← Сира

Сира · id 123668

السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة

محمد الصوياني

Полный текст (1 354 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

يحضر شهودًا أو أدلة على ما يقول .. وبرأت رأس المنافقين وهي تجزم بكفره ونفاقه وكذبه لأن الأصل في أي إنسان يعيش في الدولة الإسلامية أنه بريء حتى تثبت التهمة عليه .. حدث ذلك رغم أن ذلك القول يحمل أشد أنواع الخروج على السلطة بل يدعو صراحة إلى تغيير نظام الحكم بالقوة .. بل إن هذا المنافق لم يكتف بالتهديد فقط بل قدم لأهل المدينة مشروعًا خطيرًا جدًا يأمرهم فيه بـ: حصار المهاجرين اقتصاديًا فقال لمن حوله: "لا تنفقوا على من عند رسول الله ﷺ حتى ينفضوا من حوله" (١) وكان الذي سمع هذه المقولة من فم ذلك المنافق مباشرة صحابي جليل اسمه زيد بن أرقم وهو من الأنصار أنفسهم ومن المعنيين مباشرة بكل حرف بصقه ابن سلول .. فنقل ذلك للنبي ﷺ لكن زيدًا تأذى كثيرًا بعد نقله لذلك القول .. وذلك لأن النبي ﷺ لم يعره اهتمامًا .. فقد أراد قطع كل طرقات المنافقين في التسلل نحو وحدة المسلمين بعد أن نجحوا في التسلل في صفوفهم .. تلك الوحدة التي بدأ المؤمنون بقطف ثمارها وبدأت البشرية تتمتع بشمسها وهوائها .. يقول زيد ﵁ وهو يتحدث عن معاناته: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر أصاب الناس في شدة [في غزوة تبوك] " (٢) "كنت مع عمي فسمعت عبد الله بن

стр. 1192

أبي بن سلول يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا .. وقال أيضًا: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فذكرت ذلك لعمي فذكر عمي لرسول الله ﷺ فأرسل رسول الله ﷺ إلى عبد الله بن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا .. فصدقهم رسول الله ﷺ وكذبني .. فأصابني هم لم يصبني مثله" (١) لأن المتحدث صادق والحالف كاذب والكل يعرف الطرفين .. وكان مما زاد حزن زيد ومعاناته ذلك العتاب القاسي الذي صدر من عمه وقومه .. يقول ﵁: "وقال عمي: ما أردت إلى أن كذبك النبي ﷺ ومقتك" (٢) التحف زيد آلامه وأحزانه وأكمل مسيرًا ثقيلًا إلى المدينة .. فقد عكر المنافقون صفو غزوته وجهاده مع النبي ﷺ .. وعكروا على المؤمنين ذلك أيضًا .. وابتهج المنافقون بتصديق النبي ﷺ ونجحوا في التملص من عواقب تلك الكلمات الخطيرة .. لكن المنافقين لم يكتفوا بتلك النتيجة المفرحة ولا بتلك البلبلة التي أثاروها .. فقد خيل لهم أن هذا الجيش وقائده من السذاجة لدرجة أنه يمكن توجيه ضربة أخرى لكنها هذه المرة عسكرية .. لقد قرر المنافقون

стр. 1193

محاولة اغتيال النبي ﷺ " رجع رسول الله ﷺ قافلًا من تبوك إلى المدينة حتى إذا كان ببعض الطريق مكر برسول الله ﷺ ناس من أصحابه فتآمروا عليه أن يطرحوه في عقبة في الطريق .. فلما بلغوا العقبة أرادوا أن يسلكوها معه .. فلما غشيهم رسول الله ﷺ لما سمعوا بذلك واستعدوا وتلثموا وقد هموا بأمر عظيم .. وأمر رسول الله ﷺ حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر فمشيا معه مشيًا وأمر عمار أن يأخذ بزمام الناقة وأمر حذيفة أن يسوقها فبينا هم يسيرون إذ سمعوا بالقوم من ورائهم قد غشوهم .. فغضب رسول الله ﷺ وأمر حذيفة أن يردهم وأبصر حذيفة غضب رسول الله ﷺ فرجع ومعه محجن فاستقبل وجوه رواحلهم فضربها ضربًا بالمحجن .. وأبصر القوم وهم متلثمون .. فرعبهم الله حين أبصروا حذيفة وظنوا أن مكرهم قد ظهر عليه .. فأسرعوا حتى خالطوا الناس. وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله ﷺ فلما أدركه .. قال: اضرب الراحلة يا حذيفة وامش أنت يا عمار فأسرعوا حتى استوى بأعلاها فخرجوا من العقبة ينتظرون الناس فقال النبي ﷺ لحذيفة: هل عرفت يا حذيفة من هؤلاء الرهط أو الركب أو أحدًا منهم قال حذيفة: عرفت راحلة فلان وفلان وقال: كانت ظلمة الليل وغشيتهم وهم متلثمون فقال ﷺ : هل علمتم ما كان شأن الركب وما أرادوا؟ قالوا: لا والله يا رسول الله قال: فإنهم مكروا ليسيروا معي حتى إذا أظلمت في العقبة طرحوني منها. قالوا: أفلا تأمر بهم يا رسول الله إذا جاءك الناس فتضرب أعناقهم؟ قال: أكره أن يتحدث الناس ويقولوا إن محمدًا قد وضع يده على أصحابه فسماهم لهم وقال: اكتماهم" (١)

стр. 1194

مرة أخرى يقدم النبي ﷺ درسًا في السلوك السلطوي الإسلامي الرائع في تعامله مع الآخر .. وتتضح سعة الأفق التي كان يتميز بها النبي ﷺ في تعامله مع الأحداث الخطيرة التي يمكن السيطرة عليها وتحجيمها وتجاوزها بهدوء وتعقل ودون تعريض المجتمع والأمة إلى هزة مؤثرة .. رغم قول حذيفة ﵁ في الموضع نفسه: "قال النبي ﷺ في أصحابي اثنا عشر منافقًا فيهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة" (١) وهي عبارة عن دمل كبيرة قاتلة .. تجاوز النبي ﷺ تلك الأزمة بنجاح وقاد جيشه باقتدار ولما أقبل الجيش على المدينة هش لها النبي ﷺ وطاب له الحديث عنها وعن أهلها .. فلهج بكلمات من القلب عندما اقترب منها فقال "رسول الله ﷺ : إني مسرع فمن شاء منكم فليسرع معي ومن شاء فليمكث فخرجنا حتى أشرفنا على المدينة فقال: هذه طابة وهذا أحد وهو جبل يحبنا ونحبه .. ثم [قال رسول الله ﷺ : ألا أخبركم بخير دور الأنصار قالوا: بلى يا رسول الله] .. قال: إن خير دور الأنصار دار بني النجار ثم دار بني عبد الأشهل ثم دار بني عبد الحارث بن الخزرج ثم دار بني ساعدة وفي كل دور الأنصار خير فلحقنا سعد بن عبادة فقال أبو أسيد: ألم تر أن رسول الله ﷺ خير دور الأنصار فجعلنا آخرًا .. فأدرك سعد رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله .. خيرت دور الأنصار فجعلتنا أخرًا .. فقال: أوليس بحسبكم أن تكونوا من

стр. 1195

الخيار .. [ثم قال بيده فقبض أصابعه ثم بسطهن كالرامي بيده ثم قال وفي كل دور الأنصار خير] " (١) ثم بشر الفقراء والمعذورين داخل المدينة بحديث يرويه أنس بن مالك فيقول ﵁: "إن رسول الله ﷺ رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة فقال إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم قالوا يا رسول الله وهم بالمدينة قال وهم بالمدينة حبسهم العذر" (٢) وكان شوقه ﵇ للمدينة يعرف بحركة تفيض بالمشاعر .. يقول عنها "أنس ﵁ إن النبي ﷺ كان إذا قدم من سفر فنظر إلى جدران المدينة أوضع راحلته وإن كان على دابة حركها من حبها" (٣) وتحرك الجيش من خلفه .. ثم أقبلوا على مشارف المدينة وبعض القلوب محطمة من كلام عبد الله بن أبي بن سلول الشنيعة .. أما داخل المدينة فالمشاعر مختلفة كاختلاف الألوان .. هناك المشتاقون لرسول الله ﷺ وهم المؤمنون وهناك المنافقون الذين انتهوا من إعداد أعذارهم وأسفهم ليقدموها كالأفخاخ للنبي ﵇ .. وهناك الصبيان الذين تسابقوا نحو ثنية الوداع انطلقوا كالعصافير نحو مدخل المدينة من جهة تبوك يقال لها ثنيات الوداع يتلقون النبي ﷺ ها هو أحدهم يقول: "خرجت مع الصبيان نتلقى النبي ﷺ مقدمه من تبوك إلي ثنية الوداع" (٤) و"خرج الناس يتلقونه فخرج النساء والصبيان .. فكنت فيمن تلقاه مع الصبيان حتى لقينا رسول

стр. 1196

الله ﷺ بثنية الوداع" (١). يقول أحد هؤلاء الأطفال وهو ابن الشهيد جعفر الطائر قائد مؤتة: "كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر تلقى بصبيان أهل بيته .. قال: وإنه قدم من سفر فسبق بي إليه فحملني بين يديه ثم جيء بأحد أبني فاطمة فأردفه خلفه قال فأدخلنا المدينة ثلاثة على دابة" (٢) وبعد أن حيى الأطفال والنساء توجه نحو المسجد لـ "أن النبي ﷺ كان إذا قدم من سفر ضحى دخل المسجد فصلى ركعتين قبل أن يجلس" (٣) ثم جلس للناس وأثناء جلوسه تهادى نحوه رجل محطم القلب له قصة مؤثرة جدًا سنعرفها بعد قليل بعد أن نصاحبه ﵇ إلى بيت فاطمة حيث "كان رسول الله ﷺ إذا خرج في سفر فآخر ما يكون عهده به من أهل بيته فاطمة ﵂ وإذا قدم فأول ما يدخل عليه فاطمة ﵂" (٤) ثم توجه إلى أحد أبياته وبعد دخوله في ذلك البيت بزمن سمع:

стр. 1197

صوت الدف في بيت النبي ﷺ بل وتحت سمعه وبصره ورضاه وفي يوم ليس من أيام العيد فقد "جاءت جارية سوداء فقالت يا رسول الله إني نذرت إن ردك الله سالمًا أن أضرب على رأسك بالدف فقال رسول الله ﷺ إن نذرت فافعلي وإلا فلا قالت إني كنت نذرت فقعد رسول الله ﷺ وضربت بالدف وقالت: أشرق البدر علينا ... من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع" (١) كان ﷺ يقر هذه الجارية على نذرها ولو كان نذر معصية لما وافقها عليه لأن النبي ﷺ يقول "لا وفاء لنذر في معصية ولا فيما لا يملك العبد" (٢) "لا نذر في معصية الله" (٣) وقد حدث من الجارية ما يؤكد ذلك في اليوم نفسه فقد: "قالت: يا رسول الله .. إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف قال: أوفي بنذرك. قالت: إني نذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا؛ مكان كان يذبح فيه أهل

стр. 1198

الجاهلية، قال: لصنم؟ قالت: لا .. قال: لوثن؟ قالت: لا، قال: أوفي بنذرك" (١) وصدر منها بعد ذلك تصرف مضحك لكنه في الوقت نفسه شهادة لأحد عظماء الصحابة من النبي ﷺ وذلك بعد ما قال ﵇ لها: "إن كنت نذرت فاضربي فجعلت تضرب فدخل أبو بكر ﵁ وهي تضرب، ثم دخل عمر ﵁ فألقت الدف تحتها وقعدت عليه فقال رسول الله ﷺ إن الشيطان يخاف منك يا عمر" (٢) ويبدو أن شدة عمر ﵁ قد تصاعدت بعد أقوال المنافقين وأعمالهم الخطيرة .. وسوف تكشف الأيام عن مواقف هذا الرجل العظيم تجاههم .. أما النبي ﷺ فقد كان سنة من السماحة واللين والرفق .. ها هو يرى صورًا مجسمة في بيت عائشة تقول ﵂: "قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك وقد نصبت على باب حجرتي عباءة وعلى عرض بيتي ستر أرمني فدخل البيت .. فلما رآه قال: ما لي يا عائشة والدنيا، فهتك الستر حتى وقع بالأرض وفي سهوتها ستر، فهبت ريح فكشف ناحية الستر عن بنات لعائشة لعب فقال: ما هذا يا عائشة؟

стр. 1199

قالت: بناتي. قالت: ورأى بين طوبها فرسًا له جناحان من رقع قال: فما هذا الذي أرى في وسطهن؟ قالت: فرس قال: ما هذا الذي عليه؟ قالت: جناحان قال: فرس له جناحان؟ قالت: أوما سمعت أن لسليمان بن داود خيلًا له أجنحة؟ فضحك حتى بدت نواجده" (١) من قول عائشة إلى تتمتع بدلال هذا الزوج الرائع ورفقته ورفقه .. كانت عائشة تتلقى منه الذوق الراقي والمستوى الرفيع في التعامل حتى مع أعدائه .. ذات مرة كان في بيتها فدخل عليه بعض اليهود فألقوا عليه تحية كالسم .. تقول عائشة ﵂ "دخل رهط من اليهود على رسول الله ﷺ فقالوا السام عليكم .. قالت عائشة: ففهمتها .. فقلت: وعليكم السام واللعنة .. فقال رسول الله ﷺ : مهلًا يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله .. فقلت: يا رسول الله .. أولم تسمع ما قالوا قال رسول الله ﷺ : قد قلت وعليكم" (٢) وإذا كان هذا هو رفقه ﷺ بأعدائه فكيف سيكون موقفه من رجال ثلاثة لا يدرون ما يقولون .. بل ولا ما يفعلون وقد رجع ﷺ من تبوك .. لنعد بالأحداث إلى حيث المسجد النبوي لحظة وصول النبي ﷺ وجلوسه فيه .. هناك بدأت المعاناة لـ:

стр. 1200

الصحابة الثلاثة الذين غابوا عن تبوك والذين ضاقت بهم الدنيا واسودت بوجوههم وضاقوا بأنفسهم .. ها هو: أحدهم الشاعر المؤمن كعب بن مالك الذي بايع النبي ﷺ بيعة العقبة والذي انشغل وتردد حتى فاتته الغزوة وهو في المدينة الآن يصف شعوره طوال تلك الأيام التي أمضاها بين جدران يشعر بأنها تحاول خنقه .. وهواء يشعر بأنه لا يريد الدخول إلى رئتيه .. وأرض تضيق به .. وأعذار لا قيمة لها ولا رصيد .. كعب بن مالك يروي قصته الطويلة الدامية في تلك الأيام السوداء فيقول: "غزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال وتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئًا، فأقول في نفسي أنا قادرٌ عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد فأصبح رسول الله ﷺ والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئًا .. فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقهم فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض شيئًا ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئًا فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو وهممت أن أرتحل فأدركهم وليتني فعلت فلم يقدر لي ذلك .. فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصًا عليه النفاق أو رجلًا ممّن عذر الله من الضعفاء .. ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك ما فعل كعب؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله .. حبسه برداه ونظره في عطفيه .. فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت .. والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا فسكت رسول الله ﷺ قال كعب بن مالك فلما بلغني أنه توجه قافلًا

стр. 1201

حضرني همي .. وطفقت أتذكر الكذب وأقول بماذا أخرج من سخطه غدًا واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي .. فلما قيل إن رسول الله ﷺ قد أظل قادمًا زاح عني الباطل .. وعرفت أني لن أخرج منه أبدًا بشيء فيه كذب .. فأجمعت صدقه وأصبح رسول الله ﷺ قادمًا وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين ثم جلس للناس .. فلما فعل ذلك جاء المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلًا فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله .. فجئته فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال: تعال فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي: ما خلفك ألم تكن قد ابتعت ظهرك فقلت: بلى إني والله يا رسول الله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر ولقد أعطيت جدلًا ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي .. ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عفو الله .. لا والله ما كان لي من عذر والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك .. فقال رسول الله ﷺ : أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضى الله فيك فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر إليه المتخلفون .. قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك فوالله مازالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم .. رجلان .. قالا مثل ما قلت .. فقيل لهما مثل ما قيل لك.

стр. 1202

فقلت: من هما قالوا مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا فيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما لي .. ونهي رسول الله ﷺ عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه .. فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف .. فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان .. وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد وآتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة .. فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه فأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي .. وإذا التفت نحوه أعرض عني .. حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام فقلت يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت .. فعدت له فنشدته فسكت فعدت له فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم ففاضت عيناه. وتوليت حتى تسورت الجدار فبينما أنا أمشى بسوق المدينة إذا نبطى من أنباط أهل الشام ممّن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءني دفع إلي كتابًا من ملك غسان فإذا فيه: أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك .. فقلت لما قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته بها حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله ﷺ يأتيني فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك فقلت أطلقها أم ماذا أفعل قال: لا

стр. 1203

بل اعتزلها ولا تقربها وأرسل إلى صابي مثل ذلك فقلت لامرأتي: الحقى بأهلك فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله .. إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا .. ولكن لا يقربك .. قالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء والله ما زال يبكي منذ كان أمره ما كان إلى يومه هذا .. فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك كما أذن لامرأة هلال ابن أمية أن تخدمه .. فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ وما يدريني ما يقول رسول الله إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب. فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهي رسول الله ﷺ عن كلامنا .. فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا .. فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت .. سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر .. قال: فخررت ساجدًا وعرفت أن قد جاء فرج .. وآذن رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا .. وذهب قبل صاحبي مبشرون وركض إلي رجل فرسًا (١) وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل وكان الصوت أسرع من الفرس .. فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيَّ فكسوته إياهما ببشراه .. والله ما أملك غيرهما يومئذ واستعرت ثوبين فلبستهما .. وانطلقت إلى رسول الله ﷺ فيتلقاني الناس فوجًا فوجًا يهنونني بالتوبة يقولون: لتهنك توبة الله عليك .. قال كعب: حتى دخلت

стр. 1204

المسجد فإذا رسول الله ﷺ جالس حوله الناس فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهناني والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة .. فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ وهو يبرق وجهه من السرور: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك .. قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: لا بل من عند الله وكان رسول الله ﷺ إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر وكنا نعرف ذلك منه .. فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله .. إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله .. قال رسول الله ﷺ : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك .. قلت: فإني أمسك سهمى الذي بخيبر .. فقلت: يا رسول الله .. إن الله إنما نجاني بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقًا ما لقيت .. فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مما أبلاني .. ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا كذبًا وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت وأنزل الله على رسوله ﷺ : ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله ﷺ أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا .. فإن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد فقال ﵎: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ

стр. 1205

لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (١). هذه هي قصة كعب ومعاناته التي لا تطاق والتي استمرت لأكثر من شهرين .. لكنها تصفية المؤمنين وتربيتهم وامتحانهم .. ولو كانوا من المنافقين لتم تجاهلهم كأن لم يكونوا ولم يكن تخلفهم .. ولو مر مشرك بتلك الظروف التي مرت بكعب ورفاقه لكان الانتحار أفضل خيار في نظره .. لكنه الإيمان الذي يؤهل المسلم للتفوق على كل ما يمر به من أزمات .. الإيمان الذي يقول النبي ﷺ عن صاحبه وعن قدرته على تجاوز الأزمات مهما بلغت شدتها وعن الفرق بينه وبين المنافق: "مثل المؤمن كالزرع ومثل الكافر كشجر الأرز" (٢) "الزرع لا تزال الريح تميله ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز لا تهتز حتى تستحصد" (٣) وإذا كانت أحزان كعب قد انتهت فماذا عن أحزان زيد بن أرقم سنتوجه إليه فهو الآن في بيته محزون لا يخرج منه .. خجلًا من صدقه الذي حولته أيمان المنافقين ووقاحتهم إلى كذب .. ها هو غارق في الحزن يقول: "أرسل رسول الله ﷺ إلى عبد الله بن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا: فكذبني رسول الله ﷺ -وصدقه فأصابني هم لم يصبني مثله قط فجلست في البيت فقال لي عمي ما أردت إلى أن كذبك رسول الله ﷺ ومقتك فأنزل الله تعالى إذا جاءك المنافقون: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ

стр. 1206

إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣) وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٦) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾ فبعث إلى النبي ﷺ فقرأ .. فقال إن الله قد صدقك يا زيد" (١) ولم يعد لكذب النفاق من أرض تقله أو سماء تظله .. طاشت ضربة عبد الله بن أبي بن سلول الأخيرة .. لكن هذه المرة ليست في الهواء بل في صدره .. وبدأ حقده الأسود يفتك به كالسرطان .. فقد عرته الآيات الأخيرات التي نزلت تصدق زيد بن أرقم وتكذب أيمانه وأيمان من معه من المنافقين .. فضحته تلك الآيات ولم تبق له عيب مستور بعد اليوم .. تحول إلى خرائب من الإحباط .. ومما زاد في إحباطه مشاهد المجموع والوفود التي بدأت تتدافع نحو المدينة لتعلن دخولها

стр. 1207

في الإِسلام ومبايعتها للنبي ﷺ .. وكان من بين الواصلين إلى المدينة القائد المظفر: خالد بن الوليد يعود مصحوبًا بأكيدر خرجت خيل لرسول الله ﷺ وسمع بها أكيدر دومة الجندل فانطلق إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله بلغني أن خيلك انطلقت وإني خفت على أرضي ومالي فاكتب لي كتابًا لا تعرض له ولا لشيء هو لي فإني مقر بالحق الذي هو علىّ فكتب له رسول الله ﷺ كتابًا وأخرج أكيدر قباء منسوجًا بالذهب مما كان كسرى يكسوهم فقال: يا رسول الله اقبل عني هذا" (١). يقول أنس بن مالك ﵁: "رأيت قباء أكيدر حين قدم به على رسول الله ﷺ فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويتعجبون منه .. فقال رسول الله ﷺ : أتعجبون من هذا؟ فوالذي نفسى بيده لمناديل سعد ابن معاذ في الجنة أحسن من هذا" (٢) وتحدث أنس ﵁ عن سعد ابن معاذ فانهمرت دموعه لذكراه وقال: "إن سعدًا كان أعظم الناس

стр. 1208

وأطوله .. ثم بكى فأكثر البكاء ثم قال: إن رسول الله ﷺ بعث إلى أكيدر صاحب دومة بقباء فأرسل إليه جبة ديباج منسوجة فيها الذهب فلبسها رسول الله ﷺ ثم قام على المنبر وقعد فلم يتكلم ونزل فجعل الناس يلمسونها بأيديهم فقال أتعجبون من هذه لمناديل سعد في الجنة أحسن مما ترون" (١) "ثم أوشك أن نزعه فأرسل به إلى عمر فقيل له: قد أوشكت ما نزعته يا رسول الله قال نهاني عنه جبريل ﵇ فجاء عمر يبكي فقال يا رسول الله كرهت أمرًا وأعطيتنيه قال: إني لم أعطكه لتلبسه إنما أعطيتكه تبيعه .. فباعه عمر بألفي درهم" (٢) ثم إن أكيدر بعث هدية ثانية فيما بعد فاستدعى النبي ﷺ عليًا ثم أمره بأمر قال عنه علي ﵁: "إن أكيدر دومة أهدى إلى النبي ﷺ ثوب حرير فأعطاه عليًا .. فقال: شققه خمرًا بين الفواطم" (٣) والفواطم: فاطمة بنت رسول الله ﷺ وفاطمة بن أسد وهي أم علي وفاطمة بنت عمه حمزة بن عبد المطلب ﵃ جيعا .. لكن مهلًا لماذا قال المصطفى شققه بين الفواطم .. أين زينب .. أين أم كلثوم لماذا لم يذكرهما النبي ﷺ ؟ لماذا لم ينلهما شيء من هذا الحرير الثمين والجميل؟ سألنا وسألنا وتوجهنا نحو بابيهما وانتظرنا طويلًا على تلك

стр. 1209

الأبواب فلم تعد زينب ولم ترجع أم كلثوم .. وأمامة الصغيرة تبحث مثلنا فلا تجد أمها ولا خالتها في طرقات المدينة ولا عند الجيران .. لقد رحلت الأم زينب ﵂ والخالة أم كلثوم ولم يبق إلا فاطمة الزهراء. لم نجد من يحدثنا عنهما سوى إحدى نساء الأنصار العظيمات وتدعى أم عطية .. أم عطية المجاهدة التي تقول: "غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات أخلفهم في رحالهم فأصنع لهم الطعام وأداوي الجرحى وأقوم على المرضى" (١) حدثتنا أم عطية عن زينب .. فقط عن غسلها لأنها شاركت فيه .. تقول ﵂: "لما ماتت زينب بنت رسول الله ﷺ قال لنا رسول الله ﷺ : اغسلنها وترًا" (٢) "اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر .. واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور فإذا فرغتن فآذنني" (٣) وقال لهن: "ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها" (٤) فنفذت أم عطية ومن معها ما قاله ﷺ وقالت: "فضفرنا شعرها ثلاثة أثلاث قرنيها وناصيتها" (٥) "ومشطناها ثلاثة قرون" (٦) "فلما فرغنا آذناه فألقى إلينا حقوه فقال: أشعرنها إياه" (٧) أي أعطاهن إزاره الذي يشد على الخصر وأمرهن أن يجعلوه يلاصق جسدها الطاهر مباشرة ثم حملوها على الأعناق أمام حزن ابنتها الصغيرة أمامة .. ثم واروها في مثواها الأخير ﵂ .. وبعد فترة أو قبل ذلك فجع النبي ﷺ

стр. 1210

مرة ثالثة بفقد ابنته الصغرى الطاهرة أم كلثوم ﵂ .. سألنا أنسًا ﵁ عن قصة موت أم كلثوم فأوحت روايته أنها ماتت دون مرض .. فقد كانت تقضي مع زوجها يومًا ودودًا ثم ماتت .. يقول أنس ﵁: "شهدنا بنت رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ جالس على القبر فرأيت عينيه تدمعان فقال: هل فيكم من أحد لم يقارف الليلة؟ فقال أبو طلحة: أنا .. قال: فأنزل في قبرها .. فنزل في قبرها فقبرها" (١) .. "فلم يدخل عثمان بن عفان ﵁ القبر" (٢) .. كان الأحبة والأصحاب يرحلون أمام عينيه ويسقطون بين يديه وهو صابر محتسب تدمع عينه ويحزن قلبه ولا يقول إلا ما يرضي الرب سبحانه .. فإن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل عنده بأجل مسمى. أما أمامة فكانت تنافس الحسن والحسين في التسلل داخل مشاعره ﵇ وداخل المسجد .. أما خارج المسجد فكانت أمامة دلالًا يتبختر عبر رياض النبي ﷺ .. تقول عائشة ﵂: "قدمت على النبي ﷺ حلية من عند النجاشي أهداها له فيها خاتم من ذهب فيه فص حبشي فأخذه رسول الله ﷺ بعود معرضًا عنه أو ببعض أصابعه ثم دعا أمامة ابنة أبي العاص ابنة ابنته زينب فقال: تحلي بهذا يا بنية" (٣) فتحلت به كما تحلت بعطف جدها ورعايته .. جدها الذي لم تصفُ له الحياة من الكدر والهموم والتعب .. ومع ذلك يتجدد نشاطه كل يوم في نشر رسالة ربه والتبشير بها ..

стр. 1211

فكما كانت تلك الأيام مليئة بالفراق المرير فهي كذلك تفيض بمشاهد العناق والمصافحة واللقاءات التي تسر كل مسلم مخلص .. فقد سالت الوفود في هذا العام من كل الجهات تبايع النبي ﷺ وتدخل في دولة الإِسلام طائعة مختارة .. لقد رحلت أم كلثوم ورحلت زينب .. رحلتا من طيبة في قافلة لا تمهل أحدًا كي ينهي أعماله أو يودع الجميع .. قافلة لا يعرف جدول رحلاتها التأجيل أبدًا ولم تتأخر مواعيد وصولها أو مغادرتها يومًا من الأيام .. لا أدري من غادرت قبل الأخرى .. رحلن فلم يبق للنبي ﷺ من بناته سوى فاطمة الزهراء التي تحتل قلبه .. والتي تصفها عائشة ﵂ وتصف مشاعرها ومشاعر أبيها بالكثير عندما تقول: "ما رأيت أحدًا من الناس أشبه كلامًا برسول الله ﷺ ولا حديثًا ولا جلسة من فاطمة .. كان رسول الله ﷺ إذا رآها قد أقبلت رحب بها ثم قام إليها فقبلها ثم أخذ بيدها فجاء يجلسها في مكانه وكانت إذا رأت النبي ﷺ رحبت به ثم قامت إليه قبلته" (١) تعاظم هذا الحب لدرجة "أن رسول الله ﷺ قال فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني" (٢) أما فاطمة ﵍ فتريد أكثر من ذلك .. فاطمة تريد أن تثبت ذلك لزوجها فقد تقدم علي ﵁ لخطبة صحابية هي ابنة أبي جهل .. فوصل الخبر إلى فاطمة فانطلقت إلى أبيها فحدث ما يرويه أحد الصحابة:

стр. 1212

"إن عليًا خطب بنت أبي جهل فسمعت بذلك فاطمة فأتت رسول الله ﷺ فقالت: يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك .. وهذا علي ناكح بنت أبي جهل فقام رسول الله ﷺ فسمعته حين تشهد يقول: أما بعد أنكحت أبا العاص بن الربيع فحدثني وصدقني .. وإن فاطمة بضعة مني وإني أكره أن يسوؤها [أتخوف أن تفتن في دينها] [وأني لست أحرم حلالًا ولا أحل حرامًا ولكن] والله لا تجتمع بنت رسول الله ﷺ وبنت عدو الله عند رجل واحد .. فترك علي الخطبة" (١) فلم يبق لدى النبي ﷺ سواها وهي على وشك الرحيل أيضًا .. أما كلمة بنت عدو الله فليس فيها شتم لتلك الصحابية الجليلة بقدر ما هو توظيف للفظ من أجل إيصال هذه الفكرة بصوت أقوى. هذا بعض ما كان يحدث في بيت النبوة .. أما خارج ذلك البيت الكريم فقد: قرر النبي ﷺ وضع نهاية لمشكلة النفاق التي أزفت على الزوال وبدأت بالتلاشى بموت أصحابها .. وتضاءل نشاطها بعد أن انسابت الجزيرة للنبي ﷺ ودولته وسالت الوفود من كل فج تنضو عنها عباءة الشرك والظلام وتدخل في دين الله أفواجًا أفواجًا .. ملفاق النفاق وأهله كلها اليوم مسجلة في ذاكرة أحد الصحابة .. فقد استدعى النبي ﷺ حذيفة بن اليمان وسلم لذاكرته قائمة بأسماء المنافقين حيث يقول ﵁: "في أصحابي اثنا عشر منافقًا فيهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج

стр. 1213

الجمل في سم الخياط" (١) أي حتى يدخل الجمل في فتحة الإبرة .. وهم أولئك الذين حاولوا اغتيال النبي ﷺ عندما "خرجوا من العقبة ينتظرون الناس فقال النبي ﷺ لحذيفة: هل عرفت يا حذيفة من هؤلاء الرهط أو الركب أو أحدًا منهم؟ قال حذيفة: عرفت راحلة فلان وفلان كانت ظلمة الليل وغشيتهم وهم متلثمون فقال ﷺ : هل علمتم ما كان شأن الركب وما أرادوا؟ قالوا: لا والله يا رسول الله قال: فإنهم مكروا ليسيروا معي حتى إذا أظلمت في العقبة طرحوني منها قالوا: أفلا تأمربهم يا رسول الله إذا جاء الناس فتضرب أعناقهم؟ قال: أكره أن يتحدث الناس ويقولوا إن محمَّد قد وضع يده في أصحابه. فسماهم لهما وقال: اكتماهم" (٢) فامتثل حذيفة وعمار ﵄ وكتما السر ولم يخبرا أحدًا بهويته إلا بعد موته حتى لا يصلى عليه .. وكان مما جعل مشكلة النفاق تتلاشى ويتلاشى أثرها ما يحدث في هذا العام المبهج: عام الوفد ففى هذا العام توافد زعماء القبائل نحو النبي ﷺ حتى تحولت المدينة إلى عاصمة مزدانة ومزدحمة بالمبايعة والالتزام السياسي والديني بالإِسلام .. كان كل يوم يمر يدني الجاهلية من نهايتها .. حيث يعود كل وفد إلى دياره محطمًا داخل أعماقه كل رموز الجاهلية .. وعندما تطأ أقدامه دياره تبدأ الأيادي التي تعلمت الطهارة في المدينة بتحطيم الأصنام والأوثان التي كانت تعبد من دون الله الواحد الأحد .. ولعل من أول الوافدين

стр. 1214

وفد الطائف (ثقيف) الذين انحدروا من جبال العناد والطائف نحو المدينة مبايعين .. وكان بصحبتهم رجل شريد أعياه التعب والخوف من النبي ﷺ وضاق به الطائف بل ضاقت به الأرض .. ضاقت الدنيا بوحشي بن حرب قاتل حمزة لكن رجلًا حكيمًا نصحه بالانحدار معهم والتوجه نحو أبواب الحرية الحقيقة التي أشرعها النبي ﷺ .. يقول وحشي: "لما قدمت مكة أعتقت ثم أقمت حتى إذا افتتح رسول الله ﷺ مكة هربت إلى الطائف .. فمكثت بها فلما خرج وفد الطائف إلى رسول الله ﷺ ليسلموا تعيت علي المذاهب فقلت ألحق بالشام أو باليمن أو ببعض البلاد .. فوالله إني لفي ذلك من همي إذ قال لي رجل: ويحك إنه والله ما يقتل أحدًا من الناس دخل في دينه وتشهد شهادته .. فلما قال لي ذلك خرجت حتى قدمت على رسول الله ﷺ المدينة" (١) مع وفد ثقيف الذين فرضوا على النبي ﵇ شروطًا غريبة تمنحهم -كما يظنون- تميزًا بين القبائل .. لكن أفق النبي ﷺ كان كالمدى ونظرته كانت أبعد بكثير .. فما هي قصة وفد ثقيف المملوءة بالكثير والجميل .. اقتربنا من المدينة فإذا رواحل ثقيف تقف خارجها حيث يقوم بحراستها شاب يقال له عثمان بن العاص .. سألناه ما شأنك يا عثمان ولمَ لم تذهب مع أصحابك لمبايعة النبي ﷺ ؟ فهم هناك منذ أيام وأنت هنا .. أولم تسلم بعد .. ؟ أجابنا عثمان عن كل تساؤلاتنا فقال: "قدمت في وفد ثقيف حين وفدوا على رسول الله ﷺ فلبسنا حللنا بباب النبي ﷺ فقالوا: من يمسك لنا رواحلنا؟ وكل القوم أحب الدخول

стр. 1215

على النبي ﷺ وكره التخلف عنه .. قال عثمان: وكنت أصغر القوم .. فقلت: إن شئتم أمسكت لكم على أن عليكم عهد الله لتمسكن لي إذا خرجتم. قالوا: فذلك لك. فدخلوا عليه" (١) تركنا عثمان لفترة ولحقنا بالوفد الذي يصحبهم الآن رجل مصاب بمرض معدي فأحب النبي ﷺ أن يقدم لأمته وللدنيا درسًا في الوقاية من الأمراض المعدية .. يقول أحد الصحابة ﵁: "كان في وفد ثقيف رجل مجذوم فأرسل إليه النبي ﷺ إنا قد بايعناك فارجع" (٢) فرجع وهو في ذلك يؤكد عمليًا ما قاله من قبل: "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر وفر من المجذوم كما تفر من الأسد" (٣) فهو في هذا الحديث يسقط خرافة العقيدة الجاهلية حول العدوى والتشاؤم والبومة وشهر صفر .. وأن هذه الأشياء وإن كانت موجودة حقيقة لكنها لا تقدم ولا تؤخر ولا تضر ولا تنفع ولا تؤثر بنفسها وأن الأمر بيد الله وحده .. أما عن انتقال المرض فقد خلق الله له أسبابًا وطرقًا حث النبي ﷺ على قطعها والسلامة منها .. فالجذام قد ينتقل عن طريق اللمس أو استخدام أدوات المريض ولذلك أمر ﷺ بالفرار من المجذوم .. وأما الطاعون وهو مرض معدي وفتاك فقد شدد ﷺ في أمره حتى أوجب أن يكون هناك حجر

стр. 1216

صحي على المريض والمرض معًا حتى في حالة عدم وجود دولة أو نظام أو أطباء فقال: "إن هذا الطاعون رجز سلط على من كان قبلكم أو على بني إسرائيل فإذا كان بأرض فلا تخرجوا منها فرارًا منه وإذا كان بأرض فلا تدخلوها" (١) إذًا فقد رجع المريض من حيث أتى أما بقية وفد ثقيف فبايعوا واشترطوا شروطهم .. ولما سألنا "جابرًا عن شأن ثقيف إذ بايعت قال اشترطت على النبي ﷺ أن لا صدقة عليها ولا جهاد وأنه سمع النبي ﷺ بعد ذلك يقول سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا" (٢) تلك هي نظرة النبي الحكيم الذي يبحث عن القلوب لا عن الجيوب .. كان ﷺ يدرك أن هؤلاء القوم الباحثين عن تميز إيجابي لن يرضوا بالنقيصة مستقبلًا فهم وإن امتنعوا عن الجهاد ودفع الزكاة فسيأتي اليوم الذي يشعرون فيه أن امتيازهم هذا تحول إلى نقص في الحقيقة وعيب عندما يرون الأمة كلها تدفع زكاة ربها وتهب كلها للجهاد في سبيل الله .. ولم يكن النبي يستخدم هذا الأسلوب مع الجماعة فقط بل مع الأفراد أيضًا فقد قدم إلى المدينة رجل يريد الإِسلام ولكن بشرط أعجب من شرط ثقيف: "أتى النبي ﷺ على أن يصلي صلاتين فقبل منه" (٣) لأن المشكلة هنا

стр. 1217

هي الشرك ووحشته .. فإذا خرج من ضيق الشرك إلى فضاءات الإِسلام الرحبة فإنه سوف يرف مع غيره في تلك الأجواء الجميلة والرائعة ولن يرضى لنفسه البقاء في القاع .. لا سيما وأن من يشترطون تلك الشروط يرون لأنفسهم ما لا يرون لغيرهم قبل دخول الإِسلام فإذا دخلوه أدركوا أن غيرهم قد تجاوزهم بمسافات من الوعي والإنجاز .. لنعد إلى ثقيف التي دخلت الإِسلام فضرب لهم النبي ﷺ قبة وأقام معهم فيها ترقيقًا لقلوبهم ولمنحهم مزيدًا من الجرعات الإيمانية والعلمية حتى بدأوا يسألون عن فروع الإِسلام .. فتحت تلك القبة تلقت ثقيف دروسًا واشترطت شروطًا .. يقول أحد الأنصار ﵃ وهو "جابر بن عبد الله إن وفد ثقيف سألوا النبي ﷺ فقالوا: إن أرضنا أرض باردة فكيف بالغسل؟ فقال: أمَّا أنا فأفرغ على رأسى ثلاثًا" (١) .. يقول أحدهم واسمه أوس بن أوس الثقفي ﵁: "أتيت رسول الله ﷺ في وفد ثقيف فكنا في قبة فقام من كان فيها غيري وغير رسول الله ﷺ فجاء رجل فساره فقال اذهب فاقتله ثم قال: أليس يشهد أن لا إله إلا الله قال: بلى ولكنه يقولها تعوذًا فقال رده. ثم قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها حرمت علي دماؤهم وأموالهم إلا بحقها" (٢)

стр. 1218

درس في الوقاية من الأمراض ودرس في النظافة وثالث في وقاية النفس وحفظ الدماء .. يقدمه النبي ﷺ للمتهورين الذين سمحوا لأنفسهم بالقفز فوق أسوار المظاهر لاقتحام النوايا والبواطن .. وخلال تلك الدروس تسلل من تلك الخيمة رجل قد تلفع بالخجل والعار والخوف والرجاء أيضًا .. تسلل وحشي فجأة راميًا بحربة الشرك وحريته ودماء حمزة وكل ذنوبه بين يدي الله ورسوله راضيًا بحكم الله في مصيره .. وحشي يكمل قصته فيقول بعد مقتل حمزة: "فلما خرج وفد الطائف إلى رسول الله ﷺ ليسلموا تعيت علي المذاهب فقلت ألحق بالشام أو باليمن أو ببعض البلاد فوالله إني لفي ذلك من همي إذ قال لي رجل: ويحك إنه والله ما يقتل أحدًا من الناس دخل في دينه وتشهد شهادته فلما قال لي ذلك خرجت حتى قدمت على رسول الله ﷺ المدينة فلم يرعه إلا بي قائمًا على رأسه أتشهد بشهادة الحق فلما رآني قال: أوحشي؟ قلت: نعم يا رسول الله .. قال: اقعد فحدثني كيف قتلت حمزة .. قال: فحدثته كما حدثتكما .. فلما فرغت من حديثي قال: ويحك غيب عني وجهك فلا أرينك .. قال: فكنت أتنكب رسول الله ﷺ كان لئلا يراني حتى قبضه الله ﷺ " (١) مع بقائه ﵁ في المدينة وسكناه فيها ومشاركته للنبي ﵇ في غزواته وحضوره لمجالسه وروايته لحديثه .. لكن حجم حمزة رضي

стр. 1219

الله عنه وطريقة قتله في ميزان محمَّد الإنسان لا النبي جعلته لا يطيق النظر إلى وجه قاتل حمزة ذلك الوجه الذي سيجدد أحزانه وينشط أوجاعه .. وبعد إسلام ثقيف ووحشي .. بعد تلك الدروس وغيرها وبعد أيام ودعوا نبيهم ﷺ متجهين نحو الطائف .. ولما وصلوا إلى حيث رواحلهم التي يحرسها الشاب عثمان بن العاص طلبوا منه التحرك وعدم الدخول إلى المدينة .. لكن ذلك الشاب كان يحمل في قلبه أشياء لا يستطيع أحد أن يحملها أو يترجمها عنه .. يقول ﵁: إن قومه ثقيف "خرجوا فقالوا: انطلق بنا قلت: أين؟ فقالوا: إلى أهلك .. فقلت. ضربت من أهلي حتى إذا حللت بباب النبي ﷺ أرجع ولا أدخل عليه وقد أعطيتموني من العهد ما قد علمتم قالوا: فاعجل فإنا قد كفيناك المسألة لم ندع شيئًا إلا سألناه عنه .. فدخلت .. فقلت: يا رسول الله: ادع الله يفقهني في الدين ويعلمني .. قال: ماذا قلت فأعدت عليه القول فقال: لقد سألتني شيئًا ما سألني عنه أحد من أصحابك اذهب فأنت أمير عليهم وعلى من تقدم عليه من قومك وأُمَّ الناس بأضعفهم" (١) ثم أوصاه النبي ﷺ بوصية هامة: تحريم اتخاذ مؤذن يطلب أجرًا على أذانه قال ﷺ لعثمان "أنت إمامهم فاقتد بأضعفهم واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا" (٢)

стр. 1220

فالتطويل على الناس في الصلاة ليس دليل علم بل دليل جهل إذا كان فيهم الضعيف والمريض .. واتخاذ الأجر على الأذان ينقل الأذان من قائمة العبادات إلى قائمة الحرف والمهن والوظائف الدنيوية .. وقد يفقد صاحبها ذلك الحلم الرائع الذي بشر به النبي ﷺ يوم القيامة عندما يكون "المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة" (١) وهذا ما يبحث عنه عثمان الذي يواصل حديثه الممتع فيقول "فخرجت حتى قدمت عليه مرة أخرى فقلت يا رسول الله اشتكيت بعدك" (٢) فـ"شكا إلى رسول الله ﷺ وجعًا يجده في جسده منذ أسلم فقال له رسول الله ﷺ : ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل باسم الله ثلاثًا .. وقل سبع مرات أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وحاذر" (٣) وشكا له أمرًا آخر يجده في صلاته "فقال يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي .. فقال: رسول الله ﷺ : ذاك شيطان يقال له خنزب فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل على يسارك ثلاثًا .. قال: ففعلت ذلك .. فأذهبه الله عني" (٤) ومثل هذا الشيطان الذي عرض لعثمان في صلاته شياطين آخرون يعرضون لكل مسلم يصلي وبطريقة غاية في الخبث .. فهم يشغلون المصلي بالطريقة التي يحبها المصلى نفسه .. فهو يأتي التاجر أثناء صلاته بقائمة من

стр. 1221

المشاريع الاقتصادية الناجحة ويذكره بما له وما عليه ويثير خوفه على ماله .. ويقدم لمن تستهويه النساء ألبومًا بالصور والأساليب الجديدة للقنص .. أما العلماء فهو يحاورهم في بحوثهم ومراجعهم وآخر ما توصلوا إليه بل يناقش بعضهم بأمور الصلاة نفسها ويشغلهم بصلاة من حولهم وكيف يرتكبون أخطاء فيها .. أما العباد والزهاد الذين لا يحتمل أن الشيطان يستطيع التغلغل إلى صلاتهم فهو يقدم لهم النصح والإرشاد والوعظ أيضًا أثناء صلاتهم ويحثهم على القيام بأداء النوافل بعد الصلاة والتصدق وبر الوالدين وصلة الرحم بل ويذكرهم بعناوين الأقارب الذين لم يروهم منذ فترة وفي النهاية يسلم المصلي وقد أدرك أنه كان في رحلة مثيرة مع الشيطان .. أما قصة عثمان مع الشيطان فيقول عنها: "قلت: يا رسول الله إني أجد في نفسي شيئًا قال: أدنه فجلسني بين يديه ثم وضع كفه في صدري بين ثديي ثم قال تحول فوضعها في ظهري بين كتفي ثم قال: أم قومك فمن أم قومًا فليخفف فإن فيهم الكبير وإن فيهم المريض وإن فيهم الضعيف وإن فيهم ذا الحاجة وإذا صلى أحدكم وحده فليصل كيف شاء" (١) وكان "آخر ما عهد إلي رسول الله ﷺ : إذا أممت قومًا فأخف بهم الصلاة" (٢) فـ"آخر ما فارقه رسول الله ﷺ قال إذا صليت بقوم فخفف بهم حتى وقت لي اقرأ باسم ربك الذي خلق" "وأشباهها من القرآن" (٣) وهي سنة النبي ﷺ التي يقول عنها أنس

стр. 1222

رضي الله عنه "ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من رسول الله ﷺ " (١). انطلق وفد ثقيف وجاءت وفود أخرى وكان أفضلها وفد قبائل: عبد القيس وأسلم وغفار ومزينة وجهينة، وقدمت بعدها وفود أخرى وفد جميل من المشرق هذا الوفد القادم من الشرق قد يتميز بأشياء جميلة عطر بها النبي ﷺ أجواءهم وأشجى بها أسماعهم .. وكأنها مكافأة لهم على تجشمهم الصعاب في الوصول إليه .. حيث إنهم لا يستطيعون السفر للمدينة إلا في الأشهر الحرم نظرًا لأن أعداءهم يحولون بينهم وبن ذلك .. ذلك الوفد هو: وفد البحرين يقول أحد الصحابة: "إن وقد عبد القيس لما أتوا رسول الله ﷺ قال: مَنِ الوفدُ؟ قالوا ربيعة قال مرحبًا بالوفد أو القوم غير خزايا ولا ندامى قالوا: يا رسول الله إن بيننا وبينك كفار مضر فمرنا بأمر ندخل به الجنة ونخبر به من وراءنا فسألوا عن الأشربة فنهاهم عن أربع وأمرهم بأربع أمرهم بالإيمان بالله قال: هل تدرون ما الإيمان بالله قالوا: الله ورسوله أعلم قال: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة -وأظن فيه- صيام رمضان وتؤتوا من المغانم الخمس ونهاهم عن الدباء والحنتم والمزفت والنقير" (٢) "احفظوهن

стр. 1223

وأبلغوهن من وراءكم" (١) "قالوا: يا نبي الله ما علمك بالنقير؟ قال: بلى جذع تنقرونه فتقذفون فيه من القطيعاء أو من التمر ثم تصبون فيه من الماء حتى إذا سكن غليانه شربتموه حتى إن أحدكم أو إن أحدهم ليضرب ابن عمه بالسيف قال وفي القوم رجل أصابته جراحة كذلك قال: وكنت أخبئها حياء من رسول الله ﷺ فقلت: ففيمَ نشرب يا رسول الله قال: في أسقية الأدم التي يلاث على أفواهها قالوا: يا رسول الله إن أرضنا كثيرة الجرذان ولا تبقى بها أسقية الأدم فقال نبي الله ﷺ : وإن أكلتها الجرذان وإن أكلتها الجرذان .. وإن أكلتها الجرذان" (٢) أي وإن قلت تلك الجلود وأصبحت نادرة لأكل الجرذان لها .. لكن هذا الحكم لم يدم فقد أنزل الله على نبيه حكمًا بالسماح بالشرب في الدباء وهو وعاء مصنوع من القرع بعد تفريغه .. والحنتم وهي جرة الخمر الخضراء .. والمزفت وهو وعاء مطلي بالزفت .. وكذلك النقير وهو خشبة منحوتة على شكل إناء لشرب الخمر .. وكأن الحكم السابق نزل لنزع كل ما يذكر الإنسان بالخمر من أواني تفنن في صنعها لإضفاء أجواء معينة على مجالس الشرب .. كما نزلت أحكام جديدة .. قال "بريدة قال رسول الله ﷺ : نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها .. ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم .. ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكرًا" (٣) ثم توجه النبي ﷺ إلى أحد أبرز هذا الوفد الكريم وأثنى على صفتين

стр. 1224

من صفاته حيث "قال نبي الله ﷺ لأشج عبد القيس إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة" (١) وقد طال مجلس عبد القيس مع النبي ﷺ من صلاة الظهر إلى صلاة العصر .. ولما انصرفوا حدث من النبي ﷺ شيء لم يكن يصنعه .. فقد كان ﷺ لا يصلي بعد العصر بل قد "نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس" (٢) "قالت أم سلمة سمعت رسول الله ﷺ ينهى عنهما ثم رأيته يصليهما أما حين صلاهما فإنه صلى العصر ثم دخل وعندي نسوة من بني حرام من الأنصار فصلاهما فأرسلت إليه الجارية فقلت قومي بجنبه فقولي له تقول أم سلمة يا رسول الله: إني أسمعك تنهى عن هاتين الركعتين وأراك تصليهما فإن أشار بيده فاستأخري عنه قال ففعلت الجارية فأشار بيده فاستأخرت عنه فلما انصرف قال يا بنت أبي أمية سألت عن الركعتين بعد العصر إنه أتاني ناس من عبد القيس بالإِسلام من قومهم فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان" (٣) انصرف وفد عبد القيس ليبني مسجدًا في البحرين وليكون هذا الوفد قد حقق سبقًا قال عنه ابن عباس "إن أول جمعة جمعة بعد جمعة في مسجد رسول الله ﷺ في مسجد عبد القيس بجواثي من البحرين" (٤) وجاءت وفود أخرى ولم يكن متوقعًا من كل تلك الوفود أن تكون على مستوى واحد من حسن التعامل والثقافة، فهي وفود ضاربة الجذور

стр. 1225

في الجاهلية .. كما أن تلك الوفود لم تكن تمثل قبائلها إلا رسميًا لكنها لا تمثل أخلاقيات وسلوك كل فرد فيها .. فعند: قدوم وفد تميم ووفد من اليمن كان هناك تنافس بين سيدي كهول أهل الجنة حول من يتكلم من بني تميم أولًا فقد "قدم ركب من بني تميم على النبي ﷺ فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد .. وقال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس .. فقال أبو بكر: ما أردت إلى أو إلا خلافي .. فقال عمر: ما أردت خلافك .. فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزل في ذلك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)﴾ حتى انقضت الآية" (١) وكان لخلاف الشيخين العظيمن ورفع أصواتهما عقوبة آنية عندما خيب المحتفى بهما آمال الشيخين .. أحد المحتفى بهما يقول عن نفسه "إنه أتى النبي ﷺ فناداه [فلم يجبه] فقال: يا محمَّد إن مدحي زين وإن شتمي شين فخرج إليه النبي ﷺ فقال: ويلك ذلك الله فأنزل الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾] " (٢)

стр. 1226

لكن هذا الرجل الذي غلبته أعرابيته تمادى ليفخر على من سبقه بالبيعة فقال: "إنما بايعك سراق الحجيج من أسلم وغفار ومزينة .. وجهينة بن أبي يعقوب" (١) فكان رد النبي ﷺ عليه قاسيًا جدًا .. ثم التفت ﵇ إلى من جاء معه من قومه مبشرًا فقال: "اقبلوا البشرى يابني تميم قالوا: قد بشرتنا فأعطنا، فقال: اقبلوا البشرى يا بني تميم قالوا: قد بشرتنا فأعطنا مرتين. ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن فقال: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبله بنو تميم .. قالوا: قد قبلنا يا رسول الله .. قالوا: جئناك نسألك عن هذا الأمر .. قال: كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السماوات والأرض فنادى مناد ذهبت ناقتك يا ابن الحصين فانطلقت فإذا هي يقطع دونها السراب فوالله لوددت أني كنت تركتها" (٢) وبعد أن عاد الأقرع ومن معه إلى ديارهم بشر النبي ﷺ أمته بخروج جيل من أصلاب هؤلاء الأجلاف يعز الله بهم الإِسلام كما تنبأ لثقيف من قبل بذلك .. فقال ﵇: "هم أشد أمتي على الدجال" (٣) أما أهل اليمن الذين قبلوا البشرى فالمدينة تستقبل كل فترة وافدًا منهم .. فمن أرض اليمن انطلق رجل يقال له جرير بن عبد الله البجلي نحو المدينة .. ولما وصلها غير ملابسه ودخلها وعندما دخلها وجد النبي ﷺ يخطب في أصحابه ولكن أصحابه كانوا لا ينظرون إلى النبي بل ينظرون إلى جرير وهو يمشي نحوهم ..

стр. 1227

كل الصحابة كانوا يحدقون بوافد اليمن لماذا .. أوليس من هدي الصحابة الإنصات للنبي ﵇ .. بلى ولكن لدى جرير ما يثير .. ولديه ما يخبرنا عنه فيقول ﵁: "لما دنوت من المدينة أنخت راحلتي ثم حللت عيبتي ثم لبست حلتي ثم دخلت فإذا رسول الله ﷺ يخطب فرماني الناس بالحدق فقلت لجليسي: يا عبد الله ذكرني رسول الله ﷺ قال: نعم ذكرك آنفًا بأحسن ذكر .. فبينا هو يخطب إذ عرض له في خطبته وقال: يدخل عليكم من هذا الباب أو من هذا الفج من خير ذي يمن ألا إن على وجهه مسحة ملك قال: جرير فحمدت الله على ما أبلاني" (١) وبعد أن التقى جرير بالنبي ﷺ وجده كالنسمة الباردة لهجيره .. كالماء البارد لعطشه يقول ﵁: "ما حجبني النبي ﷺ منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم في وجهي" (٢) هذا هو سلوك النبي ﷺ مع الصحابة فليبحث المتجهمون عن قدوة غيره ليبرروا تجهمهم وضيقهم بالناس وبأنفسهم .. أما عبارات بيعة جرير فتغير أعماق الأرض وأعماق البشر .. يقول ﵁: "بايعت رسول الله ﷺ على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة

стр. 1228

والنصح لكل مسلم" (١) و"على السمع والطاعة فلقنني: فيما استطعت .. والنصح لكل مسلم" (٢) وجاء وافد آخر من أهل اليمن وزعيم من زعمائهم .. بل ورجل سبق الأنصار في دعوة النبي ﷺ للهجرة لكنه لم يكن واثقًا من ردة فعل قومه إزاء قراره استقبال هذا النبي المضطهد: "الطفيل بن عمرو الدوسي أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله هل لك في حصن حصين ومنعة .. -حصن كان لدوس في الجاهلية قال ﷺ : [أمعك من وراءك قال لا أدري] فأبى ذلك النبي ﷺ للذي ذخر الله للأنصار فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو وهاجر معه رجل من قومه فاجتووا المدينة فمرض فجزع فأخذ مشاقص له فقطع بها براجمه فشخبت يداه حتى مات .. فرآه الطفيل بن عمرو في منامه فرآه وهيئته حسنة ورآه مغطيًا يديه فقال له: ما صنع بك ربك فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه ﷺ فقال: ما لي أراك مغطيًا يديك قال: قيل لي لن نصلح منك ما أفسدت فقصها الطفيل على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ اللَّهم وليديه فاغفر" (٣) وقد شكا الطفيل ﵁ تأخر إسلام قومه وعصيانهم فبعد أن "قدم طفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه على النبي ﷺ فقالوا يا رسول الله إن دوسًا عصت وأبت فادع الله عليها فقيل هلكت دوس قال اللَّهم اهد دوسا وأت بهم" (٤) وعاد أبو موسى الأشعري إلى اليمن ليأتي بقومه فقال ﷺ و

стр. 1229

الأشعريون في طريقهم إلى المدينة " يقدم عليكم أقوام هم أرق منكم قلوبًا قال فقدم الأشعريون فيهم أبو موسى الأشعري فلما دنوا من المدينة كانوا يرتجزون يقولون: غدًا نلقى الأحبة ... محمدًا وحزبه" (١) النبي يثني على أهل اليمن فيقول: "أتاكم أهل اليمن هم ألين قلوبًا وأرق أفئدة، الإيمان يمان والحكمة يمانية رأس الكفر قبل المشرق" (٢) "أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبًا الإيمان يمان والحكمة يمانية والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل والسكينة والوقار في أهل الغنم" (٣) والذي يبدو من سياق الأحاديث أن سر الوهج اليماني وعلو منزلتهم يكمن في تواضعهم وابتعادهم عن مظاهر الفخر والسلوك الجاهلي القائم على الاعتداد بالنفس وازدراء الآخرين .. فالنبي ﷺ يقول: "أهل الجنة كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره .. وأهل النار كل جواظ عتل مستكبر" (٤) وإذا كانت القلوب اليمنية بهذه الرقة والصفاء فلا بد أن يوازيها صفاء على أرض اليمن نفسها .. فهي مازالت تئن تحت أكداس من ركام

стр. 1230

الجاهلية وأوثانها وأصنامها .. بل لقد بنى المشركون هناك كعبة لهم .. فمن هو المرشح لـ: هدم كعبة اليمانية لم يجد النبي ﷺ أنسب من صاحب المسحة الملائكية جرير بن عبد الله .. لكن جريرًا كان يفقد توازنه عند ركوبه الخيل ويتمنى لو يثبت على ظهرها لا سيما وهو يقول: "رأيت رسول الله ﷺ يلوي ناصية فرس بإصبعه وهو يقول الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والغنيمة" (١) لكن النبي ﷺ قال لجرير: "يا جرير ألا تريحني من ذي الخلصة -بيت لخثعم كان يدعى كعبة اليمانية- قال: فنفرت في خمسين ومائة فارس وكنت لا أثبت على الخيل فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فضرب يده في صدري فقال: اللَّهم ثبته واجعله هاديًا مهديًا .. فانطلق فحرقها بالنار ثم بعث جرير إلى رسول الله ﷺ رجلًا يبشره يكنى أبا أرطأة منا فأتى رسول الله ﷺ فقال له: ما جئتك حتى تركناها كأنها جمل أجرب .. فبرك رسول الله ﷺ على خيل أحمس ورجالها خمس مرات" (٢) أي دعا لهم بالبركة .. أما اليمن فقد أصبحت أكثر استعدادًا لتقبل الدعاة والأمراء إلى هذا الدين الجديد بعد تلك الإرهاصات وبعد انتشار التوحيد على أرضها .. فمن سيبعث إلى اليمن للتعليم ومن سيعين أمرًا عليها لا سيما وأن هناك اثنين من أهل اليمن تقدموا بطلب تلك الوظيفة ..
следующие страницы →