رقيق القلب تجاه أمه فصدق ما قيل له .. فنزل عمر عن راحلته ليركب أخوه عليها .. فإذا سريعة متى ما أحس بحاجة إلى الهرب .. وتمت التمثيلية .. ووقع عياش في الأسر والحزن .. وحاصرته جبال مكة حتى اقتربت من أضلاعه .. وطوته الأيام بالهموم والضياع .. حتى نزل الفرج من الله .. كلمات تشرح الصدور وتغرس فيها الآمال من جديد .. ولم يكن عياش وهشام وحدهما المأساة .. فـ (أم سلمة) كانت حزنًا يزحف في طريق الهجرة .. أم سلمة كانت غربة تبحث عن أرض كالحب .. كالأمان تحقق انتماءها عليها .. أم سلمة امرأة حزينة .. هامت على وجهها تبحث عن حياة حقيقية تليق بمسلمة مثلها لا ترضى بالذل ولا بالتخلف معها. ركبت البحر إلى الحبشة بصحبة زوجها العظيم (أبي سلمة ﵄ .. وركبته ثانية عائدة إلى مكة بعد أن لاح في الأفق أمل للحرية في أجواء مكة .. عادت وزوجها .. فوجدا مكة أكثر ظلمة .. وأكثر أنيابًا .. ولما سمعا بأن في حرة المدينة أذرعًا وقلوبًا مفتوحة وشمسًا مشرقة .. التفتا إليها لعل هذا الهم ينفض عن قلبيهما .. وسارا نحو مدينة الإِسلام الجديدة لا يعلمان ماذا تخبئ الجبال خلفها .. ولا أي حزن كانت تغطيه رمال الطريق.
مأساة هند
تقول ﵂:
(لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل لي بعيره، ثم حملني عليه، وحمل معي ابني "سلمة بن أبي سلمة" في حجري، ثم خرج بي يقود بي بعيره، فلما رأته رجال بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، قاموا إليه، فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها أرأيتك صاحبتك هذه، علام نتركك
стр. 247
تسير بها في البلاد؟ فنزعوا خطام البعير من يده، فأخذوني منه .. وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد "رهط أبي سلمة" (١) فقالوا:
لا والله، لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا .. فتجاذبوا ابني "سلمة" بينهم حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة .. ففرق بيني وبين زوجي وبين ابني .. فكنت أخرج كل غداة، فأجلس بالأبطح، فما أزال أبكي حتى أمسي: سنة أو قريبًا منها، حتى مر بي رجل من بني عمي، أحد بني المغيرة فرأى ما بي فرحمني، فقال لبني المغيرة:
ألا تخرجون هذه المسكينة، فرقتم بينها وبن زوجها وبن ولدها. فقالوا لي:
إلحقى بزوجك إن شئت. ورد بنو عبد الأسد -أي عند ذلك ابني، فارتحلت بعيري ثم أخذت ابني فوضعته في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة، وما معي أحد من خلق الله .. أتبلغ بمن لقيت حتى أقدم على زوجي، حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان (٢) بن طلحة بن أبي طلحة -أخا بني عبد الدار- فقال لي: إلى أين يا بنت أبي أمية؟ فقلت: أريد زوجي بالمدينة. فقال: أوما معك أحد؟ فقلت: لا والله، إلا الله وابني هذا. قال: والله ما لك من مترك. فأخذ بخطام البعير، فانطلق معي يهوي بي، فوالله ما صحبت رجلًا من العرب قط أرى أنه أكرم منه، كان إذا بلغ المنزل أناخ بي .. ثم استأخر عني، حتى إذا نزلت أستأخر ببعيري، فحط عنه، ثم قيده في الشجرة، ثم تنحى عني إلى شجرة، فاضطجع تحتها،
стр. 248
فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري، فقدمه فرحله ثم استأخر عني، وقال: اركبي. فإذا ركبت واستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه فقاده حتى ينزل بي. حتى أقدمني المدينة، فلما نظر إلى قرية بني عمر وابن عوف بـ (قباء) قال:
زوجك في هذه القرية -وكان أبو سلمة بها نازلًا- فادخليها على بركة الله، ثم انصرف. فكانت أم سلمة ﵂ تقول:
والله ما أعلم أهل بيت في الإِسلام أصابهم ما أصاب أبا سلمة، وما رأيت صاحبًا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة) (١). في غربة الدروب والأسفار لا طفل .. لا حبيب .. لا ظل .. لا أشجار .. عام بلا نهار .. عام بلا نهار .. في الأبطح المزروع بالرماح والقضبان .. هند تموت .. في كل ساعة تموت .. والشرك شرطة تحاصر الأنفاس .. وترفض العبور تقفل المكان .. وتفسح الطريق عبر غابة الأكفان. للحزن والرمضاء والزمام .. عثمان يخطف الزمام .. وينقش الشهادتين والوعود .. كي يعود .. لأنهر الحياة والإسلام .. لا بد أن يعود ..
فإن بين جوانح هذا الشهم إسلامًا مكتوف اليدين .. يحتاج إلى شرارة تحرق قيده .. وتزيح ركام الجاهلية الجاثم على أنفاسه.
стр. 249
مأساة كانت أم سلمة .. مآسي كانت دروب الفرار من الاضطهاد إلى بلد الحرية المفتوح .. لكن ماذا عن سيد المهاجرين .. هل سيبقى وحيدًا في مكة وبيوت أصحابه خالية إلا من بكاء الريح. ترى متى سيهاجر.
رسول الله يؤمر بالهجرة
قال ابن عباس ﵄: (كان رسول الله ﷺ بمكة، فأُمِر بالهجرة، وأنزل عليه: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ (١).
وبعد نزول هذا الأمر الكريم اتجه ﷺ نحو صاحبه أبي بكر في سرية تامة .. متلثمًا، في وقت يلوذ فيه الناس ببيوتهم وتخف وطأتهم على الطرقات والدروب لشدة الحر والرمضاء .. في هذا الوقت الذي يتجول فيه السموم واللهب وحدهما في الطرقات كان ﷺ يطرق باب أبي بكر الصديق بحذر شديد .. تقول عائشة ﵂: (فبينما نحن يومًا جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ متقنعًا (٢) -في ساعة لم يكن يأتينا فيها- فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، فجاء رسول الله ﷺ , فاستأذن، فأذن له، فدخل، فقال النبي ﷺ لأبي بكر:
"اخرج من عندك" فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول
стр. 250
الله. قال- ﷺ : "فإني قد أذن لي في الخروج". فقال أبو بكر: "الصحابة" (١) بأبي أنت يا رسول الله. قال رسول الله- ﷺ : "نعم". قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين. قال رسول الله- ﷺ : "بالثمن") (٢). أي سأدفع قيمتها.
هذا ما كان يفعله رسول الإسلام ﷺ .. أما أعداء الإسلام والحياة .. طواغيت قريش فكانوا في تلك الأيام في شغل وهم ومكائد ينسجون خيوطها في مكان يقال له:
دار الندوة
حيث تحولت قريش في اجتماعاتها الحاسمة إلى حمم من الغضب .. دار الندوة تحولت إلى بركان ثائر يريد رأس رسول الله ﷺ بأي ثمن .. فقد أيقنت قريش بأنه لا محالة خارج إلى مدينة الإسلام الجديدة متلحقًا بأصحابه .. الوضع مخيف جدًا .. قريش يخيفها مستقبلها المجهول إن انتصر عدوها محمد ﷺ .. لذلك اجتمعت في يوم أسمته (يوم الزحمة) الذي تحدث عنه ابن عباس فقال: (لما اجتمعوا لذلك، واتعدوا أن يدخلوا دار الندوة، ويتشاوروا فيها في أمر رسول الله ﷺ ، غدوا في اليوم الذي اتعدوا له، وكان ذلك اليوم يسمى الزحمة، فاعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل، عليه بت (٣) له، فوقف على باب الدار، فلما رأوه واقفًا على بابها، قالوا: من الشيخ؟ قال: شيخ من أهل نجد، سمع بالذي اتعدتم له، فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى ألا يعدمكم منه رأي ونصح،
стр. 251
قالوا: أجل، فادخل. فدخل معهم، وقد اجتمع فيها أشراف قريش كلهم من كل قبيلة.
من بني عبد شمس: شيبة وعتبة ابنا ربيعة .. وأبو سفيان بن حرب. ومن بني نوفل بن عبد مناف: طعيمة بن عدي .. وجبير بن مطعم .. والحارث بن عامر بن نوفل. ومن بني عبد الدار بن قصي: النضر بن الحارث بن كلدة. ومن بني أسد بن عبد العزى: أبو البختري بن هشام .. وزمعة بن الأسود بن المطلب .. وحكيم بن حزام. ومن بني مخزوم: أبو جهل بن هشام .. ومن بني سهم: نبيه ومنبه ابنا الحجاج. ومن بني جمح: أمية بن خلف .. ومن كان معهم وغيرهم ممّن لا يعد من قريش .. فقال بعضهم لبعض:
إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد كان، وما قد رأيتم، وإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا بمن قد اتبعه من غيرنا، فأجمعوا فيه رأيًا. فتشاوروا. ثم قال قائل منهم: احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابًا، ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين قبله: زهيرًا، والنابغة، ومن مضى منهم من هذا الموت حتى يصيبه منه ما أصابهم.
فقال الشيخ النجدي:
لا والله ما هذا لكم برأي، والله لو حبستموه كما تقولون لخرج أمره من وراء الباب الذي أغلقتموه دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم حتى يغلبوكم على أمركم هذا .. ما هذا لكم برأي فانظروا في غيره ثم تشاوروا، فقال قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلدنا، فإذا خرج فوالله ما نبالي إلى أين ذهب، ولا حيث وقع إذا غاب عنا وفرغنا منه، فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت.
стр. 252
قال الشيخ النجدي:
والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حسن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به، والله لو فعلتم ذلك ما أمنت أن يحل على حي من العرب، فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم، حتى يطأكم بهم، فيأخذ أمركم من أيديكم، ثم يفعل بكم ما أراد، أديروا فيه رأيًا غير هذا. فقال أبو جهل بن هشام: والله إن لي فيه لرأيًا ما أراكم وقعتم عليه بعد. قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن تأخذوا من كل قبيلة فتى شابًا جلدًا، نسيبًا وسيطًا فينا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفًا صارمًا، ثم يعمدون إليه، ثم يضربونه ضربة رجل واحد فيقتلونه فنستريح، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل (١) كلها، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا، ورضوا منا بالعقل فعقلناه لهم. فقال الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل. هذا الرأي لا رأي لكم غيره، فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له) (٢) ذلك ما أسفر عنه يوم الزحمة .. أما بيت أبي بكر .. فلم
стр. 253
يكن أقل نشاطًا مما يحدث في دار الندوة .. فالكتمان والصمت والعمل الدؤوب شعار للجميع. تقول عائشة:
(فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين) (١)، فتاتان من فتيات الإسلام يواجهن الموت ليل نهار .. يردن بذلك وجه الله .. ينشرن أذرعهن طريقًا لمدينة الإسلام .. هاتان الفتاتان ليستا وحدهما من بين شباب الإسلام .. كان هناك شاب عظيم طرح للموت جسدًا باعه لله .. يفتدى به رسوله ﷺ ذلك هو:
علي بن أبي طالب على فراش الموت
فعندما اتفق الطغاة على تحديد ليلة ينكسون فيها سيوفهم في ذلك الجسد الطاهر .. ثمانية سيوف وربما أكثر تتلمض تريد أن تستحم بدمائه ﷺ وتشب .. يريدون ليطفئوا نور الله .. والله متم نوره .. ولو كان فوق كل حبة رمل سيف لأعدائه .. أرسل الجبار سبحانه وحيًا يحمله جبريل (فأتى جبريل رسول الله ﷺ ، فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، فلما كان العتمة من الليل اجتمعوا على بابه، فترصدوه متى ينام فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله ﷺ مكانهم قال لعلي بن أبي طالب: نم على فراشي، واتشح (٢) ببردي الحضرمي الأخضر، فنم فإنه لا يخلص إليك شيء تكرهه منهم، وكان رسول الله ﷺ ينام في برده ذلك إذا نام) (٣).
стр. 254
وامتثل الفارس الشاب لأمر سيده ﷺ .. واتشح بالبرد .. وكان على استعداد ليتشح بالدماء .. فقد علمه الإسلام كيف يبذل روحه لله وحده .. علمه كيف يكون رسول الله ﷺ أحب إليه من نفسه .. وخرج رسول الله ﷺ متسللًا .. وبعد خروجه (جاء أبو بكر وعلي نائم، وأبو بكر يحسب أنه نبي الله، فقال: يا نبي الله. فقال علي: إن نبي الله قد انطلق نحو بئر ميمون فأدركه، فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار، وجعل علي يُرْمَى بالحجارة كما كان يُرْمَى نبي الله ﷺ وهو يتضور (١)، قد لف رأسه في الثوب لا يخرجه حتى أصبح، ثم كشف رأسه، فقالوا: إنك للئيم، كان صاحبك نرميه فلا يتضور، وأنت تتضور، وقد استنكرنا ذلك) (٢).
إذًا فقد حدث تغيير بسيط في خطة الهروب بعد أن علم ﷺ بالمؤامرة فلم ينم على فراشه .. وتسلل- ﷺ بعد تخطيط محكم وخدعة بارعة انطلت على جميع الأغبياء والأذكياء منهم .. على كل سيف صلت قد انتصب خلف باب ينتظر الجريمة .. ولم تكتشف أكداس الكفر خلف الجدار ما حل بهم إلا بعد أن تنفس الصبح في وجوههم يوقظهم ليسخر منهم .. علي بن أبي طالب كان فتى يعدل أمة .. ويخدع طواغيتًا قد ركمهم الحقد وحنطهم الغل حول الباب .. بينما كان رسول الله ﷺ يأخذ بيد صاحبه أبي بكر عند بئر ميمون ويواصلان المسير على عجل .. يدفعان الجبال عنهما دفعًا .. بالتأكيد لم يكونا في نزهة خارج مكة .. لقد كانا مسرعين
стр. 255
يقصدان جبلًا عيَّناه وحدداه ورسماه ضمن خارطة الهجرة وخطة الهروب .. وهما الآن يعجان إليه .. لكن أبا بكر الصديق لم يكن طبيعيًا .. كان مرتبكًا .. طريقة سيره توحي بذلك .. فهو يحمل روحه في إحدى يديه .. ويحمل باليد الأخرى خمسة آلاف درهم هي كل ما يملكه من مال .. لكن حركته واضطرابه لا توحي بأنه خائف على روحه ولا على ثروته فماذا هناك؟
ماذا دهاك يا أبا بكر
أتدرون ماذا كان يفعل (يكون مرة أمام النبي ﷺ مرة .. وخلفه مرة، فسأله النبي ﷺ عن ذلك فقال: إذا كنت خلفك خشيت أن تؤتى (١) من أمامك، وإذا كنت أمامك خشيت أن تؤتى من خلفك) (٢) واستمر أبو بكر في تصرفه حتى عندما لامست أقدامه صخور الجبل .. وعند الصعود فعل ذلك (حتى انتهى إلى الغار من ثور).
عندها فعل أبو بكر ما لا يفعله غيره (قال أبو بكر: كما أنت (٣). حتى أدخل يدي فأحسه وأقصه فإذا كانت فيه دابة أصابتني قبلك) (٤).
стр. 256
لقد كان أبو بكر طيفًا من الحنان .. سحابة من الحب تظل رسول الله- ﷺ كأني به يود لو صنع من جسده درعًا يحمي به رسول الله- ﷺ حتى يصل إلى أحبابه المنتظرين في حرة المدينة وبين نخيلها.
فلا عجب أبدًا بعد هذا أن يحمر وجه عمر بن الخطاب غضبًا على رجال فضلوه على أبي بكر .. لقد كان عمر يعرف من هو أبو بكر .. فقد (ذكر رجال على عهد عمر فكأنهم فضلوا عمر على أبي بكر، فبلغ ذلك عمر، فقال ﵁: والله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر، وليوم من أبي بكر خير من عمر، لقد خرج رسول الله- ﷺ ليلة انطلق إلى الغار، ومعه أبو بكر، فجعل يمشي ساعة بين يديه، وساعة خلفه، حتى فطن رسول الله- ﷺ فقال:"يا أبا بكر ما لك تمشى ساعة خلفي، وساعة بين يدي؟ " فقال: يا رسول الله أذكر الطلب (١) فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد (٢) فأمشي بين يديك. فقال رسول الله- ﷺ : "يا أبا بكر لو كان شيء لأحببت أن يكون بك دوني؟ " قال ﵁: نعم. والذي بعثك بالحق، فلما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر: مكانك يا رسول الله حتى استبرئ، فدخل فاستبرأ ثم قال: انزل يا رسول الله. فنزل ثم قال عمر ﵁: والذي نفسي بيده لتلك الليلة خير من آل عمر) (٣).
ذاك جسد لأبي بكر باعه لله .. وتلك دماء تشخب منه تنقش على
стр. 257
جدران الغار حب الله وحب رسوله ﷺ : (لقد كان أبو بكر مع رسول الله- ﷺ في الغار، فأصاب يده حجر، فقال:
إن أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت) (١)
ذاك جسد أبي بكر .. أما مال أبي بكر .. كل ماله فهو منثور بي يدي رسول الله- ﷺ في الغار .. حمله أبو بكر كله .. وقدمه لرسول الله- ﷺ -كله .. حتى صار بيت أبي بكر في مكة خاليًا إلا من الإيمان .. وفتيات رباهن الإسلام وأبو بكر .. هذه إحداهن .. المجاهدة العظيمة ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر تقول: (لما خرج رسول الله ﷺ ، وخرج معه أبو بكر، احتمل أبو بكر ماله كله ومعه خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف -فانطلق بها معه، فدخل علينا جدي: أبو قحافة (٢) -وقد ذهب بصره- فقال: والله إني لأراه قد فجعكم (٣) بماله مع نفسه. قلت: كلا يا أبت، إنه قد ترك لنا خيرًا كثيرًا. فأخذت أحجارًا فوضعتها في كوة (٤) في البيت الذي كان أبي يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوبًا، ثم أخذت بيده، فقلت: يا أبت ضع يدك على هذا المال، فوضع يده عليه، فقال: لا بأس إذا كان يترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا إبلاغ لكم، قالت أسماء ﵂: ولا والله ما ترك لنا شيئًا، ولكن أردت أن أسكت هذا الشيخ بذلك) (٥).
стр. 258
إنهن بنات أبي بكر .. والدهن شريد طريد، قابع فوق أحد الجبال .. مختبئ بدينه ونبيه- ﷺ .. وهذه هي أحوال الدعاة بين مهاجر بعيد عن الأهل والمال .. وأسير تفتك به أظافر قريش .. ومطارد لا يدري ماذا تطوى له التلال والدروب. أما قريش فـ:
قريش غاضبة
تفجرت كالشظايا .. في كل مكان .. بين الأودية والشعاب .. بين الجبال والدروب .. تقلب الصخور وتفتح الأبواب وتهز أغصان الأشجار .. وتسأل المسافرين وتستجوب الرعاة .. تتمنى لو تسأل الريح وحبات الرمال .. تبحث عنك يا رسول الله تتمنى لو وقعت في قبضتها ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (١) يقول ابن عباس: (تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق -يريدون النبي- ﷺ وقال بعضهم: بل اقتلوه.
وقال بعضهم: بل أخرجوه.
فأطلع الله نبيه على ذلك فبات عليٌّ على فراش النبي- ﷺ تلك الليلة، وخرج النبي- ﷺ حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليًا -يحسبونه النبي ﷺ ، فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوا عليًا رد الله مكرهم فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري.
стр. 259
فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل خلط عليهم، فصعدوا في الجبل فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسيج العنكبوت، فقالوا: لو دخل ها هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه) (١).
وعن غضب قريش يحدثنا حفيد أبي بكر فيقول:
(إن مشركي قريش أجمعوا أمرهم ومكرهم حين ظنوا أن رسول الله- ﷺ خارج، وعلموا أن الله قد جعل له بالمدينة مأوى ومنعة، وبلغهم إسلام الأنصار ومن خرج إليهم من المهاجرين، فأجمعوا أمرهم على أن يأخذوا رسول الله ﷺ فإما أن يقتلوه، وإما أن يسجنوه، وإما أن يخرجوه، وإما أن يوثقوه، فأخبره الله بمكرهم فقال تعالى ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (٢).
وبلغه ذلك اليوم الذي أتى فيه رسول الله ﷺ دار أبي بكر أنهم مبيتوه إذا أمسى على فراشه، وخرج من تحت الليل هو وأبو بكر قِبَل الغار بثور، وهو الغار الذي ذكره الله في القرآن، وعمد علي بن أبي طالب فرقد على فراشه، يواري عنه العيون) (٣). وقد وصل المشركون ورسول
стр. 260
الله- ﷺ نائم على فراشه وكانوا ينتظرون خروجه .. وللتأكد كانوا يرمونه بالحجارة فلا يتحرك .. ثم أمر- ﷺ عليًا أن يرقد في فراشه فكانت هذه القصة التي يرويها ابن عم رسول الله ﷺ وابن عم علي ﵃ حيث يقول:
(شرى عليٌّ نفسه، ولبس ثوب النبي- ﷺ ثم نام مكانه، وكان المشركون يرمون رسول الله ﷺ وقد كان رسول الله ﷺ ألبسه بردة، وكانت قريش، تريد أن تقتل النبي ﵌ فجعلوا يرمون عليًا ويرونه النبي- ﷺ وقد لبس برده، وجعل علي ﵁ يتضور، -فنظروا- فإذا هو علي فقالوا:
إنك للئيم، إنك لتتضور وكان صاحبك لا يتضور، ولقد استنكرناه منك) (١) (فسألوه عن النبي ﷺ ، فأخبرهم أنه لا علم له به، فعلموا عند ذلك أنه خرج، فركبوا في كل وجه يطلبونه، وبعثوا إلى أهل المياه يأمرونهم، ويُجعلون لهم الجُعل العظيم (٢). وأتوا على ثور الذي فيه الغار، الذي فيه رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، حتى طلعوا فوقه، وسمع النبي- ﷺ أصواتهم، فأشفق (٣) أبو بكر عند ذلك، أقبل على الهم والخوف، فعند ذلك قال له النبي- ﷺ :
стр. 261
"لا تحزن إن الله معنا". ودعا، فنزلت عليه سكينة من الله : ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١).
إذًا فقد حامت الأقدام حول فم الغار .. لحظات تحبس الأنفاس وتتقلب فيها القلوب والأبصار .. ويهجم الخوف والرعب من شقوق الغار .. من سيوف الطغاة ومن العيون التي تتطاير إجرامًا وشررًا لكن:
الله ثالثهما
يصف الصديق تلك اللحظات الحاسمة، ويحدث الجميع بما جرى من حوار هامس بينه وبين حبيبه- ﷺ فيقول: (كنت مع رسول الله- ﷺ في الغار فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه. فقال ﷺ : "يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما") (٢).
إذا كان الأمركذلك فوالله لو سار مع قريش كل الأحياء .. وتشققت المقابر فخرج الأموات يسحبون أكفانهم خلف أبي جهل .. يقلبون معه حجارة الأرض .. ويجتشون أشجارها .. ويزحزحون جبالها ما قدروا على اثنين الله ثالثهما .. فكيف تقدر قريش .. هذا أمر لن يحدث أبدًا ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ
стр. 262
عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١).
وانحدرت قريش من ذلك الجبل تلهث وتلهث .. وتتصبب عرقًا وهزيمة .. تدحرجت أمامها كبرياؤها وغطرستها .. وأعلنت لمن حولها عن هزيمة قاسية تلقتها من محمد ﷺ .. وأعلنت عجزها وضعفها .. وحاولت الاستنجاد وطلب العون من أي شخص كان ليقبض على محمد ﷺ فهو:
مطلوب حيًا أو ميتًا
وقد فتحت قريش صناديق الحلال والحرام .. وعرضت الهدايا والهبات أمام الجميع .. تقدمها لمن يحضر رسول الله حيًا .. أو يسحبه ميتًا .. أو يحمل رأسه ورأس صاحبه إلى قريش .. أحد الذين سمعوا بالجائزة .. أحد الذين فركوا أيديهم طمعًا فيها رجل اسمه: سراقة بن مالك .. يحدثنا فيقول: (جاءنا رسول كفار قريش يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكر دية، كل واحد منهما، من قتله أو أسره) (٢).
إذًا فقريش قد استنفرت رجالاتها وأموالها وتوجهت إلى كل العرب ضد رسول الله ﷺ تستحثهم وتغريهم .. لكن رسول الله ﷺ -كان أذكى من الجميع وقد أعد خطة محكمة لتذهب ضربات قريش في الهواء .. خطة تجعلها لا تجني من ركضها سوى الغبار والعرق .. أما تنفيذ هذه الخطة فقد بدأ حالما انحدرت قريش من جبل ثور .. فرسول الله ﷺ لم ينحدر بعدها لقد قرر أن يمكث هو وأبو بكر في الغار ثلاثة أيام .. هذه الأيام الثلاثة
стр. 263
ستكون محمومة بالبحث والتفتيش .. وهي كفيلة بالفتِّ من عزيمة الكفار وتسريب الإحباط إلى نفوسهم.
لكن كيف سيعرف رسول الله ﷺ وصاحبه ما يجري .. كان الجواب شابًا من أبناء أبي بكر الصديق أيضًا .. ملأه الإيمان حبًا .. وحماسًا وبذلًا .. اسمه: عبد الله بن أبي بكر يعيش مع قريش في وضح النهار .. يخالطهم يكلمهم. يسمع منهم .. يلتقط أخبارهم ومشاريعهم ثم يحملها إذا جن المساء .. فيصعد بها الجبل .. وفي الغار تكون أخبار قريش ومخططاتها بين يدي رسول الله ﷺ وصاحبه .. وقبيل طلوع الشمس عند الفجر .. وبعد أن يؤدي الصلاة مع رسول الله ﷺ ينحدر إلى مكة ثانية ليقوم بمهمته من جديد .. وعبد الله لم يكلف في هذه المرحلة إلا بمهمة واحدة .. هي حمل الأخبار فقط .. حتى لا يثير شك من يصادفه في طريقه.
أما الطعام .. فقد كلف به شاب تربى في بيت أبي بكر أيضًا .. إنه أحد رعاة الغنم .. واسمه: عامر بن فهيرة .. كان يسوق غنماته ويسيح معها في نزهة خارج مكة .. وهذا أمر طبيعي لا يلفت الانتباه أبدًا .. فهو راعي غنم ومهمته تقتضي أن يكون خارج المدينة .. فكان يحمل الزاد إليهما بعد العشاء .. ثم ينصرف عنهما قبل طلوع الشمس أيضًا. تقول عائشة ﵂:
(فَكَمِنا (١) فيه ثلاث ليال، ويبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر -وهو غلام شاب، ثقف (٢)، لقن (٣) - فيدلج (٤) من عندهما بسحر (١)، فيصبح مع
стр. 264
قريش بمكة كبائت (٢)، فلا يسمع أمرًا يكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام.
ويرعى عليهما عامر بن فهيرة -مولى أبي بكر- منحة (٣) من غنم، فيريحها (٤) عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل -وهو لبن منحتهما ورضيفهما (٥) - حتى ينعق (٦) عامر بن فهيرة بغلس (٧)، يفعل ذلك في كل ليلة من الليالي الثلاث) (٨).
إذًا هناك بطلان: أحدهما يكشف تفكير العدو. والآخر يحمل الطعام. لكن هل سيدوم الحال على هذا الوضع؟ لقد اشترى أبو بكر راحلتين فأين هما .. أعند عبد الله .. أم بين أغنام عامر بن فهيرة؟ وكيف سيحصلان عليهما وعيون قريش تدور .. تتلصص في كل مكان؟
لم تكن الإجابة صعبة على رسول الله ﷺ .. فقد أعد لذلك خطةً محكمة .. هذه الخطة تقضي بألا تكون الراحلتان عند عبد الله بن أبي بكر ولا عند عامر بن فهيرة .. فلو كانتا عند أحدهما لارتابت قريش وزرعت شكها عينًا تلاحقهما حتى تظفر بما تريد .. ورسول الله ﷺ يدرك ذلك
стр. 265
كله ويدرك ما هو أبعد من ذلك .. لذلك استخدم كل الوسائل المباحة المتاحة في أرجاء الكون الفسيح له .. فأسند لهذه المهمة رجلًا مشركًا لكنه كان أمينًا .. واعده ﷺ الليلة الثالثة كي يحضر الراحلتين .. وكان هذا الرجل من أعلم الناس بطبيعة الطريق ومسالكه .. يعرف كيف يتسلل بهما بعيدًا عن حوافر الشرك ورماحه .. تقول عائشة:
(واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلًا من بني الديل -وهو من بني عبد بن عدي- هاديًا خريتًا. والخريت: الماهر بالهداية، قد غمس حلفًا في آل العاصي بن وائل السهمي -وهو على دين كفار قريش- فأمناه، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور، بعد ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل، فأخذ بهما طريق السواحل) (١).
على دروب السواحل
على دروب السواحل .. الفجر سار يناضل .. والليل صار مخيفًا .. والخوف كان الرواحل .. فهذه الرحلة يحدد نجاحها قيام دولة للإسلام في يثرب .. أو موت حلم ثم البدء من جديد .. والبحث من جديد .. يقول الصديق ﵁:
(أدلجنا من مكة ليلًا، فأحيينا ليلتنا ويومنا حتى أظهرنا (٢)، وقام قائم الظهيرة، فرميت ببصري هل أرى من ظل نأوي إليه، فإذا صخرة، فانتهيت إليها، فإذا بقية ظل لها، فسويته، ثم فرشت لرسول الله ﷺ فروة، ثم قلت: اضطجع يا رسول الله فاضطجع، ثم ذهبت أنفض (٣) ما حولي
стр. 266
هل أرى من الطلب أحدًا؟ فإذا براعي غنم يسوق غنمه إلى الصخرة، يريد منها الذي نريد -يعني الظل- فسألته، فقلت: لمن أنت يا غلام؟ فقال: لرجل من قريش فسماه، فعرفته فقلت: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم. قلت: هل أنت حالب لي؟ قال: نعم. فأمرته فاعتقل شاة من غنمه، وأمرته أن ينفض ضرعها من التراب، ثم أمرته أن ينفض كفيه -فقال هكذا، فضرب إحدى كفيه على الأخرى- فحلب لي كثبة (١) من لبن، وقد رويت معي لرسول الله ﷺ أداوة على فمها خرقة، فصببت على اللبن، حتى برد أسفله، فأتيت رسول الله ﷺ فوافقته وقد استيقظ فقلت: أتشرب يا رسول الله؟ فشرب رسول الله ﷺ حتى رضيت ثم قلت: قد آن الرحيل يا رسول الله.
فارتحلنا والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له. فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله. قال: لا تحزن إن الله معنا. فلما أن دنا منا، وكان بيننا وبينه قيد رمحين أو ثلاثة قلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله - وبكيت. فقال ﷺ : "ما يبكيك؟ " فقلت: أما والله ما على نفسي أبكي، ولكن إنما أبكي عليك.
فدعا عليه رسول الله ﷺ : فساخت به فرسه في الأرض إلى بطنها، فوثب عنها. ثم قال: يا محمد، قد علمت أن هذا عملك، فادع الله أن ينجني مما أنا فيه: فوالله لأعمين على من ورائي من الطلب، وهذه كنانتي فخذ منها سهمًا، فإنك ستمر بإبلي وغنمي بمكان كذا .. وكذا .. ، فخذ منها حاجتك، فقال رسول الله ﷺ :
стр. 267
"لا حاجة لنا في إبلك وغنمك"، ودعا له رسول الله ﷺ ، فانطلق راجعًا إلى أصحابه، ومضى رسول الله ﷺ ) (١).
مَن سراقة هذا وما الذي أتى به خلف رسول الله ﷺ .. وكيف عرف أنهم يسلكون طريق السواحل؟
سراقة يتحدث
ويقص كيف علم بمسلك رسول الله ﷺ بعدما أخبره رجل لمحهم يسيرون بقرب الساحل .. وكان ذلك الحديث في مرابع بني مدلج (قوم سراقة) فيقول: (جاء رسول كفار قريش يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكر"دية" كل واحد منهما: من قتله أو أسره. فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي -بني مدلج- أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال: يا سراقة إني قد رأيت آنفًا أسودة بالساحل، أراها محمدًا وأصحابه) (٢).
سراقة يبحث عن الدماء والدية
فحالما سمع حديث الرجل انتصبت في مخيلته (مائة من الإبل) (٣) تدفعها قريش لمن ينثر على الساحل دم رسول الله ﷺ وصاحبه .. تخيل سراقة تلك الإبل المائة وهي تسيل بين الأودية نحوه ليضمها ويلحقها بما يملكه من الأغنام والإبل المنتشرة في طريق المدينة. لذلك حاول إخراس ذلك المتكلم .. وتثبيط عزيمة السامعين من قومه حتى لا يلحقوا بالمهاجرين فيخسر الإبل الجائزة. لقد قال سراقة لذلك الرجل: (إنهم ليسوا بهم،
стр. 268
ولكن رأيت فلانًا وفلانًا، انطلقوا بأعيننا، يبتغون ضالة لهم) (١)، ويواصل سراقة حديثه فيقول:
(ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قمت فدخلت، فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من وراء أكمة (٢)، فتحبسها علي، وأخذت رمحي، فخرجت به من ظهر البيت فخططت بزجه (٣) الأرض، وخفضت عاليه، حتى أتيت فرسي، فركبتها، فرفعتها تقرب بي حتى دنوت منهم، فعثرت بي فرسي، فخررت عنها، فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام (٤)، فاستقسمت بها: أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره، فركبت فرسي وعصيت الأزلام، تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات. ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها، فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان (٥) ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام، فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ ، فقلت له:
إن قومك قد جعلوا فيك الدية .. وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم،
стр. 269
وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآني (١)، ولم يسألاني، إلا أن قال: "أخف عنا" فسألته أن يكتب لي كتاب أمن .. فأمر عامر بن فهيرة، فكتب في رقعة من أديم، ثم مضى رسول الله ﷺ ) (٢) بعد أن أعطى الأمان لذلك الباحث الذي يريد قتله وحز رأسه، معجزة مخيفة ورادعة ما حدث لسراقة، إذًا فرسول الله ﷺ في حصن حصين لن تصل إليه أيدي المشركين، فلماذا يقول لسراقة: أخف عنا .. لماذا يقولها وهو محاط بهذا الحشد من الخوارق، والجنود التي لا يعلمها إلا الله؟
إنه يقولها لأنه رسول جاء بمنهج من عند الله للبشر، وعلى البشر مهمة نشره هنا وهناك، فبجهدهم ينتشر، وعلى البشر أن يركضوا هنا وهناك بحثًا عن الأسباب الموصلة للنجاح، ورسول الله ﷺ في هجرته يرسم خطًا لا يمكن أن ينتشر الإسلام إلا بالسير عليه، لقد هاجر- ﷺ بعد أن خطط ورسم، وتكتم وتلثم، وسار في الليل والناس نيام، ثم جعل نتائج كل ذلك إلى الله سبحانه، إنه لم يتحدث لأبي بكر قبل الهجرة عن معجزات ستحصل في الطريق, لأنه فعل الأسباب كما طلب منه، ثم فوض أمره إلى الله، إن الهجرة تطبيق عملي لقوله ﷺ :
(إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه) (٣) فإذا أتقنه فقد انتهى دوره .. وهذه طاقة البشر لا يكلفهم الله فوق طاقتهم .. فإن قبض عليه المشركون وقبضوا على صاحبه .. فقد أديا ما طلب منهما ولا شيء عليهما وإن أكرمهم الله بمعجزة أو خارقة فذلك فضل من الله .. لكن المسلم يأثم إن لم يتقن عمله أملًا في حدوث معجزة أو كرامة تقلب
стр. 270
الأوضاع وعليه أن ينتظر النكسة في أية لحظة تطرق بابه .. لقد استوعب رسول الله- ﷺ وأصحابه المستضعفون هذه الحقيقة .. فدعوا وأسروا واختفوا ولاقوا ما لاقوا في سبيل ربهم .. ولما أقفلت قريش أبواب مكة كلها في وجوههم تركوها لهم .. غادروها وهي أحب البقاع إلى الله وإليهم .. لقد وقف ﷺ يومًا (بالحزوراء في سوق مكة فقال: إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلي، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت وقال: علمت إنك خير أرض الله، وأحب أرض الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت) (١).
غادرها ﷺ بعد أن ضاقت به .. وغادرها الصحابة كلهم نحو مدينة مفتحة الأذرع والأبواب .. للهاربين للخلاص .. للحاملين سورة الإخلاص .. غادروها إلى مدينة عطوف .. يحن فيها كل شيء .. حتى الجذع يحن إلى رسول الله ﷺ .. حتى الحجارة فيها بادلت الصحابة عشقًا .. ألم يلتفت ﷺ إلى جبل أحد فيقول: (أحد جبل يحبنا ونحبه) (٢) إن الهجرة ترافق الشمس كل صباح تحيي الغرباء وتقول لهم: إذا أتقنتم أعمالكم تحولت مدن العالم إلى مدائن للحب والأنصار .. وشغفت جبال الدنيا بكم .. كما شغف جبل أحد بأسلافكم.
واصل الرسول ﷺ وصاحبه المسير .. وفي طريقهما شاهدا بعض الأغنام وشاهدا بينهما الراعي .. فطلبا منه السقيا .. فقال: (ما عندي شاة تحلب، غير أن ها هنا عناقًا حملت أول الشتاء, وقد أخرجت، وما بقي لها لبن، فقال ﷺ :
стр. 271
"ادع بها". فاعتقلها النبي- ﷺ ومسح ضرعها، ودعا حتى أنزلت، وجاء أبو بكر بمجن فحلب (١) وسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعي، ثم حلب فشرب، فقال الراعي: بالله من أنت فوالله ما رأيت مثلك قط؟
قال ﷺ : "أو تراك تكتم علي حتى أخبرك؟ " قال: نعم. قال- ﷺ : "فإني محمد رسول الله"، فقال: أنت الذي تزعم قريش أنه صابئ. قال- ﷺ : "إنهم ليقولون ذلك". قال: فأشهد أنك نبي، وأشهد أن ما جئت به حق، وإنه لا يفعل ما فعلت إلا نبي، وأنا متبعك، قال ﷺ :"إنك لن تستطيع ذلك يومك، فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتنا") (٢).
هذا الراعي المسكين نشأ في الصحراء حتى صار قطعة منها تهتز ربيعًا وجمالًا عندما يغشاها المطر .. ولقد اهتز إيمانًا عندما رأى المعجزات وحسن الأخلاق تهز عقله ليفيق من سبات الافتراءات التي أوصلتها إلى مسامعه قريش .. هذه الماعز التي لم يكن في ضرعها سوى الجفاف .. درت حليبًا وأنزلت .. أما هذا الرجل المطارد المتهم الذي حلبها فلم يشرب رغم عطشه .. لقد أسرت هذا الراعي أخلاق لم يعهدها .. يحلب وهو نبي الله ويسقي منهم دونه ثم يشرب آخرهم وهو الذي لو أراد لأدار الله له هذه الأرض ينتقي منها ما يشاء .. فأسلم الراعي وآمن وقرر ترك الصحراء والغنم ما دام بصحبة نبي.
لكن خلق النبي ﷺ الكريم وخوفه على أتباعه من الاضطهاد جعله يريثه إلى أجل لا يعلمه إلا الله. وامتثل هذا الراعي وصبر رغم شوقه ولهفه. هذا الراعي أظنه.
стр. 272
أبو معبد
الذي صادفه رسول الله ﷺ في طريق الهجرة، فإنه (لما انطلق رسول الله ﷺ وأبو بكر يستخفيان نزلا بأبي معبد، فقال: والله ما لنا شاة، وإن شاءنا لحوامل، فما بقي لنا لبن، فقال رسول الله ﷺ :"فما تلك الشاة؟ " فأتى بها. فدعى رسول الله ﷺ بالبركة عليها، ثم حلب عسًا (١) فسقاه، ثم شربوا. فقال: أنت الذي يزعم قريش أنك صابئ؟ قال ﷺ :"إنهم ليقولون ذلك". قال: أشهد أن ما جئت به حق، ثم قال: أتبعك؟ قال رسول الله ﷺ : "لا". حتى تسمع أنا قد ظهرنا) (٢).
وتجاوز رسول الله ﷺ غنمات أبي معبد، بعد أن ترك أبا معبد ظلًا .. تركه فيئًا يستظل به المتعبون، ربيعًا بعد أن كان حقلًا من الجفاف، تركه مرشدًا بعد أن كان يخبط في الظلام، وتحرك ﷺ ليلتقي بعد مسافة ليست بالقصيرة بـ:
خيمتا أم معبد
(أم معبد الخزاعية، وكانت برزة جلدة (٣) تحتبي (٤) بفناء القبة ثم تسقي
стр. 273
وتطعم فسألوها لحمًا وتمرًا ليشتروا منها فلم يصيبوا عندها شيئًا من ذلك، وكان القوم مرملين (١)، مسنتين (٢)، فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة في كسر الخيمة (٣)، فقال: ما هذا الشاة يا أم معبد؟ قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم. قال- ﷺ :"بها من لبن؟ " قالت: هى أجهد من ذلك. قال- ﷺ :"أفتأذنين لي أن أحلبها؟ " قالت: بأبي أنت وأمي، نعم. إن رأيت بها حلبًا فاحلبها.
فدعا بها رسول الله ﷺ فمسح ضرعها بيده، وسمى الله ، ودعا لها في شأنها، فتفاجت (٤) عليه ودرت واجترت، فدعا بإناء يريض الرهط (٥)، فحلب فيها ثجًا (٦)، حتى علاه البهاء (٧)، ثم سقاها حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا ثم شرب آخرهم ﷺ ثم أراضوا (٨)، ثم حلب ثانيًا بعد حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها وبايعها، ثم ارتحلوا عنها) (٩).
عودة أبي معبد
بعد رحيل هؤلاء الأطهار (ما لبثت إذ جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزًا عجافًا (١٠)، يتساوكن هزلًا، مخهن قليل، فلما رأى أبو معبد اللبن عجب وقال:
стр. 274
من أين هذا والشاة عازب حائل (١) .. ولا حلوبة في البيت؟ قالت: لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله: كذا .. وكذا .. فقال: صفيه لي يا أم معبد. قالت: رأيت رجلًا ظاهر الوضاءة .. أبلج (٢) الوجه، حسن الخلق .. لم تعبه ثجلة (٣) .. ولم تزر به صعلة (٤) .. وسيم قسيم، في عينه دعج (٥) .. وفي أشفاره عطف (٦) .. وفي صوته صهل (٧) .. وفي عنقه سطع (٨) .. وفي لحيته كثاثة (٩) .. أزج أقرن (١٠) .. إن صمت فعليه الوقار .. وإن تكلم سماه وعلاه البهاء .. أحمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنه من قريب .. حلو المنطق .. فصل لا نذر ولا هذر، كأنه منطقه خرزات نظم تحدرن، ربعة (١١)، لا بائن من طول، ولا تقتحمه عين من قصر (١٢)، غصن بين غصنين، هو أنظر الثلاثة منظرًا .. وأحسنهم قدرًا .. له رفقاء يحفون به .. إن قال أنصتوا لقوله .. وإن أمر تبادروا إلى أمره .. محفود محشود (١٣) .. ولا عابس ولا معتد. قال أبو معبد: هو والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره. ما ذكر بمكة "ولقد هممت بأن أصحبه" ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلًا.
стр. 275
فأصبح صوت بمكة عاليًا يسمعون ولا يدرون من صاحبه:
جزى الله رب البيت خير جزائه ... رفيقين قالا خيمتى أم معبد
هما نزلاها بالهدى واهتدت به ... فقد فاز من أمسى رفيق محمد
فيال قصي ما زوى الله عنهم ... به من فعال لا تجازى وسؤدد
ليهن بنى كعب مقام فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد
سلوا أختكم عن شائها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلبت ... عليه صريحًا صرة الشاة مزبد
فغادرها رهنًا لديها لحالب ... يرددها في مصدر ثم مورد
وأصبح صوت بالمدينة بين السماء والأرض يسمعون ولا يرون من يقوله) (١).
سمع شاعر الحياة الجديدة حسان بن ثابت تلك الأبيات، فهاجت
стр. 276
شاعريته، وأطلق الشعر يخطف ما لدى كفار قريش من فضائل ويحملها أنوارًا نحو مدينة الإسلام الجديدة:
لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم ... وقدس من يسرى إليه ويغتدي
ترحل عن قوم فضلت عقولهم ... وحل على قوم بنور مجدد
هداهم به بعد الضلالة ربهم ... فأرشدهم من يتبع الحق يرشد
وهل يستوى ضلال قوم تسفهوا ... عمايتهم هاديه كل مهتدي
وقد نزلت منه على أهل يثرب ... ركاب هدى حلت عليهم
نبي يرى ما يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب الله في كل مسجد
وإن قال في يوم مقالة غائب ... فتصديقها في اليوم أو في ضحى
ليهن أبا بكر سعادة جده ... بصحبته من يسعد الله يسعد
ليهن بنى كعب مقام فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد
وبعد أن ودع ﷺ أم معبد أحث السير وربما صادفه في مسيره آخرون .. فكان يواجه كل شخص بأسلوب مناسب .. فإن كان المار ممّن يخشى منه تسرب الأخبار .. تكفل أبو بكر بالإجابة. ولذلك يقول أنس ﵁: (أبو بكر شيخ يعرف، ونبي الله ﷺ شاب لا يعرف، فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر، من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، فيحسب الحاسب إنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير) (١) الذي يصل الدنيا بالآخرة، ويحطم الأبواب بينهما، فتشع أنوار الجنة في قلوب المؤمنين ودروبهم أينما حلوا أو ارتحلوا.
стр. 277
محطات
مر- ﷺ ورفقته بمحطات عديدة تذكرها عائشة جيدًا فتقول ﵂ وهي تتحدث عن زوجها وأبيها بعد أيام الغار: (هدأت عنهما الأصوات، وأتاهما أن قد سكت عنهما، جاءهما صاحبهما ببعيرهما، فانطلقا وانطلق معهما عامر بن فهيرة يخدمهما ويعينهما، يردفه أبو بكر ويعقبه على رحله، ليس معهما إلا عامر بن فهيرة وأخو بني عدي يهديهما الطريق، فأجاز بهما "في أسفل مكة"، ثم مضى بهما حتى "حاذى بهما الساحل أسفل من عسفان" ثم استجاز بهما حتى عارض الطريق بعدما جاوز "قديدًا" ثم سلك "الخرار"، ثم أجاز على "ثنية المرة" ثم أخذ على طريق يقال لها "المدلجة بين طريق عمق وطريق الروحاء" ثم توافوا طريق "العرج" وسلك ماء يقال له "الغابر عن يمين ركوبة" حتى يطلع على بطن "رئم" ثم جاء حتى قدم المدينة على "بني عمرو بن عوف" قبل القائلة) (١) إذًا فنهاية تلك المحطات هي محطة بن عمرو بن عوف لكن لماذا لم يذهب ﷺ إلى يثرب مباشرة .. لماذا مال إلى بلدة بني عمرو بن عوف المشهورة بـ (قباء) .. ما هو شعور الأنصار وهم ينتظرونه على مشارف يثرب فتأتيهم الأخبار أن نبيهم في قباء الآن .. أسئلة ملحة والإجابة عند نبي الله ﷺ .
стр. 278
النبي ﷺ يودع مكة
وَدَّع حبيبته وهي لا ترد .. ولو أجابت لأبكت من حولها .. ودع حبيبته .. تركها وهو كاره .. حالت الجاهلية بينه وبينها .. لم يستطع البقاء بين أبياتها وجدرانها .. فحملها في قلبه وارتحل .. وتمر أيام وأعوام .. ويكبر ذلك الحب .. ويزداد به الشوق .. فيقسم بالله لها أنه ما زال يحبها ..
(والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلي، ولولا أني أُخْرِجتُ منك ما خرجت) (١). (ما أطيبك من بلدٍ وأحبَّكِ إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك) (٢).
لم يستبدل ﷺ حبًا بحب .. بل أضاف حبًا إلى حب .. إنه يتجه الآن إلى يثرب .. يثرب!! لا إنها ليست يثرب .. فلا يثرب بعد اليوم .. لقد وهبها قلبه .. ووهبها اسمًا جديدًا.
اسم جديد
فما هو ذلك الاسم .. يقول ﷺ : "أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون: يثرب! .. وهي "المدينة" تنفي الناس (٣) كما ينفي الكير خبث الحديد" (٤) إذًا فهي منذ الآن ستدعى: (المدينة) .. المدينة المنورة بالحب والأشواق والعناق ..
стр. 279
أما أهلها .. فعلى طريق مكة يترددون .. ينتظرون (يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة) (١) .. فرحوا بأصحابه واستقبلوهم .. وفتحوا لهم بيوتهم وصدورهم .. و (لما سمعوا بمخرج رسول الله ﷺ ، وتوكفوا (٢) قدومه .. كانوا يخرجون إذا صلوا الصبح إلى الحرة ينتظرونه حتى تغلبهم الشمس على الظلال ويؤذيهم حر الظهيرة، فإذا لم يجدوا ظلًا دخلوا .. وذلك في أيام حارَّة) (٣) .. هذه هي المدينة المشتاقة وهؤلاء هم أهلها ..
أما رسول الله ﷺ ، فما زال على الرمضاء يسير .. وفي مسيره ذلك يلتقي بشابٍ يحبه، يلتقي بشاب من أبطال الإسلام، إنه زوج (ذات النطاقين) زوج أسماء بنت أبي بكر الصديق واسمه: الزبير بن العوام، فهل كان قادمًا من المدينة؟ .. لا .. لقد كان في الشام، سافر مع قافلة من قوافل الصيف ثم عاد .. لقد (لقي رسول الله ﷺ في ركب من المسلمين كانوا تجارًا بالشام قافلين إلى مكة، فعارضوا رسول الله ﷺ ، فكسا الزبير رسول الله ﷺ وأبا بكر ثيابًا بيضًا) (٤) .. قبل- ﷺ الهدية من ابن عمته، ولبس وصاحبه الثياب، وأقبلا على المدينة .. يختلط بياض ثيابهم ببياض السراب .. لكن بعد أن أحرقت الشمس المنتظرين، فعادوا بعد انتظار طويل ..
стр. 280
أقبل رسول الله ﷺ وأبو بكر فلم يرهما أحد من الأنصار .. لم يرهما أحد من المهاجرين .. ولا حتى من المشركين عابدي الأوثان .. لكن يهوديًا رآهما .. كان فوق حصن قومه .. واليهود أناس لا يعيشون إلا في حصون أو حاراتٍ مغلقةٍ عليهم وما زال جزء منهم كذلك إلى أيامنا هذه .. ربما كانوا يعتقدون أنهم أبناء الله وأن بقية البشر لا يستحقون شرف الاتصال بهم .. سندع اليهود وما يعتقدون لنتابع موقف ذلك اليهودي مما رأى .. ماذا فعل .. وماذا جرى للأنصار بعد ذلك .. وهل دخل ﷺ المدينة أم تريث أم .. ؟
ماذا حدث .. ماذا حدث
لم يتجه ﷺ إلى المدينة مباشرة .. هل خاف من يهود؟ هل كان خائفًا من شيء .. لا .. لكنه مال بخط سيره نحو مكان قريب من المدينة يسمى (قباء) ونزل على أناسٍ من الأنصار يقال لهم (بنو عمرو بن عوف) وهذه هي القصة:
(سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله ﷺ من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة .. فانقلبوا يومًا بعدما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من اليهود على أُطم (١) من آطامهم لأمر ينظر فيه، فبصر برسول الله ﷺ وأصحابه مبيضين (٢) يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب .. هذا جدكم (٣) الذي تنتظرون.
стр. 281
فثار المسملون إلى السلاح، فتلقوا رسول الله ﷺ بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في "بني عمرو بن عوف" وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول .. فقام أبو بكر للناس .. وجلس رسول الله ﷺ صامتًا، فطفق من جاء من الأنصار- ممّن لم ير رسول الله ﷺ يحيِّي أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ ، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله ﷺ عند ذلك) (١) ..
أما الأنصار .. فقد تحولوا إلى مشاعر تحمل رسول الله ﷺ تقله تظله .. وتتوهج من حوله، أما قباء فـ:
كيف كانت قباء
كانت تنعم بمحمد ﷺ .. تحتضنه كأمه .. تبشر به من حولها .. فانتشر الخبر، وشاع حتى وصل إلى يهودي آخر فلم يصبر، لقد أطلق قدميه للريح والفزع .. يتجه بهما نحو ابن عم له كان يجلس بين نخلٍ له فقال:
(يا فلان قاتل الله بني قيلة (٢) .. والله إنهم لمجتمعون الآن بقباء على رجلٍ قدم من مكة يزعمون أنه نبي) (٣).
لا أعرف ما حدث لليهودي لكنني أعلم ما حدث لأحد عبيده .. كان عبده الكادح الحزين فوقه .. فوق نخلةٍ في رأس عذق يعمل يتصبب منه العرق والخوف .. لقد سمع الخبر فأخذته رعدةٌ هزته وهزته حتى كاد يسقط من على العذق لكنه تماسك حتى انحدر منها .. وعندما لامست أقدامه الأرض توجه كالفرح نحو حامل الخبر فقال له:
стр. 282
(ماذا تقول .. ماذا تقول .. ؟) (١) صمت اليهودي الذي حمل الخبر ولم يجبه .. لكن سيده أجابه عن هذا السؤال إجابةً مؤلمةً .. أجابهُ لكمةً شديدة ثم قال له: (ما لك ولهذا؟ أقبل على عملك) (٢). تجرع العبد المسكين الآلام والقهر وأخرج من صدره اعتذار المساكين المغلوب على أمرهم وقال: (لا شيء إنما أردت أن أستنبئه عما قال) (٣).
وعندما خيم الليل على مرابع بني عمرو بن عوف وقباء .. كان شبح ذلك العبد المسكين يتسلل كالظلام في الظلام .. متخفيًا خائفًا .. يتسلل حتى ظفر بمجلس رسول الله ﷺ وأصحابه وأنصاره .. كانت آثار العبودية والقيود والسفر والسنين تجلد وجهه وظهره .. وتوشك أن ترتحل أو يرتحل .. دخل هذا الكادح على رسول الله ﷺ ثم قال:
(إنه قد بلغني أنك رجلٌ صالح ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم، فقربته إليه فقال رسول الله ﷺ لأصحابه:
كلوا وأمسك (٤) يده فلم يأكل.
فقلت في نفسي: هذه واحدة) (٥).
ثم انصرف ذلك الرجل الغريب وعاد من حيث أتى .. عاد إلى سيده اليهودي .. ترى هل أرسله سيده .. أم أنه ذهب من تلقاء نفسه؟ وما معنى
стр. 283
قوله: هذه واحدة؟ ولماذا انصرف بهذه السرعة .. لغز محير هذا المسكين القادم من العبودية والمجهول .. ولعل الأيام تكشف لنا مزيدًا من أسراره ..
ذهب المسكين، وذهب الليل وراءه .. ومرت أيام (فلبث رسول الله- ﷺ في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة .. وأسس المسجد .. وصلى فيه رسول الله- ﷺ ) (١) وصلى فيه أصحابه .. وبشركل من يأتي إلى هذا المسجد ببشرى قالها فيما بعد: (صلاة في مسجد قباءكعمرة) (٢).
بقي- ﷺ أربع عشرة ليلة في قباء بين قلوب أهلها .. ولما تحرك قلبه نحو المدينة بعث رسولًا من أهل البادية إلى أخواله بني النجار يخبرهم بقدومه فجاءوا متزينين بالفرحة والسلاح ..
يقول أحد الأنصار: (لما قدم رسول الله ﷺ المدينة نزل في علو المدينة في حي يقال لهم: "بنو عمرو بن عوف" فأقام فيهم "أربع عشرة ليلة" ثم أرسل إلى ملأ بني النجار، فجاءوا متقلدي سيوفهم وأبو بكر ردفه، وملأ بني النجار حوله) (٣).
ويقول أبو بكر ﵁: (ومضى رسول الله ﷺ وأنا معه حتى قدمنا المدينة ليلًا، فتنازعه القوم: أيهم ينزل عليه، فقال رسول الله ﷺ : "إني أنزل الليلة علي بني النجار أخوال بني عبد المطلب أكرمهم بذلك"، وخرج الناس حين قدمنا المدينة في الطريق وعلى البيوت، والغلمان والخدم يقولون: جاء رسول الله ﷺ .. جاء محمد .. الله أكبر جاء محمد .. جاء رسول الله ﷺ ، فلما أصبح انطلق حيث أمر) (٤) كانت أمسيةً صاخبةً
стр. 284
بالهتاف للأضياف .. أمسية صاخبة فشمس محمد تجوب شوارع المدينة .. المدينة تعانق هذا النور المنساب من قباء .. المدينة كلها .. السلاح والرجال والنساء والأطفال ... وللأطفال طريقتهم الخاصة في التعبير عن حبهم لمحمد ﷺ .. أشرقت الشمس بعد أن نهض الجميع للصلاة .. أشرقت الشمس والأطفال بوجه محمد ﷺ حيث كان يتحرك نحو المكان الذي أمر به .. كان صباحًا منعشًا وجميلًا .. وكان موكبه ﷺ يتهادى بين القلوب والبيوت ... الأطفال يركضون .. يقفزون .. يهتفون .. وتلك العيون البريئة تبحث خلف الزحام عن صاحب الناقة .. كان الأطفال لوحة من مطر وبراءة .. أنس بن مالك أحد أولئك الأطفال يصف فرحته وشغفه وركضه معهم فيقول: (إني لأسعى في الغلمان يقولون: جاء محمد ..
وأسعى ولا أرى شيئًا، ثم يقولون: جاء محمد ..
فأسعى .. ولا أرى شيئًا.
حتى جاء النبي ﷺ وصاحبه، فكمنا في بعض جدر المدينة، ثم بعثا رجلًا من أهل البادية ليؤذن بهما الأنصار. فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الأنصار، حتى انتهوا إليهما فقالوا:
انطلقا آمنين مطاعين، فأقبل رسول الله ﷺ وصاحبه بين أظهرهم، فخرج أهل المدينة، حتى إن العواتق لفوق البيوت يتراءينه يقلن: أيهم هو؟ .. أيهم هو؟ ..
فما رأينا منظرًا شبيهًا به يومئذ) (١) ويقول ﵁: (شهدت
стр. 285
يوم دخل النبي ﷺ فلم أرَ يومًا أحسن ولا أضوا منه) (١) .. وعبر أنس عن ذلك اليوم بحروف تنبض بالمشاعر فقال: (لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء) (٢).
مشاعر .. مشاعر
المدينة في تلك اللحظات كانت تتبختر بالمشاعر .. تتزين بالإسلام كانت مدينة منورة بلقاء الحبيب الذي طال الشوق إليه .. أحقًا رسول الله ﷺ في المدينة .. يمشي في شوارعها وتصافحه قلوبها وأرواحها .. لحظات يتمنى كل مسلم أن يعيشها .. وأن يسكب في حضرتها شيئًا من الدموع ..
لقد كان الموكب يتحرك ببطء فطريقه مزدحم بالقلوب والدموع .. وابتسامات الأطفال والتفاتاتهم البريئة السعيدة .. أبو بكر كان أسعد الناس وأحظى الناس بعد رسول الله ﷺ بهذا الحب والاحتفال .. يحدثنا فيقول:
(ومضى رسول الله ﷺ وأنا معه حتى قدمنا المدينة وتلقاه الناس فخرجوا في الطرق وعلى الأناجير (٣)، واشتد الخدم والصبيان في الطريق يقولون:
الله أكبر جاء رسول الله .. جاء محمد) (٤).