قد تكون هذه هي قصة إسلام حمزة وقد يكون لإسلامه قصة أخرى .. الله أعلم.
وسواء كان ذلك الذي حدث أم لا فإن إسلام حمزة كان نصرًا هز مكة من أقصاها إلى أقصاها .. فالأمر يبدو خطيرًا .. والأقوياء الذين كانوا يخشون من زوال سمعتهم وما تجنيه لهم تلك القوة من أضواء بدأوا ينضمون إلى صفوف المؤمنين ويزيدونها قوة .. فقد أدركوا كم هم ضعفاء أمام قوة الإِسلام .. أمام قوة القوي الذي لا يقهر سبحانه .. فهل من سبيل إلى خروج من هذا المأزق الذي ألجأهم الإِسلام إليه .. هل من مهرب قبل أن يجدوا أنفسهم غرباء خارج مكة مهزومين أذلاء.
المفاوضات بعد إسلام حمزة
لم يصدق عتبة بن ربيعة أن حمزة أصبح اليوم مع ابن أخيه .. درع يحميه .. سيف يشق به صفوف قريش .. سيصعب الوصول إليه وحمزة معه .. ها هو ابن أخيه يصلى دون خوف عند الكعبة .. اغتاظ عتبة أحد أسياد مكة مما يحدث .. (فقال يومًا وهو جالس في نادي قريش -ورسول الله ﷺ في المسجد وحده-: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها، فنعطيه أيها شاء ويكف عنا، وذلك حين أسلم حمزة، ورأوا أصحاب رسول الله ﷺ يزيدون ويكثرون فقالوا: بلى يا أبا الوليد. قم إليه فكلمه، فقام إليه عتبة حين جلس إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من السطة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم،
стр. 107
وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني، أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها. فقال له رسول الله ﷺ : قل يا أبا الوليد .. أسمع. قال: يا ابن أخي إن كنت تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا سودناك علينا، حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا تراه لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه. أو كما قال له، حتى إذا فرغ عتبة، ورسول الله ﷺ يستمع منه قال: لقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم. قال: فاسمع مني. قال عتبة: افعل. فقال رسول الله ﷺ :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا في أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (٥) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨) قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ في يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ في يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى في كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ
الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦) وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾ (١) ثم مضى رسول الله ﷺ فيها يقرؤها عليه فلما سمعها منه عتبة أنصت لها , ألقى يديه حلف ظهره معتمدًا عليها يسمع منه , ثم انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة منها , فسجد ثم قال:
قد سمعت أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك, فقام عتبة إلى أصحابه. فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب, فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد. قال: ورائي أني سمعت قولًا والله ما سمعت مثله قط والله ما هو بالشعر, ولا بالسحر , ولا بالكهانة, فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم , فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم ,وإن يظهر على العرب فملكه ملككم , وعزه عزكم , وكنتم أسعد الناس به قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه. قال: هذا رأيي , فاصنعوا ما بدا لكم) (٢) لقد هزت الآيات قلبه ولكنها
стр. 110
وجدته صخرًا .. أما عقله فقد أدرك سحر هذا القرآن وأثره .. لكن أنياب العادات والتقاليد وبقايا سمعته كانت مغروزة فيه .. وهو أضعف من أن يتخلص منها .. فهو في ريبة يتردد لا يجد له استقرارًا .. في نزاع بين ما هو صحيح وبين ما يهواه .. وأخيرًا دحرجته جموع الكفر إلى الكفر .. دحرجت قلبه الصخري على عقله فانطمس ولبث في عماء حتى ألقى مكفنًا بالشرك والعفن .. أما محمَّد ﷺ فأعلنها:
لا تنازل
هذا هو مبدأ سيد البشر ﷺ وإمام القادة .. لا يقبل إطلاقًا أي تلفيق في المنهج .. لا جسور في العقيدة بينه وبن الكفر إطلاقًا .. لقد نثروا بين يديه خيارات مغرية .. الزعامة .. والمال والسيادة عليهم وهم سادة العرب شم الأنوف في الذرى بين الجميع .. لكنه ﷺ رفض ذلك كله .. كان بإمكانه أن يتزعمهم ثم ينقلب عليهم إذا اشتد عوده وكثر أتباعه .. كان بإمكانه أن يعقد هدنة معهم ثم يأخذ من المال ما يتيح له أن يعد جيشًا من المرتزقة يحطم به أعداء الله .. لكنه الأمن .. والأمين يقول: (أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) (١) ولن يخون ﷺ مسلمًا ولا كافرًا ولا مشركًا مهما كانت الأسباب فالأمر عقيدة .. والقيادة عقيدة عند رسول الله ﷺ .. فإما أن تكون لله أو تكون للشيطان .. ولن يشاطر الشيطان قيادةً ولا نهجًا.
لقد كان ﷺ يتنازل عن حقه .. يؤذى فيصبر .. يسيل دمه فيمسحه
стр. 111
ثم يعود إلى بيته مكسور الخاطر صابرًا حزينًا محتسبًا .. كانوا يضعون النجاسة على ظهره وهو ساجد لوجه ربه وأمام كعبته فيصبر أيضًا ويحتسب .. كان الصحابة يتهافتون عليه يبكون جراحهم يبحثون عن خلاص .. فيطالبهم بالصبر .. ورغم ذلك كله .. وبعد هذا العذاب كله .. تجده يذهب إلى أنديتهم مبتسمًا يدعوهم ويدعوهم ولا يمل من دعوتم .. وكانوا يأتونه في بيته رغم عداوتهم له يضعون أموالهم وودائعهم عنده ويلقبونه بالأمين.
ما الذي يجري وما تفسيره .. سياطهم على ظهره وأموالهم ودائع محفوظة عنده .. لم يقل هؤلاء مشركون نجسون فمالهم حلال لي .. ولا عهد لهم ولا ذمة ولا كرامة .. لم ينتقم لنفسه أبدًا .. لم يعاقب أحدًا لأنه ضربه أو شتمه .. بل كان يدعو لهم بالهداية.
هذا هو الفرق بين رسول الله ﷺ وبين متحمسين شوهوا الإِسلام وأعاقوه أكثر مما أعاقه أعداءه.
هناك من الدعاة من يتنازل عن بعض مبادئ العقيدة من أجل مكسب سياسي .. وهناك من الدعاة من يرى أن السياسة رجس من عمل الشيطان يجب اجتنابه مع أن الحكم والسياسة من توحيد الألوهية الذي هو حق لله سبحانه وحده.
ومن المتحمسين من يحمل بضعة أحاديث يغلفها بسوء ظن ويرصد من حوله ليرميه بالكفر والمروق أو الفسق والانحلال.
وهناك من يحاسب الناس وكأنهم يعلمون كل شىء عما يحاسبهم عليه مثل علمه تمامًا .. وهناك من يدعو الناس وقد حرم على نفسه الابتسامة ورسم على وجهه كل أنواع العبوس والتكشير .. كأنه خارج
стр. 112
من معركة ضاع فيها الشرف وسالت فيها الدماء .. وكأن رسول الله ﷺ لم يكن أكثر الناس تبسمًا .. وأكثر الناس تطيبًا .. وأزكى الناس رائحة .. كأن الرسول ﷺ لم يقل إن الله جميل يحب الجمال.
وهناك من يعامل اليهود والنصارى وغيرهم وكأنهم علماء متبحرون في دينهم .. كأنهم يتعمدون الكفر .. وكأن المسلم غير ملزم بدعوتهم قبل بغضهم واضطرارهم إلى أضيق الدروب. ويغفل هؤلاء -وهم في غمرة حماسهم- ويتناسون:
ما حدث لركانة
مشرك قوي البنية .. لم يتمكن أحد من طرحه على الأرض .. ويبدو أنه قد تميز عن أهل عصره بتلك البنية البدنية الجبارة .. هذا الرجل يرى في جسده كل ثروته وشهرته .. أما رسول الله ﷺ فكان يرى في تلك العضلات المنحوتة بالنشاط أبوابًا إلى عقل ركانة وروحه .. فلا بأس من طرقها لعل الله أن يهديه للإسلام .. فيقرر ﷺ ممارسة لهو مباح مع هذا المشرك .. ولا أحد يستطيع أن ينكر أن ما قام به ﷺ ليس من اللهو .. فماذا فعل ﷺ مع ابن ركانة؟ لقد (جاء يزيد بن ركانة إلى النبي ﷺ ومعه ثلثمائة من الغنم فقال: يا محمَّد، هل لك أن تصارعني؟ قال ﷺ : وما تجعل لي إن صرعتك؟ قال: مائة من الغنم، فصارعه، فصرعه، ثم قال: هل لك في العود؟ فقال ﷺ : وما تجعل لي؟ قال: مائة أخرى، فصارعه، فصرعه، وذكر الثالثة، فقال: يا محمَّد، ما وضع جنبي في الأرض أحد قبلك، وما كان أحد أبغض إلي منك وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقام عنه ورد عليه غنمه) (١).
стр. 113
هل هناك من يقول إن رسول الله ﷺ كان يمارس شيئًا غير اللهو المباح .. هل كان ﷺ بتلك المصارعة يتدارس معه علمًا .. أدبًا في صلاة .. ؟ بالطبع لا .. لكن من المؤكد الذي لا شك فيه أن لرسول الله ﷺ هدفًا من تلك المصارعة أسمى من غنماته وعضلاته .. كان ﷺ يسعى لإسلامه .. يفتش داخل هذا الجسد القاسي عن توحيد مكبل ليحرره .. كان ﷺ يقدم درسًا لأمته يكشف فيه مدى حاجة هؤلاء المشركين إلى التوحيد والإيمان .. وأن هؤلاء المشركين مهما بلغت قسوتهم وطفح طغيانهم مساكين .. غرقى بحاجة إلى من ينتشلهم من قلب الظلمة .. من أجل ذلك قدم ﷺ درسًا يبيح فيه الخوض في أبعاد الحلال وأعماقه من أجل إنقاذ إنسان كركانة .. لكن ماذا يقول المرء وهناك من يتناسى-باسم الإِسلام- فعله ﷺ ولهوه مع ركانة وهو ليس بمسلم .. ماذا يقول المرء .. وهناك من يرى أن اللين لا يجوز إلا مع الملتزمين المتمسكين بسنة رسول الله ﷺ وأن اللين الشدة والغلظة وعدم السلام أشياء مطلوبة مع من لا يظنهم كذلك.
ويصنف الناس وينسى أثناء تصنيفه ما هو أهم .. ينسى أخوة الإِسلام ويحاول التملص من واجبات تلك الأخوة .. إنها ميول مغلفة بطابع ديني .. وما كان رسول الله ﷺ يمرر شهوته من خلال الدين .. لقد كان ﷺ يرسم يطبق شرعًا في التعامل والقيادة .. لقد كان سمحًا مبتسمًا .. لا ينتقم لنفسه أبدًا .. ولا يرصد الأخطاء على من ظلموه ليتشفى .. بل كان يتسامح .. كان يصل هؤلاء المشركين ويعرف حق القرابة والرحم رغم افتراقه عنهم في العقيدة .. لأنه مكلف بتسليمهم رسائل ربهم فردًا فردًا .. ومكلف بالصبر والانتظار حتى ولو تحولت الأرض كلها إلى كفر بالله .. هذا هو الفرق بين هؤلاء ورسول الله ﷺ .. هؤلاء يبذلون القليل وينتظرون الكثير ويغضبون إن لم يظفروا بنتائج .. أما رسول الله ﷺ فكان يكدح ويعمل ويبذل ويصبر ولا
стр. 114
ينتظر شيئًا من أحد .. كان ينتظر الجزاء من الله .. فإن ظفر بنتائج وظفها كما وظف نفسه وجعلها للأرض سلامًا وشعاع نور للتائهن.
إسلام عمر (١)
كل الروايات تقول إن القرآن العظيم هو سبب إسلام ابن الخطاب العظيم .. فهو لم يستطع مقاومة تأثيره .. ولم يستطع إنكار إعجازه .. فألقى بسلاحه عدة مرات أمامه.
أول الدرب دعاء
كان ﷺ حزينًا لما يجري لصحابته وأتباعه من تعذيب وإيذاء .. وتنكيل شديد على أيد طغاة قريش وزبانيتها .. كانت الأحداث التي تعصف بهم تؤذيه .. وتعصر قلبه .. فيتوجه هذا الدعاء الحار إلى ربه: (اللَّهم أعز الإِسلام بأحد هذين الرجلين إليك: أبو جهل بن هشام، أو عمر بن الخطاب) (٢) فقد كانا أشد من يسلخ الظهور ويعذب فوق الرمضاء .. وكان عمر أكثرهم رقة .. وقد لاح ذلك عندما وقف ممتلأ بالحزن وهو يودع الصحابة المغادرين إلى أرض الحبشة .. لكن قسوته تغلب على رقته.
стр. 115
بدأ ابن الخطاب يمارس دوره في التعذيب مع أقرب الناس إليه وأقربهم وألينهم قلبًا وجسدًا أخته المسكينة التي ليس لها جريرة سوى أنها تقول ربي الله وزوجها المعذب .. الصابر: سعيد بن زيد .. الذي لم يسلم من بطش عمر القاسي .. يقول سعيد ﵁:
(والله لقد رأيتنى وإن عمر لموثقي وأخته على الإِسلام قبل أن يسلم عمر) (١).
حبال وسياط هي أدوات الحوار التي كان يجيدها عمر ويكثر من حملها .. فالجاهلية التي كان يعتنقها لا تستطيع البقاء إلا بالحبال والسياط لكن القلوب لا تدخلها السياط .. والأفكار لا يثنيها الحديد .. مهما كانت قسوة عمر فإنه ما زال بشرًا يحمل قلبًا .. ما زال يحمل عقلًا.
عمر يلقي آخر السياط
عمر بن الخطاب .. الرجل الحديدي أسلم .. تلك القوة التي كانت ترزح فوق أنفاس المستضعفين انزاحت .. فهل ستستحيل بين أيديهم سلاحًا يشقون به طريقهم وسط غابة الخناجر والسيوف وأغصان من المشانق والقيود .. أم أن عمر سينضم إلى قافلة المستضعفن الذين لا يملكون حولًا ولا طولًا .. ؟ كل تلك التساؤلات .. أجاب عنها عمر .. فهو لم ينتظر أن يسأله أحد كيف أصبحت.
لم ينتظر عمر أن تزحف الأخبار إلى بيوت مكة بخبر إسلامه .. أن يقول إنه تخلص من شركه كما تتخلص الأشجار من أوراق الخريف الصفراء .. على الطرقات وفي البيوت ويحملها الهواء في أجواء مكة .. إنه
стр. 116
يسأل من حوله فيقول: (أي قريش أنقل للحديث؟ فقيل له: جميل بن معمر الجمحي. فغدا عليه، يقول عبد الله بن عمر بن الخطاب: وغدوت أتبع أثره وأنظر ما يفعل وأنا غلام أعقل كل ما رأيت، حتى جاءه فقال له: أعلمت يا جميل أني أسلمت ودخلت في دين محمد ﷺ فوالله ما راجعه حتى قام يجر رداءه، واتبعه عمر، واتبعته أنا، حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش -وهم في أنديتهم حول الكعبة- ألا إن ابن الخطاب قد صبأ. فقال عمر من خلفه: كذب ولكني قد أسلمت، وشهدت أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وثاروا إليه، فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤوسهم، وطلح (١) فقعد، وقاموا على رأسه وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم، فأحلف بالله لو قد كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها لكم، أو تركتموها لنا. فبينا هم على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة (٢) وقميص موشى، حتى وقف عليهم، فقال: ما شأنكم؟ فقالوا: صبأ عمر. فقال: فمه؟ رجل اختار لنفسه فماذا تريدون؟ أترون بني عدي يسلمون لكم صاحبكم هذا؟ خلوا عن الرجل -يقول ابن عمر- فوالله لكأنما كانوا ثوبًا كشط عنه، فقلت لأبي بعد أن هاجر إلى المدينة: يا أبت من الرجل الذي زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت وهم يقاتلونك. قال: ذاك بني: العاص بن وائل السهمي) (٣).
стр. 117
يقول ابن عمر: (فعجبت من عزه) (١).
ولم يكن عز هذا الرجل بأعظم من إجابته المفحمة لفلول الكفر .. إنه يرفض مبدأ قريش في تكميم الأفواه وتقييد الحريات .. فالرجال أحرار في اعتناق ما يرونه .. وعمر حر في اعتناق ما رآه صوابًا وحقيقة .. فلماذا التبرم يا قريش؟ صمتت قريش لأنها تفتقر إلى أسلحة العقل والإقناع .. لا تملك شيئًا يبرر أصنامها وطقوسها .. إنها تملك صراخًا وضجيجًا تزاحم به أجواء الحوار الهادئة .. فإذا ما ماجت الساحة بالفوضى والغبار والضجيج، مَرَّرَت ما تريد وفرضت ما تشتهي .. وأبقت الدعاة في جو من الخوف والرعب فربما يتراجعون عن رسالتهم التي تخطف القلوب والعقول بهدوءٍ من صفوف قريش .. لكن رسول الله ﷺ استمر في هدوئه ودعوته .. يزداد سكينة كلما ازدادوا شراسة .. ويبشر كلما عسروا وشددوا .. ويبتسم كلما كشروا عن أنياب دامية .. ويلاطف الناس جميعًا بأسلوب ساحر آسر .. كله حب وشفقة .. كله ود وجمال .. كأنه خرير ماء .. كأنه ساحة من الزهور فسيحة .. هذا الأسلوب جعل معسكر الكفر يفقد أعصابه وأفراده .. فبالأمس كانت قريش تفقد أفرادًا ربما لم يكن لهم تأثير .. أما اليوم فهي تفقد أقوياء مفتولين كالحديد .. ها هو حمزة ينسحب منهم .. ويتبعه عمر بن الخطاب .. وها هم الضعفاء يقتربون من الكعبة .. يطوفون بها .. بل يصلون عندها .. وها هو أحدهم .. راعي الغنم الفقير .. يقول: (ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر) (٢).
فقد وجد بعض المسلمين ساحة آمنة يركعون فيها ويسجدون قرب الكعبة.
стр. 118
يقول عبد الله بن مسعود ﵁: (والله ما استطعنا أن نصلي عند الكعبة ظاهرين حتى أسلم عمر) (١).
يا لها من دعوة نبي .. اليوم عمر بن الخطاب صار سيفًا لا يفل .. ولا يحول بينه وبن وجوه الطغاة حائل .. فأصبح لأقدام المستضعفين مكان في بيت الله الحرام .. وجوار الكعبة .. يتجمهرون حول نبيهم ﷺ عند الكعبة .. ويسمع المهاجرون إلى الحبشة بتلك الأحداث فيركب بعضهم الأمواج والبهجة عائدًا إلى رسول الله ﷺ ..
وفي يوم من تلك الأيام التي يلتف بها الصحابة حول رسولهم ﷺ .. وقد زاحمهم المشركون أيضًا تنغيصًا ونكدًا .. في مجلس الأخلاط هذا .. كان ﷺ يتغنى بآيات من سورة النجم: (أَفَرَأَيْتَ (٢) الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا في صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥) هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾ (٣).
стр. 119
وبعد أن قرأ ﷺ هذه الآيات سجد (وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والانس) (١).
(غير شيخ أخذ كفًا من حصىً أو تراب، فرفعه إلى جبهته، وقال: يكفيني هذا) (٢).
سجد الكفار المعاندون وسجد المؤمنون .. أخذتهم هذه الآيات فساحت بهم في رحلة بدأت من الآخرة .. حيث القبور الثائرة البعثرة .. حيث الأموات يشقون أكوام التراب والغبار .. ينتفضون يخرجون يبحثون عن الداعي والمنادي .. وتنتهي بهم الرحلة هناك بين الخرائب الصامتة .. خرائب عاد وثمود وقوم لوط حيث الجثث منثورة متورمة من الماء .. جثث قوم نوح التى طوح بها السيل في كل مكان .. وأثناء هذه الرحلة المخيفة يدخل المسافرون عالمًا مدهشًا وعجيبًا يقال له الإنسان .. بدايته حقيرة لكنه يتمدد حتى يصبح عوالم تثير الدهشة والحيرة .. تحني الرقاب .. وتخضع القلوب والجباه لقدرة الله واعترافًا بعظمته .. تأثر السامعون المسلمون .. والمشركون أيضًا فسجدوا لله وحده لا لشىء آخر (٣).
حتى ذلك الشيخ الحجري لم يستطع كبت شعوره نحو هذه الآيات وتأثره بها .. فرفع كف الحصى ووضعه على جبهته .. لحظات من الخضوع والخشوع كانت تطوف بالكعبة والملتفين حول نبي الرحمة ﷺ .. لكن تلك اللحظات لم تلبث طويلًا .. لقد مرت بالمشركين يطاردها الشيطان ..
стр. 120
عاد الشيطان من جديد يتمدد في الشرايين والقلوب .. يثير في نفوس المشركين الرعب والخوف من المستقبل المجهول .. من محمد ﷺ وصحابته .. يقول إنهم في طريقهم إلى السيطرة على مكة وغيرها .. ولا بد من إيقاف ذلك الزحف المفزع .. لا بد من إيقاف عمر بل يجب:
قتل عمر
لكن عمر شجاع .. عمر قوي .. لا بد من حشد يحملون عليه حملة رجل واحد .. واتفقت قريش على هذا الأمر، وسارت مجموعة كبيرة لا قبل لعمر بها فلزم بيته لا يغادره و (بينا عمر في الدار خائفًا إذ جاءه العاص بن وائل السهمي، وعليه حلة حبرة، وقميص مكفوف بحرير فقال: ما بك؟ قال عمر: زعم قومك أنهم سيقتلونني لأنني أسلمت. قال: لا سبيل إليك أمنت. فخرج العاص فلقى الناس قد سأل بهم الوادي فقال: أين تريدون؟ فقالوا: نريد ابن الخطاب الذي صبأ. قال: لا سبيل إليه. فكر الناس وتصدعوا (١) عنه) (٢) ورجعوا والغيظ يملؤهم .. لكنهم ما كانوا ليتركوا فرصة صفاء لمحمد ﷺ وأتباعه .. ما كانوا ليتركوا دقيقة صفاء إلا وحاولوا التسلل لتعكيرها .. ها هم يجتمعون مرة أخرى .. ويقررون:
الذهاب إلى أبي طالب
كما أن العاص قد أجار عمر .. فإن أبا طالب يحمي ابن أخيه محمد ﷺ ولا بد من التدخل في تلك الحماية .. لا بد أن تكون تلك الحماية بشروطهم .. لا بد من الضغط عليه وعلى عمه لعله يتراجع.
стр. 121
وكان ذلك التراجع هو الحلم لقريش .. وهو الأمل عندما (جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: إن ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا ومسجدنا فانهه عنا، فقال لابنه: يا عقيل انطلق فأتني بمحمد. يقول عقيل: فانطلقت إليه، فاستخرجته من خيس (١) -بيت صغير- فجاء به في الظهيرة، في شدة الحر، فجعل يطلب الفىء (٢)، يمشي فيه من شدة الحر الرحض (٣)، فلما أتاهم قال أبو طالب: إن بني عمك قد زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فانته عن أذاهم، فحلق (٤) رسول الله ﷺ ببصره إلى السماء، فقال: أترون هذه الشمس؟ قالوا: نعم. قال رسول الله ﷺ : فما أنا بأقدر على أن أدع ذلك منكم على أن تستشعلوا منها شعلة. فقال أبو طالب: والله ما كذبنا ابن أخي فارجعوا) (٥). لقد امتزج هذا الدين بلحمه ودمه ..
стр. 122
فتألق معه وسما .. وأنتم أعجز من أن تنهضوا من مستنقعات الوحل والطين .. إنكم تتمرغون فيه وتصنعون منه أصنامكم .. فأين أنتم من الشمس والهواء النقي .. وأين أنتم من رسول الله ﷺ .
أدركت قريش ذلك فعادت إلى:
الاضطهاد من جديد
ها قد سقط أمل كان يترنح في الأفق .. واتضحت الرؤية على أرض مكة .. إما الله وإما الأصنام .. إما التوحيد وإما الشرك .. لا جسور بينهما ولا اتصال .. سقط أحد الآمال التي كانت تحمله قريش فأغضبها ذلك السقوط .. وأغضبتها تلك الهزيمة .. فعزمت على العودة من جديد .. للتعذيب من جديد .. وسيكون هذه المرة أقسى وأغلظ وأشد .. ستصل أنيابه إلى الجميع دون تفريق .. لقد قررت قريش أن تملأ مكة بالدماء .. ها هم وقد أمسكوا برسول الله ﷺ يضربونه ضربًا شديدًا حتى أسالوا دمه .. فيهرب هائمًا مغمومًا كئيبًا .. فيأتيه جبريل ﵇ (وهو جالس حزينًا قد خضب بالدماء، ضربه بعض أهل مكة، فقال له: ما لك؟ فقال ﷺ له:
فعل بي هؤلاء .. وفعلوا .. فقال جبريل:
أتحب أن أريك آية؟ قال:
نعم. فنظر إلى شجرة من وراء الوادي، فقال:
ادع تلك الشجرة.
стр. 123
فدعاها، فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه. فقال جبريل:
مرها فلترجع.
فأمرها، فرجعت إلى مكانها، فقال رسول الله ﷺ : حسبي) (١) آية عظيمة .. تسليه ﷺ .. تمسح عنه دماء نازفة .. ودموعًا حارقة. فيعود لمكة مرة أخرى .. متخفيًا عن أعين القوم وأيديهم .. فيجد أتباعه يفترشون الرمضاء .. يلتحفون السياط يعجون إليه يطلبون الإذن بالهجرة من جديد فيأذن لهم .. وكانوا هذه المرة أكثر من ثمانين صحابيًا معذبًا .. يريدون أن يعبدوا الله بحرية .. ويعمروا الدنيا بسلام .. فأذن لهم ﷺ .
الهجرة إلى الحبشة ثانية
إحدى المعذبات هي أم سلمة ﵂ .. تحدثنا عن رحلة الآلام كاملة فتقول: (لما ضاقت علينا مكة، وأوذي أصحاب رسول الله ﷺ وفتنوا، ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأن رسول الله ﷺ لا يستطيع دفع ذلك عنهم (٢) ..
فقال لهم رسول الله ﷺ :
стр. 124
إن بأرض الحبشة ملكًا لا يظلم أحد عنده فالحقوا ببلاده، حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه.
فخرجنا إليها أرسالًا، حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار، وإلى خير جار، آمنًا على ديننا ولم نخش منه ظلمًا. فلما رأت قريش أنا قد أصبنا دارًا وأمنًا اجتمعوا على أن يبعثوا إليه (١) فينا، فيخرجنا من بلاده، وليردنا عليهم.
فبعثوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة فجمعوا له هدايا، ولبطارقته (٢)، فلم يدعوا رجلًا منهم إلا هيأوا له هدية على حدة، قالوا لهما:
ادفعوا إلى كل بَطْرِيق هديته قبل أن تتكلموا فيهم، ثم ادفعوا هداياه، وإن استطعتما أن يردهم عليكم قبل أن يكلمكم فافعلوا.
فقدما علينا، فلم يبق بطريق من بطارقته إلا قدموا إليه هديته، وكلموهم، فقالوا لهم:
إنا قدمنا إلى هذا الملك في سفهاء من سفهائنا، فارقوا أقوامهم في دينهم، ولم يدخلوا في دينكم، فبعثنا قومهم ليردهم الملك عليهم، فإذا نحن كلمناه، فأشيروا عليه أن يفعل. فقالوا:
نفعل. ثم قدموا إلى النجاشي هداياه، وكان من أحب ما يهدى إليه من مكة الأدم (٣)، فلما أدخلوا عليه هداياه، قالوا له:
стр. 125
أيها الملك، إن فتية من سفهائنا فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه، وقد لجأوا إلى بلادك، فبعثنا إليك فيهم عشائرهم: آباؤهم، وأعمامهم، وقومهم لتردهم فهم أعلاهم عينًا. فقالت بطارقته:
صدقوا أيها الملك، لو رددهم عليهم كانوا أعلاهم عينًا، فإنهم لم يدخلوا في في دينك فتمنعهم بذلك، فغضب، ثم قال:
لا، لعمر الله لا أردهم إليهم حتى أدعوهم، فأكلمهم وأنظر ما أمرهم، قوم لجأوا إلى بلادي واختاروا جواري على جوار غيري، فإن كانوا كما تقولون رددتهم عليهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم، ولم أحل ما بينهم وبينهم، ولم أنعمهم (١) عينًا.
فأرسل إليهم النجاشي فجمعهم، ولم يكن شىء أبغض إلى عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة من أن يسمع كلامهم.
فلما جاءهم رسول النجاشي اجتمع القوم، فقال:
ماذا تقولون؟ فقالوا:
وماذا نقول: نقول والله ما نعرفه، وما نحن عليه من أمر ديننا، وما جاء به نبينا ﷺ كائن في ذلك ما كان.
فلما دخلوا عليه كان الذي يكلمه منهم جعفر بن أبي طالب، فقال له النجاشي:
ما هذا الدين الذي أنتم عليه، فارقتم دين قومكم ولم تدخلوا في يهودية ولا نصرانية، فما هذا الدين؟ فقال جعفر:
فخرجنا من عنده، وكان أبقى الرجلين فينا (١) عبد الله بن أبي ربيعة، فقال عمرو بن العاص: والله لآتينه غدًا بما أستأصل به خضراءهم (٢) إنهم يزعمون إن إلهه الذي يعبد عيسى بن مريم: عبد. فقال له عبد الله بن أبي ربيعة:
لا تفعل، فإنهم وإن كانوا خالفونا فإن لهم رحمًا، ولهم حقًا. فقال عمرو بن العاص: والله لأفعلن. فلما كان من الغد دخل عليه فقال:
أيها الملك إنهم يقولون في عيسى قولًا عظيمًا، فأرسل إليهم رسولًا فاسألهم عنه، فبعث إليهم- ولم ينزل بنا مثلها، فقال بعضنا لبعض:
ماذا تقولون له في عيسى إن هو سالكم عنه؟ فقال:
نقول والله الذي قال الله تعالى فيه، والذي أمرنا به نبينا ﷺ أن نقول فيه، فدخلوا عليه، وعنده بطارقته، فقال:
ماذا تقول في عيسى بن مريم؟ فقال له جعفر:
نقول عبد الله ورسوله، وكلمته (٣)، وروحه (٤)، ألقاها إلى مريم العذراء البتول (٥)
فدلى النجاشي يده إلى الأرض، وأخذ عويدًا بين إصبعيه، فقال:
ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العويد (٦).
стр. 129
فتناخرت بطارقته، فقال:
وإن تناخرتم والله، اذهبوا فأنتم سيوم في أرضي -والسيوم الآمنون- من سبكم غرم، ثم من سبكم غرم، ثم من سبكم غرم -ثلاثًا- ما أحب أن لي دبرًا وأني آذيت رجلًا منكم -والدبر بلسانهم: الذهب- والله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه، ولا أطاع الناس في فأطيع الناس فيه، ردوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لي بها فاخرجا من بلادي.
فرجعا مقبوحن مردودًا عليهما ما جاءا به. فأقمنا مع خير جار، وفي خير دار، فلم ينشب أن خرج عليه رجل من الحبشة ينازعه في ملكه، فوالله ما علمنا حزنًا قط كان أشد منه فرقًا من أن يظهر ذلك الملك عليه، فيأتي ملك لا يعرف من حقنا ما كان يعرف، فجعلنا ندعو الله ونستغفره للنجاشي، فخرج إليه سائرًا.
فقال أصحاب رسول الله ﷺ بعضهم لبعض:
من رجل يخرج فيحضر الوقعة حتى ينظر ما يكون، فقال الزبير- وكان من أحدثهم سنًا:
أنا. فنفخوا له قربة، فجعلها في صدره، ثم خرج يسبح عليها في النيل حتى خرج من شقه الآخر إلى حيث التقى الناس، فحضر الوقعة، فهزم الله ذلك الملك وقتله، وظهر النجاشي، فجاءنا الزبير يليح علينا بردائه، ويقول:
ألا أبشروا، فقد أظهر الله النجاشي.
فوالله ما علمنا فرحنا بشيء قط فرحنا بظهور النجاشي، ثم أقمنا عنده حتى خرج من خرج منا راجعًا إلى مكة وأقام من أقام) (١).
стр. 130
هذه هي قصة النجاشي مع المهاجرين فما هي قصة الرشوة التي تحدث عنها ذلك الملك الطيب .. هدية الحبشة للإسلام .. وما معنى قوله: (ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه، ولا أطاع الناس في فأطيع الناس فيه)؟
ذلك أمر حدث بين أنهار الحبشة وأدغالها، تحدثنا عنه أم المؤمنين عائشة ﵂ فتقول: (إن أباه كان ملك قومه، وكان له أخ من صلبه اثنا عشر رجلًا، ولم يكن لأبي النجاشى ولد غير النجاشي، فأدارت الحبشة رأيها، فقالوا:
إنا إن قتلنا أب النجاشى وملكنا أخاه، فإن له اثني عشر رجلًا من صلبه فتوارثوا الملك لبقيت الحبشة عليهم دهرًا طويلًا لا يكون بينهم اختلاف، فعدوا عليه، فقتلوه، وملكوا أخاه، فدخل النجاشي لعمه حتى غلب عليه، فلا يدير أمره غيره، وكان لبيبًا، فلما رأت الحبشة مكانه من عمه قالوا: لقد غلب هذا الغلام أمر عمه، فما نأمن من أن يملكه علينا وقد عرف أنا قد قتلنا أباه، فإن فعل لم يدع منا شريفًا إلا قتله، فكلموه فيه، فلنقتله أو نخرجه من بلادنا فمشوا إليه فقالوا:
قد رأينا مكان هذا الفتى منك، وقد عرفت أنا قد قتلنا أباه، وجعلناك مكانه، وإنا لا نأمن أن تملكه علينا فيقتلنا، فإما أن نقتله، وإما أن تخرجه من بلادنا، فقال: ويحكم قتلتم أباه بالأمس، وأقتله اليوم، بل أخرجه من بلادكم، فخرجوا به، فوقفوه بالسوق، فباعوه من تاجر من التجار، فقذفه في سفينة بستمائة درهم أو بسبعمائة درهم .. فانطلق به، فلما كان العشي هاجت سحابة الخريف، فجعل عمه يتمطر تحتها، فأصابته صاعقة، فقتلته،
стр. 131
ففزعوا إلى ولده، فإذا هم محمقين (١) ليس في أحد منهم خير، فمرج على الحبشة أمرهم، فقال بعضهم لبعض:
تعلمون والله أن ملككم الذي لا يصلح أمركم غيره للذي (٢) بعتم بالغداة، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه قبل أن يذهب.
فخرجوا في طلبه حتى أدركوه، فردوه فعقدوا عليه تاجه، وأجلسوه على سريره، وملكوه، فقال التاجر:
ردوا علي مالي كما أخذتم مني غلامي، فقالوا:
لا نعطيك، فقال: إذًا والله أكلمه .. فقالوا: وإن.
فمشى إليه فكلمه فقال:
أيها الملك، إني ابتعت غلامًا فقبضوا مني الذي باعونيه ثمنه، ثم عدموا على غلام، فنزعوه من يدي، ولم يدروا علي مالي، فكان أول ما خبر من صلابة حكمه وعدله أن قال:
لتردون عليه ماله، أو ليجعلن غلامه في يده، فليذهبن به حيث شاء، فقالوا: بل نعطيه ماله. فأعطوه إياها، ولذلك يقول:
ما أخذ الله مني الرشوة فآخذ الرشوة منه حيث رد علي ملكي، وما أطاع الناس فيّ فأطيعهم فيه) (٣).
стр. 132
ذلك هو النجاشى .. وتلك قصة تتويجه .. تتويج العدالة الحبشية .. ذلك الملك الأسمر نال شهادته من السماء بعد أن عدل بين شعبه .. نال شهادته قبل أن ينصف المسلمين .. لقد قال ﷺ : (إن بأرض الحبشة ملكًا لا يظلم أحد عنده) قبل أن يصل أصحابه .. قبل أن يسمعوا عنه .. قبل أن يحكم بالحق. فلتهنأ الحبشة بسبقها .. فلقد أنصفت المسلمين من براثن مشركي قريش .. وآوتهم بعد أن ضاقت عليهم مكة.
في حين كانت يد قريش تمتد في حقد عجيب .. في تسلط حقير لتكمم الأنوف والأفواه .. وتمنع الهواء .. إنها تحسدهم على أرض يمشون عليها .. وتحسدهم على حصير يلقون عليه أجسادهم التي نخرها الترحال والشقاء .. ترى أي قلوب كانت تضمها أجساد المشركين حتى يركضوا خلف الراحلين .. ويدفعوا الرشوة لطرد هؤلاء الضعفة المساكين .. رجلان أرسلتهما قريش: عمرو بن العاص .. وعبد الله بن أبي ربيعة.
دعونا نستمع إلى أحدهما: عمرو بن العاص يقص علينا قصته .. وأثرها في نفسه .. بالطبع هي قصة الوجه البشع .. رسول قريش في تلك الأزمنة العصيبة على الإِسلام .. كيف كان يرى عمرو رحلته .. وماذا تكشف له بعد أن سمع ورأى ما حدث.
يقول عمرو بن العاص ﵁:
(لما رأيت جعفرًا وأصحابه آمنين بأرض الحبشة. قلت: لأفعلن بهذا وأصحابه، فأتيت النجاشي، فقلت:
ائذن لعمرو بن العاص. فأذن لي، فدخلت. فقلت:
إن بأرضنا ابن عم لهذا يزعم أنه ليس للناس إلا إله واحد، وإنا والله
стр. 133
إن لمن ترحنا منه وأصحابه، لا أقطع إليك هذه النطفة (١) أبدًا، ولا أحد من أصحابي، فقال:
أين هو؟ فقال عمرو:
إنه يجيء مع رسولك، إنه لا يجيء معي، فأرسل معي رسولًا. فوجدناه قاعد بين أصحابه، فدعاه، فجاء، فلما أتيت الباب ناديت: ائذن لعمرو بن العاص. ونادى خلفي:
ائذن لحزب الله ، فسمع صوته، فأذن له، فدخل ودخلت، فإذا النجاشي على السرير، وجعلته خلف ظهري، وأقعدت بين كل رجلين من أصحابه رجلًا من أصحابي فسكت وسكتنا، وسكت وسكتنا، حتى قلت في نفسي:
العن هذا العبد الحبشي ألا يتكلم .. ثم تكلم، فقال:
نجروا -أي تكلموا. فقلت:
إن ابن عم هذا يزعم إنه ليس للناس إلا إله واحد، وإنك والله إن لم تقتله لا أقطع إليك هذه النطفة أبدًا، أنا ولا أحد من أصحابي. فقال النجاشي:
يا أصحاب عمرو ما تقولون؟ قالوا:
نحن على ما قال عمرو. قال النجاشي:
يا حزب الله نجر.
فتشهد جعفر - والله إنه لأول يوم سمعت فيه التشهد ليومئذ.
стр. 134
قال جعفر:
أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. قال النجاشي:
فأنت فما تقول. قال جعفر:
أنا على دينه، فرفع يده ثم وضعها. ثم قال النجاشي:
أناموسٌ كناموس موسى، ما يقول في عيسى؟ قال جعفر بن أبي طالب:
يقول: روح الله وكلمته. فأخذ النجاشي شيئًا من الأرض ثم قال:
ما أخطأ فيه مثل هذه، لولا ملكي لأتبعتكم. اذهب أنت يا عمرو، فوالله ما أبالي أن لا تأتيني أنت ولا أحد من أصحابك أبدًا، واذهب أنت يا حزب الله. فأنت آمن، من قتلك قتلته، من سبك غرمته. وقال لآذنه:
انظر هذا فلا تحجبه عني إلا أن أكون مع أهلي، فإن كنت مع أهلى فأخبره، فإن أبى إلا أن تأذن له فأذن له. فلما كان ذا عشية لقيته (١) في السكة، فنظرت خلفه، فلم أرَ خلفه أحد، فأخذت بيده، فقلت:
تعلم أني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. فغمزني، وقال:
أنت على هذا، فما هو إلا أن أتيت أصحابي كأنما شهدوني وإياه، فما سألوني عن شىء حتى أخذوني فصرعوني، فجعلوا على وجهى قطيفة، وجعلوا يغمونني (٢) بها، وجعلت أخرج رأسي أحيانًا حتى أنفلت عريانًا،
стр. 135
ما على قشرة، ولم يدعوا لي شيئًا إلا ذهبوا به، فأخذت قناع امرأة عن رأسها، فوضعته على فرجي، فقالت لي:
كذا. وقلت:
كذا. كأنها تعجبت مني، وأتيت جعفرًا فدخلت عليه بيته، فلما رآني قال:
ما شأنك؟ قلت:
ما هو إلا أن أتيت أصحابي فكأنما شهدوني وإياك، فما سألوني عن شيء حتى طرحوا على وجهي قطيفة، غموني بها أو غمزوني بها، وذهبوا بكل شىء من الدنيا حولي، وما ترى علي إلا قناع حبشية أخذته من رأسها. فقال جعفر:
انطلق. فلما انتهينا إلى باب النجاشي نادى:
ائذن لحزب الله، وجاء آذنه فقال:
إنه مع أهله. فقال جعفر:
استأذن لي عليه، فاستأذن له عليه، فأذن له، فلما دخل. قال جعفر:
إن عمرو قد ترك دينه واتبع ديني، قال النجاشي:
كلا. قال جعفر:
بلى، فدعا آذنه، فقال:
اذهب إلى عمرو، فقال:
إن هذا يزعم إنك تركت دينك واتبعت دينه. فقلت:
стр. 136
نعم. فجاء إلى أصحابي حتى قمنا على باب البيت، وكتبت كل شىء (١) حتى كتبت المنديل فلم أدع شيئًا ذهب إلا أخذته، ولو أشاء أن آخذ من أموالهم لفعلت.
ثم كنت بعد من الذين أقبلوا في السفن مسلمين) (٢). هذا ما حدث في الحبشة.
أمَّا في مكة
بعيدًا عن الحبشة، خلف آلاف الأميال خلف البحار خلف الجبال .. وسط لهب من الكفار كان ﷺ صامدًا لا يذوب لا ينثني .. قد أدرك أن قريشًا تعاند .. فلا بد من البحث عن تربة خيرًا من هذه التربة .. خيرًا من هذه الصخور الصلبة التي لا تنبت إلا القسوة .. لا بد من البحث عن قبائل تحتضن الدعوة .. تساندها وتدافع عنها وتجمع أشتاتها .. فدعاتها هاربون دائمًا .. هائمون دائمًا .. وغربتهم موحشة مضنية قد أذابتهم الأحزان .. وطوحتهم الأيام خلف الجبال والبحار وبين اللحود .. يتلفتون كأنهم قد سرقوا الإيمان سرقة .. يتلفتون خشية أن يؤخذ منهم .. يفزعون عند سماعهم خشف نعال .. أو طرق باب .. يفزعون فزع من حكم عليه بالإعدام .. فهو في زنزانته ينتظر الجلاّد ويرى الجلاد قادما مع كل حركة مع كل همسة .. يحس الموت يحصي بقية أنفاسه. فهل من مخرج.
стр. 137
يقول ربيعة الديلي:
رأيت رسول الله ﷺ بصر عيني بسوق ذي المجاز يقول:
يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا.
ويدخل في فجاجها (١) والناس متقصفون (٢) عليه، فما رأيت أحدًا يقول شيئًا، وهو لا يسكت يقول:
يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا).
نعم .. تفلحوا إنه لا يريد مالكم ولا متاعكم .. ما يريده هو العودة بهذا القطيع الشارد إلى موارد الماء والكلأ .. بعد أن تاه في صحاري الشرك الشاسعة .. التي تقطع الأعناق باللهاث خلف سرابها.
لكن قريشًا لا تدعه .. لا ترحمه .. حتى وهو يخاطب من ليس منها لا تدعه .. يصف ربيعة ما رأى فيقول:
(إلا أن وراءه رجلًا أحول وضىء الوجه، ذا غديرتين، يقول:
إنه صابئ كاذب. فقلت: من هذا؟ قالوا:
هذا محمد بن عبد الله وهو يذكر النبوة. قلت:
من هذا الذي يكذبه. قالوا: عمه أبو لهب) (٣).
стр. 138
كأن السورة التي نزلت فيه وفي امرأته أضرمت بيته .. فصار لا يقر له قرار وهو يرى عاره على كل لسان .. وفي كل نظرة لهبًا يشويه .. إنه التشفى ومحاولة إطفاء متأخرة لما قد احترق منه .. إن إسلام المزيد من الناس يعني لأبي لهب المزيد من شتمه والتقرب إلى الله باحتقاره وبغضه .. إنه يمارس التحطيم خلف رسول الله ﷺ حتى ولو فر منه .. يركض خلفه لا يطلب الراحة لنفسه ولا لغيره .. وكيف يجدها وقد حشته ظلث الآيات جمرًا .. يقول ربيعة:
(رأيت أبا لهب بعكاظ وهو يتبع رسول الله ﷺ ، وهو يقول:
يا أيها الناس إن هذا قد غوى فلا يغوينكم عن آلهة آبائكم، ورسول الله ﷺ يفر منه، وهو على أثره، ونحن نتبعه ونحن غلمان، كأني انظر إليه أحول ذا غديرتين، أبيض الناس وأجملهم) (١) بل ومن أشرفهم نسبًا .. لكن ذلك كله لا يجدي شيئًا في رجل حشرت في رأسه كل رموز التخلف والشرك والهمجية .. لا شىء سوى كتلة متورمة من الأحقاد والضغائن تتدحرج خلف رسول الله ﷺ الذي يتجاهله ويصوب بصره نحو الأمام .. يتبع القبائل كلها .. ويقف أمامها كلها .. يتلمس خيامها في كل سنة تنصب فيه تلك الخيام .. يدلف كل خباء .. يبحث فيه عن قلوب تتلمظ فيها الفطرة والعطش .. فيصغي إليها من سحاب التوحيد العذب والحياة الصافية مع الله ما يرويها ويذهب عطشها.
كان يغشى أسواقهم التي يقيمونها كل عام .. للتجارة والشعر
стр. 139
والأدب .. يغشاها ينثر في دروبها عبير الإيمان ويبحث عن أنصار .. وكان بصحبته رفيق طفولته .. وصدِّيق نبوته أبو بكر الصديق .. وشاب كله حياة .. هو وابن أخيه علي بن أبي طالب الذي يقول:
(لما أمر الله ﵎ رسوله ﷺ أن يعرض نفسه على قبائل العرب، خرج وأنا معه وأبو بكر ﵁ (١).
لقد (كان رسول الله ﷺ يعرض نفسه في كل سنة على القبائل من العرب أن يؤوه إلى قومهم حتى يبلغ كلام الله ورسالاته، ولهم الجنة) (٢).
لقد (لبث عشر سنين يتبع الحجاج في منازلهم في المواسم: مجنة، عكاظ ومنازلهم بمنى: من يؤويني وينصرني حتى أبلغ رسالات ربي وله الجنة) (٣) عشر سنوات يتلطف مع (بني حنيفة) و (كندة وكلب) يذهب إلى (بني عبس وهمدان) وله مع (بني عامر بن صعصعة) لقاعات .. عشر سنوات من الصبر والمكابدة (يتبع القبائل ووراءه رجل أحول وضيء (٤) ذو جمَّة (٥) , يقف رسول الله ﷺ على القبيلة ويقول:
يا بني فلان، إني رسول الله إليكم، آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به
стр. 140
شيئًا، وأن تصدقوني حتى أنفذ عن الله ما بعثني به، فإذا فرغ رسول الله ﷺ من مقالته، قال الآخر من خلفه:
يا بني فلان إن هذا يريد منكم أن تسلخوا اللات والعزى، وحلفاءكم من الحي بني مالك بن أقيش إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تسمعوا له، ولا تتبعوه) (١).
كانت أخباره تنتقل في كل اتجاه من جزيرة العرب فتصادف هذه المرة قلبًا لرجل من غفار:
إسلام أبي ذر الغفاري
لقد تعب أبو لهب من الركض خلف رسول الله ﷺ وأتعب يديه وتعبت زوجته من هذا التراب ينثرونه فوق رأس رسول الله ﷺ .. والشوك يغرزونه في طريقه .. لقد تعب أبو لهب وأتعب معه رسول الله ﷺ .. لكن تلك السنوات من الصبر والعرق كانت كفيلة بانتشار عبير الإِسلام فأخبار رسول الله ﷺ تطايرت هنا وهناك .. فصادفت قلوبًا مفتوحة ..
стр. 141
نفوسًا فسيحة .. فتعلقت بما سمعت وعشقته .. وأتعبت مطاياها في البحث عنه .. قلب أبي ذر من تلك القلوب .. ها هو يحدث من حوله عن ذلك الحب .. عن ذلك الشوق فيقول:
(كنت رجلًا من غفار، فبلغنا أن رجلًا قد خرج بمكة يزعم أنه نبي، فقلت لأخي: انطلق إلى هذا الرجل، كلمه، وائتنى بخبره.
فانطلق، فلقيه، ثم رجع، فقلت:
ما عندك؟ فقال:
والله لقد رأيت رجلًا يأمر بالخير، وينهى عن الشر، فقلت له:
لم تشفنى من الخبر. فأخذت جرابًا وعصًا، ثم أقبلت إلى مكة، فجعلت لا أعرفه، وأكره أن أسأل عنه، وأشرب من ماء زمزم، وأكون في المسجد، فمر بي علي، فقال: كأن الرجل غريب؟ قلت: نعم.
قال: فانطلق إلى المنزل. فانطلقت معه لا يسألني عن شىء، ولا أخبره، فلما أصبحت غدوت إلى المسجد لأسأل عنه، وليس أحد يخبرني عنه بشىء , فمر بي علي. فقال:
أما نال للرجل يعرف منزله بعد؟ قلت:
لا. قال:
انطلق معي. فقال علي:
ما أمرك، وما أقدمك هذه البلدة؟ قلت له:
إن كتمت علي أخبرتك. قال:
فإني أفعل. قلت له:
стр. 142
بلغنا أنه قد خرج ها هنا رجل يزعم أنه نبي، فأرسلت أخي ليكلمه، فرجع ولم يشفنى من الخبر، فأردت أن ألقاه، فقال علي بن أبي طالب:
أما إنك قد رشدت، هذا وجهي إليه، فاتبعني، ادخل حيث أدخل، فإن رأيت أحدًا أخافه عليك. قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي، وامضِ أنت، فمضى ومضيت معه، حتى دخل، ودخلت معه على النبي ﷺ ، فقلت له:
اعرض علي الإِسلام. فعرضه فأسلمت مكاني، فقال لي:
يا أبا ذر، اكتم هذا الأمر، وارجع إلى بلدك، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل.
فقلت: والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين أظهرهم، فجاء إلى المسجد، وقريش فيه. فقال أبو ذر:
يا معشر قريش، إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله فقالوا:
قوموا إلى هذا الصابئ. فقاموا، فضربت لأموت، فأدركنى العباس، فأكب علي، ثم أقبل عليهم، فقال:
ويلكم، تقتلون رجلًا من غفار، ومتجركم وممركم على غفار.
فأقلعوا عني، فلما أصبحت الغد رجعت فقلت مثل ما قلت بالأمس.
فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ، فصنع مثل ما صنع بالأمس، وأدركنى العباس، فأكب علي، وقال مثل مقالته بالأمس) (١).
كان الشرك رعبًا تطوف أشباحه في دروب المسلمين فترقب أبوابهم وأفواههم .. علي بن أبي طالب لا يستطيع التحدث بالأمر خوفًا على
стр. 143
رسول الله ﷺ .. وأبو ذر كذلك .. ولما سأل علي ضيفه سؤالًا عاديًا .. كان الجواب غير عادي .. لقد سأله علي ﵁ فقال: (ألا تحدثني ما الذي أقدمك. قال أبو ذر: إن أعطيتني عهدًا وميثاقًا لترشدنني فعلت. ففعل، فأخبره) (١).
إن على الكلمات رقيبًا .. وما لم تثق بمحدثك فإن الكلمات مجازفة بالحياة .. والصمت أسلم .. وبعد أن أسلم أبو ذر .. لم يعطه ﷺ شيئًا غير الشهادتين .. لم يخبره عمن أسلم حتى أنه كان يقول: (كنت ربع الإِسلام، أسلم قبلي ثلاثة نفر وأنا الرابع) ومن المعروف أن هناك الكثير ممّن أسلم قبله .. ولم يعده النبي ﷺ بنصر في الدنيا .. بل إنه لم يتدخل إطلاقًا عندما ضربه كفار قريش وكاد أن يموت بين أيديهم .. لقد أشار عليه ﷺ بالكتمان وأمره بالرجوع إلى أهله .. لكن حماس أبي ذر طغى فنال من قريش ما نال.
أبو بكر الصديق يناله العذاب أيضًا .. يؤذونه ويشتمونه ويتعرضون له في الطرقات حتى أصبحت مكة أضيق من موضع قدميه .. عندها قرر الهجرة إلى أرض يجد فيها شمسًا وهواء وعبادة .. بعيدًا عن أرجاس الطغاة وسياطهم ..
أبو بكر يهاجر
تقول عائشة بنت الصديق أبي بكر ﵃: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين .. ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار .. بكرة وعشية .. فلما ابتلي المسلمون .. خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة حتى بلغ برك الغماد .. لقيه ابن الدغنة -وهو سيد القارة- فقال:
стр. 144
(أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر:
أخرجى قومي، فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي، فقال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يُخرج، ولا يخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا جار لك، ارجع واعبد ربك ببلدك. فرجع وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش. فقال لهم: إن أبا بكر لا يُخرج مثله ولا يخرج، أتُخرجون رجلًا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق، فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا لابن الدغنة:
مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها , وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا.
فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدًا بفناء داره، وكان يصلي فيه، ويقرأ القرآن، فينقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلًا بكاءًا، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم، فقالوا:
إنا كنا قد أجرنا أبا بكر بجوارك، على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدًا بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك،
стр. 145
فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان، فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر، فقال:
قد علمت الذي عاقدت عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترجع إلي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني اُخْفِرتُ في رجل عقدت له.
فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله (١).
فقام ابن الدغنة، فقال:
(يا معشر قريش إن ابن أبي قحافة قد رد علي جواري، فشأنكم بصاحبكم) (٢) وكانت قريش وسفهاؤها بالانتظار، ولن يشك أحد بهجوم أحد هؤلاء المجرمين فيضربه ﵁، أو يدميه، أو يحثو في وجهه التراب، فليس له من نصير سوى الله، وسيتحمل في سبيله كل ما يصادفه، أما رفاقه فشاردون في الشعاب والأودية، هاربون من بطش قريش المفزع. وأما نبيهم فقد نزف دمه وتفاقم جرحه وألمه.
دماء رسول الله
في أحد أيام المعاناة .. أيام مكة الملتهبة .. (اشتكى رسول الله ﷺ .. فلم يقم ليلتين أو ثلاثًا، فجاءت امرأة فقالت: إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثًا (٣).