← Сира

Сира · id 123668

السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة

محمد الصوياني

Полный текст (1 354 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ولأنهم جميعًا بين أضلاعه ﷺ فلا بد أن يدلف معهم شيء من الأحزان يشعر به ويشاركهم معاناته .. كان يتقاسم معهم الأحزان والأفراح .. فخلال تلك البهجة .. خلال فرح المدينة بعرس محمَّد ﷺ وعائشة .. خلال الفرح بالمهاجرين والإِسلام كانت قافلة الحياة الطويلة تمر .. تعبر لا تتوقف .. تحمل الفرح والأحزان والمفاجآت .. قافلة الحياة تحمل هذه المرة حزنًا يتأهب لدخول بيت أحد أبطال العقبة والبيعة الخالدة: بيت أسعد بن زرارة الذي كان في أيامة الأخيرة يعاني من المرض .. فيقول أنس بن مالك: إن رسول الله ﷺ قد كوى أسعد بن زرارة في الشوكة) (١). لكن سعدًا مات ﵁ .. مات فترك جرحًا في قلوب المسلمين .. وترك دعاءً في قلب رجل اسمه كعب بن مالك ﵁ .. كان كعب يدعو له كلما سمع صوت المؤذن ليوم الجمعة .. فلماذا هذا النداء بالذات وما هي ذكرياته .. الإجابة أخذها عبد الرحمن من والده كعب بن مالك .. بعد أن بلغ كعب من الكبر عتيًا وشاب رأسه وذهب بصره .. يقول عبد الرحمن: إن والده (كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة .. فقلت له: إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة .. قال:

стр. 317

لأنه أول من جمَّع بنا في هزم النبيت .. من حرة بني بياضة. .. في نقيع يقال له نقيع الخضمات .. قلت: كم أنتم يومئذٍ؟ قال: أربعون) (١) .. رحم الله أسعد بن زرارة .. ربما كان هو هذا الذي فوق الأعناق .. ها هم ينزلونه إلى قبره ويدفنونه .. النبي ﷺ حزين عند قبره .. وها هم الصحابة يلفهم الوجوم ويتسلل الحزن بينهم .. ويتسلل بينهم رجل لم يعرف الحزن هذه اللحظة فقط .. بل تشربته عروقه وشبابه فأصبح من لحمه ودمه .. حزين تصرعه الدنيا وتشفيه وتحمله وترتحل به حتى أوصلته إلى هذا القبر. فمن هذا المتسلل ؟ من هذا المتسلل بين المقابر .. ؟ إنه ذلك الرقيق المتسلل ليلًا إلى قباء عندما وصل رسول الله ﷺ إلى هناك .. هل تذكرون تلك الصدقة التي حملها .. قدمها لرسول الله ﷺ فلم يأكل منها وجعل أصحابه يأكلون .. إنه الشخص نفسه الذي حمل هدية من طعام إلى رسول الله ﷺ في بيت أبي أيوب الأنصاري .. ذلك الشخص المحير .. ذلك الرقيق الملىء بالأسرار والعبودية والهموم هو هذا المتسلل الذي مشى إلى رسول الله ﷺ -وهو ببقيع الغرقد قد تبع جنازة الصحابي الجليل .. وعلى رسول الله ﷺ شملتان .. لن أستمر .. سأترككم معه .. يفتح لكم قلبه ودروبه وتاريخه .. ليتحدث إليكم يقول ﵁:

стр. 318

(جئت رسول الله ﷺ -وهو ببقيع الغرقد (١) ... قد تبع جنازة رجل من أصحابه وعليه شملتان (٢) وهو جالس في أصحابه .. فسلمت عليه، ثم استدبرته أنظر إلى ظهره، هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاجي. فلما رآني رسول الله ﷺ استدبرته عرف أني أستثبت في شيء وصف لي، فألقى رداءه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم (٣) فعرفته، فأكببت عليه أقبله وأبكي، فقال لي رسول الله ﷺ : "تحول" .. فتحولت بين يديه، فقصصت عليه حديثى) (٤) إذًا فهذا المسكين يبحث عن نبي وقد وجده .. لكن من هو صاحبه وما هي قصته وما هو حديثه ... ؟ مرة أخرى سأترككم معه يحدثكم كما حدث رسول الله ﷺ حديثًا مبللًا بالدموع والشقاء والدلال .. حديثا طويلًا يقول فيه: (كنت رجلًا فارسيًا من أهل أصبهان .. من أهل قرية يقال لها جيء .. - وكان أبي دهقان (٥) قريته .. وكنت أحب خلق الله إليه .. فلم يزل حبه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية -أي ملازم النار- واجتهدت في المجوسية (٦) حتى كنت قطن (٧) النار الذي يوقدها لا يتركها

стр. 319

تخبو ساعة .. وكانت لأبي ضيعة (١) عظيمة ... فشغل في بنيانٍ له يومًا فقال لي: يا بني إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي .. فاذهب إليها فاطَّلعها .. وأمرني فيها ببعض ما يريد .. ثم قال لي: ولا تحتبس عني فإنك إن احتبست عني كنت أهم إلى من ضيعتي وشغلتني عن كل شيء من أمري .. فخرجت أريد ضيعته التي بعثني إليها .. فمررت بكنيسة من كنائس النصارى فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون .. وكنت لا أدري ما أمر الناس -لحبس أبي إياي في بيته- فلما سمعت أصواتهم دخلت عليهم انظر ما يصنعون، فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم ورغبت في أمرهم .. وقلت: هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه .. فوالله ما برحتهم حتى غربت الشمس وتركت ضيعة أبي فلم آتها .. ثم قلت لهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام .. فرجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغلته عن أمره كله .. فلما جئت قال: أي بني .. أين كنت؟ ألم أكن أعهد إليك ما عهدته؟ .. قلت: يا أبت مررت بأناس يصلون في كنيسة لهم .. فأعجبني ما رأيت من دينهم فوالله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس .. قال: أي بني ... ليس في ذلك الدين خير .. دينك ودين آبائك خير منه .. قلت: كلا والله إنه لخير من ديننا .. فخافنى فجعل في رجلى قيدًا ثم حبسني في بيته ..

стр. 320

وبعثت إلى النصارى فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشام -تجار من النصارى- فأخبروني بهم .. فقدم عليهم ركب الشام -تجار من النصارى- فجاءوني النصارى فأخبروني بهم .. فقلت: إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فآذنوني .. فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم أخبرونى بهم .. فألقيت الحديد من رجلي ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدين علمًا؟ قالوا: الأسقف (١) في الكنيسة .. فجئته فقلت له: إنى قد رغبت في هذا الدين .. وأحببت أن أكون معك .. وأخدمك في كنيستك وأتعلم منك فأصلى معك .. قال: ادخل .. فدخلت معه .. فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها .. فإذا جمعوا له شيئًا كنزه لنفسه ولم يعطه المساكين .. حتى جمع سبع قلال من ذهب ووَرِق (٢) ... وأبغضته بغضًا شديدًا لما رأيته يصنع .. ثم مات واجتمعت له النصارى ليدفنوه .. فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء .. يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها .. فإذا جئتموه بها كنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئًا. فقالوا لي: وما علمك بذلك؟ فقلت لهم: أنا أدلكم على كنزه .. قالوا: فدلنا .. فأريتهم موضعه فاستخرجوا

стр. 321

سبع قلال مملوءة ذهبًا وورِقًا .. فلما رأوها قالوا: لا ندفنه أبدًا .. فصلبوه ورجموه بالحجارة. وجاءوا برجل آخر فوضعوه مكانه .. فما رأيت رجلًا لا يصلى الخمس أرى أنه أفضل منه .. وأزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة .. ولا أدأب ليلًا ونهارًا .. فأحببته حبًا لم أحب شيئًا قبله مثله .. فأقمت معه زمانًا .. ثم حضرته الوفاة .. فقلت له: إني قد كنت معك .. وأحببتك حبًا لم أحبه شيئًا قبلك .. وقد حضرك ما ترى من أمر الله تعالى .. فإلى من توصى بي؟ وبم تأمرني؟ قال: أي بني .. والله ما أعلم اليوم أحدًا على ما كنت عليه .. لقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلًا بالموصل (١) وهو فلان .. وهو على ما كنتُ عليه فالحِقْ به. فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل .. فقلت: يا فلان .. إن فلانًا أوصاني عند موته أن ألحق بك .. وأخبرني أنك على أمره .. فقال لي: أقم عندي .. فأقمت عنده فوجدته خير رجلٍ على أمر صاحبه .. فلم يلبث أن مات .. فلما حضرته الوفاة قلت له: يا فلان إن فلانًا أوصى بي إليك وأمرني باللحوق بك .. وقد حضرك من أمر الله ما ترى .. فإلى من توصي بي وبِمَ تأمرنى؟ قال: يا بني .. والله ما أعلم رجلًا على مثل ما كنا عليه .. إلا رجلًا بنصيبين وهو فلان .. فالحق به ..

стр. 322

فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين (١) .. فأخبرته خبري وما أمرني به صاحباي .. فقال: أقم عندي .. فأقمت عنده .. فوجدته على أمر صاحبيه .. فأقمت مع خير رجل فوالله ما لبث أن نزل به الموت .. فلما حضر قلت له: يا فلان .. إن فلانًا كان أوصى بي إلى فلان .. ثم أوصى بي فلان إلى فلان .. ثم أوصى بي فلان إليك .. فإلى من توصي بي وتأمرني .. قال: يا بني .. والله ما أعلمه بقي أحد على أمرنا آمرك أن تأتيه .. إلا رجلًا بعمورية (٢) من أرض الروم .. فإنه على مثل ما نحن عليه .. فإن أحببت فأته .. فإنه على أمرنا. فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية .. فأخبرته خبري .. فقال: أقم عندي .. فأقمت عند خير رجل على هدي أصحابه وأمرهم .. واكتسبت حتى كانت لي بقرات وغنيمة .. ثم نزل به أمر الله .. فلما حضر قلت له: يا فلان إني كنت مع فلان فأوصى بي إلى فلان .. ثم أوصى بي فلان إلى فلان .. ثم أوصى بي فلان إلى فلان .. ثم أوصى بي فلان إليك .. فإلى من توصي بي .. وبم تأمرني؟ قال: أي بني .. والله ما أعلم أصبح أحد على مثل ما كنا عليه من الناس آمرك أن تأتيه .. ولكن قد أظل زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم .. يخرج بأرض العرب .. مهاجره إلى أرض بين حرتين (٣) .. ، بينهما نخل .. به

стр. 323

علامات لا تخفى .. يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة .. بين كتفيه خاتم النبوة .. فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل .. ثم مات وغيب .. ومكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث .. ثم مر بي نفر من كلب -تجار- فقلت لهم: احملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه .. قالوا: نعم .. فأعطيتهموها وحملوني معهم .. حتى إذا بلغوا وادي القرى ظلموني .. فباعوني من رجل يهودي عبداً .. فكنت عنده .. ورأيت النخل .. فرجوت أن يكون البلد الذي وصف لي صاحبي .. ولم يحق في نفسي .. فبينا أنا عنده إذ قدم عليه ابن عم له من بني قريظة من المدينة .. فابتاعني منه .. فاحتملني إلى المدينة .. فوالله ما هو إلا أن رأيتها .. فعرفتها بصفة صاحبي لها .. فأقمت بها. وبعث رسول الله ﷺ .. فأقام بمكة ما أقام .. ولا أسمع له بذكر مما أنا فيه من شغل الرق .. ثم هاجر إلى المدينة .. فوالله إني لفى رأس عذق (١) لسيدي أعمل فيه بعض العمل .. وسيدي جالس تحتي، إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقال: يا فلان .. قاتل الله بني قيلة (٢) .. والله إنهم لمجتمعون الآن بقباءٍ على رجلٍ قدم من مكة يزعم أنه نبي .. فلما سمعتها أخذتني الرعدة .. حتى ظننت أني ساقط على سيدي .. فنزلت عن النخلة .. فجعلت أقول لابن عمه:

стр. 324

ماذا تقول .. ماذا تقول .. ؟ فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة .. ثم قال: ما لك ولهذا!! أقبل على عملك .. فقلت: لا شيء .. إنما أردت أن أستثبته عما قال .. وقد كان عندي شيء قد جمعته .. فلما أمسيت أخذته .. ثم ذهبت به إلى رسول الله ﷺ وهو بقباء ..) (١). إذًا فرسول الله ﷺ يعرف وجه هذا الغريب ويعرف قصته معه في قباء عندما قدم لرسول الله ﷺ صدقة من طعام فلم يأكل منها .. ولكنه أكل من هديته التي قدمها له في بيت أبي أيوب .. وها هو يرى خاتم النبوة على ظهره ﷺ . ثلاث علامات ذاق من أجلها سلمان ألوان المر .. والترحال والتغرب والتشرد .. تشققت يداه من الكد والكدح وهو ابن النعيم والدلال .. حياة طويلة ترسف في قيود الحديد والعبودية والرق .. كان في غنى عنها لكنه ليس في غنى عن التوحيد .. فالتوحيد يعني له عالمًا من النعيم .. والحقيقة المدهشة المثيرة والانطلاق في آفاق الخلود والتحليق بلا حدود .. لم يجدها في رماد نار المجوس .. ولا بين تصاليب النصارى ولا وسط أحقاد اليهود .. وجدها بين يدي محمَّد ﷺ .. فهدأت نفسه الثائرة وارتاحت روحه المتعبة ووجد الجدار الذي يسند إليه ظهره بعد طول العناء .. عثر على من يمسح دموعه وعرقه في طيبة الطيبة بين إخوة له في الشقاء والبحث والانتظار والوصول .. فقص عليهم ما وجده وما عاناه

стр. 325

(فأعجب رسول الله ﷺ أن يسمع ذلك أصحابه) (١). ولم يكتف ﷺ بإبداء الإعجاب والرضا والابتسام .. فالرجل ما زال يلهث .. ويداه تنزفان وقدماه داميتان من صخور اليهود وأشواك حقولهم .. رَقَّ ﷺ لحاله وضياعه فقرر كسر هذا الطوق الذي يخنق أنفاس هذا المسكين فالتفت ﷺ إليه وقال: "كاتب يا سلمان" (٢) .. أي تعاقد مع سيدك اليهودي على شيء تقدمه له مقابل حريتك .. لم يكن لدى سلمان شيءٌ يقدمه .. لكن كلمات النبي ﷺ -كانت نوافذَ مفتوحةً على الحرية والحرية .. نهض سلمان من بين المقابر وتوجه إلى ذلك اليهودي .. نهض سلمان وقد انتزع القلوب من حوله .. وغادر ونظرات الإشفاق والعطف تتابعه حتى اختفى .. ونهض النبي ﷺ وأصحابه وقد أثقلهم الحزن على صاحبيهم. ولم يكتفِ ﷺ بالحزن على صاحبه الذي دفنه منذ قليل فأسعد بن زرارة ملء السمع والبصر وعائلته من بعده أصبحت بين حناياه ﷺ .. رحل أسعد بن زرارة وترك زهرتين صغيرتين .. ها هو ﷺ يمشي متوجهًا نحوهما في دار أبيهما أسعد .. نبى الله ﷺ يحمل في يده هدية جميلة لهاتين الصغيرتين .. إنها أقراط ذهبية مرصعة باللؤلؤ .. وليس هناك ما يدخل السعادة على الفتاة مثل الحلى والزينة ..

стр. 326

تحدثنا عن هذه الزيارة حفيدة لأسعد بن زرارة اسمها زينب فتقول: (إن رسول الله ﷺ حلى أمها وخالتها -وكان أبوهما أسعد بن زرارة- أوصى بهما إلى رسول الله ﷺ فحلاهما رعاثًا من قبر ذهب فيه لولؤ) (١) .. لبست الفتاتان تلك الأقراط وتزينتا به .. وبقى عندهما زمنًا .. تقول زينب: (وقد أدركت الحلى أو بعضه) (٢) .. هدية من نبي رقيق المشاعر يحاول تخفيف اليتم والحزن عن أهل بيت من بيوت الأنصار الكريمة. نبي أهداه الله رحمةً وحنانًا .. ها هو الغريب من جديد .. يعود بعد أيام .. سلمان

стр. 327

الفارسي يعود إلى رسول الله ﷺ .. ويقول: (كاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له بالقفير وأربعين أوقية) (١) .. فرح ﷺ بما سمع وهتف بأصحابه من حوله وقال لهم: "أعينوا أخاكم") (٢) .. امتثل الصحابة وتفرقوا يبحثون .. يفتشون عن شيء يزيلون به بقايا الظلم عن أخيهم الفارسي الذي تداولته السنون والشقاء و (تداوله بضعة عشر من رب إلى رب) (٣) وقد آن الأوان أن يستريح بفئ الإِسلام .. الصحابة اليوم حركة وعطاء إلا كبيرهم إلا أولهم إنه ليس في السوق .. وليس مع رسول الله ﷺ الذي يعود إلى بيته فيجد زوجته عائشة ﵂ بانتظاره وهي قلقة على أبيها .. كانت تنتظر زوجها ﷺ لتستأذنه في الذهاب للاطمئنان على أبيها .. فماذا حدث للصديق الأكبر ماذا حدث لحبيبنا أبي بكر ﵁ .. ماذا حدث لأبي بكر لم يكن أبو بكر وحده يحتاج إلى الرعاية والمواساة .. بلال بن رباح كان مثله .. وعامر بن فهيرة أيضًا .. فقد (كانوا في بيت واحد) (٤) .. وصل الخبر إلى عائشة فاستأذنت عائشة رسول الله ﷺ في عيادتهم ..

стр. 328

وعندما وصلت وجدت حمى المدينة الملتهبة تشتعل في أجسادهم .. وحمى المدينة شديدة فلقد (قدم رسول الله ﷺ المدينة وهي أوبأ أرض الله) (١). لكن الله يجعل من الضيق منافذًا وأبوابًا .. ويجعل من المعاناة بشائرًا ووعودًا .. قال ﷺ لأصحابه: "لا يصبر على لأواء المدينة وجهدها أحد إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا" (٢). ويقول لهم: "الحمى حظ كل مؤمن من النار" (٢). وما دامت الحمى من القدر فعلاجها من القدر أيضًا .. فالقدر يعالج بالقدر.، أرشد ﷺ أصحابه إلى الصبر .. وأرشدهم أيضًا إلى العلاج فقال: "الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء" (٢) "الحمى كير من جهنم فنحوها عنكم بالماء البارد" (٢). هذه هي حال الحمى فكيف كانت حال أبي بكر وصاحبيه ﵃ .. لقد كانوا مزيجًا من: الحمى والحنين .. والشعر والهذيان وصلت عائشة فكان حوارها معهم حنينًا .. وشعرًا وهذيانًا .. عائشة تحكى ما جرى في تلك الزيارة فتقول ﵂: (لما قدم رسول الله ﷺ المدينة .. قدمها وهي أوبأ أرض الله من

стр. 329

الحمى، فأصاب أصحابه منها بلاءً وسقم وصرف الله ذلك عن نبيه .. فكان أبو بكر، وعامر بن فهيرة وبلال -موليا أبي بكر- في بيت واحد فأصابتهم الحمى، فدخلت عليهم أعودهم -وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب- وبهم ما لا يعلمه إلا الله من شدة الوعك ... فدنوت من أبي بكر فقلت: كيف تجدك يا أبت؟ .. فقال: كل امرئ مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله فقلت: والله ما يدري أبي ما يقول .. ثم دنوت إلى عامر بن فهيرة فقلت: كيف تجدك يا عامر؟ .. قال: لقد وجدت الموت قبل ذوقه ... إن الجبان حتفه من فوقه كل امرئ مجاهد بطوقه ... كالثور يحمي جلده بروقه فقلت: والله ما يدري ما يقول .. وكان بلال إذا أدركته الحمى اضطجع بفناء البيت ثم رفع عقيرته فقال: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بفخ وحولي إذخر وجليل وهل أردن يومًا مياه مِجنةً ... وهل يبدون لي شامة وطفيل) (١) كان بلال يحترق من الحمى لكنه أشد احتراقًا بشوقه المستعر إلى مكة .. إلى سوق مجنة في أسفل مكة إلى جبلى شامة وطفيل اللذين يطلان كالحب على ذلك السوق .. كان يحن إلى مراتع الصبا بين تلك النبتات .. بين الإذخر والجليل .. ثم يزفر بأنفاسه الملتهبة بالحمى فيقول والحسرة في صدره:

стр. 330

(اللَّهم العن عتبة بن ربيعة .. وشيبة بن ربيعة .. وأمية بن خلف كما أخرجونا إلى أرض الوباء) (١). تأثر النبي ﷺ بهذا الشوق والحنين .. وأخذته الشفقة بأصحابه وبالمدينة التي تسكن قلبه عندما سمع شكوى حبيبته عائشة التي تقول: (ذكرت لرسول الله ﷺ ما سمعت منهم وقلت: إنهم ليهذون وما يعقلون من شدة الحمى فقال ﷺ : "اللَّهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة أو أشد، وبارك لنا في مدها وصاعها، وانقل وباءها إلى مهيعة (٢) " (٣). وفي ليلة من تلك الليالي المحمومة كان ﷺ في فراشه وعيناه نائمتان .. في تلك الليلة رأى شيئًا مخيفًا ومفرحًا في منامه .. فبشر به أصحابه وبشر به المدينة وقال: (رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى نزلت مهيعة .. فأولتها: أن وباء المدينة نقل إلى مهيعة وهي الجحفة" (٤) .. وارتحل الوباء .. وارتحلت الحمى عن أبي بكر وبلال وعن عامر بن فهيرة ليعودوا حول رسول الله ﷺ مع المهاجرين والأنصار ويكحل عينيه بهم .. لكن تلك المجالس الطيبة تفتقد إلى أحد عظماء الأنصار .. ورسول الله ﷺ لا يعيش في أبراج بعيدًا عن أصحابه .. إنه منهم وبينهم يصافحهم ويبتسم في وجوههم .. يمشي في أسواقهم .. ويأكل من طعامهم .. ويزورهم في منازلهم .. ويسأل عن

стр. 331

غائبهم .. ويتفقد أحوالهم. يقول أحد الصحابة ﵁: (كان نبي الله ﷺ إذا جلس يجلس إليه نفر من الصحابة وفيهم رجل له ابن صغير يأتيه من خلف ظهره فيقعده بين يديه فقال له النبي ﷺ : "تحبه؟ " فقال: يا رسول الله أحبك الله كما أحبه، فهلك، فامتنع الرجل أن يحضر الحلقة لذكر ابنه، فحزن عليه، ففقده النبي ﷺ فقال: "ما لي لا أرى فلانًا" .. فقالوا: يا رسول الله .. بنيه الذي رأيته هلك. فلقيه النبي ﷺ فسأله عن بنيه، فأخبره بأنه هلك، فعزاه عليه ثم قال ﷺ : "يا فلان أيما كان أحب إليك: أن تمتع به عمرك .. أو لا تأتي غدًا إلى باب من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك إليه يفتحه لك؟ " قال: يا نبي الله .. بل يسبقني إلى الجنة فيفتحها لي، لهو أحب إلي. قال ﷺ : "فذاك لك". فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله جعلني الله فداءك أله خاصة أو لكلنا؟ قال ﷺ : "بل لكلكم") (١). هذه القصة الحزينة الجميلة .. ما أجل الحب والبراءة فيها. ما أجمل الطفولة في مجلس النبي ﷺ .. وما أجمل هذا النبي وهو يسأل الرجل عن حبه .. وما أجمله وهو يحرضه على البوح بشيء من أعماقه .. وهو يعزيه .. وهو يعده بعينين بريئتين تتلهفان له عند باب الجنة .. هذه البشرى من عند الله ليست للرجال وحدهم .. وهذه العناية منه ﷺ ليست للرجال فقط .. يحدثنا صحابي آخر فيقول: (كان ﷺ يتعهد الأنصار، ويعودهم، ويسأل عنهم، فبلغه عن امرأة من الأنصار مات ابنها وليس لها غيره، وأنها جزعت عليه جزعًا شديدًا، فأتاها النبي ﷺ ومعه أصحابه،

стр. 332

فلما بلغ باب المرأة، قيل للمرأة: إن نبي الله يريد أن يدخل: يعزيها، فدخل رسول الله ﷺ فقال: "أما إنه بلغني أنك جزعت على ابنك فأمرها بتقوى الله وبالصبر"، فقالت: يا رسول الله .. ما لي لا أجزع وإني امرأة رقوب لا ألد، ولم يكن لي غيره؟ فقال رسول الله ﷺ : "الرقوب: الذي يبقى ولدها"، ثم قال: "ما من امرئ أو امرأة مسلمة يموت لها ثلاثة أولاد يحتسبهم إلا أدخله الله بهم الجنة"، فقال عمر وهو عن يمين النبي ﷺ : بأبي أنت وأمى .. واثنن؟ قال ﷺ : "واثنين") (١). إذًا فالنبي ﷺ (كان يتعهد الأنصار، ويعودهم ويسأل عنهم) (٢). كان يتفقدهم رجالًا ونساءً .. أغنياء وفقراء .. كان يفرح معهم .. ويواسيهم في مصائبهم وأحزانهم .. كان يخفف عنهم بعض أعباء الحياة وهمومها .. ها هو يتهيأ للخروج .. سوف يعود مريضًا .. وهذه المرة لم يكن المريض رجلًا عاديًا إنه أحد أبطال الأنصار وزعمائهم .. لقد سمع ﷺ بأن سعد بن عبادة يلازم فراشه فتحركت مشاعره نحو أخيه وحبيبه وتحركت دابته نحو هذا الأنصاري الكريم .. دعونا نمشى خلف رسول الله ﷺ فسوف يصادف في طريقه. شجرةً غريبةً رآها ﷺ في المدينة .. نبتة مشوهة تظهر لأول مرة .. أثارها غبار دابة

стр. 333

رسول الله ﷺ المتجهة تحمل حبًا نحو سعد بن عبادة .. أثارها ذلك الغبار فاهتزت وتطايرت أشواكها فجرحت مشاعر رسول الله ﷺ .. ما هذه الشجرة .. وهل وصل ﷺ إلى بيت سعد بن عبادة .. ؟ لا أحد يستطيع وصف ما حدث مثل الطفل أسامة بن زيد حبيب رسول الله ﷺ فقد كان يركب خلف رسول الله ﷺ فوق تلك الدابة .. ها هو أسامة .. يحدثنا فيقول: (إن رسول الله ﷺ ركب حمارًا عليه إكاف (١) على قطيفة فدكية (٢) .. وأردف أسامة بن زيد وراءه .. يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر .. حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول، وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي، فإذا بالمجلس أخلاط من المسلمين .. ومن المشركين عبدة الأوثان .. واليهود، وفي المسلمين عبد الله بن رواحة .. فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة (٣)، حمَّر (٤) ابن أبي أنفه بردائه ثم قال: لا تغبروا علينا. فسلم رسول الله ﷺ .. ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله .. وقرأ عليهم القرآن .. فقال عبد الله بن أبي بن سلول: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقًا .. فلا تؤذنا به في مجالسنا .. ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه ..

стр. 334

فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله .. فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك .. واستب المسلمون والمشركون .. واليهود .. حتى كادوا يتثاورون (١) .. فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكتوا .. ثم ركب رسول الله ﷺ دابته حتى دخل على سعد بن عبادة .. فقال له رسول الله ﷺ : "أيا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب -يريد عبد الله بن أبي .. ؟ " قال: كذا- وكذا .. قال سعد بن عبادة: يا رسول الله اعف عنه واصفح .. فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك .. ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة (٢) على أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة (٣)، فلما رد الله بالحق الذي أعطاك شرق بذلك، فذلك الذي فعل به ما رأيت .. فعفا عنه رسول الله ﷺ .. وكان وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمره الله ويصبرون على الأذى، قال الله : ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٤). وقال : ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٥).

стр. 335

وكان رسول الله ﷺ يتأول في العفو ما أمره الله به ..) (١). لأنه ظل وارف للجميع .. حتى لهؤلاء المشركين واليهود .. ولولا ذلك لما تجرأ أحد منهم حتى على الهمس .. وفي هذا الظل المتاح للجميع تحول ابن أُبي إلى كهفٍ للأصنام والمشركين وكهفٍ لليهود .. لقد تحول إلى كهفٍ لمشروعٍ يحاك في الظلام لتقويض هذه الدولة الجديدة .. عبد الله بن أبي لم يتأذَ من غبار الدابة .. ولم يخمر أنفه من أجل سلامة رئتيه .. فهو ليس غريبًا على الغبار .. والغبار ليس بغريب عليه .. لكنه خمر عقله وقلبه عن الحقيقة .. هو يضيق براكب الدابة وبكل ما يفعله ويقوله .. إنه يقرأ هزيمته في كل سعادة أدخلها نبي الله ﷺ على كل بيت .. إنه يرى نكسته في فرح الرجال والنساء وابتسامات الأطفال وهم يلتصقون برسول الله ﷺ . لا أدري ما هو مصير المدينة لو توج عبد الله بن أبي بن سلول .. وإلى أي قاع سوف يرسو بها .. إن زعامة عبد الله بن أبي ليست -في حالة نجاحها- سوى تأجيل لوقت انفجار قنبلة موقوتة فالجاهلية هي الجاهلية .. والثأر لا يطفئه سوى الثأر ما دامت الأصنام رابضة في البيوت والأندية .. عبد الله بن أُبي بن سلول المشرك ضاق بهؤلاء الأضياف المهاجرين .. وطار صوابه لهذا الكرم الأنصاري .. لقد فقد صداقاته وزعامته .. فقومه يحبونهم أكثر مما يحبونه .. إنهم يلتقون في ذلك المسجد خمس مرات في اليوم .. كيف ذلك .. أليس من سبيل إلى استعادة أحد منهم .. أو شيءٍ منهم .. أليس من سبيل إلى إعادة هؤلاء المهاجرين وطردهم مع نبيهم من

стр. 336

المدينة ... أليس من سبيل إلى تشريدهم خلف جبال المدينة .. ؟ المدينة تقول: لا يا ابن أبي بن سلول .. ليس هناك من سبيل .. فلقد تغيّر أصحابك .. غيّرهم نبي الله .. وغيّر نفوسهم .. وغيّر بلدتك وغيّر اسمها .. وإن لم تكن تحتمل هذا التغير وهذا الحب الذي تكرهه فاذهب إلى دار أنس بن مالك لتنظر ماذا يفعل نبي الله ﷺ .. وماذا يفعل معه المهاجرون والأنصار .. اذهب إلى دار أنس بن مالك فهناك أمرٌ خطير لا أظنك سوف تحتمله. ماذا يحدث في دار أنس نبي الله ﷺ الآن في دار أنس .. والمهاجرون والأنصار من حوله يتطلعون إليه .. ينتظرون كلماته والحماس يقفز في جوانحهم .. يتطلعون إلى هديةٍ للجميع .. ها هو أنس بن مالك بين المهاجرين والأنصار .. سألناه: ما الذي يحدث في داركم يا أنس؟ أخبرنا .. أجاب أنس إجابة كالعيد فقال: (حالف النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دارنا) (١) يا الله .. ما أروعه من خبر .. هنيئًا للدنيا .. هنيئًا لك يا أنس .. وهنيئًا لداركم .. ها هم الصحابة يخرجون من الدار .. وقد صاروا أخوة .. فوق أخوة الإِسلام .. فالمسلم أخو المسلم .. لكن ميزة الأخوة في دار أنس أنها لم تحدث من قبل .. ولن تحدث من بعد .. إنها غيمة وحي .. أمطرتهم حبًا ثم ارتحل ولم تمطر أحدًا سواهم .. ها هي الغيمة بين شفتي أحد الصحابة وهو يحدثنا عنها فيقول:

стр. 337

(كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه، للأخوة التي آخى النبي ﷺ بينهم) (١) لقد آخى ﷺ بين صحابته .. فماهت الأرواح بالأرواح .. ها هو أبو عبيدة يمسك بيد أخيه .. نسأل أنسًا مرة أخرى فيجيب أن رسول الله ﷺ قد (آخى بين أبي عبيدة بن الجراح وبين أبي طلحة) (٢). ونسأل أنسًا ﵁: من هذا الذي يلح ويلح على عبد الرحمن ابن عوف فيقول ﵁: (إن عبد الرحمن بن عوف قدم المدينة، فآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري .. فقال له سعد: أي أخي .. أنا أكثر أهل المدينة مالًا .. فانظر شطر مالي فخذه .. وتحتي امرأتان .. فانظر أيهما أعجب إليك حتى أطلقها. فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك .. دلوني على السوق .. فدلوه .. فذهب .. فاشترى وباع فربح .. فجاء بشيء من أقط وسمن. ثم لبث ما شاء الله أن يلبث .. فجاء وعليه ودع زعفران .. فقال رسول الله ﷺ : "مهيم؟ " فقال: يا رسول الله تزوجت امرأة .. قال ﷺ : "ما أصدقتها؟ " قال: وزن نواة من ذهب .. قال ﷺ : "أَوْلِمْ ولو شاة". قال عبد الرحمن: فلقد رأيتني ولو رفعت حجرًا لرجوت أن أصيب ذهبًا وفضة) (٣).

стр. 338

إن أخوة النسب تركض وتركض .. وتلهث وتتعب فلا تستطيع الإمساك بما أمسكت به أخوة عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع .. لقد حولت دار أنسٍ سعد بن الربيع ربيعًا يتقلب فيه عبد الرحمن بن عوف .. ربيعًا أنصاريًا .. يتنقل فيه عبد الرحمن ويسافر فلا يجد له حدودًا .. يبحث عن أطرافه فلا يرى سوى الربيع أينما حل .. أينما اتجه .. وعندما يحاصره هذا الكرم يتوجه بقلب المتيم المأخوذ إلى رسول الله ﷺ يشتكى من هذا الحب .. ومن هذا الكرم .. يتوجه هو والمهاجرون .. ويقول هو و (المهاجرون: يا رسول الله: يا رسول الله .. ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساةً في قليل .. ولا أحسن بذلًا من كثير .. لقد كفونا المؤونة .. وأشركونا في المهنأ .. حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله .. قال ﷺ : "لا .. ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم" (١). يحق للمهاجرين أن يشتكوا ... ويحق لهم أن يحتاروا فلقد تساءلت الدنيا: من لهؤلاء الهاربن الهائمن .. المشردين .. من ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (٢).

стр. 339

فأجابت طيبة .. وأجابت الأنصار .. وتسابقت الأيدي إلى أحبابها المهاجرين .. وأشرعت الأبواب .. لم يكن هناك ازدحام من المهاجرين على أبواب إخوانهم الأنصار .. لكن كان هناك ازدحام بين القلوب الأنصارية على أحبابهم المهاجرين .. كانت الأنصار أمواجًا من الرحمة تغمر إخوانهم المهاجرين وتنعشهم بعد طول مسير وطول حرمان وعذاب .. حتى لقد (اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين) (١) .. أي حب هذا .. كانت أيدي الطواغيت تتخطفهم بالسياط واللكمات .. وهذه هي الأيدي المتوضئة تمسح آثار السياط وتمسح الدموع والجراح وتحمل هؤلاء الغرباء إلى حيث الرحب والسعة .. الفقراء من الأنصار كانوا أسرع من الأغنياء ينافسونهم ويطلبون القرعة أيضًا .. فالحب والكرم ليس حكرًا على أحد .. فالصدور أفسح من المنازل .. والكلمات ألذ من أطايب الطعام .. والشهادة تنزل من فوق سبع سماوات .. شرفًا للأنصار يفخرون وأبناؤهم بحمله .. الشهادة لهم لم تأت من بيت شعر مدفوع الثمن .. أو خطبة من فصيح يبتغى بها قربى .. الشهادة جاءت من أكرم الأكرمين .. من خالق الكرماء ومعطي الأغنياء .. آيات تتلى إلى يوم القيامة ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا (٢) الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣) .. المرء يُمدح إذا كان كريما .. ويُمدح أكثر إذا كان يقدم للآخرين كل ما عنده .. لكن أن يكون محتاجًا أشد الحاجة فيقدم للآخرين حاجته الملحة فذلك كرم

стр. 340

انتزعه الأنصار .. وهذا أحدهم .. يشهد له الله .. يشهد له سراجه .. وهذه امرأة أنصارية سخية يشهد لها الله .. ويشهد لها سراجها .. في ليلة جاع رسول الله ﷺ فيها وجاعت عائشة وجاعت سودة .. ولم يكن في تلك الحجرات الكريمة سوى قطرات من الماء تعكس لمعان النجوم وكرم الأنصار مع ذلك القادم من بعيد .. تلك الليلة تقول لنا: (إن رجلًا أتى النبي ﷺ فبعث إلى نسائه .. فقلن: ما معنا إلا الماء .. فقال رسول الله ﷺ : "من يضم .. أو يضيف هذا؟ " فقال رجل من الأنصار: أنا .. فانطلق به إلى امرأته .. فقال: أكرمي ضيف رسول الله ﷺ .. فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني .. فقال: هيئى طعامك، وأصبحى (١) سراجك، ونوِّمى صبيانك إذا أرادوا عشاءً .. فهيأت طعامها، وأصبحت سراجها، ونومت صبيانها ثم قامت كأنها تصلح سراجها .. فأطفأته .. فجعلا يُريانه أنهما يأكلان، فباتا طاوين .. فلما أصبحا غدا إلى رسول الله ﷺ فقال ﷺ : ضحك الله الليلة .. أو عجيب (٢) من فعالكما: فأنزل الله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣)) (٤). ضحك الله وعجب من بيت من بيوت الأنصار ليس فيه سوى طعام الصغار .. ليس فيه سوى الإيمان والكرم .. أي شيء حزته أيها الأنصاري

стр. 341

أنت وزوجتك الكريمة .. أي شيء فعلتماه بأخيكما المسكين .. أي كرم كان هناك عندما ردد الأنصار يا رسول الله .. (اقسم بيننا وبينهم النخل) (١) .. عرق السنن .. وحصاد العمر والجهد يبذله الأنصار كالماء البارد كالبسمة العذبة لإخوانهم المهاجرين .. من يلوم الدنيا في حب الأنصار .. من يلوم المهاجرين في حب الأنصار .. من يلومه ﷺ عندما يعلن حبه للأنصار على الطرقات .. على النساء .. وعلى أطفال كالزهور (جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله ﷺ .. ومعها صبي لها، فكلمها رسول الله ﷺ فقال: "والذي نفسي بيده إنكم أحب الناس إلي ... والذي نفسي بيده إنكم أحب الناس إلي") (٢). يا طيبة .. يا عاشقة الأنبياء والمرسلن .. يا حاضنة الوحي والمهاجرين .. يا أرض الأناشيد والنخيل .. حاصرت القادمين بحبك حتى استسلموا فأعلنوه متفجرًا من أعماقهم .. ها هو ﷺ ذات يوم جميل كان فيه جالسًا على دروب أطفال الأنصار فلم يصبر .. قام معلنًا حبه .. حبًا رآه أنس ورواه فقال: (رأى النبي ﷺ النساء والصبيان مقبلين -حسبت أنه قال من عرس (٣) - فقام النبي ممثلًا (٤) فقال: "اللَّهم أنتم من أحب الناس إلي ..

стр. 342

اللَّهم أنتم من أحب الناس إلي .. اللَّهم أنتم من أحب الناس إلي" (١). إن بهجة النساء والأطفال والسامعين بما قاله ﷺ تفوق بهجتهم بذلك العرس وأفراحه .. وإنهم والله ليستحقون هذا الحب، فالذي فعلوه لم يفعله أحد قبلهم .. ولم يفعله أحد بعدهم .. لقد تمادى حب الأنصار وتجاوز الكرم .. لقد تمادوا إلى حد (اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين) (٢) .. تألق الأنصار فأوقفوا شمس التاريخ ونقشوا عليها .. ثم تركوها تنطلق للأجيال .. أوقفوا شمس التاريخ عندما توجهوا إليه ﷺ بقلوب كالسحاب فأمطروه بقولهم: (اقسم بيننا وبينهم النخل) (٣) لكن النبي ﷺ لم يكن بالانتهازي .. ولا يحب لصحابته أن يكونوا كذلك .. كان ﷺ يربي الأمة ويلهم الأجيال .. كان يريد أمة حية تنبض بالحركة والمسير إلى لا حدود .. أدرك الأنصار ذلك فـ (قالوا: يكفوننا المئونة ويشركوننا في الثمر .. قالوا: سمعنا وأطعنا) (٤). وبدأ المهاجرون بالعمل .. وهوت سواعدهم كالحديد تشق الأرض .. تحرثها وتقطف .. وبدأ المهاجرون والأنصار صفًا واحدًا .. صفًا يشكل ملامح الدولة الجديدة .. دولة تنهض نحو السماء بعد أن تشعبت جذورها في القلوب وفي المدينة .. الجميع يبتهجون بذلك .. الجميع إلا قلوبًا يحرقها ما يحدث حولها فهي حانقة دائمًا ..

стр. 343

السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة (قراءة جديدة) محمَّد الصويانى الجزء الثاني مكتبة العبيكان

стр. 344

مكتبة العبيكان، ١٤٢٤هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الصوياني محمَّد السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة./ محمَّد الصوياني - الرياض، ١٤٢٤ هـ ٢٤٨ ص، ١٦.٥ × ٢٤ سم ردمك: ٠ - ٣٧٥ - ٤٠ - ٩٩٦٠ (مجموعة) ٧ - ٣٧٧ - ٤٠ - ٩٩٦٠ (ج٢) ١ - السرة النبرية ٢ - الحديث -مباحث عامة أ. العنوان ديوى ٢٣٩ ٢٨٧٨/ ١٤٢٤ ردمك: ٠ - ٣٧٥ - ٤٠ - ٩٩٦٠ (مجموعة) رقم الإيداع: ٢٨٧٨/ ١٤٢٤ ٧ - ٣٧٧ - ٤٠ - ٩٩٦٠ (ج٢) الطبعة الأولى الخاصة بمكتبة العبيكان ١٤٢٤ هـ/٢٠٠٤ م حقوق الطباعة والنشر محفوظة للناشر الناشر مكتبة العبيكان الرياض -العليا- تقاطع طريق الملك فهد مع شارع العروبة ص. ب: ٦٢٨٠٧ الرمز: ١١٥٩٥ هاتف:٤٦٥٤٤٢٤ فاكس:٤٦٥٠١٧٩

стр. 345

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾

стр. 346

اليهود يحرقهم ما يحدث حولهم .. ويموتون كل يومٍ بغيظهم .. إنهم يشرَقون بهذا النبي وبمن معه .. مع أنه كان يتقرّب إليهم .. كان يحب هدايتهم فهم كغيرهم يحتاجون إلى من يأخذ بأيديهم إلى الحق .. بل كان ﷺ يشعرهم بأنهم أقرب من غيرهم إلى الإسلام -ومع أن القرب لا يكفي أبداً- فقد كان ﷺ يشعرهم بذلك و (كان النبي ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء) (١) فـ (كان أهل الكتاب يسدلون شعورهم .. وكان المشركون يفرقون رؤوسهم .. فسدل النبي ﷺ ناصيته) (٢) لكن اليهود لا يريدون استيعاب أي شيء من محمد ﷺ .. إنهم يفضلون البقاء في معسكر الشيطان .. ولن يغادروه إلا إذا أرسل الله نبيًا يهوديًا يجدد أوراق هذه التوراة الممزقة .. وكان لليهود تعاليم سلمت من التمزيق أقرها الإسلام ولم ينكرها من هذه البقايا: صيام عاشوراء وهو اليوم العاشر من شهر محرم: ما هي قصة صيام يوم عاشوراء (يوم عاشوراء كان يصام في الجاهلية) (٣) و (أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء) (٤) ومنهم (قريش .. تصوم عاشوراء في الجاهلية وكان

стр. 347

رسول الله ﷺ يصومه .. فلما هاجر إلى المدينة صامه وأمر بصيامه) (١) .. وذات يوم (ذكر عند رسول الله ﷺ يوم عاشوراء فقال رسول الله: "كان يومًا يصومه أهل الجاهلية فمن أحب منكم أن يصومه فليصمه .. ومن كره فليدع") (٢) .. ويقول أحد الصحابة ﵃: (كان رسول الله ﷺ يأمرنا بصيام يوم عاشوراء ويحثنا عليه ويتعاهدنا عنده) (٣). وليس أهل الجاهلية فقط هم من يحتفي بذلك اليوم (إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى) (٤) .. وكان أهل خيبر أكثر احتفاءً من غيرهم فـ (هم يصومون يوم عاشوراء .. يتخذونه عيدًا ويلبسون .. نساءهم فيه حليهم وشارتهم) (٥) .. لكن ما علاقة ذلك كله باليهود وهل كان رسول الله ﷺ مقلدًا لأهل الجاهلية وأهل الكتاب .. ؟ دونما تردد الإجابة: لا .. فمحمد ﷺ جاء وحيًا .. لا ينطق عن الهوى ولا يملك أن يشرع من عند نفسه .. وإذا كان سياق الحدث فيه موافقة للجاهلية ولليهود فهؤلاء القوم كالغريق بين الأمواج .. مرةً يتنفس هواءً كالحياة ومرةً .. يتنفس ماءً .. أما الثالثة فيتنفس فيها موتًا .. ومحمَّد ﷺ كان يتنفس هواءً نقيًا .. ويتفوه وحيًا وعطرًا .. استغرب رسول الله ﷺ صيام اليهود لذلك اليوم فكانت هذه القصة التي سجلت كم كان ﷺ ودودًا .. كم كان محبًا لاخوانه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ..

стр. 348

وكم كان محبًا لبني اليهود موسى ﵊ .. فلقد (قدم ﷺ المدينة فوجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء .. فقال لهم رسول الله ﷺ : "ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ " فقالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا، فنحن نصومه، فقال رسول الله ﷺ : "فنحن أحق وأولى بموسى منكم"، فصامه رسول الله ﷺ وأمر بصيامه) (١) لأن الله أمر بصيامه .. لا لأن يهودًا صاموه .. فالمسألة هنا مختلفة .. وليست كالحالة الأولى -حالة فرق الشعر وتسريحه- فالصوم عبادة .. وأي عبادة كانت فهي محرمة في الإِسلام إلا إذا جاء دليل من كلام الله أو كلام رسوله ﷺ يأمر بها أو يحث عليها .. وهكذا يبقي الإِسلام العبادة جديدةً صافيةً تستقى من النبع لا من ترسبات التاريخ والأهواء والفلسفات .. وهذا ما أغاظ اليهود وجعلهم من ثقوب حصونهم يترقبون .. ويتطلعون إلى أي خطأ قد يحدث منه ﷺ أو من أحد الصحابة .. وها هو أحدهم يجد ما يريد: يهودي ينتقد المسلمين فقد سمع هذا الرجل بعض الصحابة يقولون: ما شاء الله وشئت وبعضهم يقول إذا حلف: والكعبة. فرح اليهودي بما سمع فأطلق قدميه ولسانه تجاه رسول الله ﷺ منتقدًا

стр. 349

هذا النوع من الشرك و (أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تنددون (١) وإنكم تشركون .. تقولون: ما شاء الله وشئت .. وتقولون: والكعبة) (٢). سمع رسول الله ﷺ هذه الكلمات من اليهودي .. وتأثر بها .. لكنه لم ينفجر في وجهه .. لم يقل له: من أنت حتى تعلمنا ديننا. لم يقل له: لماذا لا تنصحون أنفسكم أيها اليهود وأنتم تقولون (عزير ابن الله) لم يقل: أنت لست من أهل العلم حتى نستمع إليك .. لم يقل هذا شأن داخلي فيما بيننا ولا نقبل النقد سوى من جماعتنا الذين هم على ديننا .. لم يتفوه ﷺ بشيء من ذلك .. بل ضرب لأتباعه المثل الأعلى في قبول الحق وأن الحق يقبل من أي شخص كان .. استمع ﷺ لهذا النقد اللاذع وقبله ثم توجه نحو أصحابه مصححًا ذلك الانحراف الخطير و (أمرهم النبى ﷺ إذا أردوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة) (٣). وكررها ﷺ قائلًا لهم: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان" (٤) مهما كان فلان هذا .. وقال أيضًا: "لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت" (٥) .. "لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم .. ولا بالأنداد .. ولا تحلفوا إلا بالله .. ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون" (٦)

стр. 350

وبيّن خطورة ذلك فقال: "من حلف بغير الله فقد أشرك" (١) وامتثل المسلمون فذهبوا بالأجر .. وذهب رسول الله ﷺ بالصحابة والأجر ينسابون كالنور .. كالنهر .. يغسلون تلك الزوايا التي تخثرت فيها بقايا الشرك .. وذهب ذلك اليهودي بغيظه يجره ويجر قدميه الثقيلتين ورأسه المتحجر .. فلقد انتفع المسلمون بالحق ولم ينتفع هو بشىء .. بل أضاف إلى رصيد اليهود عنادًا آخر .. أضاف مساحة بينهم وبن المسلمين .. لقد اتضح ذلك البعد وبانت تلك المفارقة عندما كان رسول الله ﷺ مهمومًا يفكر ويفكر .. ويبحث عن وسيلة ينبه بها المسلمين إلى دخول وقت الصلاة فـ: كيف ينادي إلى الصلاة لقد (اهتم النبي ﷺ للصلاة، كيف يجمع الناس لها، فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة .. فإذا رأوها آذن بعضهم بعضًا، فلم يعجبه ذلك، فذُكر له: القنع -يعني الشَّبُّور- شبور (٢) اليهود .. فلم يعجبه ذلك وقال: هو من أمر اليهود. فذكر له الناقوس، فقال: هو من أمر النصارى) (٣) لم ينزل وحي بهذا الشأن .. والحيرة تملأ الجميع .. اجتهد الرسول ﷺ اجتهاد البشر (ثم أمر

стр. 351

بالناقوس فنحت ليضرب للمسلمين) (١) في وقت الصلاة .. أمر- ﷺ بذلك وهو كاره له .. عرف ذلك في وجهه أحد الأنصار الذين حضروا ذلك الحوار واسمه: عبد الله بن زيد بن عبد ربه (فانصرف عبد الله بن زيد وهو مهتم لهمِّ رسول الله ﷺ (٢) .. وكان بين حرات المدينة من يحمل الحل .. إنه عمر بن الخطاب ﵁ .. لكنه بالتأكيد لم يكن حاضرًا ذلك النقاش لذلك لم يقل ما عنده ولم يقص على أحد ما رآه في منامه .. انصرف الجميع .. وخيم الليل على المدينة .. وانتثرت نجومه فوق نخيلها .. نام رسول الله ﷺ ، ونام الجميع .. ونام عبد الله بن زيد .. وبينما هو منسرب في أعماق النوم وجد في تلك الأعماق رجلًا يطوف به: رجلٌ من حلم وأذان من وحي يقول عبد الله: (لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلاة .. طاف بي وأنا نائم رجلٌ يحمل ناقوسًا في يده .. فقلت: يا عبد الله .. أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به .. ؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة .. قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت له: بلى. قال: تقول: الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر

стр. 352

أشهد أن لا إله إلا الله .. أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله .. أشهد أن محمدًا رسول الله حى على الصلاة ... حى على الصلاة حى على الفلاح ... حى على الفلاح الله أكبر .. الله أكبر لا إله إلا الله ثم استأخر عني غير بعيد .. ثم قال: وتقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبر .. الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله .. أشهد أن محمدًا رسول الله حى على الصلاة .. حى على الفلاح قد قامت الصلاة .. قد قامت الصلاة الله أكبر .. الله أكبر لا إله إلا الله .. فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ .. فأخبرته بما رأيت فقال ﷺ : "إنها لرؤيا حق إن شاء الله .. فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن .. فإنه أندى صوتًا منك") (١) ولأن عذوبة الصوت تزيد القرآن والأذان

стр. 353

جاذبية وجمالًا لذلك كان ﷺ يقول: "زينوا القرآن بأصواتكم" (١) .. "ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن" (٢) ولعذوبة صوت بلال فقد جعل الأذان من نصيبه ﵁. وها هو صوت بلال الذي ملأ شوارع مكة: .. أحدٌ .. أحدٌ .. ها هو عذبًا كأنهار الحبشة .. حرًا كطيورها .. ينساب في سماء المدينة يوقظ فجرها .. يوقظ شمسها وينادي المهاجرين والأنصار .. ويسحرهم بصوته: يقول عبد الله بن زيد: (فقمت مع بلال .. فجعلت ألقيه عليه .. ويؤذن به .. فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته .. فخرج يجر رداءه ويقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله .. لقد رأيت مثل ما رأى .. فقال رسول الله ﷺ : "فلله الحمد") (٣) .. لا بد أن ابن الخطاب ﵁ لم يحضر تلك الآراء والاقتراحات وإلا لتكلم بما رآه .. فقد (كان عمر بن الخطاب ﵁ قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يومًا .. ثم أخبر النبي ﷺ فقال له: ما منعك أن تخبرني .. فقال: سبقني عبد الله بن زيد فاستحييت) (٤). إذًا لا بوق .. لا راية .. لا أجراس كأجراس النصارى .. لكنه التوحيد .. حمله طيفٌ جميل (عليه ثوبان أخضران) (٥).

стр. 354

فرحة جديدة للمؤمنين ... وتميز جديد .. فرحة لعبد الله بن زيد .. فرحة لعمر .. وصوت بلال يتدفق منعشًا في شوارع المدينة وسمائها .. لم يكن هناك مئذنة للمسجد ولا منارة ولكن كانت هناك: فرحة لامرأة من الأنصار وشرف تتغنى به .. وتنافس به تلك الأنصارية التي بنت المنبر لرسول الله ﷺ .. امرأة من بني النجار جعلت من بيتها نبعًا للنداء الجديد .. جعلت من كل بيتها موضعًا لقدمي بلال وصوته .. تقول تلك المرأة الكريمة: (كان بيتي من أطول بيت حول المسجد .. فكان بلال يؤذن عليه للفجر كل غداة .. فيأتي بسَحَر .. فيجلس على البيت ينتظر الفجر .. فإذا رآه تمطى (١) .. ثم قال: اللَّهم أحمدك وأستعينك على قريش أن يقيموا دينك .. ثم يؤذن .. والله ما علمته كان تركها ليلة واحدة .. يعني هذه الكلمات) (٢). وتصحو المدينة .. المدينة كلها على ذلك الصوت الندي وتنتعش وتتوضأ .. المدينة كلها .. إلا بيوتًا ترتج مفزوعة الجدران والقلوب .. شاخصة الأعين .. فصوت بلال رصاص يخترق بيوت يهود .. وجدران

стр. 355

عبد الله بن أبي بن سلول وأمثاله ... أما قريش فقد أدركت أن اليهود وأصحابهم من المشركين قد تورموا حقدًا وترقبًا .. وقد حان تفجير ذلك الورم في وجه محمَّد ﷺ ووجوه أصحابه .. لقد حان تحويل حرات المدينة إلى أودية من الدماء والثارات والحروب التي لا تنتهى .. وجاءت شرارة تلك الحروب كالسهم من صدور قريش .. جاءت تلك الشرارة لتجعل من: المدينة حريقًا ومذابح كانت تلك الشرارة حروفًا مشتعلةً .. رسالةً تتقد تهديدًا ووعيدًا .. رسالةً تبشر بالمقابر .. (إن كفار قريش كتبوا إلى ابن أبي ومن كان يعبد معه الأوثان من الأوس والخزرج -ورسول الله ﷺ يومئذ بالمدينة قبل وقعة بدر-: إنكم آويتم صاحبنا .. وإنا نقسم بالله لتقاتلنه أو لتخرجنه أو لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلكم ونستبيح نساءكم .. فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبي (١) ومن كان معه من عبدة الأوثان اجتمعوا لقتال النبى ﷺ .. فلما بلغ ذلك النبي ﷺ لقيهم .. فقال: لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ .. ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم .. تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم؟!! فلما سمعوا ذلك من النبي ﷺ تفرقوا) (٢) وتفرق الشر وهدأت الأنفاس .. وسكنت الأنفس المشحونة بالشر .. وسلمت المدينة من معركة
следующие страницы →