← Сира

Сира · id 123668

السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة

محمد الصوياني

Полный текст (1 354 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

إن أعدى الناس على الله من عدا في الحرم ومن قتل غير قاتله. ومن قتل بنحول الجاهلية (١) فقال رجل: يا رسول الله إن ابني فلانًا عاهرت بأمه في الجاهلية (٢). فقال: لا دعوة في الإِسلام .. ذهب أمر الجاهلية الولد للفراش (٣) .. وللعاهر الأثلب .. قيل: يا رسول الله .. وما الأثلب قال: الحجر وفي الأصابع عشر عشر (٤) وفي المواضع خمس خمس (٥) ولا صلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس .. ولا صلاة بعد العصر تغرب الشمس ولا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها (٦) وأوفوا بحلف الجاهلية فإن الإِسلام لم يزده إلا شدة ولا تحدثوا حلفًا في الإِسلام" (٧)

стр. 1087

وبعد أن انتهى من خطبته "ودى رسول الله ﷺ الرجل الذي قتلته خزاعة" (١) أي دفع دية الرجل المقتول من بني بكر .. ثم حدد ﷺ عقوبة جنائية هي القتل خطأ "فقال: لا إله إلا الله وحده نصر عبده وهزم الأحزاب وحده .. الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده .. ألا إن كل مأثرة كانت في الجاهلية تعد وتدعى .. وكل دم أو دعوى موضوعة تحت قدمي (٢) هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ألا وإن قتيل خطأ العمد بالسوط والعصا والحجر دية مغلظة مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها" (٣) توالت التوبة تلو التوبة والبيعة تلو البيعة. وأعطى الطلقاء فرصة كبيرة للتفكير والتروي ومراجعة النفس والتعود على حياة صافية دون أصنام أو أوثان أو خرافات .. لذلك: قرر النبي ﷺ البقاء في مكة لمدة تكفي لإذابة ما بقى في نفوس الطلقاء من بقايا الجاهلية .. يقول أحد الصحابة "أقام النبي ﷺ بمكة تسعة عشر يومًا يصلى ركعتين" (٤) الظهر ركعتين والعصر والعشاء كذلك أما المغرب والفجر فليس فيهما

стр. 1088

قصر .. وكان من عادة النبي ﷺ أن يقصر الصلاة إذا خرج من المدينة مسافة تقارب الأربع وعشرين كيلو مترًا .. يقول أنس بن مالك "كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين" (١) والقصر هو أن يؤدي الصلاة ذات الأربع ركعات ركعتين بدلًا من أربع طوال أيام السفر .. وهذا ما فعله النبي ﷺ مدة بقائه في مكة .. حيث كانت تلك الأيام عبارة عن إعطاء الطلقاء فرصة لتغيير الزاوية التي كانوا ينظرون من خلالها إلى النبي ﷺ .. زاوية الحسب والنسب والقبيلة والعادات والتقاليد والتنافس والثأر لينتقلوا إلى زاوية أخرى حيث الصفاء والعقل والاتزان والتجرد من أثقال الموروثات البالية .. تسعة عشر يومًا يفز فيها أكثر من عشرة آلاف مؤمن للصلاة يحيطون بالكعبة ويملأون البيت الحرام خمس مرات في اليوم والليلة .. في سكون وحركات خاشعة رائعة موحدة راكعة ساجدة خلف رجل واحد هو محمَّد ﷺ .. مشهد مهيب وجليل اختفت فيه الأصنام والأزلام وبقي فيه التوحيد نقيًا دون شوائب .. مشهد مهيب أخذ عقول الطلقاء إلى المقارنة بين صلاة هؤلاء المؤمنين الخاشعين الراكعين الساجدين وبين صلاتهم المليئة بالجهل والتخلف والهمجية ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ أي ما كانت صلاتهم إلا تصفيرًا وتصفيقًا كما كانت تعريًا أيضًا .. وقد تمكن ﷺ من استمالة كل مكة إلى الإِسلام في تلك الفترة القصيرة حتى هذه المرأة زوجة أبي سفيان التي كانت تحمل ضد النبي ﷺ وأصحابه ثارات وأحقادًا سوداء تتجه إليه مختارة طائعة

стр. 1089

لتبايعه بعد أن أذهلتها أخلاق النبي ﷺ وسماحته وعدالته عن كل ما مضى .. تقول عائشة ﵂: "جاءت هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله .. ما كان على ظهر الأرض من أهل خباء أحب إلي أن يذلوا من أهل خبائك .. ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي أن يعزوا من أهل خبائك .. قال: وأيضًا والذي نفسي بيده .. قالت: يا رسول الله .. إن أبا سفيان رجل مسيك .. فهل عليَّ حرج أن أطعم من الذي له عيالنا؟ قال: لا أراه إلا بالمعروف" (١) أي خذي من ماله قدر ما تعارف عليه الناس من مصروف. إن إسلام هذا الكم من البشر في هذه الفترة القصيرة يوحي بحقيقة ثقافة المنتصر المقنعة وأنها لا تحتاج إلى الكثير من العناء للقبول .. لأن كل أدوات العناد الهزيلة لا تستطيع التماسك أمامها .. أما إذا كان من يحملها دون سلطان أو دولة فالثقافة المقنعة تحتاج إلى رجال كمحمد ﷺ وأصحابه المهاجرين والأنصار يحملونها بسلوكهم وتعاملهم ورحمتهم لا بالتزامهم في جانب العبادات فقط .. فالعبادة بين الإنسان وبين ربه وقد تنقع فئة قليلة من أصحاب العقول وممتازي البشر .. أما دهماء الناس فتنتظر وتنظر دائمًا إلى من يقدم لها شيئًا يروي غليلها ويحقق أحلامها بسلوكه وإنجازه .. عندها يجد التوحيد دروبًا فسيحة نحو النفوس .. وهذا ما يفعله محمَّد ﷺ وصحبه الكرام اليوم على أرض مكة وتحت سمائها .. ها هو أحد الرجال القادمين لرصد الأحداث يعود إلى قومه محملًا بالإيمان فيروي ابنه الصغير بغبطة قصة عودة والده وقصة المجد الذي توجه به قومه رغم صغر سنه فيقول:

стр. 1090

"كنا بماء ممر الناس وكان يمر بنا الركبان فنسألهم ما للناس ما للناس ما هذا الرجل .. فيقولون: يزعم أن الله أرسله أوحى إليه أو أوحى الله بكذا فكنت أحفظ ذلك الكلام وكأنما يقر في صدري وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح فيقولون: اتركوه وقومه فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق .. فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم وبدر أبي قومي بإسلامهم فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي ﷺ حقًا فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا وصلوا كذا في حين كذا فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنًا .. فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني لما كنت أتلقى من الركبان فقدموني بين أيديهم وأن ابن ست أو سبع سنين .. وكانت على بردة كنت إذا سجدت تقلصت عني .. فقال امرأة من الحي: ألا تغطون عنا أست (١) قارئكم. فاشتروا فقطعوا لي قميصًا فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص" (٢) فرح الطفل الإمام بثوبه الجديد كعادة الأطفال ولم يأنف قومه من إمامة طفل لهم في الصلاة لأن الإِسلام يريد ذلك ويستحبه .. أما على أرض مكة فما زال المبايعون والطلقاء يتوافدون على النبي ﷺ .. أما المهاجرون والأنصار فلم يكن همهم الاحتفال بانتصارهم على أرض مكة ولا استعراض سبقهم على طرقاتها .. كانت أنفاسهم أطواق نجاة لمن حولهم وكانت كلماتهم بساتين كرم للمتعبين .. ينطلقون في اتجاه كل عقل حائر وكل قلب متعب بالشرك والضياع .. فكما نجح أبو بكر مع والده أسرع البقية إلى من بقي من أرحامهم .. بل إن من دخل منهم الإِسلام يقوم بعرض قناعته على غيره وها هو أحدهم ويدعى مجاشع بن مسعود يبايع النبي ﷺ ويقول: "أتيت

стр. 1091

النبي ﷺ أبايعه على الهجرة فقال إن الهجرة قد مضت لأهلها ولكن على الإِسلام والجهاد والخير" (١) .. ثم يتجه إلى أخيه فيقنعه ويأخذ بقلبه إلى النبي ﷺ ويقول: "جئت بأخي أبي معبد إلى رسول الله ﷺ بعد الفتح فقلت يا رسول الله بايعه على الهجرة قال: قد مضت الهجرة بأهلها قلت فبأي شيء تبايعه قال على الإِسلام والجهاد والخير" (٢) فقد "قال النبي ﷺ يوم افتتح مكة: لا هجرة ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا .. فإن هذا بلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض وهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة .. وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطه إلا من عرفها .. ولا يختلى خلاها قال العباس: يا رسول الله .. إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم قال: قال: إلا الإذخر" (٣) وهو (حشيش طيب الريح أطول من الثيل) (٤) وقد وافق ﷺ على استثنائه لحاجة أهل مكة له .. أما ما عدا ذلك فلا يجوز لأحد داخل منطقة الحرم قطع شجر أو مطاردة صيد أو حتى التقاط شيء ضائع إلا لإيصاله إلى أهله أو تسليمه لمن يتولى إمارة الحرم .. كان الصحابة يستمعون بإنصات إلى تلك التعليمات وفجأة قال النبي ﷺ : اكتبوا لأبي شاة يقول أبو هريرة ﵁: "لما فتح الله على رسول

стр. 1092

الله ﷺ مكة قام في الناس فحمد الله وأثني عليه ثم قال: إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين وإنها لن تحل لأحد كان قبلي وإنها أحلت لي ساعة من نهار وإنها لن تحل لأحد بعدي .. فلا ينفر صيدها ولا يختلى شوكها ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يفدى وإما أن يقتل فقال العباس: إلا الإذخر يا رسول الله .. فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا فقال رسول الله ﷺ إلا الإذخر .. فقام أبو شاه رجل من أهل اليمن فقال: اكتبوا لي يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ : اكتبوا لأبي شاه" (١) وهو إذن منه ﷺ لمشروع تدوين أقواله وأفعاله وتقريراته .. حتى لقد تحدث راوية الإِسلام أبو هريرة عن امتثال المأخوذين بالرواية فقال "ما من أصحاب النبي ﷺ أحد أكثر حديثًا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب" (٢) وسط هذا الاسترخاء الجميل على سواحل الإِسلام وتحت أشعة شمسه الساحرة كان التوتر يسود مناطق قريبة من مكة وبالذات تلك المناطق التي تقطنها قبيلة هوازن الهادئة المسالمة .. والشجاعة أيضًا. هوازن متواترة فقد أربكتها الإشاعات التي ترددت حول جمع النبي ﷺ لعشرة آلاف مجاهد وأثارت مخاوفها تلك الحشود .. كانت التخمينات قد ذهبت بهوازن بعيدًا فظنت أن النبي ﷺ يقصدها بذلك الجيش الكاسح فاستعدت لنزاله استعدادًا انتحاريًا ولا أدري من الذي وسوس لها وهي القبيلة التي لم يشهد تاريخها أي تصرف يحسب ضدها .. وقد شاركتها هذا الخوف قبيلة

стр. 1093

ثقيف وهي قبيلة لم تقم بأي نشاط معاد للنبي ﷺ سوى ذلك الموقف الذي صدر من بعض رجالها قبل الهجرة .. لكن المبادرة جاءت من هوازن فهي الآن "على بكرة أبيها بظعنها ونعمها وشائها هي في وادي حنين" (١) لم يبق منها ذكر ولا أنثى إلا توجه نحو وادي قريب من مكة يسمى وادي حنين .. وقد اختبأوا "في شعابه وأحنائه ومضايقه وقد أجمعوا وتهيئوا وأعدوا" (٢) كل هذا كان يجري في الوقت الذي كان فيه النبي ﷺ وأصحابه ينعمون بأجواء مكة الهادئة الجميلة .. ويقترب عيد الفطر فيخرج المسلمون زكاة الفطر للفقراء والمساكن في مكة ويواسونهم بطريقة ناعمة لم يتعودوا على رقتها من قبل .. ويأتي العيد فيصلي المسلمون العيد ويخطب النبي ﷺ بالمسلمين ثم يحتفل المسلمون بعيد الفطر في مكة ويرى الطلقاء كم هو جميل هذا العيد بالإِسلام وكم هو جميل هذا الإِسلام الذي طالما أغواهم العناد والشيطان بتشويهه .. ويرى الطلقاء هذه الاحتفالية الإِسلامية المدهشة فمكة صاخبة بالحركة والحب والتراحم أكثر من عشرة آلاف يفزون جميعًا خمس مرات يوميًا للصلاة ثم يرونهم بعد أداء الصلاة حول المسجد يتحادثون بود يتبايعون بأمانة ويقرضون دون ربا ويواسي بعضهم بعضًا ويقضون أوقاتًا ممتعة ومرحة

стр. 1094

تدخل البهجة على النفوس .. أهذه مكة التي كانت قبل أيام بطيئة مملة كئيبة ملوثة الأجواء بالأصنام والطبقية والعنصرية والربا والأحقاد .. لو لم يكن هذا الرجل نبيًا لما تغيرت مكة هذه الطريقة المعجزة ولو بعد آلاف السنوات .. لكن هذه الأجواء الساحرة تظل بشرية بحتة لكنها موجهة بالوحى النقي والعادل .. وما دامت بشرية فلا بد من الزلل والخطأ .. وقد حدث ذلك عندما أقدمت امرأة مخزومية على السرقة فكانت سرقتها رحمة للمسلمين ودرسًا جديدًا للطلقاء. الجريمة والواسطة حددت المرأة السارقة واعترفت بجريمتها كانت من قريش "كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي ﷺ أن تقطع يدها" (١) "فأتي بها النبي ﷺ فعاذت بأم سلمة زوج النبي ﷺ " (٢) بعد أن عرفت أن عقوبة السرقة هي قطع اليد .. وانتشر خبر السرقة في مكة واهتز الطلقاء لقطع يد امرأة من أعرق قبائل العرب .. لكن تلك النعرة تفتت أمام العدالة كالجذع المتآكل .. فتوجه أشرف الطلقاء وأرفعهم نسبًا متنازلين إلى شاب يتيم أسود اللون يدعى أسامة بن زيد لكي يتوسط عند رسول الله ﷺ لإسقاط حد السرقة عن تلك المرأة نظرًا لمكانتها الاجتماعية ولأن في تطبيق الحد عليها مساسًا بتلك المكانة في نظرهم .. تقول "عائشة زوج النبي ﷺ : إن قريشًا أهمهم شأن المرأة التي سرقت في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح فقالوا من يكلم فيها رسول الله ﷺ .. فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ .. فأتي بها رسول الله ﷺ فكلمه فيها

стр. 1095

أسامة بن زيد فتلون وجه رسول الله ﷺ فقال: أتشفع في حد من حدود الله فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله .. فلما كان العشي قام رسول الله ﷺ فاختطب فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد .. فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه .. وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد .. وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمَّد سرقت لقطعت يدها .. ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها" (١) .. وتعلم الطلقاء درسًا جديدًا اسمه المساواة في العقوبة بعد أن استوعبوا المساواة في التعامل والمكافأة .. وأيقنوا أنهم أمام وحي لا يزحزحه شيء فليس بعد فاطمة من قرابة .. فالقضية لا تتعلق بشخصين أو ثلاثة يمكنهم التفاهم حول ما أخذه أحدهما من الآخر .. بل يتعلق بأمن الناس على أموالهم ودمائهم وأعراضهم وبالتالي فهو يتناول بشكل خطير أمن الدولة برمتها فالدولة التي لا تجيد التعامل مع الجريمة لا تستحق أن تسمى دولة .. والحياة فيها لا تعرف معنى للرفاه والاستقرار .. لكن تنفيذ العقوبة في الإِسلام لا يعني سوى تنفيذ العقوبة ثم يعود المذنب بعدها بريئًا ليواصل مع غيره مسيرته في الإبداع والإنجاز في موكب هذه الدولة العادلة المنطلقة للآفاق .. هذه المرأة لم تمسح من ذاكرة الأمة ولم تصادر حقوقها في المواطنة فهي امرأة أخطأت ونالت عقابها وانتهى الأمر .. لقد تابت فـ: "قالت عائشة فحسنت توبتها بعد وتزوجت وكانت تأتيني بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ " (٢) .. وقد كان بإمكان أهلها ومن يهمه أمرها طلب الشفاعة من صاحب المال المسروق قبل أن يصل الأمر إلى إمام المسلمين وقائدهم وقاضيهم ﷺ .. لكن عند وصول

стр. 1096

الشكوى إلى الإِمام تكون الشفاعة قد وصلت إلى طريق مسدود .. وتتحول الشفاعة في هذه الحالة إلى كبيرة قال عنها النبي ﷺ : "من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره" (١) كان تطبيق هذا الحد يعني أشياء كثيرة منها تسليم الجميع بوجود دولة عظيمة ذات نظام يرتب حياتها وينطلق بها ماديًا وروحيًا .. وكان من ضرورات النظام الجديد إزالة كل شوائب الجاهلية وآثارها التي قد تسبب ارتكاسة للأمة في الحاضر أو المستقبل .. ومن أجل ذلك لم يأمر ﷺ بقطع يد إحدى النساء بل أمر بقتلها .. فلماذا: النبي ﷺ يأمر بقتل امرأة هذه المرأة لم تسرق مالا ولم تقتل إنسانًا .. فقط اكتفت بجر الأمة إلى هاوية الشرك .. تلك هي العزى التي هتف أبو سفيان باسمها بعد انتهاء غزوة أحد .. فما هي العزى ومن بعث ﷺ من شجعانه للقضاء عليها؟ أحد الصحابة يقول: "لما فتح رسول الله ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة وكانت بها العزى .. فأتاها خالد بن الوليد وكانت على تلال السمرات فقطع السمرات وهدم البيت الذي كان عليها .. ثم أتى النبي ﷺ فأخبره فقال:

стр. 1097

ارجع فإنك لم تصنع شيئًا .. فرجع خالد فلما نظرت إليه السدنة وهم حجابها أمعنوا في الجبل وهم يقولون: يا عزى خبليه يا عزى عوريه وإلا فموتي برغم فأتاها خالد فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثو التراب على رأسها فعممها بالسيف حتى قتلها ثم رجع إلى النبي ﷺ فأخبره قال: تلك العزى" (١) ولا أدري هل هذه المرأة من السحرة المشعوذين أو من مدعي الألوهية لكن القضاء عليها كان من حتميات العقيدة الإِسلامية وإلا فلا معنى للرسالة والنبوة إذا تركت تنشر خزعبلاتها وضلالاتها دون عقاب .. لكن في طريق الدولة الإِسلامية ما هو أخطر من العزى فالعزى لم تحتمل أكثر من ضربة بالسيف .. هذه الدولة تواجه الآن آخر خطر يقبع في طريقها وهو ذلك الحشد الهائل من هوازن فقد علم النبي ﷺ بتلك التحركات فأرسل جاسوسًا من أصحابه ذكيًا يرصد تحركاتهم وأخبارهم اسمه عبد الرحمن بن أبي حدرد

стр. 1098

السلمي ﵁ .. عن ذلك يتحدث جابر بن عبد الله الذي لم يتخلف عن أي غزوة منذ استشهاد والده العظيم فيقول إن النبي ﷺ : "لما فرغ من فتح مكة جمع مالك بن عوف النصري من بني نصر وجشم ومن سعد بن بكر وأوزاع من بني هلال .. وناسًا من بني عمرو بن عاصم بن عوف بن عامر .. وأوزعت معهم الأحلاف من ثقيف وبنو مالك .. ثم سار بهم إلى رسول الله ﷺ مع الأموال والنساء والأبناء .. فلما سمع بهم رسول الله ﷺ بعث عبد الرحمن بن أبي حدرد الأسلمي فقال: اذهب فادخل بالقوم حتى تعلم لنا من علمهم فدخل فمكث فيهم يومًا أو يومين .. ثم أقبل فأخبره الخبر فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد؟ فقال عمر كذب ابن أبي حدرد. فقال ابن أبي حدرد: إن كذبتني فربما كذبت من هو خير مني. فقال عمر: يا رسول الله .. ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد؟ فقال رسول الله ﷺ : قد كنت يا عمر ضالًا فهداك الله . ثم بعث رسول الله ﷺ إلى صفوان بن أمية فسأله أدراعًا مائة درع وما يصلحها من عدتها، فقال: أغصبًا يا محمَّد؟ قال: بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك ثم خرج رسول الله ﷺ سائرًا" (١) بعد أن عين أميرًا

стр. 1099

على مكة وهو صحابي اسمه: عتاب بن أسيد ويبدو من لغة الحوار بين النبي ﷺ وصفوان بن معطل أن صفوان لا يزال على جاهليته أو أنه أسلم مجاملة. .. أخذ ﷺ الأدراع ثم خرج إلى: غزوة حنين بين مكة والطائف بعد أن تجهز بجيش كبير مؤلف من عشرة آلاف مجاهد قدموا معه قبل الفتح بالإضافة إلى أعداد غفيرة من الطلقاء الذين أسلموا بعد فتح مكة .. وفي الطريق نطق بعض الصحابة المخلصين من الطلقاء ممّن أسلم حديثًا بكلام ينسف ما خرج النبي ﷺ من أجله بل وما بعث من أجله .. بعض الصحابة يريد تقليد المشركين يقول أحد المشاركين في تلك الغزوة واسمه الحارث بن مالك: "قال خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حديثو عهد بالجاهلية قال فسرنا معه إلى حنين .. وكانت كفار قريش ومن سواهم من العرب لهم شجرة عظيمة خضراء يقال لها ذات أنواط .. يأتونها كل سنة فيعلقون أسلحتهم عليها ويذبحون عندها ويعكفون عليها يومًا .. فرأينا ونحن نسير مع رسول الله ﷺ سدرة خضراء عظيمة .. فتنادينا من جنبات الطريق: يا رسول الله .. اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط .. قال رسول الله ﷺ : الله أكبر؛ قلتم والذي نفس محمَّد بيده كما قال قوم موسى لموسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة .. قال: إنكم قوم تجهلون إنها السنن

стр. 1100

لتركبن سنن من كان قبلكم" (١) أي اليهود والنصارى. صحح النبي ﷺ تلك الزلة ثم أخذ صحابته نحو حنين .. "ساروا مع رسول الله ﷺ يوم حنين فأطنبوا السير حتى كانت عشية فحضرت الصلاة عند رسول الله ﷺ فجاء رجل فارس فقال: يا رسول الله .. إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا فإذا أنا بهوازن على بكرة آبائهم بظعنهم ونعمهم وشائهم اجتمعوا إلى حنين، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: تلك غنيمة المسلمين غدًا إن شاء الله ثم قال من يحرسنا الليلة؟ قال أنس بن أبي مرثد الغنوي: أنا يا رسول الله .. قال: فاركب، فركب فرسًا له فجاء إلى رسول الله ﷺ .. فقال له رسول الله ﷺ : استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه ولا نغرن من قِبَلِكَ الليلة (٢) .. فلما أصبحنا خرج رسول الله ﷺ إلى مصلاه فركع ركعتين ثم قال: هل أحسستم فارسكم؟ قالوا: يا رسول الله .. ما أحسسناه .. فثوب (٣) بالصلاة فجعل رسول الله ﷺ يصلي وهو يلتفت إلى الشعب حتى إذا قضى صلاته وسلم قال: أبشروا فقد جاءكم فارسكم. فجعلنا ننظر إلى خلال الشجر في الشعب فإذا هو قد جاء حتى وقف على رسول الله ﷺ فسلم .. فقال: إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب

стр. 1101

حيث أمرني رسول الله ﷺ فلما أصبحت اطلعت الشعبين كليهما فنظرت فلم أر أحدًا. فقال له رسول الله ﷺ هل نزلت الليلة قال: لا إلا مصليًا أو قاضيًا حاجة. فقال له رسول الله ﷺ : قد أوجبت فلا عليك أن لا تعمل بعدها" (١) بشر النبي ﷺ صاحبه بثواب عظيم لا يضره معه -ربما- أن لا يقوم بشيء من النوافل .. كما بشر أصحابه بالنصر والغنائم الهائلة التي ساقتها هوازن معها بتهور وانتحارية غير معهودة .. ولم تكن هوازن وحدها فقد انضمت إليها قبيلة أخرى. غطفان وغيرهم ينضمون إلى هوازن استطاع زعيم هوازن مالك بن عوف أن يحرض من بقي من المشركين حوله على قتال النبي ﷺ والقضاء عليه بعد أن فشلت قريش في ذلك .. فقد "جمع مالك بن عوف النصري: من بني نصر وجشم ومن سعد بن بكر وأوزاع من بني هلال

стр. 1102

وناسًا من بني عمرو بن عاصم بن عوف بن عامر وأوزعت معهم الأحلاف من ثقيف وبنو مالك. ثم سار بهم إلى رسول الله ﷺ وسار مع الأموال والنساء والأبناء" (١) ولم تكن غطفان وغيرها أقل انتحارية ولا أقل حماسًا في الاستعداد للجيش المسلم فـ: ماذا أحضر المشركون معهم لا يصدق المرء ما قام به مالك بن عوف ومن معه من زعماء المشركين في حشدهم لقتال النبي ﷺ فقد سئل محمَّد ﷺ وأصحابه تفكيرهم فأقدموا على إحضار النساء والأطفال وكل حيوان أليف تملكه هوازن وغطفان .. يقول أحد الصحابة المشاركين ﵃: "لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بنعمهم وذراريهم ومع النبي ﷺ عشرة آلاف ومن الطلقاء" (٢) إن أشخاصًا فعلوا هذا لا يمكن وصفهم إلا بالتهور .. فالحكيم يخوض الحرب وهو يحسب حسابات النصر والهزيمة معًا .. فإن انتصر فقد حقق ما يريد وإن خسر فلا بد من خاسر والأيام تمنح له أكثر من فرصة .. لكن مالك زعيم هوازن الآن رجل المغامرة والمقامرة .. رجل الفرصة الواحدة .. ربما لثقته ببسالة جيشه .. ولم يكن المسلمون أقل ثقة منهم فقد أعجبتهم كثرتهم حتى خيل لبعضهم أن لا أحد يستطيع أن يهزمهم بعد اليوم ..

стр. 1103

أخبرنا الله سبحانه عن تلك المعنويات فقال: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ لدرجة أن "خرج شبان أصحابه وإخفاؤهم حسرًا ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح" (١) هذه الكثرة قد ترفع المعنويات لكنها قد تسحب خلفها غرورًا يكبد الكثير من الضحايا والخسائر فالنصر من عند الله لكنه لا يتحقق إلا بمجهود بشري أمر الله بتنفيذه بدقة .. ولن ينصر الله جيشًا مسلمًا مفرطًا متهاونًا أو مخالفًا للأوامر أو غير مستعد .. لذلك لا بد من تلافي الأخطاء التي تكلف أثمانًا باهظة حتى لا يقع الجيش المسلم في فخ غزوة أحد مرة أخرى .. تعالوا نقرأ تفاصيل حنين ففيها الكثير من المفاجآت .. تعالوا إلى: وادي حنين وأرضها فهي الآن تحت سيطرة جيش المشركين ويبدو من شهود العيان أن المشركين قاموا بتنظيم ما معهم من قوات وغير قوات في منتهى التهور والدهاء معًا .. بل ربما قاموا باستنساخ خطبة النبي ﷺ في غزوة أحد مع اختلاف التضاريس .. فبينما كانت أرض أحد تحتوي جبالًا استغلها النبي ﷺ نجد أرض حنين تحتوي على أودية استغلها قادة هوازن وغطفان بشكل سليم .. أما تخطيط مشركي هوازن وغطفان ومن معهما لتسيير المعركة (٢) فهو كالتالي: قسمت هوازن وغطفان جيشها إلى قسمين: أولًا- قسم أمامي ومكانه مقدمة بطن الوادي أو لنقل مدخل الوادي

стр. 1104

وهو خط المعركة الأول وقد قسمه المشركون إلى أربعة صفوف أو أربع مجموعات يقف بعضها خلف بعض وهي: الصف الأول: الفرسان الصف الثاني: المقاتلون من الرجال والشباب الصف الثالت: الأقل قوة وهم النساء والشيوخ والأطفال الصف الرابع: ومهمته معنوية وهو مكون من الأغنام الصف الخامس: ومهمته معنوية أيضا وهو مكون من بقية الأنعام وقد عبر أحد جنود الإسلام عن إعجابه بتلك الصفوف وهو أنس بن مالك ﵁ فقال: "افتتحنا مكة ثم إنا غزونا حنينًا فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت؛ قل فصفت الخيل ثم صفت المقاتلة ثم صفت النساء ومن وراء ذلك ثم صفت الغنم ثم صفت النعم" (١) ثانيًا- قسم الرماة: وقد تترس هؤلاء بتجاويف الوادي وتعرجاته ويبدو أنهم في مكان مرتفع بحيث يسهل إصابة المسلمين من خلاله وعن ذلك يقول جابر ﵁:

стр. 1105

"لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في وادي من أودية تهامة أجوف حطوط إنما ننحدر فيه انحدارًا .. وفي عماية الصبح وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي فكمنوا لنا في شعابه وأحنائه ومضايقه وقد أجمعوا وتهيئوا وأعدوا" (١) أما جيش المسلمين فكان كالعادة منظمًا ومقسمًا يقول أنس: "وعلى مجنبة خيلنا خالد بن الوليد" وهذا يدل على أن هناك جناحًا أيمن وآخر أيسر وقلبًا يقوده النبي ﷺ لكن النبي ﷺ كان يشعر ببعض الخوف ليس من الأعداء فما خرج إلا وقد أعد لهم واستعد .. لكن خوفه كان من هذا الجيش العظيم الذي يقوده الآن .. والنبي ﷺ في كل أحواله يتذكر نعمة الله وأنه لا بد من شكره عليها في غمرة الانتصار .. ولا بد أن يتذكر الإنسان في أوج الانتصار أنه لا يزال إنسانًا مخلوقا ولا بد لهذا المخلوق أن يظهر ويبطن الامتنان لخالقه تحت أي ظرف من الظروف .. ها هو ﷺ وبعد كل صلاة فجر يحرك شفتيه فيتساءل الصحابة عن تلك الأحرف التي لا يسمعونها ويشعرون بالشوق إليها .. فيقول الصحابي المهاجر الصابر المجاهد صهيب الرومي ﵁: "كان رسول الله ﷺ : يحرك شفتيه أيام حنين بشيء لم يكن يفعله قبل ذلك: قال فقال النبي ﷺ : إن نبيًا كان فيمن كان قبلكم أعجبته أمته فقال لن يروم هؤلاء شيء فأوحى الله إلي أن خيرهم بين إحدى ثلاث: إما أن أسلط عليهم عدوًا من غيرهم فيستبيحهم أو الجوع ... أو الموت .. فقالوا: أما القتل أو الجوع فلا طاقة لنا به ولكن الموت قال رسول الله ﷺ فمات في ثلاث سبعون ألفًا فقال ﷺ

стр. 1106

فأنا أقول الآن: اللَّهم بك أحاول وبك أصول وبك أقاتل" (١) "اللَّهم إنك إن تشأ لا تعبد بعد هذا اليوم" (٢) بالدعاء كان ﷺ يبدأ معاركه .. لكن قبل بداية المعركة كانت هوازن قد بثت جواسيسها لرصد تحركات وتجهيزات النبي ﷺ .. وقد تمكن أحدهم من أن يندس بين جند النبي ﷺ لكن نظراته وحركاته وربما ألفاظه أفصحت للنبي ﷺ عن هويته فكانت هذه القصة التي تم فيها: القبض على جاسوس هوازن يقول الفارس سلمة بن الأكوع والذي كلف بمهمة القبض أو القضاء على الجاسوس: "غزونا مع رسول الله ﷺ هوازن فبينا نحن نتضحى مع رسول الله ﷺ إذ جاء رجل على جمل أحمر فأناخه ثم انتزع طلقًا من حقبه فقيد به الجمل .. ثم تقدم يتغدى مع القوم وجعل ينظر .. وفينا ضعفة ورقة في الظهر وبعضنا مشاة إذ خرج يشتد .. فأتى جمله فأطلق قيده ثم أناخه .. وقعد عليه فأثاره فاشتد به الجمل فاتبعه رجل على ناقة ورقاء. قال سلمة: وخرجت أشتد .. فكنت عند ورك الناقة .. ثم تقدمت

стр. 1107

حتى كنت عند ورك الجمل .. ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته .. فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت سيفي فضربت رأس الرجل فندر .. ثم جئت بالجمل أقوده عليه رحله وسلاحه. فاستقبلني رسول الله ﷺ والناس معه فقال: من قتل الرجل؟ قالوا: ابن الأكوع، قال: له سلبه أجمع" (١) حصل ابن الأكوع على سلب الجاسوس وتخلص المسلمون من شره .. وتهيأ النبي ﷺ ومن معه لقتال المشركين وتواجه الجيشان فـ: كيف سارت المعركة على أرض حنين في البداية كانت المواجهة بين الجيشين على أرض الوادي دون تدخل رماة المشركين .. وعندما التحم الجيشان هجم المسلمون ببسالتهم المعروفة فاكتسحوا عدوهم وهزموهم بل وطاردوهم .. وكان فارس الإِسلام أبو قتادة أحد هؤلاء حيث يقول ﵁ "خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حنين فلما التقينا كانت للمسلمين جولة .. فرأيت رجلًا من المشركين علا رجلًا من المسلمين فاستدرت حتى أتيته من ورائه حتى ضربته بالسيف على حبل عاتقه .. فأقبل عليّ فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت ثم أدركه الموت فأرسلني" (٢) وسقط ذلك المشرك جثة هامدة وهرب المشركون من أرض المعركة فلاحقوهم ولكن يقول البراء: "لما حملنا عليهم انكشفوا فأكببنا على الغنائم" (٣) وبدأ الطلقاء يجمعون الغنائم الهائلة التي خلفتها هوازن ومن معها .. ومرة أخرى تطل المأساة برأسها

стр. 1108

البشع .. مرة أخرى يرتكب بعض المؤمنين الخطأ نفسه .. لكنهم معذورون فهم لم يحضروا ولم يتجرعوا كأس أُحد المر .. مرة أخرى الغنائم والرماة يهزمون المسلمين الغنائم هي الغنائم لكن الرماة ليسوا هم الرماة .. إنهم رماة هوازن وهم دقيقوا التصويب .. وعندما وصل الجيش المسلم إلى مرمى تلك السهام وهو يطارد تلك الفلول الهاربة انهمر سيل السهام من تلك التجاويف والمنحنيات .. فقد كان الوادي مفخخًا بالرماة البارعين .. وقد أعان الرماة في مهمتهم ذلك الارتباك الذي أحدثه تكالب الطلقاء على الغنائم وهم لا يعلمون أنها ليست للنهب ولا لمن سبق .. ولك أن تتصور جيشًا قوامه أكثر من عشرة آلاف مقاتل يتدفق مسرعًا مدمرًا كالموج خلف عدوه ثم تعترض طريقه مجموعة من أفراده بطريقة غير منظمة لالتقاط غنائم في الطريق .. لقد تحول الجيش مرة أخرى إلى كومة من الفوضى زاد في بعثرتها ذلك الموت المنهمر من سهام المشركين .. يقول البراء نافيًا تهمة الفرار عن الرسول عندما سئل: "أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين؟ فقال لكن رسول الله ﷺ لم يفر .. كانت هوازن رماة وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا فأكببنا على الغنائم فاستقبلنا بالسهام" (١) "والله ما ولى النبي ﷺ ولكن ولى سرعان الناس .. فلقيهم هوازن بالنبل والنبي ﷺ على بغلته البيضاء وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجامها والنبي ﷺ يقول: أنا النبي لا كذب ... أنا بن عبد المطلب" (٢) وكان كثير ممّن ولى لم يستعد للحرب استعدادًا يليق بها ظنًا أن هذا

стр. 1109

الجيش الضخم ليس من الممكن هزيمته .. فقد "خرج شبان أصحابه وإخفاؤهم حسرًا ليس بسلاح فأتوا قومًا رماة سمع هوازن وبني نصر ما يكاد يسقط لهم سهم .. فرشقوهم رشقًا ما يكادون يخطئون .. فأقبلوا هنالك إلى النبي ﷺ وهو على بغلته البيضاء .. وابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود به فنزل واستنصر ثم قال: أنا النبي لا كذب ... أنا بن عبد المطلب" (١) .. كان هذا الصوت المتأجج حماسًا وثباتًا مثيرًا .. لكنه لا يجد حوله سوى غبار الطلقاء الذين ولوا وتركوا غبارهم يخنق أرض حنين: ثم هرب بعدهم الأعراب يقول أنس ﵁: "فجعلت خيلنا تلوي خلف ظهورنا فلم نلبث أن انكشفت خيلنا وفرت الأعراب ومن نعلم من الناس" (٢) وقد ساهمت منحدرات الوادي في هزيمه المؤمنين ووقوعهم في الفخ المعد لهم حيث يصف جابر ذلك الوادي وما حدث فيه فيقول: "كان القوم قد سبقونا إلى الوادي فكمنوا لنا في شعابه وأحنائه ومضايقه وقد أجمعوا وتهيئوا وأعدوا فوالله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدوا علينا شدة رجل واحد وانشمر الناس راجعين لا يلوي أحد على أحد" (٣) إلا النبي ﷺ فقد كان كما وصفه البراء بن عازب وهو

стр. 1110

يتحدث عن الفرار يوم حنين بقوله: "أشهد على نبي الله ﷺ ما ولى" (١) "كنا والله إذا احمر البأس نتقي به وإن الشجاع منا للذي يحاذي به يعني النبي ﷺ " (٢) لقد توجه ﷺ نحو الكفار بمفرده بعد أن "ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته نحو الكفار" (٣) كان مشهد الهروب محزنًا لفارس الإِسلام أبي قتادة ﵁ الذي يقول عن تلك اللحظات "لما التقينا كانت للمسلمين جولة فرأيت رجلًا من المشركين علا رجلًا من المسلمين .. فاستدرت حتى أتيته من ورائه حتى ضربته بالسيف على حبل عاتقه .. فأقبل عليّ فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت .. ثم أدركه الموت فأرسلني .. فلحقت عمر بن الخطاب فقلت: ما بال الناس؟ قال: أمر الله" (٤) ففرار جيش هذا الحجم شيء لا يصدقه عمر .. "وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمن .. ثم قال: أين أيها الناس؟ هلموا إلي أنا رسول الله .. أنا محمَّد بن عبد الله .... فلا شيء حملت الإبل بعضها على بعض .. فانطلق الناس إلا أنه قد بقي مع رسول الله ﷺ نفر من المهاجرين والأنصار واهل بيته وفيمن ثبت معه من المهاجرين أبو بكر وعمر ومن أهل بيته علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن الحارث والفضل بن العباس وربيعة بن الحارث وأسامة بن زيد وأيمن بن عبيد قتل يومئذ .. ورجل من هوازن على جمل له أحمر بيده راية سوداء في رأس رمح له طويل أمام هوازن وهوازن خلفه إذا أدرك طعن برمحه وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه

стр. 1111

فاتبعوه وأبو سفيان بن حرب وبعض الناس يشمت بالمسلمين" (١). ويتوقعون بل يتمنون هزيمة ساحقة للمؤمنين .. لكن النبي ﷺ لم يترك مساحة أكبر من هذه لانشراح قلوب هؤلاء الشامتين .. فمثل هذه الحالات الشديدة والحرجة يصعب تجاوزها بأمثال الطلقاء الذين لم يقضوا فترة تربوية كافية على يد النبي ﷺ .. ولهذا صاح النبي ﵇ يستدعي البنائين الأوائل للدولة الإِسلامية الذين شيدوها بدمائهم وعرقهم وإيمانهم .. صاح بهم وناداهم .. "نادى رسول الله ﷺ : يال المهاجرين يال المهاجرين .... ثم قال يال الأنصار يال الأنصار ... " (٢) قال أنس "قلنا: لبيك يا رسول الله" (٣) وحتى يصل الصوت أقصى مدى استعان النبي ﷺ بعمه الثابت الشجاع العباس بن عبد المطلب الممسك الآن بلجام بغلته ﵇ يواجه بها عاصفة هوازن ونبالها ويقول "إني لمع رسول الله ﷺ آخذ بحكمة بغلته البيضاء قد شجرتها بها .. وكنت امرءًا جسيمًا شديد الصوت .. ورسول الله ﷺ يقول حين رأى ما رأى من الناس: أين أيها الناس؟ فلم أر الناس يلوون على شيء .. فقال: يا عباس اصرخ: يا معشر الأنصار يا معشر أصحاب السمرة .. فأجابوا لبيك لبيك .. فيذهب الرجل ليثني بعيره فلا يقدر على ذلك .. فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه .. ويأخذ سيفه وترسه ويقتحم عن بعيره ويخلي سبيله فيؤم الصوت حتى ينتهي إلى

стр. 1112

رسول الله ﷺ .. حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة استقبلوا الناس .. فاقتتلوا وكانت الدعوى أول ما كانت: ياللأنصار .. ثم خلصت أخيرًا ياللخزرج .. وكانوا صبرًا عند الحرب فأشرف رسول الله ﷺ في ركائبه فنظر إلى مجتلد القوم وهم يجتلدون فقال: الآن حمي الوطيس" (١) والجلاد والقتال واستعر كالبركان .. وقد كان الصحابة الذين حضروا المعركة ورووا أحداثها قليلين وهم كالغصن وسط تلك الغابة التي تجاوزت العشرين ألف مقاتل من الطرفين .. لذلك كان قرب معظمهم من النبي ﷺ أثناء المعركة نادرًا وللحظات .. فكان كل صحابي يروي المشهد الذي رآه والحالة التي كان عليها النبي ﷺ أثناء مروره فقط .. أحد هؤلاء الصحابة مر بالنبي ﷺ أثناء الهزيمة فرأى صحابيًا يدعى زيد مع النبي ﷺ فوصف ذلك المشهد بقوله "إن رسول الله ﷺ يوم حنين انكشف الناس عنه فلم يبق معه إلا رجل يقال له زيد .. آخذ بعنان بغلته الشهباء وهي التي أهداها له النجاشي .. فقال رسول الله ﷺ : ويحك يا زيد ادع الناس فنادى: أيها الناس هذا رسول الله يدعوكم فلم يجب أحد عند ذلك فقال: ويحك حض الأوس والخزرج فقال: يا معشر الأوس والخزرج .. هذا رسول الله يدعوكم فلم يجبه أحد عند ذلك .. فقال: ويحك ادع المهاجرين فإن لله في أعناقهم بيعة .. فحدثني بريدة أنه أقبل منهم ألف قد طرحوا الجفون وكسروها تم أتوا رسول الله ﷺ حتى فتح عليهم" (٢)

стр. 1113

وأحد الصحابة يقول: "انطلق الناس إلا أن مع رسول الله ﷺ رهطًا من المهاجرين والأنصار واهل بيته غير كثير وفيمن ثبت معه ﷺ أبو بكر وعمر ومن أهل بيته علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب وابنه الفضل بن عباس وأبو سفيان بن الحارث وأيمن بن عبيد وهو ابن أم أيمن وأسامة بن زيد" (١) هذا ما يحدث في المقدمة أما في المؤخرة فقد كانت هناك امرأة ثابتة تفوقت على كثير من المحاربين الرجال .. إنها المرأة التي سجلت حضورها لمعظم معارك النبي ﷺ "أم أنس بن مالك" أو أم سليم أو زوجة أبي طلحة المقدام .. كانت ﵂ تتأهب بخنجر للمشركين بل لمن يولي هاربًا من الطلقاء .. يقول ابنها "أنس: إن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجرًا فكان معها فرآها أبو طلحة فقال: يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر .. فقال لها رسول الله ﷺ : ما هذا الخنجر؟ قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه فجعل رسول الله ﷺ يضحك .. قالت يا رسول الله: اقتل من بعدنا من الطلقاء انهزموا بك فقال رسول الله ﷺ : يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن" (٢) فقد نظم ﷺ أصحابه من جديد ثم هجم بهم على المشركين وهب علي ابن أبي طالب وشجاع آخر من الأنصار نحو حامل الراية حتى استطاعوا:

стр. 1114

إسقاط راية المشركين فقد كان "رجل من هوازن على جل له أحمر في يده راية سوداء في رأس رمح طويل له أمام الناس وهوازن خلفه فإذا أدرك طعن برمحه وإذا فاته الناس رفعه لمن وراءه فاتبعوه قال جابر بن عبد الله بينا ذلك الرجل من هوازن صاحب الراية على جمله ذلك يصنع ما يصنع إذا هوى له علي بن أبي طالب ورجل من الأنصار يريدانه .. فيأتيه علي من خلفه فضرب عرقوبي الجمل فوقع على عجزه .. ووثب الأنصاري على الرجل فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه .. فانعجف عن رحله واجتلد الناس .. فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسرى مكتفين عند رسول الله ﷺ " (١) فعاد النصر إلى أصحابه و: نزلت المعجزة يقول أحد الذين رأوها: سلمة بن الأكوع "تقدمت فأعلو ثنية فاستقبلني رجل من العدو فأرميه بسهمه فتوارى عني فما دريت ما صنع .. ونظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى .. فالتقوا هم وصحابة النبي ﷺ فولى صحابة النبي ﷺ وأرجع منهزمًا وعلي بردتان متزرًا بإحداهما مرتديًا بالأخرى .. فاستطلق إزاري فجمعتهما جميعًا ومررت على رسول الله ﷺ منهزمًا وهو على بغلته الشهباء .. فقال رسول الله ﷺ : لقد رأى ابن الأكوع فزعًا .. فلما غشوا رسول الله ﷺ نزل عن

стр. 1115

البغلة .. ثم قبض قبضة من تراب من الأرض .. ثم استقبل به وجوههم فقال: شاهت الوجوه فما خلق الله منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا بتلك القبضة فولوا مدبرين فهزمهم الله " (١) وقد اختصر سلمة أحداثًا رآها غيره قبل أن يقول النبي ﷺ . شاهت الوجوه فالعباس كان هناك يرى ويقاتل ويروي تفاصيلًا فاتت سلمة فيقول "لزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله ﷺ فلم نفارقه .. ورسول الله ﷺ على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي .. فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قبل الكفار قال عباس وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ : أكفها إرادة أن لا تسرع .. وأبو سفيان ابن الحارث آخذ بركاب رسول الله ﷺ .. فقال رسول الله ﷺ : أي عباس ناد أصحاب السمرة .. فقال عباس وكان رجلًا صيتًا: فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة .. فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها فقالوا: يا لبيك يا لبيك .. فاقتتلوا والكفار والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار يا معشر الأنصار .. ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج .. فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج .. يا بني الحارث بن الخزرج .. فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم .. فقال رسول الله ﷺ : هذا حين حمي الوطيس

стр. 1116

ثم أخذ رسول الله ﷺ حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال: انهزموا ورب محمَّد ... فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى .. فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى أحدهم كليلًا وأمرهم مدبرًا" (١) حتى انقشع الغبار فإذا ساحة الحرب أكوام من القتلى و"الأسرى مكتفين عند رسول الله ﷺ " (٢) أما الغنائم فهائلة لا تعد ولا تحصى .. إنها ثروة هوازن وما تملك كاملة وثروة من جاء معها من المشركين .. تحولت إلى أيدي المسلمين بعد أن كادت تضيع منهم ويضيع معها ما هو أثمن .. ليس هناك ألفاظ تعبر عما جرى مثل كلمات الله ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾. .. وبعد أن هدأ كل شيء "التفت رسول الله ﷺ إلى أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب .. وكان ممّن صبر يومئذ مع رسول الله ﷺ .. وكان حسن الإِسلام .. حين أسلم وهو آخذ بثفر بغلته فقال من هذا؟ قال: أنا ابن أمك يا رسول الله" (٣). يقول أبو قتادة: ثم إن "الناس رجعوا وجلس النبي ﷺ فقال: من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه .. فقمت فقلت: من يشهد لي .. ثم جلست، ثم قال: من قتل

стр. 1117

قتيلًا له عليه بينة فله سلبه .. فقمت فقلت: من يشهد لي .. ثم جلست .. ثم قال الثالثة مثله .. فقمت .. فقال رسول الله ﷺ : ما لك يا أبا قتادة؟ فاقتصصت عليه القصة فقال رجل: صدق يا رسول الله وسلبه عندي فأرضه عني .. فقال أبو بكر الصديق ﵁: لا ها الله إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله ﷺ يعطيك سلبه .. فقال النبي ﷺ : صدق فأعطه. فبعت الدرع .. فابتعت به مخرفًا في بني سلمة .. فإنه لأول مال تأثلته في الإِسلام" (١) هذه هي سنة النبي ﷺ في سلب المقتول وهي غير الغنائم .. فالغنائم تم توزيعها من قبل الله سبحانه الذي قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ أما السلب فهو أسلحة وأمتعة القاتل المشرك الشخصية وهو من حق من يقتله من المؤمنين أثناء المعركة وللسلب قيمة معنوية تحفيزية على الإقدام أثناء المعركة .. يقول ﷺ : "من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه" (٢) ولما سمع الصحابة هذا الكلام منه ﷺ جاء أبو طلحة لأخذ ما يستحق .. يقول أنس بن مالك ﵁ "قال رسول الله ﷺ يومئذ: من قتل كافرًا فله سلبه .. فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلًا فأخذ أسلابهم" (٣) أما الغنائم الهائلة فلم يقسمها النبي ﷺ حتى الآن فتوزيعها ليس في

стр. 1118

قائمة اهتماماته الآنية .. فهناك أخطار ملحة تحتاج إلى حل عاجل جدًا .. هناك الطائف الذي شارك زعماؤه ورجاله في هذه المعركة ثم لجأوا بعد الهزيمة إليه .. وهم الآن في حصن منيع يحتاج إلى تفكير عسكري ناضج .. وهناك الفلول المنهزمة من هوازن وغطفان ومن معهم وهي تحتاج إلى معالجة جادة .. فالظروف قد تغيرت ومكة قد فتحت ومعظم العرب الآن تحت لواء التوحيد .. لذلك قرر ﷺ : حبس الغنائم في الجعرانة فنادى رسول الله ﷺ أحد الصحابة واسمه: بديل بن ورقاء فجعله أميرًا على الغنائم وأمره أن يأخذها إلى الجعرانة وهو مكان قريب من مكة لكنه خارج الحرم مثل التنعيم .. يقول بديل عن مهمته: "إن النبي ﷺ أمر بديلًا أن يحبس السبايا والأموال بالجعرانة حتى يقدم عليه فحبسه" (١) فامتثل بديل ثم تفقد النبي ﷺ جيشه ودفن من استشهد منهم .. واطمأن على إصابات أفراده خاصة قواده المصابين وكان أحد القادة الذين أصيبوا خالد بن الوليد .. وهو قائد قسم من خيل جيش المسلمين فجاء ﷺ بنفسه وسأل واطمأن على إصابة خالد بن الوليد يقول أحد الصحابة: "إن خالد بن الوليد بن المغيرة جرح يومئذ وكان على الخيل خيل رسول الله ﷺ .. قد رأيت رسول الله ﷺ بعد ما هزم الله الكفار ورجع المسلمون إلى رحالهم يمشي في المسلمين ويقول من يدل على رحل خالد بن الوليد .. فمشيت بين يديه وأنا محتلم أقول من يد

стр. 1119

على رحل خالد حتى حللنا على رحله .. فإذا خالد بن الوليد مستند إلى مؤخرة رحله فأتاه رسول الله ﷺ فنظر إلى جرحه ونفث فيه رسول الله ﷺ " (١) .. وقد أصيب غير واحد من الصحابة منهم: عبد الله بن أبي أوفى .. حيث يقول أحد الذين رأوا إصابته: "رأيت بِيَدِ ابن أبي أوفى ضربة .. قال ابن أبي أوفى: قد ضربتها مع النبي ﷺ يوم حنين" (٢) وهناك إصابات أخرى عديدة ألمت ببعض الصحابة أثناء المعركة .. لكن هناك ما هو أكثر من تفقد الجرحى والصلاة على الشهداء .. فقد كان الإِسلام على تلك الساحة حاضرًا بكليته بسماحته وعدله .. فعلى تلك الأرض وبعد انتهاء معركة حنين .. وبينما كان النبي ﷺ يتفقد جرحاه أحضر بعض الصحابة رجلًا من الصحابة أنفسهم ابتلى بحب الخمر فشربها فسكر وهو في ظرف تتجول فيه المنايا بين الجنود .. ولما مثل بين يديه ﷺ وتأكد من ارتكابه لجريمة الشرب أمر بـ: إقامة الحد على شارب الخمر يقول أحد الصحابة: "رأيت النبي ﷺ عام حنين سأل عن رحل خالد ابن الوليد فجريت بين يديه أسأل عن رحل خالد بن الوليد حتى أتاه جريحًا وأتي النبي ﷺ بشارب فقال: اضربوه. فضربوه بالأيدي والنعال وأطراف الثياب .. وحثوا عليه من التراب ثم قال النبي ﷺ : بكتوه فبكتوه

стр. 1120

ثم أرسله" (١) وقد طهر من ذنبه الذي ارتكبه لكي يعود من جديد لمشاركة إخوته في جهادهم ونشر دين ربهم .. فالمسلم لا يدع للمعصية فرصة لإعاقته عن البذل في سبيل الله والإبداع في مرضاته .. هي كبوة أو كبوات لكنها ليست أغلالًا إلا عند من يجهل أعماق هذا الدين وآفاقه .. أو عند من لا يرى في الآخرين سوى الزوايا المعتمة متغاضيًا عن تلك الجوانب الوضاءة المبدعة ومتغاضيًا عن تلك العتمة القابعة في أعماقه .. نهض ذلك الصحابي مع إخوته خلف نبيهم ﷺ الذي أمر بالتوجه لـ: حصار الطائف توجه ﷺ إلى الطائف لحصاره في الوقت الذي بعث فيه أبا عامر الأشعري لملاحقة مجموعة من المقاتلين كانوا تحت توجيه الشاعر الجاهلي الكبير دريد بن الصمة في معركة سميت: غزوة أوطاس - وقتل دريد بن الصمة حيث أوكل قيادة هذه السرية إلى أبي عامر الأشعري وذلك "لما فرغ النبي ﷺ من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس فلقي دريد بن الصمة فقتل دريد وهزم الله أصحابه قال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر فرمي أبو عامر في ركبته .. رماه جشمي بسهم فأثبته في ركبته .. فانتهيت إليه فقلت يا عم من رماك؟ فأشار .. فقال: ذاك قاتلي الذي رماني فقصدت له فلحقته .. فلما

стр. 1121

رآني ولى فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي؟ ألا تثبت؟ فكف فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته .. ثم قلت لأبي عامر: قتل الله صاحبك .. قال: فانزع هذا السهم .. فزعته فنزا منه الماء .. قال: يا ابن أخي أقرئ النبي ﷺ السلام وقل له: استغفر لي واستخلفني أبو عامر على الناس فمكث يسيرًا .. ثم مات .. فرجعت فدخلت على النبي ﷺ في بيته على سرير مرمل وعليه فراش قد أثر رمال السرير بظهره وجنبيه .. فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر وقلت له: قال: قل له: استغفر لي .. فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه فقال: اللَّهم اغفر لعبيد أبي عامر ورأيت بياض إبطيه ثم قال: اللَّهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس. فقلت: ولي .. فاستغفر فقال: اللَّهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه .. وأدخله يوم القيامة مدخلًا كريمًا" (١) في تلك الأتناء كان الطائف محاطًا بالقوات الإِسلامية المنتصرة المتوثبة وقد طال الحصار إلى مدة أحصاها أحد المقاتلين بقوله: "انطلقنا إلى الطائف فحاصرناهم أربعين ليلة" (٢) وهم في حصنهم المنيع فلم يستطع المسلمون اقتحامه وفتحه .. وقد استخدم النبي ﵊ كافة المحفزات على الفتح لدى جنوده حسب الوسائل المتاحة .. ولم يكن هناك أفضل من الرمي بالسهام بعد اختباء أهل الطائف خلف حصنهم .. يقول أحد الصحابة الذين استجابوا "حاصرنا مع رسول الله ﷺ حصن الطائف فسمعت رسول الله ﷺ يقول:

стр. 1122

من بلغ بسهم في سبيل الله فهو له عدل محرر (١) فبلغت يومئذ بستة عشر سهما فسمعت رسول الله ﷺ يقول: من رمى بسهم في سبيل الله فهو له درجة في الجنة .. ومن شاب شيبة في الإِسلام كانت به نورًا يوم القيامة .. وأيما رجل مسلم أعتق رجلًا مسلمًا فإن الله جاعل وفاء كل عظم من عظامها محرر من النار وأيما امرأة مسلمة أعتقت فإن الله جاعل وفاء كل عظم من عظامها محرر من النار" (٢) كان النبي ﷺ يجفف منابع الرق حول أسوار الطائف بل داخل أسوار الطائف بعد أن فشلت الأسهم فلم تُجْدِ شيئًا ورد أهل الطائف عليها فاستشهد صحابيان جليلان وسقطا دون أسوار الطائف المنيعة. بما حدا بالنبي ﷺ إلى استخدام أساليب جديدة في حربه مع مشركي الطائف .. من هذه الأساليب أسلوب نقل الحرب إلى داخل أسوار الطائف دون تكبد خسائر أو حتى أدنى مشقة وذلك عن طريق التحريض على التمرد والعصيان العام وذلك بتقديم إغراءات لمن يقوم بـ .. التمرد والفرار من أسوار الطائف هذا العرض يستفيد منه أناس لهم ثقلهم في حرب المدن وهم الأرقاء .. وهو عرض يواصل تجفيف الرق داخل الطائف نفسها .. فمن هرب من ديار الشرك من العبيد إلى معسكر المسلمين فهو حر كما حدث

стр. 1123

قبل عامين في الحديبية .. وقد استجاب ثلاثة وعشرون من أرقاء الطائف فهربوا وتدلوا كالفرح من تلك الأسوار .. أبرزهم رجل يدعى أبو بكرة الذي "نزل إلى النبي ﷺ ثالث ثلاثة وعشرين من الطائف" (١) حصل المسلمون على بعض ما أرادوا وانقذف الرعب في قلوب المشركين وأدركوا أن الفتح إن لم يحدث اليوم فهو قادم لا محالة .. أما في معسكر المسلمين فالدولة الإِسلامية كانت تمارس أنشطتها خلف أسوار الطائف وكأن الدولة ليست في حالة حرب .. كان ﷺ يمارس دوره التربوي حتى في ظروف الحرب فالقائد الناجح لا يتخلى عن مبادئه ومرتكزاته .. هي زاده وجراب زاده .. كان ﷺ يصحب زوجاته في تلك المعركة وبينما هو متوجه نحو خباء زوجته أم سلمة سمع كلمة أزعجته فبادر إلى إصلاحها وإصلاح قائلها وسامعها أيضًا .. فقد كان ضمن جيش المسلمين شخص لم يتحدد جنسه حتى الآن هل هو ذكر أم أنثى وكانوا يطلقون على هذا النوع من الناس لقب: (المخنث) وكان هذا الشخص جالسًا عند أم سلمة ويتحدث إلى أحد الصحابة بلهجة الرجال الذين يميلون إلى النساء .. كان يتكلم بطريقة فيها من قلة الذوق أمام النساء ما أغضب النبي ﷺ حيث تقول "أم سلمة ﵂: دخل علي النبي ﷺ وعندي مخنث فسمعه يقول لعبد الله ابن أمية يا عبد الله أرأيت إن فتح الله عليكم الطائف غدًا فعليك بابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان" (٢) فهو يصف امرأة بعينها ويسميها ويغري أحد المسلمين بجسدها الممتلئ حتى تثني بطنها من الإمام فأصبح أربعة أحزمة دهنية لدرجة أن بإمكانه رؤية أطراف تلك الأحزمة الدهنية

стр. 1124

من خلفها لأنها تطل من جوانبها .. أربعة من الجانب الأيمن ومثلها من الجانب الأيسر .. عندها "قال النبي ﷺ لا يدخلن هؤلاء عليكن" (١) .. فهذا الشخص يبدو أنه خبير بالطائف أو من أهلها وبدلًا من أن يكشف للمسلمين نقاط ضعف فيها تؤدي إلى فتحها .. أشغل نفسه بكشف العورات وإثارة غرائز المجاهدين .. ويبدو أنه يجهل أحكام الجهاد الصارمة وحرمة أعراض الأعداء حتى في حالة السبي وأن هناك أحكامًا للنصر يرجع فيها للنبي ﷺ .. فليس هناك إباحية أو همجية أو اغتصاب في غمرة الانتشاء بالنصر .. هناك انضباط وخوف من الله .. فالمسلم لم يخرج طلبًا للنساء ولا للمال والشهرة بل خرج طلبًا للموت في سبيل الله أن تكون كلمة الله هي العليا .. أما من يتهور في انتهاك الحرمات بدعوى أن أولئك النساء كافرات فهو يرتكب حماقة وجريمة خلقية تستحق اللعن .. ولما حاول أحد المسلمين فعل ذلك مع امرأة حامل غضب النبي ﷺ غضبًا كاد الرجل أن يحترق به وذلك لما "أتى بامرأة مجح على باب فسطاط فقال: لعله يريد أن يلم بها فقالوا: نعم .. فقال رسول الله ﷺ : لقد هممت أن ألعنه لعنًا يدخل معه قبره .. كيف يورثه وهو لا يحل له كيف يستخدمه وهو لا يحل له" (٢) لم يفلح ذلك الشخص بنصيحته بل خسر ثقة النبي ﷺ وأصحابه .. وخسر توقعاته بفتح الطائف فقد طالت مدة الحصار ولم تفلح جهود المسلمين في اقتحامها .. لذلك قرر ﷺ العودة إلى الجعرانة حيث تقبع الغنائم والسبي لكن بعض الصحابة تضايق من العودة دون دخول الطائف في الإِسلام مما جعلهم يعترضون على العودة ويصرون على القيام بـ

стр. 1125

آخر محاولة لفتح الطائف وذلك "لما حاصر رسول الله ﷺ الطائف لم ينل منهم شيئًا قال: إنا قافلون إن شاء الله .. فثقل عليهم وقالوا: نذهب ولا نفتحه؟ فقال: اغدوا على القتال .. فغدوا .. فأصابهم جراح فقال: إنا قافلون غدًا إن شاء الله .. فأعجبهم .. فضحك النبي ﷺ " (١) ثم أمر أصحابه بـ العودة إلى الجعرانة حيث تحرك الجيش تاركًا مشركي الطائف في حيرة من أمرهم فالشرك يذبل يومًا بعد يوم ومحمَّد يملك الجزيرة شبرًا فشبر .. وشمس التوحيد تشرق على الجميع إلا عليهم .. وأعوانهم وعضدهم أسرى في أيدي المسلمين قد تكوموا في الجعرانة كالذل .. نساء وأطفال ورجال وشيوخ وأموال وبهائم لا تعد ولا تحصى .. ورغم عجز المسلمين عن فتح الطائف إلا أنهم لم يعجزوا عن إيقاظ الإيمان المنطمر في أعماق أهل الطائف تحت أرتال العادات والتقاليد الجاهلية .. أما هوازن فقد خسرت كل شيء إلا قلب النبي ﷺ .. كان أفسح من حنين لهم ولأبنائهم ونسائهم وأطفالهم .. لقد كان ﷺ أرحم بهؤلاء من قادتهم الذين ساقوهم وخاطروا بهم .. بل كان أرحم بهم من أنفسهم .. فعندما وصل ﷺ إلى الجعرانة لم يبادر إلى تقسيم شيء من الغنائم أو السبي على أصحابه .. فقد كان
следующие страницы →