← Сира

Сира · id 123668

السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة

محمد الصوياني

Полный текст (1 354 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

رآني ولى فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي؟ ألا تثبت؟ فكف فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته .. ثم قلت لأبي عامر: قتل الله صاحبك .. قال: فانزع هذا السهم .. فزعته فنزا منه الماء .. قال: يا ابن أخي أقرئ النبي ﷺ السلام وقل له: استغفر لي واستخلفني أبو عامر على الناس فمكث يسيرًا .. ثم مات .. فرجعت فدخلت على النبي ﷺ في بيته على سرير مرمل وعليه فراش قد أثر رمال السرير بظهره وجنبيه .. فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر وقلت له: قال: قل له: استغفر لي .. فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه فقال: اللَّهم اغفر لعبيد أبي عامر ورأيت بياض إبطيه ثم قال: اللَّهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس. فقلت: ولي .. فاستغفر فقال: اللَّهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه .. وأدخله يوم القيامة مدخلًا كريمًا" (١) في تلك الأتناء كان الطائف محاطًا بالقوات الإِسلامية المنتصرة المتوثبة وقد طال الحصار إلى مدة أحصاها أحد المقاتلين بقوله: "انطلقنا إلى الطائف فحاصرناهم أربعين ليلة" (٢) وهم في حصنهم المنيع فلم يستطع المسلمون اقتحامه وفتحه .. وقد استخدم النبي ﵊ كافة المحفزات على الفتح لدى جنوده حسب الوسائل المتاحة .. ولم يكن هناك أفضل من الرمي بالسهام بعد اختباء أهل الطائف خلف حصنهم .. يقول أحد الصحابة الذين استجابوا "حاصرنا مع رسول الله ﷺ حصن الطائف فسمعت رسول الله ﷺ يقول:

стр. 1122

من بلغ بسهم في سبيل الله فهو له عدل محرر (١) فبلغت يومئذ بستة عشر سهما فسمعت رسول الله ﷺ يقول: من رمى بسهم في سبيل الله فهو له درجة في الجنة .. ومن شاب شيبة في الإِسلام كانت به نورًا يوم القيامة .. وأيما رجل مسلم أعتق رجلًا مسلمًا فإن الله جاعل وفاء كل عظم من عظامها محرر من النار وأيما امرأة مسلمة أعتقت فإن الله جاعل وفاء كل عظم من عظامها محرر من النار" (٢) كان النبي ﷺ يجفف منابع الرق حول أسوار الطائف بل داخل أسوار الطائف بعد أن فشلت الأسهم فلم تُجْدِ شيئًا ورد أهل الطائف عليها فاستشهد صحابيان جليلان وسقطا دون أسوار الطائف المنيعة. بما حدا بالنبي ﷺ إلى استخدام أساليب جديدة في حربه مع مشركي الطائف .. من هذه الأساليب أسلوب نقل الحرب إلى داخل أسوار الطائف دون تكبد خسائر أو حتى أدنى مشقة وذلك عن طريق التحريض على التمرد والعصيان العام وذلك بتقديم إغراءات لمن يقوم بـ .. التمرد والفرار من أسوار الطائف هذا العرض يستفيد منه أناس لهم ثقلهم في حرب المدن وهم الأرقاء .. وهو عرض يواصل تجفيف الرق داخل الطائف نفسها .. فمن هرب من ديار الشرك من العبيد إلى معسكر المسلمين فهو حر كما حدث

стр. 1123

قبل عامين في الحديبية .. وقد استجاب ثلاثة وعشرون من أرقاء الطائف فهربوا وتدلوا كالفرح من تلك الأسوار .. أبرزهم رجل يدعى أبو بكرة الذي "نزل إلى النبي ﷺ ثالث ثلاثة وعشرين من الطائف" (١) حصل المسلمون على بعض ما أرادوا وانقذف الرعب في قلوب المشركين وأدركوا أن الفتح إن لم يحدث اليوم فهو قادم لا محالة .. أما في معسكر المسلمين فالدولة الإِسلامية كانت تمارس أنشطتها خلف أسوار الطائف وكأن الدولة ليست في حالة حرب .. كان ﷺ يمارس دوره التربوي حتى في ظروف الحرب فالقائد الناجح لا يتخلى عن مبادئه ومرتكزاته .. هي زاده وجراب زاده .. كان ﷺ يصحب زوجاته في تلك المعركة وبينما هو متوجه نحو خباء زوجته أم سلمة سمع كلمة أزعجته فبادر إلى إصلاحها وإصلاح قائلها وسامعها أيضًا .. فقد كان ضمن جيش المسلمين شخص لم يتحدد جنسه حتى الآن هل هو ذكر أم أنثى وكانوا يطلقون على هذا النوع من الناس لقب: (المخنث) وكان هذا الشخص جالسًا عند أم سلمة ويتحدث إلى أحد الصحابة بلهجة الرجال الذين يميلون إلى النساء .. كان يتكلم بطريقة فيها من قلة الذوق أمام النساء ما أغضب النبي ﷺ حيث تقول "أم سلمة ﵂: دخل علي النبي ﷺ وعندي مخنث فسمعه يقول لعبد الله ابن أمية يا عبد الله أرأيت إن فتح الله عليكم الطائف غدًا فعليك بابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان" (٢) فهو يصف امرأة بعينها ويسميها ويغري أحد المسلمين بجسدها الممتلئ حتى تثني بطنها من الإمام فأصبح أربعة أحزمة دهنية لدرجة أن بإمكانه رؤية أطراف تلك الأحزمة الدهنية

стр. 1124

من خلفها لأنها تطل من جوانبها .. أربعة من الجانب الأيمن ومثلها من الجانب الأيسر .. عندها "قال النبي ﷺ لا يدخلن هؤلاء عليكن" (١) .. فهذا الشخص يبدو أنه خبير بالطائف أو من أهلها وبدلًا من أن يكشف للمسلمين نقاط ضعف فيها تؤدي إلى فتحها .. أشغل نفسه بكشف العورات وإثارة غرائز المجاهدين .. ويبدو أنه يجهل أحكام الجهاد الصارمة وحرمة أعراض الأعداء حتى في حالة السبي وأن هناك أحكامًا للنصر يرجع فيها للنبي ﷺ .. فليس هناك إباحية أو همجية أو اغتصاب في غمرة الانتشاء بالنصر .. هناك انضباط وخوف من الله .. فالمسلم لم يخرج طلبًا للنساء ولا للمال والشهرة بل خرج طلبًا للموت في سبيل الله أن تكون كلمة الله هي العليا .. أما من يتهور في انتهاك الحرمات بدعوى أن أولئك النساء كافرات فهو يرتكب حماقة وجريمة خلقية تستحق اللعن .. ولما حاول أحد المسلمين فعل ذلك مع امرأة حامل غضب النبي ﷺ غضبًا كاد الرجل أن يحترق به وذلك لما "أتى بامرأة مجح على باب فسطاط فقال: لعله يريد أن يلم بها فقالوا: نعم .. فقال رسول الله ﷺ : لقد هممت أن ألعنه لعنًا يدخل معه قبره .. كيف يورثه وهو لا يحل له كيف يستخدمه وهو لا يحل له" (٢) لم يفلح ذلك الشخص بنصيحته بل خسر ثقة النبي ﷺ وأصحابه .. وخسر توقعاته بفتح الطائف فقد طالت مدة الحصار ولم تفلح جهود المسلمين في اقتحامها .. لذلك قرر ﷺ العودة إلى الجعرانة حيث تقبع الغنائم والسبي لكن بعض الصحابة تضايق من العودة دون دخول الطائف في الإِسلام مما جعلهم يعترضون على العودة ويصرون على القيام بـ

стр. 1125

آخر محاولة لفتح الطائف وذلك "لما حاصر رسول الله ﷺ الطائف لم ينل منهم شيئًا قال: إنا قافلون إن شاء الله .. فثقل عليهم وقالوا: نذهب ولا نفتحه؟ فقال: اغدوا على القتال .. فغدوا .. فأصابهم جراح فقال: إنا قافلون غدًا إن شاء الله .. فأعجبهم .. فضحك النبي ﷺ " (١) ثم أمر أصحابه بـ العودة إلى الجعرانة حيث تحرك الجيش تاركًا مشركي الطائف في حيرة من أمرهم فالشرك يذبل يومًا بعد يوم ومحمَّد يملك الجزيرة شبرًا فشبر .. وشمس التوحيد تشرق على الجميع إلا عليهم .. وأعوانهم وعضدهم أسرى في أيدي المسلمين قد تكوموا في الجعرانة كالذل .. نساء وأطفال ورجال وشيوخ وأموال وبهائم لا تعد ولا تحصى .. ورغم عجز المسلمين عن فتح الطائف إلا أنهم لم يعجزوا عن إيقاظ الإيمان المنطمر في أعماق أهل الطائف تحت أرتال العادات والتقاليد الجاهلية .. أما هوازن فقد خسرت كل شيء إلا قلب النبي ﷺ .. كان أفسح من حنين لهم ولأبنائهم ونسائهم وأطفالهم .. لقد كان ﷺ أرحم بهؤلاء من قادتهم الذين ساقوهم وخاطروا بهم .. بل كان أرحم بهم من أنفسهم .. فعندما وصل ﷺ إلى الجعرانة لم يبادر إلى تقسيم شيء من الغنائم أو السبي على أصحابه .. فقد كان

стр. 1126

النبي يريد رد الغنائم على هوازن ولذلك انتظر عودتهم على أرض الجعرانة أيامًا قال عنها أحد الصحابة "وكان النبي ﷺ انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف" (١) ولما لم يعودوا قام ﵇ بـ: توزيع الغنائم وقد كانت طريقة النبي ﷺ في توزيع الغنائم على غير المعتاد .. كانت طريقة تناسب هذه الظروف الجديدة تمامًا .. فقد دخل في الإِسلام أعداد لا حصر لها ما بين يوم وليلة .. وهذه النوعية من الناس تحتاج إلى من يعمق جذور الإيمان الغضة الطرية في داخلها لأنها عرضة للتلف في العراء .. وقد تبين ذلك قبل أيام على أرض حنين عندما هرب الأعراب والطلقاء ومن أسلم حديثًا وتركوا النبي ﷺ على أرض المعركة .. كانت كثرتهم غير مجدية بل ضارة ومعيقة .. ومن أجل هذا انسابت الغنائم بشكل أثار استغراب الكثيرين لكنه بُعْد نظر النبي ﷺ وسعة أفقه .. فرغم أن تلك الغنائم كانت هائلة جدًا وكثيرة جدًا إلا أن شيئًا منها لم يذهب إلى أحق الناس بها وهم الأنصار .. كانت غنائم حنين تقييمًا للإيمان والمؤمنين لا مكافأة هذه المرة .. كان توزيعها نقلة نوعية في طريقة الدعوة عند ما تتهاوى الدول أمام زحف الدولة الإِسلامية .. لأن الشدة وحدها توجد تلك النوعيات الفذة والممتازة من الرجال أما الرخاء فحلفاء الرخاء والرفاه كثيرون .. بدأ ﷺ بتوزيع الغنائم فهجم الأعراب الذين هربوا من المعركة عليه بأسلوب فوضوي قال عنه أحد الذين كانوا برفقته ﷺ في

стр. 1127

تلك اللحظات: "إنه بينما يسير هو مع رسول الله ﷺ ومعه الناس مقفلة من حنين فعلقه الناس يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه فوقف النبي ﷺ فقال: أعطوني ردائي لو كان لي عدد هذه العضاه نعمًا لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلًا ولا كذوبًا ولا جبانًا" (١) ثم حذرهم ﵇ من الغلول وهو الاختلاس من الغنائم دون إذن منه فكانت هذه القصة الأنصارية: قصة الأنصاري وخيوط الشعر وذلك بعد أن: "اتبعه الناس يقولون يا رسول الله اقسم علينا فيئنا من الإبل والغنم حتى ألجؤوه [إلى سمرة] .. فاختطفت الشجرة عنه رداءه فقال: ردوا علي ردائي أيها الناس فوالله لو كان لي عدد شجر تهامة نعمًا لقسمتها عليكم ثم ما لقيتموني بخيلًا ولا جبانًا ولا كذابًا .. ثم قام إلى جنب بعير فأخذ وبرة من سنامه فجعلها بين أصبعيه ثم رفعها فقال: أيها الناس إنه والله ليس لي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس والخمس مردود عليكم .. فأدوا الخياط والمخيط فإن الغلول يكون على أهله عارًا ونارًا وشنارًا يوم القيامة. فجاءه رجل من الأنصار بكبة من خيوط شعر فقال: يا رسول الله .. أخذت هذه الكبة أعمل بها برذعة بعير لي دبر .. قال: أما نصيبي منها فلك فقال: إنه إذا بلغت هذه فلا حاجة لي بها ثم طرحها من يده" (٢) .. فلا حاجة

стр. 1128

له في إفساد جهده وجهاده من أجل كنوز الدنيا فكيف يفسده من أجل كومن من شعر تافه رخيص .. هذا هو الجيش الإِسلامي المنطلق من الكتاب والسنة لا من ثكنات التشريعات العسكرية البشرية التي عجزت عن ضبط جنودها عن النهب والسلب والاغتصاب وقائمة شنيعة من جرائم الحرب بل عجزت عن ضبطهم حتى ضد أنفسهم .. أما محمَّد ﵇ فبكلمة واحدة تم كل شيء لأنه لا يخاطب جنوده من الخارج بل يشيدهم من الداخل .. هو صوت دائم في أعماقهم يجذر خوف الله قبل كل شيء فيهم .. وها هو صوته الذي لا يخبو ينادي من أجل ذلك رجالًا ليس لهم تاريخ ولا رصيد حتى الآن في الإِسلام .. بل إن بعضهم سخر كل ما يملك من أجل القضاء على هذا الدين .. ومع ذلك وفي أصفى لحظات الانتقام يطل محمَّد ﷺ رحمة وعطاء أخجلهم طوال حياتهم وعرفهم بربهم تعريفًا جديدًا لا تحجبه الأحقاد .. استدعى ﷺ أبا سفيان بن حرب وعيينة بن حصن والأقرع ابن حابس فحولهم إلى أثرياء في لحظات كان الجميع يترقب أن يكون الثراء من نصيب أبي بكر أو عمر أو علي أو سعد بن عبادة أو أسيد بن حضير أو غيرهم من عمالقة الأنصار والمهاجرين .. استدعى ﷺ أولئك الرجال فـ "أعطى النبي ﷺ من غنائم حنين الأقرع بن حابس مائة من الإبل وعيينة بن حصين مائة من الإبل فقال ناس من الأنصار: يعطي رسول الله ﷺ غنائمنا ناسًا تقطر سيوفهم من دمائنا أو تقطر سيوفنا من دمائهم فبلغه ذلك" (١) كان هذا الكلام صادرًا من بعض فتيان الأنصار المتحمسين والذين

стр. 1129

يرون في الغنائم أوسمة للمحاربين ومكافأة لهم والأقرع وعيينة وأبو سفيان وأمثالهم لا يستحقون مثل هذا التكريم نظرًا لتاريخهم البعيد وحتى القريب حيث فروا من أرض المعركة .. هذه الكلمات غير المتزنة والتي ينقصها التروي وبعد النظر وجدت خصوبة لدى أحد المتهورين من فتيان الأنصار فأطلق كلمات غيرت وجه النبي ﷺ وعكرت صفو انتصاره بعد أن نقلها له أحد الصحابة الذي يروي ما حدث من: الاحتجاج على توزيع الغنائم فيقول: "لما قسم النبي ﷺ قسمة حنين قال رجل من الأنصار ما أراد بها وجه الله" (١) وذلك حين "آثر رسول الله ﷺ ناسًا في القسمة وأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وأعطى عيينة مثل ذلك وأعطى أناسًا من أشراف العرب وآثرهم يومئذ في القسمة فقال رجل والله إن هذه لقسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله .. فقلت: والله لأخبرن رسول الله ﷺ .. قال: فأتيته فأخبرته بما قال .. فتغير وجهه حتى كان كالصرف (٢) .. فغضب من ذلك غضبًا شديدًا واحمر وجهه حتى تمنيت أني لم أذكره له .. ثم قال: فمن يعدل إن لم يعدل الله ورسوله .. ثم قال: يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر .. قلت: لا جرم لا أرفع إليه بعدها حديثًا" (٣) لم يكن ذلك الأنصاري الطائش وحده الذي تطاول على النبي ﷺ واتهمه بعدم العدل فإن أبا سعيد الخدري ﵁ سمع ورأى متهورًا آخر يتهم النبي ﷺ ويعلن عن

стр. 1130

مولد أول الطوائف المتطرفة وهي طائفة الخوارج الذين غرتهم كثرة عبادتهم فتوجهوا نحو عيوب الناس وتناسوا عيوبهم فجرهم ذلك إلى قذف التهم يمينًا وشمالًا .. وتطاولوا فتسوروا القلوب واقتحموا النوايا ورسموها لا كما هي بل كما يريدون وكما تشكلت في مخيلتهم المريضة .. والنوايا حصون منيعة لم يجرؤ النبي ﷺ على اقتحامها يومًا إلا بوحي يحمله جبريل .. أما هؤلاء الخوارج فتطوعوا لاقتحام واكتشاف ما عجز عنه النبي ﷺ .. بل تجرأ أحدهم اليوم على تصحيح الوحي ذاته ونقد النبوة .. يقول أبو سعيد ﵁: "بينما نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم قسمًا أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم فقال: يا رسول الله اعدل فقال: ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه .. فقال: دعه فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم .. يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء .. ثم ينظر إلى رصافه فما يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه وهو قدحه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء .. قد سبق الفرث والدم آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر ويخرجون على حين فرقة من الناس. قال أبو سعيد فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله ﷺ " (١)

стр. 1131

عن هؤلاء الخوارج الذين ذكر النبي ﷺ مزيدًا من صفاتهم حتى لا ينخدع الناس بكثرة ركوعهم وسجودهم وصيامهم وقراءتهم للقرآن ولا بكثرة حلقهم لرؤوسهم .. يقول ﵊: "يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية يمرقون من الإِسلام كما يمرق السهم من الرمية .. لا يجاوز إيمانهم حناجرهم فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة" (١) "قيل ما سيماهم قال سيماهم التحليق" (٢) أي حلق شعر الرأس .. لكن هذا الخارجي يعتبر شاذًا اليوم أمام الحضور الغامر والجميل لكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ .. أما غير الشاذ على ساحة الجعرانة فهو إحساس بعض شباب الأنصار ببعض الغضاضة من ذهاب الغنائم إلى رجال لم يعرفوا الإِسلام إلا منذ أيام عندما قام ﷺ "فقسم في المهاجرين والطلقاء ولم يعط الأنصار شيئًا فقالت الأنصار إذا كانت الشدة فنحن ندعى وتعطى الغنائم غيرنا" (٣) .. أحس ﷺ بعتاب الأنصار وحبهم يتمددان في صدره فأحب أن يقدم لهم كنوزًا لا يستحقها سواهم .. ومجدًا لا يطاوله سواهم في الوقت الذي يفرح غيرهم بخشاش الأرض .. وذلك "لما قسم رسول الله ﷺ السبي بالجعرانة أعطى عطايا قريشًا وغيرها من العرب [أعطى رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعيينة ابن حصن والأقرع بن حابس كل إنسان منهم مائة من الإبل وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك فقال عباس بن مرداس: أتجعل نهبي ونهب العبيد ... بين عيينة والأقرع

стр. 1132

فما كان بدر ولا حابس ... يفوقان مرداس في المجمع وما كنت دون امرئ منهما ... ومن تخفض اليوم لا يرفع قال فتم له رسول الله ﷺ مائة] (١) ولم يكن في الأنصار منها شيء فكثرت القالة وفشت حتى قال قائلهم أما رسول الله فقد لقي قومه .. فأرسل إلى سعد بن عبادة فقال ما مقاله بلغني عن قومك أكثروا فيها؟ فقال له سعد: فقدكان ما بلغك. قال: فأين أنت من ذلك؟ قال: ما أنا إلا رجل من قومي .. فاشتد غضبه وقال: اجمع قومك ولا يكن معهم غيرهم. فجمعهم في حظيرة من حظائر النبي ﷺ وقام على بابها وجعل لا يترك إلا من كان من قومه وقد ترك رجالًا من المهاجرين وزاد أناسًا .. ثم جاء النبي ﷺ يعرف في وجهه الغضب [فقال: هل فيكم من غيركم قالوا: لا إلا ابن أخت لنا .. فقال رسول الله ﷺ : ابن أخت القوم منهم] (٢) [فجمعهم في قبة من آدم فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله ﷺ فقال: ما حديث بلغني عنكم؟ فقال له فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا يا رسول الله فلم يقولوا شيئًا .. وأما أناس منا حديثة أسنانهم قالوا: يغفر الله لرسوله يعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم .. فقال رسول الله ﷺ : فإني أعطي رجالًا حديثي عهد بكفر أتألفهم] (٣)

стр. 1133

فقال: يا معشر الأنصار .. ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله؟ فجعلوا يقولون: نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله. يا معشر الأنصار .. ألم أجدكم عالة فأغناكم الله؟ فجعلوا يقولون: نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله. يا معشر الأنصار: ألم أجدكم أعداء فألف الله بين قلوبكم؟ فيقولون: نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله. فقال: ألا تجيبون؟ قالوا: الله ورسوله آمن وأفضل. فلما سري عنه قال ولو شئتم لقلتم فصدقتم: ألم نجدك طريدًا فآويناك ومكذبًا فصدقناك وعائلًا فآسيناك ومخذولًا فنصرناك؟ فجعلوا يبكون ويقولون الله ورسوله آمن وأفضل. قال: أوجدتم من شيء من دنيا أعطيتها قومًا أتألفهم على الإِسلام وكلتكم إلى إسلامكم. لو سلك الناس واديًا أو شعبًا وسلكتم واديًا وشعبًا لسلكت واديكم أو شعبكم وأنتم شعار والناس دثار ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار [الأنصار كرشي وعيبتي] (١) ثم رفع يديه حتى إني لأرى ما تحت منكبيه فقال:

стр. 1134

اللَّهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار. أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله إلى بيوتكم؟ فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وانصرفوا وهم يقولون رضينا بالله ربًا وبرسوله حظًا ونصيبًا" (١) بعد أن أشار ﷺ إلى مواقعهم ومواقع غيرهم .. وأراهم هول الكنوز والأمجاد الخالدة التي سيسافرون بها عبر التاريخ .. فهم وحدهم الذين استدعاهم النبي ﵇ في الشدة بعد أن هرب الناس وتركوه .. وهم وحدهم الذين لم يقبضوا شيئًا من تلك المعركة التي هي في الحقيقة معركتهم وحدهم .. وهم وحدهم غنموا النبي ﵇ وفازوا به .. بينما فاز غيرهم بالبقر والماعز .. أفاق الأنصار من كبوة عابرة وتجلى حب الله لهم قبل أن يحركوا رواحلهم من هذا المكان المزدحم بالعواطف الجياشة فقد حدث شيء سار ومفرح للنبي ﷺ وأصحابه خاصة الأنصار وذلك عندما شاهدوا جميعًا: هوازن كلها تدخل في الإسلام ها هي خيل فرسانهم تنهب الأرض نحو الجعرانة تبحث عن رسول الله ﷺ لا لتقاتله بل لتسلم وترجوه أن يطلق أطفالها ونساءها وأموالها ويحررها لتعود بها .. لكن الوقت قد فات فقد انتظرهم النبي ﷺ أكثر من عشرة أيام في هذا الوقت كان عمر بن الخطاب ﵁ قد سبق الجميع إلى مكة ... وذلك لـ

стр. 1135

وفاء نذر نذره عمر في الجاهلية يقول ابنه عبد الله بن عمر "إن عمر بن الخطاب سأل رسول الله ﷺ وهو بالجعرانة بعد أن رجع من الطائف فقال: يا رسول الله .. إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يومًا في المسجد الحرام فكيف ترى؟ قال: اذهب فاعتكف يومًا" (١) فهو وإن كان نذر طاعة إلا أنه عبادة تحتاج إلى سؤال النبي ﷺ لأخذ شرعيتها .. لأن العبادات في الإِسلام محرمة إلا إذا كان لها دليل من كلام الله أو موافقة نبيه ﷺ .. وهذا النذر كصلاة بلال عندما "قال رسول الله ﷺ لبلال عند صلاة الغداة: يا بلال .. حدثني بأرجى عمل عملته عندك في الإِسلام منفعة فإني سمعت الليلة خشف نعليك بين يدي في الجنة قال بلال: ما عملت عملًا في الإِسلام أرجى عندي منفعة من أني لا أتطهر طهورًا تامًا في ساعة من ليل ولا نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي" (٢) فلو لم يقر النبي ﷺ فعل بلال لتحول ذلك العمل إلى ابتداع مرفوض في الإِسلام .. فذات يوم و"بينا النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم .. فسأل عنه .. فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم .. فقال النبي ﷺ : مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه" (٣) فقد وافقه النبي ﷺ على نذر الطاعة فقط وهو الصوم واحتج على نذر المعصية وأبطله .. ففي الإِسلام يجب أن تظل العبادة نقية من الزيادة والنقصان والغلو حتى يبقى هذا الدين نقيًا كما أنزل .. وحتى لا يتكئ

стр. 1136

المسلم على فعل عمر أو بلال أو أبي إسرائيل ﵃ بدعوى أن الصحابة لا يمكن أن يخالفوا رسول الله ﷺ .. وهذا المنطق المقبول يعكر عليه كون الصحابة غير معصومين فهم يخطئون وينسون بينما النبي ﷺ لا ينطق عن الهوى وقد عصمه الله عن الخطأ في التبليغ والتشريع .. والمستند الوحيد المقبول هو فعله وقوله وموافقته ﷺ .. لأنه هو وحده الذي يوحى إليه .. وهو وحده النبي بل وخاتم النبيين عليهم الصلاة والسلام وآخرهم والبقية تبع لمحمد ﷺ وبذلك نضمن بقاء الإِسلام جديدًا طريًا نشربه من النبع لا من الفروع التي قد تلتاث عبر التاريخ بالأهواء والعواطف والنزوات .. إذًا فقد أقر النبي ﷺ عمر على نذر الطاعة في الجاهلية وهو الآن في مكة ليفي بنذره .. في الوقت نفسه وصل مقاتلوا قبيلة هوازن إلى أرض الجعرانة معلنين إسلامهم وانضوائهم تحت لواء الإِسلام راجين من النبي ﷺ أن يحرر أطفالهم ونساءهم وأموالهم .. فـ هل ستحصل هوازن على ما طلبته أحد شهود العيان "عبد الله بن عمرو بن العاص قال أتى وفد هوازن رسول الله ﷺ وهو بالجعرانة وقد أسلموا فقالوا: يا رسول الله .. إنا أصل وعشيرة وقد أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك فامنن علينا منَّ الله عليك. فقام رجل من هوازن أحد بني سعد بن بكر وكان بنو سعد هم الذين أرضعوا رسول الله ﷺ يقال له زهير بن صرد وكان يكنى بأبي صرد فقال:

стр. 1137

يا رسول الله .. إنما في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك ولو أننا ملحنا للحارث بن أبي شمر أو للنعمان بن المنذر ثم نزل منا بمثل ما نزلت به رجونا عطفه وعائدته وأنت خير المكفولين .. ثم قال: امنن علينا رسول الله في كرم ... فإنك المرء نرجوه وندخر امنن على بيضة قد عاقها قدر ... ممزق شملها في دهرها غير في أبيات قالها فقال رسول الله ﷺ : أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ فقالوا يا رسول الله: خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا بل ترد علينا نساءنا وأبناءنا فهم أحب إلينا فقال: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم فإذا أنا صليت بالناس فقولوا: إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين وبالمسلمن إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا فسأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم .. فلما صلى رسول الله ﷺ بالناس الظهر قاموا فتكلموا بالذي أمرهم به؛ فقال رسول الله أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله، وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله. قال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا، وقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا. قالت بنو سليم: ما كان لنا فهو لرسول الله .. قال العباس لبني سليم: وهنتموني. فقال رسول الله ﷺ : أما من تمسك بحقه من هذا السبي منكم فله بكل إنسان ست فرائض من أول شيء نصيبه فردوا إلى الناس أبناءهم

стр. 1138

ونساءهم" (١) .. وعادت هوازن مبتهجة مجموعة الشمل بالإسلام والنساء والأطفال ونهض الجيش المسلم متوجهًا نحو مكة لأداء العمرة مع النبي ﷺ وتمايلت مطايا الأنصار تحمل النبي ﷺ فهو غنيمتها من هذه المعركة العظيمة .. وفي الطريق توقف النبي ﷺ ومن معه لأداء الصلاة ولما بدأ المؤذن بالنداء للصلاة انطلقت صيحات غريبة من خارج المعسكر المسلم .. كانوا: مجموعة من الشباب يسخرون من الأذان ويقومون بترديد ما يقوله مقلدين صوته الجميل وساخرين منه .. وكان أشدهم تقليدًا هو أكثرهم بغضًا للنبي ﷺ ولدينه .. وصلت صيحات الساخرين إلى مسامع النبي ﷺ فتحرك نحو الصوت المستهزئ حاملًا في صدره حلم الداعية ووعي المربي وبأسلوب عذب وراق ودون تجهم وجه أو تشنج أو ضجيج تهادى نحو أولئك الفتيان برفق .. وقدم للتربويين في كل الدنيا درسا في استغلال الطاقات وعدم إهدار القدرات .. فحدثت هذه القصة التي يرويها أبو محذورة .. وأبو محذورة هذا هو ذلك الشاب الذي كان شديد البغض والتقليد للاذان وأهله حيث يقول "نعم خرجت في نفر فكنا ببعض طريق حنين .. فقفل رسول الله ﷺ من حنين فلقينا رسول الله ﷺ ببعض الطريق .. فأذن مؤذن

стр. 1139

رسول الله ﷺ بالصلاة عند رسول الله ﷺ فسمعنا صوت المؤذن ونحن متنكبون فصرخنا نحكيه ونستهزئ به .. فسمع رسول الله ﷺ الصوت فأرسل إلينا إلى أن وقفنا بين يديه .. فقال رسول الله ﷺ : أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع فأشار القوم كلهم إلي وصدقوا فأرسل كلهم وحبسني فقال: قم فأذن بالصلاة فقمت ولا شيء أكره إلي من رسول الله ﷺ ولا مما يأمرني به .. فقمت بين يدي رسول الله ﷺ فألقى إلي رسول الله ﷺ التأذين هو نفسه فقال قل: (١) "الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله ثم يعود فيقول أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله حي على الصلاة مرتين حي على الفلاح مرتين الله أكبر الله أكبر ... لا إله إلا الله" (٢) تم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صرة فيها شيء من فضة ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة ثم أمارها على وجهه مرتين ثم مرتين على يديه ثم على كبده ثم بلغت يد رسول الله ﷺ سرة أبي محذورة ثم قال رسول الله ﷺ : بارك الله فيك.

стр. 1140

فقلت: يا رسول الله .. مرني بالتأذين بمكة .. فقال قد أمرتك به وذهب كل شيء كان لرسول الله ﷺ من كراهية وعاد ذلك محبة لرسول الله ﷺ فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول الله ﷺ بمكة فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله ﷺ " (١) الذي لم يعنفه ولم يأمر بقطع رأسه بل اكتفى بالنظر داخل هذا الفتى فوجد طيشًا يحتاج إلى من يترفق به .. ووجد مواهب ليس من العدل سكبها على الطريق .. أما الفتى فوجد من يعتني به ويقدر ما لديه فاحتضنه بقلبه وتحول إلى أحب الناس إليه .. ولم يكتف بذلك بل طلب من النبي ﷺ في الحال أن يوظف ما لديه من قدرات في الخير له وللناس فكان ما أراد .. فمحمد ﷺ أفضل بيئة لتفجير الإبداع ورعاية المواهب ولكن نحو خير البشرية ورفاهها .. لذلك أطلق ذلك الفتى وانطلق بجيشه نحو مكة لـ أداء العمرة .. وصل النبي ﷺ إلى مكة فأدى العمرة وهذه العمرة هي الثالثة بعد عمرة الحديبية وعمرة القضاء .. ثم وفى بعهد الحب بينه وبين الأنصار فانطلق نحو شعاب الأنصار .. لكن قبل أن ينطلق قام ﷺ بـ

стр. 1141

إعادة أدراع صفوان بن أمية فقد "استعار رسول الله ﷺ من صفوان بن أمية سلاحًا .. فقال صفوان: أعارية أم غصب فقال: بل عارية .. فأعاره ما بين الثلاثين إلى أربعين درعًا .. فغزا رسول الله ﷺ حنينًا فلما هزم الله المشركين قال رسول الله ﷺ : اجمعوا أدراع صفوان ففقدوا من دروعه أدراعًا فقال رسول الله ﷺ لصفوان: إن شئت غرمناها لك .. فقال: يا رسول الله .. إن في قلبي اليوم من الإيمان ما لم يكن يومئذ" (١). لقد أخجله كرم النبي ﷺ الغامر وتسامحه وسعة حلمه فأصبح لا يرى في الدنيا غير محمَّد وأخلاق محمَّد ودين محمَّد .. فبمثل هذا المستوى من الأخلاق تنتزع القلوب .. وتتهاوى تلك الجدران الغليظة التي تحول بين صاحبها وبين استمراء الحقيقة والانفتاح عليها .. والنبي ﷺ لم يؤثر على كثير من الناس بسبب كثرة صلاته وصيامه أو مظهره .. فبالإضافة إلى حمله حقيقة كالنهار فإنه يحمل معها أخلاقًا كالماء البارد للعطشى والمتعبين .. يعفو عن هذا ويعطي هذا ويثني على ذاك ويمدح رابعًا ويتنازل لخامس و .. ويبتسم في وجه الجميع ويصدق مع الجميع ويفي بوعوده ويلتزم بمواثيقه ولا ينتقم لنفسه .. وقائمة طويلة من

стр. 1142

الأخلاق البيضاء التي أعيى الكثير من المتدينين وغير المتدينين حملها .. فتلك الصفات أثقل من الجبل إذا لم يتخلَّ الإنسان عن أنانيته وذاته الكثيفة المعتمة التي لا يرى معها سواها .. أما أولئك الذين يضعون أنفسهم ضمن الجميع ويحكمون عليها كما يحكمون على الجميع ويحبون للجميع ما يحبونه لها فهم تلك النوعية الممتازة من البشر التي تستمع بممارسة الأخلاق وتبدع في إهدائها .. وهذا ما يجيده النبي ﷺ وبه تمكن من أخذ صفوان بن أمية .. رغم أن صفوان لا يزال حتى الآن في مكة .. أما النبي ﷺ فقد حمله الأنصار نحو شعبهم عندما توجه الناس نحو شعابهم .. ومعه المهاجرون الأبرار .. ولم يمض من الوقت غير قليل حتى تمايلت المطايا نحو المدينة فإذا: صفوان بن أمية في المدينة حيث تحول الوطن عنده إلى مساحات يرسمها قلب النبي ﷺ .. ففي مكة ولما "قيل لصفوان: إنه من لم يهاجر هلك فدعا براحلته فركبها فأتى المدينة فقال له رسول الله ﷺ : ما جاء بك يا أبا وهب؟ قال: بلغني أنه لا دين لمن لا هجرة له قال ارجع إلى أباطح مكة فرجع" (١) لكنه كان متعبًا "فدخل المسجد فتوسد رداء فجاء رجل فسرقه فأتي به النبي ﷺ .. فقال: يا رسول الله سرق هذا ردائي فأمر النبي ﷺ بقطعه.

стр. 1143

فقلت: يا رسول الله لم يبلغ ردائي ما تقطع فيه يد رجل قد جعلتها صدقة عليه. فقال رسول الله ﷺ فهلا قبل أن تأتيني به" (١) فالشفاعة تجوز عندما تكون الشكوى في طريقها إلى الحاكم أما إذا وصلت إليه فإن الشفاعة تتحول إلى جرم خطير يهدد الأمن الداخلي للدولة ويمكن للفساد من التسلل إلى جهاز القضاء والعدالة فيها .. وفي التشريع الإِسلامي حدود خمسة لا تجوز الشفاعة فيها هي: حد السرقة .. وحد شرب الخمر .. وحد الزنا .. وحد القذف .. وحد الحرابة. وهي حدود ضرورية لحماية الدماء والأموال والأعراض والعقول والأنساب ولا خير في حياة تمتهن تلك الأشياء التي تعادل الحياة نفسها .. وتميز الإنسان وترفعه عن مرتبة الحيوان .. فليس من المستغرب أن يرتكس الإنسان إلى درجة أسفل من درجة الحيوان في تلك اللحظات التي ينتهك فيها تلك الأشياء .. لأنه قد يفعل ذلك بوعي وإرادة وترتيب .. أما الحيوان فهو يسفك ويفترس بدافع غريزي بحت ودون وعي أو ترتيب مسبق .. تلك الأفعال التي يقوم بها الحيوان هي شرط الحياة الوحيد الذي يملكه وهو شرط مبرمج داخله من الخالق سبحانه .. أي أنه لا يمكن له العيش دون ذلك .. أما الإنسان فله طرق كثيرة جدًا للعيش دون الإضرار

стр. 1144

بالآخرين لكنه يختار أحيانًا طرقًا شديدة الضرر. بمحض إرادته إرضاءً لغروره أو جشعه أو نوازع الحقد في داخله .. أو تحت تأثير العاطفة والشهوة وهي أشياء لا تمت للضرورة أو للصراع من أجل البقاء بصلة .. ومسؤولية الفرد الشخصية أمر جعله الإِسلام من ثوابته .. والنبي ﷺ يمارس تطبيقه الآن مع هذا السارق على أرض المدينة لا سيما وهو يسرق شيئًا ليس مضطرًا للحصول عليه للبقاء حيًا .. كما أنه مارس ذلك داخل المسجد وباعترافه هو .. مع أن النبي ﷺ لم يكن في مثل هذه الحالة يمارس الحبس على ذمة التحقيق أو التعذيب لانتزاع الاعتراف بالقوة القهر .. كان ﷺ يقرر قاعدة الوقوف مع المتهم حتى تثبت عليه التهمة .. فقد "أتي بسارق قد سرق شملة فقالوا: يا رسول الله .. إن هذا سرق .. فقال رسول الله ﷺ : ما أخاله سرق فقال السارق: بلى يا رسول الله .. فقال رسول الله ﷺ : اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه ثم إيتوني به فقطع .. ثم أتي به فقال: تب إلى الله .. فقال: تبت إلى الله .. فقال: تاب الله عليك" (١) فتطبيق الحد لا يعني أن ينصرف المذنب وهو يحس أنه مراقب من قبل السلطة والمجتمع فقط لأن تلك الرقابة تذوب متى ما أمن العقوبة وتوفرت له سبل الفرار والخروج والتحايل على النظام .. أما الإِسلام فيجذر في أعماق الفرد رقابة الله والخوف منه قبل كل شيء .. فالله لا يغفو ولا ينام ولا تخفى عليه خافية وبذلك يتوفر لدى الشريعة الإِسلامية وحدها رقابتان: من الداخل

стр. 1145

حيث استشعار مراقبة الله ومن الخارج حيث أحكام الشريعة المالية والشخصية والدولية والجنائية وغيرها .. كان ﷺ يقدم في المدينة لمن يأتي بعده دور الزعيم والإمام والقاضي والأب والمواطن الصالح لكل زمان ومكان .. لا يشغله شيء عن شيء ولا يعتذر عن مخالطة الناس وتحسس قضاياهم بكثرة مشاغله واتساع دولته وكثرة غزواته .. ها هو في إحدى بيوته وأحد أيامه السعيدة يبتهج بهدية جميلة تقدمها له مارية القبطية: مارية تلد ابنًا للنبي ﷺ سَعِدَ ﵇ بولادة ابنه الجميل وسماه باسم أبيه وأبي الأنبياء إبراهيم ﷺ .. وكان هذا الرضيع الجميل يملأ قلب النبي ﷺ ويحظى بعنايته .. حتى انتقى له بيتًا من عوالي المدينة يتولون رضاعه وكان يترد على ذلك البيت كالشوق .. يصفه أنس بن مالك فيقول: "ما رأيت أحدًا كان أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ .. كان إبراهيم مسترضعًا له في عوالي المدينة .. فكان ينطلق ونحن معه فيدخل البيت .. وإنه ليدخل وكان ظئره قينًا فيأخذه فيقبله ثم يرجع" (١) كانت تلك القبلات الحانية موضع استهجان بعض الأعراب الذين أكسبتهم الصحراء بعض ما فيها .. فقد "قدم ناس من الأعراب على رسول الله ﷺ فقالوا: أتقبّلون صبيانكم؟ فقالوا: نعم فقالوا: لكن والله ما نُقَبِّل .. فقال رسول الله ﷺ وأملك إن كان الله نزع منكم الرحمة" (٢).

стр. 1146

وليس هناك شيء أشنع من نزع الرحمة من القلب سوى توهم أن الرجولة تتطامن بتقبيل الأطفال والانحناء لهم وكأنهم نسل بهائم مستقذرة .. وإذا كان إبراهيم الصغر ﵇ قد أدخل البهجة على قلب والده وكبده من الشوق الكثير .. حتى تجشم وهو رأس الدولة عناء البحث عنه لتقبيله وضمه مع أن باستطاعته أن يطلب إحضاره متى شاء وأين شاء .. فإنه حزن كثيرًا على ابن ابنته -لعلها- زينب فهو الآن يعاني من مرض شديد .. يقول "أسامة بن زيد ﵄ أن ابنة للنبي ﷺ أرسلت إليه وهو مع النبي ﷺ وسعد وأبي .. نحسب أن ابنتي قد حضرت فاشهدنا .. فأرسل إليها السلام ويقول: إن لله ما أخذ وما أعطى وكل شيء عنده مسمى .. فلتحتسب ولتصبر .. فأرسلت تقسم عليه .. فقام النبي ﷺ وقمنا فرفع الصبي في حجر النبي ﷺ ونفسه تقعقع .. ففاضت عينا النبي ﷺ .. فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: هذه رحمة وضعها الله في قلوب من شاء من عباده ولا يرحم الله من عباده إلا الرحماء" (١). وما هذا النبي إلا رحمة مهداة. كان لا يشغله اهتمامه بشؤون أسرته عن الاهتمام بقضايا أمته ومواصلة رسالته (٢). ها هو يستدعي أحد القادة الذين برزوا سريعًا وبشكل ملفت: خالد بن الوليد ويطلب منه التوجه نحو منطقة يسكنها بنو جذامة .. وهم حتى

стр. 1147

الآن في موقف يبدو غامضًا تجاه الإسلام ودولته .. فتحرك خالد بن الوليد ﵁ مأخوذًا بحماس المنتصر العائد من فتح مكة وإخضاع أكبر قبائل الجزيرة (قريش) لدولة الإسلام لكن أحداثًا غريبة ومؤسفة وقعت في: غزوة بني جذيمة .. ومأساة عاشق وحبيبته لم ينطلق ابن الوليد وحده نحو بني جذيمة .. فمن مكان لا أعرفه لكنه مفعم بالعواطف الغامرة .. كان هناك شاب يعشق فتاة يقال لها: حبيش .. وهي تبادله العواطف نفسها .. كان حبًا عذريًا لم يتدنس برذيلة أو يتلوث بعهر .. لكن ذلك العفاف لم يسلم من المنغصات فقد قدم الجاه والمال مع أمير لينتزعا حبيشا من بين عيني عاشقها .. فتنطلق المطايا وتتمايل الهوادج بحبيش ووصيفاتها فيتحطم قلب العاشق ويرغم صاحبه على التحرك .. فينطلق خلفها كالمجنون عابرًا المفاوز والمغاور لا يعرف وجهة غير وجهة هودجها .. ولا عنوانًا غير عنوان طويل تكتبه آثار راحلتها .. كان سفرها الطويل يلهب قلبه ويلهم شعره حتى توقفت تلك المطايا في آخر المحطات ونهاية الأسفار .. حيث بلغ الجنون ذروته .. ولم يبق في رأس العاشق وقلبه مكان لغير الحبيبة حبيش .. توقفت الرواحل عند ماء بني جذيمة في الوقت الذي وصلت فيه خيل خالد بن الوليد .. وهنا أصبح العاشق أمام حتفين حتف حبيش وحتف جيش .. وكان ذلك العاشق لا يبالي بأمر خالد فهو لا يعرفه ولا يعرف رسالته ولا يهمه أمر ما أرسل به ولا ما يتحدث هو وجيشه عنه .. كان مأخوذ القلب والعقل وهو في حالة ذهول تام عما حوله من جيش ودماء وحتى منطق أو حتى مجرد رغبة في الحياة .. توقف خالد بن الوليد وكان من بين جنده شاب تضلع بسنة النبي ﷺ وهديه وسمته هو عبد الله بن عمر بن الخطاب .. وقد كان جنديًا مطيعًا

стр. 1148

لإمامه الذي عينه عليه النبي ﵇ .. غير أن ذلك الجندي المطيع لله ولرسوله وولي أمره سرعان ما أبدى احتجاجه على أمره وتبرمه من تصرفه .. كل ذلك كان يحدث دون حقد أو شحناء بين الشاب وقائده .. إنما هي الحرية التي منحها الإسلام لأتباعه في محاسبة القائمين عليهم وإنكار المنكر حتى في حالات تفوق حالات الطوارئ خطورة كحالة الحرب التي يخوضها ابن الوليد اليوم .. تلك السماحة التي جعلت فتى الإسلام يقول: "بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فقالوا: صبأنا صبأنا. فجعل خالد يقتل ويأسر ودفع إلى كل رجل منا أسيره فأمر كل رجل منا أن يقتل أسيره. فقلت: والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره" (١). لكن خالدًا ﵁ أصر على حكمه وأن هؤلاء يملكون وقاحة وتحديًا للإسلام في ساحة حرب لا يردعه سوى السيف .. فقام بتوزيع الأسرى لتنفيذ حكم القتل فيهم .. وكان بين هؤلاء الأسرى شاب في مثل سن آسره .. شاب مسكين لم يكن من أهل هذه الديار ولا شأن له بما يحدث .. فهو في واد والعالم كله في واد .. شاب قاده قلبه المسكين وضعف إرادته وعدم معرفته بدين التوحيد إلى التيه في الصحاري خلف هذا الهودج الذي تتربع فيه معشوقته ومهرى فؤاده التي تدعى حبيشًا .. لم يكن يريد من الدنيا سواها سوى التأمل في عينيها .. لكن راحلته ساقته ليلتقي بسيف خالد بن الوليد وهو الآن مأسور عند شاب اسمه ابن أبي حدرد .. فما هي

стр. 1149

قصة عاشق حبيش هي قصة ليست من خيال الأدباء والروائيين .. هي حقيقة مرة يرويها من شارك في أحداثها معترفًا بالمأساة التي ارتكبها ويستغفر الله من ذلك .. يرويها شاب اسمه: ابن أبي حدرد كتب نهاياتها بيده وأسدل ستائرها على أرض بني جذيمة .. تبدأ القصة عندما كان شاب يعشق فتاة تدعى حبيشًا منذ صغره .. ربما كان والدها أميرًا فارتحل عن دياره وجيرانه .. وربما جاء أمير فأخذها إلى بيت أكثر ثراءً وجاهًا .. لكن يبدو أن الأمير لم يحمل في هودجه سوى جسدها .. أما قلبها فقد أردفه ذلك الشاب معه على راحلته .. يسير كلما سارت ويتوقف عندما تتوقف .. وفي ديار بني جذيمة توقفت القافلة وخلفها الشاب المتيم أمام جيش خالد .. فحدث ما حدث .. وأُخذ الشاب أسيرًا غير آبه بالأسر ولا بهذه الحبال فالحبال التي تربطه بحبيش أقوى وأسرها لقلبه أقسى .. يقول ابن أبي حدرد: "كنت يومئذ في خيل خالد بن الوليد فقال لي فتى من بني جذيمة وهو في سني وقد جمعت يداه إلى عنقي برمة ونسوة مجتمعات غير بعيد منه: يا فتى فقلت: ما تشاء .. قال: هل أنت آخذ بهذه الرمة فقائدي إلى هؤلاء النسوة حتى أقضي إليهن حاجة ثم تردني بعد فتصنعوا بي ما بدا لكم [إني لست منهم عشقت امرأة فلحقتها فدعوني انظر إليها نظرة ثم اصنعوا بي ما بدا لكم] قلت والله ليسير ما طلبت فأخذت برمته فقدته بها حتى وقف عليهن (فإذا امرأة طويلة أدماء) فقال: اسلمي حبيش قبل نفاد العيش:

стр. 1150

أريتك إذ طالبتكم فوجدتكم ... بحلية أو ألفيتكم بالخوانق ألم يك أهلًا أن ينول عاشق ... تكلف إدلاج السرى والودائق فلا ذنب لي قد قلت إذ أهلنا ... أثيي بود قبل إحدى الصفائق أتييي بود قبل أن تشحط ... وينأى الأمير بالحبيب المفارق فإني لا ضيعت سر أمانة ... ولا راق عيني عنك بعدك رائق قالت: [نعم فديتك] وأنت فحييت عشرًا وسبعًا وترًا وثمانيًا تترى ... قال: ثم انصرفت به فضربت عنقه" (١). كانت المرأة تشاهد عاشقها وهو يضرب بالسيف .. تشاهد رأسه يهوى عن جسده الحبيب .. فلم تحتمل .. ولما سقط على الأرض تخلت عن وقارها وأسرارها وانحدرت من هودجها غير آبهة بما حولها ولا بمن حولها .. انحدرت نحو ذلك الجسد الذي هوى على الأرض كالفجيعة .. وانحنت. بمشاعر تنبض بالموت للموت .. "جاءت المرأة فوقفت عليه فشهقت شهقة أو شهقتين ثم ماتت" (٢) وجدًا عليه وحزنًا .. كأنها أقسى العشاق وأضعفهم.

стр. 1151

كان الصحابة ينظرون إلى ذلك المشهد الفاجعة منهم الرافض له والمتكدر كعبد الله بن عمر وأصحابه .. منهم المندهش الذي فوجئ بما حدث .. والصحابة بشر يخطئون ويصيبون لكن ما هو تقييم الإسلام لهذه المصيبة .. وما هو موقف النبي ﷺ من فعل خالد ومن أطاع خالدًا .. دفنت المعشوقة ودفن العاشق وبقية القتلى وعاد الصحابة إلى المدينة مثقلين بالهموم والتساؤل .. ولما وصلوا قال ابن عمر ﵄ "ذكرنا ذلك للنبي ﷺ فقال: اللَّهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد مرتين" (١). لم يكن الدافع لهذه الأحداث هو التعطش للدماء وشهوة السيطرة والتوسع .. لكنها الغيرة على التوحيد والحماس المفرط الذي يطغى على لغة المنتصر غالبًا .. وهو أمر لا يمكن تبريره تحت أي عذر .. فهو خطأ من خالد وقد تولى النبي ﷺ تحمل مسؤولية ذلك الخطأ .. ولم يتنصل من تبعاته بل لام أصحابه .. والنبي ﷺ بهذه البراءة من ذلك العمل الفظيع الذي استبيحت فيه دماء بريئة يؤيد احتجاج الشاب عبد الله بن عمر على تلك الحادثة وإنكاره على أميره في ساعة ليست من ساعات السلام والراحة .. بل في ساحة حرب يحتاج فيها القائد إلى الطاعة والامتثال من جنده أكثر من أي شيء آخر .. لكن الإنكار لا يعني الخروج على إمارة خالد والتمرد عليه أبدًا بل هو مجرد رد الأمير إلى الوحي والصواب الذي بعث به النبي ﷺ .. فالأمير يظل بشرًا مهما بلغت عظمته .. أما موقف النبي ﷺ الرحيم تجاه ذلك العاشق وما حدث له فيحدثنا عنه ذلك الشاب الذي شارك في إيلام النبي ﷺ وتألم هو أيضًا مما اقترف ..

стр. 1152

ابن أبي حدرد الذي أحزنه ما حدث منه تجاه ذلك المسكين يقول: "فلما قدموا على رسول الله ﷺ أخبروه الخبر فقال رسول الله ﷺ : أما كان فيكم رجل رحيم" (١). أما كان فيكم رجل رحيم فالله غني عن تلك الدماء .. الإسلام غني عنها .. ومحمَّد بريء مما حدث .. أما فيكم رجل رحيم يمنع حدوث ذلك المشهد المؤلم الذي لم يكن من المفترض حدوثه .. والنبى ﷺ لم يبعث هذه السرية لإرغام الناس على الإسلام .. والقائد المسلم يحتاج إلى إعادة النظر كثيرًا والتفكير أكثر قبل اتخاذ قرار بقسوة قرار خالد بن الوليد ﵁ .. فالرحمة هي التي جعلت النبي ﷺ يحجم عن قتل الأسرى في بدر رغم تاريخ بعضهم الأسود ضده وضد أصحابه وأين هؤلاء من أسرى بدر .. والرحمة هي التي جعلت النبي ﵇ يعفو عن صناديد قريش فما بالك في أناس أبرياء أرادوا أن يقولوا أسلمنا فقالوا صبأنا .. أي صبأنا من دين قومنا .. فما بالك برجل عاشق لا ناقة له ولا جمل فيما يحدث .. كان الأمر شديدًا على النبي ﷺ .. لكنه لم يكتف بالحزن فقط .. لقد مضى الأمر وأصبح تاريخًا ولم يعد بالإمكان فعل شيء تجاه ذلك سوى الحزن ومحاولة التعويض ولو ماديًا .. حيث اتخذ النبي ﷺ قرارًا بدفع تعويضات للمتضررين عن ذلك الذي أحدثه تسرع خالد وحماسه فقد قال ﷺ "أما كان فيكم رجل رحيم .. فداء الإثنين بالواحد" (٢). ودفعت التعويضات من قائد الدولة الكبرى والوحيدة التي تكاد تسيطر على كل الجزيرة العربية لأهل المقتولين خطأ .. فأدرك أولئك

стр. 1153

عظمة هذا الدين وهذا القائد الذي يدفع تعويضات وهو في مركز القوي الذي لا يخاف إلا من ربه .. ويدفع التعويضات وهو في حالة حرب لكن الحرب الإسلامية لها قواعد لا يجوز اختراقها وقد تم اختراقها خطأ .. فلا بد من الالتزام تجاه العدو في هذه الحالة .. أما المخطئون فقد استغفروا ربهم وواصلوا حياتهم مع نبيهم وإخوانهم .. وفي هذا العام مرت بالمدينة أوقات عصيبة وظروف صعبة رغم وجود النبي ﷺ بين أظهرهم .. ولما اقترب وقت نضج ثمارهم أمرهم النبي ﷺ بالاستعداد للتوجه لمناجزة الروم على أرض تبوك بجيش كان بحاجة إلى كل شيء إلا العزيمة والإيمان .. فقد كان يعاني من قلة المال والطعام والمراكب وكانوا يتطلعون إلى هذه الأوقات ليستريحوا ويتمتعوا بظل المدينة وثمارها التي بدأت في النضوج .. لكن كيف سيتم تجهيز جيش تبوك في ساعة العسرة والفاقة والحاجة إلى أي شيء يخفف من معاناة هذا الجيش الكبير الذي يتجاوز عدده عدد جيش الفتح .. لم يكن هناك ميزانية تسلح ولم يكن هناك جيش نظامي .. الكل كانوا جنودًا للإسلام .. الكل كانوا أصحاب مبادئ وأهداف لا أصحاب وظائف ومرتبات .. الكل يساهم حسب طاقته وإمكاناته فلا إكراه ولا ضرائب ولا مكوس ولا قهر .. و: في مثل هذه الظروف يشرق عثمان بن عفان يشرق الكرم العثماني ليؤسس نموذجًا راقيًا لرجل الأعمال المسلم الذي لا ينظر إلى الدنيا من خلال الأرقام .. بل ينظر إلى الأرقام من خلال الدنيا والآخرة معًا .. وليست هذه هي المرة الأولى التي ينفرد فيها عثمان

стр. 1154

بإنجاز فقد قال النبي ﷺ "من يحفر بئر رومة فله الجنة فحفرها عثمان .. وقال من جهز جيش العسرة فله الجنة فجهزه عثمان" (١). عثمان يتحدث عن ذلك عندما أشرف على الناس من فوق داره ثم "قال أذكركم بالله هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال في جيش العسرة من ينفق نفقة متقبلة والناس مجهدون معسرون فجهزت ذلك الجيش قالوا نعم ثم قال أذكركم بالله هل تعلمون أن بئر رومة لم يكن يشرب منها أحد إلا بثمن فابتعتها فجعلتها للغني والفقير وابن السبيل قالوا اللَّهم نعم وأشياء عددها" (٢). ومن المؤكد أن هناك من استجاب بسخاء لذلك النداء النبوي لا سيما وأن هذه هي المرة الأولى التي يدعو فيها للتبرع للجيش بينما كان في المعارك السابقة يدعو القادرين وأصحاب الرواحل للاستعداد .. ولعل عمر بن الخطاب كان في سباق .. لكن منافسه لم يكن يشعر به بقدر ما كان يشعر بنداء النبي ﷺ . عمر يحاول منافسة أبي بكر يقول ﵁: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق فوافق ذلك مالًا عندي فقلت اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا فجئت بنصف مالي

стр. 1155

فقال رسول الله ﷺ : ما أبقيت لأهلك؟ قلت: مثله .. فأتى أبو بكر بكل ما عنده فقال: يا أبا بكر .. ما أبقيت لأهلك؟ فقال: أبقيت لهم الله ورسوله .. فقلت: لا أسابقك إلى شيء أبدًا" (١). ولعل هؤلاء الثلاثة يجدون منافسة من رجل الأعمال الناجح المجاهد الرائع عبد الرحمن بن عوف الذي يقول: "إن رسول الله ﷺ قال تصدقوا فإني أريد أن أبعث بعثًا .. فقال عبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله .. إن عندي أربعة آلاف؛ ألفين أقرضهما الله وألفين لعيالي .. فقال رسول الله ﷺ بارك الله لك فيما أعطيت .. وبارك لك فيما أمسكت .. فقال رجل من الأنصار: وإن عندي صاعين من تمر صاعًا لربي وصاعًا لعيالي" (٢). لكن يبدو أن المنافقين لم يعجبهم هذا التسارع الجميل بالنفس والمال نحو تبوك فقاموا بتعويض قصورهم بإطلاق الألفاظ الساخرة من المؤمنين يشفون بها تشوهات نفوسهم ويطفئون بها جمر الحقد في قلوبهم: "فلمز المنافقون وقالوا ما أعطى ابن عوف هذا إلا رياء وقالوا أو لم يكن الله غنيًا عن صاع هذا فأنزل الله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣).

стр. 1156

المنافقون هم علمانيو ذلك الزمان لا يريدون للدين أي تأثير على حياتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى العسكرية .. ورسالتهم محصورة في محاربة النجاح والدهشة بما عند الأعداء .. وحساباتهم للأمور تنطلق من الخواء الذي يملؤهم ويعيشون فيه .. والاستهزاء بالآخرين وإطلاق الكلمات الساخرة على الناجحين هو أسلوبهم .. ولن يجدوا كغزوة تبوك أنسب لهذه السخرية .. فكيف يجابه هؤلاء المسلمون ونبيهم جحافل أقوى دولة في الدنيا بجيش يجمع التبرعات ويحتاج إلى نصف صاع وحبات تمر .. هذه هي حسابات المنافقين وهي حسابات تفتقد إلى الإيمان بالله وتفتقد كذلك إلى الثقة بالنفس وقدراتها .. لذلك بدأ: بعض المنافقين يعتذر عن المشاركة في غزوة تبوك رغم توفر المال والراحلة والصحة لديهم لكنهم أحسوا بالموت يربض على أرضها ويحدق بالقادمين إليها وقد ذكر الله اعتذارهم فقال سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ (١). وإذا كان المنافقون يبخلون بأموالهم وأنفسهم عن صحبة النبي ﷺ فإن هناك رجالًا يتحرقون للخروج معه ﵇ .. رغم أنهم لا يملكون ولا يملك ما يحملهم عليه .. فكانت لحظات الوداع لحظات من الدموع فـ: عند الوداع بكى الرجال فبعد أن رجوا النبي ﷺ أن يحملهم اعتذر من لهفهم وقال لهم:

стр. 1157

لا أجد ما أحملكم عليه .. عندها فاضت محاجرهم بالدموع وعادوا من حيث أتوا مكسوري القلوب وألم الحرمان يملأ صدورهم .. دموع تفيض لأن الفقر يحول بينهم وبن معانقة الموت والشهادة .. دموع خلدت أصحابا وتردد ذكرها على مر الأجيال .. أولم يكفهم فخرًا أن يذكر ربهم دموعهم ويتحدث لعباده عنهم .. نزل جبريل بكلام الله الذي يقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١). وهؤلاء هم المنافقون الذين يملكون من الوقاحة والأعذار أرصدة طائلة .. هذا أحدهم جاء يعتذر فقبل رسول الله ﷺ عذره لكن لم يهنأ بالقعود حتى أنزل الله فضيحته آيات ترددها المدينة في الطرقات والمساجد والبيوت وترددها الدنيا .. نزل الوحي يفضح المنافقين ويشد أزر المؤمنين الذين تثاقل بعضهم مفضلًا تأجيل الخروج إلى ما بعد الحصاد. .. نزل الوحى يسلط الأضواء على زوايا المنافقين المعتمة وأغوارهم المليئة بالأحقاد والكراهية .. فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى

стр. 1158

كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠) انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١) لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٤٢) عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣) لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥) وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩) إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢) قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٣) وَمَا

стр. 1159

مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤) فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥) وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧) وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩) إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠) وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣) يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤)﴾ (١). ويبدو أن هذه الآيات قد خنقت المنافقين فلم يجدوا هواءً يطيق صدورهم ولا أرضًا تحتمل خطاهم .. لقد تحولت غزوة تبوك إلى مسرح كبير يسخر فيه المنافقين من جرأة المؤمنين على غزو الروم ويتشفون فيه من قلة ما لهم ومتاعهم وضعف حالهم .. فقلب الله عليهم مسرحهم ذلك

стр. 1160

وحطمه فوق رؤوسهم فأصبحوا خائفين خجلين من أنفسهم ومن الشوارع والأطفال والرجال والنساء وحتى من نخيل المدينة وجدرانها .. أما المؤمنون فيذكرهم إلههم بحال نبيهم عندما كان شريدًا طريدًا هو وأبو بكر في غار ثور .. وكيف تحقق له نصر الله عليهم .. وها هم الذين كانوا يطاردونه يتأهبون لغزو الروم خلفه جنودًا مخلصين .. وسوف يأتي اليوم الذي يتأهب الروم خلفه ﵊ أو خلف من يخلفه ولكن حسابات المنافقين لا تتغير أبدًا .. نهض الصحابة خلف نبيهم في معركة تمحيص النوايا وتميز الإيمان .. ولإن كانت خيبر تحمل بصمة لعلي ﵁ فإن بصمة عثمان كانت الأبرز على غزوة تبوك .. لكن ما الذي حدث لعلي هذه المرة .. إنه ليس ضمن المسافرين هل هو الرمد مرة أخرى .. علي يتخلف عن تبوك فقد سار النبي ﷺ مغادرًا المدينة "ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله ﷺ في حر شديد .. واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا وعدوًا كثيرًا فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجهه الذي يريد والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ يريد الديوان .. فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي الله .. وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال .. وتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه" (١) ثم خرجوا وقبل خروجهم توقف وتوقف معه علي ﵁ معاتبًا ومتوسلًا أن يصحبه في هذا السفر الذي يحتاج إلى
следующие страницы →