على رقبته، فما فجئهم (١) منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه، فقيل له: مالك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار، وهولًا وأجنحة. فقال رسول الله ﷺ : "لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا". وأنزل الله (٢): ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)﴾ (٣).
فامتثل ﷺ وسجد رغم أنف أبي جهل وأنوف من معه ..
لقد كان ما حصل لأبي جهل رادعًا له لو كان له قلب .. لو كان يظن أن محمدًا يكذب .. لكنه كان يشرك بالله عن علم ودراية .. عنادًا وتجبرًا وغرورًا بما لديه من نسب ومال .. ولهذا وأمثاله جزاء رادع .. في يوم لا ينفع المال ولا البنون وفي أمثال هذا نزل الوحي من السماء: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ (٤).
يضعون السلا على ظهره
شاهدهم عبد الله بن مسعود فلم يستطع فعل شيء .. كان محطم
стр. 212
القلب واليدين وهو يشاهد حبيبه ﷺ (يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، وقد نحرت جزور (١) بالأمس. فقال أبو جهل:
أيكم يقوم إلى سلا جزور "بني فلان" فيأخذه. فيضعه على كتفي محمَّد إذا سجد. فانبعث أشقى القوم، فأخذه، فلما سجد النبي ﷺ وضعه بين كتفيه، فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل إلى بعض، وأنا قائم أنظر -لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله ﷺ والنبي ساجد ما يرفع رأسه، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة، فجاءت -وهي جويرية- فطرحت عنه، ثم أقبلت عليهم تسبهم، فلما قضى النبى ﷺ صلاته رفع صوته، ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا .. دعا ثلاثًا، وإذا سأل .. سأل ثلاثًا، ثم قال النبي ﷺ :
"اللَّهم عليك بقريش .. اللَّهم عليك بقريش .. اللَّهم عليك بقريش".
فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته، ثم قال ﷺ :
"اللَّهم عليك بأبي حهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وذكر السابع ولم أحفظه") (٢). استنفذ ﷺ -دون يأس- كل الوسائل فـ:
لم يبق إلا الدعاء
قريش أصبحت جدارًا .. أم القرى لهيب نار .. اليوم صوتها رمضاء .. دروبها عماء .. دروبها حبال .. حصار فوقه حصار .. تلبد الحصار كالجبال كالمحال .. لكنه الإيمان .. نبض الموحدين يمضغ المحال .. وفي السماء قطرة
стр. 213
ستغسل الجبال .. ستزرع الحياة في القلوب .. في كل حبَّة من الرمال ..
البحث عن الأنصار
بعد أن أصبحت قريش جدارًا من العناد والحصار .. جد ﷺ في البحث عن أنصار يحملون دين الله بقلوبهم .. يفتش عن أرض وصدور أرحب .. ولذلك: (انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبن خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب قال: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا ما حدث. فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الأمر الذي حدث.
فانطلقوا فضربوا مشارق الأرض ومغاربها، ينظرون ما هذا الأمر الذي حال بينهم وبن خبر السماء. فانطلق الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله ﷺ بنخلة، وهو عامد إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن، تسمعوا له فقالوا: هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم. فقالوا: يا قومنا إنا سمعنا قرآنًا عجبًا، يهدي إلى الرشد فآمنا به، ولن نشرك بربنا أحدًا وأنزل الله على نبيه ﷺ : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ
قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (١).
هذه الآيات نزلت .. ونزل غيرها فيما بعد تبشر رسول الله ﷺ بأن له أتباعًا لا يراهم ولا يسمعهم .. ليسوا من الملائكة .. ولا من البشر .. بل هم من الجن: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ (٢).
ومحمَّد ﷺ نبي للإنس والجن، وقد أمره الله بأن يلتقي بوفد من الجن .. في ليلة بحث الصحابة فيها عن حبيبهم ﷺ فلم يجدوه .. ووجدوا الحزن والخوف في كل مكان يفتشونه .. في كل مكان يقصدونه .. حتى ظنوا أن أيدي المشركين تخطفته وفتكت به .. تلك ليلة كالحداد .. تحدث عنها ابن مسعود فقال:
(كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة .. ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب .. فقيل: أستطير؟! اغتيل.
فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء. فقلنا:
فقدناك فطلبناك، فلم نجدك فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فقال: أتاني داعي الجن فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن.
стр. 216
فانطلق ﷺ بنا فأرانا آثارهم، وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد .. فقال ﷺ :
كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا (١)، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم ..
قال رسول الله ﷺ : "فلا تستنجوا بها فإنهما طعام إخوانكم" (٢). هذه ليلة لم يحضرها أحد، لم يشهد أحداثها سواه ﷺ ، لكن هناك ليلة أخرى .. أحب ﷺ أن يكون له فيها رفيق من صحابته. فكان عبد الله بن مسعود الذي يقول:
(قال رسول الله ﷺ لأصحابه وهو بمكة: من أحب منكم أن يحضر أمر الجن الليلة فليفعل.
فلم يحضر منهم أحد غيري .. فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة خط لي برجله خطًا .. ثم أمرني أن أجلس فيه، ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن .. فغشيته أسودة كثيرة حالت بينى وبينه، حتى ما أسمع صوته، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين حتى بقي منهم رهط. ففرغ رسول الله ﷺ مع الفجر، فانطلق فتبرز، ثم أتاني، فقال: ما فعل الرهط قلت: هم أولئك يا رسول الله، فأعطاهم عظمًا وروثًا زادًا ثم نهى أن يستطيب أحد بروث أو عظم) (٣).
стр. 217
هذه هي قصته ﷺ مع الجن .. سمعوه وهو يصلي في طريقه إلى عكاظ .. ثم التقى بهم مرة .. وأخرى .. وربما ثالثة ورابعة .. لقد أُمر ﷺ بإرشادهم .. بإنقاذهم من عوالم الشرك التي تموج ولا نراها .. لكنه لم يؤمر بالاعتماد عليهم .. ولا بإقامة علاقة بينهم وبين أصحابه .. فكلٌ يدعو في مجاله .. وكل يتوهج في ميدانه .. هنا عالم للإنس وهناك عالم للجن .. وما يهمنا هو عالمنا .. فماذا فعل ﷺ بعد أن فرغ من صلاته متجهًا نحو عكاظ؟
في عكاظ
وصل ﷺ إلى عكاظ تتبع القبائل .. دخل خيامهم وبشرهم ودعاهم .. كل القبائل دون استثناء .. بي عبس .. وكندة .. وبكر بن وائل .. وبني عامر بن صعصعة .. وبني حنيفة .. وغرهم .. فكانت بعض القبائل تصرفه بلطف .. والبعض بعنف .. وهناك من يشتمه ويسبه ويتهمه .. وكان خلف ذلك الرفض أكوام الوصايا تحذر من فتى قريش ﷺ . يقول أحد الصحابة ﵁:
(إن رسول الله ﷺ لبث عشر سنين، يتبع الحاج في منازلهم، في المواسم: مجنة، وعكاظ ومنازلهم. بمنى: من يؤويني وينصرني حتى أبلغ رسالات ربي وله الجنة، فلا يجد أحدًا يؤويه ولا ينصره، حتى إن الرجل يرحل صاحبه من مصر، أو من اليمن، فيأتيه قومه أو ذوو رحمه، فيقولون: احذر فتى قريش لا يفتنك. يمشي بين رحالهم، يدعوهم إلى الله
стр. 218
عَزَّ وَجَلَّ، يشيرون إليه بأصابعهم، حتى بعثنا الله له من يثرب). (١)
عشر من السنين يرفع الخباء .. يشع في الخيام كالشموس كالضياء .. يحط كالأمطار كالربيع والظباء .. لينعم الجميع.
كان ﷺ لطيفًا لينًا في حديثه .. يحترم من أمامه .. ويدعوه بأحب الأسماء إليه. ها هو في لقاء مع رجل من:
همدان
فبينما (كان رسول الله ﷺ يعرض نفسه على الناس بالموقف، فيقول: هل من رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي ، فأتاه رجل من همدان، فقال الرسول ﷺ : ممّن أنت؟
فقال الرجل: من همدان.
قال ﷺ : فهل عند قومك من منعة؟
قال الرجل: نعم.
ثم إن الرجل خشي أن يحقره قومه، فأتى رسول الله ﷺ ، فقال: آتيهم فأخبرهم، ثم آتيك من عام قابل، قال ﷺ : نعم. فانطلق) (٢) .. ألهذه
стр. 219
الدرجة بلغ الخوف من القوم؟! ألهذه الدرجة صحراء العرب موحشة وقاسية على هذا النبى ﷺ وعلى أصحابه المساكن؟! كأنهم سيتحالفون مع الموت .. مع الفناء .. أما لهم عقول! .. أم تحولوا إلى صخور؟ ومع ذلك لا يأس .. يعود ويداه خالية منهم .. وهمُّ العالم يدور برأسه .. يعود إلى بيته حيث لا خديجة .. لا زوجة تمسح الجراح .. تبادله الحب والحنان .. يتذكر خديجة في بيته الذي يفتقدها .. يتذكر خمسة وعشرين عامًا من الحب عاشها معها .. ولا يعرف من تلك الطاهرة إلا ما يثلج صدره ويبهجه .. ما ذكر امرأة غيرها .. ولا طرق بابًا للزواج بعدها .. كأنها لم تمت .. لكن إرادة الله كانت وحيًا في المنام .. ورؤيا الأنبياء وحي ينتصب حقيقة على الأرض .. فما الذي جرى في المنام.
فتاة وحرير
كان ﷺ نائمًا .. فجاءه في المنام رجل مرتين .. يحمل ابنة صاحبه الصديق أبي بكر عائشة ﵂. يحملها (في سرقة من حرير (١) فيقول: هذه امرأتك. فأكشفها فإذا هي أنت (٢). فأقول: إن كان هذا من عند الله يمضه) (٣).
الزواج بعائشة وسودة
كانت هذه الرؤيا وحيًا من الله مَنَّ به على رسول الله ﷺ .. فضلًا منه لم يسع إليه ﷺ .. بل ساقه إليه .. تقول عائشة ﵂: (لما
стр. 220
ماتت خديجة ﵂ جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون. قالت: يا رسول الله، ألا تزوج؟ قال ﷺ : "من؟ " قالت: إن شئت بكرًا وإن شئت ثيبًا. قال ﷺ : "فمن البكر؟ " قالت: ابنة أحب خلق الله إليك، عائشة بنت أبي بكر. قال رسول الله ﷺ : "ومن الثيب؟ " قالت: سودة بنت زمعة، قد آمنت بك، واتبعتك على ما تقول. قال ﷺ : "فاذهبي فاذكريها علي".
فدخلت بيت أبي بكر، فقالت:
يا أم رومان (١) ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة. قالت أم رومان:
وما ذاك؟ قالت:
أرسلني رسول الله ﷺ أخطب عليه عائشة. قالت أم رومان:
انتظري أبا بكر حتى يأتي. فجاء أبو بكر. فقالت: يا أبا بكر ماذا أدخل عليكم من الخير والبركة. قال: وما ذاك؟ قالت:
أرسلني رسول الله ﷺ أخطب عليه عائشة. قال أبو بكر:
وهل تصلح له، إنما هي ابنة أخيه. فرجعت إلى رسول الله ﷺ ، فذكرت له ذلك. قال ﷺ : "ارجعي إليه فقولي له: أنا أخوك، وأنت أخي في الإِسلام، وابنتك تصلح لي". فرجعت فذكرت ذلك. قال أبو بكر: انتظري -وخرج- قالت أم رومان: إن مطعم بن عدى قد كان ذكرها على ابنه، فوالله ما وعد وعدًا قط فأخلفه لأبي بكر، فدخل أبو
стр. 221
بكر ﵁ على مطعم بن عدي، وعنده امرأته -أم الفتى (١) - فقالت: يا ابن أبي قحافة، لعلك مصب (٢) صاحبنا -مدخله في دينك الذي أنت عليه إن تزوج إليك. قال أبو بكر للمطعم بن عدي:
أقول هذه تقول؟ قال الطعم: إما تقول ذلك (٣). فخرج من عنده، وقد أذهب الله ما كان في نفسه من عدته التي وعده. فرجع فقال: ادعي لي رسول الله ﷺ . فدعته، فزوجها إياها -عائشة يومئذ بنت ست سنين- ثم خرجت فدخلت على سودة بنت زمعة، فقالت: ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة. قالت سودة: وما ذاك؟ قالت:
أرسلني رسول الله ﷺ أخطبك عليه، قالت: -وودت- ادخلي إلى أبي فاذكري ذاك له -وكان شيخًا كبيرًا قد أدركه السنن قد تخلف عن الحج- فدخلت عليه، فحييته بتحية الجاهلية (٤). فقال:
من هذه؟ قلت: خولة بنت حكيم. قال:
فما شأنك؟ قلت: أرسلني محمَّد بن عبد الله ﷺ أخطب عليه سودة. قال:
كفء كريم. ماذا تقول صاحبتك؟ قلت:
стр. 222
تحب ذاك. قال: ادعيها إلي. فدعيتها. قال: أي بنية إن هذه تزعم أن محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب قد أرسل يخطبك، وهو كفء كريم. أتحبين أن أزوجك به؟ قالت سودة: نعم. قال: ادعيه لي. فجاء رسول الله ﷺ -إليه، فزوجها إياه. فجاء أخوها عبد بن زمعة من الحج، فجعل يحثي في رأسه التراب. فقال بعد أن أسلم: إني لسفيه يوم أحثي في رأسي التراب أن تزوج رسول الله ﷺ سودة بنت زمعة) (١).
ودخلت سودة بنت زمعة بيت رسول الله ﷺ ، أول امرأة بعد خديجة .. وكانت مثل خديجة قد سبق لها الزواج برجل قبل رسول الله ﷺ ، وربما كانت أسن منه .. أما عائشة ﵂ فقالت:
(تزوجني رسول الله ﷺ متوفى خديجة قبل مخرجه إلى المدينة بسنتين وأنا بنت سبع سنين) (٢). ودخل ﷺ على سودة .. لكنه لم يدخل على عائشة في مكة أبدًا .. أما سودة فالتحقت ببيته ﷺ .. تصلح من شأنه وترعاه وتزيح عنه الكدر والأذى الذي يلاحقه في شوارع مكة كظله.
عروس ولكن
أصبح ﷺ عروسًا يبتهج بحياته الجديدة كما تبتهج زوجته به .. لكنهما عريسان للكفاح .. للنضال .. يريدان جعل الأرض كلها أعراسًا
стр. 223
وأفراحًا .. لكن كيف يتم ذلك والأصنام أطناب خيمة تمنح السواد .. عن الأرض تمنع الضياء .. تحرم العباد نشوة الحياة .. تملأ الطريق نحو الله بالوحوش .. وبالغيلان والهوام.
حمل ﷺ ثياب عرسه واتجه نحو تجمعات القوم من جديد .. فلن يكون للعرس لذة والناس محرومون من لذة الإيمان فالتوحيد كالماء كالهواء .. لا بد أن يدخل كل بيت ويعمر كل قلب .. وعلى حامله أن يحفر القناة بمعوله بيديه بأظفاره فالناس عطاش والأرض جفاف.
اتجه ﷺ إلى قبائل العرب .. يرافقه أبو بكر الصديق .. وابن أخيه علي بن أبي طالب ﵄ .. فكانت هذه القصة المنسوجة بالأشعار والأنساب:
في خيام ربيعة
يقول علي ﵁:
(لما أمر الله ﵎ رسوله ﷺ أن يعرض نفسه على قبائل العرب، وأنا معه، وأبو بكر ﵁، فدفعنا إلى مجلس من مجالس العرب، فتقدم، أبو بكر وكان مقدمًا في كل خير، وكان رجلًا نسابة- فسلم، وقال: ممّن القوم؟
قالوا: من ربيعة.
قال أبو بكر: وأي ربيعة أنتم؟ أمن هامها، أي من لهازمها (١)؟
فقالوا: من الهامة العظمى.
стр. 224
فقال أبو بكر ﵁: وأي هاماتها العظمى أنتم؟ قالوا: من ذهل الأكبر؟ قال أبو بكر:
منكم عوف الذي يقال له: لا حر بوادي عوف؟ قالوا:
لا. قال: فمنكم جساس بن مرة، حامي الذمار (١) ومانع الجار؟ قالوا:
لا. قال: فمنكم بسطام بن قيس، أبو اللواء، ومنتهى الأحياء؟ قالوا:
لا. قال: فمنكم الحوفزان، قاتل الملوك، وسالبها أنفسها؟ قالوا:
لا. قال: فمنكم المزدلف، صاجا العمامة الفردة؟ قالوا:
لا. قال: أخوال الملوك من كندة؟ قالوا:
لا. قال: أصحاب الملوك من لخم؟ قالوا:
لا. قال: فلستم من ذهل الأكبر، أنتم من ذهل الأصغر.
فقام إليه غلام من بني شيبان يقال له "دغفل" حين تبين وجهه فقال:
إن على سائلنا أن نسله ... والعبو لا نعرفه أو نجهله
يا هذا .. قد سألتنا فأخبرناك، ولم نكتمك شيئًا، فممن الرجل؟
قال أبو بكر: أنا من قريش.
فقال الفتى: بخٍ .. بخٍ أهل الشرف والرياسة. فمن أي القرشيين أنت؟ قال أبو بكر: ولد تيم بن مرة.
فقال الفتى: أمكنت والله الرامي من سواء الثغرة، أمنكم قصي (٢)
стр. 225
الذي جمع القبائل من فهر، فكان يدعى في قريش مجمعًا؟ قال أبو بكر:
لا. قال: فمنكم هشام (١) الذي هشم الثريد لقومه، ورجال مكة مسنتون عجاف. قال: لا. قال: فمنكم شيبة الحمد: عبد المطلب (٢) مطعم طير السماء الذي كان وجهه القمر يضىء في الليلة الداجية؟ قال أبو بكر: لا.
قال: فمن أهل الإفاضة (٣) بالناس أنت؟ قال: لا.
قال: فمن أهل الحجابة (٤) أنت؟ قال: لا.
قال: فمن أهل السقاية (٥) أنت؟ قال: لا.
قال: فمن أهل النداوة (٦) أنت؟ قال: لا.
قال: فمن أهل الرفادة (٧) أنت؟ قال: لا.
فاجتذب أبو بكر ﵁ زمام الناقة، راجعًا إلى رسول الله ﷺ ، فقال الغلام:
صادف در السيل درًا يدفعه ... يهضبه حينًا وحينًا يصدعه
стр. 226
أما والله لو ثبت لأخبرتك من قريش، فتبسم رسول الله ﷺ ، فقال علي: يا أبا بكر لقد وقعت من الأعرابي على باقعة. قال أبو بكر:
أجل يا أبا الحسن، ما من طامة، إلا وفوقها طامة، والبلاء موكل بالمنطق.
وعند مفروق وقومه
قال علي ﵁:
ثم دفعنا إلى مجلس آخر، عليهم السكينة والوقار، فتقدم أبو بكر، فسلم.
فقال: ممّن القوم؟ قالوا:
من شيبان بن ثعلبة. فالتفت أبو بكر ﵁ إلى رسول الله ﷺ ، فقال: بأبي أنت وأمي، هؤلاء غرر الناس، فيهم مفروق بن عمرو، وهاني بن قبيصة، والمثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك. وكان مفروق قد غلبهم جمالًا ولسانًا، وكانت له غديرتان تسقطان على تريبته (١)، وكان أدنى القوم مجلسًا، فقال أبو بكر ﵁: كيف العدد فيكم؟ فقال مفروق بن عمرو:
إنا لنزيد على ألف، ولن تغلب ألف من قلة. فقال أبو بكر:
كيف الحرب بينكم وبين عدوكم؟ فقال المفروق:
إنا لأشد ما نكون لقاءً حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد،
стр. 227
والسلاح على اللقاح، والنصر من عند الله، يدلنا (١) مرة، ويدلي علينا أخرى، لعلك أخا قريش؟
فقال أبو بكر: قد بلغكم أنه رسول الله؟ ألا هو ذا. فقال مفروق:
بلغنا أنه يذكر ذاك، فإلى ما تدعو يا أخا قريش، فتقدم رسول الله ﷺ ، فجلس، وقام أبو بكر يظله بثوبه، فقام رسول الله ﷺ :
"أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله لا شريك له .. وأن محمدًا عبده ورسوله، وإلى أن تؤوني وتنصروني، فإن قريشًا قد ظاهرت على أمر الله، وكذبت رسله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله الغني الحميد". فقال مفروق ابن عمرو:
وإلامَ تدعونا يا أخا قريش، فوالله ما سمعت كلامًا أحسن من هذا؟ فتلا رسول الله ﷺ : ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ (٢) نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فقال مفروق بن عمرو:
وإلام تدعونا يا أخا قريش، فوالله ما هذا من كلام أهل الأرض. فتلا رسول الله ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾ فقال مفروق:
دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال،
стр. 228
ولقد أفك (١) قوم كذبوك وظاهروا عليك، وكأنه أحب أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة، فقال: وهذا هانئ شيخنا، وصاحب ديننا. فقال هانئ بن قبيصة: لقد سمعت مقالتك يا أخا قريش، إني أرى أن تركنا ديننا واتباعنا على دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر أنه زلل في الرأي وقلة نظر في العاقبة، وإنما تكون الزلة مع العجلة، ومن ورائنا قوم نكره أن يعقد عليهم عقدًا ولكن نرجع وترجع وننظر، وكأنه أحب أن يشركه المثنى بن حارثة فقال: وهذا المثنى بن حارثة، شيخنا وصاحب حربنا فقال المثنى بن حارثة: سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب في جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا ومتابعتك على دينك، وإنا إنما نزلنا بين صريين اليمامة والسمامة، فقال رسول الله ﷺ : ما هذان الصريان. فقال المثنى:
أنهار كسرى، مياه العرب، فأما ما كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه مغفور، وعنده مقبول، وإنما نزلنا على عهدٍ أخذه علينا أن لا نحدث حديثًا، ولا نؤوي محدثًا، وإني أرى أن هذا الأمر الذي تدعونا إليه يا قرشي مما يكره الملوك، فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب. فعلنا، فقال رسول الله ﷺ :
ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق، وإن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه، أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلًا حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم وأموالهم، ويفرشكم نساءهم. أتسبحون الله وتقدسونه، فقال النعمان بن شريك:
اللَّهم فلك ذلك. فتلا رسول الله ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا
стр. 229
وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (١). ثم نهض رسول الله ﷺ قابضًا على يدي أبي بكر وهو يقول:
يا أبا بكر أية أخلاق في الجاهلية ما أشرفها، بها يدفع الله بأس بعضهم عن بعضى، وبها يتحاجزون فيما بينهم، قال علي ﵁:
فدفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج، فما نهضنا، حتى بايعوا رسول الله ﷺ ، فلقد رأيت رسول الله ﷺ وقد سر بما كان من أبي بكر ومعرفته بأنسابهم) (٢).
إذًا
ففي خيمة المفروق لا عطاء .. لكن مجلس المفروق كان آخر الأحزان .. لم يحث في الوجوه .. شتمًا ولا تراب .. رطبًا طريًا كان مجلس
стр. 230
المفروق .. يوحي بأن في الصحراء .. قلبًا وماءً .. نبعًا يرطب العروق .. يشدها نحو السماء.
لقاء الأنصار
دفع ﷺ وأبو بكر ﵁ إلى خيام الأوس والخزرج .. القادمين من حرة يثرب .. فكان لقاء الغرباء بالغرباء .. جدد الدنيا .. وحول التاريخ .. وأعاد إلى الإنسانية مكانتها وقيادتها التي كادت تهلك دونها. (لما لقيهم رسول الله ﷺ . قال لهم: ممّن أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج. قال ﷺ : "أمن موالي يهود؟ " قالوا: نعم. قال ﷺ : "أفلا تجلسون أكلمكم؟ " قالوا: بلى. فجلسوا معه، فدعاهم رسول الله ﷺ إلى الله ، وعرض عليهم الإِسلام، وتلا عليهم القرآن، وكان مما صنع الله لهم في الإِسلام أن يهودًا كانوا معهم ببلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانت الأوس والخزرج أهل شرك، وأصحاب أوثان فكانوا إذا كان بينهم شيء، قالت اليهود: إن نبيًا مبعوث الآن قد أظل زمانه، نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم (١). فلما كلم رسول الله ﷺ أولئك النفر، ودعاهم إلى الله ، قال بعضهم لبعض: يا قوم اعلموا والله أن هذا الذي توعدكم به يهود، فلا تسبقنكم إليه، فأجابوه لمَّا دعاهم إلى الله ، وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإِسلام، وقالوا له: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى الله أن يجمعهم الله بك، وسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك.
стр. 231
ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ راجعين إلى بلادهم قد آمنوا وصدقوا) (١). ولما وصلوا إلى يثرب .. تسللوا إلى قلوب بعض قومهم .. فاستجابوا لهم وأسلموا .. فصار في تلك الديار من يعبد الله وحده لا شريك له .. ويصلي على رسول الله ﷺ .. فلما كان موسم الحج التالي قدمت مطايا يثرب من المشركين تحج مكة .. وكان بين الركب مطايا للموحدين .. وفد يثرب من الأنصار مشوا إلى رسول الله ﷺ بعد انقضاء شعائر الحج .. غسلوا أيديهم من دماء الثارات والعنف الجاهلي بماء زمزم الطاهر .. غسلوها ومدوها لرسول الله ﷺ طاهرة .. يبايعونه ليلًا .. وعيون مكة نائمة عما يجري على أرض العقبة.
العقبة الأولى
وعندما رأى ﷺ أيديهم تصل إليه إذعانًا وامتثالًا لله ورسوله .. قال لهم: (تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفي منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله، فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه) (٢).
فبايعوه وشدت الأيدي للنهوض بالحق وبذله للجميع لشعوب الأرض جميعًا. والرجال المبايعون في العقبة الأولى كانوا قليلًا .. يقول
стр. 232
أحدهم وهو عبادة بن الصامت: (كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثني عشر رجلًا) (١) حملها الأنصار وابتهجوا بها، وكانت فخرهم عندما يلوح الرجال بإنجازاتهم أمام الجميع .. يقول أحدهم وهو كعب بن مالك: (ولقد شهدت مع النبي ﷺ ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإِسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها) (٢).
وممن شهد العقبة: جابر بن عبد الله الأنصاري القائل: (أنا وأبي وخالي من أصحاب العقبة) (٣) والقائل: (شهد بي خالاي العقبة) (٤).
تلك بيعة حطمت جدرانًا سوداء تحجب عن الدنيا أنوارًا للآخرة .. بيعة توقظ .. بيعة تهز هذا الإنسان الرث الملتحف بقشور السنين المظلمة .. تقول له: هذا ربك فاعبده وحده .. وأنت خليفته وسيد كونه. فاجعله ربيعًا يبتسم. وهذا مالك منثور في كل مكان .. ابحث عنه والتقطه .. ودع غيرك يبحث ولا تمدن يديك إلى ما في أيدي الغير .. حتى تكون خليفة حقًا .. وسيدًا للكون أيضًا. وتزوج فالحب أنفاس الحياة .. فلا تلوثها برائحة البغايا المنتنة.
стр. 233
إنها بيعة تلاحق ذلك الرجل المتجه كالغضب نحو المقابر .. تمسك به وتهز كتفيه وتصرخ في وجهه:
ويحك قف ما هذا الذي تحمله على ظهرك قاصدًا به نحو المقابر .. ويحك قف إنه ما زال حيًا .. إنها ابنتك ونبض قلبك .. شريانك ودمك .. ماذا جنت حتى تهيل التراب عليها وهي شاخصة تبلل لحيتك وقبرها بدموع .. تناشدك شيئًا من حنان .. مبادئ عظيمة قبض عليها الأنصار بأيديهم وحملوها إلى يثرب .. فلما أروها بعض قومهم قدموا إلى مكة طمعًا في مثلها فكان:
(يأتيه الرجل، فيؤمن به، فيقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لا يبقى دار من دور يثرب إلا فيها رهط من المسلمين يظهرون الإِسلام) (١). ويبتهجون بتلك المبادئ التي غرسها في أعماقهم هذا الدين المدهش حفظت لهم أعراضهم وأموالهم .. وأطفالهم وأذابت ما بينهم من صدأ الجاهلية .. كحبات المطر يمتزجون سيلًا يغيث الصحراء .. لا فرق بينهم جميعًا .. لكن أكرمهم عند الله أتقاهم ومع ذلك كانوا بحاجة إلى معلم يقرأ عليهم كتاب الله .. فكان:
مصعب بن عمير في يثرب
لقد (بعثوا إلى رسول الله ﷺ : أن أبعث إلينا رجلًا من قبلك، فيدعو الناس بكتاب الله، فإنه أدنى أن يتبع، فبعث إليهم رسول الله ﷺ "مصعب ابن عمير" أخا بني عبد الدار، فترل في "بني غنم" على أسعد بن زرارة،
стр. 234
فجعل يدعو الناس سرًا، فيفشو الإِسلام ويكثر أهله، وهم في ذلك مستخفين بدعائهم) (١).
غربة مصعب
لم تخل حياة هذا المعلم الغريب من المعاناة .. فهو بعيد عن مكة .. بعيد عن رسول الله ﷺ .. ظهره مكشوف للجميع .. لا يملك شيئًا .. لا أهلًا .. ولا مالًا .. ولا سلاحًا .. كل ما يملكه رسالة ربه .. هي زاده وهي سلاحه .. يقتحم الأهوال بها .. لا يأبه إن ضرب أو مات فما خرج من مكة يبحث عن حطام الدنيا .. بل كان يتحسس حطام القلوب والأرواح .. ليجمعها من جديد .. كان يحمل الحياة في هوة الموت .. يردمها .. ثم يزرعها للجميع .. خضراء أشرقت يثرب بمصعب بن عمير .. لكن من يحملون في صدورهم صخورًا .. ساءتهم تلك البهجة وذلك الاخضرار .. فأخبروا سيدًا لهم ليضع للأمر حدًا .. ولمصعب ومن معه نهاية يقفون عندها .. وكان اسم سيدهم هذا (سعد بن معاذ، فأتاهم في لأمَتَه (٢) معه الرمح حتى وقف عليهم فقال لأسعد بن زرارة: علام تأتينا في دورنا بهذا الوحيد الفريد الطريح الغريب، يسفه ضعفاءنا بالباطل، ويدعوكم إليه، ولا أراكم بعدها بشيء من جوارنا. فرجعوا. ثم إنهم عادوا الثانية لبئر مرق (٣) أو قريبًا، فأخبر بهم سعد بن معاذ .. فتواعدهم
стр. 235
توعدًا دون الوعيد الأول. فلما رأى أسعد بن زرارة منه لينًا قال: يا ابن خالة اسمع من قوله، فإن سمعت منكرًا فاردده بأهدى منه، وإن سمعت حقًا فأجب إليه. فقال سعد:
ماذا يقول؟ فقرأ عليه مصعب بن عمير: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فقال سعد بن معاذ: ما أسمع إلا ما أعرف. فرجع وقد هداه الله تعالى، ولم يظهر لهم الإِسلام حتى رجع إلى قومه، فدعا بني الأشهل إلى الإِسلام، وأظهر إسلامه، وقال: من شك فيه من صغير أو كبير، أو أنثى أو ذكر، فليأتنا بأهدى منه نأخذ به، فوالله لقد جاء أمر لتحزَّنَّ فيه الرقاب.
فأسلمت بنو عبد الأشهل عند إسلام سعد بن معاذ ودعائه، إلا من لم يذكر، فكانت أول دور من دور الأنصار أسلمت بأسرهم، ثم إن بني النجار أخرجوا مصعب بن عمير واشتدوا على أسعد بن زرارة، فانتقل مصعب بن عمير إلى سعد بن معاذ، فلم يزل عنده، ويهدي الله على يديه، حتى قل دار من دور الأنصار إلا أسلم فيها ناس لا محالة، وأسلم أشرافهم، وأسلم عمرو بن الجموح، وكسرت أصنامهم، وكانت المسلمون أعز أهلها، وصلح أمرهم، ورجع مصعب بن عمير إلى رسول الله ﷺ وكان يدعى المقرئ) (١).
عاد المقرئ إلى معلمه ونبيه ﷺ يبشره بأن يثرب قد ملئت دروبها بحطام الأصنام .. يبشره بأن أبوابا مشرعة للشمس والهواء .. للقلوب المحبة
стр. 236
المبتسمة .. للأيدي تصافح .. يبشره بأن التوحيد - يغمر أجواء يثرب .. فلقد عادت الحياة إليها من جديد.
أما قريش فقد كانت أسوأ مما تركها عليه .. لقد تحولت في وجه رسول الله وصحبه إلى سدود حديد صلبة .. وأقفال لا مفاتيح لها .. كان المشركون صمتًا مخيفًا يفوح مكيدة وخبثًا .. أما الموحدون فكانوا صمتًا متفائلًا ينتظرون لقاء الأنصار في العقبة الثانية.
حيرة بين الأقصى والكعبة
حان موعد الحج .. فتداعى الحجيج وسالوا من كل فج نحو بيت ربهم .. لكن الكعبة لم تكن تنتظر إلا وفدًا قادمًا من حرة يثرب .. فهم لا يحملون أصنامًا .. ولا يعلقون تمائم .. إفم يحملون توحيدًا يغسل الكعبة مما علق بها من أرجاس الشرك .. الشاعر كعب بن مالك أحد هؤلاء الموحدين يحمل شعرًا يحمل طهرًا ويحدثنا فيقول: (خرجنا في الحجة التي بايعنا فيها رسول الله ﷺ بالعقبة مع مشركي قومنا، ومعنا "البراء بن معرور" كبيرنا وسيدنا، حتى إذا كنا بظاهر "البيداء" قال: يا هؤلاء تعلمون أني قد رأيت رأيًا، والله ما أدري توافقون عليه أم لا، فقلنا: وما هو يا أبا بشر؟ قال: إني قد أردت أن أصلي إلى هذه البنية (١)، ولا أجعلها مني بظهر، فقلنا: لا والله لا تفعل، والله ما بلغنا أن نبينا يصلي إلا إلى الشام. قال البراء بن معرور: فإني والله لمصل إليها، فكان إذا حضرت الصلاة توجه إلى الكعبة، وتوجهنا إلى الشام حتى قدمنا مكة، فقال لي البراء بن معرور: يا ابن أخي انطلق بنا إلى رسول الله ﷺ حتى أسأله عما صنعته في سفري هذا، فلقد وجدت في نفسي منه بخلافكم إياي. فخرجنا
стр. 237
نسأل عن رسول الله، فلقينا رجلًا بالأبطح. فقلنا: هل تدلنا على محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب؟ فقال: فهل تعرفانه إن رأيتماه؟ فقلنا: لا والله ما نعرفه -ولم نكن رأينا رسول الله ﷺ فقال: فهل تعرفان العباس بن عبد المطلب؟ فقلنا: نعم. وقد كنا نعرفه، كان يختلف إلينا بالتجارة- فقال: فإذا دخلتما المسجد فانظرا العباس، فهو الرجل الذي معه. فدخلنا المسجد فإذا رسول الله ﷺ والعباس ناحية المسجد جالسين، فسلمنا، ثم جلسنا، فقال رسول الله ﷺ للعباس: هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ قال العباس: نعم. هذا البراء بن معرور سيد قومه، وهذا كعب بن مالك. فوالله ما أنسى قول رسول الله ﷺ : الشاعر؟ قال العباس: نعم. فقال له البراء: يا رسول الله إني قد كنت رأيت في سفري هذا رأيًا، وقد أحببت أن أسألك عنه لتخبرني عما صنعت فيه. قال ﷺ : "وما ذاك؟ " قال البراء: رأيت أن أجعل هذه البنية مني بظهر، فصليت إليها. فقال له رسول الله ﷺ : قد كنت على قبلة. لو صبرت عليها. فرجع إلى قبلة رسول الله ﷺ ) (١) .. ورجع هو ومن معه إلى رحال قومهم ..
وفي أواخر أيام الحج هذه تجهز الأنصار لموعد رسول الله ﷺ السرِّي في ليلة:
العقبة الثانية
يقول كعب بن مالك:
(وقد واعدنا رسول الله ﷺ العقبة أوسط أيام التشريق، ونحن سبعون رجلًا للبيعة، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام "أبو جابر" وإنه لعلى
стр. 238
شركه، فأخذناه فقلنا: يا أبا جابر، والله إنا لنرغب بك أن تموت على ما أنت عليه، فتكون لهذه النار غدًا حطبًا، وإن الله قد بعث رسولًا يأمر بتوحيده وعبادته، وقد أسلم رجال من قومك، وقد واعدنا رسول الله ﷺ للبيعة.
فأسلم وطهر ثيابه، وحضرها معنا، فكان نقيبًا، فلما كانت الليلة التي واعدنا فيها رسول الله ﷺ بمنى أول الليل مع قومنا، فلما استثقل الناس في النوم تسللنا من قريش تسلل القطا (١)، حتى إذا اجتمعنا بالعقبة، فأتانا رسول الله ﷺ ، وعمه العباس، ليس معه غيره، أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، فكان أول متكلم، فقال العباس: إن محمدًا منا حيث قد علمتم، وهو في منعة من قومه وبلاده، وقد منعناه، ممّن هو على مثل رأينا فيه، وقد أبى إلا الانقطاع إليكم وإلى ما دعوتموه إليه، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه فأنتم وما تحملتم، وإن كنتم تخشون من أنفسكم خذلانًا فاتركوه في قومه، فإنه في منعة من عشيرته وقومه. فقلنا: قد سمعنا ما قلت. تكلم يا رسول. فتكلم رسول الله ﷺ ، ودعا إلى الله ، وتلا القرآن، ورغب في الإِسلام، فأجبناه بالإيمان به والتصديق له، وقلنا له: يا رسول الله خذ لربك ولنفسك. فقال: إني أبايعكم على أن تمنعوني مما منعتم منه أبناءكم ونساءكم. فأجابه البراء بن معرور فقال: نعم، والذي بعثك بالحق ما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحرب، وأهل الحلقة .. ورثناها كابرًا عن كابر، فعرض في الحديث أبو الهيثم بن التيهان، فقال: يا رسول الله، إن بيننا أقوامًا حبالًا، وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن الله أظهرك أن ترجع إلى قومك وتدعنا. فقال
стр. 239
رسول الله ﷺ : "بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أسالم من سالمتم، وأحارب من حاربتم"، فقال البراء بن معرور: ابسط يدك يا رسول الله نبايعك، فقال رسول الله ﷺ : "اخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبًا". فأخرجوهم له.
فكان نقيب بني النجار: أسعد بن زرارة.
وكان نقيب بن سلمة: البراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام.
وكان نقيب بني ساعدة: سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو.
وكان نقيب بني زريق: رافع بن مالك بن العجلان.
وكان نقيب بني الحارث بن الخزرج: عبد الله بن رواحة، وسعد بن الربيع.
وكان نقيب القوافل بني عوف بن الخزرج: عبادة بن الصامت.
وفي الأوس من بني عبد الأشهل: أسيد بن حضير، وأبو الهيثم بن التيهان.
ونقيب بن عمرو بن عوف: سعد بن خيثمة.
فكانوا اثني عشر نقيبًا تسعة من الخزرج .. وثلاثة من الأوس. فأخذ البراء بن معرور بيد رسول الله ﷺ فضرب عليها، وكان أول من بايع، وتتابع الناس فبايعوا) (١) فامتزجت القلوب والأيدي في مهرجان حب وولاء، تللث الأيدي كانت في تمازجها تخنق مخلوقًا مخيفًا لا يُرى ولا
стр. 240
يُسمع، حشته بيعة العقبة الثانية جمرًا محرقًا، فصرخ يدعو جيوشه المشركة لتطفئ ما به من حريق، لقد كان ذلك الصارخ هو عدو الإنسانية كلها:
الشيطان يصرخ
يحاول إيقاف غطيط المشركين علهم يتنبهون لما يجري حولهم. يقول كعب بن مالك: (فصرخ الشيطان على العقبة بأبعد -والله- صوت ما سمعته قط، فقال: يا أهل الجباجب (١)، هلَّا لكم في مذمم (٢) -ما يقول محمَّد- والصباء معه قد اجتمعوا على حربكم. فقال رسول الله ﷺ :
"هذا أزب (٣) العقبة .. هذا ابن أزيب .. أما والله لأفرغن لك، ارفضوا (٤) إلى رحالكم". فقال العباس بن عبادة بن نضلة أخو بني سالم: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى بأسيافنا، فقال رسول الله ﷺ : "إنا لم نؤمر بذلك، ارفضوا إلى رحالكم". فرجعنا إلى رحالنا، فاضطجعنا على فرشنا، فلما أصبحنا أقبلت جلة من قريش، فيهم: الحارث بن هشام فتى شاب وعليه نعلان جديدان، حتى جاءوا في رحالنا، فقالوا: يا معشر الخزرج إنه قد بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا لتستخرجوه من بين أظهرنا، وإنه والله ما من العرب أحد أبغض إلينا أن ينشب الحرب فيما بيننا وبينهم منكم، فانبعث من هناك من قومنا من المشركين، يحلفون لهم بالله ما كان من هذا شيء، وما فعلناه، وأنا أنظر إلى أبي جابر بن عبد الله بن عمرو بن
стр. 241
حرام -وهو صامت- وأنا صامت. فلما تثور القوم لينطلقوا، قلت كلمة كأني أشركهم في الكلام:
يا أبا جابر أنت سيد من ساداتنا، وكهل من كهولنا، لا تستطيع أن تتخذ مثل نعلي هذا الفتى من قريش؟
فسمعه الفتى، فخلع نعليه فرمى بهما إلي، وقال: والله لتلبسنهما. فقال أبو جابر: مهلًا أحفظت لعمر الله الرجل -يقول أخجلته- أردد عليه نعليه. فقلت: والله لا أردهما، فَأْلٌ صالح، والله إني لأرجو أن أسلبنه) (١).
أما جابر بن عبد الله الأنصاري فيقص أحداث العقبة الثانية فيقول:
(بعثنا الله له ﷺ من يثرب، فيأتيه الرجل منا، فيؤمن به ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله، فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبق دار من يثرب إلا وفيها رهط من المسلمين، يظهرون الإِسلام، ثم بعثنا الله وائتمرنا واجتمعنا - سبعين رجلًا منا، فقلنا: حتى متى نذر رسول الله ﷺ يطرد في جبال مكة ويخاف، فرحلنا حتى قدمنا عليه في الموسم، فواعدنا شعب العقبة، فاجتمعنا فيه من رجل ورجلين، حتى توافينا عنده، فقلنا: يا رسول الله، على ما نبايعك؟
قال ﷺ : "بايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى
стр. 242
النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم فيه لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم يثرب تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة".
فقمنا نبايعه، وأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو أصغر السبعن رجلًا سنًا، فقال: رويدًا يا أهل يثرب. إنا لم نضرب إليه أكباد المطايا إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، إن إخراجه اليوم: مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم (١) السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على عض السيوف إذا مستكم، وعلى قتل خياركم، وعلى مفارقة العرب كافة فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه، فهو أعذر لكم عند الله ، فقلنا: أمط (٢) يدك يا أسعد بن زرارة، فوالله لا نذر هذه البيعة، ولا نستقيلها، فقمنا إليه نبايعه رجلًا رجلًا، يأخذ علينا شرطه، ويعطينا على ذلك الجنة) (٣).
شمس جديدة كالذهب .. وصباح منعش كالمطر .. ورواحل الأنصار تودع البطاح .. تحمل عهدًا .. تحمل حبًا لمحمد .. تنثر منه للتلال للكثبان .. تنعش به الأجواء .. تبشر به التائهين على صفحة الأرض كلها.
أما قريش فالأيام تزيد في جنونها، وطغاتها حارت بهم الدروب ..
стр. 243
كلما أغاروا على مسلم ضعيف لم يجدوه .. لم يجدوا في بيته سوى الجدران .. سوى الرياح تنوح داخله باكية تبحث عن أحبتها فلا تجدهم، أما الأبواب فكانت تصطفق تضطرب كقلب عاشَق مهجور .. فلن تعانق بعد اليوم تلك الأيادي المتوهجة بالوضوء. ما الذي حدث يا مكة .. ماذا فعلت بك تلك ال رؤيا التي رآها رسول الله ﷺ :
رؤيا
رآها ﷺ ، فأسر بها إلى أصحابه المثقلين بقيود قريش. قال لهم: (إني أريت دار هجرتكم، ذات نخل بين لابتين - وهما الحرتان (١) .. فهاجر من هاجر قِبَلَ (٢) المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر قبل المدينة. فقال رسول الله ﷺ : "على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي". فقال أبو بكر ﵁: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال ﷺ :"نعم". فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه، وعلف (٣) راحلتين كانتا عنده: ورق السمر (٤) -وهو الخبط- أربعة أشهر) (٥).
جاءت هذه الرؤيا تبعث الأمل من جديد .. بعد أن ضاقت مكة واصطكت جبالها على الموحدين .. بعد أن أصبح الموت يتلصص عليهم .. يرقبهم في الزوايا والممرات متوثبًا يريد الفتك بهم وبدينهم .. فلم المكوث في هذا الاختناق.
стр. 244
هجرة عمر بن الخطاب وعياش وهشام
يقول ﵁:
(اتعدت لما اجتمعنا للهجرة أنا و"عياش بن أبي ربيعة" و"هشام ابن العاص": الميضأة (١) -ميضأة بني غفار- فوق سرف، وقلنا: أيكم لم يصبح عندها فقد احتبس، فليمض صاحباه.
فحبس عنا هشام بن العاص، فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف (٢)، وخرج أبو جهل بن هشام، والحارث بن هشام إلى عياش بن أبي ربيعة -وكان ابن عمهما وأخاهما لأمهما- حتى قدما علينا المدينة، فكلماه، فقالا له: إن أمك نذرت أن لا يمس رأسها مشط حتى تراك، فرق لها .. فقلت له: يا عياش .. والله إن يريدك القوم إلا عن دينك، فاحذرهم، فوالله لو قد آذى أمك القمل لامتشطت. قال عياش: إن لي هناك مالًا فآخذه. قلت:
والله إنك لتعلم أني من أكثر قريش مالًا، ظك نصف مالي ولا تذهب معهما فأبى إلا أن يخرج معهما. فقلت له لما أبى علي:
أما إذا فعلت ما فعلت، فخذ ناقتي هذه، فإذا ذلول (٣) فالزم ظهرها، فإن رابك (٤) من القوم ريب فانج عليها. فخرج معهما عليها، حتى إذا كانوا ببعض الطرق قال أبو جهل بن هشام:
стр. 245
والله لقد استبطأت بعيري هذا، أفلا تحملني على ناقتك هذه. قال عياش: بلى. فلما أناخ، وأناخا ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عديا عليه وأوثقاه، ثم أدخلاه مكة، وفتناه، فافتتن، فكنا نقول: والله لا يقبل الله ممّن افتتن صرفًا ولا عدلًا، ولا يقبل توبة، قوم عرفوا الله، ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أنزل فيهم وفي قولنا لهم، وقولهم لأنفسهم: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (١) قال عمر بن الخطاب: فكتبتها في صحيفة، وبعثت بها إلى هشام بن العاص. قال هشام: فلم أزل أقرؤها بذي طوى، أصعد بها وأصوب (٢) حتى فهمتها، فألقي في نفسي أنما نزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسنا ويقال فينا، فرجعت، فجلست على بعيري فلحقت برسول الله ﷺ بالمدينة) (٣).
يأس كاد أن يقضي على اثنين من رجال الإِسلام .. كان عمر فيها بطلًا .. شهمًا .. بعيد النظر .. يعرف من يكون طاغوت قريش الملقب بـ (أبي جهل) وما هي ألاعيبه .. لذلك مد يديه مفتوحتين يتناثر منهما ماله .. يبذله بسخاء افتداءً لأخيه من المجهول المخيف .. لكنَّ أخاه كان
стр. 246
رقيق القلب تجاه أمه فصدق ما قيل له .. فنزل عمر عن راحلته ليركب أخوه عليها .. فإذا سريعة متى ما أحس بحاجة إلى الهرب .. وتمت التمثيلية .. ووقع عياش في الأسر والحزن .. وحاصرته جبال مكة حتى اقتربت من أضلاعه .. وطوته الأيام بالهموم والضياع .. حتى نزل الفرج من الله .. كلمات تشرح الصدور وتغرس فيها الآمال من جديد .. ولم يكن عياش وهشام وحدهما المأساة .. فـ (أم سلمة) كانت حزنًا يزحف في طريق الهجرة .. أم سلمة كانت غربة تبحث عن أرض كالحب .. كالأمان تحقق انتماءها عليها .. أم سلمة امرأة حزينة .. هامت على وجهها تبحث عن حياة حقيقية تليق بمسلمة مثلها لا ترضى بالذل ولا بالتخلف معها. ركبت البحر إلى الحبشة بصحبة زوجها العظيم (أبي سلمة ﵄ .. وركبته ثانية عائدة إلى مكة بعد أن لاح في الأفق أمل للحرية في أجواء مكة .. عادت وزوجها .. فوجدا مكة أكثر ظلمة .. وأكثر أنيابًا .. ولما سمعا بأن في حرة المدينة أذرعًا وقلوبًا مفتوحة وشمسًا مشرقة .. التفتا إليها لعل هذا الهم ينفض عن قلبيهما .. وسارا نحو مدينة الإِسلام الجديدة لا يعلمان ماذا تخبئ الجبال خلفها .. ولا أي حزن كانت تغطيه رمال الطريق.
مأساة هند
تقول ﵂:
(لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل لي بعيره، ثم حملني عليه، وحمل معي ابني "سلمة بن أبي سلمة" في حجري، ثم خرج بي يقود بي بعيره، فلما رأته رجال بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، قاموا إليه، فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها أرأيتك صاحبتك هذه، علام نتركك
стр. 247
تسير بها في البلاد؟ فنزعوا خطام البعير من يده، فأخذوني منه .. وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد "رهط أبي سلمة" (١) فقالوا:
لا والله، لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا .. فتجاذبوا ابني "سلمة" بينهم حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة .. ففرق بيني وبين زوجي وبين ابني .. فكنت أخرج كل غداة، فأجلس بالأبطح، فما أزال أبكي حتى أمسي: سنة أو قريبًا منها، حتى مر بي رجل من بني عمي، أحد بني المغيرة فرأى ما بي فرحمني، فقال لبني المغيرة:
ألا تخرجون هذه المسكينة، فرقتم بينها وبن زوجها وبن ولدها. فقالوا لي:
إلحقى بزوجك إن شئت. ورد بنو عبد الأسد -أي عند ذلك ابني، فارتحلت بعيري ثم أخذت ابني فوضعته في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة، وما معي أحد من خلق الله .. أتبلغ بمن لقيت حتى أقدم على زوجي، حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان (٢) بن طلحة بن أبي طلحة -أخا بني عبد الدار- فقال لي: إلى أين يا بنت أبي أمية؟ فقلت: أريد زوجي بالمدينة. فقال: أوما معك أحد؟ فقلت: لا والله، إلا الله وابني هذا. قال: والله ما لك من مترك. فأخذ بخطام البعير، فانطلق معي يهوي بي، فوالله ما صحبت رجلًا من العرب قط أرى أنه أكرم منه، كان إذا بلغ المنزل أناخ بي .. ثم استأخر عني، حتى إذا نزلت أستأخر ببعيري، فحط عنه، ثم قيده في الشجرة، ثم تنحى عني إلى شجرة، فاضطجع تحتها،
стр. 248
فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري، فقدمه فرحله ثم استأخر عني، وقال: اركبي. فإذا ركبت واستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه فقاده حتى ينزل بي. حتى أقدمني المدينة، فلما نظر إلى قرية بني عمر وابن عوف بـ (قباء) قال:
زوجك في هذه القرية -وكان أبو سلمة بها نازلًا- فادخليها على بركة الله، ثم انصرف. فكانت أم سلمة ﵂ تقول:
والله ما أعلم أهل بيت في الإِسلام أصابهم ما أصاب أبا سلمة، وما رأيت صاحبًا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة) (١). في غربة الدروب والأسفار لا طفل .. لا حبيب .. لا ظل .. لا أشجار .. عام بلا نهار .. عام بلا نهار .. في الأبطح المزروع بالرماح والقضبان .. هند تموت .. في كل ساعة تموت .. والشرك شرطة تحاصر الأنفاس .. وترفض العبور تقفل المكان .. وتفسح الطريق عبر غابة الأكفان. للحزن والرمضاء والزمام .. عثمان يخطف الزمام .. وينقش الشهادتين والوعود .. كي يعود .. لأنهر الحياة والإسلام .. لا بد أن يعود ..
فإن بين جوانح هذا الشهم إسلامًا مكتوف اليدين .. يحتاج إلى شرارة تحرق قيده .. وتزيح ركام الجاهلية الجاثم على أنفاسه.
стр. 249
مأساة كانت أم سلمة .. مآسي كانت دروب الفرار من الاضطهاد إلى بلد الحرية المفتوح .. لكن ماذا عن سيد المهاجرين .. هل سيبقى وحيدًا في مكة وبيوت أصحابه خالية إلا من بكاء الريح. ترى متى سيهاجر.
رسول الله يؤمر بالهجرة
قال ابن عباس ﵄: (كان رسول الله ﷺ بمكة، فأُمِر بالهجرة، وأنزل عليه: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ (١).
وبعد نزول هذا الأمر الكريم اتجه ﷺ نحو صاحبه أبي بكر في سرية تامة .. متلثمًا، في وقت يلوذ فيه الناس ببيوتهم وتخف وطأتهم على الطرقات والدروب لشدة الحر والرمضاء .. في هذا الوقت الذي يتجول فيه السموم واللهب وحدهما في الطرقات كان ﷺ يطرق باب أبي بكر الصديق بحذر شديد .. تقول عائشة ﵂: (فبينما نحن يومًا جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ متقنعًا (٢) -في ساعة لم يكن يأتينا فيها- فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، فجاء رسول الله ﷺ , فاستأذن، فأذن له، فدخل، فقال النبي ﷺ لأبي بكر:
"اخرج من عندك" فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول
стр. 250
الله. قال- ﷺ : "فإني قد أذن لي في الخروج". فقال أبو بكر: "الصحابة" (١) بأبي أنت يا رسول الله. قال رسول الله- ﷺ : "نعم". قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين. قال رسول الله- ﷺ : "بالثمن") (٢). أي سأدفع قيمتها.
هذا ما كان يفعله رسول الإسلام ﷺ .. أما أعداء الإسلام والحياة .. طواغيت قريش فكانوا في تلك الأيام في شغل وهم ومكائد ينسجون خيوطها في مكان يقال له:
دار الندوة
حيث تحولت قريش في اجتماعاتها الحاسمة إلى حمم من الغضب .. دار الندوة تحولت إلى بركان ثائر يريد رأس رسول الله ﷺ بأي ثمن .. فقد أيقنت قريش بأنه لا محالة خارج إلى مدينة الإسلام الجديدة متلحقًا بأصحابه .. الوضع مخيف جدًا .. قريش يخيفها مستقبلها المجهول إن انتصر عدوها محمد ﷺ .. لذلك اجتمعت في يوم أسمته (يوم الزحمة) الذي تحدث عنه ابن عباس فقال: (لما اجتمعوا لذلك، واتعدوا أن يدخلوا دار الندوة، ويتشاوروا فيها في أمر رسول الله ﷺ ، غدوا في اليوم الذي اتعدوا له، وكان ذلك اليوم يسمى الزحمة، فاعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل، عليه بت (٣) له، فوقف على باب الدار، فلما رأوه واقفًا على بابها، قالوا: من الشيخ؟ قال: شيخ من أهل نجد، سمع بالذي اتعدتم له، فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى ألا يعدمكم منه رأي ونصح،