← Сира

Сира · id 123668

السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة

محمد الصوياني

Полный текст (1 354 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

نفوسًا فسيحة .. فتعلقت بما سمعت وعشقته .. وأتعبت مطاياها في البحث عنه .. قلب أبي ذر من تلك القلوب .. ها هو يحدث من حوله عن ذلك الحب .. عن ذلك الشوق فيقول: (كنت رجلًا من غفار، فبلغنا أن رجلًا قد خرج بمكة يزعم أنه نبي، فقلت لأخي: انطلق إلى هذا الرجل، كلمه، وائتنى بخبره. فانطلق، فلقيه، ثم رجع، فقلت: ما عندك؟ فقال: والله لقد رأيت رجلًا يأمر بالخير، وينهى عن الشر، فقلت له: لم تشفنى من الخبر. فأخذت جرابًا وعصًا، ثم أقبلت إلى مكة، فجعلت لا أعرفه، وأكره أن أسأل عنه، وأشرب من ماء زمزم، وأكون في المسجد، فمر بي علي، فقال: كأن الرجل غريب؟ قلت: نعم. قال: فانطلق إلى المنزل. فانطلقت معه لا يسألني عن شىء، ولا أخبره، فلما أصبحت غدوت إلى المسجد لأسأل عنه، وليس أحد يخبرني عنه بشىء , فمر بي علي. فقال: أما نال للرجل يعرف منزله بعد؟ قلت: لا. قال: انطلق معي. فقال علي: ما أمرك، وما أقدمك هذه البلدة؟ قلت له: إن كتمت علي أخبرتك. قال: فإني أفعل. قلت له:

стр. 142

بلغنا أنه قد خرج ها هنا رجل يزعم أنه نبي، فأرسلت أخي ليكلمه، فرجع ولم يشفنى من الخبر، فأردت أن ألقاه، فقال علي بن أبي طالب: أما إنك قد رشدت، هذا وجهي إليه، فاتبعني، ادخل حيث أدخل، فإن رأيت أحدًا أخافه عليك. قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي، وامضِ أنت، فمضى ومضيت معه، حتى دخل، ودخلت معه على النبي ﷺ ، فقلت له: اعرض علي الإِسلام. فعرضه فأسلمت مكاني، فقال لي: يا أبا ذر، اكتم هذا الأمر، وارجع إلى بلدك، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل. فقلت: والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين أظهرهم، فجاء إلى المسجد، وقريش فيه. فقال أبو ذر: يا معشر قريش، إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ. فقاموا، فضربت لأموت، فأدركنى العباس، فأكب علي، ثم أقبل عليهم، فقال: ويلكم، تقتلون رجلًا من غفار، ومتجركم وممركم على غفار. فأقلعوا عني، فلما أصبحت الغد رجعت فقلت مثل ما قلت بالأمس. فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ، فصنع مثل ما صنع بالأمس، وأدركنى العباس، فأكب علي، وقال مثل مقالته بالأمس) (١). كان الشرك رعبًا تطوف أشباحه في دروب المسلمين فترقب أبوابهم وأفواههم .. علي بن أبي طالب لا يستطيع التحدث بالأمر خوفًا على

стр. 143

رسول الله ﷺ .. وأبو ذر كذلك .. ولما سأل علي ضيفه سؤالًا عاديًا .. كان الجواب غير عادي .. لقد سأله علي ﵁ فقال: (ألا تحدثني ما الذي أقدمك. قال أبو ذر: إن أعطيتني عهدًا وميثاقًا لترشدنني فعلت. ففعل، فأخبره) (١). إن على الكلمات رقيبًا .. وما لم تثق بمحدثك فإن الكلمات مجازفة بالحياة .. والصمت أسلم .. وبعد أن أسلم أبو ذر .. لم يعطه ﷺ شيئًا غير الشهادتين .. لم يخبره عمن أسلم حتى أنه كان يقول: (كنت ربع الإِسلام، أسلم قبلي ثلاثة نفر وأنا الرابع) ومن المعروف أن هناك الكثير ممّن أسلم قبله .. ولم يعده النبي ﷺ بنصر في الدنيا .. بل إنه لم يتدخل إطلاقًا عندما ضربه كفار قريش وكاد أن يموت بين أيديهم .. لقد أشار عليه ﷺ بالكتمان وأمره بالرجوع إلى أهله .. لكن حماس أبي ذر طغى فنال من قريش ما نال. أبو بكر الصديق يناله العذاب أيضًا .. يؤذونه ويشتمونه ويتعرضون له في الطرقات حتى أصبحت مكة أضيق من موضع قدميه .. عندها قرر الهجرة إلى أرض يجد فيها شمسًا وهواء وعبادة .. بعيدًا عن أرجاس الطغاة وسياطهم .. أبو بكر يهاجر تقول عائشة بنت الصديق أبي بكر ﵃: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين .. ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار .. بكرة وعشية .. فلما ابتلي المسلمون .. خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة حتى بلغ برك الغماد .. لقيه ابن الدغنة -وهو سيد القارة- فقال:

стр. 144

(أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجى قومي، فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي، فقال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يُخرج، ولا يخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا جار لك، ارجع واعبد ربك ببلدك. فرجع وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش. فقال لهم: إن أبا بكر لا يُخرج مثله ولا يخرج، أتُخرجون رجلًا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق، فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها , وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا. فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدًا بفناء داره، وكان يصلي فيه، ويقرأ القرآن، فينقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلًا بكاءًا، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم، فقالوا: إنا كنا قد أجرنا أبا بكر بجوارك، على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدًا بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك،

стр. 145

فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان، فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر، فقال: قد علمت الذي عاقدت عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترجع إلي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني اُخْفِرتُ في رجل عقدت له. فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله (١). فقام ابن الدغنة، فقال: (يا معشر قريش إن ابن أبي قحافة قد رد علي جواري، فشأنكم بصاحبكم) (٢) وكانت قريش وسفهاؤها بالانتظار، ولن يشك أحد بهجوم أحد هؤلاء المجرمين فيضربه ﵁، أو يدميه، أو يحثو في وجهه التراب، فليس له من نصير سوى الله، وسيتحمل في سبيله كل ما يصادفه، أما رفاقه فشاردون في الشعاب والأودية، هاربون من بطش قريش المفزع. وأما نبيهم فقد نزف دمه وتفاقم جرحه وألمه. دماء رسول الله في أحد أيام المعاناة .. أيام مكة الملتهبة .. (اشتكى رسول الله ﷺ .. فلم يقم ليلتين أو ثلاثًا، فجاءت امرأة فقالت: إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثًا (٣).

стр. 146

ولم تكن هذه المرأة الجاهلة ترمي إلى أكثر من التشفي، أما ما حدث فهو أنه قد رمي رسول الله ﷺ بحجر في أصبعه، فقال: (هل أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت فمكث ﷺ ليلتين أو ثلاثًا لا يقوم، فقالت امرأة: ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فنزلت (١): ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾. أيها النبي النازف، المتهم .. ها هو العظيم يقسم أنه ما تركك، وما تخلى عن نصرتك .. فلا تستمع لهؤلاء المرتكسين. لديك مهمة فأدها، وجزاؤك أبدًا ليس في الدنيا .. إنه هناك في الجنة .. في الفردوس ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾: لكن وأنت في زحمة الأذى وتداعي المصائب .. ومحاولات الإحباط .. وأنت في هذا كله تذكر نعمة الله عليك .. وإياك إياك أن تنسى ذلك المنكسر .. الذي تمتد يداه .. تحوم عيناه يبحث عن أبيه .. فيجيبه اليتيم بالنحيب .. كن له أبًا .. قد كنت يتيمًا فتذكر مرارة اليتم .. وكنت مسكينًا فلا تنهر مسكينًا .. ولا ترد يده .. ولا تعرض عنه ..

стр. 147

حتى ولو كنت في درب لزب بالشواغل .. التفت إليه وواسه .. كم هي ثقيلة أمانة النبوة .. نبي كسير حسير يحتاج إلى مواساة فيؤمر بالمواساة للأيتام والكادحين والفقراء وإلا عوتب .. وإن كان نبيًا .. لقد نزلت كلمات عتاب أخرى لرسول الله ﷺ بسبب غفلة بسيطة عن أحد المساكن .. فما الذي حدث عندما: عبس وتولى نزل قول الله : ﴿عبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) في صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ عتاب شديد أنزله الله سبحانه .. ووجهه إلى نبيه .. ولو لم يكن محمد ﷺ نبيًا لأخفى ذلك العتاب ومحاه .. ولم يطلع عليه أحدًا .. لكنها النبوة .. لكنه الأمين .. أما قصة ذلك العتاب فهي أن مسلمًا مسكينًا ضرير البصر اسمه: عبد الله بن أم مكتوم (أتى رسول الله ﷺ فجعل يقول: أرشدني -وعند رسول الله ﷺ رجل من عظماء المشركين-، فجعل النبي ﷺ يعرض عنه، ويقبل على الآخر، ويقول: أترى بما أقول بأسًا، فيقول: لا) (١) فأنزل الله آياته تصحح الخطأ وتجبر الكسر .. ترى

стр. 148

كم يساوي ذلك الأعمى المسكن عند الله .. لقد استحق نزول آيات الجبار تعاتب نبيه فيه .. إنه في ميزان الإِسلام: رجل مسلم .. اختار الله ورفض الأوثان .. ولن يفرق الإِسلام يومًا بين مسكين وثري .. فالجميع بنيان متراص وطاقات متناغمة .. تسير بالإنسانية نحو جمال الحياة وصفائها .. وكما أن لهؤلاء المشركين حق الدعوة والتبشير .. فإن لهذا المسكين ولكل المساكين حقوقًا .. لقد أدب الله نبيه ﷺ فأحسن تأديبه .. فهو يذرع الأرض امتثالًا ويقول: (اللَّهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكن) (١). إنه يقول: (آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد، فإنما أنا عبد) (٢)، ويقول ﷺ : (أنا وكافل اليتيم له أو لغيره في الجنة، والساعى على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله (٣)، (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا) (٤)، يعني متجاورين فأين سيكون جار النبي ﷺ إن لم يكن في الفردوس الأعلى منها .. وذلك لا يعني إغفال الأغنياء والسادة المطاعين .. فإن إسلامهم نصر عظيم .. والحياة تقوم على تكاتف الفقير مع الغني .. لكن في أحوال السادة نزوع إلى الاحتفاظ بما حولهم .. فالجديد وإن كان صوابًا يزعج بعضهم .. يخشون أن يطمسهم .. ويسلب ما بأيديهم .. ويغير مواقعهم على الأرض .. فهم على بابه مترددون .. أولئك إرادتهم كالأوراق تنتظر الرياح .. أحد هؤلاء هو:

стр. 149

الوليد بن المغيرة: مؤمن فكافر (فقد جاء إلى النبي ﷺ ، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عم إن قومك يرون أن يجمعوا لك مالًا. قال الوليد: لِمَ؟ قال أبو جهل: ليعطوكه، فإنك أتيت محمدًا لتعرض لما قبله. قال الوليد: قد علمت قريش أني من أكثرها مالًا. قال أبو جهل: فقل فيه قولًا، يبلِّغ قومك أنك منكر له. قال الوليد: وماذا أقول، فوالله ما فيكم أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجز ولا بقصيدة مني، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته، قال أبو جهل: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني أفكر فيه. فلما فكر. قال الوليد: هذا سحر يؤثر، يأثره عن غيره. فنزلت: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ

стр. 150

(٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾ (١). إذا كان هذا وصفهم للقرآن وإنه ليس من كلام البشر .. ولا من كلام الجن فماذا يريدون إلا العناد .. ومعه شيء آخر هو العناد .. لذلك فقد سلكوا طرقًا عديدة .. يحاولون النفاذ من أحدها نحو نصر ما، وكان أحد هذه الطرق الملتوية: طلب المعجزات .. اجتمعوا يومًا حوله ﷺ ثم طالبوه بأن يقدم لهم معجزة .. فأراهم: انشقاق القمر يا له من طلب غريب .. لا يراد منه سوى التعجيز ليجدوا لأنفسهم عذرًا للتكذيب .. ومع ذلك فقد تحققت المعجزة .. وأراها الله ورسوله ﷺ لهؤلاء فهل غيَّرَ ذلك من موقفهم؟ يقول أنس بن مالك ﵁: (سأل أهل مكة النبي ﷺ آية، فانشق القمر بمكة مرتين) (٢).

стр. 151

(فقال كفار قريش أهل مكة: هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة، انظروا السفار، فإن كانوا رأوا ما رأيتم، فقد صدق، وإن كانوا لم يروا مثل ما رأيتم فهو سحر سحركم به. فسئل السفار - وقدموا من كل جهة. فقالوا: رأينا) (١). وقالوا هم أيضًا: (محمَّد لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم) (٢). وكان الناس ينظرون إليه من مواقع مختلفة، فهناك من رأى (الجبل من بين فرجتي القمر) (٣)، وهناك من رأى (فلقة فوق الجبل، وفلقة دونه) (٤). وهناك من رأى (فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل) (٥). وسبب هذا الاختلاف في الوصف .. هو الاختلاف في الأماكن التي يقفون فيها أثناء الحدث .. فهذا أمام جبل .. وهذا خلف جبل .. وذاك هناك و .. ولا شك أن للمسافرين الذين قدموا وصفًا آخر .. لكنهم أحمعوا على أن الشق قد حدث .. وخسرت قريش أمام هذه المعجزة .. لتلجأ للاتهام مرة أخرى فتقول كما قال الوليد عن القرآن: سحر

стр. 152

مستمر .. سحر ذاهب ومضمحل. وفي ذلك أنزل الله سبحانه: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ..﴾ (١). وبعد هذا التكذيب وهذه المكابرة العارية المخيبة للآمال لم يترك الله نبيه ﷺ دون: مواساة بعد هذا التكذيب المفضوح .. يقص سبحانه على نبيه ﷺ قصصًا ماضية .. لأقوام قد مرت ودمرت .. يا محمَّد لم يكن قومك أول من كذب وعاند .. فلقد: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ (٢) ثم يقص عليه كيف شرقوا بالاء وغرقوا .. كذلك ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ﴾ (٣) و ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ﴾ (٤) ومثلهم ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ (٥) ويختم هؤلاء الطغاة بأعتاهم إنهم آل فرعون: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (٦).

стр. 153

ثم يتوجه السياق من الماضي المدفون إلى الحاضر الحي .. إلى قومك أهل مكة المشركين وإلى غيرهم ما دامت السماوات والأرض: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (١). لكن المشركين يدفنون الحق في أعماقهم .. ويعترفون به لكنه اعتراف كـ: اعتراف أبي جهل بالحقيقة حيث كان أحد دهاة العرب ودهاة الطائف وهو: المغيرة بن شعبة ولأول مرة يعرف صدقه ﷺ .. لكن على لسان من؟ الإجابة مدهشة .. لأنها تومض كالجمر على لسان طاغوت قريش أبي جهل. يقول المغيرة: (إن أول يوم عرفت رسول الله ﷺ ، أني كنت أمشي أنا وأبو جهل بن هشام في بعض أزقة مكة، إذ لقينا رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ لأبي جهل: يا أبا الحكم، هلم إلى الله ، وإلى رسوله، أدعوك إلى الله. قال أبو جهل: يا محمَّد هل أنت منته عن سب آلهتنا، هل تريد إلا أن نشهد أن قد بلغت، فنحن نشهد أن قد بلغت، فوالله لو أني أعلم أن ما تقول حقًا ما اتبعتك. فانصرف رسول الله ﷺ ، وأقبل أبو جهل على فقال: فوالله إني لأعلم أن ما يقول حق، لكن بني قصي. قالوا:

стр. 154

فينا الحجابة. فقلنا: نعم. قالوا: فينا الندوة. فقلنا: نعم. ثم قالوا: فينا اللواء، فقلنا: نعم. قالوا: فينا السقاية. فقلنا: نعم. ثم أطعموا وأطعمنا، حتى إذا تحاكت الركب، قالوا: منا نبي. والله لا أفعل) (١). طاغوت مكة لا ينكر النبوة .. لكنه يرفضها لأنها لم تكن في بيته يرفضها. لأن محمدًا ﷺ ليس من أهل بيته .. إن أبا جهل يرفض أن يكون تابعًا لمنافسه في الرياسة والشرف .. يستحث قريشًا لمحاربة محمَّد ﷺ وصحبه لا لمصلحة قريش .. لا ولا حبًا في قومه .. إنما حبًا لنفسه .. فلتذهب مكة وقريش للجحيم من أجل إرضاء غروره .. هذا هو منطق الطغاة .. يخفونه بألسنتهم فتفضحه أعمالهم .. ولم تقتصر التهم على تهمتي الكذب والسحر فـ: الجنون تهمة جديدة لا بد من إلصاق تهمة جديدة تبعد الناس عنه .. لا سيما عندما يسيل الحجيج نحو مكة .. ولا شيء يفر الناس منه مثلما يفرون من المجنون والمجذوم .. فليكن محمَّد مجنونًا .. قالتها قريش دون حياء .. الأمين صيروه مجنونًا .. وما يأتي به من آيات كريمة مجرد هراء .. يهذي به بلا وعي ..

стр. 155

فرية صدَّقها الأغبياء .. وصدَّقها العقلاء الذي حال بينهم وبن محمَّد ﷺ ضباب كثيف من التهم والتحذير قبل أن يلقوه .. ويسمعوا منه .. أحد هؤلاء العقلاء رجل من (أزدشنوءة) .. اسمه (ضماد) قدم مكة .. وكان (يرقي من هذه الرياح، فسمع سفهًا من سفهاء الناس يقولون: إن محمدًا مجنون .. فقال ضماد: آتى هذا الرجل لعل الله أن يشفيه على يدي، فلقيت محمدًا ﷺ ، فقلت: إني أرقي من هذه الرياح، وإن الله يشفي على يدي من يشاء، فهلم. فقال محمَّد ﷺ : إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. فقال ضماد: والله لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل هؤلاء الكلمات، فهلم يدك أبايعك على الإسلام، فبايعه رسول الله ﷺ ، وقال له: وعلى قومك. فقال ضماد: وعلى قومي) (١). كلمات حق كشفت لهذا الطبيب كم هو مريض .. وكشفت له أي عملاق صادق ماثل أمامه .. ولقد قال ﷺ له ذلك لأنه ليس له موطئ قدم بمكة .. ولأن الإِسلام بحاجة إلى أمثاله من العقلاء ليتولوا نشر دين الله في أقوامهم.

стр. 156

وحيد في حرة يثرب لم يكن ضماد هو الوافد الوحيد الذي استمع إلى رسول الله ﷺ .. فهناك الكثير .. الكثير .. منهم من منعه الخوف من التَّفَوُّهِ فاكتفى بنظرات كلها حسرة .. وعاد بصمت إلى موطنه .. ومنهم من كشف عما يتردد في صدره لرسول الله ﷺ .. ثم عاد إلى دياره بالطريقة التي تعجبه .. لكن هناك من استمع إلى الحق حتى فرغ رسول الله ﷺ .. فلما هم أن يبوح بما في قلبه من إيمان .. ارتدت أنفاسه الحارة جمرًا .. حممًا بين أضلاعه .. عندما امتدت يد التسلط تحشو فمه بالتراب وتلجمه بالصمت .. فلم يتمكن من البوح إلا ساعة الممات .. ساعة لقاء ربه .. عندها تحول الحب شلال نور يزيح تراب الأصنام ويحطم قبضة المتسلط كان ذلك لما (قدم أبو الحيسر "أنس بن رافع" مكة، ومعه فتية من بني عبد الأشهل، وفيهم: "إياس بن معاذ"، يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، سمع بهم رسول الله ﷺ ، فأتاهم، فجلس إليهم، فقال ﷺ لهم: هل لكم في خير مما جئتم له؟ فقالوا له: وماذا؟ قال ﷺ : أنا رسول الله، بعثني إلى العباد، أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا، وأنزل علي كتاب. ثم ذكر لهم الإِسلام، وتلا عليهم القرآن. فقال إياس بن معاذ -كان غلامًا حدثًا-: أي قوم: هذا والله خير مما جئتم به. فأخذ أبو الحيسر "أنس بن رافع" حفنة من تراب البطحاء، فضرب بها وجه إياس بن معاذ، وقال: دعنا منك، فعمري لقد جئنا لغير هذا، فصمت إياس. وقام رسول الله ﷺ ، عنهم، وانصرفوا إلى المدينة، وكان وقعة (بعاث) بين الأوس والخزرج، ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك. قال محمود بن لبيد: فأخبرني من حضره من قومه عند

стр. 157

موته، أفم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله تعالى ويكبره، ويحمده ويسبحه حتى مات، فما كانوا يشكون أن قد مات مسلمًا، لقد كان استشعر الإِسلام في ذلك المجلس، حين سمع من رسول الله ﷺ ) (١). تتحول الأشياء في أيدي المتسلطين إلى عصى وسياط حتى التراب استعملوه لتكميم الأفواه .. وما لهم لا يفعلون وهم يرون أبا لهب يتعقب ابن أخيه يسفي عليه التراب .. يقهره ويكذبه.، ويأمر الناس أن يقهروه ويكذبوه .. كأنه عار يريد التخلص منه .. فكيف بشاب مستضعف كإياس .. غيرته كلمات الحق .. فطواها وكتمها في نفسه .. ولما حل بحرة يثرب تماهت غربته في غوره .. تلتحم به ويلتحم بها .. ولما مد الموت يده إليه أخرج تلك الكلمات لمن حوله بعد أن هم بالرحيل .. وهَمَّ الخوف أيضًا بالرحيل .. وما كان يقوى على إظهارها عندما كان هائمًا بينهم .. وما كانوا ليطيعوه. يا لغربة الموحدين .. يا لحالهم .. لكن الله معهم يدافع عنه دائمًا كما دافع عن: سعد والفقراء فقد رفض سبحانه ذلك التعسف الطاغوتي .. وتك الأوامر العفنة التي انطلقت من أفواههم ... يقول سعد بن أبي وقاص ﵁: (كنا مع رسول الله ﷺ ، ونحن ستة نفر، فقال المشركون: اطرد هؤلاء

стр. 158

عنك فلا يجترئون علينا - وكنت أنا وعبد الله بن مسعود، ورجل من هذيل، ورجلان قد نسيت اسمهما، فوقع في نفس النبي ﷺ ، ما شاء الله، وحدث به نفسه (١)، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾) (٢). لقد حار هؤلاء في أنفسهم وتخبطوا في مطالبهم .. فكل شيء حولهم يدينهم ويلوي أعناقهم .. ها هم في تخبطهم مرة أخرى يطلبون: معجزة الذهب فقد (قالت قريش للنبي ﷺ : ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبًا، نؤمن بك. قال رسول الله ﷺ : وتفعلون؟ قالوا: نعم. فدعا، فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام، ويقول: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبًا، فمن كفر بعد ذلك منهم عذبته عذابًا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإن شئت، فتحت لهم أبواب التوبة والرحمة. قال ﷺ : بل باب التوبة والرحمة) (٣).

стр. 159

يا لرحمته ﷺ بهؤلاء الذين آذوه وقهروه وأذلوه .. إنه يطلب لهم الرحمة والتوبة .. فهو لم يبعث جبارًا منتقمًا .. إنه كما قال عن نفسه: (إنما أنا رحمة مهداة) (١) هذا هو محمَّد ﷺ .. أما أولئك .. فقد أنزل الله على نبيه سورة الأنعام وفيها يصفهم .. يفصح عن حقيقتهم التي ارتضوها لأنفسهم .. إنه العناد والعناد فقط فلا الآيات ولا المعجزات ولا غيرها تقنعهم .. يقول سبحانه: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ (٢). أما قومك يا محمَّد: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣).

стр. 160

ثم يخبره سبحانه مرة أخرى عن حقيقة هؤلاء مسليًا نبيه .. طاردًا ذلك الوجوم الذي يخيم عليه من تكذيب قوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١) وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٣٢) قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (١). ولو جمعهم سبحانه وأرغمهم على الهدى لسلب منهم الحرية والإرادة .. كما سلبها من سائر المخلوقات .. لكنه فضلهم وكرمهم بهذه الإرادة فهم يختارون طريقهم .. وسيحاسبون عليه .. لأنهم حملوا الأمانة التي عجزت عنها السماوات والأرض والجبال .. وهي الإرادة .. هذه الحيوانات ستصير يوم القيامة ترابًا لأنها مسلوبة الإرادة .. إنها جزء من هذا الكون المسخر للإنسان .. المعجون لابن آدم يتصرف فيه كيف يشاء .. ثم يحاسب في نهاية المطاف على تصرفه ذلك .. وهنا تنتصب الحقيقة ماثلة أمام الجميع: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (٢). مجاعة في مكة حالة واحدة تخضع فيها قريش للحق .. هي البطش .. ونزع الحرية

стр. 161

والاختيار منهم .. عندما يذوقون العذاب تتوه منهم إرادتهم .. عندها ينحنون للحق معلنين التوبة والإنابة. يقول سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١). لقد حدث ذلك من قريش كما أخبر سبحانه .. تنازلوا عن كل شيء .. ودسوا جباههم في التراب وانحنوا جوعًا وخوفًا وهزالًا .. حدث ذلك عندما (دعا رسول الله ﷺ قريشًا إلى الإِسلام فابطأوا عليه، فقال ﷺ : اللَّهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف (٢). فأخذتهم سنة فحصت كل شيء حتى أكلوا الميتة والجلود، حتى جعل الرجل يرى بينه وبين السماء دخانًا من الجوع. قال الله : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣). فدعوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ (٤). [فأتى رسول الله ﷺ فقيل: يا رسول الله استسق الله لمضر فإنها قد هلكت .. فاستسقى فلما أصابتهم الرفاهية عادو إلى حالهم]. ثم عادوا في كفرهم (٥). ما أسرع نسيان قريش .. ويحهم أما تعلقوا بأستار الكعبة يوم ولد

стр. 162

رسول الله ﷺ هربًا من الفيل الحبشي وأصحابه .. ولتنشيط ذاكرتهم تنزل كلمات الله سبحانه .. تنزل سورة الفيل تهز قريش وترفع رأسها نحو السماء علها تفيق وتدرك ما يحدث: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ (١). وتنزل سورة أخرى على محمَّد ﷺ .. تهز ذاكرتم وسباتهم مرة أخرى: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (٢). لكنهم لا يفيقون .. إنهم خشب مسندة .. حجارة تتدحرج فتحطم ما تحتها .. إن كل محاولة للتذكر تعقبها سطوة من قريش وتنكيل .. والنتيجة جراح ودموع وأنين تضج بها دور المستضعفين .. ما الذي يرضى هؤلاء .. وماذا يريدون. ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ (٣) قريش أهل فصاحة ومعرفة بلغة القرآن أكثر من غيرهم ممّن جاءوا بعدهم .. لقد سحرهم هذا القرآن ببلاغته وبيانه .. واعترفوا بعجزهم عن أن يأتوا بمثله .. ورفضوا أن يكون هذا الكلام صادرًا من بشر .. وماذا بعد؟ لا شيء .. إصرار على الموقف .. وحسد لمن اختاره الله نبيًا .. ومحاولة

стр. 163

لتعجيزه ﷺ بكثرة الطلبات .. لكن الله سبحانه ينزل آياته قاطعًا دابر العبث القرشي .. فالإيمان لا يحتاج إلى تلك المطالب الساذجة .. إنه فقط يحتاج قلبًا مفتوحًا وفكرًا سليمًا. الرسول ﷺ والتعجيز يقول سبحانه عن مطالب هؤلاء: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ (١). ثم يذكر سبحانه مطالبهم لنبيه ﷺ لكي يؤمنوا: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾. لكن الله يبين حقيقة رسوله ﷺ لهؤلاء الهمج .. إنه مجرد رسول .. بشر .. وليس عليه سوى البلاغ: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ (٢). فتى قريش لا ييأس مع كل هذا التعنت .. ومحاولات الهروب من حصار الحقيقة يستمر ﷺ في دعوته بلا يأس .. بلا كلل. كلما ضاقت به مكة تلمس الأتباع حولها .. لقد (لبث عشر سنين يتبع الحاج في منازلهم في المواسم -مجنة-عكاظ- ومنازلهم بمنى: من يؤويني وينصرني حتى أبلغ رسالات ربي وله

стр. 164

الجنة، فلا يجد أحدًا يؤويه ولا ينصره، حتى أن الرجل يرحل صاحبه من مصر أو اليمن، فيأتيه قومه، أو ذوو رحمه، فيقولون: احذر فتى قريش لا يفتنك. يمشي بين رحالهم، يدعوهم إلى الله ، يشيرون إليه بأصابعهم) (١) والإشارات تختلف باختلاف المشيرين .. هناك المعجب وهناك الساخر .. وهناك المشفق .. وهناك من قيده الخوف فهو يشير بقلبه .. وتتلاشى تلك الإشارات ربما عند المساء دلالة على خلو الساحة من محمَّد ﷺ .. فقد عاد إلى بيته وزوجته .. يناجى ربه .. وينام .. ومع كل صباح يعود من جديد إلى التبشير بدعوته .. لينتشل من أمته ما يستطيع انتشاله .. وطرقات مكة المؤدية لبيته الصغير لا تخلو من المتربصين له يحملون الأذى بأيديهم وألسنتهم .. يُسْمِعونه ما يكره .. ويرونه ما يؤذيه .. حتى اسمه ﷺ قلبوه .. فأصبحوا يقولون: (مذممًا) لا (محمدًا) لكن ذلك لا يضره فالله يصرف عنه الأذى واللعن. يقول ﷺ : (انظروا قريشًا كيف يصرف الله عني شتمهم ولعنهم، يشتمون "مذممًا" ويلعنون "مذممًا"، وأنا محمَّد) (٢). ماذا لدى قريش من فكر .. ماذا لديها من عقيدة حتى تعاند كل هذا العناد .. ليس لديها سوى أكوام من الحجارة نصبتها فوق الكعبة .. ثم بايعتها على الألوهية .. فهل ستفيق قريش من غيبوبتها إذا رأتها نثارًا حول الكعبة؟ هل ستسأل نفسها: كيف تتحطم الآلهة أم أنها ستقول:

стр. 165

من حطم الأصنام ؟ قريش تسأل غاضبة ولدى فتى الإِسلام علي بن أبي طالب الجواب: (انطلقت أنا والنبي ﷺ حتى أتينا الكعبة، فقال لي رسول الله ﷺ : اجلس، وصعد على منكبي، فذهبت لأنهض به، فرأى مني ضعفًا، فنزل وجلس نبي الله ﷺ ، وقال: اصعد على منكبي. فصعدت على منكبه، فنهض بي، فإنه يخيل إلي لو شئت لنلت أفق السماء، حتى صعدت على البيت، وعليه تمثال صفر، أو نحاس، فجعلت أزاوله (١) عن يمينه وعن شماله وبن يديه ومن خلفه، حتى إذا استمكنت منه قال رسول الله ﷺ : اقذف به .. فقذفت به، فتكسر كما تنكسر القوارير، ثم نزلت، فانطلقت أنا ورسول الله ﷺ نستبق، توارينا بالبيوت خشية أن يلقانا أحد من الناس) (٢). ولما استيقظت قريش وجدت آلهتها مسحوقة .. كالرمل كالرماد.، هل قالت قريش لنفسها: ما هذه الآلهة التي لا تستطيع الدفاع عن نفسها .. كيف نعبد رملًا .. نعبد رمادًا؟ لم نتلق ردًا من قريش .. لكنه الغضب لا شك .. لا بد أنهم أشاروا يتهمون محمدًا ﷺ وأتباعه .. لقد

стр. 166

التهبت قريش واحمر حديدها وتوهج .. فالحدث لا يسكت عليه .. والقرار القادم لا بد أن يكون حاسمًا ونهائيًا لإيقاف سب الآلهة وتسفيه الأحلام .. وتحطيم الأصنام. اجتمعت قريش في مؤتمر محموم قرر فيه الجميع واتفقوا على أن السبيل الوحيد لدرء الخطر عنهم وعن أصنامهم هو بإزالة هذا المد الإِسلامي لا بإيقافه .. ولن يتم ذلك إلا بالقضاء على قائده وقتله .. فليقتل محمَّد حتى يتلاشى دينه ويشتت أصحابه. الاتفاق على اغتيال النبي ﷺ في اليوم الموعود لتنفيذ الجريمة .. لقتل آخر رسل الله ومنقذ البشرية الأعظم .. (اجتمعوا في الحجر، فتعاهدوا باللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى: لو قد رأينا محمدًا قمنا إليه قيام رجل واحد، فلم نفارقه حتى نقتله. فأقبلت فاطمة ﵂ تبكي، حتى دخلت على أبيها، فقالت: هؤلاء الملأ من قومك في الحجر، قد تعاهدوا أن لو قد رأوك قاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجل إلا وقد عرف نصيبه من دمك. فقال رسول الله ﷺ : يا بنية أدني وضوءًا، فتوضأ، ثم دخل عليهم المسجد فلما رأوه، قالوا: هو هذا، فخفضوا أبصارهم، وعقروا في مجالسهم، فلم يرفعوا إليه أبصارهم، ولم يقم منهم رجل، فأقبل رسول الله ﷺ حتى قام على رؤوسهم، فأخذ قبضة من تراب فحصبهم حصبًا، وقال: شاهت الوجوه) (١). وغادر المسجد .. فأفاقوا .. تحسسوا فإذا التراب يحشر أعينهم

стр. 167

وأنوفهم .. يغطى وجوههم عار لا يغسل إلا بالدماء .. عار ملأ خبره أرجاء مكة .. محاولة اغتيال رسول الله الفاشلة أثارت الحمية في نفوس بني عبد المطلب وكان أشدهم رأسهم أبو طالب .. فقرروا حماية رسول الله ﷺ من قريش والدفاع عنه .. فهو لا يزال من أبناء عبد المطلب زعيم قريش .. ولم يفعل ما يستحق كل هذا الأذى والعذاب من قريش .. فكيف تقرر قريش قتله .. ذلك أمر مستحيل .. إن على قريش أن تزهق أرواح بي عبد المطلب فردًا فردًا قبل أن تصل إلى محمَّد ﷺ .. لذلك فقد أعرضت عن هذه المؤامرة مؤقتًا لكي تمارس قسوة لا تقل عن الاغتيال فماذا فعلت قريش. حصار جماعي في الشعب قرر طواغيت قريش ضرب حصار اقتصادي ومعنوي واجتماعي على المؤمنين ومن يقف معهم من أقاربهم .. فلا مصاهرة ولا بيع ولا شراء معهم حتى يتم تسليم محمَّد ﵊ إليهم لقتله والتخلص منه .. لذلك لجأ أبو طالب ومن معه من أهل النبي ﷺ وعمومته إلى مكان يقال له: شعب أبي طالب أو (المحصب) حتى تسهل عملية الدفاع عنه ﷺ .. وعن هذا الحصار المرير الذي لا أدري كم من الأعوام استمر، يقول ﷺ وهو يواعد أصحابه في ذلك المكان الحزين: (نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر، يعني ذلك المحصب، وذلك أن قريشًا وكنانة تحالفت على بني هاشم وبنى عبد المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبي ﷺ ) (١). في مثل هذه الظروف يقول ﷺ : (لنقد أوذيت في وما يؤذي

стр. 168

أحد، وأخفت من الله وما يخاف أحد، ولقد أتت على ثلاثة من بين يوم وليلة ومالي ولعيالي (ولا لبلال) طعام يأكله ذو كبد إلا ما يواري إبط بلال) (١). ويقول عتبة بن غزوان ﵁: (ولقد رأيتنى سابع سبعة مع رسول الله ﷺ ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قيحت أشداقنا فالتقطت بردة فشققتها بيني وبن سعد بن مالك فاتزرت بنصفها واتزر سعد بنصفها) (٢). ويقول سعد بن أبي وقاص: كنا قومًا يصيبنا صلف العيش بمكة مع رسول الله ﷺ وشدته، فلما أصابنا البلاء اعتزمنا لذلك، وصبرنا له، وكان مصعب بن عمير أنعم غلام بمكة، وأجوده حلة مع أبويه، ثم لقد رأيته جهد في الإِسلام جهدا شديدًا، حتى لقد رأيت جلده يتحشف تحشف جلد الحية عنها، حتى أن كنا لنعرضه على قسينا فنحمله مما به من الجهد، وما يقصر عن شىء بلغناه) (٣). يقول علي بن أبي طالب: (طلع علينا مصعب بن عمير، وما عليه إلا بردة له مرفوعة بفرو، فلما رآه رسول الله ﷺ بكى للذي كان فيه من النعمة وما هو فيه اليوم) (٤).

стр. 169

هذه حال الرجال .. يا ترى ما هي حال النساء .. خديجة وفاطمة وزينب وأم كلثوم وأسماء .. كيف كانت حالة الأطفال .. كابن عمر. يا صناديد قريش، لماذا .. أي جرم قارفوه .. أإذا ما أشرعوا الأبواب يومًا والنوافذ .. للهواء .. ولغيمات السماء .. لحداء الكون بالتوحيد سيقوا بالسلاسل .. وعليهم تتراكم .. قاسيات كالجرائم .. تصنع للحزن عام. عام الحزن من شقاء لشقاء .. بعد عام الشعب والأحزان كالمطر الأسود. ها هو رسول الله ﷺ والمرارة والكرب يلاحقانه في بيته .. عام للحزن جديد .. إنه يلقى نظرات الوداع الحائرة .. نظرات البث تفيض دمعًا على حبيبته .. وزوجته ورفيقة دربه الطيبة خديجة تموت .. وعند فراشها فاطمة تبكي .. ومعها أخواتها: زينب وأم كلثوم .. يبكين بحرقة على أمهن .. على خير نساء العالمين .. ربما كان لقريش سهم في سهام الموت التي أزهقت روحها .. وربما كان السن وحده .. لقد غادرت هذه الدنيا حزينة على زوجها رسول الله ﷺ .. خائفة عليه تناضل دونه وتشده وتحنو عليه .. فعاشت في قلبه حية بالحب لم تحتل امرأة ما احتلته من قبل أبدًا .. قال ﷺ وحيًا .. قال حبًا .. قال وفاء: (ما أبدلني الله خيرًا منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء) (١).

стр. 170

ويقول ﷺ : (خير نسائها مريم، وخير نسائها خديجة) (١). خديجة أول من أسلم .. خديجة أول من صدق .. خديجة أول امرأة في الإِسلام .. خديجة أول زوج لرسول الله ﷺ .. وأول من بذل مالًا لمواساته ﷺ .. ترى كما بكاها من المسلمين والكافرين .. امرأة تحمل هذا القدر من الإخلاص والوفاء جديرة بالرثاء .. جديرة بالبكاء .. حمالة الحب لا حمالة الحطب .. ناءت بثقل فتت أكتاف رجال .. فرحمها الله ورضي عنها .. وهنيئًا لها (بيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب) (٢). لقد سافرت لتنال وعد الله .. أما زوجها ﷺ .. فتضاعفت مسؤوليته بعد أن انهد جدار كان يحميه .. ولباس كان يقيه .. ويد تمسح دمعه وتغسل جرحه .. وتدفعه للأمام. كانت خديجة تزاحمه ﷺ وتزاحم قلبه بالذكريات الجميلة .. تقول إحدى أمهات المؤمنين: (ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة من كثرة ذكر رسول الله ﷺ إياها) (٣) (كان النبي ﷺ يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاءً ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا إلا خديجة، فيقول: إنها كانت وكانت) (٤). ليت شعرى كيف حزن فتاة طمس الكفار أخبارها .. خلف ذاك البحر غريبة .. في بلاد الأحباش معذبة شريدة .. تدعى رقية .. ابنة رسول الله ﷺ .. من يستشعر حزنها على أمها وأبيها وهي تموت بعيدًا عنها .. لا

стр. 171

تستطيع رؤيتها .. لا تستطيع توديعها .. تتمنى أن تلقي عليها نظرة الوداع .. قبلة الوداع فلا تستطيع .. البحر أمامها والخوف وقريش .. كم هي قاسية أيام مكة على محمَّد وعلى آل محمَّد وعلى صحب محمَّد صلى الله عليهم جميعًا. لم يلن قلب قريش .. استمروا بالأذى .. وتحولت جبال مكة مخازن أحزان لرسول الله ﷺ وآله الطاهرين وصحبه الكرام .. يتدفق الكرب موجة إثر موجة .. موجة أخفت خديجة .. وتلتها للحزن موجة .. أغرقت شيخًا كبيرًا .. حاميًا درعًا حصينًا اسمه: أبو طالب بطل من أبطال قريش .. وسيد من سادتها .. هدَّته قريش كما هدته السنون والأحزان .. كان خلف رسول الله ﷺ يحميه .. يدفع عنه .. رضي بالعيش في السجن معه وقاسمه معاناته .. لكنها الأيام لا ترحم .. والأقدار إذا أقبلت فلا راد لها .. جاءت الأقدار فسقط أبو طالب مريضًا على فراشه .. ما زال على كفره .. قد تشبع رأسه بعيب قريش .. كان يخشى النقيصة .. يخشى أن تعيره مكة بعد موته بأنه قد ترك دين آبائه وأجداده .. واشتد به المرض .. ولعل سجن الشعب من أسبابه .. ودنا الأجل (ولما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ ، فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية. فقال رسول الله ﷺ : يا عم قل: "لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله". فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟

стр. 172

فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه، ويعيد تلك المقالة) (١) (قل: لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة. قال أبو طالب: لولا أن تعيرني قريش يقولون: إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك) (٢). كان ﷺ يعيدها، يكررها: (أي عم قل لا إله إلا الله، أحاج لك بها عند الله) (٣) (فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه، ويعيد له تلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: "هو على ملة عبد المطلب". وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال رسول الله ﷺ : "أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك". فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (٤). وأنزل الله تعالى في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٥). بطل إلى النار إنه كذلك .. بطلًا كان أبو طالب .. لكنه رفض الحق .. جاء العباس أخوه .. وعم رسول الله ﷺ يومًا إلى رسول الله .. يسأل عن مصير أخيه البطل ويقول:

стр. 173

(يا رسول الله، هل نفعت أبا طالب بشيء، فإنه كان يحوطك، ويغضب لك قال: نعم. هو في ضحضاح من النار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) (١). (نعم وجدته في غمرات النار فأخرجته إلى ضحضاح) (٢) ويقول ﷺ : (أهون أهل النار عذابًا أبو طالب، وهو منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه) (٣). هذه هي حدود رسول الله ﷺ .. وهذا كل ما يستطيع فعله له قال ﷺ لمن حوله والحسرة في صدره: (لعله تنفعه شفاعتى يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من نار، يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه) (٤) لكن أين تذهب أعماله .. أين جزاء هذا البطل .. كيف تكون النار مصيره؟ لقد خدم الإِسلام رغم كفره أكثر مما خدمه بعض المسلمين .. لقد أحاط ابن أخيه ﷺ ودافع عنه .. وواجه قريشًا .. وشراسة قريش من أجله، فلماذا ولماذا .. ؟ العواطف الجياشة تفجر أسئلة ذاهلة .. تفجر مذاهب .. تبعثر الصفوف تبحث عن إجابة .. إجابة عاطفية محمومة .. لكنها ما سألت يومًا عن أبي طالب نفسه .. هل كان إدراكه في مستوى حميته وشهامته .. هل خدم نفسه كما خدم الإِسلام .. هل ارتقى بروحه كما ارتقى من يدافع عنهم سنوات وسنوات وهو مع رسول الله ﷺ .. يشرح له يوضح

стр. 174

الحق له .. يؤكد له أن وعد الله صادق .. ودين الله ماض سواء دافع عن أتباعه أبو طالب أو لم يدافع .. انضم أو غادر .. كان أبو طالب يستمع إلى كلام الله .. وكان كلام الله يسيل في أذنيه منذ أشرق الوحي .. في أندية مكة في بيت ابن أخيه .. في بيته هو .. في شعبه .. في فراش الموت .. لقد منحه الله فرصة .. لقد منحه الله حرية الاختيار .. وفضله على سائر المخلوقات بالإرادة .. لكنه خاف تعيير قريش وسبها له بعد موته .. ذلك لأنه لم يكن واثقًا من وعد الله .. وإلا لما وقفت كلمات قريش المحتملة عائقًا له عن الدخول في دين الله .. ما كانت تلك الكلمات لتبقيه في وحل الشرك لولا أنها وجدت إرادة ضعيفة .. وثقة مزعزعة بوعد الله. إن من يدَّعون أن الإِسلام جعل أبا طالب كبش فداء يحترق .. لم يدركوا أن الإِسلام لله والتوحيد لله .. وما محمَّد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل .. وما محمَّد ﷺ إلا رجل تلقى رسالة الله فأداها كما طلب منه .. ومن أجل هذا الرجل تحرك أبو طالب وقاتل أبو طالب .. أما الله فأين مكانه في قلب أبي طالب .. لا شيء .. لا مكان لله في قلب أبي طالب .. إن أول شرط في قبول أي عمل هو الاعتراف الكامل بوحدانية الله وتفرده والإخلاص له .. وأبو طالب رفض هذا الشرط رفض وحدانية الله .. رفض الإخلاص له .. رفض: لا إله إلا الله. أبو طالب بطل. نعم بطل .. هو شهم وشجاع وكريم .. كعنترة .. كحاتم .. والإِسلام يشطره مثلهم .. يؤيده في مواقف .. ويشجبه في مواقف. كم تمنينا لو كان مسلمًا .. لكن ماذا بأيدينا .. ماذا يفعل حزننا بالحقيقة هل سيغيرها .. إن حبنا لعلي لا يجب أن يطغى على حبنا لله ..

стр. 175

فإن فعلنا ذلك فنحن نعبد عليًا من دون الله .. أبو طالب مات بطلًا ... لكن إلى النار .. ونهايته مأساة حزينة لكنه هو الذي اختارها. الفتى الحزين علي علي بن أبي طالب .. أول من أسلم من الفتيان .. لا شك أنه قد دعا يومًا أباه إلى الإِسلام .. لا شك أنه يشعر بالأسى على أبيه .. يشعر بالمرارة لهذه الخاتمة السيئة .. لقد مات أبوه دون أن يسره بكلمة التوحيد .. فذهب يسحب خطاه نحو رسول الله ﷺ .. قد تشبع بالحزن حتى أثقله .. يقول له وقلبه يعتصره الكمد: (إن عمك الشيخ الضال قد مات فمن يواريه؟) (١). سؤال غاضب من إصرار هذا الشيخ على الشرك .. سؤال يبكى هذا الشيخ الضال .. إنني أشعر بمرارتها في حلقه وهو يقول: الضال .. كمن يقولها بعد أن استنفذ كل محاولات الإقناع لشخص متهور يريد الانتحار فأبى إلا الانتحار .. الكلمات بعد ذلك تخرج مزيجًا من الغضب والحزن والأسى. لكن رسول الله ﷺ كان طبيبًا للقلوب .. طبيبًا للنفوس .. قال لعلي الحزين: (اذهب فوار أباك، ولا تحدثن شيئًا حتى تأتيني. يقول علي بن أبي طالب: فأتيته، فأمرني، فاغتسلت، ثم دعا لي بدعوات ما يسرني أن لي بهن ما على الأرض من شىء) (٢).

стр. 176

يا لعام الحزن هذا .. أبو طالب غاب وخديجة .. ماذا سيحل برسول الله ﷺ .. وماذا ستفعل قريش المتوثبة؟ تقول عائشة ﵂: (ما زالت قريش كاعة (١) حتى توفي أبو طالب) (٢). فلما توفي .. هجمت وسلت وازداد توحشها .. فهرب منها ﷺ عله يجد من يؤويه .. ينصره، لكن إلى أين؟ إلى الطائف يشق الأودية والجبال .. على قدميه الدامتين المتعبتين .. بلا راحلة .. فقيرٌ لا يملك ثمنها .. يحمله حزنه يصعد جبال الطائف يفتش عن أمل .. يبحث عن معين .. يبحث عن يد حانية .. تحمل هذا الدين برفق .. تقدمه للتائهين .. للجائعين للمعدمين وحتى للمترفين .. يبحث عن بقية خير في قلوب خارج مكة .. عن أقوام تتمرد على هذه الأصنام والعادات والشرع الشركي الملوث. يقول عبد الله بن جعفر: (لما توفي أبو طالب خرج النبي ﷺ إلى الطائف ماشيًا على قدميه يدعوهم إلى الإِسلام) (٣).

стр. 177

و (لما انتهى رسول الله ﷺ إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف، هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، وهم أخوة ثلاثة: عبد ياليل بن عمرو بن عمير. ومسعود بن عمرو بن عمير. وحبيب ابن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف. وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح، فجلس إليهم رسول الله ﷺ ، فدعاهم إلى الله، وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإِسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه، فقال أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسل. وقال الآخر: أما وجد الله أحدًا يرسله غيرك. وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدًا، لئن كنت رسولًا من الله كما تقول لأنت أعظم خطرًا من أن أرد عليك كلام، ولئن كنت تكذب على الله، ما ينبغي لي أن أكلمك. فقام رسول الله ﷺ من عندهم وهو يئس من خير ثقيف) (١). قام ولهيب الحزن في كبده .. قام وحاله تتفطر لها القلوب .. جوع وعطش وسير بالليل والنهار .. وأحزان تثيرها جدران مكة وطرقاتها .. تذكره بخديجة وأبي طالب .. ودعوة مطاردة .. وأتباع تتخطفهم أيدي الطغاة .. قام ﷺ فالتفت إلى هؤلاء القساة لعل بقية من الإنسانية لا تزال عالقة في قلوبهم .. يرجوهم كتمان أمره حتى لا تشمت به قريش .. وتحمله من الضيم ما لا يطيق. قال لهم: (إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني -كره رسول الله ﷺ أن يبلغ قومه

стр. 178

عنه فيذئرهم (١) ذلك عليه- فلم يفعلوا، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس وألجأوه إلى حائط لعتبه بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد إلى ظل حبلة (٢) من عنب، فجلس فيه -وابنا ربيعة ينظران إليه ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف- وقد لقي رسول الله ﷺ المرأة التي من بني جمح. فقال لها: ماذا لقينا من أحمائك؟ فلما اطمأن رسول الله ﷺ قال: "اللَّهم أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي. إلى من تكلني: إلى بعيد يتهجمني. أم إلى عدو ملكته أمري. إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك". فلما رآه ابنا ربيعة: عتبة وشيبة، وما لقي، تحركت له رحمهما، فدعوا غلامًا لهما نصرانيًا يقال له عداس. فقالا: خذ قطفًا من هذا العنب، فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه، ففعل عداس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله ﷺ . ثم قال له: كل. فلما وضع رسول ﷺ فيه يده قال: "بسم الله" ثم أكل. فنظر عداس في وجهه، ثم قال:

стр. 179

والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال رسول الله ﷺ : ومن أهل أي البلاد أنت يا عداس، وما دينك؟ قال عداس: نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى (١). فقال رسول الله ﷺ : من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ فقال له عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال رسول الله ﷺ : ذاك أخي، كان نبيًا وأنا نبي، فأكب عداس على رسول الله ﷺ يقبل رأسه ويديه وقدميه. فيقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك، فلما جاءهما عداس، قالا له: ويلك يا عداس، ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ وقال عداس: يا سيدي ما في الأرض شيء خير من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي. قالا له: ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك، فإن دينك خير من دينه. ثم إن رسول الله ﷺ انصرف من الطائف راجعًا إلى مكة حين يئس من خير ثقيف) (٢).

стр. 180

ويروي هذه القصة عروة بن الزبير فيقول: (لما أفسد الله صحيفة مكرهم، خرج رسول الله ﷺ وأصحابه، فعاشوا، وخالطوا الناس، ورسول الله ﷺ في تلك السنين يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم، ويكلم كل شريف، لا يسألهم مع ذلك إلا أن يؤوه ويمنعوه، ويقول: لا أُكْرِهُ منكم أحدًا على شيء من رضي الذي أدعوه إليه قبله، ومن كرهه لم أُكْرِهْهُ، إنما أريد أن تحوزوني مما يراد بي من القتل، فتحوزوني حتى أبلغ رسالات ربي، ويقضي الله لي ولمن صحبني بما شاء. فلم يقبله أحد منهم، ولا أتى على أحد من تلك القبائل إلا قالوا: قوم الرجل أعلم به. أَفَترى رجل يصلحنا وقد أفسد قومه؟! -ذلك لما ادخر الله للأنصار من البركة- ومات أبو طالب، وازداد من البلاء على رسول الله ﷺ شدة، فعمد إلى ثقيف، يرجو أن يؤوه وينصروه، فوجد ثلاثة منهم، سادة ثقيف وهم أخوة: عبد ياليل بن عمرو، وحبيب بن عمرو، ومسعود بن عمرو. فعرض عليهم نفسه، وشكا إليهم البلاء، وما انتهك قومه منه. فقال أحدهم: أنا أسرق ثياب الكعبة إن كان الله بعثك بشيء قط، وقال الآخر: والله لا أكلمك بعد مجلسك هذا كلمة واحدة أبدًا، لئن كنت رسولًا لأنت أعظم شرفًا وحقًا من أن أكلمك. وقال الآخر:
следующие страницы →