يقتلهم .. ثم قال: اللَّهم أرمهم بالدبيلة" (١) ولا سئل عمار حول قيام النبي ﷺ بتقديم توصية خاصة له قال: (ما عهد إلينا رسول الله ﷺ شيئًا لم يعهده إلى الناس كافة، ولكن حذيفة أخبرني عن النبي ﷺ قال: قال النبي ﷺ : في أصحابي اثنا عشر منافقًا فيهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة) (٢) وهي دمل أو خراج يسبب الموت .. وبذلك التحديد لأسماء هؤلاء المنافقين تم عزلهم وإقصاء رواياتهم وأخبارهم .. بل لقد تحولوا إلى رماد تذروه رياح التاريخ .. بعد أن نجح الشيطان في إنزالهم من مقاعدهم الرفيعة التي منحهم إياها الإِسلام فرضوا بالدرك الأسفل من النار التي يقول الله تعالى عنها: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ
стр. 1262
اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ (١).
وهناك من تاب قبل هؤلاء بعد أن زالت عنهم العصبية وتبين لهم خواء ابن سلول وخواء أفكاره .. لكن تلك الأسماء التي تلقاها حذيفة ظلت على عنادها حتى انتزعها الموت كما انتزع ابن سلول والذي برحيله انكسرت شوكة النفاق والخيانة والتآمر ..
أما النبي ﷺ وأصحابه فيتمنون لو آمن ابن سلول ومن معه فرسالتهم في هذه الدنيا موجة إلى بقع الظلام وبؤره لملئها بنور التوحيد .. طهرت المدينة من قيادات اليهود والمنافقين المشركين .. ومرت الأيام فعاد الموت مرة أخرى إلى بيت النبي ﷺ وكأنه يزاحم كل خبر سار يبتهج به النبي ﵇ .. ذات يوم ألم المرض بإبراهيم بن محمَّد ﷺ ثم انتزعه الموت فكانت دموع النبي ﷺ وحزنه تسيل لـ:
موت إبراهيم ﵇
يقول أنس بن مالك ﵁ عن حياة إبراهيم وموته: "قال رسول الله ﷺ : ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم .. ثم دفعه إلى أم سيف امرأة قين يقال له: أبو سيف .. فانطلق يأتيه واتبعته .. فانتهينا إلى أبي سيف وهو ينفخ بكيره قد امتلأ البيت دخانًا .. فأسرعت المشي بين
стр. 1263
يدي رسول الله ﷺ فقلت: يا أبا سيف .. أمسك .. جاء رسول الله ﷺ .. فأمسك فدعا النبي ﷺ بالصبي فضمه إليه وقال: ما شاء الله أن يقول .. فقال أنس: لقد رأيته وهو يكيد بنفسه بين يدي رسول الله ﷺ فدمعت عينا رسول الله ﷺ فقال: تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضى ربنا .. والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون" (١) وقد أثارت تلك الدموع وذلك الحزن تساؤل عبد الرحمن بن عوف ﵁ .. "فقال له عبد الرحمن بن عوف ﵁: وأنت يا رسول الله؟ فقال: يا بن عوف .. إنها رحمة ثم أتبعها بأخرى فقال ﷺ : إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا .. وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون" (٢) في هذا اليوم نفسه الذي توفي فيه إبراهيم ﵇ نظر الناس إلى السماء فوجدوا أن:
الشمس قد كسفت يوم موت إبراهيم
وكان هناك اعتقاد سائد في الجاهلية أن كسوف الشمس لا يكون إلا لموت إنسان عظيم أو لمولد عظيم .. فما هو موقف النبي ﷺ هذا الاعتقاد الجاهلى لا سيما وقد صادف يوم رحيل ابنه الحبيب:
يقول "المغيرة بن شعبة: كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم فقال رسول الله ﷺ : إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته .. فإذا رأيتم فصلوا وادعوا الله" (٣) ثم أمر الناس بالاجتماع في المسجد حيث يقول
стр. 1264
"عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: لما كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ نودي: إن الصلاة جامعة" (١) ويقول أبو بكر: "كنا عند رسول الله ﷺ فانكسفت الشمس فقام النبي ﷺ يجر رداءه حتى دخل المسجد فدخلنا فصلى بنا ركعتين حتى انجلت الشمس فقال ﷺ : إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد فإذا رأيتموهما فصلوا وادعوا حتى يكشف ما بكم" (٢) كانت صلاة الكسوف ركعتين لكن كيف كانت:
صفة صلاة الكسوف
هي ركعتان لكن باختلاف بسيط عن الركعات المعتادة .. فالصلاة العادية المكونة من ركعتين كالفجر والجمعة وكذلك النوافل تكون الركعة الواحدة عبارة عن قراءة الفاتحة وبعض القرآن ثم الركوع ثم الرفع من الركوع ثم السجود ثم الرفع من السجود والجلوس ثم السجود مرة ثانية هذا باختصار ما تتكون منه الركعة الواحدة أي ركوع واحد وسجدتين ..
أما في صلاة الكسوف فتتكون كل ركعة من ركوعين وسجودين .. أي أن المصلي يقوم فيقرأ الفاتحة وبعض القرآن ثم يركع ثم يرفع من الركوع ثم يقرأ الفاتحة وما تيسر من القرآن ثم يركع ثانية ثم يرفع من الركوع ثم يسجد ثم يرفع من السجود ويجلس ثم يسجد ثانية ثم يقوم ليفعل مثل ذلك في الركعة الثانية .. أي أن عدد الركوعات يساوي عدد السجودات .. تقول عائشة ﵂: "خسفت الشمس في حياة النبي ﷺ فخرج إلى المسجد فصف الناس وراءه فكبر فاقترأ رسول الله ﷺ
стр. 1265
قراءة طويلة .. ثم كبر فركع ركوعًا طويلًا .. ثم قال سمع الله لمن حمده .. فقام ولم يسجد وقرأ قراءة طويلة هي أدني من القراءة الأولى .. ثم كبر وركع ركوعًا طويلًا وهو أدني من الركوع الأول .. ثم قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد .. ثم سجد .. ثم قال في الركعة الأخيرة مثل .. ذلك فاستكمل أربع ركعات في أربع سجدات وانجلت الشمس قبل أن ينصرف .. ثم قام فأثني على الله بما هو أهله .. ثم قال: هما آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة" (١)
فهذه الآية تذكر الإنسان الغافل وتوظف ما نام من مشاعره تجاه خالقه ورازقه وإلهه .. ففي خضم الحياة وسعير المادة والركض خلفها يغفل الإنسان أحيانًا ويتبلد إحساسه تجاه موقعه من خالقه وفضله عليه .. ففي تلك الصلاة إيقاظ له .. وفي تلك الصلاة قام النبي ﷺ بحركة غريبة ليست من الصلاة فسأله الصحابة عنها وذلك بعد أن "قال ﷺ : إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله قالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئًا في مقامك ثم رأيناك كعكعت قال ﷺ : إني رأيت الجنة فتناولت عنقودًا ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا .. وأريت النار فلم أر منظرًا كاليوم قط أفظع .. ورأيت أكثر أهلها النساء .. قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: بكفرهن .. قيل: يكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط" (٢)
ووصفه هذا لا يشمل النساء جميعًا بل قال: إن نسبتهن أكثر من
стр. 1266
نسبة الرجال نظرًا لصفة الجحود التي تتميز بها هذه النسبة من النساء تجاه أفضال الغير عليها .. حتى أن هذه النوعية من النساء وفي لحظة عتاب أو غضب يسيرة تنسف كل أفضال الآخرين خاصة الزوج دون مبرر بل دون أن يكون هناك داع لذكر تلك الأفضال والتطرق لها .. وكأن النبي ﷺ يحذر من هذه الصفة التي تقترب من صفة المنافق الذي إذا خاصم فجر .. في هذه الأثناء كانت أسماء ذات النطاقين في طريقها نحو بيت أختها عائشة .. تقول ﵂: "أتيت عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ حين خسفت الشمس .. فإذا الناس قيام يصلون وإذا هي قائمة تصلي فقلت: ما للناس؟ فأشارت بيدها إلى السماء وقالت: سبحان الله .. فقلت: آية؟ فأشارت: أي نعم. فقمت حتى تجلاني الغشي فجعلت أصب فوق رأسي الماء .. فلما انصرف رسول الله ﷺ حمد الله وأثني عليه ثم قال: ما من شيء كنت لم أره إلا قد رأيته في مقامي هذا حتى الجنة والنار .. ولقد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور مثل أو قريبًا من فتنة الدجال يؤتى أحدكم فيقال له: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن أو الموقن فيقول: محمَّد رسول الله ﷺ جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا وآمنا واتبعنا .. فيقال له: نم صالحًا فقد علمنا إن كنت لموقنا .. وأما المنافق أو المرتاب فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته" (١) وتقول أسماء: "إن النبي ﷺ صلى صلاة الكسوف فقال: دنت مني النار حتى قلت أي رب وأنا معهم؟ فإذا امرأة تخدشها هرة قال: ما شأن هذه؟ قالوا: حبستها حتى ماتت جوعًا" (٢) وكأن صلاة الكسوف هذه توقظ مشاعر المؤمنين على هذا
стр. 1267
الكون كله .. حتى البهائم .. حتى البهائم تنعم بحياة طيبة إذا كانت في محيط يحكمه الإِسلام ويحكم أهله الإِسلام .. كان ذلك الكسوف آية ورحمة لعباد الله تقول ذات النطاقين ﵂: "أمر النبي ﷺ بالعتاقة في كسوف الشمس" (١) أي أمر أصحابه بإعتاق عبيدهم وحثهم على ذلك فقال: "من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضو منه عضوًا من النار" (٢) وحتى ذلك الرقيق الذي يملكه أكثر من شخص دخل في ذلك .. بل نظم النبي ﷺ عملية إعتاقه فألزم الشركاء الآخرين بقبول العتق مع حقهم في أخذ تعويض مالي من الشريك الذي أعتق نصيبه .. يقول ﵇: "من أعتق عبدًا بين اثنين فإن كان موسرًا قوم عليه ثم يعتق" (٣)
دفن إبراهيم ﵇ وانتهى الكسوف ومرت الأيام وجاء رمضان فكان:
رمضان العام العاشر مختلفًا
صام المسلمون شهر رمضان في أجواء نقية آمنة بسط الإِسلام فيها سيطرته على كل جزيرة العرب .. لكنه كان بالنسبة للنبي ﷺ مختلفًا فقد "كان النبي ﷺ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام فلما كان العام" (٤) العاشر الذي نحن فيه الآن "اعتكف عشرين يومًا" (٥) ليس ذلك فحسب
стр. 1268
بل كان جبريل ﵇ يراجع معه كل ما نزل من القرآن "كان يعرض على النبي ﷺ القرآن كل عام مرة فعرض عليه مرتين في العام الذي" (١) نحن فيه الآن ..
وانقضى رمضان وجاء العيد فاحتفى به المسلمون واحتفلوا وبعد أن احتفل المؤمنون بعيد الفطر ودخل أول أشهر الحج: شوال .. قرر النبي ﷺ القيام بأداء فريضة الحج.
قصة حجة النبي ﷺ
البداية كانت ترغيبًا
يقول أبو هريرة ﵁: "سئل النبي ﷺ أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله .. قيل: ثم ماذا؟ قال: جهاد في سبيل الله .. قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور" (٢)
ويقول ﵁: "سمعت النبي ﷺ يقول: من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" (٣)
ويقول أيضًا: "إن رسول الله ﷺ قال العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" (٤)
ثم دعوة للحج
يقول أبو هريرة ﵁: "خطبنا رسول الله ﷺ فقال أيها
стр. 1269
الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا .. فقال رسول الله ﷺ : لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم .. ثم قال: ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم .. فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم .. وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه" (١) لأن التشدد والتقعر ليس من الصفات التي تعود على صاحبها بخير .. وكانت تلك الدعوة أمنية حملتها عائشة ﵂ عندما قالت: "يا رسول الله .. ألا نغزو ونجاهد معكم؟ فقال: لكن أحسن الجهاد وأجمله الحج .. حج مبرور. فقالت عائشة: فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله ﷺ " (٢)
ونظرًا لخطورة الوضع الأمني على المرأة وتعرضها أكثر من الرجل للاستغلال الجسدي في الأسفار فقد "قال النبي ﷺ : لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم .. فقال رجل: يا رسول الله .. إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا وامرأتي تريد الحج فقال: اخرج معها" (٣) وكأن هذا الحديث يعطي لمن يسافر مع زوجته لأداء الحج أجرًا أكثر من أجره إذا سافر مع الجيش للجهاد .. هذه العناية بالمرأة لا تعني كما يتصور البسطاء فرض حصار على المرأه بقدر ما هو حمايتها في عالم يتسيد فيه الرجل من أقصاه إلى أقصاه ..
لم تكن عائشة وحدها في شوق إلى الحج .. هذه امرأة مؤمنة أرادت أن يحملها الحج إلى البر "امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: نعم حجي
стр. 1270
عنها .. أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء" (١)
وقد حدد النبي ﷺ لكل بلد من البلاد يبدؤون منه حجهم وسميت هذه الأماكن بـ
مواقيت الحج المكانية
فالحج لا يؤدى إلا في مواقيت زمانية هي: شهر شوال
وشهر ذي القعدة .. وشهر ذي الحجة.
أما المواقيت المكانية فهي أماكن محددة يبدأ الحاج والمعتمر منها أو قبل أن يصلها حجه وعمرته .. وهي تحيط بمكة من جميع الجهات وتمثل نقاط مرور على الطرقات المؤدية إليها .. فإذا وصلها الحاج أو المعتمر وجب عليه خلع ثياب معينة حددها النبي ﷺ :
ملابس لا تجوز في الإحرام
السنة أن تكون مكونة من قطعتي قماش: إزار ورداء يلف إحداهما حول وسطه لتغطي عورته وأسفل جسمه فتكون له إزارًا .. وأما القطعة الأخرى فيديرها تحت إبطه الأيمن مغطيًا بها كتفه الأيسر وتسمى رداءًا وطريقة لف الرداء تحت الإبط الأيمن وفوق الكتف الأيسر تسمى: (الاضطباع) .. وليس لها ألوان محددة لكن قال ﷺ : "البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم" (٢) .. أما الملابس التي يحرم لبسها على
стр. 1271
الرجال فهي التي أخبر عنها النبي ﷺ عندما "قام رجل فقال: يا رسول الله .. ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام؟ فقال النبي ﷺ : لا تلبسوا القميص ولا السراويلات ولا العمائم ولا البرانس (١) .. إلا أن يكون أحد ليست له نعلان فليلبس الخفين وليقطع أسفل من الكعبين ولا تلبسوا شيئًا مسه زعفران ولا الورس (٢) " (٣) أما "من لم يكن له إزار فليلبس السراويل ومن لم يكن له نعلان فليلبس خفين" (٤) أما النساء فليس لهن ملابس معينة لكن لا يجوز للمرأة لبس القفازين ولا النقاب إذا دخلت في الحج أو العمرة .. قال ﷺ : "لا تنقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين" (٥)
وبعد أن يرتدي الحاج أو المعتمر ملابس الإحرام ينوي البدء والدخول في العبادة التي سافر من أجلها سواء كانت حجًا أو عمرة. والسنة أن يكون ذلك في المواقيت المكانية المحددة .. فإذا دخل في الإحرام وجب عليه الامتناع عن عدة أشياء كانت مباحة له قبل أن يحرم تسمى
محظورات الإحرام
ومنها باختصار:
الصيد في البر لا في البحر .. لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ
إذًا لكل جهة ميقات لكن ماذا عن الحاج والمعتمر الذي يمر بميقات غير ميقات بلاده .. وماذا عن الحاج والمعتمر الذي تكون بلاده أقرب إلى مكة من الميقات .. يقول النبي ﷺ أن تلك المواقيت لمن مر عليهن كائنًا من كان:
"هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممّن أراد الحج والعمرة فمن كان دونهن فمن أهله .. وكذا فكذلك حتى أهل مكة يهلون منها" (١)
أي أن من كان بيته أقرب إلى مكة من اليقات يحرم من بيته حتى أن أهل مكة يحرمون من بيوتهم .. هذه بعض المعلومات التي تلقاها الصحابة قبل تحركهم إلى مكة .. وأثناء فترة الاستعداد للحج انتشر الخبر في أرجاء الجزيرة فعادت معظم تلك الوفود وقدمت إلى المدينة حشود عظيمة كلها رغبة في الحج والاقتداء بسنة النبي ﷺ .. جابر بن عبد الله ﵁ يتحدث عن تلك الأيام البهيجة فيقول:
"إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله ﷺ حاج فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله فخرجنا معه
انطلق ﵇ وأصحابه وقبل أن يصلوا الميقات وهو ذو الحليفة
توقف في واد يقال له وادي العقيق
حيث جاءه الوحي في ذلك الوادي وأمره بسنة يقول عنها عمر ﵁ "سمعت النبي ﷺ بوادي العقيق يقول: أتاني الليلة آت من
стр. 1274
ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك .. وقل: عمرة في حجة" (١) عمرة في حجة
ما معنى عمرة في حجة
قبل ذلك كان النبي ﷺ منطلقًا قاصدًا الحج فقط تقول "عائشة ﵂: إن رسول الله ﷺ أفرد الحج" (٢) أي نوى الحج فقط لكن جبريل أتاه في واد العقيق وأمره أن يقرن العمرة بالحج ويجعلهما معًا في سفرته هذه .. ومعني القران هو: أن يؤدي العمرة فإذا انتهى منها بقي على إحرامه حتى ينتهي الحج دون فاصل بينهما .. أما المفرد فهو الذي ذهب لأداء الحج فقط دون عمرة .. إذًا لا يوجد حتى الآن إلا طريقتان أو نسكان: القِران أو الإفراد .. لن نستبق الأحداث سنواصل السفر الذي يحمل المزيد والجديد .. في الطريق كان الصحابة لأول مرة يسمعون بعمرة في وقت الحج يقول جابر ﵁: "لسنا ننوي إلا الحج لسنا نعرف العمرة" (٣)
"حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبى بكر فأرسلت إلى رسول الله ﷺ : كيف أصنع؟ قال اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي .. فصلى رسول الله ﷺ في المسجد ثم ركب القصواء .. حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماش وعن يمينه مثل ذلك وعن يساره مثل ذلك ومن خلفه مثل ذلك ..
стр. 1275
ورسول الله ﷺ بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله وما عمل به من شيء عملنا به" (١)
متى غادروا المدينة والوصول إلى الميقات
وماذا فعل النبي ﷺ قبل مغادرته .. لقد لبد ﵇ شعره بالصمغ أو غيره حتى لا يتطاير ويدخله الغبار .. وقد قامت عائشة ﵂ بتطييبه حيث يقول: "كنت أطيب رسول الله ﷺ فيطوف على نسائه ثم يصبح محرمًا ينضخ طيبا" (٢) وأشياء يتحدث عنها ابن عباس فيقول: "انطلق النبي ﷺ من المدينة بعد ما ترجل وادهن ولبس إزاره ورداءه هو وأصحابه فلم ينه عن شيء من الأردية والأزر تلبس إلا المزعفرة التي تردع على الجلد فأصبح بذي الحليفة [صلى الظهر بذي الحليفة ثم دعا ببدنته أو أتى ببدنته فاشعر صفحة سنامها الأيمن ثم سالت الدم عنها وقلدها بنعلين ثم أتى راحلته فلما قعد عليها واستوت به على البيداء أهل بالحج] ركب راحلته حتى استوى على البيداء أهل هو وأصحابه (٣) وقلد بدنته (٤) وذلك لخمس بقين من ذي القعدة" (٥) أي قبل نهاية شهر ذي القعدة بخمسة أيام .. "فأهل بالتوحيد:
стр. 1276
لبيك اللَّهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك وأهل الناس بهذا الذي يهلون به [والناس يزيدون:
ذا المعارج ونحوه من الكلام والنبي ﷺ يسمع فلا يقول لهم شيئًا] فلم يرد رسول الله ﷺ عليهم شيئًا منه ولزم رسول الله ﷺ تلبيته قال جابر ﵁ لسنا ننوي إلا الحج لسنا نعرف العمرة" (١)
فعل النبي ﷺ كل ذلك ثم سار حتى بلغ مكانًا يبعد من المدينة ستًا وثلاثين ميلًا يقال له:
الروحاء حيث الذكريات والوعود والتشريع
أما الذكريات ففى ذلك الوادي زُفت أم المؤمنين صفية إلى النبي ﷺ بعد عودته من غزوة خيبر يقول أنس إن صفية: "اصطفاها رسول الله ﷺ لنفسه فخرج بها حتى بلغنا سد الروحاء حلت فبنى بها ثم صنع حيسًا في نطع صغير ثم قال رسول الله ﷺ آذن من حولك فكانت تلك وليمة رسول الله ﷺ على صفية" (٢) .. أما الوعود فيقول ﵇:
"والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجًا أو معتمرًا" (٣)
وأما التشريع
فيقول ابن عباس إن النبي ﷺ "لقي ركبًا بالروحاء فقال: مَنِ القومُ؟
стр. 1277
قالوا المسلمون فقالوا من أنت؟ قال رسول الله: فرفعت إليه امرأة صبيًا .. فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر" (١) لكن يلزم هذا الصبي أن يحج إذا بلغ لأنه غير مكلف .. فقد قال ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم .. وعن النائم حتى يستيقظ .. وعن المعتوه حتى يعقل" (٢) .. واصل ﵇ سفره وهو يلبي مضطبعًا وتلبيته هي: "لبيك اللَّهم لبيك .. لبيك لا شريك لك لبيك .. إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك" (٣).
لكن ماذا عن مستوى الصوت أثناء التلبية .. يقول ﷺ "أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أو من معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية أو بالإهلال يريد أحدهما" (٤)
هذا ما يقوله الحاج الذي في طريقه إلى مكة .. لكن ماذا عن:
الاشتراط
أي ماذا عن حاج تعرض لمشكلة ما وهو في طريقه للحج وهذه المشكلة أعاقته عن الوصول إلى مكة أو أعاقته أثناء أداء الحج فلم يتمكن
стр. 1278
من المواصلة .. في هذه الحالة عليه أن يذبح هديًا من الغنم أو البقر أو الإبل: لأن الله سبحانه يقول: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ لكن هنا يأتي الاشتراط مخرجًا من هذه الأزمة .. تقول عائشة ﵂:
"دخل رسول الله ﷺ على ضباعة بنت الزبير فقال لها: لعلك أردت الحج؟ قالت والله لا أجدني إلا وجعة فقال لها: حجي واشترطي .. قولي: اللَّهم محلي حيث حبستني" (١) أي أنها إذا تعرضت لمانع ما فإن إحرامها ينتهي مباشرة وتصبح في حل من إحرامها دون ذبح فدي إذا اشترطت بتلك الكلمات عند إحرامها ..
امتثلت ضباعة وانطلقت مع الحجيج ..
كان سيلًا بشريًا متدفقًا هادرًا كالرعد يغسل السماء والأرض من عفن الخرافة والوثنية .. رجل كان قبل عشر سنوات يفر مع رفيقه من مكة طريدًا شريدًا باحثًا عن مأوى .. واليوم يعود إلى مكة بالمهاجرين والأنصار وبالجزيرة العربية كلها .. مشهد يتمنى المرء لو تمتع به ولو للحظات .. كان بعض الصحابة قد أحضر معه هديًا من الإبل ليذبحه لله في الحج فتحرج من ركبوها واكتفى بالسير على قدميه فرآه النبي ﷺ .. "فقال: اركبها .. قال: إنها بدنة .. قال: اركبها .. قال: إنها بدنة .. قال: اركبها ويلك" (٢) وقال: "اركبها بالمعروف حتى تجد ظهرًا" (٣) .. ركب الصحابي دابته وجاء صحابي آخر يسأل عن:
стр. 1279
حكم الهدي إذا جرح أو أصيب
وذلك بعد تقليده وإشعاره .. الصحابي الذي قدم سؤاله هو ناجية الخزاعي وكان مسؤولًا عن شؤون الهدي الذي ساقه النبي ﷺ معه "ناجية الخزاعى صاحبُ بُدْنِ رسول الله ﷺ قال قلت يا رسول الله كيف أصنع بما عطب من البدن قال: انحرها ثم اغمس نعلها في دمها ثم خل بين الناس وبينها فيأكلوها" (١) لكن لا يأكلها هو أو رفاقه في الحج يقول "ابن عباس: إن ذؤيبًا أبا قبيصة حدثه أن رسول الله ﷺ كان يبعث معه بالبدن ثم يقول: إن عطب منها شيء فخشيت عليه موتًا فانحرها ثم اغمس نعلها في دمها ثم أضرب به صفحتها ولا تطعمها أنت ولا أحد من أهل رفقتك" (٢)
اقترب السيل البشري من مكة وكان:
تاريخ الوصول إلى مكة
بالتحديد هو ما ذكره ابن عباس أن النبي ﷺ : "قدم مكة لأربع ليال خلون من ذي الحجة" (٣) أي في اليوم الرابع من شهر ذي الحجة .. فيكون قد بقي على يوم عرفة خمسة أيام
وهنا نزل حكم جديد فيه رحمة بهذه المجموع الغفيرة .. تقول عائشة ﵂ "فلما دنونا من مكة أمر رسول الله ﷺ من لم يكن معه
стр. 1280
هدي إذا طاف وسعى بين الصفا والمروة أن يحل" (١) أي إذا انتهى من العمرة يخلع لباس الإحرام ..
وهنا نزل الوحي بنسك ثالث من أنساك الحج هو:
التمتع
أي أن من لم يحضر معه هديًا من البقر أو الغنم أو الإبل فله أن يكمل عمرته ثم يتحلل أي يتمتع بكل ما كان نهي عن فعله من الأشياء الجائزة قبل أن يحرم .. كالطيب ولبس القميص وغيرها ويخلع لباس إحرامه حتى يأتي اليوم الثامن من ذي الحجة وهو الذي سماه النبي ﷺ (يوم التروية) .. وقد أثار هذا الأمر تساؤل بعض الصحابة لعدم فعل النبي له .. يقول جابر ﵁: إن "النبي ﷺ يوم ساق البدن معه وقد أهلوا بالحج مفردًا فقال لهم؛ أحلوا من إحرامكم بطواف البيت وبين الصفا والمروة وقصروا ثم أقيموا حلالًا حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا التي قدمتم بها متعة .. فقالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟ فقال: افعلوا ما أمرتكم فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم .. ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله .. ففعلوا" (٢) أي حتى أذبح الهدي ..
ولعل في إدخال العمرة في أشهر الحج ضربة موجعة لبقايا الشرك الذي تسلل إلى الحج قبل الإِسلام حيث كان العرب قبل الإِسلام "يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض" (٣) هذا عن الرجال فـ
стр. 1281
ماذا عن النساء في دورتهن
ماذا عن عائشة وبقية النساء اللواتي تمر بهن دورتهن الشهرية (الحيض) .. هل هناك داع للخوف من ذوات الحج والعمرة عليهن .. تقول ﵂: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع فأهللنا بعمرة .. ثم قال رسول الله ﷺ : من كان معه هدي فليهلل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا .. فقدمت معه مكة وأنا حائض ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة .. فشكوت إلى رسول الله ﷺ فقال: انقضي رأسك وامتشطى وأهلي بالحج ودعي العمرة ففعلت" (١)
اتضحت الصورة تمامًا ونحن على أبواب مكة حيث بات النبي ﷺ وتوقف عن التلبية وبات في مكان يسمى بـ: ذي طوى ودخلها صبحًا لكنه قام بـ:
الاغتسال قبل دخول مكة
حيث "كان ابن عمر ﵄ إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية ثم يبيت بذي طوى ثم يصلي به الصبح ويغتسل ويحدث أن نبي الله ﷺ كان يفعله" (٢)
من أي مكان دخل مكة وفي أي وقت
يقول "ابن عمر ﵄: إن رسول الله ﷺ دخل مكة من كداء من الثنية العليا التي بالبطحاء ويخرج من الثنية السفلى" (٣) وهو ما
стр. 1282
تؤكده عائشة ﵂ بقولها: "إن النبي ﷺ لما جاء إلى مكة دخلها من أعلاها وخرج من أسفلها" (١)
توجه ﵇ نحو بيت الله الحرام .. فـ
ما هو أول شيء فعله
كان "أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ" (٢) أي أنه "توضأ ثم طاف" (٣) لأن "الطواف صلاة" (٤) ولذلك لم يحل لعائشة أن تطوف لأنها حائضى .. تقول ﵂ "دخل علي النبي ﷺ وأنا أبكي فقال ما يبكيك قلت لوددت والله أني لم أحج العام قال لعلك نفست قلت نعم قال فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم فافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري" (٥) أي أنها تمارس كل مناسك الحج إلا الطواف حول الكعبة ..
ثم توجه ﷺ نحو الكعبة وبالتحديد نحو الحجر الأسود .. حيث يقول جابر ﵁ متحدثًا عن:
стр. 1283
الطواف
" إن رسول الله ﷺ لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه ثم مشى على يمينه فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا" (١) أي جعل الكعبة والحجر عن يساره .. وكان في طوافه لا يستلم من الكعبة إلا الحجر الأسود والركن اليماني .. وكان يطوف حول الكعبة سبعة أشواط يرمل في أول ثلاثة أشواط أي يسير سيرًا بين الركض والمشي .. ثم يمشي مشيًا عاديًا في بقية .. يقول ابن عمر ﵄: " إن رسول الله ﷺ كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني" (٢)
والاستلام يكون باليد .. كما أن النبي ﷺ قام بتقبيل الحجر الأسود فقط لكنه لم يقبل الركن اليماني .. ولذلك توجه عمر نحو الحجر الأسود ممتلئًا بالتوحيد والإخلاص لله وخاطبه بلغة المتبع للوحى لا المبتدع .. بلغه حفظها لنا الصحابي عبد الله بن سرجس ﵁ فقال "رأيت الأصلع يعني عمر بن الخطاب يقبل الحجر ويقول: والله إني لأقبلك وإني أعلم أنك حجر وأنك لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ قبلك ما قبلتك" (٣)
أما ابنه عبد الله فكان "يستلم الحجر بيده .. ثم قبل يده وقال: ما تركته منذ رأتيت رسول الله ﷺ يفعله" (٤) إذًا فلدينا حتى الآن ثلاث سنن حول الحجر الأسود: الاستلام باليد فقط .. والاستلام باليد ثم تقبيل اليد .. وتقبيل الحجر مباشرة
стр. 1284
هذا هو الطواف .. لكن:
هل هناك أدعية مخصوصة أثناء الطواف
الطواف بحد ذاته عبادة والعبادة في الإِسلام لا بد أن تكون وحيًا نقيًا فقط وإلا فقدت كوفا عبادة لأنها لا تستند إلى دليل .. والصحابة لم ينقلوا لنا عن النبي ﷺ حديثا صحيحًا يجعل للطواف أذكارًا خاصة به .. لذلك فالأمر متسع لكل الأذكار من قراءة القرآن إلى الدعاء إلى التسبيح والتهليل بل وحتى الصمت .. أما الكلام في الطواف فجائز إذا كان قليلًا لقوله ﵇:
"إنما الطواف صلاة فإذا طفتم فأقلوا الكلام" (١)
طاف النبي ﷺ سبعة أشواط فماذا فعل:
بعد الطواف
بعد أن انتهى توجه ﵇ مباشرة نحو مكان يقع أمام باب الكعبة والحجر بمسافة قصيرة يسمى: مقام إبراهيم .. وصلى خلفه ركعتين. يقول جابر ﵁:
"ثم نفذ إلى مقام إبراهيم ﵇ فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فجعل المقام بينه وبن البيت" (٢) و"كان يقرأ في الركعتين قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج" (٣) نحو جبل الصفا .. وبذلك انتهى من الطواف تمامًا ليبدأ في
стр. 1285
السعي بين الصفا والمروة
أي المشى بين جبلي الصفا والمروة.
يقول جابر ﵁: "ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا فرقي عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره وقال:
لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير .. لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده .. ثم دعا بين ذلك.
قال مثل هذا ثلاث مرات
ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى" (١) أي ركض عندما نزل بطن الوادي .. وقد رأته إحدى الصحابيات فقالت: "أبصرت النبي ﷺ وهو يسعى بين الصفا والمروة يقول لا يقطع الأبطح إلا شدًا" (٢) وقد أشير لبطن الوادي بعلامتين بعد ذلك .. وقد سعى النبي ﷺ سبعة أشواط .. مقدار كل شوط هو مقدار ما بين الجبلين .. من الصفا والمروة شوط .. ومن المروة إلى الصفا شوط .. وبذلك تكون نهاية الشرط السابع والآخير عند المروة وتنتهي العمرة بعد إكمال الشوط السابع .. ولما أكمل النبي ﷺ وصحابته شوط السعي السابع ذكرهم بما قاله من قبل .. وهو أن من لم يحضر معه غنمًا أو إبلًا أو بقرًا فعليه أن يقصر شعره ويخلع
стр. 1286
لباس إحرامه ويتمتع بكل المباحات حتى يأتي اليوم الثامن .. نحن الآن في اليوم الرابع وقد "كان آخر طوافه على المروة فقال لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله .. ألعامنا هذا أم لأبد؟ فشبك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى وقال: دخلت العمرة في الحج مرتين .. لا بل لأبد أبد" (١) قال جابر: "لم يكن بيننا وبن عرفة إلا خمس" (٢) "فقام النبي- ﷺ فينا فقال: قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم ولولا هديي لحللت كما تحلون ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي فحلوا فحللنا وسمعنا وأطعنا" (٣) فأحلوا وخلعوا ثياب إحرامهم وتطيبوا وفعلوا ما كان محظورًا عليهم أثناء الإحرام. نفذ الصحابة ما طلب منهم فأحل من لم يُحْضِر الهدي وبقي النبي ﷺ على إحرامه هو والصحابة الذين ساقوا الهدي معهم ثم توجه ﷺ لـ:
السكن في الحجون
مكان في أعلى مكة وهو ذلك المكان الذي خاطب فيه النبي ﷺ الجن قبل الهجرة إذًا فهو قد "نزل بأعلى مكة عند الحجون وهو مهل بالحج ولم يقرب الكعبة بعد طوافه" (٤) وكانت "فاطمة ﵂ ممّن حل ولبست ثيابًا صبيغًا واكتحلت" (٥) وقد استغربت أم المؤمنين حفصة رضي
стр. 1287
الله عنها تصرف النبي ﷺ وتصرفات بعض صحابته يقول أخوها "ابن عمر عن حفصة ﵃ زوج النبي ﷺ إنها قالت: يا رسول الله .. ما شأن الناس حلوا بعمرة ولم تحلل أنت من عمرتك؟ قال: إني لبدت رأسي وقلدت هديى فلا أحل حتى أنحر" (١) أي حتى يذبح الهدي الذي أحضره معه ..
أثناء ذلك وبينما كان النبي ﷺ في الحجون شاهد الصحابة:
علي بن أبي طالب وأبا موسى يصلان من اليمن
حيث كانا قد علما بتحركه ﵇ لأداء الحج فلحقا به .. وكان لكل واحد منهما حالة تختلف عن الآخر فقد "قدم علي من اليمن ببدن النبي ﷺ فوجد فاطمة ﵂ ممّن حل ولبست ثيابًا صبيغًا واكتحلت فأنكر ذلك عليها .. فقالت: إن أبي أمرني هذا .. قال: فكان علي يقول بالعراق فذهبت إلى رسول الله ﷺ محرشًا (٢) على فاطمة للذي صنعت مستفتيًا لرسول الله ﷺ فيما ذكرت عنه .. فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها .. فقال: صدقت صدقت .. ماذا قلت حين فرضت الحج؟ قال: قلت: اللَّهم إني أهلّ بما أهلّ به رسولك، قال: فإن معي الهدي فلا تحل قال فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به النبي ﷺ مائة .. فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي" (٣) يقول جابر ﵁: "لم يكن مع أحد منا هدي غير النبي ﷺ وطلحة وجاء علي من اليمن معه الهدي فقال أهللت بما أهل به رسول الله ﷺ " (٤)
стр. 1288
أما أبو موسى فيقول ﵁: "كان رسول الله ﷺ بعثنى إلى اليمن فوافقته في العام الذي حج فيه فقال لي رسول الله ﷺ : يا أبا موسى كيف قلت حين أحرمت؟ قلت: لبيك إهلالًا كإهلال النبي ﷺ .. فقال: هل سقت هديًا؟ فقلت: لا .. قال: فانطلق فطف بالبيت وبين الصفا والمروة ثم أحل" (١) "ففعلت حتي مشطت لي امرأة من نساء بني قيس" (٢)
وبذلك بقي علي بن أبي طالب في إحرامه لأنه ساق الحيوانات (الهدي) معه .. وخلع أبو موسى إحرامه بعد العمرة لأنه لم يحضر معه هديًا .. أي أن عليًا كان قارنًا .. أما أبو موسى فأصبح متمتعًا مثل جابر الذي يقول: "خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج معنا النساء والولدان فلما قدمنا مكة طفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقال لنا رسول الله ﷺ : من لم يكن معه هدي فليحلل قلنا: أي الحل؟ قال: الحل كله. قال: فأتينا النساء ولبسنا الثياب ومسسنا الطيب" (٣)
واستمر الوضع على هذه الحال حتى:
جاء اليوم الثامن من ذي الحجة
وهو المسمى بـ (يوم التروية) وهو بداية أيام الحج .. يقول جابر: إنه لما "كان يوم التروية أهلوا بالحج" (٤) حيث غادر النبي ﷺ الحجون متجهًا بالجموع نحو (منى) لقضاء يوم التروية كاملًا فيها يقول جابر ﵁: "فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وركب رسول
стр. 1289
الله ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر" (١) .. كان يومًا جميلًا حافلًا بذكر الله .. لكنه كان يومًا حزينًا بالنسبة لعائشة التي يتحدث جابر بن عبد الله عن بكائها ذلك اليوم فيقول:
"أهللنا يوم التروية ثم دخل رسول الله ﷺ على عائشة ﵂ فوجدها تبكي .. فقال ما شأنك؟
قالت: شأني أني قد حضت وقد حل الناس ولم أحلل ولم أطف بالبيت والناس يذهبون إلى الحج الآن .. فقال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاغتسلي ثم أهلي بالحج ففعلت" (٢) كما فعل الحجاج ودخلت معهم الحج يوم التروية حيث يسن أن يقضي الحجاج ذلك اليوم في منى .. وليس هناك أذكار مخصوصة أو أفعال مخصوصة في ذلك اليوم سوى التزود بالطاعات ومحاولة ضبط النفس عن الانفعال في تلك الأيام التي يشتد فيها الزحام وأحيانًا العطش والتعب .. فالحج جهاد ومجاهدة للانفعالات وردود الأفعال البشرية غير المحمودة.
وجاء اليوم التاسع (يوم عرفة)
فبعد أن صلى النبي ﷺ وأصحابه فجر ذلك اليوم في منى أمر بعض صحابته ببناء خيمة صغيرة في مكان في عرفة يسمى نمرة ثم تحرك هو وأصحابه نحو عرفة وكان الصحابة بين:
التكبير والتلبية يوم عرفة
فقد سأل رجل أنس بن مالك: عن الذكر في الطريق "من منى إلى
стр. 1290
عرفة كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله ﷺ فقال: كان يهل منا المهل فلا ينكر عليه ويكبر منا المكبر فلا ينكر عليه" وتوقف عند تلك الخيمة وبقي تحتها حتى مالت الشمس من فوق الرؤوس نحو الغروب وهو وقت الظهر أو ما يسمى بالزوال .. يقول جابر ﵁: "إن النبي ﷺ صلى الفجر ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها" (١) حيث خطب الناس هناك .. وكانت
الخطبة يوم عرفة
قصيرة ومختصرة رغم أن الخطيب كان أبلغ الناس وأكثرهم تأثيرًا وهو الذي لا ينطق عن الهوى .. ورغم أن الناس لن يملوا من حديثه .. إلا أنه سن سنته بقصر الخطبة يقول جابر "حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال: إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا.
ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وإن أول دم أضع من دمائنا دم بن ربيعة بن الحارث كان مسترضعًا في بين سعد فقتلته هذيل.
وربا الجاهلية موضوع وأول ربًا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله.
стр. 1291
فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله .. ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح .. ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف.
وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله وأنتم تسألون عني (١) فما أنتم قائلون؟
قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس.
اللَّهم اشهد اللَّهم اشهد ثلاث مرات" (٢)
صلاة الظهر والعصر في عرفة
يقول جابر "ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئًا" (٣)
الوقوف عن جبل عرفة
يقول جابر "ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص" (٤) .. وقبل أن نغادر عرفة نود أن نعرف:
стр. 1292
أي الأماكن من عرفة يجوز الوقوف بها
يقول ﵇: "وقفت ها هنا وعرفة كلها موقف" (١) أما عن:
فضل يوم عرفة
فتقول عائشة: "إن رسول الله ﷺ قال: ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة .. وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟ " (٢) .. وقد قدم أناس من أهل نجد يوم عرفة متوجهين بسؤال عن الحج .. ذلك السؤال الذي حملت إجابته:
أهمية الوقوف بعرفة بالنسبة للحجاج
يقول الصحابي: عبد الرحمن بن يعمر الديلي ﵁: "قال رأيت رسول الله ﷺ واقفًا بعرفات فأقبل أناس من أهل نجد فسألوه عن الحج فقال الحج يوم عرفة من أدرك قبل صلاة الصبح فقد أدرك الحج" (٣) أي أن من لم يقف بعرفة قبل طلوع الفجر من هذه الليلة فقد فاته الحج .. ومن وقف بعرفة ولو ساعة من نهار أو ليل فقد أدرك الحج ..
وبعد أن غابت الشمس ركب ﵇ ناقته لـ:
مغادرة عرفة نحو مزدلفة
ولمزدلفة اسم آخر هو: (جمع) يقول جابر ﵁ "وأردف
стр. 1293
أسامة خلفه ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى:
أيها الناس السكينة .. السكينة
كلما أتى جبلًا من الجبال أرخى لها قليلًا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة" (١) ولما سئل أسامة بن زيد ﵁ عن طريقة سير النبي ﷺ نحو مزدلفة: "كيف كان رسول الله ﷺ يسير في حجة الوداع حين دفع قال كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص" (٢) أي كان يسير ببطء في المكان الضيق حتى لا يتضايق من وراءه من الزحام فإذا وجد طريقًا فسيحًا أنطلق ..
ويقول: "ابن عباس ﵄ أنه دفع مع النبي ﷺ يوم عرفة فسمع النبي ﷺ وراءه زجرًا شديدًا وضربًا وصوتًا للإبل فأشار بسوطه إليهم وقال: أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالإيضاع" (٣) أي ليس البر أن ترغموا الرواحل على السرعة .. واستمر الحال على ذلك حتى توقف النبي ﷺ في الطريق .. وعن ذلك التوقف يقول رديف النبي ﷺ أسامة بن زيد ﵁: "دفع رسول الله ﷺ -من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء فقلت: الصلاة يا رسول الله .. فقال: الصلاة أمامك فركب فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت العشاء فصلى ولم يصل بينهما" (٤)
стр. 1294
في تلك الأثناء وصل رجل من جبل طي أنهكه التعب وأنهك راحلته .. حيث كان يقوم بعمل غريب ومرهق جدًا رغبة في إدراك الحج .. كان لا يمر بجبل من جبال مكة إلا وقف عليه حتى انتهى إلى النبي ﷺ وهو في مزدلفة .. عندها طرح أسئلته التي بينت:
أهمية الوقوف بمزدلفة
كان اسم ذلك الصحابي: "عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام الطائيّ قال أتيت رسول الله ﷺ بالمزدلفة فقلت: يا رسول الله جئت من جبلي طيء والله ما جئت حتى أتعبت نفسي وأنضيت راحلتي وما تركت جبلًا إلا وقفت عليه .. فقال رسول الله ﷺ : من شهد معنا هذه الصلاة وقد كان وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه" (١) إذًا فالنبي ﵇ "وقف بالمزدلفة وقال: وقفت ها هنا والمزدلفة كلها موقف" (٢)
ثم نادى النبي ﷺ ابن عباس ومن معه من الصغار والنساء الضعفة وأمرهم أن يتوجهوا من الليل نحو منى ليرموا الجمرات وذلك لشدة الزحام المتوقعة غدًا .. ولكنه نبههم إلى عدم رمى الجمرات قبل طلوع الشمس .. يقول ابن عباس ﵄: "أنا ممّن قدم رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة في ضعفة أهله" (٣)
стр. 1295
وقال ابن عباس: "كان رسول الله ﷺ يقدم ضعفاء أهله بغلس ويأمرهم يعني لا يرمون الجمرة حتى تطلع الشمس" (١)
في تلك الليلة لم يقم النبي ﷺ ولم يتهجد حيث "اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة" (٢) ثم نهض قبل أن يسفر الجو لـ:
التوجه نعو المشعر الحرام
والمشعر الحرام عبارة عن جبل في منطقة مزدلفة
يقول جابر ﵁: "ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًا" (٣) وعن موقفه في مزدلفة يقول ﵇: "وقفت ها هنا وجمع كلها موقف" (٤) وبعد أن أسفر الجو توجه عائدًا:
إلى منى لرمي جمرة العقبة
يقول جابر ﵁: "فدفع قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل ابن عباس وكان رجلًا حسن الشعر أبيض وسيمًا فلما دفع رسول
стр. 1296
الله ﷺ مرت به ظعن يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر فحول رسول الله ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل يصرف وجهه من الشق الآخر ينظر حتى" (١)
مر بطريقه بوادى محسر
وهو الوادي الذي أهلك الله فيه أصحاب الفيل ولذلك أسرع بالسير حتى تجاوز الوادي وهو مستمر في التلبية .. يقول جابر ﵁:
"أتى بطن محسر فحرك قليلًا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى" (٢) وصل إلى منى عندها توقف لالتقاط الحصى .. لكن ما هو حجم الحصى وهل يزيد الأجر كما كبر حجم الحصاة
الإجابة بالعكس .. يرويها لنا ابن عباس الذي أوصاه النبي ﷺ بالتقاط الحصى وحدد له:
حجم الحصى
قال ابن عباس: "قال رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو واقف على راحلته:
هات القط لي فلقطت له حصيات وهي حصا الخذف (٣) فلما وضعتهن في يده قال: نعم بأمثال هؤلاء فارموا .. بأمثال هؤلاء فارموا ..
стр. 1297
بأمثال هؤلاء فارموا .. وإياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" (١)
ومن الغلو في الدين الرمي بأحجار كبيرة أو بالأحذية أو أي شيء غير حصى الخذف الصغير ..
أخبر النبي ﷺ أصحابه بسنته ثم "أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها حصى الخذف رمى من بطن الوادي" (٢) كان ﵇ يكبر فقط يعني يقول: الله أكبر لا يزيد ولا ينقص عليها شيء .. وهذا معناه أنه:
توقف عن التلبية عند الرمي
كما يقول رديفه الفضل بن عباس ﵄: "إن النبي ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة" (٣) وهذا معناه أنه ترك التلبية عند بدء الرمي مباشرة لأنه انشغل بالتكبير أثناء الرمي ..
"فرمى الجمرة بسبع حصيات وجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه" (٤) وقد كان ﵇ يرمي جمرة العقبة راكبًا ويقدم لأمته صورة من صور التلاحم والتواضع والسكينة وضبط النفس في شدة الزحام التي
стр. 1298
تحتاج إلى هذا المستوى الرفيع من التعامل والأخلاق والقيادة .. الصحابة يروون:
عظمة هذا النبي يوم الرمي
يقول أحد الصحابة ﵁ "رأيت رسول الله ﷺ يوم النحر على ناقته صهباء لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك" (١) أي أن الناس لا يُضربون ولا يُدفعون أثناء مروره بل لا يقال لهم أفسحوا الطريق أو ابتعدوا كي يمر .. كان جزءًا من أمته يسبح في مشاعرها وتسبح في مشاعره .. يمتع ناظريه بهم ويمتعون أنظارهم به ..
صحابية أخرى تدعى: أم الحصين "تقول حججت مع رسول الله ﷺ حجة الوداع فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته ومعه بلال وأسامة أحدهما يقول به راحلته والآخر رافع ثوبه على رأس رسول الله ﷺ من الشمس .. فقال رسول الله ﷺ قولًا كثيرًا ثم سمعته يقول: إن أمر عليكم عبد مجدع أسود يقودكم بكتاب الله تعالى فاسمعوا له وأطيعوا" (٢)
ويقول جابر ﵁: "رأيت النبي ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر ويقول لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه" (٣)
ثم تحرك ﵇ متوجهًا
стр. 1299
نحو المذبح
لينحر هديه بيده ولذلك سمي هذا اليوم بـ (يوم النحر) ولما وصل ﵇ قام بذبح ثلاث وستين منها بيده ثم ترك لعلي ﵁ الباقي ليذبحه .. يقول جابر ﵁: "ثم انصرف إلى النحر فنحر ثلاثًا وستين بيده" (١) ثم بين لهم:
سنته في نحر الإبل
يقول ابن عمر ﵁ عن هدي النبي ﷺ في نحر هديه من الإبل: "كان هو ينحر هديه بيده يصفهن قيامًا ويوجههن إلى القبلة ثم يأكل ويطعم" (٢) ولذلك لما شاهد ابن عمر رجلًا ينحر إبله وقد أناخها على الأرض قال له: "ابعثها قيامًا مقيدة سنة محمَّد ﷺ " (٣) أما:
سنته في ذبح الغنم
فقد بينها ﵇ قبل ذلك في المدينة يقول أنس ﵁ "ضحى النبي ﷺ بكبشين أملحين فرأيته واضعًا قدمه على صفاحهما يسمي ويكبر فذبحهما بيده" (٤) أي وضع قدمه على جنبها و"يقول باسم الله والله أكبر" (٥)
стр. 1300
وقال رجل لـ "ابن عباس ﵄:
قوله ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ قال: إذا أردت أن تنحر البدنة فأقمها ثم قل: الله أكبر الله أكبر منك ولك .. ثم سم .. ثم انحرها .. قلت: وأقول ذلك في الأضحية؟ قال: والأضحية" (١) "ثم أمر ﷺ من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها" (٢) ثم بين لأصحابه:
السماحة في مكان الذبح
فقال: "نحرت ها هنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم" (٣) أي اذبحوا في أماكن إقامتكم في منى دون التكلف للذهاب إلى المذبح.
أما عن الاشتراك في البقر أو الإبل فيقول جابر ﵁: "خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج فأمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة" (٤) "فنحرنا البعير عن سبعة والبقرة عن سبعة" (٥)، ثم أرشدهم ﷺ إلى
التيسير في أمر لحوم الهدي
فبعد أن كانوا لا يأكلون لحوم الهدي إلا خلال ثلاثة أيام هى أيام منى سمح لهم بالأكل .. بل بالتزود من ذلك اللحم وأخذه معهم إلى