← Сира

Сира · id 123668

السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة

محمد الصوياني

Полный текст (1 354 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فثار المسملون إلى السلاح، فتلقوا رسول الله ﷺ بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في "بني عمرو بن عوف" وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول .. فقام أبو بكر للناس .. وجلس رسول الله ﷺ صامتًا، فطفق من جاء من الأنصار- ممّن لم ير رسول الله ﷺ يحيِّي أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ ، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله ﷺ عند ذلك) (١) .. أما الأنصار .. فقد تحولوا إلى مشاعر تحمل رسول الله ﷺ تقله تظله .. وتتوهج من حوله، أما قباء فـ: كيف كانت قباء كانت تنعم بمحمد ﷺ .. تحتضنه كأمه .. تبشر به من حولها .. فانتشر الخبر، وشاع حتى وصل إلى يهودي آخر فلم يصبر، لقد أطلق قدميه للريح والفزع .. يتجه بهما نحو ابن عم له كان يجلس بين نخلٍ له فقال: (يا فلان قاتل الله بني قيلة (٢) .. والله إنهم لمجتمعون الآن بقباء على رجلٍ قدم من مكة يزعمون أنه نبي) (٣). لا أعرف ما حدث لليهودي لكنني أعلم ما حدث لأحد عبيده .. كان عبده الكادح الحزين فوقه .. فوق نخلةٍ في رأس عذق يعمل يتصبب منه العرق والخوف .. لقد سمع الخبر فأخذته رعدةٌ هزته وهزته حتى كاد يسقط من على العذق لكنه تماسك حتى انحدر منها .. وعندما لامست أقدامه الأرض توجه كالفرح نحو حامل الخبر فقال له:

стр. 282

(ماذا تقول .. ماذا تقول .. ؟) (١) صمت اليهودي الذي حمل الخبر ولم يجبه .. لكن سيده أجابه عن هذا السؤال إجابةً مؤلمةً .. أجابهُ لكمةً شديدة ثم قال له: (ما لك ولهذا؟ أقبل على عملك) (٢). تجرع العبد المسكين الآلام والقهر وأخرج من صدره اعتذار المساكين المغلوب على أمرهم وقال: (لا شيء إنما أردت أن أستنبئه عما قال) (٣). وعندما خيم الليل على مرابع بني عمرو بن عوف وقباء .. كان شبح ذلك العبد المسكين يتسلل كالظلام في الظلام .. متخفيًا خائفًا .. يتسلل حتى ظفر بمجلس رسول الله ﷺ وأصحابه وأنصاره .. كانت آثار العبودية والقيود والسفر والسنين تجلد وجهه وظهره .. وتوشك أن ترتحل أو يرتحل .. دخل هذا الكادح على رسول الله ﷺ ثم قال: (إنه قد بلغني أنك رجلٌ صالح ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم، فقربته إليه فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: كلوا وأمسك (٤) يده فلم يأكل. فقلت في نفسي: هذه واحدة) (٥). ثم انصرف ذلك الرجل الغريب وعاد من حيث أتى .. عاد إلى سيده اليهودي .. ترى هل أرسله سيده .. أم أنه ذهب من تلقاء نفسه؟ وما معنى

стр. 283

قوله: هذه واحدة؟ ولماذا انصرف بهذه السرعة .. لغز محير هذا المسكين القادم من العبودية والمجهول .. ولعل الأيام تكشف لنا مزيدًا من أسراره .. ذهب المسكين، وذهب الليل وراءه .. ومرت أيام (فلبث رسول الله- ﷺ في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة .. وأسس المسجد .. وصلى فيه رسول الله- ﷺ ) (١) وصلى فيه أصحابه .. وبشركل من يأتي إلى هذا المسجد ببشرى قالها فيما بعد: (صلاة في مسجد قباءكعمرة) (٢). بقي- ﷺ أربع عشرة ليلة في قباء بين قلوب أهلها .. ولما تحرك قلبه نحو المدينة بعث رسولًا من أهل البادية إلى أخواله بني النجار يخبرهم بقدومه فجاءوا متزينين بالفرحة والسلاح .. يقول أحد الأنصار: (لما قدم رسول الله ﷺ المدينة نزل في علو المدينة في حي يقال لهم: "بنو عمرو بن عوف" فأقام فيهم "أربع عشرة ليلة" ثم أرسل إلى ملأ بني النجار، فجاءوا متقلدي سيوفهم وأبو بكر ردفه، وملأ بني النجار حوله) (٣). ويقول أبو بكر ﵁: (ومضى رسول الله ﷺ وأنا معه حتى قدمنا المدينة ليلًا، فتنازعه القوم: أيهم ينزل عليه، فقال رسول الله ﷺ : "إني أنزل الليلة علي بني النجار أخوال بني عبد المطلب أكرمهم بذلك"، وخرج الناس حين قدمنا المدينة في الطريق وعلى البيوت، والغلمان والخدم يقولون: جاء رسول الله ﷺ .. جاء محمد .. الله أكبر جاء محمد .. جاء رسول الله ﷺ ، فلما أصبح انطلق حيث أمر) (٤) كانت أمسيةً صاخبةً

стр. 284

بالهتاف للأضياف .. أمسية صاخبة فشمس محمد تجوب شوارع المدينة .. المدينة تعانق هذا النور المنساب من قباء .. المدينة كلها .. السلاح والرجال والنساء والأطفال ... وللأطفال طريقتهم الخاصة في التعبير عن حبهم لمحمد ﷺ .. أشرقت الشمس بعد أن نهض الجميع للصلاة .. أشرقت الشمس والأطفال بوجه محمد ﷺ حيث كان يتحرك نحو المكان الذي أمر به .. كان صباحًا منعشًا وجميلًا .. وكان موكبه ﷺ يتهادى بين القلوب والبيوت ... الأطفال يركضون .. يقفزون .. يهتفون .. وتلك العيون البريئة تبحث خلف الزحام عن صاحب الناقة .. كان الأطفال لوحة من مطر وبراءة .. أنس بن مالك أحد أولئك الأطفال يصف فرحته وشغفه وركضه معهم فيقول: (إني لأسعى في الغلمان يقولون: جاء محمد .. وأسعى ولا أرى شيئًا، ثم يقولون: جاء محمد .. فأسعى .. ولا أرى شيئًا. حتى جاء النبي ﷺ وصاحبه، فكمنا في بعض جدر المدينة، ثم بعثا رجلًا من أهل البادية ليؤذن بهما الأنصار. فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الأنصار، حتى انتهوا إليهما فقالوا: انطلقا آمنين مطاعين، فأقبل رسول الله ﷺ وصاحبه بين أظهرهم، فخرج أهل المدينة، حتى إن العواتق لفوق البيوت يتراءينه يقلن: أيهم هو؟ .. أيهم هو؟ .. فما رأينا منظرًا شبيهًا به يومئذ) (١) ويقول ﵁: (شهدت

стр. 285

يوم دخل النبي ﷺ فلم أرَ يومًا أحسن ولا أضوا منه) (١) .. وعبر أنس عن ذلك اليوم بحروف تنبض بالمشاعر فقال: (لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء) (٢). مشاعر .. مشاعر المدينة في تلك اللحظات كانت تتبختر بالمشاعر .. تتزين بالإسلام كانت مدينة منورة بلقاء الحبيب الذي طال الشوق إليه .. أحقًا رسول الله ﷺ في المدينة .. يمشي في شوارعها وتصافحه قلوبها وأرواحها .. لحظات يتمنى كل مسلم أن يعيشها .. وأن يسكب في حضرتها شيئًا من الدموع .. لقد كان الموكب يتحرك ببطء فطريقه مزدحم بالقلوب والدموع .. وابتسامات الأطفال والتفاتاتهم البريئة السعيدة .. أبو بكر كان أسعد الناس وأحظى الناس بعد رسول الله ﷺ بهذا الحب والاحتفال .. يحدثنا فيقول: (ومضى رسول الله ﷺ وأنا معه حتى قدمنا المدينة وتلقاه الناس فخرجوا في الطرق وعلى الأناجير (٣)، واشتد الخدم والصبيان في الطريق يقولون: الله أكبر جاء رسول الله .. جاء محمد) (٤).

стр. 286

(جاء رسول الله .. جاء رسول الله .. الله أكبر جاء محمد .. الله أكبر جاء محمد) (١) .. أحد المبتهجين يتحدث .. البراء بن عازب طفل من الأنصار يقول: (جاء رسول الله ﷺ فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء قط فرحهم به .. حتى رأيت الولائد (٢) والصبيان يسعون في الطرق يقولون: جاء رسول الله) (٣). وعبر الصحابة القادمون من أرض النجاشي عن فرحهم بمحمد ﷺ أسلوب مميز .. أنس بن مالك ذلك الطفل السعيد .. طاف المدينة وطاف حول الموكب .. وشاهد فرح أهلها .. ووصف فرح الصحابة من أهل الحبشة فقال: (لما قدم رسول الله ﷺ لعبت الحبشة بحرابهم فرحًا بقدومه) (٤) ولم يكن الرقص هو الأسلوب الوحيد في التعبير كان هناك الغناء بمحمد ﷺ وبجوار محمد .. الغناء والدفوف والمشاعر شاهدها ﷺ فماذا فعل وماذا قال- ﷺ لتلك الفتيات .. أنس بن مالك أيضًا يحدثنا عن ذلك فيقول: (مر رسول الله ﷺ بحي من بني النجار وإذا جوارٍ يضربن بالدفوف [ويتغنين ويقلن]:

стр. 287

نحن جوار من بني النجار ... يا حبذا محمد من جار فقال النبي ﷺ : "الله يعلم أن قلبي يحبكن") (١) يا لهذا النبي ما أعظمه .. وما أبسطه وما أرق مشاعره .. التي يعلنها للصغير وللكبير في البيوت وعلى الطرقات .. بل إنه يعلن حبه حتى على الجبال القاسية من حوله .. يمر- ﷺ من عند جبل أُحد بالمدينة فيقول: (هذا جبل يحبنا ونحبه) (٢) نبي الله يحب المدينة وأهلها .. والمدينة وأهلها .. أشجارها وجبالها يحبون الله ورسوله .. الكرم يسيل .. والدماء تسيل فرحًا به ﷺ يقول أحدهم: (لما قدم ﷺ المدينة نحرتُ جزورًا) (٣). ويواصل موكب الحب مسيره في شوارع المدينة وسط مهرجان من السعادة .. زحامٌ من البهجة يحيط برسول الله ﷺ .. اشتد الزحام (فصعد الرجال والنساء فوق البيوت، وتفرق الغلمان والخدم في الطرقات ينادون: يا محمد .. يا رسول الله .. يا محمد .. يا رسول الله) (٤). في المدينة كانت القلوب بيوتًا .. وكانت البيوت قلوبًا .. كانت الأيدي تمتد إلى الزمام .. والعيون البراقة شاخصة تحتضنه وتعانقه .. تحاول الارتواء منه فتزداد عطشًا ولهفةً .. وتواصل الركض والنداء حتى ..

стр. 288

توقفت الناقة (فقال نبي الله ﷺ : "أي بيوت أهلنا أقرب؟ " فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله: هذه داري .. وهذا بابي. فقال- ﷺ : "اذهب فهيئ لنا مقيلًا" .. فذهب فهيأ لهما مقيلًا، ثم جاء فقال: يا نبي الله، قد هيأت لكم مقيلًا .. قوما على بركة الله فقيلا) (١). وحل- ﷺ في دار أبي أيوب وقلب أبي أيوب .. الكل يغبطه .. المدينة كلها تغبطه .. تثمن الشرف الذي حل بين جدران منزله .. المدينة كلها إلا عيونًا كانت تتأمل من بعيد .. وقفت كما وقف عمر بن الخطاب وهو يرقب مشهد النازحين إلى أنهار الحبشة .. لكن هذه العيون المتلصصة لم تكن حزينة كحزن عمر .. ولا نادمة كندم عمر .. إنها منغمسة في دبق الأحقاد الأسود .. من هذه القلوب قلب رجل اسمه: عبد الله بن أُبي بن سلول- من عبد الله هذا .. وما هي قصته .. ؟ كان بين الأوس والحروب حروب مريرة وثارات أوشكت على إفنائهم .. وكان بين تلك الحروب فترات من التعب والهدنة والفتور .. تنطمر معها جمرة الحرب تحت رماد من التعقل أحيانًا والملل أحيانًا .. أو التحفز للانقضاض .. وكانت السنوات التي بايعوا فيها الرسول- ﷺ سنوات من الركود .. كانت المدينة فيها ترقد على بركان هادئ من الثارات والدماء .. في تلك السنوات تصالح الطرفان على تتويج رجل اسمه عبد الله بن أبي بن سلول ليكون زعيمًا ليثرب .. لكن شيئًا من ذلك لم

стр. 289

يحدث .. فرغم الاحتفاء بالهدنة وحقن الدماء .. إلا أن المدينة كانت لا تتنفس ابن أبي سلول في هوائها .. فهو مجرد هدنة هشةٍ لا أكثر .. وقد سئموا الهدن الهشة .. لقد كانت أجواء المدينة مشبعة بالقادم .. مرطبة بالانتظار .. المدينة وَثَنِيُّوها ويهودها يشعرون بغدٍ هابط لا يحمل على جناحه رجلًا مؤقتًا كابن سلول .. أما اليهود فكانوا ينتظرون نبيًا يفنون به العرب والوثنيين .. ويخلصهم من هذا الشتات المخيف .. تأثر بهم بعض الوثنيين من أهل المدينة فكانوا ينتظرونه .. ويريدون أن يسبقوا اليهود إليه .. حتى ولو اضطروا إلى مزاحمة اليهود في حصونهم .. وكان من هؤلاء المنتظرين ثلاثة من بني هذل هم: أسد وأسيد وثعلبة ثلاثة من الشباب ليسوا من اليهود .. انصهروا مع اليهود ليفوزوا معهم بهذا النبي القادم كالصباح .. يحدثنا عنهم رجلٌ من بني قريظة رجل عاش مع أسد وأسيد وثعلبة في حصون يهود بني قريظة .. يحدثنا ويحدث رجلًا جالسًا بقربه اسمه عاصم فيقول له: (هل تدري ما كان علامة إسلام ثعلبة بن سعنة، وأسيد بن سعنة، وأسد بن عبيد -نفرٌ من بني هذل ليسوا من بني قريظة ولا بني النضير، [كانوا فوق ذاك] نسبهم من بني [هذل] أتوا بني قريظة، كانوا معهم في الجاهلية ثم كانوا سادتهم في الإسلام؟ قال عاصم: قلت: لا. قال: فإن رجلًا من يهود أهل الشام يقال له: ابن الهيبان، قدم علينا قبل الإسلام بـ[سنتين] فحل بين أظهرنا والله

стр. 290

ما رأينا رجلًا قط لا يصلي الخمس أفضل منه، فأقام عندنا، فكنا إذا قحط المطر قلنا له: يا ابن الهيبان قم فاستسق لنا، فيقول: لا والله حتى تقدموا بين يدي مخرجكم صدقة، فيقولون: كم؟ فيقول: صاعًا تمرًا، [أو مدين من شعير] عن كل إنسان. فنخرجها، فيخرج بنا إلى ظاهر حرتنا، فيستسقي لنا، فوالله ما يبرح من مجلسه حتى يمر السحاب السراح سائلة، ونسقى به، ففعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاثًا، ثم حضرته الوفاة، فلما عرف أنه ميت قال: يا معشر يهود ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض الجوع والبؤس؟ قلنا: الله أعلم. قال: فإني قدمت إلى هذا البلد لتوكف خروج نبي قد أظل زمانه، هذه البلدة مهاجره، فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه، وقد أظلكم زمانه، فلا يسبقنكم إليه يا معاشر اليهود أحدٌ) (١). وسبق الأنصار اليهود فأسلموا ودعوا رسول الله ﷺ إلى المدينة واستقبلوه استقبالًا كالحلم .. فانهارت آمال عبد الله بن أبي بن سلول بالزعامة .. بعد أن أدرك أهل المدينة أن وحدتهم لن تدوم بزعامته .. ولن تمتد تلك الزعامة في الأعماق والزمان إلا برسالة يخلع الجميع كل ما عليهم ليلبسوها .. فتنحوا عن ابن سلول وامتدت الأيدي والقلوب إلى الله ورسوله .. وكأني بابن سلول يتمنى لو لم يطل به العمر ليرى هذا الاحتفال .. وموقف ابن سلول هذا موقف قاصر .. فقد كان بإمكانه أن يصبح زعيمًا

стр. 291

وعظيمًا وخالدًا لو صافح رسول الله ﷺ لكنه أبى وتولى .. هذا هو ابن سلول .. فهل هناك من يشاركه هذا الشعور؟. أجل .. هناك اليهود الذين تركوا أرض الخمر والخمير من أجله .. فهم ينتظرونه منذ سنوات وسنوات .. لكن ما الذي حدث .. كيف ينتظرونه .. فإذا رأوه وتحققوا أنه هو رفضوه وعادوه؟. طفلة بريئة لم تلوثها أحقاد اليهود اسمها صفية بنت حيي بن أخطب تحدثنا عن موقفهم وسبب عداوتهم .. والدها زعيم من زعماء يهود .. وعمها أيضًا زعيم .. أما هي فكانت أحب أولادهم على الإطلاق .. يهشون للقائها .. يبشون في وجهها ويبتسمون إلا في ذلك اليوم .. ذلك اليوم الذي تذكره صفية جيدًا .. فتقول: (لم يكن من ولد أبي وعمي أحدٌ أحب إليهما مني .. لم ألقهما قط مع ولد لهما أهش إليهما إلا أخذاني دونه. فلما قدم رسول الله ﷺ قباء ونزل قرية بني عمرو بن عوف، غدا إليه أبي وعمى "أبو ياسر بن أخطب" مغلسين، فوالله ما جاءانا إلا مع مغيب الشمس، فجاءانا فاترين كسلانين ساقطين، يمشيان الهوينى (١)، فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما نظر إليَّ واحد منهما، فسمعت عمى أبا ياسر يقول لأبي: أهو هو؟ قال: نعم .. والله. قال: تعرفه بعينه وصفته؟ فقال: نعم والله. قال: فماذا في نفسك منه؟. قال: عداوته والله ما بقيت) (٢) ولكن

стр. 292

لماذا هذه العداوة .. لماذا هذا الفتور والإحباط؟ .. إنها العنصرية. فهذا الرجلان يمثلان خطًا يسلكه معظم اليهود .. اليهود المغضوب عليهم .. وقد غضب الله عليهم لأنهم يعرفون الحق وينكرونه .. جاءهم عيسى فأنكروه بل حاولوا قتله .. وها هو محمد ﷺ -بين أيديهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم لكنهم يرفضونه .. إن محمدًا عربي ليس من أبناء إسرائيل .. ليس من سلالة يهود إذًا فهو مرفوض وكما رفض حيي بن أخطب وأخوه الدخول في الإسلام فقد عاند وكابر يهودي آخر مثلهما تنصل من كل وعوده السابقة لليهود ولأهل المدينة فما هي وعوده السابقة .. وكيف تنصل منها؟ تلك قصة حضرها طفل مضطجع بفناء أهله .. حفظها لنا ثم قصها علينا بعد قدوم رسول الله ﷺ للمدينة. يوشع يرفض الإسلام يقول سلمة بن سلام بن وقش: (كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل .. فخرج علينا يومًا من بيته حتى وقف علي بني عبد الأشهل -وأنا يومئذ أحدث من فيه سنًا علىَّ فروة لي مضطجع فيها بفناء أهلي (١) - فذكر القيامة والبعث والحساب والميزان والجنة والنار .. فقال ذلك لقوم أهل شرك، أصحاب أوثان، لا يرون أن بعثًا كائن بعد الموت، فقالوا له: ويحك يا فلان .. أوترى هذا كائنًا، أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار يجزون فيها بأعمالهم؟

стр. 293

قال: نعم .. والذي يحلف به، [لوددت أن حظي من تلك النار أن توقدوا أعظم تنور في داركم فتحمونه، ثم تقذفوني فيه ثم تطينون علي، وأني أنجو من النار غدًا (١)] (٢). قالوا: ويحك يا فلان فما آية ذلك؟ قال: نبيٌ مبعوث من نحو هذه البلاد. وأشار بيده إلى نحو مكة واليمن. قالوا: متى تراه؟ فنظر إليَّ وأنا أحدثهم سنًا، فقال: إن يستنفذ هذا الغلام عمره يدركه. قال سلمة: فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله ﷺ وهو حي بين أظهرنا (٣)، فآمنا به وكفر به بغيًا وحسدًا. فقلنا: ويحك يا فلان .. ألست بالذي قلت لنا فيه ما قلت؟ قال: بلى ولكن ليس به [وكان يقال له يوشع] (٤). ويقول محمد بن سلمة ﵁: (لم يكن في بني عبد الأشهل إلا يهودي واحد يقال له "يوشع" فسمعته - وإني لغلام في إزار يقول:

стр. 294

قد أظلكم خروج نبي يبعث من نحو هذا البيت, ثم أشار بيده إلى "بيت الله" فمن أدركه فليصدقه .. فبعث رسول الله ﷺ فأسلمنا وهو بين أظهرنا لم يسلم حسدًا وبغيًا) (١) ولم يقتصروا على ذلك بل أنكروا أن يكون هو النبي المنتظر. وطمسوا أسماءه المكتوبة في التوراة .. لكن تبقى فيها عبارات قوية لا تنطبق إلا عليه مثل هذه العبارة الموجودة حتى الآن في التوراة المحرفة .. تقول التوراة: (وحي يأتي من بلاد العرب .. في الوعر في بلاد العرب .. قابلوا الهارب بخبره فهو قد هرب من السيوف والأقواس وشدة الاضطهاد .. ويقول الرب أنه خلال سنة سوف يتحطم مجد عدنان جد العرب .. وسوف يتلاشى بقية أبطال أبناء عدنان) (٢) .. لقد ظن اليهود أن هذا النبي القادم من أرض العرب الوعرة الشديدة الوعورة -وهي مكة- .. ظنوا أنه سوف يفني أبناء عدنان وهم العرب على أيدي اليهود .. ولكن عندما تبين أن هذا النبي من أبناء عدنان العربي حسدوه .. لكن لماذا يحسدونه؟ السبب موجود في هذه القصة التي تروي انتقال النبوة من أبناء يعقوب -وهو إسرائيل- جد اليهود إلى أبناء عدنان -واسمه في التوراة: قيدار- وهو جد العرب فكيف انتقلت النبوة .. إبراهيم وأبناؤه كان لإبراهيم ﷺ ولدان إسماعيل وهو الأكبر وإسحاق .. وهما نبيان

стр. 295

عليهما الصلاة والسلام .. إسماعيل هو جد العرب، وإسحاق هو والد يعقوب جد اليهود وليعقوب ابن إسحاق ﷺ اسم آخر هو إسرائيل .. رزق يعقوب أو إسرائيل باثني عشر ولدًا أحدهم نبي الله يوسف ﵊ .. وعندما صار يوسف ﵊ وزيرًا عند عزيز مصر انتقل والده وإخوته إلى هناك .. فيوسف وإخوته هم أبناء إسرائيل والذين تحولوا إلى اثنتي عشرة عائلة وتزايدت أعدادهم في مصر .. حتى جاء زمن الطاغية فرعون ومن أبناء إسرائيل ولد موسى وأخوه هارون عليهما الصلاة والسلام .. وقد بعثه الله نبيًا بالتوحيد لإنقاذ بني إسرائيل من الشرك والاضطهاد .. ثم تولى القيادة من بعد موته في سيناء تلميذه النبي: يوشع ﵊ .. ثم جاء أنبياء كثيرون من أبناء إسرائيل من بينهم داود وابنه سليمان عليهما الصلاة والسلام .. حتى جاء الزمن الذي بعث فيه عيسى ﵊ وهو أيضًا من أبناء إسرائيل .. كل هؤلاء الأنبياء من بني إسرائيل جاءوا لإعادة قومهم إلى التوحيد وترك الشرك والبدع والانحراف .. ومع ذلك استمر انحراف اليهود -بني إسرائيل- حتى وصل بهم الأمر إلى اغتيال وذبح بعض الأنبياء كما حدث لنبي الله زكريا وابنه يحيى وهما في زمن عيسى بن مريم عليهم الصلاة والسلام .. بل حاولوا اغتيال عيسى ولما رفعه الله تعقبوا أتباعه بالقتل والتشريد .. وكان من أشرس اليهود الذين فتكوا بأتباع عيسى ﷺ رجل اسمه "شاءول" (١) هذا الطاغوت أحس بأن الاضطهاد لا يفني الأديان ولا يفني أتباعها بل يزيدهم رسوخًا وثباتًا وتصفية .. لذلك بحث هو وأشرار اليهود عن طريقة للقضاء على تعاليم الله لعيسى بن مريم فاكتشف أن محاربة الدين من الداخل أجدى من محاربته من الخارج ..

стр. 296

فأظهر لأتباع عيسى بن مريم أنه قد تاب وندم على ما قام به من قتل وتعذيب .. وأظهر لهم الرهبنة والتنسك .. وبعد أن تأكد من اقتناع من حوله بتوبته وبعد مرور زمن على ذلك بدأ بتنفيذ مخططه اليهودي الخبيث .. فقد ادعى أنه رأى عيسى بن مريم ﵊ في البرق بين السحاب وأنه قد منحه حق النبوة .. ثم جاء بالطامة الكبرى فادعى أن عيسى بن مريم هو ابن الله .. وأن عيسى بن مريم نفسه أوحى له بذلك .. ثم تحول إلى تعاليم عيسى فنسخ كثيرًا منها .. كالختان وأكل لحم الخنزير .. وأدخل الوثنية إلى تعاليم نبي الله ﵊ .. وأفسدها إلى اليوم .. فإذا كان اليهود قد فعلوا كل هذا وأكثر مع أنبياء من اليهود أنفسهم .. من إخوتهم .. فهل يُتوقع أن يستقبلوا محمدًا ﷺ بالأحضان والقلوب المبتسمة .. وهو ليس من أبناء اليهود؟ الإجابة معروفة. فاليهود ينتظرون نبيًا منهم ليسحقوا به العرب وسائر الأمم لا ليهدوا به العرب .. فكيف يؤمنون بنبي يجعل من هؤلاء العرب سادة الدنيا وقادة العالم .. حسدُ بني إسرائيل يقول: لا .. وألف لا .. لكن عالمًا من يهود .. لا يقول: لا عبد الله بن سلام لا يقول: لا .. رجل من بني إسرائيل .. من اليهود .. عالم ومثقف كبقية علماء اليهود لكن صدره أبيض كالثلج .. واسع المدى .. متلهف للحقيقة كالضياع كالعطش .. عالم اسمه عبد الله بن سلام .. صادق اسمه عبد الله ابن سلام .. كان يحدث من حوله فيقول:

стр. 297

(لما أن قدم رسول الله ﷺ المدينة وانجفل (١) الناس قبله فقالوا: قدم رسول الله ﷺ .. فجئت في الناس لأنظر في وجهه، فلما رأيت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته منه أن قال: يا أيها الناس: أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصِلُوا الأرحام، وصَلُّوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام) (٢). كلمات قليلة تذوب فيها كل نظريات العدل والمساواة والإصلاح التي ينادي بها البشر .. أي مجتمع سيولد في المدينة .. مجتمع تفشو بين أهله التحايا والهدايا والسلام .. مجتمع يمد يديه للمحتاج .. ويشق الطرقات بين الأقارب والأرحام .. وعندما يهدأ النهار ويدلف إلى خبائه .. وتسكن الطيور في الأوكار .. تحلق أرواحٌ مؤمنة إلى ربها تناجي وتخاف وترجو بدموعها رحمة الرحيم .. أيقن ابن سلام أن هذا الرجل ليس بكذاب .. ولا يأتي كذاب بمثل هذا الحب والسلام .. لكن أين كان ابن سلام عندما قدم رسول الله ﷺ ؟ أنس بن مالك يقول إنه كان في نخلٍ لأهله يخترف لهم الرطب .. فجاء وأدوات الاختراف بيديه نسي أن يتركها من شدة ذهوله .. يقول أنس: (وقيل في المدينة: جاء نبي الله ﷺ ، فاستشرفوا نبي الله ينظرون إليه، ويقولون: جاء نبي الله .. فأقبل يسير حتى نزل إلى جانب دار أبي أيوب ..

стр. 298

فإنه ليحدِّث أهله إذ سمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لأهله يخترف لهم، فعجل أن يضع الذي يخترف فيها، فجاء وهي معه .. وسمع من نبي الله ﷺ ورجع إلى أهله .. وقال نبي الله ﷺ : أي بيوت أهلنا أقرب؟ فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله، هذه داري .. وهذا بابي .. قال ﷺ : "انطلق فهيئ لنا مقيلًا"، فذهب فهيأ ثم جاء .. فقال: يا رسول الله ﷺ قد هيأت مقيلًا، قوما على بركة الله فقيلا) (١). لقد ذهب عبد الله بن سلام .. سمع وعاد فمتى أسلم وكيف أسلم؟ يقول أنس: (فلما جاء نبي الله ﷺ جاء عبد الله بن سلام فقال: أشهد أنك نبي الله حقًا، وأنك جئت بحق، ولقد علمت يهود أني سيدهم، وابن سيدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم .. ، فادعهم فسلهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت، قالوا فيَّ ما ليس فيَّ، فأرسل نبي الله ﷺ إليهم، فدخلوا عليه، فقال لهم رسول الله ﷺ : "يا معشر اليهود، ويلكم اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقًا، وأني جئت بحق أسلموا" فقالوا: ما نعلمه) (٢). ترى هل أسلم هذا العالم المثقف لمجرد رؤيته رسول الله ﷺ دون استفسار .. دون سؤال أو حصول على علامة وبيان .. ؟ هذا ما لا يفعله عادة المثقفون والعلماء وعبد الله بن سلام منهم .. فهو لم يسلم مباشرة .. أنس بن مالك مرة أخرى يتحدث .. مرة أخرى يخصص حديثه عن ابن سلام .. فيقول:

стр. 299

(سمع عبد الله بن سلام بقدوم رسول الله ﷺ وهو في أرضٍ ... فأتى النبي ﷺ ، فقال: إني أسألك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبى: ما أول أشراط الساعة (١)؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه وإلى أمه؟ قال ﷺ : "أخبرني بهن جبريل آنفًا" .. قال ابن سلام: جبريل؟! قال- ﷺ : "نعم" .. قال ابن سلام: ذاك عدو اليهود من الملائكة .. ثم قرأ ﷺ هذه الآية: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾. أما أول أشراط الساعة: فنار تخرج على الناس من المشرق إلى المغرب. وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت. وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إلى أبيه، وإذا سبق ماء المرأة نزعت الولد. قال ابن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله .. يا رسول الله إن اليهود قوم بهت (٢)، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسلهم عني بهتوني، فجاءت اليهود إليه .. قال ﷺ : "أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟ " قالوا: خيرنا وابن خيرنا ..

стр. 300

وسيدنا وابن سيدنا .. قال ﷺ : "أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟ " قالوا: أعاذه الله من ذلك .. ، فخرج عبد الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. قالوا: شرنا وابن شرنا .. وتنقصوه (١). قال ابن سلام: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله) (٢). هذا هو الفرق بين اليهود والنصارى بل وغير النصارى غالبًا فالنصارى ضلوا الطريق فسماهم الله (الضالين) .. أما اليهود فهم يعرفون الحق ويتركونه ولذلك وصفهم الله بـ: (المغضوب عليهم) والتاريخ يحدثنا عن اليهود كثيرًا وعن رفضهم وقتلهم الأنبياء والمصلحين .. بل إنهم سبب ضلال النصارى (٣) وبعدهم عن الحق .. فلا غرابة ولا عجيب أن رفضوا رسالة الإِسلام، لا سيما وأن النبي ﷺ ليس منهم .. هؤلاء يهود .. وغبي كل الغباء من يظن أنهم غير ذلك .. والتاريخ شاهد والواقع على طرقاتنا يتلو علينا كل صباح مؤامراتهم .. فلننصرف عنهم كما انصرفوا عن رسول الله ﷺ .. ولندخل مع رسول الله ﷺ إلى دار أبي أيوب .. الذي أصبح مقرًا مؤقتًا لرسول الله ﷺ ريثما يجد له منزلًا مستقلًا به وبزوجته القادمة سودة ﵂ .. فتحنا الباب فوجدنا أبا أيوب رجلًا من كرم .. رجلًا من شعور .. مهذب وحساس ومحب لله ولرسول الله ﷺ وللإسلام أكثر من نفسه .. كان صدره أفسح من بيته .. وكانت يداه غيمتين .. جدران بيت أبي أيوب

стр. 301

تحكى لنا هذه القصة .. تروي لنا كم كان أبو أيوب مسلمًا .. كم كان عظيمًا .. يقول أبو أيوب: (لما نزل علىَّ رسول الله ﷺ في بيتي نزل في السفل، وأنا وأم أيوب في العلو .. فقلت له: بأبي أنت وأمى يا رسول الله، إني أكره وأُعظِم أن أكون فوقك وتكون تحتي، فاظهر أنت فكن في العلو، وننزل نحن فنكون في السفل. فقال ﷺ : "يا أبا أيوب إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن أكون في سفل البيت". فكان رسول الله ﷺ في سفله، وكنا فوقه في المسكن، فلقد انكسر حب (١) لنا فيه ماء، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها، ننشف بها الماء تخوفًا أن يقطر على رسول الله ﷺ منه شئ فيؤذيه. وكنا نصنع له العشاء ثم نبعث إليه، فإذا رد علينا فضله تيممت أنا وأم أيوب موضع يده (٢) فأكلنا منه نبتغي بذلك البركة، حتى بعثنا إليه ليلة بعشائه وقد جعلنا له فيه بصلًا أو ثومًا، فرده رسول الله ﷺ ، فلم أر ليده فيه أثرًا .. فجئته فزعًا، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمى رددت عشاءك ولم أر فيه موضع يدك؟ فقال ﷺ : "إني وجدت فيه ريح هذه الشجرة، وأنا رجل أناجى، فأما أنتم فكلوه .. فأكلناه ولم نصنع له تلك الشجرة") (٣) وما دام ﷺ يكره رائحتها

стр. 302

فأبو أيوب يكرهها كذلك، لقد قال لرسول الله ﷺ (فإني أكره ما تكره) (١) .. ومع ذلك لم تسكن نفس أبي أيوب، لم يجد للراحة مكانًا .. لم يجد للراحة طعمًا رغم شدة فرحه برسول الله ﷺ داخل بيته .. لماذا؟ .. لماذا؟ أبو أيوب مُحرج لو رأيته وهو يسير في منزله لأشفقت عليه .. فهو لا يتحرك إلا في مساحة ضيقة من بيته .. كأن الجن والأشباح تنزل في البقية الباقية .. لقد حدد له زاوية من المنزل يتحرك فيها وينتقل وينام .. أما البقية الباقية فلا .. ذلك لأن الإِسلام صنع منه قلبًا وحسًا مرهفًا .. فهو لا يريد أن يمشي فوق رأس رسول الله ﷺ .. فقد (انتبه أبو أيوب فقال: نمشي فوق رأس رسول الله ﷺ !! فتنحوا فباتوا في جانب، ثم قال للنبي ﷺ يعني في ذلك فقال ﷺ : "السفل أرفق بنا" .. فقال أبو أيوب: لا أعلو سقيفة أنت تحتها، فتحول رسول الله ﷺ في العلو، وأبو أيوب في السفل) (٢) .. لن تستغرب الدنيا ما قام به أبو أيوب رضى الله عنه فهو وابن سحابة هتون تحوم في سماء الإيثار والكرم .. ابن سحابة اسمها الأنصار .. الأنصار الذين ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٣) .. هذه شهادة الله لهم تتنزل عليهم من فوق العرش تعبر السماوات سماءً سماءً يتغنّى بها الأنصار .. يتغنى بها بنو النجار أخوال رسول الله ﷺ وأبو أيوب من الأنصار .. وأبو أيوب من بني النجار ولإن

стр. 303

كانت (خير دور الأنصار بني النجار) (١) فإن (في كل دور الأنصار خير) (٢) ... فالله جعل (آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار) (٣) .. فـ (لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله) (٤). الأنصار الآن يتوافدون .. يتتابعون نحو رسول الله ﷺ .. يسلِّمون .. يثلجون صدورهم بالقرب من حبيبهم .. كانوا يحملون الولاء والحب وشيئًا من الطعام .. كلٌ حسب ما يجد .. لكن أحد الفقراء المعدمين الذين لا يملكون حتى ثيابهم كان على الباب ينتظر .. كانت هيئته رثةً تدمى القلب .. وتدمع العن .. ومع ذلك استطاع بعد جهد وعرق أن يحصل على شيء من طعام لا ليأكله .. لا ليتصدق به بل ليهديه. فمن هذا الشخص الغريب ؟ أتذكرون ذلك المسكين الذي قدم على رسول الله ﷺ وهو في قباء وقدم له صدقة من طعام فأكل الصحابة منه ولم يأكل رسول الله ﷺ .. قباء تذكره .. وأنتم؟ .. ها هو يأتي مرة أخرى يحمل هدية من طعام تحملها يدان تشققتا من العبودية والكدح والشقاء .. تحمله أقدامه دامية .. عصفتها الدروب والثلوج والرمضاء والرياح .. وما إن وقف ذلك المسكين أمام رسول الله ﷺ حتى قال له:

стр. 304

(إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أكرمتك بها ... فأكل رسول الله ﷺ منها وأمر أصحابه فأكلوا معه) (١). فقال ذلك المسكين في نفسه: (هاتان اثنتان) (٢) ثم خرج من عند رسول الله ﷺ وهو أحر شوقًا مما كان عليه .. عاد لسيده اليهودي يكدح ويكدح .. وينتظر النهار بين نخيل المدينة .. فمن أجل النهار جاء .. جاء من مكان بعيد .. جاء سيدًا .. جاء مبتسمًا وباكيًا .. جاء عبدًا مقيدًا .. جاء من مر السنين .. ولن تضيره أيام قليلة من الانتظار .. فربما طلع النهار وانزاح ليله الدامي الطويل. أما رسول الله ﷺ فمكث ما شاء الله له أن يمكث في ضيافة أبي أيوب .. ولم يكن هناك من مسجد للصلاة فـ (كان يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم) (٣). لكن المدينة اليوم عاصمة للإسلام .. وهي تتسع كل يوم بالوافدين والمهاجرين .. وكان لا بد لها من مسجد .. وقرب بيت أبي أيوب لمح رسول الله ﷺ حائطًا لبني النجار .. لم يرَ رسول الله ﷺ أنسب منه مكانًا لمسجده .. فكانت هذه القصة: قصة بناء المسجد النبوي لقد جاء الأمر (ببناء المسجد .. فأرسل إلى ملأ بني النجار فقال: يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا .. ؟ فقالوا:

стр. 305

والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله .. قال: وكان فيه ما أقول لكم: كانت فيه قبور المشركين، وكانت فيه خرب، وكان فيه نخل .. فأمر رسول الله ﷺ بقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت، وبالنخل فقطع ... فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضاديته حجارة، فجعلوا ينقلون ذلك الصخر وهم يرتجزون، ورسول الله ﷺ يقول: "اللَّهم إنه لا خير إلا خير الآخرة فانصر الأنصار والمهاجرة") (١) لم يكن رسول الله ﷺ قاعدًا .. يكحل عينيه. بمشهد السواعد تشتد أمامه وتعرق .. بل كان يعرق مثلهم ويحمل مثلهم .. لقد ساهم ﷺ في بناء مسجده وبناء مسجد قباء كما ساهم وهو شاب في بناء مسجد الله الحرام في مكة التي طرد منها ومن كعبتها .. وفي المدينة كان الصحابة يتدفقدن نشاطًا وبناءً .. هذا عمار بن ياسر ﵁ يتميز عن بقية الصحابة .. .. يحدثنا عما قام به عمار صحابي اسمه أبو سعيد الخدري فيقول: (كنا نحمل في بناء المسجد لبنة .. لبنة، وعمار يحمل لبنتين .. لبنتين .. فرآه النبي ﷺ فجعل ينفض التراب عنه) (٢) ثم يقول ﷺ وحيًا .. يقول غيبًا .. يقول: (ويح عمار تقتله الفئة الباغية .. يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار) (٣) أما عمار فكان رغم استبشاره بهذه الشهادة .. يخشى على أمة

стр. 306

الإِسلام .. يخشى عليها فيقول: (أعوذ بالله من الفتن) (١) ثم ينصرف إلى عمله والصحابة حوله حركة نشطة .. هذا أحدهم .. يغوص في الطين بمهارة .. ويعالجه بطريقة مدهشة أعجبت النبي ﷺ فقال لمن حوله ممتدحًا فعل ذلك الرجل الماهر بعمله الوافد من اليمامة ليكتب الله له شرف المساهمة في بناء المسجد النبوي .. يقول ﷺ : "قربوا اليمامي من الطين فإنه من أحسنكم بناءً" (٢). وتم بناء المسجد كما أراد ﷺ : مبنيًا باللبن، وسقفه الجريد، وعمده من خشب النخل) (٣). لكن ما قصة هذا اليمامى طلق بن علي اليمامي يحكي قصته .. يرويها بنفسه يفخر بها وحق له أن يفخر .. يقول ﵁: (بنيت مع النبي ﷺ مسجد المدينة فكان يقول:

стр. 307

مكنوا اليمامي من الطين فإنه من أحسنكم له مسًا) (١). ويحكي هذا الصحابي قصة قدومه فيقول: (خرجنا وفدًا إلى النبي ﷺ ، فأخبرناه أن بأرضنا بيعة (٢) لنا .. واستوهبناه من فضل طهوره، فدعا بماء فمضمض ثم صبه لنا في إداوة، وقال: اذهبوا بهذا الماء، فإذا قدمتم بلدكم فاكسروا بيعتكم (٣)، وانضحوا مكانها من هذا الماء, واتخذوا مكانها مسجدًا فقلنا: يا نبى الله .. إن البلد بعيد والماء ينشف .. قال ﷺ : "فمدوه من الماء فإنه لا يزيده إلا طيبًا" ... قال: فتشاححنا على حمل الإداوة أينا يحملها، فجعلناها نوبًا بيننا لكل رجل يوم وليلة، فلما قدمنا بلدنا فعلنا الذي أمرنا، وراهبنا ذلك اليوم رجل من طي، فنادينا للصلاة .. فقال الراهب: دعوة حق ثم هرب فلم يرَ بعد) (٤) هذا ما حدث في أرض اليمامة أما في المدينة. فبعد أن تم بناء المسجد .. وعُمِّرَ بالصلاة والحياة .. وضع لرسول الله ﷺ جذع نخلة يخطب عليها .. لكن الوفود تكثر كل يوم ... والمهاجرون في ازدياد .. والناس تريد أن تستمع إلى خطب رسول الله ﷺ .. إلى وحى ربها .. فلا بد من بناء منبر مرتفع يمكن الحاضرين من الاستماع

стр. 308

والرؤية .. وافق ﷺ على هذا الاقتراح .. لكن شيئًا محزنًا حدث فأحزن من في المسجد وأبكاهم .. شيء غريب ومؤثرٌ حقًا .. عند صنع المنبر أحد الذين حضروا تلك الدموع .. صحابي اسمه: سهل بن سعد الساعدي ﵁ يقول: "كان رسول الله ﷺ يقوم إذا خطب إلى خشبة كانت في المسجد، فلما ذاع الناس وكثروا قيل له: يا رسول الله لو جعلت منبرًا تشرف على الناس منه؟ فبعث إلى النجار فانطلق .. فانطلقت معه حتى أتى الغابة فقطع منها أثلًا .. فعمله وهيأه ثم أتينا نحمله، فكان "درجتين" والثالثة مقعد لرسول الله ﷺ .. فوالله ما هو إلا أن قعد عليه رسول الله ﷺ .. فتكلم، وفقدته الخشبة .. فخارت كخوار الثور لها حنين حتى فزع الناس .. وكثر البكاء مما رأوا بها، فقال رسول الله ﷺ : "سبحان الله ألا ترون إلى هذه الخشبة" (١). تأثر ﷺ بذلك الحنين وهو على المنبر (فنزل رسول الله ﷺ حتى أخذها فضمها إليه فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكت حتى استقرت) (٢) كأن هذا الجذع متفرع من جذور الحب .. كأنه أحد

стр. 309

المهاجرين والأنصار .. كأنه مكة .. مكة التي تفتقد إلى وجه ابنها وحبيبها ﷺ .. كأنه تلك الحجارة التي كانت تسلم عليه ﷺ كلما مر بها .. وتبادله حبًا بحب وشوقًا بشوق .. هذا الجذع بكى لأن رسول الله ﷺ لن يخطب عليه بعد اليوم .. لن يحظى بدفء جسده بعد اليوم ... وسوف يفتقد إلى ذكر الله يفوح عطرًا وهدايةً من رسول الله ﷺ .. لقد عبر ﷺ عمَّا بأعماق هذه الشجرة عندما قال: (بكت على ما كانت تسمع من الذكر عندها) (١) إنها تغبط: امرأة من الأنصار وغلامها تبرعا بالمنبر فالأنصارية هي التي تطوعت وغلامها لبناء المنبر .. يحدثنا عن ذلك أحد كرام الأنصار: جابر بن عبد الله فيقول: (إن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول الله .. ألا أجعل لك منبرًا تقعد عليه فإن لي غلامًا نجارًا .. ، فقال ﷺ : "إن شئت" .. ، فعملت له منبرًا، فلما كان يوم الجمعة قعد على المنبر الذي صنع له، فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت أن تنشق، فترل رسول الله ﷺ حتى أخذها، فضمها إليه فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكت حتى استقرت. قال ﷺ : "بكت على ما كانت تسمع من الذكر عندها" (٢) ثم عاد ﷺ إلى منبره. فماذا صنع يقول سهل الساعدي: إن المرأة أمرت غلامها (فعملها من طرفاء

стр. 310

الغابة .. ثم جاء بها فأرسلته إلى رسول الله ﷺ ، فأمر بها فوضعت ها هنا .. ثم رأيت رسول الله ﷺ صلى عليها .. وكبَّر وهو عليها .. ثم ركع وهو عليها .. ثم نزل القهقرى .. فسجد في أصل المنبر .. ثم عاد .. فلما فرغ أقبل على الناس فقال: "أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا بى ولتعلموا صلاتي .. فعمل هذه الثلاث درجات" (١) إذًا فمنبر رسول الله ﷺ ثلاث درجات لا أكثر .. ثلاث درجات بسيطة لا أكثر .. فهنيئًا لتلك الأنصارية .. هنيئًا لغلامها وهنيئًا لذلك المنبر .. فمنبر الأثل لم يعد ينتمي إلى الأثل .. لم يعد ينتسب إلى الأرض .. منبر الأنصارية صار: منبرًا من الجنة فقد التفت ﷺ إلى منبره يومًا فقال: "إن قوائم منبري هذا رواتب في الجنة" (٢). وأما ما بين المنبر وبيت رسول الله ﷺ فمساحة من الربيع الخالد .. والفيض الغامر الواعد بالنعيم .. فقد قال ﷺ : "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة" (٣). أما المسجد فقد اكتمل بناؤه .. واكتمل العقد بجوهرة ثالثة تزين صدر السفر.، محطة ثالثة لقوافل المؤمنين بناها ﷺ في المدينة .. يزيلون فيها

стр. 311

العناء والذنوب وينهلون الربيع والثواب "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، مسجدي هذا .. والمسجد الحرام .. ومسجد بيت المقدس" (١) ... لا تشد الرحال من أجل العبادة إلى أي مسجد في الدنيا إلا إلى هذه المساجد الثلاثة .. فمن أتعب مطاياه إلى غيرها فقد أتعبته البدعة والشيطان .. والإِسلام نبع صافٍ ورقراق .. والبدعة تلوثه .. والشيطان يلوث قلوب أصحابها .. لكن لماذا هذه المساجد فقط هي مناخ المرتحل ومستراحه؟ الإجابة لا تأتي من الهواء .. لا تأتي من الهوى .. الإجابة تتنزل وحيًا. تتزل أجرًا عندما قال ﷺ : (صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه" (٢). فهم الصحابة ذلك وأدركوا أن السفر من أجل العبادة والصلاة لا يجوز مهما كان ذلك المكان المنشود مقدسًا .. إلا إلى هذه المساجد الثلاثة .. حتى ولو كان هذا المكان جبل الطور الذي كلم الله فيه موسى تكليمًا .. وأنزل عليه فيه التوراة .. وهذه القصة حدثت بين صحابيين تشهد بتفاني الصحابة من أجل بقاء الإِسلام جديدًا دون تشويه .. دون بدع .. (لقد لقي أبو بصرة الغفاري أبا هريرة وهو جاء من الطور، فقال: من أين أقبلت؟ قال: من الطور .. صليت فيه، قال أبو بصرة: أما لو أدركتك قبل أن ترحل إليه ما رحلت إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد

стр. 312

الأقصى") (١) وبهذه التصفية والتربية يبقى الإِسلام جديدًا .. دون شوائب .. دون بدع .. كما أنزل على محمَّد ﷺ . إذًا فقد سعدت المدينة باحتضانها لمسجد يؤسسه رسول الله ﷺ على التقوى كما سعدت مكة من قبل بتأسيس إبراهيم وإسماعيل ﵉ لبيت الله الحرام .. وبنى ﷺ له بيتًا ملاصقًا للمسجد عبارة عن حجرات صغيرة فسودة قادمة قريبًا من مكة .. أما عائشة فربما كانت مع هذا الركب الذي يلوح بين السراب .. وفيه امرأة حامل .. امرأة عظيمة كانت تحمل المسؤوليات والطعام إلى رسول الله ﷺ .. كانت تقطع حزامًا لها نصفين ليستخدمه ﷺ في هجرته إلى المدينة فيربط زاده وما يحتاجه .. إنها ذات التاريخ الأبيض .. ذات النطاقين .. أسماء بنت الصديق الأكبر .. والصاحب الأبر .. (هاجرت إلى النبي ﷺ وهي حبلى) (٢) .. لم تبال بثقل حملها فمدينة الأنوار والحب تنتظرها .. وهي لا تستطيع مقاومة ذلك الحب فيها .. أما ذلك الجنين في بطنها فكان على موعد مع السبق والشرف ليكون أولًا في سجلات الهجرة والإِسلام. أسماء الآن في طريقها إلى المدينة .. هي الآن في قباء قد أثقلها الحمل والتعب .. لا تستطيع المشى .. لا تستطيع الوصول إلى المدينة فآلام الولادة شديدة .. إنها المرة الأولى التي تعاني فيها من هذه الآلام .. فبقيت في قباء حتى تمت ولادتها بسلام وطفلٍ كالورد تحدثنا عنه فتقول: (خرجت وأنا متم .. فأتيت المدينة فنزلت بقباء .. فولدته بقباء .. ثم أتيت به رسول الله ﷺ فوضعه في حجره، ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه .. فكان أول شيء

стр. 313

دخل جوفه ريق رسول الله ﷺ ، ثم حنكه بتمرة .. ثم دعا له وبرك عليه، فكان أول مولود في الإِسلام) (١). هذا الطفل هو عبد الله بن الزبير بن العوام .. أمه أسماء وجده أبو بكر أما خالته عائشة .. فبعد وصولها عانت من مرض تساقط منه شعرها تقول ﵂: (قدمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن خزرج، فوعكت فتمزق شعري فوفى جميمة) (٢) أي أنها شفيت فعاد شعرها جميمة وهو الشعر إذا سقط على المنكبين .. فرحت عائشة بجميمتها وهي ... تنتظر أسعد أيام حياتها فهي زوج رسول الله ﷺ لكنها كانت في بيت أبيها لم تنتقل بعد إلى بيت الزوجية والنبوة والحب الطهور .. وتلك الحجرات الصغيرات كن يتلهفن عليها حتى إذا جاء شهر شوال من تلك السنة ... وشهر شوال محبوب لدى عائشة .. إنها تقول عنه: (تزوجني رسول الله ﷺ في شوال .. وبنى بي في شوال .. فأي نساء رسول الله ﷺ كان أحظى عنده مني .. وكانت تستحب أن تدخل نساءها في شوال) (٣). ولزفاف عائشة قصة تحب أن ترويها لنا فتقول ﵂: (أتتني أمى أم رومان وإني لفي أرجوحةٍ ومعى صواحب لي، فصرخت نبى، فأتيتها لا أدري ما تريد بي، فأخذت بيدي حتى أوقفتني

стр. 314

على باب الدار وإني لأنهج حتى سكن بعض نفسي، ثم أخذت شيئًا من ماء فمسحت به وجهى ورأسى، ثم أدخلتنى الدار، فإذا نسوة من الأنصار في البيت فقلن: على الخير والبركة وعلى خير طائر، فأسلمتني إليهن، فأصلحن من شأنى, فلم يرعني إلا رسول الله ﷺ ضحى فأسلمتني إليه وأنا يومئذٍ بنت تسع سنين) (١). هذه قصة الزفاف .. وهكذا صار لعائشة ﵂ حجرة من تلك الحجرات المتواضعة .. وصار لها نصيب في حياته ﷺ وقلبه .. يزداد مع الأيام حتى صارت أحب الناس إليه .. يقول أحد الصحابة واسمه عبد الله بن شقيق: (قلت لعائشة: أي الناس كان أحب إلى رسول الله ﷺ ؟ قالت: عائشة .. قلت: فمن الرجال؟ قالت: أبوها) (٢). وصحابي آخر قدم على رسول الله ﷺ فجرى بينهما حوار عن الحب .. يقول هذا الصحابي ﵁: (أتيته .. قلت: يا رسول الله أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة .. قلت: من الرجال؟ قال: أبوها .. قلت: ثم من؟ قال: عمر .. فعد رجالًا) (٣). المرأة من جديد تقفز في المقدمة .. تتقدم فتسير أمام من يدخلون قلب رسول الله ﷺ .. وقلب رسول الله ﷺ كان مدينةً منورةً أخرى للجميع .. سعدوا بدخولها .. واطمأنوا بالعيش فيها .. ومن آثار تلك الطمأنينة والحب

стр. 315

بين المهاجرين والأنصار هذه الخطوات التي يخطوها حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ -وهو يتجه إلى أحد بيوت الأنصار .. إلى بيت قيس بن فهد .. حمله حب مصاهرة الأنصار الكرام والتماهى معهم إلى يوم القيامة .. خطب حمزة ﵁ خولة بنت قيس فوافقت ووافق أبوها .. وزفت إليه وسكنا معا في بيت تعمره السكينة والإيمان ويزوره النبي ﷺ ليقضى فيه وقتا كأنسام البحار عند المساء .. خولة ﵂ تتحدث عن تلك الزيارات التي كان يقوم بها النبي ﷺ لبيت عمه .. وتتحدث عن عذوبته عليه ﷺ : (أن حمزة بن عبد المطلب لما قدم المدينة تزوج خولة بنت قيس بن قهد الأنصارية من بني النجار .. قال وكان رسول الله ﷺ يزور حمزة في بيتها وكانت تحدث عنه ﷺ أحاديث قالت جاءنا رسول الله ﷺ يومًا فقلت: يا رسول الله .. بلغني عنك أنك تحدث أن لك يوم القيامة حوضًا ما بين كذا وكذا .. قال أجل .. وأحب الناس إلى أن يروى منه قومك قالت فقدمت إليه برمة فيها خبزة أو حريرة .. فوضع رسول الله ﷺ يده في البرمة ليأكل فاحترقت أصابعه فقال: حس .. ثم قال: ابن آدم إن أصابه البرد قال: حس .. وإن أصابه الحر قال: حس) (١) وتقول ﵂: (إن رسول الله ﷺ -دخل على حمزة فتذاكر الدنيا فقال رسول الله ﷺ : "إن الدنيا خضرة حلوة فمن أخذها بحقها بورك له فيها .. ورب متخوض في مال الله ومال رسوله له النار يوم يلقى الله) (٢) كان ﷺ يزور أصحابه أيضًا يتفقدهم ويتحسس معاناتهم ..

стр. 316

ولأنهم جميعًا بين أضلاعه ﷺ فلا بد أن يدلف معهم شيء من الأحزان يشعر به ويشاركهم معاناته .. كان يتقاسم معهم الأحزان والأفراح .. فخلال تلك البهجة .. خلال فرح المدينة بعرس محمَّد ﷺ وعائشة .. خلال الفرح بالمهاجرين والإِسلام كانت قافلة الحياة الطويلة تمر .. تعبر لا تتوقف .. تحمل الفرح والأحزان والمفاجآت .. قافلة الحياة تحمل هذه المرة حزنًا يتأهب لدخول بيت أحد أبطال العقبة والبيعة الخالدة: بيت أسعد بن زرارة الذي كان في أيامة الأخيرة يعاني من المرض .. فيقول أنس بن مالك: إن رسول الله ﷺ قد كوى أسعد بن زرارة في الشوكة) (١). لكن سعدًا مات ﵁ .. مات فترك جرحًا في قلوب المسلمين .. وترك دعاءً في قلب رجل اسمه كعب بن مالك ﵁ .. كان كعب يدعو له كلما سمع صوت المؤذن ليوم الجمعة .. فلماذا هذا النداء بالذات وما هي ذكرياته .. الإجابة أخذها عبد الرحمن من والده كعب بن مالك .. بعد أن بلغ كعب من الكبر عتيًا وشاب رأسه وذهب بصره .. يقول عبد الرحمن: إن والده (كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة .. فقلت له: إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة .. قال:

стр. 317

لأنه أول من جمَّع بنا في هزم النبيت .. من حرة بني بياضة. .. في نقيع يقال له نقيع الخضمات .. قلت: كم أنتم يومئذٍ؟ قال: أربعون) (١) .. رحم الله أسعد بن زرارة .. ربما كان هو هذا الذي فوق الأعناق .. ها هم ينزلونه إلى قبره ويدفنونه .. النبي ﷺ حزين عند قبره .. وها هم الصحابة يلفهم الوجوم ويتسلل الحزن بينهم .. ويتسلل بينهم رجل لم يعرف الحزن هذه اللحظة فقط .. بل تشربته عروقه وشبابه فأصبح من لحمه ودمه .. حزين تصرعه الدنيا وتشفيه وتحمله وترتحل به حتى أوصلته إلى هذا القبر. فمن هذا المتسلل ؟ من هذا المتسلل بين المقابر .. ؟ إنه ذلك الرقيق المتسلل ليلًا إلى قباء عندما وصل رسول الله ﷺ إلى هناك .. هل تذكرون تلك الصدقة التي حملها .. قدمها لرسول الله ﷺ فلم يأكل منها وجعل أصحابه يأكلون .. إنه الشخص نفسه الذي حمل هدية من طعام إلى رسول الله ﷺ في بيت أبي أيوب الأنصاري .. ذلك الشخص المحير .. ذلك الرقيق الملىء بالأسرار والعبودية والهموم هو هذا المتسلل الذي مشى إلى رسول الله ﷺ -وهو ببقيع الغرقد قد تبع جنازة الصحابي الجليل .. وعلى رسول الله ﷺ شملتان .. لن أستمر .. سأترككم معه .. يفتح لكم قلبه ودروبه وتاريخه .. ليتحدث إليكم يقول ﵁:

стр. 318

(جئت رسول الله ﷺ -وهو ببقيع الغرقد (١) ... قد تبع جنازة رجل من أصحابه وعليه شملتان (٢) وهو جالس في أصحابه .. فسلمت عليه، ثم استدبرته أنظر إلى ظهره، هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاجي. فلما رآني رسول الله ﷺ استدبرته عرف أني أستثبت في شيء وصف لي، فألقى رداءه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم (٣) فعرفته، فأكببت عليه أقبله وأبكي، فقال لي رسول الله ﷺ : "تحول" .. فتحولت بين يديه، فقصصت عليه حديثى) (٤) إذًا فهذا المسكين يبحث عن نبي وقد وجده .. لكن من هو صاحبه وما هي قصته وما هو حديثه ... ؟ مرة أخرى سأترككم معه يحدثكم كما حدث رسول الله ﷺ حديثًا مبللًا بالدموع والشقاء والدلال .. حديثا طويلًا يقول فيه: (كنت رجلًا فارسيًا من أهل أصبهان .. من أهل قرية يقال لها جيء .. - وكان أبي دهقان (٥) قريته .. وكنت أحب خلق الله إليه .. فلم يزل حبه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية -أي ملازم النار- واجتهدت في المجوسية (٦) حتى كنت قطن (٧) النار الذي يوقدها لا يتركها

стр. 319

تخبو ساعة .. وكانت لأبي ضيعة (١) عظيمة ... فشغل في بنيانٍ له يومًا فقال لي: يا بني إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي .. فاذهب إليها فاطَّلعها .. وأمرني فيها ببعض ما يريد .. ثم قال لي: ولا تحتبس عني فإنك إن احتبست عني كنت أهم إلى من ضيعتي وشغلتني عن كل شيء من أمري .. فخرجت أريد ضيعته التي بعثني إليها .. فمررت بكنيسة من كنائس النصارى فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون .. وكنت لا أدري ما أمر الناس -لحبس أبي إياي في بيته- فلما سمعت أصواتهم دخلت عليهم انظر ما يصنعون، فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم ورغبت في أمرهم .. وقلت: هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه .. فوالله ما برحتهم حتى غربت الشمس وتركت ضيعة أبي فلم آتها .. ثم قلت لهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام .. فرجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغلته عن أمره كله .. فلما جئت قال: أي بني .. أين كنت؟ ألم أكن أعهد إليك ما عهدته؟ .. قلت: يا أبت مررت بأناس يصلون في كنيسة لهم .. فأعجبني ما رأيت من دينهم فوالله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس .. قال: أي بني ... ليس في ذلك الدين خير .. دينك ودين آبائك خير منه .. قلت: كلا والله إنه لخير من ديننا .. فخافنى فجعل في رجلى قيدًا ثم حبسني في بيته ..

стр. 320

وبعثت إلى النصارى فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشام -تجار من النصارى- فأخبروني بهم .. فقدم عليهم ركب الشام -تجار من النصارى- فجاءوني النصارى فأخبروني بهم .. فقلت: إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فآذنوني .. فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم أخبرونى بهم .. فألقيت الحديد من رجلي ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدين علمًا؟ قالوا: الأسقف (١) في الكنيسة .. فجئته فقلت له: إنى قد رغبت في هذا الدين .. وأحببت أن أكون معك .. وأخدمك في كنيستك وأتعلم منك فأصلى معك .. قال: ادخل .. فدخلت معه .. فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها .. فإذا جمعوا له شيئًا كنزه لنفسه ولم يعطه المساكين .. حتى جمع سبع قلال من ذهب ووَرِق (٢) ... وأبغضته بغضًا شديدًا لما رأيته يصنع .. ثم مات واجتمعت له النصارى ليدفنوه .. فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء .. يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها .. فإذا جئتموه بها كنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئًا. فقالوا لي: وما علمك بذلك؟ فقلت لهم: أنا أدلكم على كنزه .. قالوا: فدلنا .. فأريتهم موضعه فاستخرجوا
следующие страницы →