له عيالنا؟ قال: لا أراه إلا بالمعروف" (١) أي خذي من ماله قدر ما تعارف عليه الناس من مصروف.
إن إسلام هذا الكم من البشر في هذه الفترة القصيرة يوحي بحقيقة ثقافة المنتصر المقنعة وأنها لا تحتاج إلى الكثير من العناء للقبول .. لأن كل أدوات العناد الهزيلة لا تستطيع التماسك أمامها .. أما إذا كان من يحملها دون سلطان أو دولة فالثقافة المقنعة تحتاج إلى رجال كمحمد ﷺ وأصحابه المهاجرين والأنصار يحملونها بسلوكهم وتعاملهم ورحمتهم لا بالتزامهم في جانب العبادات فقط .. فالعبادة بين الإنسان وبين ربه وقد تنقع فئة قليلة من أصحاب العقول وممتازي البشر .. أما دهماء الناس فتنتظر وتنظر دائمًا إلى من يقدم لها شيئًا يروي غليلها ويحقق أحلامها بسلوكه وإنجازه .. عندها يجد التوحيد دروبًا فسيحة نحو النفوس .. وهذا ما يفعله محمَّد ﷺ وصحبه الكرام اليوم على أرض مكة وتحت سمائها ..
ها هو أحد الرجال القادمين لرصد الأحداث يعود إلى قومه محملًا بالإيمان فيروي ابنه الصغير بغبطة قصة عودة والده وقصة المجد الذي توجه به قومه رغم صغر سنه فيقول:
стр. 1090
"كنا بماء ممر الناس وكان يمر بنا الركبان فنسألهم ما للناس ما للناس ما هذا الرجل .. فيقولون: يزعم أن الله أرسله أوحى إليه أو أوحى الله بكذا فكنت أحفظ ذلك الكلام وكأنما يقر في صدري وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح فيقولون: اتركوه وقومه فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق .. فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم وبدر أبي قومي بإسلامهم فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي ﷺ حقًا فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا وصلوا كذا في حين كذا فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنًا .. فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني لما كنت أتلقى من الركبان فقدموني بين أيديهم وأن ابن ست أو سبع سنين .. وكانت على بردة كنت إذا سجدت تقلصت عني .. فقال امرأة من الحي: ألا تغطون عنا أست (١) قارئكم. فاشتروا فقطعوا لي قميصًا فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص" (٢)
فرح الطفل الإمام بثوبه الجديد كعادة الأطفال ولم يأنف قومه من إمامة طفل لهم في الصلاة لأن الإِسلام يريد ذلك ويستحبه .. أما على أرض مكة فما زال المبايعون والطلقاء يتوافدون على النبي ﷺ .. أما المهاجرون والأنصار فلم يكن همهم الاحتفال بانتصارهم على أرض مكة ولا استعراض سبقهم على طرقاتها .. كانت أنفاسهم أطواق نجاة لمن حولهم وكانت كلماتهم بساتين كرم للمتعبين .. ينطلقون في اتجاه كل عقل حائر وكل قلب متعب بالشرك والضياع .. فكما نجح أبو بكر مع والده أسرع البقية إلى من بقي من أرحامهم .. بل إن من دخل منهم الإِسلام يقوم بعرض قناعته على غيره وها هو أحدهم ويدعى مجاشع بن مسعود يبايع النبي ﷺ ويقول: "أتيت