← Сира

Сира · id 123668

السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة

محمد الصوياني

Полный текст (1 354 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

لكن هذا الرجل الذي غلبته أعرابيته تمادى ليفخر على من سبقه بالبيعة فقال: "إنما بايعك سراق الحجيج من أسلم وغفار ومزينة .. وجهينة بن أبي يعقوب" (١) فكان رد النبي ﷺ عليه قاسيًا جدًا .. ثم التفت ﵇ إلى من جاء معه من قومه مبشرًا فقال: "اقبلوا البشرى يابني تميم قالوا: قد بشرتنا فأعطنا، فقال: اقبلوا البشرى يا بني تميم قالوا: قد بشرتنا فأعطنا مرتين. ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن فقال: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبله بنو تميم .. قالوا: قد قبلنا يا رسول الله .. قالوا: جئناك نسألك عن هذا الأمر .. قال: كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السماوات والأرض فنادى مناد ذهبت ناقتك يا ابن الحصين فانطلقت فإذا هي يقطع دونها السراب فوالله لوددت أني كنت تركتها" (٢) وبعد أن عاد الأقرع ومن معه إلى ديارهم بشر النبي ﷺ أمته بخروج جيل من أصلاب هؤلاء الأجلاف يعز الله بهم الإِسلام كما تنبأ لثقيف من قبل بذلك .. فقال ﵇: "هم أشد أمتي على الدجال" (٣) أما أهل اليمن الذين قبلوا البشرى فالمدينة تستقبل كل فترة وافدًا منهم .. فمن أرض اليمن انطلق رجل يقال له جرير بن عبد الله البجلي نحو المدينة .. ولما وصلها غير ملابسه ودخلها وعندما دخلها وجد النبي ﷺ يخطب في أصحابه ولكن أصحابه كانوا لا ينظرون إلى النبي بل ينظرون إلى جرير وهو يمشي نحوهم ..

стр. 1227

كل الصحابة كانوا يحدقون بوافد اليمن لماذا .. أوليس من هدي الصحابة الإنصات للنبي ﵇ .. بلى ولكن لدى جرير ما يثير .. ولديه ما يخبرنا عنه فيقول ﵁: "لما دنوت من المدينة أنخت راحلتي ثم حللت عيبتي ثم لبست حلتي ثم دخلت فإذا رسول الله ﷺ يخطب فرماني الناس بالحدق فقلت لجليسي: يا عبد الله ذكرني رسول الله ﷺ قال: نعم ذكرك آنفًا بأحسن ذكر .. فبينا هو يخطب إذ عرض له في خطبته وقال: يدخل عليكم من هذا الباب أو من هذا الفج من خير ذي يمن ألا إن على وجهه مسحة ملك قال: جرير فحمدت الله على ما أبلاني" (١) وبعد أن التقى جرير بالنبي ﷺ وجده كالنسمة الباردة لهجيره .. كالماء البارد لعطشه يقول ﵁: "ما حجبني النبي ﷺ منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم في وجهي" (٢) هذا هو سلوك النبي ﷺ مع الصحابة فليبحث المتجهمون عن قدوة غيره ليبرروا تجهمهم وضيقهم بالناس وبأنفسهم .. أما عبارات بيعة جرير فتغير أعماق الأرض وأعماق البشر .. يقول ﵁: "بايعت رسول الله ﷺ على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة

стр. 1228

والنصح لكل مسلم" (١) و"على السمع والطاعة فلقنني: فيما استطعت .. والنصح لكل مسلم" (٢) وجاء وافد آخر من أهل اليمن وزعيم من زعمائهم .. بل ورجل سبق الأنصار في دعوة النبي ﷺ للهجرة لكنه لم يكن واثقًا من ردة فعل قومه إزاء قراره استقبال هذا النبي المضطهد: "الطفيل بن عمرو الدوسي أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله هل لك في حصن حصين ومنعة .. -حصن كان لدوس في الجاهلية قال ﷺ : [أمعك من وراءك قال لا أدري] فأبى ذلك النبي ﷺ للذي ذخر الله للأنصار فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو وهاجر معه رجل من قومه فاجتووا المدينة فمرض فجزع فأخذ مشاقص له فقطع بها براجمه فشخبت يداه حتى مات .. فرآه الطفيل بن عمرو في منامه فرآه وهيئته حسنة ورآه مغطيًا يديه فقال له: ما صنع بك ربك فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه ﷺ فقال: ما لي أراك مغطيًا يديك قال: قيل لي لن نصلح منك ما أفسدت فقصها الطفيل على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ اللَّهم وليديه فاغفر" (٣) وقد شكا الطفيل ﵁ تأخر إسلام قومه وعصيانهم فبعد أن "قدم طفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه على النبي ﷺ فقالوا يا رسول الله إن دوسًا عصت وأبت فادع الله عليها فقيل هلكت دوس قال اللَّهم اهد دوسا وأت بهم" (٤) وعاد أبو موسى الأشعري إلى اليمن ليأتي بقومه فقال ﷺ و

стр. 1229

الأشعريون في طريقهم إلى المدينة " يقدم عليكم أقوام هم أرق منكم قلوبًا قال فقدم الأشعريون فيهم أبو موسى الأشعري فلما دنوا من المدينة كانوا يرتجزون يقولون: غدًا نلقى الأحبة ... محمدًا وحزبه" (١) النبي يثني على أهل اليمن فيقول: "أتاكم أهل اليمن هم ألين قلوبًا وأرق أفئدة، الإيمان يمان والحكمة يمانية رأس الكفر قبل المشرق" (٢) "أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبًا الإيمان يمان والحكمة يمانية والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل والسكينة والوقار في أهل الغنم" (٣) والذي يبدو من سياق الأحاديث أن سر الوهج اليماني وعلو منزلتهم يكمن في تواضعهم وابتعادهم عن مظاهر الفخر والسلوك الجاهلي القائم على الاعتداد بالنفس وازدراء الآخرين .. فالنبي ﷺ يقول: "أهل الجنة كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره .. وأهل النار كل جواظ عتل مستكبر" (٤) وإذا كانت القلوب اليمنية بهذه الرقة والصفاء فلا بد أن يوازيها صفاء على أرض اليمن نفسها .. فهي مازالت تئن تحت أكداس من ركام

стр. 1230

الجاهلية وأوثانها وأصنامها .. بل لقد بنى المشركون هناك كعبة لهم .. فمن هو المرشح لـ: هدم كعبة اليمانية لم يجد النبي ﷺ أنسب من صاحب المسحة الملائكية جرير بن عبد الله .. لكن جريرًا كان يفقد توازنه عند ركوبه الخيل ويتمنى لو يثبت على ظهرها لا سيما وهو يقول: "رأيت رسول الله ﷺ يلوي ناصية فرس بإصبعه وهو يقول الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والغنيمة" (١) لكن النبي ﷺ قال لجرير: "يا جرير ألا تريحني من ذي الخلصة -بيت لخثعم كان يدعى كعبة اليمانية- قال: فنفرت في خمسين ومائة فارس وكنت لا أثبت على الخيل فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فضرب يده في صدري فقال: اللَّهم ثبته واجعله هاديًا مهديًا .. فانطلق فحرقها بالنار ثم بعث جرير إلى رسول الله ﷺ رجلًا يبشره يكنى أبا أرطأة منا فأتى رسول الله ﷺ فقال له: ما جئتك حتى تركناها كأنها جمل أجرب .. فبرك رسول الله ﷺ على خيل أحمس ورجالها خمس مرات" (٢) أي دعا لهم بالبركة .. أما اليمن فقد أصبحت أكثر استعدادًا لتقبل الدعاة والأمراء إلى هذا الدين الجديد بعد تلك الإرهاصات وبعد انتشار التوحيد على أرضها .. فمن سيبعث إلى اليمن للتعليم ومن سيعين أمرًا عليها لا سيما وأن هناك اثنين من أهل اليمن تقدموا بطلب تلك الوظيفة ..

стр. 1231

قصة الرجلين اللذين طلبا إمارة اليمن هما رجلان من أهل اليمن قدما إلى المدينة بصحبة أبي موسى الأشعري دون أن يشعر أبو موسى بما يضمران في نفسيهما .. ولما وقفا أمام النبي ﷺ قدما طلبيهما .. فماذا كانت إجابة النبي ﷺ على من يطلب الإمارة .. أبو موسى حضر تلك المحادثة وروى تلك القصة فقال: "أقبلت إلى النبي ﷺ ومعي رجلان [من بني عمي] من الأشعريين أحدهما عن يميني والآخر عن يساري فكلاهما سأل العمل والنبي ﷺ يستاك .. فقال: ما تقول يا أبا موسى أو يا عبد الله بن قيس؟ فقلت: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما وما شعرت أنهما يطلبان العمل .. وكأني انظر إلى سواكه تحت شفته وقد قلصت فقال: لن أو لا نستعمل على عملنا من أراده [ولا أحدًا حرص عليه] ولكن اذهب أنت يا أبا موسى أو يا عبد الله بن قيس فبعثه على اليمن ثم أتبعه معاذ بن جبل" (١) فـ"قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قومًا من أهل الكتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله .. فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم .. أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة .. فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم .. أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم .. فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم .. واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبن الله حجاب" (٢) فـ "لما قدم اليمن صلى

стр. 1232

بهم الصبح فقرأ ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ فقال رجل من القوم: لقد قرت عين أم إبراهيم" (١) وبعد أن "بعث رسول الله ﷺ أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن وبعث كل واحد منهما على مخلاف -واليمن مخلافان- ثم قال يَسِّرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا [وتطاوعا فقال أبو موسى يا نبي الله إن أرضنا بها شراب من الشعير المزر وشراب من العسل البتع فقال كل مسكر حرام .. فانطلقا فقال معاذ لأبي موسى: كيف تقرأ القرآن؟ قال قائمًا وقاعدًا وعلى راحلتي وأتفوقه تفوقًا .. قال: أما أنا فأنام وأقوم فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي وضرب فسطاطًا فجعلا يتزاوران] فانطلق كل واحد منهما إلى عمله .. وكان كل واحد منهما إذا سار في أرضه وكان قريبًا من صاحبه أحدث به عهدًا فسلم عليه .. فسار معاذ في أرضه قريبًا من صاحبه أبي موسى فجاء يسير على بغلته حتى انتهى إليه وإذا هو جالس وقد اجتمع إليه الناس وإذا رجل عنده قد جمعت يداه إلى عنقه .. فقال له معاذ: يا عبد الله بن قيس أيم هذا (٢)؟ قال: هذا رجل كفر بعد إسلامه .. قال: لا أنزل حتى يقتل قال: إنما جيء به لذلك فانزل .. قال: ما أنزل حتى يقتل فأمر به فقتل ثم نزل" (٣) .. ولا يعني قول النبي ﷺ : يسرا وبشرا أن يتخليا عن تنفيذ الحدود الموحى بها .. لأن التيسير مساحة لا نهاية لها .. أما تطبيق الحدود فهو وإن كان في مخالفات قليلة بعدد أصابع اليد الواحدة: إلا أن هذه الحدود تحفظ

стр. 1233

أساسات الحياة وهي: العرض والمال والدم والعقل والدين .. فإذا تم العبث بهذه الأشياء وانعدمت حمايتها تحول العالم إلى بقعة شرسة يعتبر ما يحدث في الغابة الحيوانية أرقى بكثير مما يحدث فيها .. فما يجري في الغاب هو صراع من أجل البقاء لا أكثر .. أما على الأرض فسيتحول الصراع إلى هدف لإفناء الآخر وسحقه .. فإذا غابت الحدود يومًا عن الأرض فستغيب أشياء كثيرة أولها التسامح وآخرها الإنسان .. وما وصل الإِسلام إلى اليمن إلا من أجل الإنسان .. هكذا جرت الأحداث في اليمن .. أما في المدينة فقد كانت الوفود تسيل إليها ومنها في الوقت الذي قرر النبي ﷺ إرسال أكبر بعث لا للغزو بل إلى مكة لأداء الحج .. وقد اختار لإمارة هذا البعث صاحبه أبا بكر الصديق وقد سميت هذه الحجة: حجة أبي بكر ﵁ وقبل أن ينطلق ﵁ أمره النبي ﷺ بإعلان بيانات نبوية خلال مواسم الحج القادمة تحمل توحيدًا نقيًا يقطع آخر الطرق بين الشرك والأجيال الجديدة المفعمة بالفطرة .. القرار الأول: منع أي مشرك يعلن شركه من الحج بعد هذا العام. الثاني: منع التعري داخل البيت الحرام وأثناء الطواف وهي من عادات الشرك البالية المتخلفة. يقول أبو هريرة: "بعثني أبو بكر الصديق في الحجة التي أمره عليها رسول الله ﷺ قبل حجة الوداع في رهط يؤذنون في الناس يوم النحر لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان" (١)

стр. 1234

وهذا يعني أن أبا بكر حج بالعرب كافة مسلمهم ومشركهم .. أما في المدينة فقد نزلت سورة براءة على النبي ﷺ .. وقد أمر جبريل النبي ﷺ بإعلانها بنفسه على الحجاج أو يكلف رجلًا من أهل بيته بذلك .. فأمر عليًا ﵁ أن يحملها إلى مكة وأن يعلنها بنفسه على أولئك الحجاج .. مما خلق تساؤلًا لدى أبي بكر الصديق بصفته أميرًا على الحجاج وأميرًا على علي ﵁ .. ولم يكن يعلم وقتها أن عليًا كان مكلفًا فقط بإعلان براءة مع بقائه تحت إمرة أبي بكر ﵄: يقول أبو هريرة: "فأذن معنا علي يوم النحر في أهل منى ببراءة وأن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان" (١) أحد الصحابة يقص ما حدث بتفصيل أكثر فيقول: "بعث النبي ﷺ أبا بكر وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات ثم أتبعه عليًا فبينا أبو بكر في بعض الطريق إذ سمع رغاء ناقة رسول الله ﷺ القصواء .. فخرج أبو بكر فزعًا فظن أنه رسول الله ﷺ .. فإذا هو علي فدفع إليه كتاب رسول الله ﷺ وأمر عليًا أن ينادي بهؤلاء الكلمات .. فانطلقا فحجا فقام علي أيام التشريق فنادى: ذمة الله ورسوله بريئة من كل مشرك، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ولا يحجن بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان .. ولا يدخل الجنة إلا مؤمن .. وكان علي ينادي فإذا عيى قام أبو بكر فنادى بها" (٢) ولما سئل علي ﵁ "بأي شيء

стр. 1235

بعثت قال بأربع، أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ولا يطوف بالبيت عريان ولا يجتمع مسلم ومشرك بعد عامهم هذا في الحج ومن كان له عهد فعهده إلى مدته ومن لم يكن له عهد فأربعة أشهر" (١) وبذلك تم تحرير مكة من كل علاقة بالشرك والمشركين وقطعت كل صلة لها بالخرافة والوثنية .. أتم الجميع مناسك حجهم وعادوا إلى ديارهم وتوجه أبو بكر ﵁ إلى المدينة .. وعند وصوله سلم على النبي ﷺ وسأله عن ذلك الأمر "فلما رجع أبو بكر قال: هل نزل في شيء؟ قال: لا ولكني أمرت أن أبلغها أنا أو رجل من أهل بيتي" (٢) ولم يكن في الأمر سوى تكريم لعلي بالإضافة إلى تكريم أبي بكر وخصه بقيادة المسلمين كافة إلى الحج .. ولو كان في الأمر مساس بأبي بكر وإمارة أبي بكر لعزله النبي ﷺ من الأمارة وسلمها لأحد الصحابة لكن الأمر غير ذلك فقد بقي علي وغيره ﵃ تحت إمرة أبي بكر ﵁ طوال مدة الحج ..

стр. 1236

وخلال تلك الأيام لم تنقطع الوفود عن القدوم إلى المدينة لمبايعة النبي ﷺ .. كانوا يتدفقون موجات من الحب والشوق نحو المدينة .. فهذا وفد لم يمنعه الفقر والعوز من الرحيل إلى المدينة: وفد مزينة يقول أحدهم وهو النعمان بن مقرن ﵁ "قدمنا على رسول الله ﷺ في أربعمائة من مزينة فأمرنا رسول الله ﷺ بأمره فقال بعض القوم يا رسول الله ما لنا طعام نتزوده فقال النبي ﷺ لعمر: زودهم فقال ما عندي إلا فاضلة من تمر وما أراها تغني عنهم شيئًا فقال انطلق فزودهم فانطلق بنا إلى علية له فإذا فيها تمر مثل البكر الأورق فقال خذوا فأخذ القوم حاجتهم .. وكنت أنا في آخر القوم فالتفت وما أفقد موضع تمرة وقد احتمل منه أربعمائة رجل" (١) ثم عادوا إلى بلادهم مزودين بالتمر والإيمان .. وجاء: وفد بني أسد وتميز هذا الوفد بلغة بليغة لكنهم أفسدوها ببعض الفخر والمنة في وقت لا مكان فيه للفخر ولا للمنة .. لا سيما وهم قد قدموا لتقديم الولاء والبيعة والطاعة .. "ابن عباس قال: قدم على النبي ﷺ وفد بني أسد فتكلموا فأبانوا فقالوا: يا رسول الله قاتلتك مضر كلها ولم نقاتلك ..

стр. 1237

ولسنا بأقلهم عددًا ولا أكلهم شوكة وصلنا رحمك فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر حيث سمع كلامهم: أيتكلمون هكذا؟ قال: يا رسول الله؟ إن فقههم لقليل وإن الشيطان لينطق على لسانهم" (١) أما الوفد القادم فكانت تحملهم الذكريات وتنطق المشاعر على لسانهم إنهم وفد بني محارب وأحدهم يحمل ذكريات أليمة عن مكة وبدايات الدعوة في مكة المكرمة واسمه طارق بن عبد الله المحاربي حيث يقول ﵁: "رأيت رسول الله ﷺ مر بسوق ذي المجاز وأنا في بياعة لي .. فمر وعليه حلة حمراء فسمعته يقول: يا أيها الناس .. قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ورجل يتبعه يرميه بالحجارة قد أدمى كعبه .. وهو يقول: يا أيها الناس .. لا تطيعوا هذا فإنه كذاب .. فقلت: من هذا؟ فقيل: غلام من بني عبد المطلب .. فلما أظهر الله الإِسلام خرجنا من الربذة ومعنا ظعينة لنا حتى نزلنا قريبًا من المدينة فبينما نحن قعودًا إذ أتانا رجل عليه ثوبان فسلم علينا .. فقال: من أين القوم؟ فقلنا: من الربذة .. ومعنا جمل أحمر فقال: تبيعوني

стр. 1238

هذا الجمل؟ فقلنا: نعم .. فقال: بكم؟ فقلنا: بكذا وكذا صاعًا من تمر .. قال: أخذته وما استقصي .. فأخذ بخطام الجمل فذهب به حتى توارى في حيطان المدينة .. فقال بعضنا لبعض: تعرفون الرجل؟ فلم يكن من أحد يعرفه .. فلام القوم بعضهم بعضًا فقالوا: تعطون جملكم من لا تعرفون .. فقالت الظعينة: فلا تلاوموا .. فلقد رأينا رجلًا لا يغدر بكم ما رأيت شيئًا أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه .. فلما كان العشي أتانا رجل فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. أأنتم الذين جئتم من الربذة؟ قلنا: نعم .. قال: أنا رسول الله ﷺ إليكم .. وهو يأمركم أن تأكلوا من هذا التمر حتى تشبعوا وتكتالوا حتى تستوفوا .. فأكلنا من التمر حتى شبعنا واكتلنا حتى استوفينا .. ثم قدمنا المدينة من الغد فإذا رسول الله ﷺ قائم يخطب الناس على المنبر .. فسمعته يقول: يد المعطي العليا وابدأ بمن تعول أمك وأباك وأختك وأخاك وأدناك أدناك وثَمَّ رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله .. هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع الذين قتلوا فلانًا في الجاهلية فخذ لنا بثأرنا .. فرفع رسول الله ﷺ يديه حتى رأيت بياض إبطيه فقال: لا تجني أمّ على ولد .. لا تجني أمّ على ولد" (١) إذا كان طارق المحاربي مسافر تحمله الذكريات إلى حيث النبي ﵇ فإن هذا المسافر يجعل الذكريات تحمل النبي ﷺ إلى عالم الطفولة ومضارب بني سعد حيث الغنيمات وإخوته الصغار وأمه حليمة السعدية إنه:

стр. 1239

أفضل وافد: ضمام بن ثعلبة أما لماذا صار هذا الأعرابي أفضل وافد على النبي ﷺ فله قصة يرويها أنس بن مالك ﵁ فيقول: "بينما نحن جلوس مع النبي ﷺ في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله ثم قال لهم: أيكم محمَّد؟ والنبي ﷺ متكئ بين ظهرانيهم .. فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ .. فقال له الرجل: ابن عبد المطلب .. فقال له النبي ﷺ : قد أجبتك .. فقال الرجل للنبي ﷺ : إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد علي في نفسك .. فقال: سل عما بدا لك .. فقال: أسألك بربك ورب من قبلك آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: اللَّهم نعم .. قال أنشدك بالله آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة، قال: اللَّهم نعم .. قال: أنشدك بالله آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: اللَّهم نعم .. قال: أنشدك بالله آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ فقال النبي ﷺ : اللَّهم نعم. فقال الرجل: آمنت بما جئت به وأنا رسول من ورائي من قومي وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر" (١) "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله وسأؤدي هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتني عنه ثم لا أزيد ولا أنقص ثم انصرف إلى بعيره راجعًا قال .. فقال رسول الله ﷺ : إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة فأتى بعيره فأطلق عقاله ثم خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا إليه فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزى .. قالوا: مه يا ضمام .. اتق البرص اتق الجنون .. قال: ويلكم إنهما والله لا يضران ولا ينفعان .. إن الله قد بعث رسولًا وأنزل عليه كتابًا

стр. 1240

استنقذكم به مما كنتم فيه .. وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله وقد جئتكم من عنده بما أمركم به وما نهاكم عنه .... فوالله ما أمسى من ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلمًا .. قال عبد الله بن عباس فما سمعنا بوافد قدم كان أفضل من ضمام ابن ثعلبة" (١) الوفد تأتي وتذهب .. والأمراء يذهبون ويأتون .. ها هو: النبي ﷺ يرسل خالدًا إلى اليمن يرسله أميرًا وداعية لأرض الإيمان والحكمة .. وبعد فترة بعث إليه علي بن أبي طالب كي يخلفه ويقبض منه خمس الغنائم التي كانت تحت إدارة سيف الله .. يقول أحد الصحابة وهو البراء: "بعثنا رسول الله ﷺ مع خالد بن الوليد إلى اليمن .. ثم بعث عليًا بعد ذلك مكانه فقال مر أصحاب خالد من شاء منهم أن يعقب معك فليعقب ومن شاء فليقبل فكنت فيمن عقب معه فغنمت أواقي ذوات عدد" (٢) وقد حدثت خلال تلك الفترة الانتقالية بعض القصص مثل هذه القصة التي أضافت لعلي ﵁ الجديد من الفضائل .. يقول "بريدة ﵁: بعث النبي ﷺ عليًا إلى خالد ليقبض الخمس وكنت أبغض عليًا وقد اغتسل فقلت لخالد ألا ترى إلى هذا؟ فلما

стр. 1241

قدمنا على النبي ﷺ ذكرت ذلك له .. فقال: يا بريدة .. أتبغض عليًا؟ فقلت؛ نعم .. قال: لا تبغضه فإن له في الخمس أكثر من ذلك" (١) ويقصد النبي ﷺ تلك الجارية التي اغتسل علي من أجلها .. بعد أن أخذها من الخمس .. فغضب بريدة من صنعه واستكثرها عليه .. أما علي ﵁ فقد استلم مهمته الجديدة وبدأ بإدارة الأمور بكفاءة .. وحصل المسلمون على بعض الغنائم فأرسل علي منها للنبي ﷺ .. فقسمها بين بعض أصحابه وحضر تلك القسمة متطرف من: جذور الخوارج يقول أبو سعيد الخدري ﵁: "بعث علي بن أبي طالب ﵁ إلى رسول الله ﷺ من اليمن بذهيبة في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها .. فقسمها بين أربعة نفر بين عيينة بن بدر وأقرع بن حابس وزيد الخيل والرابع إما علقمة وإما عامر بن الطفيل فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء .. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: ألا تأمنونني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً .. فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناشز الجبهة كث اللحية محلوق الرأس مشمر الإزار فقال: يا رسول الله اتق الله قال: ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله، ثم ولى الرجل قال خالد ابن الوليد: يا رسول الله .. ألا أضرب عنقه؟ قال: لا لعله أن يكون يصلي .. فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه؟ قال رسول الله ﷺ : إني لم أومر أن أنقب قلوب الناس ولا أشق بطونهم .. ثم نظر إليه وهو مقف فقال: إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبًا لا يجاوز حناجرهم

стр. 1242

يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية .. لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود" (١) فقتال هؤلاء الخوارج من واجبات إمام المسلمين حتى تنكسر شوكتهم وينعدم تأثيرهم على أمن دولة الإِسلام .. عندما يتحولون إلى مجرد أفكار متطرفة تعرض على الكتاب والسنة .. لكنها لا تعرض على السيف إلا في حالة تحولها إلى سرايا أو قوة تتحرك على وجه الأرض لشق جاعة المسلمين وزعزعة أمنهم وأمن دولتهم .. وهذا ما فعله النبي ﷺ وخطه لأمته .. فهو لم يكفره ولم يقتله بل ولم يمسه بأذى لأنه لا يمثل تهديدًا في ظل توجه الدولة بكليتها بكتاب الله وسنة رسوله .. إنما بين انحرافه وانحراف أمثاله .. وهذا الصنف من المسلمين قد لا ينقصهم الإخلاص وحسن النية لكنهما لا يكفيان لتبرير أقوالهم وأفعالهم المتطرفة .. وإذا كان علي أرسل للنبي ﷺ بذهب (تبر) من اليمن .. فإن أحد الصحابة الذين رافقوا عليًا إلى اليمن لم يبعث هدية لزوجته بل بعث لها بطلقتها الثالثة ثم استشهد ﵁ هناك .. وأثناء تأيمها حدثت بعض المشاكل حول حقها في الحصول على مصروفها من دخل زوجها الذي طلقها .. وهل للمطلقة ثلاث طلقات حق في الحصول على النفقة والسكن من مال زوجها المتوفى أم لا؟ "فاطمة بنت قيس تقول: أرسل إليَّ زوجي أبو عمرو بن حفص بن المغيرة عياش بن أبي ربيعة بطلاقي وأرسل معه بخمسة آصع تمر وخمسة آصع شعير .. فقلت: أما لي نفقة إلا هذا ولا أعتد في منزلكم قال: لا .. فشددت علىّ ثيابي وأتيت رسول الله ﷺ فقال: كم طلقك؟ قلت: ثلاثًا قال: صدق ليس لك نفقة [فانطلق خالد بن الوليد في نفر فأتوا رسول الله ﷺ في بيت ميمونة فقالوا: إن أبا حفص طلق امرأته

стр. 1243

ثلاثًا فهل لها من نفقة؟ فقال رسول الله ﷺ : ليست لها نفقة وعليها العدة .. وأرسل إليها أن لا تسبقيني بنفسك وأمرها أن تنتقل إلى أم شريك .. ثم أرسل إليها أن أم شريك يأتيها المهاجرون الأولون فانطلقي إلى ابن أم مكتوم الأعمى فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك] اعتدي في بيت ابن عمك ابن أم مكتوم فإنه ضرير البصر تلقى ثوبك عنده فإذا انقضت عدتك فآذنين " (١) "قالت قال لي رسول الله ﷺ : إذا حللت فآذنيني فآذنته فخطبها معاوية وأبو جهم وأسامة بن زيد فقال رسول الله ﷺ : أما معاوية فرجل ترب لا مال له .. وأما أبو جهم فرجل ضراب للنساء .. ولكن أسامة بن زيد فقالت بيدها هكذا أسامة أسامه فقال لها رسول الله ﷺ : طاعة الله وطاعة رسوله خير لك قالت: فتزوجته فاغتبطت" (٢) لكن قبل حفل الزفاف وأثناء فترة العدة سمعت فاطمة أشياء خطيرة حملها وافد قدم على النبي ﷺ .. هذا الوافد المحمل بالأخبار وغرائب الأسفار التي لا يصدقها أحد لولا إقرار النبي ﷺ له .. وقد كان في قدوم هذا المسافر نسفًا لشكوك تدور في أذهان بعض الصحابة حول رجل مخيف وغريب وغامض .. كان بعض الصحابة يعتقد أن هذا الرجل هو المسيح الدجال الذي حذر النبي ﷺ أمته منه .. ذلك الدجال اليهودي الذي أخبر عنه الأنبياء وحذروا منه أممهم .. ذلك الدجال الذي سيعيث يومًا من الأيام فسادًا في الأرض وسيخوض

стр. 1244

حروبًا طاحنة ضد المؤمنين وهو يقول يهود العالم للسيطرة على الأرض محاولًا إقامة دولة لليهود .. الشبهات اليوم تدور حول رجل من اليهود يعيش في المدينة يعتقد البعض أنه الدجال .. أما النبي ﷺ فلم ينزل عليه شيء حول هذا الرجل .. لكن النبي ﷺ كان حريصًا على اكتشاف أمره وكشف حقيقته .. دعونا نتجول في شوارع المدينة وبين نخيلها لنتعرف إلى هذا الرجل الذي يشك بعض المؤمنين أنه المسيح الدجال تعالوا نتعرف على ابن صياد وهل هو المسيح الدجال كان في المدينة رجل يهودي مخيف الشكل مريب الحركات والأصوات والتصرفات .. وقد شك الرسول ﷺ وبعض الصحابة أنه المسيح الدجال وكان يدعى (ابن صياد) .. فعندما كان ذلك اليهودي طفلًا يلعب مع الصبيان قرب حصن أناس يقال لهم بني مغالة حدث شيء غريب يرويه عبد الله بن عمر فيقول: "إن عمر بن الخطاب انطلق مع رسول الله ﷺ في رهط قِبَلَ ابن صياد حتى وجده يلعب مع الصبيان عند أطم بن مغالة وقد قارب ابن صياد يومئذ الحلم .. فلم يشعر حتى ضرب رسول الله ﷺ ظهره بيده ثم قال رسول الله ﷺ لابن صياد: أتشهد أني رسول الله؟ فنظر إليه ابن صياد فقال: أشَهد أنك رسول الأميين .. فقال ابن صياد: لرسول الله ﷺ أتشهد أني رسول الله فرفضه رسول الله ﷺ وقال: آمنت بالله وبرسله .. ثم قال له رسول الله ﷺ : ماذا ترى؟ قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب .. فقال له رسول الله ﷺ : خلط عليك الأمر ثم قال له رسول الله ﷺ : إني قد خبأت لك خبيئًا

стр. 1245

قال ابن صياد: هو الدخ .. فقال له رسول الله ﷺ : اخسأ فلن تعدو قدرك .. فقال عمر بن الخطاب: ذرني يا رسول الله أضرب عنقه .. فقال له رسول الله ﷺ : إن يكنه فلن تسلط عليه وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله" (١) في ذلك الحوار بين النبي ﷺ وابن صياد اتضح تعاطي ابن صياد لنوع من السحر والكهانة وذلك عندما قال: الدخ ويعني بذلك سورة الدخان التي نزلت على النبي ﷺ لكنه قال الدخ فقط لأن النبي ﵇ قاطعه فورًا قبل أن يكمل اسم السورة وقال له: اخسأ .. أما عن تلك الأشياء التي يراها ابن صياد فيقول: "جابر بن عبد الله إن رسول الله ﷺ لقي ابن صياد ومعه أبو بكر وعمر أو قال رجلان فقال له رسول الله ﷺ : أتشهد أني رسول الله؟ فقال ابن صياد أتشهد أني رسول الله ﷺ ؟ فقال رسول الله ﷺ : آمنت بالله ورسوله .. فقال رسول الله ﷺ : ما ترى؟ فقال ابن صياد: أرى عرشًا على الماء .. فقال له رسول الله ﷺ : ترى عرش إبليس على البحر .. قال: ما ترى؟ قال: أرى صادقين أو كاذبين فقال رسول الله ﷺ لبس عليه فدعوه" (٢) وقد وصل الشك ببعض الصحابة إلى درجة اليقين أنه الدجال .. ومنهم جابر ﵁ يقول أحد من صحب جابرًا: "رأيت جابر بن

стр. 1246

عبد الله يحلف بالله أن ابن صائد الدجال .. فقلت: أتحلف بالله؟ قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي ﷺ فلم ينكره النبي ﷺ " (١) وذلك للشبه الكبير بين الاثنين: الدجال وابن صياد .. ولتصرفات ابن صياد المريبة وما يصدر عنه من أفعال لا تصدر عن إنسان طبيعي أبدًا .. ويبدو أنه كان يتعاطى السحر والشعوذة ويتعامل مع شياطين الجن ولا أدل على ذلك من هذه القصة التي حدثت أمام عيني ابن عمر ﵁ وذلك عندما "لقي ابن عمر ابن صائد في بعض طرق المدينة فقال له قولًا أغضبه فانتفخ حتى ملأ السكة (٢) .. فدخل ابن عمر على حفصة وقد بلغها فقالت له: رحمك الله ما أردت من ابن صائد أما علمت أن رسول الله ﷺ قال: إنما يخرج من غضبة" (٣) ويقول "ابن عمر لقيته مرتين .. فلقيته فقلت: لبعضهم هل تحدثون أنه هو؟ قال: لا والله قلت: كذبتني والله لقد أخبرني بعضكم أنه لن يموت حتى يكون أكثركم مالًا وولدًا فكذلك هو زعموا اليوم .. فتحدثنا .. ثم فارقته .. فلقيته لقية أخرى وقد نفرت عينه .. فقلت: متى فعلت عينك ما أرى؟ قال: لا أدري .. قلت: لا تدري وهي في رأسك؟ قال: إن شاء الله خلقها في عصاك هذه .. فنخر كأشد نخير حمار سمعت .. فزعم بعض أصحابي أني ضربته بعصا كانت معي حتى تكسرت .. وأما أنا فوالله ما شعرت .. وجاء حتى دخل على أم المؤمنين فحدثها فقالت ما تريد إليه: ألم تعلم أنه قد قال: إن أول ما يبعثه على الناس غضب يغضبه؟ " (٤)

стр. 1247

وقد حاول النبي ﷺ -بعد أن سمع كلامه وهو يلعب مع الصبيان- التسلل ليسمع زمزمته والأصوات الغريبة الصادرة عنه عله يكتشف هويته لكن ذلك لم يتم .. يقول ابن عمر: "انطلق بعد ذلك رسول الله ﷺ وأبي بن كعب إلى النخل التي فيها ابن صياد وهو يختل أن يسمع من ابن صياد شيئًا قبل أن يراه ابن صياد .. فرآه النبي ﷺ وهو مضطجع يعني في قطيفة له فيها رمزة .. أو زمرة فرأت أم ابن صياد رسول الله ﷺ وهو يتقي بجذوع النخل فقالت لابن صياد: يا صاف -وهو اسم ابن صياد- هذا محمَّد ﷺ فثار ابن صياد فقال النبي ﷺ : لو تركته بين" (١) واتضح أمره .. كل تلك الأمور كانت قبل أن يأتي تميم الداري ﵁ إلى المدينة ويسلم ويقص على النبي ﷺ قصته العجيبة المخيفة: قصة الدجال الحقيقي والجساسة هذه القصة ترويها الصحابية الجليلة المطلقة المدعوة: فاطمة بنت قيس وكانت من المهاجرات الأول فتقول: "خطبني رسول الله ﷺ على مولاه أسامة بن زيد وكنت قد حدثت أن رسول الله ﷺ قال: من أحبني فليحب أسامة .. فلما كلمني رسول الله ﷺ قلت: أمري بيدك فأنكحني من شئت .. فقال: انتقلي إلى أم شريك وأم شريك امرأة غنية من الأنصار عظيمة النفقة في سبيل الله ينزل عليها الضيفان .. فقلت: سأفعل .. فقال: لا تفعلي إن أم شريك امرأة كثيرة الضيفان فإني أكره أن يسقط عنك خمارك أو ينكشف الثوب عن ساقيك فيرى القوم منك بعض ما تكرهين .. ولكن انتقلي إلى ابن عمك عبد الله ابن عمرو بن أم مكتوم .. فانتقلت إليه فلما انقضت عدتي سمعت نداء المنادي .. منادي رسول

стр. 1248

الله ﷺ ينادي الصلاة جامعة فخرجت إلى المسجد .. فصليت مع رسول الله ﷺ فكنت في صف النساء التي تلى ظهور القوم .. فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته جلس على المنبر وهو يضحك .. فقال: ليلزم كل إنسان مصلاه ثم قال: أتدرون لم جمعتكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم .. قال: إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة ولكن جمعتكم لأن تميمًا الداري كان رجلًا نصرانيًا فجاء فبايع وأسلم .. وحدثني حديثًا وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال .. حدثنى أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلًا من لخم وجذام فلعب بهم الموج شهرًا في البحر ثم أرفؤا إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس .. فجلسوا في أقرب السفينة فدخلوا الجزيرة فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر .. فقالوا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة .. قالوا: وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق .. قال: لما سمت لنا رجلًا فرقنا منها أن تكون شيطانة .. فانطلقنا سراعًا حتى دخلنا الدير فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقًا وأشده وثاقًا مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد .. قلنا: ويلك ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري فأخبروني ما أنتم؟ قالوا: نحن أناس من العرب ركبنا في سفينة بحرية فصادفنا البحر حين اغتلم .. فلعب بنا الموج شهرًا ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه فجلسنا في أقربها .. فدخلنا الجزيرة فلقيتنا دابة أهلب كثير الشعر لا يدري ما قبله من دبره من كثرة الشعر فقلنا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة .. قلنا: وما الجساسة؟ قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق .. فأقبلنا إليك سراعًا وفزعنا منها ولم نأمن أن تكون شيطانة فقال: أخبروني عن نخل بيسان .. قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال:

стр. 1249

أسألكم عن نخلها هل يثمر؟ قلنا له: نعم .. قال: أما إنه يوشك أن لا تثمر .. قال: أخبروني عن بحيرة الطبرية .. قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء .. قال: أما إن ماءها يوشك أن يذهب .. قال: أخبروني عن عين زغر .. قالوا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم هى كثيرة الماء وأهلها يزرعون من مائها .. قال: أخبروني عن نبي الأميين ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكة ونزل يثرب .. قال: أقاتَله العرب؟ قلنا: نعم .. قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه .. قال لهم: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم .. قال: أما إن ذاك خير لهم أن يطيعوه .. وإني مخبركم عني .. إني أنا المسيح .. وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج .. فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة .. فهما محرمتان علي كلتاهما .. كما أردت أن أدخل واحدة أو واحدًا منهما استقبلني ملك بيده السيف صلتًا يصدني عنها .. وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها .. قال رسول الله ﷺ وطعن بمخصرته (١) في المنبر: هذه طيبة هذه طيبة هذه طيبة .. يعني المدينة .. ألا هل كنت حدثتكم ذلك؟ فقال الناس: نعم .. فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة .. ألا أنه في بحر الشام .. أو بحر اليمن .. لا بل من قبل المشرق ما هو .. من قبل المشرق ما هو .. من قبل المشرق ما هو وأومأ بيده إلى المشرق قالت: فحفظت هذا من رسول الله ﷺ " (٢) وقد حث النبي ﷺ أصحابه وأمته على الاستعاذة من هذا اليهودي

стр. 1250

الدجال .. بل كان يستعيذ منه كل صلاة .. تقول عائشة زوج النبي ﷺ "إن رسول الله ﷺ كان يدعو في الصلاة: اللَّهم إني أعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات اللَّهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم فقال له قائل ما أكثر ما تستعيذ من المغرم فقال إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف" (١) إذًا فالدجال مأسور في تلك الجزيرة .. أما ابن صياد فهو شخص آخر يحاول استغلال الشبه بينه وبين الدجال في إخافة من حوله وبث الرعب فيهم محاولًا إشباع غروره .. مع أنه من المحتمل أن يكون بينه وبن الدجال صلة ما لكن ما هى .. الله أعلم .. تبين ذلك في حوار جرى بين ابن صياد وأبي سعيد الخدري وهما في سفر متجهين نحو مكة .. حيث بث ابن صياد شكواه وبعض أسراره لأبي سعيد وبث فيها مرارة كذبه وانتحاله لتلك الشخصية ونتائج تلك الأشياء التي ارتكبها من أجل لفت الأنظار إليه .. قال أبو سعيد الخدري ﵁: "أقلنا في جيش من المدينة قبل هذا المشرق .. فكان في الجيش عبد الله بن صياد وكان لا يسايره أحد ولا يرافقه ولا يؤاكله ولا يشاربه ويسمونه الدجال .. فبينا أنا ذات يوم نازل في منزل لي إذ رآني عبد الله بن صياد جالسًا فجاء حتى جلس إلي .. فقال: يا أبا سعيد .. ألا ترى إلى ما يصنع الناس لا يسايرني أحد ولا يرافقني أحد ولا يشاربني أحد ولا يؤاكلني أحد ويدعوني الدجال؛ وقد علمت أنت يا أبا سعيد أن رسول الله ﷺ قال: إن الدجال لا يدخل المدينة وأني ولدت بالمدينة .. وقد سمعت

стр. 1251

رسول الله ﷺ : يقول إن الدجال لا يولد له وقد ولد لي .. فوالله لقد هممت مما يصنع بي هؤلاء الناس أن آخذ حبلًا فأخلو فأجعله في عنقي فأختنق فأستريح من هؤلاء الناس .. والله ما أنا بالدجال .. ولكن والله لو شئت لأخبرتك باسمه واسم أبيه واسم أمه واسم القرية التي يخرج منها" (١) تلك هي قصة ابن صياد الدجال .. لكن ذلك الدجال المنتظر ليس هو الدجال الوحيد الذي سيظهر في أمة محمَّد ﵊ .. لقد حذر ﵇ من ثلاثين دجالًا سيظهرون قبله لكنه أشدهم خطرًا على هذه الأمة .. أما أسرعهم ظهورًا فكان كذاب حنيفة الذي يقود الآن: وفد اليمامة لبيعة النبي ﷺ وكان يدعى مسيلمة .. وقد رأى ﵇ رؤيا قصها على أصحابه "قال رسول الله ﷺ : بينا أنا نائم أتيت خزائن الأرض فوضع في يدي إسوارين من ذهب فكبرا علي وأهماني فأوحى إلي أن انفخهما فنفختهما فذهبا فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما صاحب صنعاء وصاحب اليمامة" (٢) ولما وصل وقد اليمامة "قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله ﷺ .. فجعل يقول: إن جعل لي محمَّد الأمر من بعده تبعته، وقدمها في بشر كثير من قومه .. فأقبل إليه رسول الله ﷺ ومعه ثابت ابن قيس بن شماس وفي يد

стр. 1252

رسول الله ﷺ قطعة جريد حتى وقف على مسيلمة في أصحابه .. فقال: لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها ولن تعدو أمر الله فيك .. ولئن أدبرت ليعقرنك الله .. وإني لأراك الذي أريت فيه ما رأيت وهذا ثابت يجيبك عنى ثم انصرف عنه .. قال ابن عباس فسألت عن قول رسول الله ﷺ إنك أرى الذي أريت فيه ما رأيت فأخبرني أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فأهمني شأنهما فأوحي إلى في المنام أن انفخهما فنفختهما فطارا فأولتهما كذابين يخرجان بعدي أحدهما العنسى والآخر مسيلمة" (١) كذاب اليمامة الذي يعود خائبًا محتقنًا من الغيظ إلى بلاده بعد أن حوله النبي ﷺ إلى حاوية للسخرية بين الوفود .. هذا الأفاك الذي لا يعي ما يخرج من رأسه يريد أن يكون نبيًا .. يريد كما يريد تلاميذه من بعده أن يستبدلوا شريعة الله بتخاريفهم .. إنهم لا يقدمون بدائل صناعية أو زراعية أو حتى عسكرية فيها من الإبداع ما يفيد فهم أعجز من ذلك .. وبدلًا من ذلك يسخرون ثرثرتهم في محاولة استبدال الوحي بالخرافة والحقيقة بالوهم فقط لا أكثر .. لذلك رفض النبي ﷺ تقديم أي تنازل لأستاذهم مسيلمة حتى ولو كان مجرد قطعة من جريد النخل لا تنفع ولا تضر ولا تقدم ولا تؤخر .. أما: كذاب اليمن الأسود العنسي فقد كان يضمر في نفسه الخروج على النبي ﷺ في أقرب فرصة أما الآن فهو لا يستطيع الجهر بما في نفسه خوفًا من علي بن أبي طالب الأسد الهصور القادم من المدينة إلى اليمن .. ولم يكن الأسود وحده الذي

стр. 1253

سيدعي النبوة فقد قال أحد الصحابة: "أكثر الناس في مسيلمة قبل أن يقول رسول الله ﷺ فيه شيئًا فقام رسول الله ﷺ خطيبًا فقال: أما بعد ففي شأن هذا الدجال الذي قد أكثرتم فيه وإنه كذاب من ثلاثين كذابًا يخرجون بين يدي المسيح" (١) أولهم مسيلمه الذي عاد إلى دياره ثم أفرز ما كان محتقنًا به من أكاذيب وأعلن أنه نبي جديد لهذه الأمة .. ولم يكتف بذلك بلغت به الوقاحة أن يبعث إلى النبي ﷺ برسولين يخبرانه بما فعل .. يقول الصحابي نعيم بن مسعود: "سمعت رسول الله ﷺ يقول حين جاءه رسولا مسيلمة الكذاب بكتابه ورسول الله ﷺ يقول لهما وأنتما تقولان بمثل ما يقول؟ قالا: نعم فقال رسول الله ﷺ لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما" (٢) وهو مبدأ إسلامي رفيع زاد من رصيد الاحترام للدولة الإِسلامية وقائدها .. إلا أن الجاهلية أعمت الكثيرين عن رؤية الحقيقة .. هذا أحدهم يعترف بذلك: أبو رجاء العطاردى يعترف يقول ﵁: (كنا نعبد الحجر فإذا وجدنا حجرًا هو خير منه

стр. 1254

ألقيناه وأخذنا الآخر فإذا لم نجد حجرًا جمعنا جثوة من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبناه ثم طفنا به فإذا دخل شهر رجب قلنا منصل الأسنة فلا ندع رمحًا فيه حديدة ولا سهمًا فيه حديدة إلا نزعناه وألقيناه شهر رجب .. كنت يوم بعث النبي ﷺ غلامًا أرعى الإبل على أهلي فلما سمعنا بخروجه فررنا إلى النار إلى مسيلمة الكذاب) (١) وإذا كان وفد مسيلمة قد تميز بالوقاحة والكذب فإن الحقيقة التي جاء بها الإِسلام كفيلة بإحراق كذابهم وإحراق من صدقه واحدًا واحدًا .. الحقيقة التي لا يصمد أمامها أي منتحل أو معاند لها .. وكان من بين الوفود القادمة رجل من النصارى يدعى عدي بن حاتم الطائي .. هذا الرجل الذي هرب من بلاده خوفًا من جيش الإِسلام وتوجه نحو الشام حيث الكنائس .. لكن تلك الكنائس زادت غربته فعاد إلى رشده وطرح على نفسه أسئلة تغنيه عن الهرب لو طرحها في وقت أبكر .. أسئلة محرجة أخجلته خاصة وهو ابن رمز الكرم العربي في الجاهلية .. قدوم عدي بن حاتم دعونا نستمع إلى عدي وهو يقص حكايته وحكاية هروبه وعودته للحق .. فيقول: "بعث رسول الله ﷺ حيث بعث فكرهته أشد ما كرهت شيئًا قط فانطلقت حتى كنت في أقصى الأرض مما يلي الروم .. فقلت: لو أتيت هذا الرجل فإن كان كاذبًا لم يخف علي وإن كان صادقًا اتبعته .. فأقبلت فلما قدمت المدينة استشرف لي الناس وقالوا: جاء عدي بن حاتم .. جاء

стр. 1255

عدي بن حاتم فقال النبي ﷺ لي: يا عدي بن حاتم أسلم تسلم قلت: إن لي دينًا قال: أنا أعلم بدينك منك، أنا أعلم بدينك منك .. مرتين أو ثلاثًا .. ألست ترأس قومك؟ قلت: بلى .. قال: ألست تأكل المرباع (١)؟ قال: قلت: بلى .. قال: فإن ذلك لا يحل لك في دينك .. قال عدي: فتضعضعتُ (٢) لذلك .. ثم قال: يا عدي بن حاتم .. أسلم تسلم فإني قد أظن .. أنه ما يمنعك أن تسلم خصاصة تراها من حولي وتوشك الظعينة أن ترحل من الحيرة بغير جوار حتى تطوف بالبيت .. ولتفتحن علينا كنوز كسرى بن هرمز وليفيضن المال .. حتى يهم الرجل من يقبل منه ماله صدقة (٣) قال عدي بن حاتم: فقد رأيت الظعينة ترحل من الحيرة بغير جوار حتى تطوف بالبيت .. وكنتُ في أول خيل أغارت على المدائن على كنوز كسرى بن هرمز وأحلف بالله لتجيئن الثالثة إنه لقول رسول الله ﷺ لي" (٤) هكذا حولت الحقيقة هذا الرجل النصراني المتشائم المغتصب حق غيره إلى ثقة بالله ورسوله بعد أن كان مزيجًا من الشكوك والتساؤل المحير .. يحلف ثقة ويتحرك ثقة ويعد من حوله ثقة .. فإذا لم يثق بالحقيقة فبم تكون ثقته .. لا سيما وقد اعتنق النصرانية كخلاص من الوثنية ولم

стр. 1256

يرثها عن والديه وراثة .. فمن الصعوبة التخلص من الموروث حتى ولو كان غير مقنع .. ولعل في هذا الوفد القادم من نجران: وفد نصارى نجران دليل على صعوبة التخلص من الموروث .. حيث جاءوا من بلادهم بعد أن وصلتهم بعوث الإِسلام وأخبار انتصاراته .. وكانوا في بلادهم يحاولون إحراج هؤلاء المسلمين بالتنقيب عن أي خطأ في تعاليم هذا الدين الجديد .. وقد حدث هذا مع الصحابي الداهية المغيرة بن شعبة الذي كل دهاؤه عن إجابة تساؤلهم فقال ﵁: "لما قدمت نجران سألوني فقالوا إنكم تقرؤون يا أخت هارون وموسى قبل عيسى بكذا وكذا فلما قدمت على رسول الله ﷺ سألته عن ذلك فقال إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم" (١) ولعل تلك التساؤلات خلقت لدى هؤلاء شعورًا بالجرأة والتفوق فبحثوا عن مزيد من الإحراج .. فأحبوا أن يفجروه على أرض المدينة معقل الإِسلام وعاصمته .. وقد تصدى لهذا رجلان من رجال الدين .. حيث إن الدين النصراني يقسم الناس إلى طبقتين لا وجود لهما في الدين الإِسلامي إطلاقًا .. هاتان الطبقتان هما: طبقة رجال الدين وطبقة أخرى لبقية الرجال .. أما النساء فلا دور لهن على الإطلاق ولا طبقات سوى الخطيئة .. وكان اسم رجلي الدين هذين: العاقب والسيد وقد بلغت بهما الجرأة أن يطالبا النبي ﷺ بالملاعنة على الحقيقة .. والملاعنة هي المباهلة

стр. 1257

وهي أن يدعو كل من الخصمين على نفسه باللعنة إن كان كاذبًا في دعواه .. كانت نتيجة المباهلة اكتشاف هذه الأمة لأمينها في قصة يرويها لنا حذيفة بن اليمان أمين سر النبي ﷺ الذي يقول: "جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يلاعناه .. فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل فوالله لئن كان نبيًا فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا .. قالا: إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلًا أمينًا ولا تبعث معنا إلا أمينًا .. فقال: لأبعثن معكم رجلًا أمينًا حق أمين فاستشرف له أصحاب رسول الله ﷺ فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح فلما قام قال رسول الله ﷺ هذا أمين هذه الأمة" (١) الذي فاز بلقب كما فاز غيره بألقاب .. أما نصارى نجران فعادوا مثقلين بالشك والجزية والهزيمة .. الهزيمة التي لحقت بكل من أعمى قلبه عن رؤية الشمس التي يحملها ﷺ خارج المدينة وداخلها .. ففي داخل المدينة تطحن أقدام هذه الوفود في ذهابها وإيابها رجلًا كالحجارة عنادًا وحسدًا. عبد الله بن أبي بن سلول يتجرع اليوم سمومًا كثيرة ويتلقى طعنات لا تعد ولا تحصى .. لم يصنعها أحد له هو الذي صنعها بحقده وعناده .. عبد الله بن سلول مريض ويبدو من تقاسيمه أنه راحل عن هذه الدنيا .. ورغم كل ما فعله وما خطط له وما جرى منه ضد النبي ﷺ وضد المسلمين ودولتهم .. رغم ذلك كله ينهض النبي ﷺ لزيارته عله يجد في قلبه مكانًا لله ورسوله .. عبد الله بن أبي بن سلول تاريخ أسود من التآمر والخيانة والنفاق ومع

стр. 1258

ذلك فلا يأس في حياة الداعية .. استأذن النبي ﷺ في الدخول عليه ولما دخل عرف فيه الموت .. "دخل رسول الله ﷺ على عبد الله بن أبي يعوده في مرضه الذي مات فيه فلما عرف فيه الموت قال رسول الله ﷺ أما والله إن كنت لأنهاك عن حب يهود فقال: أبغضهم أسعد بن زرارة فمه" (١) أي فماذا أفاد أسعد بن زرارة كرهه لليهود حيث مات في أول أيام الهجرة .. هذه الإجابة تكشف عن ضيق أفق هذا المنافق ونظرته المحدودة بين جدران الدنيا الفانية .. فالنبي ﷺ لم يكن يعني أن حب اليهود هو الذي يجلب لك الموت فاليهود قد غادروا غير ماسوف عليهم .. بل كان يعنى أننى كنت أنهاك عن موالاتهم التي لا تفيدك في مثل هذه الساعة التي تكون فيها أحوج ما تكون لله ولرسوله وللحقيقة - الإِسلام .. لكنه الحسد والحقد الذي يتفنن في إحراق أصحابه .. كان ابن سلول مغرورًا متكبرًا حتى في أيام احتضاره .. لم يقل للنبي ﵇ أي كلمة تشير إلى أسفه وندمه وتوبته .. ولكن بعد أن خرج النبي ﷺ من عنده استدعى ابنه وطلب منه أمرًا غريبًا ابن سلول يطلب ثوب النبي ﷺ فبعد خروجه ﵇ استدعى عبد الله بن سلول ابنه وقال له: "أي بني .. اطلب ثوبًا من ثياب رسول الله ﷺ فكفني فيه ومره فليُصلّ عليّ" (٢)

стр. 1259

ويبدو أن الابن شعر بالإحراج أو نسي ذلك حتى وضع أبوه في قبره فتوجه نحو النبي ﷺ : "فقال: يا رسول الله .. أعطني قميصك أكفنه فيه وصل عليه واستغفر له" (١) يقول جابر ﵁: "أتى النبي ﷺ عبد الله بن أبي بعد ما دفن فأخرجه فنفث فيه من ريقه وألبسه قميصه" (٢) وعندما أراد النبي ﷺ الصلاة على ابن أبي سلول وقف عمر بن الخطاب في وجهه بل جذبه من ثوبه معترضًا على الصلاة عليه .. شاهد عبد الله بن عمر ما حدث فقال: "إن عبد الله بن أبي لما توفي جاء ابنه إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله .. أعطني قميصك أكفنه فيه وصل عليه وأستغفر له .. فأعطاه النبي ﷺ قميصه، فقال: آذني أصلي عليه فآذنه .. فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر ﵁ فقال: أليس نهاك أن تصلي على المنافقين .. فقال: أنا بين خيرتين .. قال: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم .. فصلى عليه .. فنزلت ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ (٣) والآية التي نهت عن الصلاة على المنافقين بعد اليوم هي قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾ (٤). شاهد جابر ما حدث فقال مفسرًا ما حدث حول قميص النبي ﷺ :

стр. 1260

"لما كان يوم بدر أتى بأسارى وأتى بالعباس ولم يكن عليه ثوب .. فنظر النبي ﷺ له قميصًا فوجدوا قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه .. فكساه النبي ﷺ إياه .. فلذلك نزع النبي ﷺ قميصه الذي ألبسه" (١) مكافأة له .. هذه هي وجهة نظر جابر ﵁ فربما لم تبلغه قصة طلب ابن أبي .. هناك سؤال يطرح نفسه على الصحابة هو أنهم سيتمكنون من معرفة المنافقين بعدم صلاة النبي ﷺ عليهم عند وفاتهم .. لكن كيف سيعرفون المنافقين بعد وفاة النبي ﷺ .. لم يغب ذلك عن النبي ﷺ فقد قام ﷺ باستدعاء أحد الصحابة ليقدم له: قائمة بأسماء المنافقين يقول حذيفة بن اليمان ﵁: "كنت آخذًا بخطام ناقة رسول الله ﷺ أقود به وعمار يسوق الناقة أو أنا أسوقه وعمار يقوده .. حتى إذا كنا بالعقبة فإذا أنا باثني عشر راكبًا قد اعترضوه فيها فانبهت رسول الله ﷺ بهم فصرخ بهم فولوا مدبرين فقال لنا رسول الله ﷺ : هل عرفتم القوم؟ قلنا: لا يا رسول الله قد كانوا متلثمين ولكنا قد عرفنا الركاب. قال: هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة وهل تدرون ما أرادوا؟ قلنا لا .. قال: أرادوا أن يزاحموا رسول الله ﷺ في العقبة فيلقوه منها .. قلنا: يا رسول الله .. أفلا نبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ قال: لا، أكره أن تتحدث العرب بينها أن محمدًا قاتل بقوم حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم

стр. 1261

يقتلهم .. ثم قال: اللَّهم أرمهم بالدبيلة" (١) ولا سئل عمار حول قيام النبي ﷺ بتقديم توصية خاصة له قال: (ما عهد إلينا رسول الله ﷺ شيئًا لم يعهده إلى الناس كافة، ولكن حذيفة أخبرني عن النبي ﷺ قال: قال النبي ﷺ : في أصحابي اثنا عشر منافقًا فيهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة) (٢) وهي دمل أو خراج يسبب الموت .. وبذلك التحديد لأسماء هؤلاء المنافقين تم عزلهم وإقصاء رواياتهم وأخبارهم .. بل لقد تحولوا إلى رماد تذروه رياح التاريخ .. بعد أن نجح الشيطان في إنزالهم من مقاعدهم الرفيعة التي منحهم إياها الإِسلام فرضوا بالدرك الأسفل من النار التي يقول الله تعالى عنها: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ

стр. 1262

اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ (١). وهناك من تاب قبل هؤلاء بعد أن زالت عنهم العصبية وتبين لهم خواء ابن سلول وخواء أفكاره .. لكن تلك الأسماء التي تلقاها حذيفة ظلت على عنادها حتى انتزعها الموت كما انتزع ابن سلول والذي برحيله انكسرت شوكة النفاق والخيانة والتآمر .. أما النبي ﷺ وأصحابه فيتمنون لو آمن ابن سلول ومن معه فرسالتهم في هذه الدنيا موجة إلى بقع الظلام وبؤره لملئها بنور التوحيد .. طهرت المدينة من قيادات اليهود والمنافقين المشركين .. ومرت الأيام فعاد الموت مرة أخرى إلى بيت النبي ﷺ وكأنه يزاحم كل خبر سار يبتهج به النبي ﵇ .. ذات يوم ألم المرض بإبراهيم بن محمَّد ﷺ ثم انتزعه الموت فكانت دموع النبي ﷺ وحزنه تسيل لـ: موت إبراهيم ﵇ يقول أنس بن مالك ﵁ عن حياة إبراهيم وموته: "قال رسول الله ﷺ : ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم .. ثم دفعه إلى أم سيف امرأة قين يقال له: أبو سيف .. فانطلق يأتيه واتبعته .. فانتهينا إلى أبي سيف وهو ينفخ بكيره قد امتلأ البيت دخانًا .. فأسرعت المشي بين

стр. 1263

يدي رسول الله ﷺ فقلت: يا أبا سيف .. أمسك .. جاء رسول الله ﷺ .. فأمسك فدعا النبي ﷺ بالصبي فضمه إليه وقال: ما شاء الله أن يقول .. فقال أنس: لقد رأيته وهو يكيد بنفسه بين يدي رسول الله ﷺ فدمعت عينا رسول الله ﷺ فقال: تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضى ربنا .. والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون" (١) وقد أثارت تلك الدموع وذلك الحزن تساؤل عبد الرحمن بن عوف ﵁ .. "فقال له عبد الرحمن بن عوف ﵁: وأنت يا رسول الله؟ فقال: يا بن عوف .. إنها رحمة ثم أتبعها بأخرى فقال ﷺ : إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا .. وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون" (٢) في هذا اليوم نفسه الذي توفي فيه إبراهيم ﵇ نظر الناس إلى السماء فوجدوا أن: الشمس قد كسفت يوم موت إبراهيم وكان هناك اعتقاد سائد في الجاهلية أن كسوف الشمس لا يكون إلا لموت إنسان عظيم أو لمولد عظيم .. فما هو موقف النبي ﷺ هذا الاعتقاد الجاهلى لا سيما وقد صادف يوم رحيل ابنه الحبيب: يقول "المغيرة بن شعبة: كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم فقال رسول الله ﷺ : إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته .. فإذا رأيتم فصلوا وادعوا الله" (٣) ثم أمر الناس بالاجتماع في المسجد حيث يقول

стр. 1264

"عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: لما كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ نودي: إن الصلاة جامعة" (١) ويقول أبو بكر: "كنا عند رسول الله ﷺ فانكسفت الشمس فقام النبي ﷺ يجر رداءه حتى دخل المسجد فدخلنا فصلى بنا ركعتين حتى انجلت الشمس فقال ﷺ : إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد فإذا رأيتموهما فصلوا وادعوا حتى يكشف ما بكم" (٢) كانت صلاة الكسوف ركعتين لكن كيف كانت: صفة صلاة الكسوف هي ركعتان لكن باختلاف بسيط عن الركعات المعتادة .. فالصلاة العادية المكونة من ركعتين كالفجر والجمعة وكذلك النوافل تكون الركعة الواحدة عبارة عن قراءة الفاتحة وبعض القرآن ثم الركوع ثم الرفع من الركوع ثم السجود ثم الرفع من السجود والجلوس ثم السجود مرة ثانية هذا باختصار ما تتكون منه الركعة الواحدة أي ركوع واحد وسجدتين .. أما في صلاة الكسوف فتتكون كل ركعة من ركوعين وسجودين .. أي أن المصلي يقوم فيقرأ الفاتحة وبعض القرآن ثم يركع ثم يرفع من الركوع ثم يقرأ الفاتحة وما تيسر من القرآن ثم يركع ثانية ثم يرفع من الركوع ثم يسجد ثم يرفع من السجود ويجلس ثم يسجد ثانية ثم يقوم ليفعل مثل ذلك في الركعة الثانية .. أي أن عدد الركوعات يساوي عدد السجودات .. تقول عائشة ﵂: "خسفت الشمس في حياة النبي ﷺ فخرج إلى المسجد فصف الناس وراءه فكبر فاقترأ رسول الله ﷺ

стр. 1265

قراءة طويلة .. ثم كبر فركع ركوعًا طويلًا .. ثم قال سمع الله لمن حمده .. فقام ولم يسجد وقرأ قراءة طويلة هي أدني من القراءة الأولى .. ثم كبر وركع ركوعًا طويلًا وهو أدني من الركوع الأول .. ثم قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد .. ثم سجد .. ثم قال في الركعة الأخيرة مثل .. ذلك فاستكمل أربع ركعات في أربع سجدات وانجلت الشمس قبل أن ينصرف .. ثم قام فأثني على الله بما هو أهله .. ثم قال: هما آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة" (١) فهذه الآية تذكر الإنسان الغافل وتوظف ما نام من مشاعره تجاه خالقه ورازقه وإلهه .. ففي خضم الحياة وسعير المادة والركض خلفها يغفل الإنسان أحيانًا ويتبلد إحساسه تجاه موقعه من خالقه وفضله عليه .. ففي تلك الصلاة إيقاظ له .. وفي تلك الصلاة قام النبي ﷺ بحركة غريبة ليست من الصلاة فسأله الصحابة عنها وذلك بعد أن "قال ﷺ : إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله قالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئًا في مقامك ثم رأيناك كعكعت قال ﷺ : إني رأيت الجنة فتناولت عنقودًا ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا .. وأريت النار فلم أر منظرًا كاليوم قط أفظع .. ورأيت أكثر أهلها النساء .. قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: بكفرهن .. قيل: يكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط" (٢) ووصفه هذا لا يشمل النساء جميعًا بل قال: إن نسبتهن أكثر من
следующие страницы →