← Сира

Сира · id 123668

السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة

محمد الصوياني

Полный текст (1 354 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

المنافقون هم علمانيو ذلك الزمان لا يريدون للدين أي تأثير على حياتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى العسكرية .. ورسالتهم محصورة في محاربة النجاح والدهشة بما عند الأعداء .. وحساباتهم للأمور تنطلق من الخواء الذي يملؤهم ويعيشون فيه .. والاستهزاء بالآخرين وإطلاق الكلمات الساخرة على الناجحين هو أسلوبهم .. ولن يجدوا كغزوة تبوك أنسب لهذه السخرية .. فكيف يجابه هؤلاء المسلمون ونبيهم جحافل أقوى دولة في الدنيا بجيش يجمع التبرعات ويحتاج إلى نصف صاع وحبات تمر .. هذه هي حسابات المنافقين وهي حسابات تفتقد إلى الإيمان بالله وتفتقد كذلك إلى الثقة بالنفس وقدراتها .. لذلك بدأ: بعض المنافقين يعتذر عن المشاركة في غزوة تبوك رغم توفر المال والراحلة والصحة لديهم لكنهم أحسوا بالموت يربض على أرضها ويحدق بالقادمين إليها وقد ذكر الله اعتذارهم فقال سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ (١). وإذا كان المنافقون يبخلون بأموالهم وأنفسهم عن صحبة النبي ﷺ فإن هناك رجالًا يتحرقون للخروج معه ﵇ .. رغم أنهم لا يملكون ولا يملك ما يحملهم عليه .. فكانت لحظات الوداع لحظات من الدموع فـ: عند الوداع بكى الرجال فبعد أن رجوا النبي ﷺ أن يحملهم اعتذر من لهفهم وقال لهم:

стр. 1157

لا أجد ما أحملكم عليه .. عندها فاضت محاجرهم بالدموع وعادوا من حيث أتوا مكسوري القلوب وألم الحرمان يملأ صدورهم .. دموع تفيض لأن الفقر يحول بينهم وبن معانقة الموت والشهادة .. دموع خلدت أصحابا وتردد ذكرها على مر الأجيال .. أولم يكفهم فخرًا أن يذكر ربهم دموعهم ويتحدث لعباده عنهم .. نزل جبريل بكلام الله الذي يقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١). وهؤلاء هم المنافقون الذين يملكون من الوقاحة والأعذار أرصدة طائلة .. هذا أحدهم جاء يعتذر فقبل رسول الله ﷺ عذره لكن لم يهنأ بالقعود حتى أنزل الله فضيحته آيات ترددها المدينة في الطرقات والمساجد والبيوت وترددها الدنيا .. نزل الوحي يفضح المنافقين ويشد أزر المؤمنين الذين تثاقل بعضهم مفضلًا تأجيل الخروج إلى ما بعد الحصاد. .. نزل الوحى يسلط الأضواء على زوايا المنافقين المعتمة وأغوارهم المليئة بالأحقاد والكراهية .. فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى

стр. 1158

كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠) انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١) لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٤٢) عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣) لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥) وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩) إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢) قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٣) وَمَا

стр. 1159

مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤) فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥) وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧) وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩) إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠) وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣) يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤)﴾ (١). ويبدو أن هذه الآيات قد خنقت المنافقين فلم يجدوا هواءً يطيق صدورهم ولا أرضًا تحتمل خطاهم .. لقد تحولت غزوة تبوك إلى مسرح كبير يسخر فيه المنافقين من جرأة المؤمنين على غزو الروم ويتشفون فيه من قلة ما لهم ومتاعهم وضعف حالهم .. فقلب الله عليهم مسرحهم ذلك

стр. 1160

وحطمه فوق رؤوسهم فأصبحوا خائفين خجلين من أنفسهم ومن الشوارع والأطفال والرجال والنساء وحتى من نخيل المدينة وجدرانها .. أما المؤمنون فيذكرهم إلههم بحال نبيهم عندما كان شريدًا طريدًا هو وأبو بكر في غار ثور .. وكيف تحقق له نصر الله عليهم .. وها هم الذين كانوا يطاردونه يتأهبون لغزو الروم خلفه جنودًا مخلصين .. وسوف يأتي اليوم الذي يتأهب الروم خلفه ﵊ أو خلف من يخلفه ولكن حسابات المنافقين لا تتغير أبدًا .. نهض الصحابة خلف نبيهم في معركة تمحيص النوايا وتميز الإيمان .. ولإن كانت خيبر تحمل بصمة لعلي ﵁ فإن بصمة عثمان كانت الأبرز على غزوة تبوك .. لكن ما الذي حدث لعلي هذه المرة .. إنه ليس ضمن المسافرين هل هو الرمد مرة أخرى .. علي يتخلف عن تبوك فقد سار النبي ﷺ مغادرًا المدينة "ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله ﷺ في حر شديد .. واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا وعدوًا كثيرًا فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجهه الذي يريد والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ يريد الديوان .. فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي الله .. وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال .. وتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه" (١) ثم خرجوا وقبل خروجهم توقف وتوقف معه علي ﵁ معاتبًا ومتوسلًا أن يصحبه في هذا السفر الذي يحتاج إلى

стр. 1161

علي وأمثاله ﵁: "إن رسول الله ﷺ خرج إلى تبوك واستخلف عليًا .. فقال: أتخلفني والنساء؟ قال: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي" (١). كان ﵇ يثمن كل مجهود وكل مجتهد .. وكان لا يغفل أي دور يقوم به أحد من أصحابه فلئن كان بقاء علي في المدينة يعني في نظر علي الغياب عن ساحة الوغى فإنه في نظر النبي ﷺ يقوم بدور هارون عندما توجه موسى نحو جبل الطور وهو دور لا يقل عن دور أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم .. وقد كان ﵇ يعين في كل غزوة رجلًا من أصحابه خليفة له على المدينة - العاصمة واليوم هو دور علي .. لكن عليًا هنا تميز عن سابقيه بقرابته من النبي ﷺ ولذلك استحق أن يكون بمنزلة هارون لأن هارون كان خليفة وأخًا لموسى في الوقت نفسه .. يقوله سعد بن أبي وقاص ﵁: "لما خرج رسول الله ﷺ من المدينة إلى تبوك خلَّف علي بن أبي طالب فأتاه بالجرف يحمل سلاحه فقال: يا رسول الله .. أتخلفني بعدك ولم أتخلف عنك في غزاة قط؟ قال: يا علي .. ارجع .. فقال: يا رسول الله .. إن المنافقين يزعمون أنك إنما خلفتني إلا استثقالًا بي .. قال: يا علي .. أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ارجع فاخلفني في أهلي وأهلك" (٢). وهو تميز يضع لكل فرد من أفراد الأمة مساحة يطلق فيها إبداعاته

стр. 1162

ويجسد فيها إنجازاته .. فالله أنزل آيات كريمات في منزلة أبي بكر .. وحاز عثمان على الجنة بتلك التبرعات السخية .. ومن قبل تميز غيرهم بإبداعات ﵃ جميعًا .. فمن أراد أن ينظر إلى الصحابة نظرة الإسلام لهم فليسلط أضواء الشمس عليهم جميعًا ليرى كيف حركوا الدنيا وشغلوا العالم بتكاملهم وتنافسه وتميز كل فرد بقدرات وإنجازات وظفها النبي ﷺ أجمل ما يكون التوظيف .. أما أولئك الذين يزوَّرون حياة الصحابة باختزال الأضواء على حدث أو فرد فهم يسيئون للأحداث وللصحابة معًا .. كما يسيء هؤلاء المنافقون الذين يزرعون المدينة بالإرجاف والتخذيل والسخرية من ثقة المسلمين بأنفسهم وجرأتهم على حدود أقوى دولة في الدنيا .. ولم يكن علي وحده يلح في الخروج .. بعض المؤمنين المعدمين الذين تنوء ظروفهم بهممهم يتوجهون نحو: النبي ﷺ وهو في حالة غضب ربما من المنافقين .. أحد هؤلاء الفقراء رشحه أصحابه للتحدث وهو أبو موسى الذي يقول: "أرسلني أصحابي إلى رسول الله ﷺ أسأله لهم الحملان إذ هم معه في جيش العسرة وهي غزوة تبوك فقلت: يا نبي الله إن أصحابي أرسلوني إلك لتحملهم فقال: والله لا أحملكم على شيء [وما عندي ما أحملكم عليه] ووافقته وهو غضبان ولا أشعر .. فرجعت حزينًا من منع رسول الله ﷺ .. ومن مخافة أن يكون رسول الله - صلى الله ليه وسلم - قد وجد في نفسه علي .. فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم الذي قال رسول الله ﷺ .. فلم ألبث إلا سويعة إذ سمعت بلالًا ينادي: أي عبد الله بن قيس .. فأجبته .. فقال: أجب رسول الله ﷺ يدعوك ..

стр. 1163

فلما أتيت رسول الله ﷺ قال: خذ هذين القرينين وهذين القرينين وهذين القرينين لستة أبعرة ابتاعهن حينئذ من سعد فانطلق بهن إلى أصحابك فقل: إن الله -أو قال: إن رسول الله ﷺ يحملكم على هؤلاء فاركبوهن. قال أبو موسى: فانطلقت إلى أصحابي بهن فقلت: إن رسول الله ﷺ يحملكم على هؤلاء .. ولكن والله لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله ﷺ حين سألته لكم ومنعه في أول مرة ثم إعطاءه إياي بعد ذلك .. لا تظنوا أني حدثتكم شيئًا لم يقله .. فقالوا لي: والله إنك عندنا لمصدق ولنفعلن ما أحببت .. فانطلق أبو موسى بنفر منهم حتى أتوا الذين سمعوا قول رسول الله ﷺ ومنعه إياهم ثم إعطاءهم بعد فحدثوهم بما حدثهم به أبو موسى سواء" (١) .. ثم انطلق الجميع خلفه ﵇ محملين بالمعاناة وشظف العيش وقلة الزاد وكثير من الإيمان وقد "خرج يوم الخميس في غزوة تبوك وكان يحب أن يخرج يوم الخميس" (٢) .. ولم يبق في المدينة سوى علي وأهل الأعذار و: ثلاثة رجال من الأغنياء يتخلفون عن مصاحبة النبي ﷺ رغم أنهم ليسوا من المنافقين .. فأحدهم كان من أهل بيعة العقبة وهو الصحابي الشاعر كعب بن مالك ﵁ الذي لم يتخلف عن غزوة أحد وما بعدها .. بل إنهم كانوا من أهل الاستعداد والإعداد لهذه الغزوة .. لكنه التسويف والثقة المفرطة بالنفس .. والوقت الذي لا يعرف الانتظار .. يقول كعب ﵁ عن ظروف تخلفه: "لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك غير أني كنت

стр. 1164

تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها إنما خرج رسول الله ﷺ يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد .. ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حيث تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها .. كان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة .. ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله ﷺ في حر شديد واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا وعدوًا كثيرًا .. فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجهه الذي يريد والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ -يريد الديوان- فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له ما لم يزل فيه وحي الله وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال .. وتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئًا .. فأقول في نفسي: أنا قادر عليه فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد فأصبح رسول الله ﷺ والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئًا .. فقلت أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقهم فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز .. فرجعت ولم أقض شيئًا .. ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئًا .. فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو وهممت أن أرتحل فأدركهم وليتني فعلت فلم يقدر لي ذلك .. فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصًا عليه النفاق أو رجلًا ممّن عذر الله من الضعفاعه" (١).

стр. 1165

كان كعب يضعر بغربة داخل مدينته لأنه لم ير فيها إلا الضعفاء والمنافقين .. وهو ليس من هؤلاء ولا من هؤلاء .. هو من أولئك الذين يكابدون خلف النبي ﷺ لمجابهة الروم الذين تأهبوا للقضاء على هذه الدولة الجديدة .. لكنه التسويف الذي يورث الندم ويكدس الوظائف ويصيب الإنسان بالإحباط .. لم يكن كعب وحيدًا في معاناته ... هلال بن أمية ومرارة بن الربيع يمران بالتجربة المريرة نفسها .. ولما تحدث الناس عنهما أمام كعب قال: مثنيًا عليهما "ذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا فيهما إسوة" (١) ثلاثة من السابقين إلى الإسلام يبحثون عن مخرج مما هم فيه ولا سبيل .. فالنبي ﵇ الآن في طريقه يشق السراب والعطش والقفار في قيظ محرق ولهيب مشتعل .. وإذا كان هؤلاء الثلاثة قد فقدوا الأمل باللحاق به ﵇ فإن رجلًا رابعًا لم يتسلل اليأس إلى نفسه .. إنه الرجل الذي تصدق بالصاع وسخر منه المنافقون: أبو خيثمة يلحق بالنبي في قصة تفيض بحب الله ورسوله .. يتحدث عنها سعد بن أبي وقاص ﵁ فيقول: "حتى إذا سار رسول الله ﷺ رجع أبو خيثمة ذات يوم إلى أهله في يوم حار فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائط قد رشت كل واحدة منهما عريشها .. وقد بردت له فيها ماء وهيأت له طعامًا فلما دخل قال: رسول الله ﷺ في الضح والريح والحر وأبو خيثمة في ظل بارد وماء بارد

стр. 1166

وطعام مهيأ وامرأة حسناء في ماله مقيم .. ما هذا بالنصف .. والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله ﷺ فهيئا لي زادًا .. ففعلتا ثم قدم ناضحة فارتحل ثم خرج في طلب رسول الله ﷺ حتى أدركه حين نزل تبوك .. وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحي يطلب رسول الله ﷺ فترافقا حتى إذا دنوا من تبوك قال لعمير: إن لي ذنبًا فلا عليك أن تخلف عني حتى أقدم على رسول الله ﷺ فسار" (١) أبو خيثمة نحو النبي ﷺ الذي كان يعاني وأصحابه من لهيب القيظ وشدة العطش إلى درجة لا يستطيع التعبير عنها إلا الذي عاناها وكابدها .. ومن بين هؤلاء عمر بن الخطاب ﵁ حيث يقول: "خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلًا أصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع .. حتى أن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع .. حتى أن الرجل ينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده .. فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله .. إن الله قد عودك في الدعاء خيرًا فادع لنا .. فقال: أتحب ذلك؟ قال: نعم .. فرفع يده فلم يرجعهما حتى قالت السماء فأظلمت .. ثم سكبت فملأوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر .. فلم نجدها جازت العسكر" (٢)

стр. 1167

المطر كان على معسكر المؤمنين فقط .. معاناة شديدة تكشف عن طبيعة هذا الدين .. وأن الله قضى أن لا ينتشر ويحكم في الأرض إلا بجهد البشر وتضحياتهم وبدون ذلك لن يتمكن أبدًا .. أما المعجزات الحسية فهي أدلة وبراهن تأتي مع الأنبياء وترتحل معهم .. لكن المعجزات تقف أحيانًا طويلًا على أبواب موصدة بأقفال صدئة كأبواب المنافقين التي أقفلوها وأقفلوا عقولهم دونها قديمًا وحديثًا .. المنافقون لا تنفع معهم حتى المعجزات في الطريق إلى تبوك مثال كالشمس .. معجزة إلهية فوق السماء وآثارها على الأرض لا تحتاج إلى بيان لكن عقول المنافقين قد تعفنت مع الزمن والعناد .. سأل رجل أحد الصحابة عن النفاق والمنافقين فقال له: "هل كان الناس يعرفون النفاق فيهم قال: نعم والله إن كان الرجل ليعرفه من أخيه ومن أبيه ومن بني عمه ومن عشيرته ثم يلبس بعضهم بعضًا على ذلك .. لقد أخبرني رجل من قومي عن رجل من المنافقين معروف نفاقه كان يسير مع رسول الله ﷺ حيث سار .. فلما كان من أمر الحجر ما كان ودعا رسول الله ﷺ حين دعا فأرسل الله السحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس أقبلنا عليه نقول: ويحك أبعد هذا شيء؟ قال: سحابة مارة ثم إن رسول الله ﷺ سار حتى كان ببعض الطريق ضلت ناقته فخرج أصحاب رسول الله ﷺ في طلبها وعند رسول الله ﷺ رجل من أصحابه يقال له عمارة بن حزم .. وكان عقبيًا بدريًا وهو من بني عمرو بن مخزوم

стр. 1168

وكان في رحله يزيد بن نصيب القينقاعي وكان منافقًا فقال يزيد وهو في رحل عمارة وعمارة عند النبي ﵇: أليس محمد يزعم أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء ولا يدري أين ناقته؟ فقال رسول الله ﷺ وعمارة عنده: إن رجلًا قال: هذا محمد يخبركم أنه نبي ويزعم أنه يخبركم بخبر السماء وهو لا يدري أين ناقته .. وإني والله ما أعلم إلا ما علمني الله وقد دلني عليها وهي في هذا الوادي من شعب كذا وكذا وقد حبستها شجرة بزمامها .. فانطلقوا حتى تأتوني بها فذهبوا فجاءوا بها فرجع عمارة بن حزم إلى رحله فقال: والله لأعجب من شيء حدثناه رسول الله ﷺ آنفًا عن مقالة قائل أخبره الله عنه كذا وكذا للذي قال: يزيد بن نصيب .. فقال رجل ممّن كان في رحل عمارة ولم يحضر رسول الله ﷺ ابن نصيب والله قال هذه المقالة قبل أن تأتي .. فأقبل عمارة على يزيد يجافي عنقه ويقول يا آل عباد الله إن في رحلى لداهية وما أشعر أخرج أي عدو والله من رحلي فلا تصحبني" (١) ولا يلام عمارة بما فعله بيزيد المنافق هذا .. فهؤلاء الذين أغلقوا ضمائرهم وعقولهم وأكل الحسد والعناد قلوبهم واستنفدوا كل طرق الإقناع لا يجدي معهم سوى الترك لأنه لا فائدة ترجى ولا أمل يبقى .. ومصاحبتهم إهدار لوقت يستحقه غيرهم ممّن يتلهفون للحقيقة والتوحيد .. الخوف كان يخيم على بعض مراحل الطريق .. يقول المتدلي من حصن الطائف نحو الإسلام .. أبو بكرة ﵁: "صلى النبي ﷺ في خوف الظهر فصف بعضهم خلفه وبعضهم بإزاء العدو فصلى بهم

стр. 1169

ركعتين ثم سلم فانطلق الذين صلوا معه فوقفوا موقف أصحابهم ثم جاء أولئك فصلوا خلفه فصلى بهم ركعتين ثم سلم فكانت لرسول الله ﷺ أربعًا ولأصحابه ركعتين ركعتين" (١) كما كان ﵊ يجمع في طريق ذلك بالطريقة التي يقول عنها "معاذ بن جبل أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعًا وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا ثم سار وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب" (٢) هذا عن الصلاة وطريقة جمعها وقصرها .. أما عن: الصيام في السفر الشاق الصيام في هذا السفر الشاق حدث من بعض الصحابة .. "جابر بن عبد الله قال خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزاة تبوك وكانت تدعى غزوة العسرة فبينما نسير بعد ما أضحى النهار فإذا هو بجماعة تحت ظل شجرة

стр. 1170

فقالوا يا رسول الله رجل صام فجهده الصوم فقال ﷺ ليس البر أن تصوموا في السفر" (١) كان النبي ﷺ وأصحابه قد وصلوا إلى مكان اسمه حجر ثمود وهو ما يسمى بـ (مدائن صالح) وهو المكان الذي كانت تعيش فيه قبيلة ثمود وهم قوم النبي صالح ﵊ الذي أهلكهم الله بعد كفرهم وقتلهم الناقة التي جعلها الله آية ومعجزة لنبيه .. وبعد: الوصول إلى ديار ثمود أسرع بعض الصحابة يروون عطشهم ويستسقون الماء ويعدون الطعام مستخدمين الماء الموجود في هذا المكان .. لكنهم فوجئوا بصوت مرتفع يناديهم: الصلاة جامعة .. الصلاة جامعة ... وهي لفظة ينادي بها النبي ﷺ أصحابه للاجتماع داخل المسجد أو خارجه .. فما الذي حدث .. يقول أحد الصحابة: "نزل رسول الله ﷺ بالناس عام تبوك نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود فاستسقى الناس من الآبار التي كان يشرب منها ثمود فعجنوا منها ونصبوا القدور باللحم" (٢) و"لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا

стр. 1171

من بئرها ولا يستقوا منها فقالوا قد عجنا منها واستقينا فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين ويهريقوا ذلك الماء" (١) و"قال لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم ثم تقنع بردائه وهو على الرحل" (٢) "ثم زجر فأسرع حتى خلفها" (٣) ونهض الصحابة "فأهراقوا القدور وعلفوا العجين الإبل ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا قال إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم" (٤) "وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة" (٥) فامتثلوا أمر نبيهم ﵇ ثم قام النبي ﷺ في أصحابه خطيبًا وحدثهم عن قوم صالح وعن مصير الرجل الشهير أبي رغال. فما هي .. خطبة النبي ﷺ يقول جابر ﵁: "لما مر رسول الله ﷺ بالحجر قال: لا تسألوا الآيات وقد سألها قوم صالح فكانت ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج .. فعتوا عن أمر ربهم فعقروها فكانت تشرب ماءهم يوم ويشربون لبنها يوما .. فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلًا واحدًا كان في حرم الله قيل:

стр. 1172

من هو يا رسول الله؟ قال: هو أبو رغال .. فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه" (١) ويبدو أن غزوة تبوك ستكون حافلة بالدروس لكن هل ستكون حافلة بالدماء .. غادر النبي ﷺ وجيشه أرض ثمود: نحو وادي القرى وهي مدينة بين تبوك والمدينة وفيها مر النبي ﷺ بحديقة امرأة مسلمة فكان هذا الحوار الذي يذكره أحد الصحابة فيقول "خرجنا مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك فأتينا وادي القرى على حديقة لامرأة فقال رسول الله ﷺ اخرصوها فخرصناها وخرصها رسول الله ﷺ عشرة أوسق وقال أحصيها حتى نرجع إليك إن شاء الله وانطلقنا حتى قدمنا تبوك" (٢) والخرص هو تقدير ما على النخل من رطب تمهيدًا لأخذ زكاته .. وكان تقدير النبي ﷺ لرطب المرأة أنه يبلغ عشرة أوسق أي ستمائة صاع لأن الوسق يساوي ستين صاعًا. خرص النبي ﷺ الرطب ثم غادر وادي القرى متوجهًا نحو تبوك في: طريق مفروش بالمعجزات والدروس .. فقد كان ﵇ يجمع في طريقه ذلك ويقصر كعادته في أسفاره:

стр. 1173

يقول أنس ﵁ "كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين" (١) وقد سئل ﵇ عما يضعه المصلى أمامه كي لا يقطع أحد صلاته "سئل في غزوة تبوك عن سترة المصلى فقال كمؤخرة الرحل" (٢) أي العود الموجود في آخر المقعد الموجود في رحل البعير .. ويقول معاذ ﵁: "خرجنا مع رسول الله ﷺ عام غزوة تبوك فكان يجمع الصلاة فصلى الظهر والعصر جميعًا والمغرب والعشاء جميعًا .. حتى إذا كان يومًا أخر الصلاة ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا ثم دخل ثم خرج بعد ذلك فصلى المغرب والعشاء جميعًا ثم قال: إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله عين تبوك وإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئًا حتى آتي فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء فسألهما رسول الله ﷺ : هل مسستما من مائها شيئًا قالا: نعم فسبهما النبي ﷺ وقال لهما ما شاء الله أن يقول .. ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلًا قليلًا حتى اجتمع في شيء وغسل رسول الله ﷺ فيه يديه ووجهه ثم أعاده فيها فجرت العين بماء منهمر أو غزير حتى استسقى الناس .. ثم قال: يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا قد ملئ جنانًا" (٣).

стр. 1174

نبي تقله المعجزات وتظله ويلهج بها لأجيال لم تخلق أصلاب آبائها بعد .. وحين انتهى ﵇ إلى تبوك توقف الجيش فلم يجد أحدًا .. أين الروم أين جيشهم الذي لا يقهر أين دولتهم التي أولها في أقاصي أوروبا وآخرها ليس في تبوك لا أحد على هذه الأرض سوى النبي وأصحابه والمعجزات .. نزل النبي ﷺ وأقيم معسكر كبير جدًا .. وفي أحد مجالس النبي ﷺ بين أصحابه افتقد صاحبه كعب بن مالك وسأل عنه فكانت الإجابة نقدًا لاذعًا لكعب تفوه بها أحد الجالسين .. يقول كعب وهو يروي مأساته وأحزانه: "ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه ونظره في عطفيه .. فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت .. والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا .. فسكت رسول الله ﷺ " (١) فكعب من أهل العقبة وأحد والخندق وكل الغزوات .. وما فعله معاذ بن جبل ﵁ من دفاع عن عرض أخيه الغائب هو استيعاب معاذ لمعنى الأخوة .. وامتثال لقوله ﵇ "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة" (٢) فالغائب له أعذاره ومبررات غيابه ولا مجال للقذف والتكهنات في

стр. 1175

حياة المسلم النقي .. فمن أجمل ما يزين به المرء حياته وقلبه حسن الظن وسلامة الصدر .. كما يزين النبي ﷺ وأصحابه اليوم أرض تبوك .. وبينما كان الصحابة حول نبيهم في مجلسهم الودي هذا لاح بهم بين السراب بياض يموج خلاله .. بعد أن "رأى رجلًا مبيضًا يزول به السراب فقال رسول الله ﷺ : كن أبا خيثمة فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون" (١) "فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله هذا أبو خيثمة فلما أناخ سلم على رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ : أولى لك أبا خيثمة فقص عليه خبره فدعا له رسول الله ﷺ بخير وقال له خيرًا" (٢) وبعد أن مرت أيام على هذا المعسكر وتبين أن الروم قد أصابهم الخوف والرعب من هذا الجيش الجائع الذي يعاني الآن من: مجاعة على أرض تبوك " لما كان غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة قالوا يا رسول الله لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادهنا؟ فقال رسول الله ﷺ : افعلوا .. فجاء عمر فقال: يا رسول الله .. إن فعلت قَلَّ الظَّهر .. ولكن ادعهم بفضل أزوادهم ثم ادع الله لهم عليها بالبركة لعل الله أن يجعل في ذلك .. فقال رسول الله ﷺ : نعم .. فدعا بنطع فبسطه .. ثم دعا بفضل أزوادهم قال: فجعل الرجل يجيء بكف ذرة قال ويجيء الآخر بكف تمر .. قال: ويجيء

стр. 1176

الآخر بكسرة حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير .. فدعا رسول الله ﷺ عليه بالبركة .. ثم قال: خذوا في أوعيتكم فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملؤوه فأكلوا حتى شبعوا وفضلت فضلة .. فقال رسول الله ﷺ : أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيحجب عن الجنة" (١) معجزات كثيرة طمأنت قلوب المؤلفة قلوبهم ومسلمي الفتح ومسلمي حنين وغيرهم .. وهي ليست غريبة على عمر الذي طلبها من رسول الله ﷺ .. وبعد فماذا سيفعل ﵇ ولا حرب ولا روم هنا ولا فائدة من البقاء في مكان لا يرون فيه سوى الجوع والعطش .. لقد قرر النبي ﷺ أن يبقى أيامًا جاعلًا أرض تبوك مركزًا لنشاطات عسكرية وسياسية مختلفة .. وأول المستهدفين بتلك النشاطات هم من جاء من أجلهم: الروم .. لقد قرر ﷺ إرسال رسالة إلى قيصر الروم " قال رسول الله ﷺ : من ينطلق بصحيفتي هذه إلى قيصر وله الجنة .. فقال رجل من القوم: وإن لم أقتل؟ قال: وإن لم تقتل .. فانطلق الرجل به فوافق قيصر وهو يأتي بيت المقدس قد جعل له بساط لا يمشي عليه غيره فرمى بالكتاب على البساط وتنحى .. فلما انتهى قيصر إلى الكتاب أخذه ثم دعا رأس الجاثليق فأقرأه فقال: ما علمي في هذا الكتاب إلا كعلمك .. فنادى قيصر: مَنْ صاحب الكتاب فهو آمن؟ فجاء الرجل فقال: إذا أنا

стр. 1177

قدمت فأتني فلما قدم أتاه فأمر قيصر بأبواب قصره فغلقت ثم أمر مناديًا ينادي: ألا إن قيصر قد اتبع محمدًا ﷺ وترك النصرانية .. فأقبل جنده وقد تسلحوا حتى أطافوا بقصره فقال لرسول رسول الله ﷺ : قد ترى إني خائف على مملكتي ثم أمر مناديًا فنادى ألا إن قيصر قد رضي عنكم وإنما خبركم لينظر كيف صبركم على دينكم فارجعوا .. فانصرفوا .. وكتب قيصر إلى رسول الله ﷺ : إني مسلم وبعث إليه بدنانير .. فقال رسول الله ﷺ : حين قرأ الكتاب كذب عدو الله ليس بمسلم وهو على النصرانية وقسم الدنانير" (١) كانت هذه الإجابة المرتبكة تدل على أن الروم وعلى رأسهم قيصر بدأوا بمطالعة كتبهم المقدسة ومراجعة نبواتها وظهر خوفهم الشديد من هذا النبي التي تشير جميع النبوات في الكتاب المقدس إلى صدقه وصدق ما جاء به .. لكنها السلطة التي تكمم الأفواه وتغلق القلوب وتحرم صاحبها من اتباع الحق .. ففى داخل بئر بدر يتعفن أحد الأدلة .. وعلى أرض بني النضير وقينقاع وخيبر أدلة أخرى من الحسد والعناد لهذا النبي وكأن كونه عربي النسب سبة على بني إسرائيل الذين أهانوا النبوة والأنبياء بما فيه الكفاية .. كان ارتباك قيصر وخوفه دافعًا لملك مدينة تدعى أيلة على ساحل البحر الأحمر أن يأتي بنفسه يحمل هداياه ويقدم الولاء للنبي ﷺ "جاءه

стр. 1178

ملك أيلة وأهدى لرسول الله ﷺ بغلة بيضاء فكساه رسول الله ﷺ بردًا وكتب له رسول الله ﷺ " (١) "كتب له ببحرهم" (٢) أي أبقاه النبي ﷺ ملكًا على أيلة .. ثم بعث بسرية إلى مكان آخر هو دومة الجندل " بعث إلى أكيدر صاحب دومة بعثًا" (٣) وأوكل قيادة هذه السرية إلى الفارس والقائد الذي لا يهزم: خالد بن الوليد ﵁ .. وريثما يعود خالد من مهمته دعونا نتجول داخل هذا المعسكر الذي حوله النبي ﷺ من معسكر جيش إلى مدرسة يتعلم منها الجميع .. حيث "أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يومًا" (٤) وفي إحدى تلك الليالي وبعد أن فرغ من صلاته قام النبي ﷺ يبشر أصحابه بخمس خمس هبات من الله لنبيه ولهذه الأمة تفيض رحمة ورأفة بهم .. وعزاء لهذا الجيش الذي عانى الكثير ولم يسعد بلقاء العدو وقطف الشهادة .. يقول أحد المشاركين في هذه الغزوة:

стр. 1179

يقول عبد الله بن عمرو بن العاص: "إن رسول الله ﷺ عام غزوة تبوك قام من الليل يصلي فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه حتى إذا صلى وانصرف إليهم فقال لهم لقد أعطيت الليلة خمسًا ما أعطيهن أحد قبلي: أما أنا فأرست إلى الناس كلهم عامة وكان من قبلي إنما يرسل إلى قومه. ونصرت على العدو بالرعب ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لملئ منه رعبًا .. وأحلت لي الغنائم آكلها وكان من قبلي يعظمون أكلها كانوا يحرقونها .. وجعلت لي الأرض مساجد وطهورًا أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت وكان من قبلي يعظمون ذلك إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم .. والخامسة هي ما هي قيل لي سل فإن كل نبي قد سأل فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله" (١) ويقصد بها شفاعته لأمته يوم القيامة حيث يقول " ﷺ لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا" (٢) وقد أعطى الله للنبي ﷺ أربع شفاعات يوم القيامة: الأولى: هي الكبرى وهي التي يقبلها ﷺ تلبية لنداء البشر جميعًا بعدما

стр. 1180

يعتذر الأنبياء للناس عن مخاطبة الجبار يوم القيامة .. يقول ﷺ : "إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض فيأتون آدم فيقولون له: اشفع لذريتك فيقول: لست لها ولكن عليكم بإبراهيم ﵇ فإنه خليل الله فيأتون إبراهيم فيقول: لست لها ولكن عليكم بموسى ﵇ فإنه كليم الله فيؤتى موسى فيقول: لست لها ولكن عليكم بعيسى ﵇ فإنه روح الله وكلمته فيؤتى عيسى فيقول: لست لها ولكن عليكم بمحمد ﷺ فأوتى فأقول أنا لها" (١). الثانية: شفاعته لأهل الكبائر من أمته يقول ﷺ : "فأقول: أنا لها .. فأنطلق فأستأذن على ربي فيؤذن لي فأقوم بين يديه فأحمده بمحامد لا أقدر عليه الآن يلهمنيه الله ثم أَخِرُّ له ساجدًا فيقال لي: يا محمد .. ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع .. فأقول: رب أمتي أمتي .. فيقال: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها فأنطلق فأفعل ثم أرجع إلى ربي فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدًا فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع فأقول أمتي أمتي فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها فأنطلق فأفعل ثم أعود إلى ربي فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدًا فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع فأقول: يا رب أمتي أمتي فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل" (٢)

стр. 1181

الثالثة: شفاعته لإخراج أناس من أهل النار من الذين ارتكبوا ذنوبًا كبيرة وكثيرة لكنها لم تصل إلى حد الشرك الأكبر .. وهي الشفاعة التي يختص بها الله .. يقول ﷺ : "ثم أرجع إلى ربي في الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدًا فيقال لي: يا محمد .. ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله قال ليس ذاك لك أو قال ليس ذاك إليك ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وكبريائي لأخرجن من قال لا إله إلا الله" (١) الرابعة: شفاعته لعمه أبي طالب أن يخفف عنه من العذاب فيوضع على جمرتين على شكل نعلين من النار يغلى منهما دماغه يقول "أبو سعيد الخدري: إن رسول الله ﷺ ذكر عنده عمه أبو طالب فقال: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه يغلى منه دماغه" (٢) كان الصحابة ينصتون إلى تلك الهبات الإلهية ويرجون الله شفاعة نبيه ﷺ .. وكان النبي ﷺ يواصل تعليمه وتثقيفه لأتباعه في أي مكان وأي زمان .. ها هو داخل خيمته الصغيرة التي تقصدها خطوات الصحابي عوف بن مالك وبعدما وصل قال ﵁: "أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك [في آخر السحر وهو في فسطاطه فسلمت عليه وقلت: أأدخل يا رسول الله؟ فقال: ادخل .. فقلت: كلي؟ فقال: كلك] .. وهو في قبة من أدم فقال عدد ستًا بين يدي الساعة: موتى

стр. 1182

ثم فتح بيت المقدس ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم ثم استفاضة المال حتى يعطي الرجل مائة دينار فيظل ساخطًا ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا" (١) وهذا الحديث من معجزاته ﵇ .. وأما دروسه لأمته في هذه الغزوة فلم تنته ها هو يواصل تعليم أصحابه أمرًا يتعلق بالنظافة والصلاة يعلمهم .. دروسًا في المسح على مقدمة الرأس والعمامة والخفين وكان رفيقه في تلك الليلة صاحبه المغيرة بن شعبة ﵁ الذي يقول: "أنه غزا مع رسول الله ﷺ تبوك" (٢): "فقال: يا مغيرة خذ الإداوة .. فأخذتها ثم خرجت معه .. فانطلق رسول الله ﷺ حتى توارى عني فقضى حاجته ثم جاء وعليه جبة شامية ضيقة الكمين فذهب يخرج يده من كمها فضاقت عليه فأخرج يده من أسفلها فصببت عليه فتوضأ وضوءه للصلاة" (٣) "فحملت معه إداوة قبل صلاة الفجر فلما رجع رسول الله ﷺ إليَّ أخذت أهريق على يديه من الإداوة وغسل يديه ثلاث مرات ثم غسل

стр. 1183

وجهه ثم ذهب يخرج جبته عن ذراعيه فضاق كما جبته فأدخل يديه في الجبة حتى أخرج ذراعيه من أسفل الجبة وغسل ذراعيه إلى المرفقين" (١) "فمسح بناصيته وعلى العمامة" (٢) "مقدم رأسه وعلى عمامته" (٣) عندها أراد المغيرة ﵁ أن يخدم النبي ﷺ بنزع الخفين من قدميه الشريفتين لكن ذلك لم يحدث .. يقول المغيرة: "فأهويت لأنزع خفيه فقال دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما" (٤) أي أن النبي ﷺ لبس الخف وهو متوضئ وإلا لما مسح على الخف .. كما بين ﵇ لصحابته مدة المسح على الخفين التي تبدأ من أول مسحة .. يقول أحد الصحابة واسمه عوف بن مالك: "إن رسول الله ﷺ أمر بالمسح على الخفين في غزوة تبوك ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوم وليلة للمقيم" (٥) ولما فرغ النبي ﷺ من وضوءه وطهارته توجه مع صاحبه المغيرة لأداء صلاة الفجر فكان في ذهابهما: درس آخر في الصلاة يقول: "المغيرة فأقبلت معه حتى نجد الناس قد قدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى لهم .. فأدرك رسول الله ﷺ إحدى الركعتين فصلى مع الناس الركعة الآخرة .. فلما سلم عبد الرحمن بن عوف قام رسول الله ﷺ يتم

стр. 1184

صلاته فأفزع ذلك المسلمين .. فأكثروا التسبيح فلما قضى النبي ﷺ صلاته أقبل عليهم ثم قال: أحسنتم .. أو قال: قد أصبتم .. يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها" (١). لم يستفد الصحابة من دروس العبادة فقط كان هناك درس في الأحكام الجنائية فقد حدث بين بعض الرجال ما يحدث بين البشر من نزاع وسوء تفاهم قد يصل إلى الاشتباك بالأيدي أحيانًا .. وقد وصلت الأمور هذه المرة إلى الاشتباك فتضرر أحد الطرفين فذهب مشتكيًا للنبي ﷺ الذي كان يؤدي دور القائد والأخ والقاضي والمعلم وقبل ذلك النبي .. صحابي اسمه: يعلي بن منية "﵁ قال: غزوت مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك فحملت على بكر فهو أوثق أعمالي في نفسي .. فاستأجرت أجيرًا فقاتل رجلًا فعض أحدهما الآخر فانتزع يده من فيه ونزع ثنيته .. فأتى النبي ﷺ فأهدرها (٢) فقال: أيدفع يده إليك فتقضمها كما يقضم الفحل" (٣) فتعلم الصحابة أن خسائر المعتدي لا تعوض لاعتدائه ولأنه هو السبب فيها لا خصمه .. وإذا كان أحد الصحابة قد خسر أحد أسنانه فإن آخرًا كاد أن يفقد حياته عندما حذر ﵇ أصحابه: أمرًا مرعبًا سيحدث على أرض تبوك ومعجزة أخرى ستحدث على أرض المعجزات - تبوك .. يقول أحد

стр. 1185

الذين شاهدوا تلك الحادثة: "قدمنا تبوك فقال رسول الله ﷺ ستهب عليكم الليلة ريح شديدة فلا يقم فيها أحد منكم فمن كان له بعير فليشد عقاله فهبت ريح شديدة فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء" (١) أما كيف عرف هذا الصحابي بمكان أخيه فهذا ما سنعرفه بعد العودة للمدينة التي يبدو أنها قد اقتربت .. فبعد أن "أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يومًا" (٢) قال أبو هريرة ﵁: "إن رسول الله ﷺ قام فينا يوم تبوك فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: إن الله أذن لكم بهذا المسير وقد أذن لكم بالرجوع [والذي نفس محمد بيده لولا أنه ليس عندي سعة فأعطيكم ولا تطيب أنفسكم أن تقعدوا خلفي ما قعدت خلف سرية ولا بعث من المسلمين فلوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيى ثم أقتل ثم أحيى بعدها مرارًا .. جرح الرجل .. جرح في سبيل الله والله أعلم بمن يجرح في سبيله يأتي يوم القيامة كلون الدم وريح المسك" (٣) فتأهب الجميع للعودة إلى المدينة ثم تحركوا .. وبعد أن انطلق الجيش وخلال الطريق وجد معاذ بن جبل ﵁ نفسه أقرب الناس إلى

стр. 1186

النبي ﷺ ووجدها فرصة لا يمكن تفويتها .. لذلك قدم استفسارًا يلح على مشاعره بشدة .. فقال ﵁: "أقبلنا مع رسول الله ﷺ من غزوة تبوك فلما رأيته" (١) و"وقد أصاب الحر فتفرق القوم حتى نظرت فإذا رسول الله ﷺ أقربهم مني فدنوت منه فقلت: يا رسول الله أنبئني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار قال: لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه تعبد الله ولا تشرك به شيئًا وتقيم الصلاة المكتوبة وتوتي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان قال: وإن شئت أنبأتك بأبواب الجنة .. قلت أجل يا رسول الله قال: الصوم جنة والصدقة تكفر الخطيئة وقيام الرجل في جوف الليل يبتغي وجه الله .. ثم قرأ هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال: وإن شئت أنبأتك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه .. قلت: أجل يا رسول الله .. قال: أما رأس الأمر فالإسلام .. وأما عموده فالصلاة .. وأما ذروة سنامه فالجهاد في سبيل الله وإن شئت أنبأتك. بملاك ذلك كله .. فسكت .. فإذا راكبان يوضعان قبلنا فخشيت أن يشغلاه عن حاجتى قال: فقلت: ما هو يا رسول الله؟

стр. 1187

فأهوى بإصبعه إلى فيه قال: فقلت: يا رسول الله .. وإنا لنؤاخذ بما نقول بألسنتنا قال: ثكلتك أمك ابن جبل .. هل يُكبُّ الناس على مناخرهم في جهنم إلا حصائد ألسنتهم" (١) لقد تحولت حياة هؤلاء العرب الأجلاف بهذا النبي إلى حياة أخرى .. نظافة وعبادة نقية وعلم وثقافة .. بل أصبح العلم والثقافة في مقدمة اهتماماتهم .. وأصبح رضى الله هو هدف الحصول على هذا العلم .. وبذلك ولدت أمة جديده تجعل العلم نوعًا العبادات .. والنظافة نوعًا من العبادات .. والحركة نوعًا من العبادات حتى حركة اللسان وسكونه حوَّلَها الإسلام إلى عبادة .. كان ﷺ يحدث أصحابه عن اللسان وخطورته وكأنه يستشعر تلك الأفاعي التي يخفيها المنافقون داخل أفواههم والتي تتلمظ لنهش أعراض الصحابة وتشويه صورتهم .. وقد حدث ذلك في أحد المجالس التي شملت بعض المنافقين .. حيث قام هؤلاء المنافقون يسخرون من النبي ﷺ وصحابته فقد "قال رجل في غزوة تبوك في مجلس ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنًا ولا أجبن عند اللقاء فقال رجل في المسجد كذبت ولكنك منافق لأخبرن رسول الله ﷺ فبلغ ذلك رسول الله ﷺ

стр. 1188

ونزل القرآن فقال عبد الله بن عمرو: أن رأيته متعلقًا بحقب ناقة رسول الله ﷺ تنكبه الحجارة وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب ورسول الله ﷺ يقول: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ " (١) فالسخرية من الله أو رسوله ﷺ أو القرآن والسنة لا تعني سوى الازدراء والاحتقار ولا يمكن تغليفها بأي غلاف آخر يخفي حقيقة الغيض والتبرم .. وهو أسلوب منحط وسافل لا ينتهجه سوى العاجزين عن مطاولته والنيل منه .. فالسخرية ديدن الفاشلين والوضعاء من البشر .. لكن كما يقال القافلة تسير والكلاب تنبح .. لكن نباح الكلاب هنا مرير بعد أن أنزل الله آيات تفضح هؤلاء الناس الذين عادوا النجاح والحقيقة فأصبحوا أعداء لكل شيء حتى أنفسهم .. سارت القافلة عائدة إلى المدينة حتى وصلوا إلى وادي القرى .. وهناك مروا على المرأة صاحبة النخل "فلما أتى وادي القرى قال للمرأة كم جاءت حديقتك قالت: عشرة أوسق خرص رسول الله ﷺ فقال النبي ﷺ : إني متعجل إلى المدينة فمن أراد منكم أن يتعجل معي فليتعجل" (٢) لكن يبدو أن الظروف لم تكن تساعد على العجلة فطريق العودة لم يخل بعد من المنغصات التي يقذفها المنافقون الطافحون بالكراهية والحقد بعد هذه الغزوة التي تعتبر رصيدًا من النجاح للدولة المسلمة رغم عدم وجود قتال فيها .. إلا أنها كشفت عن هيبة المسلمين عند إمبراطورية الروم وعن حقد

стр. 1189

المنافقين على هذه النجاحات التي صارت تحققها دولة الإسلام في فترة قياسية من أعمار الأمم .. وقد حدث بين أحد المهاجرين والأنصار خلاف حاول المنافقون استثماره لإشعال سعير الفتنة داخل هذا الجيش المسلح عل هذه الأسلحة تجد أغمادًا لها داخل أجساد المؤمنين وذلك بعدما تعالى صراخ الجاهلية داخل معسكر المؤمنين وكانت بداية هذا النزاع مزاحًا ثقيلًا من أحد المهاجرين المرحين حيث قام بضرب أخيه الأنصاري برجله أو بيده في مؤخرته فلم يتحمل الأنصاري هذا المزاح الثقيل .. يقول جابر ﵁: "غزونا مع النبي ﷺ وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتى كثروا وكان من المهاجرين رجل لعاب فكسع أنصاريًا فغضب الأنصاري غضبًا شديدًا حتى تداعوا وقال الأنصاري يا للأنصار وقال المهاجري يا للمهاجرين" (١) ويقول أيضًا: "اقتتل غلامان .. غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار فنادى المهاجر أو المهاجرون يال المهاجرين .. ونادى الأنصار يال الأنصار فخرج رسول الله ﷺ فقال ما هذا دعوى أهل الجاهلية قالوا: لا يا رسول الله إلا أن غلامين اقتتلا فكسع أحدهما الآخر قال: فلا بأس ولينصر الرجل أخاه ظالمًا أو مظلومًا إن كان ظالمًا فلينهه فإنه له نصر وإن كان مظلومًا فلينصره" (٢). بهذه العدالة والحكمة تقتل الفتنة مهما كانت كبيرة .. انصر أخاك ظالمًا بمنعه من الظلم وانصره مظلومًا بالدفاع عنه .. لكن عبد الله بن أبي ابن سلول لم تعجبه تلك الحكمة ولا تلك العدالة فقرر أن يثير مزابل

стр. 1190

النفاق التي طال ركودها في وجه المؤمنين لعل وعسى أن تقوم حرب أهلية داخل المدينة يتم فيها طرد النبي ﷺ ومن معه من المهاجرين لتعود الأصنام والجاهلية والخرافة فيتوج ابن سلول ملكًا عليها .. يقول جابر ﵁: "سمع ذاك رسول الله ﷺ فقال: ما بال دعوى جاهلية قالوا: يا رسول الله .. كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار فقال: دعوها فإنها منتنة .. فسمع بذلك عبد الله بن أبي فقال فعلوها أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل .. فبلغ النبي ﷺ فقام عمر فقال: يا رسول الله .. دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال النبي ﷺ : دعه لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه .. وكانت الأنصار أكثر من المهاجرين حين قدموا المدينة ثم إن المهاجرين كثروا بعد" (١) فأغاضت كثرتهم صدور المنافقين وتبنى زعيمهم مشروعًا لطردهم من المدينة وهو لا يستطيع ذلك مهما فعل والدولة الإسلامية أقوى من أن تتأثر بقول منافق .. لكن هذا القول يخلق نوعًا من العصبية المقيتة التي قد تستشري في المستقبل وتفسد قلوب كثير من الناس وتنحرف بنواياهم وجهودهم نحو زوايا ضيقة وحفر صغيرة جربها العرب آلاف السنوات قبل محمد ﷺ فما تقدموا شبرًا واحدًا .. وقد وصل هذا التهديد لمسامع البى ﷺ فقدم لأصحابه ولخلفائه وللزعماء من بعده درسًا في التعامل مع أقوال الخصوم من رعاياهم مهما كانوا .. وحطم ﵇ أي حجة تبرر فيها السلطة التنكيل بمن تشاء لمجرد أنهم قالوا كلامًا يصادم سياستها أو يحتج على ممارسة من ممارساتها .. فها هي السلطة ممثلة بالنبي ﷺ تكذب مؤمنًا وهي تعلم أنه صدوق لأنه لم

стр. 1191

يحضر شهودًا أو أدلة على ما يقول .. وبرأت رأس المنافقين وهي تجزم بكفره ونفاقه وكذبه لأن الأصل في أي إنسان يعيش في الدولة الإسلامية أنه بريء حتى تثبت التهمة عليه .. حدث ذلك رغم أن ذلك القول يحمل أشد أنواع الخروج على السلطة بل يدعو صراحة إلى تغيير نظام الحكم بالقوة .. بل إن هذا المنافق لم يكتف بالتهديد فقط بل قدم لأهل المدينة مشروعًا خطيرًا جدًا يأمرهم فيه بـ: حصار المهاجرين اقتصاديًا فقال لمن حوله: "لا تنفقوا على من عند رسول الله ﷺ حتى ينفضوا من حوله" (١) وكان الذي سمع هذه المقولة من فم ذلك المنافق مباشرة صحابي جليل اسمه زيد بن أرقم وهو من الأنصار أنفسهم ومن المعنيين مباشرة بكل حرف بصقه ابن سلول .. فنقل ذلك للنبي ﷺ لكن زيدًا تأذى كثيرًا بعد نقله لذلك القول .. وذلك لأن النبي ﷺ لم يعره اهتمامًا .. فقد أراد قطع كل طرقات المنافقين في التسلل نحو وحدة المسلمين بعد أن نجحوا في التسلل في صفوفهم .. تلك الوحدة التي بدأ المؤمنون بقطف ثمارها وبدأت البشرية تتمتع بشمسها وهوائها .. يقول زيد ﵁ وهو يتحدث عن معاناته: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر أصاب الناس في شدة [في غزوة تبوك] " (٢) "كنت مع عمي فسمعت عبد الله بن

стр. 1192

أبي بن سلول يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا .. وقال أيضًا: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فذكرت ذلك لعمي فذكر عمي لرسول الله ﷺ فأرسل رسول الله ﷺ إلى عبد الله بن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا .. فصدقهم رسول الله ﷺ وكذبني .. فأصابني هم لم يصبني مثله" (١) لأن المتحدث صادق والحالف كاذب والكل يعرف الطرفين .. وكان مما زاد حزن زيد ومعاناته ذلك العتاب القاسي الذي صدر من عمه وقومه .. يقول ﵁: "وقال عمي: ما أردت إلى أن كذبك النبي ﷺ ومقتك" (٢) التحف زيد آلامه وأحزانه وأكمل مسيرًا ثقيلًا إلى المدينة .. فقد عكر المنافقون صفو غزوته وجهاده مع النبي ﷺ .. وعكروا على المؤمنين ذلك أيضًا .. وابتهج المنافقون بتصديق النبي ﷺ ونجحوا في التملص من عواقب تلك الكلمات الخطيرة .. لكن المنافقين لم يكتفوا بتلك النتيجة المفرحة ولا بتلك البلبلة التي أثاروها .. فقد خيل لهم أن هذا الجيش وقائده من السذاجة لدرجة أنه يمكن توجيه ضربة أخرى لكنها هذه المرة عسكرية .. لقد قرر المنافقون

стр. 1193

محاولة اغتيال النبي ﷺ " رجع رسول الله ﷺ قافلًا من تبوك إلى المدينة حتى إذا كان ببعض الطريق مكر برسول الله ﷺ ناس من أصحابه فتآمروا عليه أن يطرحوه في عقبة في الطريق .. فلما بلغوا العقبة أرادوا أن يسلكوها معه .. فلما غشيهم رسول الله ﷺ لما سمعوا بذلك واستعدوا وتلثموا وقد هموا بأمر عظيم .. وأمر رسول الله ﷺ حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر فمشيا معه مشيًا وأمر عمار أن يأخذ بزمام الناقة وأمر حذيفة أن يسوقها فبينا هم يسيرون إذ سمعوا بالقوم من ورائهم قد غشوهم .. فغضب رسول الله ﷺ وأمر حذيفة أن يردهم وأبصر حذيفة غضب رسول الله ﷺ فرجع ومعه محجن فاستقبل وجوه رواحلهم فضربها ضربًا بالمحجن .. وأبصر القوم وهم متلثمون .. فرعبهم الله حين أبصروا حذيفة وظنوا أن مكرهم قد ظهر عليه .. فأسرعوا حتى خالطوا الناس. وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله ﷺ فلما أدركه .. قال: اضرب الراحلة يا حذيفة وامش أنت يا عمار فأسرعوا حتى استوى بأعلاها فخرجوا من العقبة ينتظرون الناس فقال النبي ﷺ لحذيفة: هل عرفت يا حذيفة من هؤلاء الرهط أو الركب أو أحدًا منهم قال حذيفة: عرفت راحلة فلان وفلان وقال: كانت ظلمة الليل وغشيتهم وهم متلثمون فقال ﷺ : هل علمتم ما كان شأن الركب وما أرادوا؟ قالوا: لا والله يا رسول الله قال: فإنهم مكروا ليسيروا معي حتى إذا أظلمت في العقبة طرحوني منها. قالوا: أفلا تأمر بهم يا رسول الله إذا جاءك الناس فتضرب أعناقهم؟ قال: أكره أن يتحدث الناس ويقولوا إن محمدًا قد وضع يده على أصحابه فسماهم لهم وقال: اكتماهم" (١)

стр. 1194

مرة أخرى يقدم النبي ﷺ درسًا في السلوك السلطوي الإسلامي الرائع في تعامله مع الآخر .. وتتضح سعة الأفق التي كان يتميز بها النبي ﷺ في تعامله مع الأحداث الخطيرة التي يمكن السيطرة عليها وتحجيمها وتجاوزها بهدوء وتعقل ودون تعريض المجتمع والأمة إلى هزة مؤثرة .. رغم قول حذيفة ﵁ في الموضع نفسه: "قال النبي ﷺ في أصحابي اثنا عشر منافقًا فيهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة" (١) وهي عبارة عن دمل كبيرة قاتلة .. تجاوز النبي ﷺ تلك الأزمة بنجاح وقاد جيشه باقتدار ولما أقبل الجيش على المدينة هش لها النبي ﷺ وطاب له الحديث عنها وعن أهلها .. فلهج بكلمات من القلب عندما اقترب منها فقال "رسول الله ﷺ : إني مسرع فمن شاء منكم فليسرع معي ومن شاء فليمكث فخرجنا حتى أشرفنا على المدينة فقال: هذه طابة وهذا أحد وهو جبل يحبنا ونحبه .. ثم [قال رسول الله ﷺ : ألا أخبركم بخير دور الأنصار قالوا: بلى يا رسول الله] .. قال: إن خير دور الأنصار دار بني النجار ثم دار بني عبد الأشهل ثم دار بني عبد الحارث بن الخزرج ثم دار بني ساعدة وفي كل دور الأنصار خير فلحقنا سعد بن عبادة فقال أبو أسيد: ألم تر أن رسول الله ﷺ خير دور الأنصار فجعلنا آخرًا .. فأدرك سعد رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله .. خيرت دور الأنصار فجعلتنا أخرًا .. فقال: أوليس بحسبكم أن تكونوا من

стр. 1195

الخيار .. [ثم قال بيده فقبض أصابعه ثم بسطهن كالرامي بيده ثم قال وفي كل دور الأنصار خير] " (١) ثم بشر الفقراء والمعذورين داخل المدينة بحديث يرويه أنس بن مالك فيقول ﵁: "إن رسول الله ﷺ رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة فقال إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم قالوا يا رسول الله وهم بالمدينة قال وهم بالمدينة حبسهم العذر" (٢) وكان شوقه ﵇ للمدينة يعرف بحركة تفيض بالمشاعر .. يقول عنها "أنس ﵁ إن النبي ﷺ كان إذا قدم من سفر فنظر إلى جدران المدينة أوضع راحلته وإن كان على دابة حركها من حبها" (٣) وتحرك الجيش من خلفه .. ثم أقبلوا على مشارف المدينة وبعض القلوب محطمة من كلام عبد الله بن أبي بن سلول الشنيعة .. أما داخل المدينة فالمشاعر مختلفة كاختلاف الألوان .. هناك المشتاقون لرسول الله ﷺ وهم المؤمنون وهناك المنافقون الذين انتهوا من إعداد أعذارهم وأسفهم ليقدموها كالأفخاخ للنبي ﵇ .. وهناك الصبيان الذين تسابقوا نحو ثنية الوداع انطلقوا كالعصافير نحو مدخل المدينة من جهة تبوك يقال لها ثنيات الوداع يتلقون النبي ﷺ ها هو أحدهم يقول: "خرجت مع الصبيان نتلقى النبي ﷺ مقدمه من تبوك إلي ثنية الوداع" (٤) و"خرج الناس يتلقونه فخرج النساء والصبيان .. فكنت فيمن تلقاه مع الصبيان حتى لقينا رسول
следующие страницы →