← Сира

Сира · id 123668

السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة

محمد الصوياني

Полный текст (1 354 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

بالناقوس فنحت ليضرب للمسلمين) (١) في وقت الصلاة .. أمر- ﷺ بذلك وهو كاره له .. عرف ذلك في وجهه أحد الأنصار الذين حضروا ذلك الحوار واسمه: عبد الله بن زيد بن عبد ربه (فانصرف عبد الله بن زيد وهو مهتم لهمِّ رسول الله ﷺ (٢) .. وكان بين حرات المدينة من يحمل الحل .. إنه عمر بن الخطاب ﵁ .. لكنه بالتأكيد لم يكن حاضرًا ذلك النقاش لذلك لم يقل ما عنده ولم يقص على أحد ما رآه في منامه .. انصرف الجميع .. وخيم الليل على المدينة .. وانتثرت نجومه فوق نخيلها .. نام رسول الله ﷺ ، ونام الجميع .. ونام عبد الله بن زيد .. وبينما هو منسرب في أعماق النوم وجد في تلك الأعماق رجلًا يطوف به: رجلٌ من حلم وأذان من وحي يقول عبد الله: (لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلاة .. طاف بي وأنا نائم رجلٌ يحمل ناقوسًا في يده .. فقلت: يا عبد الله .. أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به .. ؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة .. قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت له: بلى. قال: تقول: الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر

стр. 352

أشهد أن لا إله إلا الله .. أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله .. أشهد أن محمدًا رسول الله حى على الصلاة ... حى على الصلاة حى على الفلاح ... حى على الفلاح الله أكبر .. الله أكبر لا إله إلا الله ثم استأخر عني غير بعيد .. ثم قال: وتقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبر .. الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله .. أشهد أن محمدًا رسول الله حى على الصلاة .. حى على الفلاح قد قامت الصلاة .. قد قامت الصلاة الله أكبر .. الله أكبر لا إله إلا الله .. فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ .. فأخبرته بما رأيت فقال ﷺ : "إنها لرؤيا حق إن شاء الله .. فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن .. فإنه أندى صوتًا منك") (١) ولأن عذوبة الصوت تزيد القرآن والأذان

стр. 353

جاذبية وجمالًا لذلك كان ﷺ يقول: "زينوا القرآن بأصواتكم" (١) .. "ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن" (٢) ولعذوبة صوت بلال فقد جعل الأذان من نصيبه ﵁. وها هو صوت بلال الذي ملأ شوارع مكة: .. أحدٌ .. أحدٌ .. ها هو عذبًا كأنهار الحبشة .. حرًا كطيورها .. ينساب في سماء المدينة يوقظ فجرها .. يوقظ شمسها وينادي المهاجرين والأنصار .. ويسحرهم بصوته: يقول عبد الله بن زيد: (فقمت مع بلال .. فجعلت ألقيه عليه .. ويؤذن به .. فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته .. فخرج يجر رداءه ويقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله .. لقد رأيت مثل ما رأى .. فقال رسول الله ﷺ : "فلله الحمد") (٣) .. لا بد أن ابن الخطاب ﵁ لم يحضر تلك الآراء والاقتراحات وإلا لتكلم بما رآه .. فقد (كان عمر بن الخطاب ﵁ قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يومًا .. ثم أخبر النبي ﷺ فقال له: ما منعك أن تخبرني .. فقال: سبقني عبد الله بن زيد فاستحييت) (٤). إذًا لا بوق .. لا راية .. لا أجراس كأجراس النصارى .. لكنه التوحيد .. حمله طيفٌ جميل (عليه ثوبان أخضران) (٥).

стр. 354

فرحة جديدة للمؤمنين ... وتميز جديد .. فرحة لعبد الله بن زيد .. فرحة لعمر .. وصوت بلال يتدفق منعشًا في شوارع المدينة وسمائها .. لم يكن هناك مئذنة للمسجد ولا منارة ولكن كانت هناك: فرحة لامرأة من الأنصار وشرف تتغنى به .. وتنافس به تلك الأنصارية التي بنت المنبر لرسول الله ﷺ .. امرأة من بني النجار جعلت من بيتها نبعًا للنداء الجديد .. جعلت من كل بيتها موضعًا لقدمي بلال وصوته .. تقول تلك المرأة الكريمة: (كان بيتي من أطول بيت حول المسجد .. فكان بلال يؤذن عليه للفجر كل غداة .. فيأتي بسَحَر .. فيجلس على البيت ينتظر الفجر .. فإذا رآه تمطى (١) .. ثم قال: اللَّهم أحمدك وأستعينك على قريش أن يقيموا دينك .. ثم يؤذن .. والله ما علمته كان تركها ليلة واحدة .. يعني هذه الكلمات) (٢). وتصحو المدينة .. المدينة كلها على ذلك الصوت الندي وتنتعش وتتوضأ .. المدينة كلها .. إلا بيوتًا ترتج مفزوعة الجدران والقلوب .. شاخصة الأعين .. فصوت بلال رصاص يخترق بيوت يهود .. وجدران

стр. 355

عبد الله بن أبي بن سلول وأمثاله ... أما قريش فقد أدركت أن اليهود وأصحابهم من المشركين قد تورموا حقدًا وترقبًا .. وقد حان تفجير ذلك الورم في وجه محمَّد ﷺ ووجوه أصحابه .. لقد حان تحويل حرات المدينة إلى أودية من الدماء والثارات والحروب التي لا تنتهى .. وجاءت شرارة تلك الحروب كالسهم من صدور قريش .. جاءت تلك الشرارة لتجعل من: المدينة حريقًا ومذابح كانت تلك الشرارة حروفًا مشتعلةً .. رسالةً تتقد تهديدًا ووعيدًا .. رسالةً تبشر بالمقابر .. (إن كفار قريش كتبوا إلى ابن أبي ومن كان يعبد معه الأوثان من الأوس والخزرج -ورسول الله ﷺ يومئذ بالمدينة قبل وقعة بدر-: إنكم آويتم صاحبنا .. وإنا نقسم بالله لتقاتلنه أو لتخرجنه أو لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلكم ونستبيح نساءكم .. فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبي (١) ومن كان معه من عبدة الأوثان اجتمعوا لقتال النبى ﷺ .. فلما بلغ ذلك النبي ﷺ لقيهم .. فقال: لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ .. ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم .. تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم؟!! فلما سمعوا ذلك من النبي ﷺ تفرقوا) (٢) وتفرق الشر وهدأت الأنفاس .. وسكنت الأنفس المشحونة بالشر .. وسلمت المدينة من معركة

стр. 356

كادت تطحن أهلها وجدرانها .. كلماتٌ بسيطة وهادئة أعادت السيوف إلى أغمادها .. أعادت العقول إلى رشدها .. وخذلت قريشًا .. وخذلت اليهود المتربصين خلف شقوق الأبواب .. وتم الحفاظ على كيان الدولة الإِسلامية الوليدة من حركة عسكرية كادت تعصف بأحلامها وشبابها .. فالمدينة بحاجة إلى تلك الأحلام وإلى ذلك الشباب .. إلى ذلك النبي العظيم الحكيم ﷺ .. ولم تكن يومًا من الأيام عطشى إلى تلك الدماء التي أدمنت سفحها أياد تمسحت بالجاهلية والأصنام .. ولن تسفك قريش مهما حاولت أكثر مما سيسفكه أهل المدينة بأيدي بعضهم البعض .. الأوس يدركون ذلك جيدًا .. والخزرج يدركون ذلك ويذكرونه .. وخطوات قليلة إلى مقابر ضحايا (بُعاث) تذكرهم متى ما تسلل النسيان إليهم .. إذًا فقد هدأت الأنفس بعد يوم مشحون .. نامت المدينة كطفل على تلك العبارات الحانية كصدر أم حنون .. وأشرقت الشمس من جديد .. تحمل تعليمات جادةً وأعينًا أكثر اتساعًا على المستقبل والآفاق .. فالمدينة .. المدينة وأهلها في خطر .. وتوقعات أبي بكر الصديق ورؤيته الثاقبة بدأت تتشكل على أرض الواقع. فماذا توقع أبو بكر ؟ منذ أكثر من عام .. عندما أخرج من مكة مع رسول الله ﷺ في ذلك اليوم المرير .. وقريش ثائرة الأنفاس مغبرة الأقدام والجياد تبحث عن محمَّد ﷺ وصاحبه .. (لما أخرج النبي ﷺ من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم .. إنا لله وإنا إليه راجعون .. ليهلكن .. فأنزل الله : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ .. قال أبو بكر

стр. 357

رضي الله عنه: فعرفت أنه سيكون قتال) (١) صدق أبو بكر .. فتلك الرسالة شرارة .. والمدينة في خطر والهشيم يحيط بها من كل ناحية وفي قلوب المشركين واليهود يتكوم هشيم أخطر .. ولا بد من الاحتراز والاحتياط .. لا بد من السلاح في جو مكفهر بالسلاح والشرك .. فهب الصحابة رضوان الله عليهم: حراسة رسول الله ﷺ ذات ليلة كانت عائشة إلى جانبه ﷺ وكان السهر إلى جانبهما أيضًا .. قلقت عائشة ﵂، فماذا حدث؟ تقول ﵂: (إن رسول الله ﷺ سهر ذات ليلة وهي إلى جنبه .. فقلت: ما شأنك يا رسول الله؟ قال ﷺ : "ليت رجلًا صالحًا من أصحابى يحرسني الليلة". فبينا أنا على ذلك إذ سمعت صوت السلاح .. فقال ﷺ : "من هذا .. " فقال: أنا سعد بن مالك .. فقال ﷺ : "ما جاء بك .. " قال: جئت لأحرسك يا رسول الله .. قالت -عائشة- فسمعت غطيط رسول الله ﷺ في نومه) (٢) .. بعد أن تطوع سعد بن أبي وقاص لحراسته ﷺ . لم يكن الخطر سهمًا واحدًا نحو رسول الله ﷺ بل كان أسهمًا ورماحًا منطلقة نحو كل مؤمن .. نحو كل أنصاري ومهاجر .. ولا بد أن

стр. 358

يكون الحذر دائمًا .. وفي رسول الله ﷺ أسوة حسنة لأتباعه لذلك صار: السلاح صباحًا .. السلاح مساءً يقول أبي بن كعب: (لما قدم رسول الله ﷺ وأصحابه المدينة .. وآوتهم الأنصار .. رمتهم العرب عن قوس واحدة .. وكانوا لا يبيتون إلا بالسلاح .. ولا يصبحون إلا فيه .. فقالوا: ترون أنا نعيش حتى نبيت مطمئنين لا نخاف إلا الله ؟) (١). سؤال يرتعش خوفًا من هذه الجموع التي اتجهت بخيلها ورجلها ورماحها وأوثانها نحو مدينة التوحيد الوحيدة .. سؤال مُثقل بحمل السلاح والخوف .. ونزلت الإجابة وحيًا .. قرآنًا وبشرى .. نزل الوحي يحمل الأرض ... كل الأرض .. والدنيا .. كل الدنيا مشرعة الأبواب لمحمد ﷺ وأصحابه يقول أبي ابن كعب: (فنزلت: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ

стр. 359

ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾) (١). آيات تتنزل بالأعياد والفتوح والبشرى .. أخذها الصحابة واستبشروا بها .. أخذوها كما يأخذون سلاحهم ليل نهار .. فرسول الله ﷺ علمهم أن هناك فداءً .. وأن هناك تضحيةً وهدفًا .. والهدف لا يأتي لمترددٍ أو جبان أو خائف .. خاصةً في مثل هذه الظروف .. فالمحنة تطل كالوحش فوق رؤوس الجبال على حصن الإِسلام الجديد .. لا بد من التحرك .. لا بد من عمل شيء يحمي المدينة ويعيد المظالم إلى أهلها .. ويزيح هذا الركام الهائل من الأصنام عن عقول وقلوب البشرية وأجيالها .. ولن يكون ذلك بالصلاة والدعاء والمعجزات وحدها .. لا بد من: نشاط عسكري فلن يمكِّن الله عباده من كل أرضه ما لم يقوموا بتحويلها ومن عليها إلى حركة تلهج بـ لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. محمَّد رسول الله وخاتم النبيين .. حتى تتسق وتتناغم مع حركة الكون كله والوجود كله المسبح بحمد ربه ليل نهار .. حمل الصحابة تلك البشرى وحملوا شروطها فحولت ضعفهم قوةً .. وخوفهم أمنًا .. ها هو سعد بن معاذ يتجه إلى مكة الطاهرة .. كالتحدي يتفجر بين أصنام قريش وسيوفها .. ثقةً يتحدى .. وثقةً يهدد .. فيتحول صناديد قريش حوله إلى خراف ترتجف خوفًا وتتصبب عرقًا: (انطلق سعد بن معاذ معتمرًا .. فنزل على أمية بن خلف -أبي

стр. 360

صفوان- وكان أمية إذا انطلق إلى الشام فمر بالمدينة نزل على سعد .. فقال أمية لسعد: ألا انتظر، حتى إذا انتصف النهار وغفل الناس انطلقت فطفت .. فبينا سعد يطوف إذا أبو جهل .. فقال: من هذا الذي يطوف بالكعبة؟ .. فقال سعد: أنا سعد .. فقال أبو جهل: تطوف بالكعبة وقد آويتم محمدًا وأصحابه؟ فقال: نعم .. فتلاحيا بينهما .. فقال أمية لسعد: لا ترفع صوتك على أبي الحكم .. فإنه سيد أهل الوادي .. ثم قال سعد: والله لئن منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعن متجرك بالشام (١) .. فجعل أمية يقول لسعد: لا ترفع صوتك -وجعل يمسكه- فغضب سعد فقال: دعنا عنك فإني سمعت محمَّد ﷺ يزعم أنه قاتلك .. قال: إياي؟ قال: نعم .. قال والله ما يكذب محمَّد إذا حدث ..) (٢) لكن ماذا فعل بعد أن بشره سعد بالقتل .. يحدثنا سعد صاحب البشرى فيقول إنه قد (قال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بمكة آمنًا وقد آويتم الصبأة (٣) وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم .. أما والله لولا أنك مع أبي صفوان (٤) ما رجعت إلى أهلك سالمًا .. فقال له سعد -ورفع صوته عليه- أما والله لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه: طريقك على المدينة .. فقال له أمية: لا ترفع صوتك يا سعد على أبي الحكم -سيد أهل الوادي .. فقال

стр. 361

سعد: دعنا عنك يا أمية .. فوالله لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنهم قاتلوك .. " قال: بمكة؟ قال: لا أدري .. ففزع لذلك أمية فزعًا شديدًا .. فلما رجع أمية إلى أهله قال: يا أم صفوان .. ألم تري ما قاله لي سعد؟ قالت: وما قال لك؟ .. قال: زعم أن محمدًا أخبرهم أنهم قاتلي .. فقلت له: بمكة؟ قال: لا أدري .. فقال أمية والله لا أخرج من مكة) (١). لقد شلت كلمات سعد الواثقة بالله وبرسوله ﷺ .. شلت هذا الطاغية فأمسى لا يرى سوى الموت يتربص له من منافذ مكة .. لقد جعل خوفه الأرض .. كل الأرض قبرًا يحاصره ويحاصر مكة معه .. أما سعد بن معاذ فعاد إلى حبيبه ﷺ وهو أكثر قوة ويقينًا .. عاد ليجد المدينة غير المدينة .. عاد لينقل ما رآه وما سمعه من خوف يملأ طغاة مكة عندما هددهم بقطع طرق قوافلهم إلى الشام وهي شرايينهم وأوردتهم .. أما رسول الله ﷺ فكان أسبق من سعد إلى هذا التفكير .. لقد قرر ﷺ أن يجعل للمدينة قوتها إلتى تُشعر الآخرين بمنعتها .. وتشعر قريشًا خاصة .. أن هذا الدين الجديد صار خطرًا يهدد شركها وقوافلها .. بل وسلطتها ومكانتها بين العرب .. وبدأ ﷺ رحلته إلى الأرض كلها .. بدأ بـ غزوة العُشَيرة

стр. 362

وهى أول غزوة بدأها ﷺ وقادها (١) .. وليس لدينا تفاصيل صحيحة عن أحداثها .. وبما أن العُشيرة قرب ينبع فهي على طريق قوافل قريش .. إذن فهي أول تهديد عملي لقريش وقوافلها .. كما غزا ﷺ : غزوة الأبواء ليس لدينا تفاصيل صحيحة الإسناد عنها .. ولكن وقوع المعركة ثابت في مكان يقال له الأبواء .. ذلك المكان الذي وقفت فيه المطايا بمحمد ﷺ وهو طفل صغير .. وقفت فيه المطايا تودع أمه التي فقدها هناك وغابت عن عينيه وعن الدنيا حيث دفنت هناك .. ذلك المكان الذي أبكاه ﷺ .. كان موعدًا لغزوة لا نعرف أحداثها الصحيحة بعد .. لكن المكان يقع في الطريق إلى مكة .. مما يعني تهديدًا آخر لقريش .. وخبرة جديدة لرسول الله ﷺ وأصحابه في الكشف عن طبيعة الأرض والأعداء المحيطين بدولة الإِسلام الجديدة .. كان تلميحًا لمن تسول له نفسه غزو المدينة والغدر بأهلها .. أزعجت تلك التحركات قريشًا .. لكن رسول الله ﷺ كان يعد لهم مفاجأة .. سرية بقيادة صحابي عظيم هو أبو عبيدة والذي حاز لقبًا عظيمًا فيما بعد هو: أمين الأمة .. فما

стр. 363

قصة تلك السرية: سرية نخلة (بعث ﷺ رهطًا .. فبعث عليهم أبا عبيدة .. فلما أخذ لينطلق .. بكى صبابة إلى رسول الله ﷺ .. فبعث رجلًا مكانه يقال له: عبد الله ابن جحش) (١) حرارة الشوق أبكت أبا عبيدة .. وحبه لملازمة رسول الله ﷺ جعلت رسول الله ﷺ يشفق عليه ويبقيه جواره .. ليبعث بطلًا آخر .. (بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن جحش في رجب .. [مقفلة من بدر الأولى] وبعث معه بثمانية رهط من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد .. وكتب له كتابًا .. وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضى لما أمره ولا يستكره من أصحابه أحدًا .. وكان أصحاب عبد الله بن جحش من المهاجرين .. من بنى عبد شمس: أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة .. ومن بني أمية بن عبد شمس ثم من حلفائهم: عبد الله بن جحش بن رئاب -وهو أمير القوم-[وعكاشة بن محصن بن حرثان أحد بني أسد بن خزيمة].

стр. 364

ومن بني نوفل بن عبد مناف: عتبة بن غزوان -حليف لهم-. ومن بني زهرة بن كلاب: سعد بن أبي وقاص. ومن نبي عدي بن كعب: عامر بن ربيعة -حليف لهم- وواقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة .. [وخالد ابن البكير - أحد بني سعد بن ليث .. حليف لهم]. ومن بني الحارث بن فهر: سهل بن بيضاء. فلما سار عبد الله بن جحش يومين .. فتح الكتاب ونظر فيه فإذا فيه: إذا نظرت في كتابي هذا فسر حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف .. فترصَّد بها قريشًا وتعلَّم لنا من أخبارهم .. فلما نظر عبد الله بن جحش في الكتاب: قال سمعًا وطاعة .. ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله ﷺ أن أمضي إلى نخلة فأرصد بها قريشًا حتى آتيه منهم بخبر .. وقد نهاني أن أستكره أحدًا منكم .. فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق ومن كره ذلك فليرجع .. فأما أنا فماضٍ لأمر رسول الله ﷺ .. (فرجع رجلان ومضى بقيتهم) (١). فمضى ومضى معه أصحابه فلم يتخلف عنه منهم أحد .. وسلك على الحجاز حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له: بُحران .. أضل سعد ابن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرًا لهما كانا عليه يعتقبانه .. فتخلفا عليه في طلبه ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة .. فمرت به عير لقريش تحمل زبيبًا وأدمًا وتجارةً من تجارة قريش فيها منهم:

стр. 365

عمرو بن الحضرمي .. عثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميان. والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة، فلما رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريبًا منهم .. فأشرف لهم عكاشة بن محصن -وقد كان حلق رأسه- فلما رأوه أمنوه وقالوا: عُمّار .. فلا بأس علينا منهم .. وتشاور القوم فيهم وذلك في آخر يوم من جمادى .. فقال القوم: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن به منكم .. ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام .. فتردد القوم فهابوا الإقدام عليهم .. ثم شجعوا عليهم وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم .. فرمى واقد بن عبد الله التميمى عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان .. [وأفلت نوفل بن عبد الله فأعجزهم] .. وقدم عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله ﷺ بالمدينة .. [وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش: أن عبد الله بن جحش قال لأصحابه: إن لرسول الله ﷺ ما غنمتم الخمس وذلك قبل أن يفرض الخمس من الغنائم .. فعزل لرسول الله ﷺ خمس العير .. وقسم سائرها على أصحابه] .. فلما قدموا على رسول الله ﷺ قال: ["ما أمرتكم بقتال فى الشهر الحرام" .. فوقف العير والأسيرين .. وأبى أن يأخذ من ذلك شيئًا .. فلما قال رسول الله ﷺ ذلك سُقط في أيدي القوم وظنوا أنهم قد هلكوا .. وعنفهم المسلمون فيما صنعوا وقالوا لهم: صنعتم ما لم تؤمروا به .. وقاتلتم في الشهر الحرام ولم تؤمروا بقتال] .. وقالت قريش: قد استحل محمَّد وأصحابه الشهر الحرام فسفكوا

стр. 366

فيه الدم وأخذوا فيه الأموال .. وأسروا فيه الرجال .. فقال من يرد عليهم من المسلمين ممّن كان بمكة: إنما أصابوا ما أصابوا في جمادى .. [وقالت يهود تتفاءل بذلك على رسول الله ﷺ : عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله .. عمرو عمرت الحرب .. والحضرمى حضرت الحرب .. واقد بن عبد الله وقدت الحرب .. فجعل الله عليهم ذلك وبهم] فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسوله ﷺ : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾. فلما نزل القرآن بهذا الأمر .. وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق قبض رسول الله ﷺ العير والأسيرين) (١). وكان عمار بن ياسر رضى الله عنه ضمن تلك السرية يحدثنا عن ذلك ابن مسعود وجماعة من الصحابة رضوان الله عليهم فيقولون في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وذلك أن رسول الله ﷺ بعث سرية وكانوا سبعة نفر عليهم: عبد الله بن جحش

стр. 367

وفيهم: عمار بن ياسر .. وأبو حذيفة بن عتبة .. وسعد بن أبي وقاص .. وعتبة بن غزوان .. وسهل بن بيضاء .. وعامر بن فهيرة .. وواقد بن عبد الله اليربوعى حليف لعمر بن الخطاب .. وكتب لابن جحش كتابًا وأمره ألا يقرأه حتى ينزل بطن ملل .. فلما نزل بطن ملل فتح الكتاب فإذا فيه: أنْ سِرْ حتى تنزل بطن نخلة .. فقال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمض وليوص فإني موصٍ وماضٍ لأمر رسول الله ﷺ ... فسار وتخلف عنه سعد وعتبة أضلا راحلة لهما فأقاما يطلبانها، وسار هو وأصحابه حتى نزل بطن نخلة .. فإذا هو بالحكم بن كيسان والمغيرة بن عثمان وعبد الله بن المغيرة .. فذكر قتل واقد لعمرو بن الحضرمي .. ورجعوا بالغنيمة والأسيرين .. فكانت أول غنيمة غنمها المسلمون .. وقال المشركون: إن محمدًا يزعم أنه يتبع طاعة الله وهو أول من استحل الشهر الحرام وقتل صاحبنا في رجب .. وقال المسلمون: إنما قتلناه في جمادى) (١). وسواء قتل ذلك المشرك في جمادى أو في رجب أو في رمضان فرسول الله ﷺ لم يأمر بذلك .. إنما هي حماسة المهاجرين المقهورين المطرودين من ديارهم وأموالهم ولا ذنب لهم سوى أن يقولوا لا إله إلا الله .. لم يتمالكوا أنفسهم -وهم بشر- عندما رأوا أموالهم التي غصبتها

стр. 368

قريش واغتصبتها تسيل أمامهم تجارةً تنمو بين أيدي المشركين وهم الحفاة الذين تشققت أقدامهم من العوز والفقر .. وأضناهم الجوع والتعب .. إنك تبحث بين هؤلاء الرفقة .. تسألهم أين سعد بن أبي وقاص .. أين عتبة بن غزوان ألم ينطلقا معكم من المدينة .. ؟ فتأتيك الإجابة حسرةً .. لقد إنطلق سعد وعتبة وسارا مع السرية .. لكن على جملٍ واحد جاءا .. يركب أحدهما وينزل الآخر .. ويركب الآخر فترة ليمشي صاحبه .. أما الآن فلا جمل لهما لقد ند وهرب وهما يركضان على أقدامهما المتشققة خلفه .. يذرعان بطون الأودية والشعاب ولا أحد غير الله يعلم ما سيحدث لهما .. ما هو موقف الإنسان .. أي إنسان حافي القدمين يبحث عن جمل ثم يرى جماله المسلوبة منه تتقاطر بالمال بينما تتقاطر قدماه بالدماء .. ما هو موقف من يرى حقه من اللباس والطعام والشراب .. يتجه نحو من؟ نحو خشبةٍ ملقاةٍ على ظهرِ الكعبة .. أو نحو كاهن من سدنة تلك الأصنام .. لا يعرف لله قدرًا ولا للتوحيد منزلةً .. ما هو شعور سعد المشرد الفقير الذي يصف الأجواء التي عاشها في مثل تلك المهمات الصعبة فيقول: (إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله .. وكنا نغزو مع النبي ﷺ وما لنا طعام إلا ورق الشّجر .. حتى إن أحدنا ليضع كما يضع البعير أو الشاة ما له خلط) (١). إن رجلًا لا يجد سوى ورق الشجر لمعذور أن ينهب ما يسد به رمقه ويدفع به الموت عنه .. فكيف إذا كانت تلك الأموال أمواله وأموال أصحابه ..

стр. 369

وبعد هذا كله يتنزل العذر من فوق سبع سماوات انتصارًا من الله لعباده .. وتبرئة لساحتهم البيضاء من دنس أهل الشرك .. الذين ارتكبوا الفظائع والشنائع بحق الله أولًا ثم بحق رسوله ﷺ وصحابته الكرام .. عاد الصحابة نصرًا وبراءةً .. عادوا ليجدوا في المدينة خبرًا .. ليجدوا في وجه رسول الله ﷺ فرحًا .. وفي وجوه يهود كدرًا وظلمةً .. لقد فقدت يهود شيئًا عظيمًا .. وانقطع آخر الحبال التي كانت ترى أنه قد يربطها بنبي الإِسلام ﷺ .. اليهودُ حداد .. اليهود سواد بعد أن طرق ذلك الخبر أبواب حصونهم المنيعة وآذانهم المسدودة. فما هو هذا الخبر هذا الخبر هدية قادمة من السماء .. كان في الماضي شوقًا وأمنية تتردد في صدره ﷺ مذ كان في مكة .. مذ كان يخر ساجدًا لله في بيته المحرم .. متجهًا بقلبه نحو الله .. مستقبلًا الشام .. حيث المسجد الأقصى .. لكنه كان يقوم بحركة تعبر عن ذلك الحلم الذي لا يستطيع الإفضاء به .. كان ﷺ يجعل الكعبة أمام وجهه بحيث تكون بينه وبين المسجد الأقصى .. لكن ماذا عنه الآن .. إنه ما زال ينفذ أمر ربه .. فيستقبل المسجد الأقصى .. أما الكعبة .. أما حبيبته الحزينة .. التي نشأ بالقرب منها .. وأحبها ووضع حجرها .. فالجاهلية بينهما .. حبيبته بعيدة .. لا يستطيع رؤيتها .. ولا الحديث إليها .. ولا تحسس لباسها .. ولا حتى استقبالها .. إنها هناك أسيرة .. وهو ها هنا مشتاق .. يتقلب وجهه في السماء .. ويطوف طرفه في أرجائها (كان رسول الله ﷺ يصلي نحو بيت المقدس ويكثر النظر إلى السماء ينتظر أمر الله فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ

стр. 370

قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ﴾) (١). إذًا فالقبلة تحولت من بيت المقدس إلى البيت الحرام بمكة المكرمة لكن متى كان ذلك .. وما علاقة اليهود بالقبلة واتجاه المسلمين في صلاتهم .. وماذا حدث عند سماع الخبر. أما متى فخبر ذلك عند البراء بن عازب رضى الله عنه: يخبرنا البراء عن ذلك فيقول: (إن رسول الله ﷺ صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا .. وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَل البيت .. وأنه صلى أول صلاة صلاها: صلاة العصر .. وصلى معه قوم فخرج رجل ممّن كان صلى معه ﷺ فمر على أهل المسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي ﷺ قبل مكة .. فداروا كما هم قبل البيت) (٢) الحرام .. نفذوا .. امتثلوا دون تردد .. فالأمر وحي والتساؤل فيما بعد .. لكن إذا كان هناك تساؤل فهل هو اعتراض أو احتجاج كاحتجاج يهود .. المؤمنون أرقى من ذلك .. إن لهم قلوبًا رقيقة ومشاعر طيبة .. كان تساؤلهم ذلك رحمة وإشفاقًا على إخوانٍ لهم ماتوا ولم يصلوا تجاه المسجد الحرام. البراء ينقل تلك المشاعر لنا فيقول: (فقال رجال من المسلمين وددنا لو علمنا علم من مات منا قبل أن

стр. 371

نصرف إلى القبلة وكيف بصلاتنا نحو بيت المقدس) (١). بل إن البراء رضى الله عنه كان أحد المتسائلين .. هو نفسه يقول: (وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجالًا قتلوا لم ندر ما نقول فيهم .. فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾) (٢) وهو أرحم من أن يخذل من قصده وأناخ رحله وقلبه ببابه .. ولعل تلك التساؤلات بدأت بُعيد الصلاة .. وبدت المدينة مشغولة بهذا الحدث الكبير ... فتأخر وصول الخبر إلى أهل قباء ومسجد قباء .. فـ (بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها .. وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة) (٣). كما استدار أصحابهم في المدينة .. كما امتثل إخوانهم هناك خلف رسول الله ﷺ . أما اليهود فقد استدارت قلوبهم عن الله وعن رسوله ﷺ وعن قبلته الجديدة .. وتطايرت من حصونهم وألسنتهم ألفاظ الاستهجان والاحتجاج .. ها هم يجوبون شوارع المدينة - في سفاهة وسماجة يقولون: (ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها .. فأنزل الله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾) (٤) لله المشرق والمغرب ولا شيء

стр. 372

لليهود .. الأمر وحي واليهود حاربوا الوحي وقتلوا حملة الوحي من الأنبياء .. فكيف لا يحاربون وحيًا نزل على غيرهم .. ونبيًا ليس من بينهم .. واكتملت الآيات وتلاها رسول الله ﷺ وتلاها أصحابه .. ومن بعدهم سيتلونها. سيتلونها هكذا: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ- (١) - مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ- (٢) - الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ- (٣) - لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا

стр. 373

يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١) .. إلى ما ضلت عنه اليهود وضل عنه النصارى .. كانت تلك الأحداث بعد منتصف شهر رجب من السنة الثانية من الهجرة .. وبعد عودة سَريَّة عبد الله بن جحش .. حدثنا بذلك سعد بن أبي وقاص ربما بعد أن وجد بعيره .. يقول ﵁ (صلى رسول الله ﷺ ست عشر شهرًا .. ثم حول بعد ذلك قبل المسجد الحرام قبل بدر بشهرين) (٢). إذًا فالنخل الذي كان في قبلة المسجد أصبح في مؤخرة المسجد وبما أن المسجد كان (مبنيًا باللبن وسقفه الجريد وعمده خشب النخل) فيكون المسجد كله مسقوفًا .. وبناء جدار في قبلته السابقة -مؤخرته الآن- أو بناء جدار في أحد زواياه قد يفى بحاجةٍ ماسةٍ تحطم القلب وتدمع لها العين .. حاجة تطل من منافذ المدينة كل يوم .. كل يوم حيث يتهادى إلى المدينة مهاجر أو مهاجرون .. بعضهم ضاق بقومه .. والبعض ضاق به قومه وضيقوا عليه وسلبوا كل شئ لديه .. أو دفع كل شئ ثمنًا لهذا الهروب الحبيب .. دون مال يأتون .. البعض حفاة .. وبعضهم أشباه عراة .. وأحضان المدينة والأنصار تضمهم .. وهذه الدولة الصغيرة تستقبلهم

стр. 374

وتحميهم .. لكن بيوت الأنصار قد امتلأت .. والهاربون والمطاردون قد كثروا .. نظر ﷺ إليهم .. تأملهم .. تأمل أبيات الأنصار الممتلئة .. وتأمل فقره وفقرهم .. نظر- ﷺ إلى مسجده فجعله دار من ليس له دار .. ومأوى من ليس له مأوى .. فبنى ذلك الجدار داخل المسجد (١) .. فأصبح هناك حجرة (صفة) متواضعة .. تدافع القادمون إليها .. وعاش في تلك الصفة رجال يبيت معهم الفقر حيث باتوا .. يمسى بينهم ويصبح كظلهم .. يأكل ولا يأكلون .. ويشرب ولا يشربون .. عاشوا فيها أيامًا ليست كالأيام .. وميزهم الفقر بلقب كالفقر هو: أهل الصفة هم الذين فضلوا جوار رسول الله ﷺ رغم العوز على أن يعيشوا عيشةً أيسر بجوار طاغية أو صنم .. يصفهم أحد الصحابة فيقول: (أهل الصفة أضياف الإِسلام .. لا يأوون على أهل ولا مال) (٢) ويقول أحد الذين شاهدوهم: (كان أصحاب الصفة الفقراء) (٣) لا يملكون شيئًا .. غرباء لا يعرفون أحدًا .. هذا هو أحد الفقراء .. أحد الذين عاشوا تلك المعاناة ودلفوا إلى تلك الصفة .. غريب اسمه طلحة بن عمرو رضى الله عنه يقول: (كان الرجل إذا قدم على النبي ﷺ وكان له بالمدينة عريف نزل

стр. 375

عليه، وإذا لم يكن له عريف نزل مع أصحاب الصفة .. وكنت فيمن نزل الصفة) (١) .. لكن ماذا عن شعور رسول الله ﷺ نحو هؤلاء الضعفاء بعد أن بنى لهم تلك الصفة هل تخلى عنهم؟ .. يواصل طلحة حديثه فيقول: (وكنت فيمن نزل الصفة فوافقت رجلًا وكان يجري علينا من رسول الله ﷺ كل يوم مد من تمر بين رجلين) (٢) لأن رسول الله ﷺ لا يجد لهم أكثر من مدٍ للاثنين معًا .. نصف مدٍ يملأ الكف الواحدة هو طعام الرجل من أهل الصفة من الليل إلى الليل .. نصف مد للرجل الواحد يومه وليلته .. وقد يأكل الرجل منهم وقد يأكلون جميعًا ورسول الله ﷺ لا يجد ما يأكله، وقد لا يجدون ولا يجد رسول الله ﷺ ما يأكله .. يقول أحد الصحابة: (أهل الصفة أضياف الإِسلام لا يأوون على أهل ولا مال .. إذا أتته ﷺ صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئًا .. وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها) (٣). إذًا فنصف المد لم يكن متوفرًا يوميًا بل ربما مر يوم أو يومان والانتظار يحرق أهل الصفة .. ينظر بعضهم إلى بعض .. وينظرون إلى باب

стр. 376

الصفة .. إلى باب المسجد .. إلى باب رسول الله ﷺ يبحثون عن لقمة .. عن نصف لقمة عن أي شئ يسد جوعهم فلا يجدون سوى الجوع طعامًا وشرابًا .. ويخرج رسول الله ﷺ من بيته فتتعلق أعينهم به ويحدقون بيديه فيجدونها خالية كبطونهم .. فيدركون أنه ما من طعام .. يقول أحدهم: (والله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع) (١) مثل هذا كيف سيصلى وقد حان وقت الصلاة؟! ها هو ﷺ يدخل المسجد فتقام الصلاة .. ويقوم أهل الصفة خلف رسول الله ﷺ للصلاة وهم يترنحون من الهزال والجوع .. ويصطفون بين إخوانهم المصلين .. ويكبر ﷺ فيكبرون .. وفي لحظات الخشوع الهادئة مع الله يسمع المصلون دويًا وارتطامًا بين الصفوف .. ويسمع رسول الله ﷺ خلفه حركةً وأنينًا .. وتخفق القلوب القريبة من الحدث .. ويتألم الجميع بعد انقضاء الصلاة فماذا حدث .. هذا هو فضالة بن عبيد الأنصاري .. أحد الصحابة ﵃ كان يصلي خلف رسول الله ﷺ .. سألناه: ماذا حدث يا فضالة فيجيب فضالة وهو عالم من الشعور والألم فيقول: (كان رسول الله ﷺ إذا صلى بالناس يخر رجال من قامتهم لما بهم من الخصاصية (٢) وهم أصحاب الصفة حتى يقول الأعراب: إن هؤلاء مجانين .. فإذا قضى رسول الله ﷺ صلاته انصرف إليهم فيقول:

стр. 377

لو تعلمون ما لكم عند الله لأحببتم أنكم تزدادون حاجة وفاقة (١) .. قال فضالة: فأنا مع رسول الله ﷺ يومئذٍ) (٢) حيث كان يواسيهم ويدفع عنهم ما يؤلمهم بشىء يهون معه الجوع .. وتحلو معه المعاناة .. يعزيهم بشيء يحول الموت وما بعده إلى أمنية وحلم لا حدود له .. ومع هذا العزاء .. ومع هذه المواساة كان ﷺ يتألم لتألمهم .. ويتألم مثل ألمهم .. تقول حبيبته عائشة رضى الله عنها: (كان ﷺ إذا دخل قال: هل عندكم طعام؟ فإذا قيل: لا .. قال: إني صائم) (٣) لقد تحول الجوع إلى عبادة .. وتحول الشبع إلى عبادة .. قال ﷺ مبشرًا إخوانه الموسرين: (الطاعم الشاكر له مثل أجر الصائم الصابر) (٤) ويقول ﷺ مندهشًا ومبشرًا: (عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر وكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له) (٥) (عجبت للمؤمن إن الله تعالى لم يقض له قضاءً إلا كان خيرًا له) (٦) .. يقول ﷺ ذلك كله وهو يتمنى لو يدفع عنهم هذا الفقر وهذا الهزال لكنه لا يجد .. كانت تمر به لحظات لا يملك فيها سوى

стр. 378

المواساة .. يستمع إلى الشكوى تلو الشكوى في أجواء من الحرية والفاقة .. طلحة بن عمرو أحد أهل الصفة. يروي لنا حوارًا جرى بعد إحدى الصلوات بين رسول الله ﷺ وبين أحد الفقراء .. يقول طلحة: (كان يجري علينا من رسول الله ﷺ كل يوم مدٍ من تمر بين رجلين .. ، فسلم ﷺ ذات يوم من الصلاة، فناداه رجلٌ منا فقال. يا رسول الله .. قد أحرق التمر بطوننا .. وتخرقت عنا الخنف .. ، فمال رسول الله ﷺ إلى منبره فصعده .. ، فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر ما لقي من قومه .. فقال: مكثت أنا وصاحبي بضعة عشر ليلة ما لنا طعام إلا البرير، فقدمنا على إخواننا من الأنصار وعظم طعامهم التمر، فواسونا فيه .. فوالله لو أجد لكم الخبز واللحم لأطعمتكم .. ولكن تدركون زمانًا -أو من أدركهم منكم- تلبسون فيه مثل أستار الكعبة، ويغدى (١) عليكم ويراح (٢) بالجفان) (٣) فرح أهل الصفة بهذا الوعد الصادق .. وتأثروا لما حدث لرسول الله ﷺ وصاحبه من أذى ومعاناة حيث يمر معظم الشهر ليس عندهما ما يأكلانه سوى ثمر الأراك .. ما تعرض له أهل الصفة شديد .. ولكن ما تعرض له رسول الله ﷺ وصاحبه كان أقسى وأشد .. وينصرف أهل الصفة إلى صفتهم .. وقد طواهم الجوع والرضى .. والاحتساب وانتظار الفرج .. ولم يكن ﷺ يواسيهم بالماضي أو بالمستقبل

стр. 379

فقط .. بل كان إذا اشتدت حاجتهم يتحرك ويحرك المدينة كلها من حولهم .. يقول أحد أبناء أبي بكر الصديق: (إن أصحاب الصفة كانوا أناسًا فقراء، وإن رسول الله ﷺ قال: "من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث .. ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس" .. بسادس .. وأن أبا بكر جاء بثلاثة .. وانطلق النبي ﷺ بعشرة) (١). مأساة هم أهل الصفة وارتحال وقصص باكية .. تنصت لها الأجيال بإجلال .. هذا أحدهم: قرة بن إياس يقص لابنه ما جرى لهم مع رسول الله ﷺ وكان اسم ابنه معاوية .. معاوية ينصت لأبيه وهو يقول: (لقد عمرنا مع رسول الله ﷺ وما لنا طعام إلا الأسودان .. ثم هل تدري ما الأسودان؟ قال معاوية: قلت: لا .. قال: التمر والماء) (٢) هذا هو الطعام وهذا هو الشراب فما هي: ملابسكم يا أهل الصفة لو شاهدتهم لبكيت .. ولاستحيوا منك وأنت تنظر إليهم .. وتنظر إلى تلك الأشياء التي ألقوها على أجسادهم .. يسمونها ملابس وما هي بملابس .. لو استمعت إليهم وهم يستغيثون:

стр. 380

(يا رسول الله قد أحرق التمر بطوننا وتخرقت عنا الخنف) (١) الكتانية الغليظة الرديئة .. من يصدق أنه (كان من أهل الصفة سبعون رجلًا ليس لواحدٍ منهم رداء) (٢) .. لقد كان ذلك .. رآهم رسول الله ﷺ ورآهم أحد الصحابة وتحدث للجميع بما رآه فقال رضى الله عنه: (رأيت سبعين من أهل الصفة يصلون في ثوب، فمنهم من يبلغ ركبتيه، ومنهم من هو أسفل من ذلك .. ، فإذا ركع أحدهم قبض عليه مخافة أن تبدو عورته ..) (٣) فهو لا يملك غيره ولا يملك ثمن سراويل أو ملابس داخلية تستر عورته .. وفي تفصيل آخر يقول: (رأيت سبعين من أصحاب الصفة ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار وإما كساء، قد ربطوا في أعناقهم فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته) (٤). إن من يطلع على تلك المآسى التي تلوَّى منها أولئك الفقراء العظماء ليظن أن هؤلاء مجرد فقراء مساكن جاءوا يبحثون عن الطعام والشراب

стр. 381

والمأوى .. وهم -والله- ما قدموا من أجل لقمة أو رغيف .. ولم يتسللوا من أجل صُفة متواضعة إذا ضربها المطر ساعة أمطرت عليهم ساعات .. وابتلت ثيابهم وجنوبهم وظهورهم والأرض التي يتوسدونها .. إن هؤلاء العظماء .. فروا من العيش الرغيد وتركوا الأهل والأموال والعشيرة وربما الخدم .. تركوا الدنيا بكل زخارفها لأنها كانت تركن إلى صنم .. لأنها كانت تلوذ بغير الله .. واتجهوا بكليتهم .. بعواطفهم ومهجهم إلى الله .. وتسللوا والناس نيام إلى صفة لا تقي من البرد ولا من الجوع .. لكنها صفة تستدفئ بمسجد رسول الله ﷺ وبقرب رسول الله ﷺ .. يعمرها القرآن .. ويزينها الإيمان .. تمر بها عائشة ﵂ ذات ليلة فتقف عندها مأسورةً مأخوذةً .. فتبطئ الخطا وتبطئ على زوجها رسول الله ﷺ .. ثم تعود .. وعندما تصل يسألها رسول الله ﷺ : (أين كنت .. ؟ قلت: يا رسول الله سمعت قراءة رجل في المسجد ما سمعت مثله قط .. فقام رسول الله ﷺ .. وتبعته .. فقال لي: ما تدرين من هذا؟ .. قلت: لا .. قال: هذا سالم مولى أبي حذيفة .. ثم قال: الحمد لله الذي جعل في أمتى مثل هذا) (١). عبد فقير يفخر به ﷺ .. ويشكر الله سبحانه أن وهب هذه الأمة مثله .. إن أمة تفخر بالموالي والعبيد كما تفخر بالأشراف لأمة عظيمة .. وإن دينًا يتساوى فيه البشر ليستحق الخلافة في الأرض .. كل الأرض ..

стр. 382

ويستحق أن تنقطع الأعناق في الصحاري والقفار بحثًا عنه .. في يوم من الأيام يقرر أحد المؤمنين أن يترك أهله ودياره .. يقرر أن يلتحق بتلك الصفة المتواضعة خوفًا على دينه .. أيام تمر وليالي تمضي وهو يسير مع غلامه في طريق الهجرة .. وذات يوم وعندما خيَّم الليل .. يقرر ذلك الغلام الفرار والهرب من سيده فيفعل .. ويتركه وحيدًا مع الليل الخوف .. فيواصل سيده المسير دون تردد وتلك الليلة المشحونة بالهموم والوحدة والإرهاق تملأ صدره .. فيتنهد شعرًا ويقول: يا ليلة من طولها وعنائها ... على أنها من دارة الكفر نجَّت مسافر بلا رفيق .. وليل طويل .. وطريق غير آمنة .. كل ذلك يهون لأن كل ذلك يؤدي إلى المدينة .. سكن ذلك المسافر في الصفة وتخرج منها ليكون أعظم علماء الإِسلام في الحديث .. تخرج هو وغيره من تلك الصفة علماء لأنها لم تكن ملجأ فقط .. لقد تحولت إلى كتاب مفتوح منذ ذلك اليوم الذي خرج فيه ﷺ على أهل الصفة وحدثهم .. عقبة بن عامر كان أحد الحاضرين سألناه ماذا قال لكم رسول الله ﷺ يا عقبة فقال: (خرج رسول الله ﷺ ونحن في الصفة فقال: "أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو العقيق، فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير إثم ولا قطيعة رحم" .. فقلنا: يا رسول الله نحب ذلك .. قال ﷺ : "أفلا يغدو أحدكم إلى السجد فيتعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع .. ومن أعدادهن من الإبل") (١) الإبل التي هي أنفس ما يملكه العربي .. حولها الإِسلام إلى أشياء رخيصة أمام أحرف العلم ..

стр. 383

وحدث رسول الله ﷺ أصحابه ذات يوم عن العلم والمال وأمرهم أن يحفظوا هذا الحديث فقال: "وأحدثكم حديثًا فاحفظوه .. إنما الدنيا لأربعة نفرٍ: "عبدٍ رزقه الله مالًا وعلمًا .. فهو يتقى فيه ربه .. ويصل فيه رحمه .. ويعمل لله فيه حقًا .. فهذا بأفضل المنازل. وعبدٍ رزقه الله تعالى علمًا ولم يرزقه مالًا .. فهو صادق النية" .. يقول: "لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان، فهو بنيته فأجرهما سواء. وعبد رزقه الله مالًا ولم يرزقه علمًا يخبط في ماله بغير علم .. لا يتقى فيه ربه .. ولا يصل فيه رحمه .. ولا يعمل لله فيه حقًا .. فهذا بأخبث المنازل. .. وعبدٍ لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا فهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان .. فهو بنيته .. فوزرهما سواء") (١) .. لذلك فقد انطلق أهل الصفة نحو العلم .. وانطلق أغنياء الصحابة نحو العلم ونحو أهل الصفة وغيرهم من الفقراء .. وانطلق الأنصار .. وتفجر كرمهم من جديد .. وفاح عبيرهم .. وتوهجت شمسهم نحو أهل الصفة والفقراء .. ها هم يقومون بأعمال أشبه بالمعجزات .. أشبه بالخيال .. لأنهم ينجزونها كلها في اليوم والليلة .. وفي كل يوم وليلة .. يحدثنا عنهم أنس بن مالك فيقول: إنهم رجال (من الأنصار يقال لهم "القراء" فيهم خالي "حرام" يقرأون القرآن ويتدارسون بالليل يتعلمون، وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد، ويحتطبون فيبيعونه، ويشترون به الطعام لأهل

стр. 384

الصفة وللفقراء) (١). ألم أقل إنه عمل أشبه بالمعجزات .. قبل شروق الشمس ينهضون .. يصلون .. ثم يستسقون لأهل المدينة .. يضعون لهم الماء في المسجد مسبلًا للعطشان وابن السبيل ولمن يمر أو يقيم في المسجد .. ثم يتوجهون كالحياة إلى خارج المدينة تهوي فؤوسهم وسواعدهم .. يحتطبون ويكدحون .. ثم يذهبون به إلى بيوتهم؟ لا .. بل إلى السوق حيث يمارسون البيع والشراء .. يبيعون الحطب ويشترون بثمنه طعامًا لأهل الصفة وللفقراء الآخرين .. هذا هو نهارهم سقاية .. وكدح .. بيع وشراء .. ثم صدقة طيبة يدخلون بها البسمة إلى قلوب إخوانهم المساكين .. فإذا جن الليل عليهم توجهوا إلى مدرسة الإِسلام ومنبع ثقافته .. إلى المسجد .. يقرأون القرآن .. ويتدارسون العلم ويصلون .. لا تدري أهم علماء .. أم عمال، أم عباد، أم تجار؟ ... إنهم الحياة إذا رسمها القرآن ونفثت فيها السنة .. إنهم العطاء بكل أبعاده وأعماقه وآفاقه .. إنهم الأنصار .. ولا تعرف الدنيا للأنصار مثيلًا .. أما رسول الله ﷺ فقد انطلق من جديد .. يكثف الشعور بالمساكين والفقراء. انطلق رسول الله ﷺ نحو الجميع بوحيٍ جميلٍ وجديد .. وحي يجعل من الإحساس بالفقر والفقراء عبادةً جديدةً .. الإِسلام من جديد يقدم للفقراء الهدايا والهبات والمشاعر .. فبعد أن مر شهر رجب من السنة الثانية .. وحل بعده شهر شعبان أصبح المؤمنون ينتظرون هذا الجديد الجميل الذي سيطل مع إطلالة هلال شهر رمضان القادم .. فرمضان هذه

стр. 385

السنة يختلف عن أي رمضان مضى .. لقد أمر الله سبحانه بـ: صيام شهر رمضان وأنزل على نبيه ﷺ آيات بينات يقول فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾ (١). إذًا فالصيام كان مفروضًا على الأنبياء السابقين .. كان مفروضًا على اليهود .. وكان مفروضًا على النصارى .. لكنهم حرفوا فيه كما حرفوا الكتب التي جاء بها أنبياؤهم .. وزادوا ونقصوا كما فعلوا في التوراة والإنجيل .. فصار لكل طائفة صيام .. وتشكل الصيام وتنوع حسب أمزجة الأحبار والرهبان .. أما الآن فقد جاء محمَّد ﷺ .. وجاء رمضان .. وكتب الصيام من جديد .. فما هو هذا الصيام الذي ضيعه أهل الكتاب وأعاده الله طريًا بمحمد ﷺ ؟. ما هو الصيام بدأ الصيام بـ: ترك الطعام والشراب والجماع من بعد صلاة العشاء إلى غروب الشمس .. فكان المسلم يأكل ويشرب من بعد الغروب إلى أن يصلى العشاء .. فإذا صلى العشاء حرم عليه الطعام والشراب. كما أن من نام في الليل ثم استيقظ في الليلة نفسها فلا يحل له أن يأكل أو يشرب شيئًا حتى غروب شمس الغد ..

стр. 386

هذا إذا كان المسلم سليم الجسم لا يشكو من أي مرضٍ .. وكان مقيمًا في بلدته غير مسافر .. فإن كان مريضًا أو مسافرًا فيجوز له أن يفطر لكن يجب عليه صيام الأيام التي أفطرها فيما بعد .. وقبل ذلك كله كان بإمكان أي مسلم سليمًا كان أو مريضًا .. مقيمًا كان أو مسافرًا .. كان بإمكان أي مسلم أن يفطر ولا يقضي أي يومٍ أفطره لكن بشرط .. هذا الشرط هو أن يقوم المفطر بتقديم وجبة تشبع مسكينًا واحدًا عن كل يوم أفطره .. لكن هذه الأحكام لم تدم .. لقد تغيرت ونسخت وجاءت بعدها: أحكام جديدة في الصيام وكان لهذه الأحكام الجديدة أسباب وقصص بعضها طريف وبعضها يتلوى من الجوع .. لكن الصيام لم يتغير .. ما زال هو: ترك الطعام والشراب وممارسة الزوجية .. فما هي هذه القصص: البراء بن عازب رضى الله عنه يقص علينا إحداها ويحدثنا عن أهل بيت صاموا وصام معهم بيتهم الذي كان خاليًا كبطون أهله .. ذلك البيت الذي لم يكن فيه ما يبل الريق أو يسد الجوع .. إنه باختصار صفة أخرى .. يقول البراء: (إن أحدهم كان إذا نام قبل أن يتعشى لم يحل له أن يأكل شيئًا .. ولا يشرب ليلته ويومه من الغد حتى تغرب الشمس حتى نزلت: وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود. ونزلت في أبي قيس بن عمرو، أتى أهله وهو صائم بعد المغرب فقال: هل من شئ؟ فقالت امرأته: ما عندنا شيء ولكن أخرج ألتمس لك

стр. 387

عشاء، فخرجت ووضع رأسه فنام، فرجعت إليه فوجدته نائمًا، وأيقظته فلم يطعم شيئًا وبات وأصبح صائمًا حتى انتصف النهار، فغشي عليه، وذلك قبل أن تنزل هذه الآية فأنزل الله فيه) (١) .. وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود .. فقط ولم ينزل الله كلمة: (من الفجر) بعد قوله تعالى: ﴿مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ .. في بداية الأمر مما جعل بعض الصحابة يخطئ في معنى الخيط الأبيض والخيط الأسود فكانت هذه القصة الطريفة التي رواها الصحابي سهل بن سعد رضى الله عنه فقال: (أنزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ .. ولم ينزل: (من الفجر)، وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعد: (من الفجر) فعلموا أنما يعني الليل والنهار) (٢). أما القصة الأخرى فهي تتحدث عن قِصر وقت الفطر وأنه مرهون بأداء صلاة العشاء .. يقول أحد الصحابة رضى الله عنهم وهو يتحدث عن قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ .. فكان الناس على عهد النبي ﷺ إذا صلوا العتمة (٣) حرم عليهم الطعام والشراب والنساء, وصاموا إلى القابلة، فاختان رجل نفسه فجامع امرأته وقد صلى العشاء ولم يفطر، فأراد الله أن يجعل ذلك يسرًا لمن بقي ورخصة ومنفعة، فقال سبحانه: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ

стр. 388

ْأَنْفُسَكُمْ﴾ .. وكان هذا مما نفع الله به الناس ورخص لهم ويسر) (١) وجعل الأكل والشرب والجماع مباحًا حتى طلوع الفجر .. فيمتنع المسلم من الأكل والشرب و .. حتي يغيب قرص الشمس حيث قال ﷺ لأصحابه: "إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم" (٢). أما عن الصوم الاختياري في أول الأمر فقد تغير وألغى كما قال سلمة بن الأكوع ﵁: (لما نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ .. كان من أراد منا أن يفطر ويفتدي فعل .. حتى نزلت هذه الآية التي بعدها فنسختها) (٣). فما هي الآية التي بعدها والتي نسختها وغيرت كل الأحكام السابقة التي مرت معنا؟. هذه الآية هي في قوله سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ

стр. 389

الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾ (١) .. هذا هو شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن .. والذي قال فيه ﷺ : (أنزلت صحف إبراهيم أول ليلة من شهر رمضان .. وأنزلت التوراة لست مضت من رمضان .. وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة مضت من رمضان .. وأنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان .. وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان) (٢) .. شهر الكتب المنزلة التي ضاع بعضها .. وحرف بعضها .. ولم يبق منها سوى القرآن شاهدًا لها .. شَاهدًا على أممها .. التي ضيعتها وحرفتها .. ورغم الصوم .. رغم الجوع والعطش لم يتحول هذا الشهر إلى شهرٍ للخمول .. ولم تتحول المدينة فيه إلى جدران يغط تحتها الصائمون .. ويستندون كالكسل إليها وأعينهم إلى الشمس ينتظرون غروبها .. فالمدينة تعج بالحركة نهارًا .. وبالقيام والتهجد ليلًا .. بيوت المؤمنين في ليالي رمضان تشتعل بنور القرآن .. بالسجود والركوع والدموع .. في تلك الليالي كان هناك أنينًا صادرًا من إحدى الحجرات في بيت من بيوت المدينة .. أنين قادم من الحبشة .. قادم من المعاناة .. وما كادت تستقر به الأقدام بين حرات المدينة حتى كان موعده المحتوم مع المرض والآلام .. فلذة كبد رسول الله ﷺ وحشاشة جوفه هي تلك الأنين .. رقية بنت محمَّد ﷺ أقعدها المرض وأسهر زوجها عثمان بن

стр. 390

عفان .. وآلمه .. رقية مريضة هاجرت من مكة .. خاضت البحر فألقاها في الحبشة .. وخاضته مرةً ثانية فتهادى بها حتى وضعها بين يدي والدها العطوف الحنون .. وما كادت تتنشق هواء الحرية والأمن حتى أطاح بها المرض فهي طريحة الفراش والوجع في ذلك الشهر الكريم .. رسول الله ﷺ يزورها ويطمئن عليها ويوصى زوجها الحزين بملازمتها .. رقية بضعة من رسول الله ﷺ .. والأمة أمانة .. والرسالة أمانة .. هموم تتداعى إلى قلبه ﷺ تتكتل أمام عينيه ولا بد لها من حلول .. رقية مريضة .. وأهل الصفة جائعون .. والمهاجرون قد سُلبوا أموالهم وبيوتهم لينجوا بأنفسهم وإيمانهم من سياط الشرك وأهله .. وهناك فرصة تلوح في الأفق لاسترجاع شيء مما سلبه الطواغيت منهم .. ترى هل يبقى ﷺ قرب ابنته الحبيبة .. أم سيركب إلى تلك الفرصة .. هكذا كانت ليالي رمضان الأولى في المدينة .. لكن كيف كانت ليالي رمضان في مكة .. سندع رسول الله ﷺ حتى يقرر ولنتسلل إلى مكة لنرى: كيف كان ليل رمضان في مكة إذا كانت أنسام الليل تحمل أنين رقية ودموعها .. فإن أنسام مكة تحترق بزفرات نساء ورجال مستضعفين .. يمنعهم الضعف من البوح بتوحيدهم ودينهم وحبهم لنبيهم ﷺ .. أسرارهم كالجمر في صدورهم .. يرعبهم ليل مكة .. ويؤرقهم العيش بين الأصنام والشرك والمشركين الذي كان ليلهم خليطًا من الخمر والغطيط .. أنسام مكة تحترق بزفرات أخت رقية المريضة .. أختها الكبرى زينب
следующие страницы →