يا لعام الحزن هذا .. أبو طالب غاب وخديجة .. ماذا سيحل برسول الله ﷺ .. وماذا ستفعل قريش المتوثبة؟ تقول عائشة ﵂:
(ما زالت قريش كاعة (١) حتى توفي أبو طالب) (٢).
فلما توفي .. هجمت وسلت وازداد توحشها .. فهرب منها ﷺ عله يجد من يؤويه .. ينصره، لكن إلى أين؟
إلى الطائف
يشق الأودية والجبال .. على قدميه الدامتين المتعبتين .. بلا راحلة .. فقيرٌ لا يملك ثمنها .. يحمله حزنه يصعد جبال الطائف يفتش عن أمل .. يبحث عن معين .. يبحث عن يد حانية .. تحمل هذا الدين برفق .. تقدمه للتائهين .. للجائعين للمعدمين وحتى للمترفين .. يبحث عن بقية خير في قلوب خارج مكة .. عن أقوام تتمرد على هذه الأصنام والعادات والشرع الشركي الملوث. يقول عبد الله بن جعفر:
(لما توفي أبو طالب خرج النبي ﷺ إلى الطائف ماشيًا على قدميه يدعوهم إلى الإِسلام) (٣).
стр. 177
و (لما انتهى رسول الله ﷺ إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف، هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، وهم أخوة ثلاثة:
عبد ياليل بن عمرو بن عمير. ومسعود بن عمرو بن عمير. وحبيب ابن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف.
وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح، فجلس إليهم رسول الله ﷺ ، فدعاهم إلى الله، وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإِسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه، فقال أحدهم:
هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسل. وقال الآخر:
أما وجد الله أحدًا يرسله غيرك. وقال الثالث:
والله لا أكلمك أبدًا، لئن كنت رسولًا من الله كما تقول لأنت أعظم خطرًا من أن أرد عليك كلام، ولئن كنت تكذب على الله، ما ينبغي لي أن أكلمك. فقام رسول الله ﷺ من عندهم وهو يئس من خير ثقيف) (١).
قام ولهيب الحزن في كبده .. قام وحاله تتفطر لها القلوب .. جوع وعطش وسير بالليل والنهار .. وأحزان تثيرها جدران مكة وطرقاتها .. تذكره بخديجة وأبي طالب .. ودعوة مطاردة .. وأتباع تتخطفهم أيدي الطغاة .. قام ﷺ فالتفت إلى هؤلاء القساة لعل بقية من الإنسانية لا تزال عالقة في قلوبهم .. يرجوهم كتمان أمره حتى لا تشمت به قريش .. وتحمله من الضيم ما لا يطيق. قال لهم:
(إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني -كره رسول الله ﷺ أن يبلغ قومه
стр. 178
عنه فيذئرهم (١) ذلك عليه- فلم يفعلوا، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس وألجأوه إلى حائط لعتبه بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد إلى ظل حبلة (٢) من عنب، فجلس فيه -وابنا ربيعة ينظران إليه ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف- وقد لقي رسول الله ﷺ المرأة التي من بني جمح. فقال لها: ماذا لقينا من أحمائك؟
فلما اطمأن رسول الله ﷺ قال:
"اللَّهم أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي. إلى من تكلني: إلى بعيد يتهجمني. أم إلى عدو ملكته أمري. إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك".
فلما رآه ابنا ربيعة: عتبة وشيبة، وما لقي، تحركت له رحمهما، فدعوا غلامًا لهما نصرانيًا يقال له عداس. فقالا:
خذ قطفًا من هذا العنب، فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه، ففعل عداس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله ﷺ . ثم قال له:
كل. فلما وضع رسول ﷺ فيه يده قال: "بسم الله" ثم أكل. فنظر عداس في وجهه، ثم قال:
стр. 179
والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال رسول الله ﷺ :
ومن أهل أي البلاد أنت يا عداس، وما دينك؟ قال عداس:
نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى (١). فقال رسول الله ﷺ :
من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ فقال له عداس:
وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال رسول الله ﷺ :
ذاك أخي، كان نبيًا وأنا نبي، فأكب عداس على رسول الله ﷺ يقبل رأسه ويديه وقدميه. فيقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه:
أما غلامك فقد أفسده عليك، فلما جاءهما عداس، قالا له:
ويلك يا عداس، ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟
وقال عداس:
يا سيدي ما في الأرض شيء خير من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي. قالا له:
ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك، فإن دينك خير من دينه.
ثم إن رسول الله ﷺ انصرف من الطائف راجعًا إلى مكة حين يئس من خير ثقيف) (٢).
стр. 180
ويروي هذه القصة عروة بن الزبير فيقول:
(لما أفسد الله صحيفة مكرهم، خرج رسول الله ﷺ وأصحابه، فعاشوا، وخالطوا الناس، ورسول الله ﷺ في تلك السنين يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم، ويكلم كل شريف، لا يسألهم مع ذلك إلا أن يؤوه ويمنعوه، ويقول:
لا أُكْرِهُ منكم أحدًا على شيء من رضي الذي أدعوه إليه قبله، ومن كرهه لم أُكْرِهْهُ، إنما أريد أن تحوزوني مما يراد بي من القتل، فتحوزوني حتى أبلغ رسالات ربي، ويقضي الله لي ولمن صحبني بما شاء. فلم يقبله أحد منهم، ولا أتى على أحد من تلك القبائل إلا قالوا: قوم الرجل أعلم به. أَفَترى رجل يصلحنا وقد أفسد قومه؟! -ذلك لما ادخر الله للأنصار من البركة- ومات أبو طالب، وازداد من البلاء على رسول الله ﷺ شدة، فعمد إلى ثقيف، يرجو أن يؤوه وينصروه، فوجد ثلاثة منهم، سادة ثقيف وهم أخوة:
عبد ياليل بن عمرو، وحبيب بن عمرو، ومسعود بن عمرو.
فعرض عليهم نفسه، وشكا إليهم البلاء، وما انتهك قومه منه. فقال أحدهم: أنا أسرق ثياب الكعبة إن كان الله بعثك بشيء قط، وقال الآخر: والله لا أكلمك بعد مجلسك هذا كلمة واحدة أبدًا، لئن كنت رسولًا لأنت أعظم شرفًا وحقًا من أن أكلمك. وقال الآخر:
стр. 181
أعجز الله أن يرسل غيرك؟!
وأفشوا ذلك في مكة -أي الذين قال لهم- واجتمعوا يستهزئون برسول الله ﷺ ، وقعدوا له صفين على طريقه، فأخذوا بأيديهم الحجارة، فجعل لا يرفع رجله ولا يضعها إلا رضخوها بالحجارة، وهم في ذلك يستهزئون، ويسخرون، فلما خلص من صفيهم وقدماه تسيلان بالدماء عمد إلى حائط من كرومهم، فأتى ظل حبلة من الكرم، فجلس في أصلها مكروبًا موجعًا، تسيل قدماه الدماء، فإذا في الكرم عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، فلما أبصرهما كره أن يأتيهما -لما يعلم من عداوتهما لله ولرسوله- وبه الذي به، فأرسلا إليه غلامهما "عداس" بعنب -هو نصراني من أهل نينوى- فلما أتاه وضع العنب بين يديه، فقال رسول الله ﷺ "بسم الله" فعجب عداس، فقال له رسول الله ﷺ .
من أي أرض أنت يا عداس؟ قال عداس:
أنا من أهل نينوى، فقال النبي ﷺ :
من أهل مدينة الرجل الصالح يونس بن متى. فقال له عداس:
وما يدريك من يونس بن متى؟ فأخبره رسول الله ﷺ من شأن يونس ما عرف، وكان رسول الله ﷺ لا يحقر أحدًا يبلغه رسالات الله تعالى. قال عداس: يا رسول الله أخبرني خبر يونس بن متى. فلما أخبره رسول الله ﷺ من شأن يونس بن متى ما أوحي إليه من شأنه، خر ساجدًا للرسول ﷺ ، ثم جعل يقبل قدميه وهما يسيلان الدماء. فلما أبصر عتبة وأخوه شيبة ما فعل غلامهما سكتا. فلما أتاهما قالا له: ما شأنك سجدت لمحمد، وقبلت قدميه، ولم نرك فعلت هذا بأحد منا؟ قال: هذا رجل صالح، حدثني عن أشياء عرفتها من شأن رسول بعثه الله تعالى إلينا،
стр. 182
يدعى: يونس بن متى، فأخبرني أنه رسول الله. فضحكا به وقالا:
لا يفتنك عن نصرانيتك، إنه رجل يخدع. ثم رجع رسول الله ﷺ إلى مكة) (١).
ترى كيف ستحمل هذا المكروب المسكين أقدامه وهي لا تزال تنزف حزنًا ودمًا .. كيف سيعود ولا أبا طالب بعد اليوم .. من يضمد جرحه وخديجة تحت الثرى .. من يا ترى يكف أفواه قريش عن الشماتة .. كانت أيامًا لكن همومها أحالتها سنوات .. سألت عائشة ﵂ رسول الله ﷺ عن أشد يوم مر به؟ فأشار إلى أيام الطائف وقال: (لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن كلال. فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهى، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب) (٢).
إنه الهم الذي حمله ومشى به، حتى حنت عليه السحاب .. وأشفقت لمنظره الحجارة وأغصان الشجر .. واستعدت الرواسي الشم للانتقام له:
الجبال تنتقم
يقول ﷺ مواصلًا حديثه: (فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل ﵇. فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، فسلم علي، ثم قال:
стр. 183
يا محمَّد، ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين (١) فقال النبي ﷺ : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا) (٢).
صلى الله عليك يا نهر الحنان .. في اليمين جبل .. وفي الشمال جبل .. لو كنت ممّن ينتقم لنفسه .. لكان دك الجبال يطحن تلك الجماجم .. ولسالت من جبال الطائف دماء يراها أهل مكة .. لكنه ﷺ ما خرج لنفسه .. ولا أحضر شيئًا من عنده .. رفض الانتقام لأنه جاء ليجعل الحياة إيمانًا وسعادة .. وفي قلبه يهتز أمل يتلألأ .. يقول: إن في الأصلاب ربيعًا قادمًا يتنفس الإِسلام.
وعاد الحبيب ﷺ مطرودًا .. جريحًا .. منكسرًا كما خرج ..
فانسل إلى بيته الصغير .. حيث ابنته وريحانته فاطمة .. لا بد أنها بكت وارتفع نشيجها عندما رأت ذلك الشحوب في وجهه الكريم .. عندما رأت الدماء تتلألأ في جروحه .. فسارعت لمواساته ومواساة جراحه .. وربما دمعت عيناه ﷺ عندما رأى ابنته فذكرته بحبيبته خديجة .. وذكره بيته بها .. ففيه عاشا سويًا وها هو الآن شوق .. بينه وبينها تراب على قبر خديجة.
ذكريات مصائب تترى فهل لهذه الأحزان من نهاية؟
لم تكن هناك نهاية .. أمرًا عظيمًا سيحدث .. وتسلية مذهلة .. ستمسح أحزانه السابقة.
стр. 184
ضغطت له المسافات حتى رأى في ليلة واحدة ما خلف الكواكب والنجوم .. بل وما خلف السموات.
جمع له الزمن حتى أصبح بين يديه ساعات يقلبها مراكب يبحر بها.
الإسراء والمعراج
يقول : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١).
من كان ذلك؟
سؤال لا يُعرف جوابه بالتحديد .. لكنه أيام مكة الحزينة قطعًا .. أما في أي سنة كان ذلك .. في أي شهر .. في أي يوم .. فكل ذلك غير معروف على وجه الدقة .. ليس من دليل صحيح على ذلك .. إن تحديد ليلة معينة للإسراء رجم بالغيب .. والاحتفال بذكرى تلك الليلة يحتاج إلى دليلين.
كل ما نقطع به أنه حدث في ليلة من ليالي مكة .. وما دام الأمر كذلك .. فدعونا منه .. دعونا نتسلل بهدوء من الضجيج المحيط بتوقيته إلى أحداث الإسراء والمعراج من بدايتها إلى مواجهة قريش بما حدث .. فكيف كانت البداية.
شق للسقف. شق للصدر
ليالي مكة واحدة تكاد لا تتغير .. فيها يهدأ الجميع .. الصحابة متعبون من الأذى والمطاردة .. والمشركون متعبون أيضًا .. فقد أهدروا
стр. 185
طاقاتهم طوال النهار في التعذيب والمطاردة لرسول الله ﷺ وأصحابه الذين يجعلون ليلهم مناجاة لخالقهم وتهجدًا وصفاء .. وفي ليلة غريبة .. في ليلة لا كالليالي .. جاء جبريل ﵊ إلى رسول الله ﷺ على غير عادته.
يقول ﷺ : (فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل، ففرج صدري، ثم غسله بماء زمزم ثم جاء بطست من ذهب، ممتلئ حكمة وإيمانًا، فأفرغه في صدري، ثم أطبقه) (١) شق للسقف .. وشق للصدر! لكن أين تم ذلك الشق الآخر؟ لقد كان عند بئر زمزم. لقد كان ﷺ نائمًا في بيته ثم أُخِذَ للمسجد الحرام .. وكان في المسجد نيام .. أما رسول الله ﷺ .. فكان بين النائم واليقظان .. أُخِذَ أيضًا من بين الناس نحو بئر زمزم. يقول ﷺ :
(بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان -وذكر يعني رجلًا بين رجلين- فأُتيتُ بطست (٢) من ذهب مليء حكمة وإيمانًا، فشق من النحر إلى مراق (٣) البطن، ثم غسل البطن بماء زمزم، ثم ملئ حكمة وأيمانًا) (٤).
هذا هو الشق الثالث له ﷺ .. استعدادًا لرحلة عجيبة مدهشة معجزة .. لكن كم من الزمن ستستغرقه هذه الرحلة. ومن سيحمله فيها؟
البراق
دابة غريبة ركبها ﷺ .. ووصفها فقال:
стр. 186
(وأُتِيتُ بدابة أبيض، دون البغل، وفوق الحمار "البراق") (١) ويقول أنس:
(أتي رسول الله ﷺ بالبراق ليلة أسري به، مسرجًا ملجمًا، فاستصعب عليه.
فقال له جبريل ﵇:
ما حملك على هذا. والله ما ركبك خلق قط أكرم على الله منه. فأرفض (٢) عرقًا) (٣).
أما سرعة هذا البراق .. فيقول ﷺ بأنه:
(يضع حافره عند منتهى طرفه) .. والله أعلم بمنتهى طرفه .. لكنه يبدو طويلًا جدًا .. يدل على ذلك أن زمن الرحلة كان قصيرًا بحيث يعجز الإنسان عن قياس سرعة ذلك المخلوق العجيب. يقول حذيفة رض الله عنه:
(أتي ﷺ بالبراق -وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل- فلم يزايلا ظهره هو وجبريل حتى انتهت إلى بيت المقدس) (٤).
стр. 187
هذا ما جاء عن البراق .. البراق الذي نسج حوله الكذابون الأساطير. فقالوا: إن له رأس آدمي .. وعرفًا من اللؤلؤ .. وأذنين من الزمرد وغير ذك من الأكاذيب. البراق باختصار هو: دابة أكبر من الحمار وأصغر من البغل أبيض اللون .. وخطوته تصل إلى آخر ما يستطيع مشاهدته .. وقد ركبه ﷺ حتى أوصله إلى:
المسجد الأقصى
وفي طريقه ﷺ إلى المسجد الأقصى (مر على موسى وهو يصلي في قبره) (١) (فأوثق ﷺ الفرس- أو قال: الدابة في الخرابة) (٢) وفي ذلك يقول ﷺ : (فركبته حتى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد، فصليت فيه ركعتن، ثم خرجت، فجاءني جبريل ﵇ بإناء من خمر، وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل:
اخترت الفطرة.
ثم عرج بنا إلى السماء، فاستفتح جبريل. فقيل:
من أنت؟ قال:
стр. 188
جبريل. قيل:
ومن معك؟ قال جبريل:
محمَّد. قيل:
وقد بعث إليه؟ قال جبريل:
لقد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بآدم، فرحب بي، ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل ﵇. فقيل:
من أنت؟ قال:
جبريل. قيل:
ومن معك؟ قال:
محمَّد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال جبريل: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بابني الخالة: عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا صلوات الله عليهما، فرحبا، ودعوا لي بخير.
ثم عرج بي إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد ﷺ . قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف ﵇، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن.
ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل ﵇. قيل: من هذا؟. قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بإدريس، فرحب ودعا لي بخير. قال الله : ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾.
стр. 189
ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل. قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بهارون ﵇، فرحب ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل ﵇. فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا. بموسى ﵇، فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بإبراهيم ﵇، مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه.
ثم ذهب بي إلى السدرة المنتهى، وإذا أوراقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال. فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها.
فأوحى الله إلي ما أوحى، ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة.
فنزلت إلى موسى ﵇. فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة. قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإني قد بلوت (١) بني إسرائيل، وخبرتهم.
فرجعت إلى ربي. فقلت: يا رب خفف على أمتي.
стр. 190
فحط عني خمسًا، فرجعت إلى موسى. فقلت: حط عني خمسًا. قال موسى: إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. قال ﷺ : فلم أزل أرجع بين ربي ﵎ وبين موسى ﵇، حتى قال: يا محمَّد إنهن خمس صلوات، كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة، ومن هَمَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملهاكتبت له عشرًا. ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئًا. فإن عملها تكتب سيئة واحدة. قال ﷺ : فنزلت حتى انتهيت إلى موسى ﵇، فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. فقال رسول الله ﷺ فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه) (١).
ويقول ﷺ :
(.. ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا، فلما جئت إلى السماء الدنيا. قال جبريل لخازن السماء:
افتح. قال: من هذا؟ قال: جبريل. قال: هل معك أحد؟ قال: نعم. معي محمَّد ﷺ ، فقال:
أرسل إليه؟ قال: نعم. فلما فتح علونا السماء الدنيا. فإذا رجل قاعد، على يمينه أسودة (٢)، وعلى يساره أسودة، إذا نظر قِبَل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل يساره بكى. فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح. قلت لجبريل: من هذا؟ قال:
стр. 191
هذا آدم. وهذه الأسودة عن يمنه وشماله نسم (١) بنيه، فأهل اليمن منهم: أهل الجنة. والأسودة التي عن شماله: أهل النار. فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى. حتى عرج بي إلى: السماء الثانية، فقال لخازنها: افتح. فقال له خازنها مثل ما قال الأول. ففتح.
ويقول ابن عباس وأبو حبة الأنصاري: قال النبي ﷺ :
ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام. قال أنس بن مالك قال النبي ﷺ :
..... ثم انطلق بي حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى، وغشيتها ألوان لا أدري ما هي. ثم أدخلت الجنة فإذا فيها حبائل اللؤلؤ وإذا ترابها المسك) (٢).
ويقول مالك بن صعصعة ﵁ قال رسول الله ﷺ :
فأتينا على السماء السادسة. قيل: من هذا؟ قيل: جبريل. قيل: من معك؟ قيل: محمَّد ﷺ قيل: وقد أرسل إليه، مرحبًا به ولنعم المجيء جاء. فأتيت على موسى، فسلمت، فقال: مرحبًا بك من أخ ونبي، فلما جاوزت بكى. فقيل: ما أبكاك؟ قال: يا رب هذا الغلام الذي بعث بعدي، يدخل الجنة من أمته أفضل مما يدخل من أمتي.
فأتينا السماء السابعة. قيل: من هذا؟ قيل: جبريل. قيل: من معك؟ قيل: محمَّد. قيل: وقد أرسل إليه. مرحبًا به، ونعم المجيء جاء. فأتيت على إبراهيم، فسلمت، فقال: مرحبًا بك من ابن ونبي، فرفع لي البيت المعمور،
стр. 192
فسألت جبريل، فقال: هذا البيت المعمور، يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم. ورفعت لي سدرة المنتهى، فإذا نبقها (١) كأنه قلال هجر، وورقها كأنها آذان الفيول، في أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران. فسألت جبريل. فقال:
أما الباطنان ففي الجنة. وأما الظاهران: النيل والفرات (٢).
ترتيب الأحداث
تلك هى قصة الإسراء والمعراج فلنرتبها مع إضافة بعض الأحداث الأخرى التي أتت في أحاديث متفرقة صحيحة.
١ - في بيت رسول الله:
ذلك عندما كان نائمًا في بيته، فانشق سقف البيت ليدخل منه جبريل.
٢ - في المسجد الحرام عند بئر زمزم:
عندما أخذ ﷺ من بين النيام .. وكان في حالة بين النائم والمستيقظ .. ثم أخذ إلى بئر زمزم حيث:
٣ - شق صدره ﷺ :
فبعد إحضاره إلى بئر زمزم شق صدره الشريف للمرة الثالثة استعدادًا لهذه الرحلة العظيمة .. وحشي إيمانًا وحكمة .. وكأن ذلك تحضير لتلك الرحلة الخارقة.
стр. 193
٤ - إحضار البراق:
وهو دابة حجمه فوق حجم الحمار .. وأصغر من حجم البغل .. أبيض اللون .. خطوته عند مد بصره .. له سرعة مذهلة لا يعلمها إلا الله. وليس هناك أحاديث صحيحة تقول: إن له وجه إنسان أو شعر فرس أو .. أو .. فكل ذلك من أكاذيب الوضاعين.
(وكان البراق كلما صعد عقبةً استوت رجلاه مع يديه، وإذا هبط استوت يداه مع رجليه) (١).
٥ - ركوب البراق:
وقد وجد ﷺ صعوبة في ركوبه أول الأمر، شمس وامتنع البراق لكن جبريل قال له: (ما حملك على هذا، والله ما ركبك خلق قط أكرم على الله منه فارفض عرقًا) (٢) وما أن ركب رسول الله ﷺ حتى وصل بيت المقدس. وهذا يدل على سرعته .. وعلى أنه قد سبق وأن ركبه غير رسول الله ﷺ .
٦ - المرور بقبر موسى:
مر ﷺ بقبر موسى وهو في طريقه نحو المسجد الأقصى (وموسى يصلي في قبره) (٣) وصلاة موسى تختلف عن صلاتنا على ظهر الأرض .. لأن حياة القبر ليست كحياة الأرض (الدنيا) .. والصلاة عند العرب
стр. 194
معناها: الدعاء .. وحتى الدعاء في القبر .. لا ندري كيفيته .. وفي الكون مما لا يستطيع الإنسان إدراكه بحواسه ما لو علمه لذهل وطار صوابه وتحير. والقبر في جميع الأحوال .. إما حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة.
كيف يكون ذلك .. ؟ الله أعلم.
٧ - الوصول للمسجد الأقصى:
حيث ربط الفرس أي البراق بالخرابة .. وربطها ﷺ (بالحلقة التي يربط به الأنبياء) (١) وهذا يدل على أن البراق قد ركبه الأنبياء من قبل أو بعضهم. مما يدل على مشروعية بذل الأسباب مع التوكل وتفويض الأمر لله .. وهذا هو التوكل الصحيح على الله .. وإلا فالبراق لن يهرب والله قد أحضره لنبيه ﷺ .. ثم صلى النبي ﷺ في المسجد الأقصى ركعتن.
٨ - الخمر واللبن:
وبعد أن صلى رسول الله ﷺ ركعتين خرج فاستقبله جبريل بإناءين .. في أحدهما لبن .. وفي الآخر خمر. وكان على رسول الله ﷺ أن يشرب أحدهما .. فاختار اللبن فقال له جبريل ﵊: (اخترت الفطرة) (٢) ولم يتضح معنى هذه الكلمة في عصر كما اتضح في عصرنا هذا .. فاسأل الأطباء. كما قال جبريل ﵊: (أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك) (٣). بعد ذلك ينتهى الإسراء ويبدأ المعراج.
стр. 195
العروج للسماء الدنيا
حيث صعد جبريل ﵇ بمحمد ﷺ آخذًا بيده. يقول ﷺ : (ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا، فلما جئنا السماء الدنيا قال جبريل ﵇ لخازن السماء الدنيا) (١) وفي هذا الحديث إشارة إلى وجود خازن من الملائكة للسماء الدنيا. كما أن في بقية الحوار بين جبريل وخازن السماء الدنيا ما يدل على أن الملائكة لا تعلم الغيب .. ولا تعلم ما يحدث على وجه الأرض .. وذلك لأنهم يسألون جبريل في كل سماء فيقولون: وقد بعث إليه؟ أو: وقد أرسل إليه؟ ..
مَن مِنَ الأنبياء في السماء الدنيا
لقد شاهد ﷺ أبانا آدم ﵊. فسلم عليه رسول الله ﷺ .. ورد آدم ﵇ .. كما شاهد ﷺ خلقًا كثيرًا عن يمينه وخلقًا كثيرًا عن شماله وكان آدم إذا نظر إلى يمينه ضحك مبتهجًا مسرورًا .. وإذا نظر إلى شماله بكى حزنًا وأسى .. فشد ذلك السلوك نبينا محمَّد ﷺ فسأل عنه جبريل فأجابه جبريل: (هذه الأسودة عن يمينه، وعن شماله نسيم بنيه، فأهل اليمن أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله: أهل النار، فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى) (٢) ثم ودع آدم رسول الله ﷺ بعد أن رحب به ودعا له بخير ..
في السماء الثانية
جرى حوار كالحوار الأول بين جبريل ﵇ وخازن هذه
стр. 196
السماء .. ثم دخل رسول الله ﷺ عليهما .. أما من كان مِنَ الأنبياء في السماء الثانية؟
فقد وجد عيسى بن مريم وابن خالته يحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام فرحبا به.
وقد وصف رسول الله ﷺ أخاه عيسى بن مريم ﵇ .. فقال: (رأيت عيسى بن مريم مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس) (١).
(أحمر كأنما خرج من ديماس) (٢).
السماء الثالثة
في هذه السماء .. شاهد رسول الله ﷺ أجمل خلق الله وجهًا .. يوسف بن يعقوب النبي الأمين ﵇ .. قال عنه ﷺ : "إذا هو قد أعطي شطر الحسن" (٣)، وقال في حديث صحيح آخر: (أعطي يوسف وأمه شطر الحسن) (٤) وقد رحب به يوسف ودعا له بخير.
في السماء الرابعة
حيث رأى من قال الله فيه: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ (٥) إنه إدريس ﵊.
стр. 197
وفي السماء الخامسة
شاهد رسول الله ﷺ أخاه هارون .. خليفة موسى في بني إسرائيل .. ووزيره وأخوه صلى الله وسلم عليهم جميعًا. فرحب به ودعا له بخير.
وفي السماء السادسة
لقي ﷺ أخاه موسى ﵇ .. وقد وصفه ﷺ فقال:
مررت ليلة أسري بي على موسى بن عمران ﵇: (رجل آدم، طوال، جعد، كأنه من رجال شنوءة) (١). (فسلمت فقال: مرحبًا بك من أخ ونبى) (٢). لكن موسى ﵇ بكى بعدما صعد رسول الله ﷺ إلى السماء السابعة .. فقيل لموسى ﷺ ، ما أبكاك. قال: (يا رب هذا الغلام الذي بعث بعدي، يدخل الجنة من أمته أفضل مما يدخل من أمتي) (٣). ولم يكن ذلك حسدًا من موسى .. فالحسد يموج هناك على وجه الأرض .. أما موسى فيبكى متحسرًا .. آسفًا لعناد أمته وتعنتها .. وقد كان يحب أمة محمَّد ﷺ ويعطف عليها .. يدلنا على ذلك حديث طويل جرى له مع رسول الله ﷺ حول عدد الصلوات المفروضة .. والتي بسبب موسى ﵇ خفف الله الصلاة عن أمة محمَّد من خمسين إلى خمس صلوات.
في السماء السابعة
وهي آخر السموات .. وفيها شاهد أباه إبراهيم مسندًا ظهره إلى
стр. 198
"البيت المعمور" وهو: بيت يطوف به ويصلي به سبعون ألف ملك كل يوم لا يعودون بعدها ودخل ﷺ هذا البيت وسلم على والده فرحب به .. وحمَّلَه وصية لأمته قال فيها: (يا محمَّد أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التراب، عذبة الماء، وإنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) (١).
أما وصف إبراهيم ﵇ .. فقد قال رسول الله ﷺ :
(ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به) (٢) ويقول: (ونظرت إلى إبراهيم، فلا أنظر إلى أرب من آرابه إلا نظرت إليه مني كأنه صاحبكم) (٣).
" سدرة المنتهى "
وهذه السدرة العظيمة (إليها ينتهي ما يعرج من الأرض، فيقبض منها، وإليها ينتهى ما يهبط من فوقها فيقبض منها) (٤) وفي تفسير قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ قال: (فراش من ذهب) (٥)، ويصف ما حدث لها فيقول: (ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها) (٦) جمال وألوان وثمار تقف لغات الدنيا ملجمة أمامها .. لا تستطيع مهما أوتيت من الإبداع
стр. 199
تجليتها ووصفها .. أو التعبير عن معاناة الوقوف أمامها وأسرها .. هذا هو رسول الله ﷺ أوتي جوامع الكلم يقول: فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها. فكيف يكون جمال الجنة يا ترى؟ وفي أصل هذه السدرة (أربعة أنهار، نهران باطنان، نهران ظاهران) (١). (أما الباطنان ففي الجنة، وأما الظاهران: النيل والفرات) (٢) أي عنصرهما .. وليس معناه أن النيل والفرات الآن متصلان بها.
ثم عرج به ﷺ لكن ماذا بعد السموات السبع.
صريف الأقلام
يقول ﷺ : (ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام) (٣) جبريل رفيق المعراج .. كيف كانت هيأته وهو في الملأ الأعلى .. لقد وصفه ﷺ بقوله: (مررت ليلة أسري بي بالملأ الأعلى، وجبريل كالحلس البالي من خشية الله) (٤) كان جبريل كالثوب الرقيق .. قد ذاب من خشية الجبار .
فرض الصلوات
صعد ﷺ هناك .. أعلى من السحب .. أعلى من الشمس والنجوم والمجرات والكواكب .. لقد اخترقها كلها .. إنه الآن فوق السموات السبع .. محمَّد ﷺ ينتظر شيئًا في هذه الأجواء الشفافة المتوهجة الطاهرة .. في هذا العلو المقدس .. أوحى الله إلى محمَّد ﷺ .. ما أوحى: خمسين صلاة
стр. 200
في اليوم والليلة. رجع بها ﷺ مطيعًا كعادته .. لكنه وفي طريق النزول .. اعترضه موسى سائلًا .. فأجابه بأن الله قد فرض عليه خمسين صلاة .. فأرشده موسى إلى أن أمته تحتاج إلى تخفيف .. فصعد إلى ربه يسأله التخفيف. وما زال يتردد بين المكان الذي يوحى إليه فيه وبين موسى حتى جعلها الرحمن الرحيم خمس صلوات في اليوم والليلة لكن لها أجر خمسين صلاة. تفضلًا منه .
آيات من تحت العرش
آيتان عظيمتان .. أعطاهما الله نبيه ﷺ من كنز تحت العرش .. وفي ذلك يقول ﷺ مبتهجًا بفضل الله عليه من بين الأنبياء بذلك العطاء: (أعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة، من كنز تحت العرش، لم يعطها نبي قبلي) (١) والآيتين هما (خواتيم سورة البقرة) (٢). أي قول الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
ولذلك يقول ﷺ : (من قرأ بالآيتن من سورة البقرة في ليلة كفتاه) (٣).
стр. 201
تفضل آخر
ومن فضل الله على رسول الله ﷺ وعلى أمته أيضًا .. ذلك الفيض الغامر رحمة .. عندما أبلغ رسوله ﷺ أنه قد: (غفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئًا المقحمات) (١). كل هذا الفضل .. العطاء .. كان وحيًا، أم كان خطابًا يسمعه رسول الله ﷺ كما سمعه موسى يا ترى.
هل رأى ربه وسمعه
كما سمعه موسى ﵊ .. أما السماع .. فقد مر معنا أنه قد أوحي إليه وحيًا .. وأما الرؤية .. فقد كفانا أبو ذر مهمة حمل السؤال لرسول الله ﷺ حيث قال ﵁: (سألت رسول الله ﷺ : هل رأيت ربك؟ قال: "نور أنى (٢) أراه") (٣)، (رأيت نورًا) (٤). لكنه رأى الجنة ودخلها، ورأى فيها بشرى، ووصفها فكيف وصف:
دخول الجنة
لقد قال ﷺ : (أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك) (٥).
حوار بين الأنبياء
حوار حول الساعة .. وأمرها ومتى تكون. يقول ﷺ : (لقيت ليلة
стр. 202
أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى، فتذاكروا أمر الساعة، فردوا أمرهم إلى إبراهيم. فقال ﷺ . فقال: لا علم لي بها. فردوا الأمر إلى موسى ﵇. فقال: لا علم لي بها. فردوا الأمر إلى عيسى ﵇. فقال: أما وجبتها فلا يعلمها أحد إلا الله، ذلك وفيما عهد إلى ربي : أن الدجال خارج، ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، فيهلكه الله، حتى إن الحجر .. والشجر ليقول: يا مسلم .. إن تحتي كافر فتعال فاقتله، فيهلكهم الله، ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيطؤون بلادهم، لا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه ثم يرجع الناس إلي، فيشكونهم، فأدعو الله فيهلكهم ويميتهم، حتى تجوي الأرض من نتن ريحهم، فيزل الله المطر، فتجرف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر، ثم "ينسف الجبال، وتمد الأرض مد الأديم" (١).
ففيما عهد إلى ربي : أن ذلك إذا كان كذلك فإن الساعة كالحامل المتام التي لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادها ليلًا أو نهارًا) (٢).
المسيح الدجال
ذلك القائد اليهودي .. الذي ذكره عيسى بن مريم ﷺ .. هل رآه
стр. 203
رسول الله ﷺ في رحلته العجيبة .. ؟ لقد قال ابن عباس أنه (ذكر الدجال) (١) وأنه (رأى الدجال في صورته رؤيا عين ليس منامًا قال ﷺ : رأيته فيلمانيًا (٢)، أقمر (٣) هجانًا (٤)، إحدى عينيه قائمة كأنها كوكب دري، كأن شعر رأسه أغصان شَجرة) (٥).
خازن جهنم
ملَك رهيب اسمه مالك .. لا يبتسم .. وصورته الحقيقية لا تسر .. ولا يستطيع بشر مهما كان قوي القلب الصمود أمامها .. ملك مخيف جدًا يتطاير الرعب من قسماته ونظراته .. لا يعرف الشفقة .. ولا يرحم أحدًا .. وكيف يرحم وهو خازن جهنم .. وممزق أعداء الله ومعذبهم .. رآه ﷺ أثناء الإسراء والعراج. حيث (قال قائل: يا محمَّد هذا مالك صاحب النار. فسلم عليه. فالتفت إليه فبدأني باللسلام) (٦).
ولم يرَ ﷺ خازن جهنم فقط بل رأى جهنم نفسها فجبريل ﵇ أراه الجنة والنار (فنظر في النار، فإذا قوم يأكلون الجيف. فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس. ورأى رجلًا أحمر أزرق، جعدًا شعثًا إذا رأيته. قال ﷺ : من هذا يا جبريل؟ قال عليه
стр. 204
الصلاة والسلام: هذا عاقر الناقة) (١) التي جعلها الله آية لنبيه صالح ﵊ .. فكان بجريمته هذه أشقى قومه ثمود. وقد قص قصته على رسوله ﷺ فقال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥)﴾ (٢).
ومر ﷺ بأقوام تركوا ألسنتهم تزحف .. أفاعي تنهش الغافلين .. تنهش المجتمع .. واستمر زحفها حتى هوت في الجحيم وكبكبت أهلها فيها (مررت بأقوام لهم أظفار من نحاس، يخشمون وجوههم وصدورهم. فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال ﵇: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم) (٣).
أما في لجنة
في عا لم الجمال والأنوار والفتنة .. والحب المتجدد في قلوب الحور حول المياه والخضرة الساحرة .. كان لبلال خشف هناك .. خشف لنعلي ذلك الشريد الذي تتقاذفه قبضات قريش .. فتحتضنه تجاويف الجبال وغيرانها .. يرجف يصبغها بالدماء والبكاء .. يقول ﷺ : (دخلت الجنة ليلة أسري بي، فسمعت في جانبها وجسًا، فقلت: يا جبريل ما هذا؟ قال: هذا بلال) (٤).
стр. 205
بلال في الأرض .. في مكة سلعة تباع وتشترى وتعرض في الأسواق .. لا يملك بيتًا .. ولا يملك نفسه .. لكن في أعماقه بلال آخر .. بلال مسلم متوثب مزق الشرك والخضوع .. يتبختر في القصور هناك في النعيم .. في الجنة حيث سمعه ﷺ .. سيدًا من سادات الأرض والإِسلام.
في عالم الجنات حيث لا عين رأت مثل ذلك الحب والجمال والأنوار .. ولا أذن سمعت .. ولا خطر شيء من ذلك في خيال بشر مهما هام وأبدع .. وتألق أو غاص عوالم الأحلام والأماني .. أشرع الله أبوابها للموحدين ونثر مفاتيحها في دروب الجميع فمن تخلف فلا يلومن إلا نفسه.
وصية
قالتها الملائكة .. لرسول الله ﷺ : (ما مررت ليلة أسري بي بملأ من الملائكة إلا كلهم يقول لي عليك يا محمَّد بالحجامة) (١).
العودة للمسجد الأقصى
بعد هذه الرحلة الممتعة .. في عوالم الخلود العلوية .. عاد ﷺ إلى المسجد الأقصى (فلما دخل النبي ﷺ المسجد الأقصى قام يصلي، فالتفت، ثم التفت فإذا النبيون أجمعون يصلون معه) (٢).
ثم ركب البراق فإذا هو في مكة في زمن يخرس الأرقام .. محمَّد يعود والناس نيام .. فماذا سيقول لهم غدًا .. وأي كفر ذلك الذي ستشهده شمس الصباح؟
стр. 206
رسول الله حزين معتزل
يقول ابن عباس ﵁: قال رسول الله ﷺ : ("لما كانت ليلة أسري بي، وأصبحت بمكة، فظعت بأمري، وعرفت أن الناس مكذبي، فقعد معتزلًا حزينًا"، فمر عدو الله أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه فقال: كالمستهزئ: هل من شيء؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم". قال أبو جهل: ما هو؟ قال ﷺ : "إنه أسري بي الليلة". قال أبو جهل: إلى أين؟ قال ﵊: "إلى بيت المقدس". قال أبو جهل: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال ﷺ : "نعم". فلم يُرَ (١) إنه يكذبه مخافة أن يجحده الحديث إذا دعا قومه إليه. قال: أرأيت إن دعوت قومك تحدثهم ما حدثتى؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم"، فقال أبو جهل: هيا يا معشر بني كعب بن لؤي. فانتفضت إليه المجالس، وجاءوا حتى جلسوا إليهما. قال: حدِّثْ قومك بما حدثتني. فقال رسول الله ﷺ : "إني أسري بي الليلة". قالوا: إلى أين؟ قال ﷺ : "إلى بيت المقدس". قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟! قال ﷺ : "نعم". فمن بين مصفق، ومن بين واضع يده على رأسه متعجبًا) (٢) (فقال ناس: نحن نصدق محمدًا بما يقول؟ فارتدوا كفارًا، فضرب الله أعناقهم مع أبي جهل. وقال أبو جهل: يخوفنا محمَّد شجرة الزقزم، هاتوا تمرًا وزبدًا فتزقموا) (٣).
стр. 207
لكن أبا بكر لا يقول: كذبت
أبو بكر الصديق نبع الصدق .. خير من يعرف رسول الله ﷺ .. في صباه وبعد نبوته .. سمع بالخير .. فجاء لرسول الله ﷺ . وقال: له: (أشهد أنك رسول الله) (١).
قريش تطلب الدليل
للتعجيز .. لإثبات أن رسول الله ﷺ يكذب ولو لمرة واحدة يلوثون بها تاريخه النقي كأنهار الجنة .. طلبت قريش دليلًا على ما يقوله ﷺ .. فأخبرهم بقافلتهم القادمة ووصفها لهم. لكن هذا الأمر يتطلب الانتظار .. فليصف بيت المقدس فهو لم يره قط. يقول رسول الله ﷺ : (لنقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كربة ما كربت مثله قط فرفعه الله لي أنظر إليه، ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به، وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء. فإذا موسى قائم يصلي، فإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوءة، وإذا عيسى بن مريم ﵇ قائم يصلي، أقرب الناس به شبهًا عروة بن مسعود الثقفي. وإذا إبراهيم ﵇ قائم يصلي، أشبه الناس به صاحبكم "يعنى نفسه" فحانت الصلاة فأممتهم) (٢) ويقول ﷺ : (لما كذبتني قريش قمت في الحجر .. فجلا الله لي بيت المقدس .. فطفقت
стр. 208
أخبرهم عن آياته وأنا انظر إليه) (١) ويقول ابن عباس: (قالوا: هل تستطيع أن تنعت لنا المسجد- وفي القوم من قد سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد. فقال رسول الله ﷺ : (فذهبت أنعت، فما زلت أنعت حتى التبس علي بعض النعت، فجيء بالمسجد وأنا انظر، حتى وضع دون دار عقيل، فنعته، وأنا انظر إليه وكان مع هذا لم أحفظه). فقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب) (٢).
أما قافلة العير فساحت في بطحاء مكة .. تنشد الشعر والحداء .. محملة بأقوال تبشر بصدق معراجه. بصدق امتطاء البراق.
فابتهجت قلوب المؤمنين .. وتهللت وجوههم .. وانصرف الشامتون يجرون خيبتهم .. ويجترون جمرًا .. إنهم لم يروا محمدًا إلا متجددًا طاهرًا نقيًا لا شائبة فيه.
فرض الصلاة
كان ذلك بعد الإسراء مباشرة، نزل جبريل، وعلم رسول الله ﷺ أوقات الصلاة، عند الكعبة مرتين يقول ﷺ : ("أمني جبريل عند البيت مرتين، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس، وكانت قدر الشراك.
وصلى بي العصر حين كان ظله (٣) مثله.
стр. 209
وصلى بي المغرب حين أفطر (١) الصائم
وصلى بي العشاء حين غاب الشفق.
وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم (٢).
فلما كان من الغد: صلى بي الظهر حين كان ظله مثله.
وصلى بي العصر حين كان ظله مثليه.
وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم
وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل.
وصلى بي الفجر فأسفرت (٣) ثم التفت إلي وقال: يا محمَّد هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتن" (٤)) (٥).
وكانت الصلاة بمكة (ركعتين .. ركعتين) (٦) .. كل صلاة ركعتان إلا المغرب فثلاث ركعات .. حملها ﷺ إلى أصحابه .. علَّمَها إياهم زادًا مفروضًا يريحهم بها ساعات الضيق والضنك .. تعيد تنظيم أوقاتهم كما أعاد التوحيد نظام حياتهم. وكان ﷺ في بعض الأوقات يسير نحو الكعبة .. يعبد الله عندها .. ويؤدي هذه الصلوات هناك. لكن ذلك لم يعجب طواغيت قريش .. لم يرق لهم ما يفعله هذا النبي الجريء الذي يتحدى
стр. 210
بصلاته أصنامهم وحجارتهم وأخشابهم التي يسمونها آلهة. لقد حرك ذلك التحدي شهوة الانتقام لدى المشركين .. وجدد محاولاتهم السابقة للإيذاء والتنكيل بل والقتل .. وقد تكفل بهذه المهمة طاغوت قريش وفرعون الأمة.
أبو جهل يمنع الصلاة
عندما نفخ صدره أمام أشباهه يومًا ثم نفث سمًا قائلًا: (لئن رأيت محمدًا يصلى عند الكعبة لأطأنَّ على عنقه، فبلغ النبى ﷺ فقال: لو فعل .. لأخذته الملائكة) (١).
ثم مشى ﷺ إلى بيت الله واثقًا من وعده .. وصلى وركع وسجد .. فعلم أبو جهل فمر برسول الله ﷺ فقال: (ألم أنهك عن أن تصلي يا محمَّد؟! لقد علمت ما بها أحد أكثر ناديًا مني. فانتهره النبي- ﷺ فقال جبريل: فليدع ناديه، سندع الزبانية، والله لو دعا ناديه، لأخذته زبانية العذاب) (٢).
لكن أبا جهل كان حاقدًا على النبوة .. حاقدًا على صاحبها لأنه ليس من أهل بيته .. لأنها ليست فيهم .. فليحطمها .. وليحطم صاحبها .. أبو جهل كان طافحًا بالحقد .. مشويًا بجمر الحسد .. يكاد يختنق .. كأن محمدًا ﷺ وأتباعه داخل صدره القاتم يمنعون عنه الهواء ويحطمون أضلاعه. عقد حاجبيه واسودت الدنيا أمامه (فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي ليطأ
стр. 211
على رقبته، فما فجئهم (١) منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه، فقيل له: مالك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار، وهولًا وأجنحة. فقال رسول الله ﷺ : "لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا". وأنزل الله (٢): ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)﴾ (٣).
فامتثل ﷺ وسجد رغم أنف أبي جهل وأنوف من معه ..
لقد كان ما حصل لأبي جهل رادعًا له لو كان له قلب .. لو كان يظن أن محمدًا يكذب .. لكنه كان يشرك بالله عن علم ودراية .. عنادًا وتجبرًا وغرورًا بما لديه من نسب ومال .. ولهذا وأمثاله جزاء رادع .. في يوم لا ينفع المال ولا البنون وفي أمثال هذا نزل الوحي من السماء: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ (٤).
يضعون السلا على ظهره
شاهدهم عبد الله بن مسعود فلم يستطع فعل شيء .. كان محطم
стр. 212
القلب واليدين وهو يشاهد حبيبه ﷺ (يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، وقد نحرت جزور (١) بالأمس. فقال أبو جهل:
أيكم يقوم إلى سلا جزور "بني فلان" فيأخذه. فيضعه على كتفي محمَّد إذا سجد. فانبعث أشقى القوم، فأخذه، فلما سجد النبي ﷺ وضعه بين كتفيه، فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل إلى بعض، وأنا قائم أنظر -لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله ﷺ والنبي ساجد ما يرفع رأسه، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة، فجاءت -وهي جويرية- فطرحت عنه، ثم أقبلت عليهم تسبهم، فلما قضى النبى ﷺ صلاته رفع صوته، ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا .. دعا ثلاثًا، وإذا سأل .. سأل ثلاثًا، ثم قال النبي ﷺ :
"اللَّهم عليك بقريش .. اللَّهم عليك بقريش .. اللَّهم عليك بقريش".
فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته، ثم قال ﷺ :
"اللَّهم عليك بأبي حهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وذكر السابع ولم أحفظه") (٢). استنفذ ﷺ -دون يأس- كل الوسائل فـ:
لم يبق إلا الدعاء
قريش أصبحت جدارًا .. أم القرى لهيب نار .. اليوم صوتها رمضاء .. دروبها عماء .. دروبها حبال .. حصار فوقه حصار .. تلبد الحصار كالجبال كالمحال .. لكنه الإيمان .. نبض الموحدين يمضغ المحال .. وفي السماء قطرة
стр. 213
ستغسل الجبال .. ستزرع الحياة في القلوب .. في كل حبَّة من الرمال ..
البحث عن الأنصار
بعد أن أصبحت قريش جدارًا من العناد والحصار .. جد ﷺ في البحث عن أنصار يحملون دين الله بقلوبهم .. يفتش عن أرض وصدور أرحب .. ولذلك: (انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبن خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب قال: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا ما حدث. فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الأمر الذي حدث.
فانطلقوا فضربوا مشارق الأرض ومغاربها، ينظرون ما هذا الأمر الذي حال بينهم وبن خبر السماء. فانطلق الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله ﷺ بنخلة، وهو عامد إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن، تسمعوا له فقالوا: هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم. فقالوا: يا قومنا إنا سمعنا قرآنًا عجبًا، يهدي إلى الرشد فآمنا به، ولن نشرك بربنا أحدًا وأنزل الله على نبيه ﷺ : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ
قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (١).
هذه الآيات نزلت .. ونزل غيرها فيما بعد تبشر رسول الله ﷺ بأن له أتباعًا لا يراهم ولا يسمعهم .. ليسوا من الملائكة .. ولا من البشر .. بل هم من الجن: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ (٢).
ومحمَّد ﷺ نبي للإنس والجن، وقد أمره الله بأن يلتقي بوفد من الجن .. في ليلة بحث الصحابة فيها عن حبيبهم ﷺ فلم يجدوه .. ووجدوا الحزن والخوف في كل مكان يفتشونه .. في كل مكان يقصدونه .. حتى ظنوا أن أيدي المشركين تخطفته وفتكت به .. تلك ليلة كالحداد .. تحدث عنها ابن مسعود فقال:
(كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة .. ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب .. فقيل: أستطير؟! اغتيل.
فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء. فقلنا:
فقدناك فطلبناك، فلم نجدك فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فقال: أتاني داعي الجن فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن.