← Сира

Сира · id 123668

السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة

محمد الصوياني

Полный текст (1 354 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

هذا إذا كان المسلم سليم الجسم لا يشكو من أي مرضٍ .. وكان مقيمًا في بلدته غير مسافر .. فإن كان مريضًا أو مسافرًا فيجوز له أن يفطر لكن يجب عليه صيام الأيام التي أفطرها فيما بعد .. وقبل ذلك كله كان بإمكان أي مسلم سليمًا كان أو مريضًا .. مقيمًا كان أو مسافرًا .. كان بإمكان أي مسلم أن يفطر ولا يقضي أي يومٍ أفطره لكن بشرط .. هذا الشرط هو أن يقوم المفطر بتقديم وجبة تشبع مسكينًا واحدًا عن كل يوم أفطره .. لكن هذه الأحكام لم تدم .. لقد تغيرت ونسخت وجاءت بعدها: أحكام جديدة في الصيام وكان لهذه الأحكام الجديدة أسباب وقصص بعضها طريف وبعضها يتلوى من الجوع .. لكن الصيام لم يتغير .. ما زال هو: ترك الطعام والشراب وممارسة الزوجية .. فما هي هذه القصص: البراء بن عازب رضى الله عنه يقص علينا إحداها ويحدثنا عن أهل بيت صاموا وصام معهم بيتهم الذي كان خاليًا كبطون أهله .. ذلك البيت الذي لم يكن فيه ما يبل الريق أو يسد الجوع .. إنه باختصار صفة أخرى .. يقول البراء: (إن أحدهم كان إذا نام قبل أن يتعشى لم يحل له أن يأكل شيئًا .. ولا يشرب ليلته ويومه من الغد حتى تغرب الشمس حتى نزلت: وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود. ونزلت في أبي قيس بن عمرو، أتى أهله وهو صائم بعد المغرب فقال: هل من شئ؟ فقالت امرأته: ما عندنا شيء ولكن أخرج ألتمس لك

стр. 387

عشاء، فخرجت ووضع رأسه فنام، فرجعت إليه فوجدته نائمًا، وأيقظته فلم يطعم شيئًا وبات وأصبح صائمًا حتى انتصف النهار، فغشي عليه، وذلك قبل أن تنزل هذه الآية فأنزل الله فيه) (١) .. وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود .. فقط ولم ينزل الله كلمة: (من الفجر) بعد قوله تعالى: ﴿مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ .. في بداية الأمر مما جعل بعض الصحابة يخطئ في معنى الخيط الأبيض والخيط الأسود فكانت هذه القصة الطريفة التي رواها الصحابي سهل بن سعد رضى الله عنه فقال: (أنزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ .. ولم ينزل: (من الفجر)، وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعد: (من الفجر) فعلموا أنما يعني الليل والنهار) (٢). أما القصة الأخرى فهي تتحدث عن قِصر وقت الفطر وأنه مرهون بأداء صلاة العشاء .. يقول أحد الصحابة رضى الله عنهم وهو يتحدث عن قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ .. فكان الناس على عهد النبي ﷺ إذا صلوا العتمة (٣) حرم عليهم الطعام والشراب والنساء, وصاموا إلى القابلة، فاختان رجل نفسه فجامع امرأته وقد صلى العشاء ولم يفطر، فأراد الله أن يجعل ذلك يسرًا لمن بقي ورخصة ومنفعة، فقال سبحانه: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ

стр. 388

ْأَنْفُسَكُمْ﴾ .. وكان هذا مما نفع الله به الناس ورخص لهم ويسر) (١) وجعل الأكل والشرب والجماع مباحًا حتى طلوع الفجر .. فيمتنع المسلم من الأكل والشرب و .. حتي يغيب قرص الشمس حيث قال ﷺ لأصحابه: "إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم" (٢). أما عن الصوم الاختياري في أول الأمر فقد تغير وألغى كما قال سلمة بن الأكوع ﵁: (لما نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ .. كان من أراد منا أن يفطر ويفتدي فعل .. حتى نزلت هذه الآية التي بعدها فنسختها) (٣). فما هي الآية التي بعدها والتي نسختها وغيرت كل الأحكام السابقة التي مرت معنا؟. هذه الآية هي في قوله سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ

стр. 389

الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾ (١) .. هذا هو شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن .. والذي قال فيه ﷺ : (أنزلت صحف إبراهيم أول ليلة من شهر رمضان .. وأنزلت التوراة لست مضت من رمضان .. وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة مضت من رمضان .. وأنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان .. وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان) (٢) .. شهر الكتب المنزلة التي ضاع بعضها .. وحرف بعضها .. ولم يبق منها سوى القرآن شاهدًا لها .. شَاهدًا على أممها .. التي ضيعتها وحرفتها .. ورغم الصوم .. رغم الجوع والعطش لم يتحول هذا الشهر إلى شهرٍ للخمول .. ولم تتحول المدينة فيه إلى جدران يغط تحتها الصائمون .. ويستندون كالكسل إليها وأعينهم إلى الشمس ينتظرون غروبها .. فالمدينة تعج بالحركة نهارًا .. وبالقيام والتهجد ليلًا .. بيوت المؤمنين في ليالي رمضان تشتعل بنور القرآن .. بالسجود والركوع والدموع .. في تلك الليالي كان هناك أنينًا صادرًا من إحدى الحجرات في بيت من بيوت المدينة .. أنين قادم من الحبشة .. قادم من المعاناة .. وما كادت تستقر به الأقدام بين حرات المدينة حتى كان موعده المحتوم مع المرض والآلام .. فلذة كبد رسول الله ﷺ وحشاشة جوفه هي تلك الأنين .. رقية بنت محمَّد ﷺ أقعدها المرض وأسهر زوجها عثمان بن

стр. 390

عفان .. وآلمه .. رقية مريضة هاجرت من مكة .. خاضت البحر فألقاها في الحبشة .. وخاضته مرةً ثانية فتهادى بها حتى وضعها بين يدي والدها العطوف الحنون .. وما كادت تتنشق هواء الحرية والأمن حتى أطاح بها المرض فهي طريحة الفراش والوجع في ذلك الشهر الكريم .. رسول الله ﷺ يزورها ويطمئن عليها ويوصى زوجها الحزين بملازمتها .. رقية بضعة من رسول الله ﷺ .. والأمة أمانة .. والرسالة أمانة .. هموم تتداعى إلى قلبه ﷺ تتكتل أمام عينيه ولا بد لها من حلول .. رقية مريضة .. وأهل الصفة جائعون .. والمهاجرون قد سُلبوا أموالهم وبيوتهم لينجوا بأنفسهم وإيمانهم من سياط الشرك وأهله .. وهناك فرصة تلوح في الأفق لاسترجاع شيء مما سلبه الطواغيت منهم .. ترى هل يبقى ﷺ قرب ابنته الحبيبة .. أم سيركب إلى تلك الفرصة .. هكذا كانت ليالي رمضان الأولى في المدينة .. لكن كيف كانت ليالي رمضان في مكة .. سندع رسول الله ﷺ حتى يقرر ولنتسلل إلى مكة لنرى: كيف كان ليل رمضان في مكة إذا كانت أنسام الليل تحمل أنين رقية ودموعها .. فإن أنسام مكة تحترق بزفرات نساء ورجال مستضعفين .. يمنعهم الضعف من البوح بتوحيدهم ودينهم وحبهم لنبيهم ﷺ .. أسرارهم كالجمر في صدورهم .. يرعبهم ليل مكة .. ويؤرقهم العيش بين الأصنام والشرك والمشركين الذي كان ليلهم خليطًا من الخمر والغطيط .. أنسام مكة تحترق بزفرات أخت رقية المريضة .. أختها الكبرى زينب

стр. 391

التي تتحرق شوقًا إلى أبيها .. إلى أخواتها الحبيبات .. فاطمة ورقية وأم كلثوم .. إنها لا تعلم شيئًا عنهم .. لا تدري هل ستلتقى بهم يومًا من الأيام أم لا .. ونبي الله ﷺ يشتاق إليها ويحبها ويثني عليها ويتمنى قربها وقدومها .. إنها أكبر بناته وقد عانت وعانت الكثير في سبيل الله .. إنها ابنة نبي لكنها زوجة رجل لا يزال على شركه .. رجل صادق ووفي اسمه: أبو العاص بن الربيع وهو شغوف بها ويحبها .. لكن شركه يخنق ليلها وأنفاسها .. فتاة مستضعفة مبتلاة .. وهموم تزدحم في صدر والدها عليها وعلى أختها وعلى كل مستضعف ومستضعفة .. هذا هو ليل زينب الحزينة .. وهذا هو ليل مكة المخيف الذي كان يحمل الفزع إلى إحدى البيوت .. إلى إحدى النساء التي كانت غارقة في نومها حتى انتشلها الفزع وانتشلها فارس الأحلام .. فارس الأحلام أتاها .. لا ليحملها بين ذراعيه .. بل ليدك بيوت قومها .. فارس الأحلام هذا مخيف ومرعب .. يقفز في الهواء .. فوق الكعبة والجبال .. يحرك الصخور .. يصيح بأهلها .. صوته مخيف .. يتوعد بالموت والشظايا. تلك المرأة المفزوعة لم تكن بعيدة من زينب بنت نبي الله ﷺ .. إنها من أقرب الناس إليها ... وتعيش بالقرب منها .. امرأة من صلب قريش .. إنها ابنة عبد المطلب .. وعمة رسول الله ﷺ واسمها: عاتكة بنت عبد المطلب .. فهل يا ترى ستكون رؤياها كرؤيا والدها الذي غاص في الأعماق وحفر زمزم .. أم أن فارس القمم الذي رأته في منامها سيدمدم ما تبقى لقريشٍ من آبار تنضح بالشرك .. تلك الرؤيا حولت مكة إلى غبار وضجيج ونزاع وتشاتم .. سنخيم

стр. 392

على بيت عاتكة لننظر ما يحدث في منامها: رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب (كانت عاتكة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ ساكنة مع أخيها العباس بن عبد المطلب .. فرأت رؤيا قبيل بدر ففزعت .. فأرسلت إلى أخيها عباس من ليلتها حين فزعت واستيقظت من نومها .. وقالت: رأيت رؤيا وقد خشيت منها على قومك الهلكة .. قال: وما رأيت؟ قالت: لن أحدثك حتى تعاهدني أن لا تذكرها .. فإنهم إن سمعوها آذونا فأسمعونا ما لا نحب .. فعاهدها عباس .. فقالت: رأيت راكبًا أقبل على راحلته من أعلى مكة يصيح بأعلى صوته: يا آل غدر .. ويا آل فجر .. اخرجوا [لمصارعكم] في ليلتين أو ثلاث .. ثم دخل المسجد على راحلته .. فصرخ في المسجد ثلاث صرخات ومال إليه من الرجال والنساء والصبيان .. وفزع الناس له أشد الفزع .. ثم أراه مَثُلَ على ظهر الكعبة على راحلته (١) .. فصاح ثلاث صرخات: يا آل غدر .. ويا آل فجر .. اخرجوا [لمصارعكم] في ليلتين أو ثلاث .. حتى أسمعَ من بين الأخشبن (٢) من أهل مكة .. [ثم إن بعيره مَثُلَ به على رأس أبي قبيس (٣) فقال: انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث] ثم عمد لصخرة عظيمة فنزعها من أصلها .. ثم أرسلها على أهل مكة ..

стр. 393

فأقبلت الصخرة لها دوي حتى إذا كانت عند أصل الجبل أرفضت (١) .. فلا أعلم بمكة بيتًا ولا دارًا إلا قد دخلها فلقة من تلك الصخرة .. فقد خشيت على قومك أن ينزل بهم شر .. ففزع منها عباس وخرج من عندها فلقي من آخر ليلته الوليد بن عتبة بن ربيعة -وكان خليلًا للعباس- فقص عليه رؤيا عاتكة وأمره أن لا يذكرها لأحد .. فذكرها الوليد لأبيه .. وذكرها عتبة لأخيه شيبة .. وارتفع حديثها حتى بلغ أبا جهل بن هشام واستفاضت .. فلما أصبحوا غدا عباس يطوف بالبيت حتى أصبح .. فوجد أبا جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف وزمعة بن الأسود وأبا البختري في نفر يتحدثون .. فلما نظروا إلى العباس يطوف بالبيت ناداه أبو جهل: يا أبا الفضل إذا قضيت طوافك فآتنا .. فلما قضى طوافه أتى فجلس فقال أبو جهل: يا أبا الفضل .. ما رؤيا رأتها عاتكة؟ قال: ما رأت من شيء .. قال: بلى .. أما رضيتم يا بني هاشم بكذب الرجال حتى جئتمونا بكذب النساء .. إنا كنا وأنتم كفرسي رهان (٢) .. فاستبقنا المجد منذ حين .. فلما تحاذت الركب قلتم: منا نبي (٣) .. فما بقى إلا تقولوا: منا نبية .. لا أعلم في قريش أهل بيت أكذب رجلًا ولا أكذب امرأة منكم .. فآذوه يومئذٍ أشد الأذى .. وقال أبو جهل:

стр. 394

زعمت عاتكة أن الراكب قال: اخرجوا في ليلتين أو ثلاث .. فلو قد مضت هذه الثلاث تبينت لقريش كذبكم وكتبنا سجلًا .. ثم علقنا بالكعبة أنكم أكذب بيت في العرب رجلًا وامرأة) (١). يقول العباس [فوالله ما كان إليه مني من كبير إلا أني أنكرت ما قالت فقلت: ما رأت شيئًا ولا سمعت هذا .. فلما أمسيت لم تبق امرأة من بني عبد الطلب إلا أتتني فقلن: أصبرتم لهذا الفاسق (٢) الخبيث أن يقع في رجالكم .. ثم تناول النساء وأنت تسمع فلم يكن عندك في ذلك غيرة .. فقلت: قد والله صدقتن وما كان عندي في ذلك من غيرة إلا أني قد أنكرت ما قال .. فإن عاد (٣) لأكفينه .. فقعدت في اليوم الثالث أتعرضه ليقول شيئًا فأشاتمه .. فوالله إني لمقبل نحوه .. وكان رجلًا حديد الوجه .. حديد النظر .. حديد اللسان .. إذ ولى نحو باب المسجد يشتد .. فقلت -في نفسي-: اللَّهم العنه كلَّ هذا فرقًا (٤) أن أشاتمه .. وإذا هو قد سمع ما لم أسمع: صوت ضمضم بن عمرو وهو واقف على بعيره بالأبطح .. قد حول رحله وشق قميصه وجدع بعيره (٥) يقول:

стр. 395

يا معشر قريش .. اللطيمة .. اللطيمة .. أموالكم مع أبي سفيان .. وتجارتكم قد عرض لها محمَّد وأصحابه .. فالغوث .. الغوث .. فشغله ذلك عني .. وشغلني عنه .. فلم يكن إلا الجهاز حتى خرجنا] (١). لقد ثارت قريش وهاج الكفر كله .. فماذا أصاب القوم حتى صاروا كالمجانين .. لقد تحققت رؤيا عاتكة .. وصدقت .. وكذب أبو جهل وطار عقله .. وطار عقل أمية وصوابه .. فما الذي حدث .. وماذا فعل رسول الله ﷺ بأبي سفيان وقافلته هذه .. لقد كنا في المدينة عند رقية حيث كان بيتها ساكنًا إلا من أنينها .. حيث كانت المدينة ساكنة بالإيمان .. فما الذي كان يخطط له رسول الله ﷺ والناس نائمون .. سنعود إلى المدينة حيث ترقد رقية .. ها هى طريحة الفراش والألم .. وهذا هو عثمان بقربها

стр. 396

ينظر إلى حبيبته وردة تذبل يومًا بعد يوم .. تذبل ألمًا بعد ألم .. لقد عادها أبوها ﷺ قبل أيام ورأى ما بها وأوصى عثمان الحزين بالمكوث عندها ثم ودعها بعد أن ألقى عليها نظرة الوالد المحب الحاني .. وودعته بعينين حزينتين .. كأني بعينيها تغرقان بالدموع .. تتعلقان بهذا الوالد الذي لا يستطيع البقاء عندها .. ولا يملك لها سوى الدعاء .. استودعها الله وتركها .. ومرارة الوداع في حلقها وقلبها .. ومرارة الوداع في كلماته لعثمان .. وعثمان صابر محتسب .. يفوته الخروج مع حبيبه ﷺ فيصبر .. وقد تفوته رقية وترتحل عنه .. أي ليلٍ سيخيم على عثمان .. رسول الله ﷺ أكثر صبرًا واحتسابًا .. ابنة في مكة لا يستطيع رؤيتها .. حبيسة الشرك .. وابنة حبيسة المرض .. وأصحاب معدمون يتزاحمون في صفة مليئة بالجوع .. وقريش تسرح وتمرح وتتاجر بأموال أصحابه .. وأمة تحتاج إلى قائد يحملها إلى المستقبل .. وإلى تلك الفرصة .. قدم ﷺ حاجة أمته على حاجته .. ومصلحتها على هموم أسرته فخرج .. لكن إلى أين .. ؟ هذا أنس بن مالك يسير مع رسول الله ﷺ سنعرف منه ما حدث .. إنه يتكلم فلننصت إليه: الخروج وأسبابه يقول أنس ﵁: (بعث رسول الله ﷺ بسيسة عينًا ينظر ما صنعت عير أبي سفيان .. فجاء وما في البيت أحد غيري وغير رسول الله ﷺ (١)) (٢) ..

стр. 397

ذهب الصحابي المدعو "بسيسة" في مهمة حددها ﷺ .. وهى تحسس أخبار القافلة القرشية القادمة من الشام نحو مكة والتي يقودها أبو سفيان بن حرب .. وتحديد طريق سيرها .. وأتم بسيسة مهمته كما ينبغي .. ثم عاد إلى رسول الله ﷺ (فحدثه الحديث .. فخرج رسول الله ﷺ .. فتكلم فقال: "إن لنا طلبة فمن كان ظهره حاضرًا فليركب معنا فجعل رجال يستأذنونه في ظهورهم في علو المدينة، قال: لا، إلا من كان ظهره حاضرًا) (١). جاء أبو بكر .. وجاء عمر .. وجاء على .. أما عثمان فاستبقاه رسول الله ﷺ بالمدينة وأمره بالمكوث .. وجاء بقية الصحابة من المهاجرين والأنصار .. وجاء عمر بن الخطاب بابنه الصغير عبد الله فتأمله ﷺ فوجده طفلًا فأعاده مكسور الخاطر بعد أن كان يحلم بخطوات يسيرها في دروب البطولة والشهادة .. وجاء طفل آخر اسمه البراء بن عازب .. فأعاده ﷺ أيضًا .. فراح فيما يتحدث إلى من حوله عن تلك الرفقة العظيمة ويصفها بالإيمان ويتمنى لو سار معها فيقول: (استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر .. وكنا -أصحاب محمَّد- نتحدث أن عدة أهل بدر ثلاثمائة وبضعة عشر .. كعدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر .. وما جاوز معه النهر إلا مؤمن) (٢). وجاء سعد بن أبي وقاص رضى الله عنه ومعه فتى صغير اسمه عمير .. إنه أخوه وهو شجاع مثله .. لكنه كان خائفًا مضطربًا ..

стр. 398

بل لقد بكى .. فكيف يكون شجاعًا وكيف يرغب في الشهادة وقد انتابه الخوف والبكاء .. تلك قصة عجيبة رويت عن أخيه سعد حيث يقول: (رأيت أخي عمير بن أبي وقاص قبل أن يعرضنا رسول الله ﷺ بدر يتوارى .. فقلت: مالك يا أخي؟ قال: إني أخاف أن يراني رسول الله ﷺ فيستصغرني، فيردني وأنا أحب الخروج لعل الله يرزقني الشهادة .. [فعرض على رسول الله ﷺ فاستصغره .. فقال: ارجع .. فبكى عمير فأجازه رسول الله] فكنت أعقد حمائل سيفه من صغره) (١) كأني بسعد يعقد سيور سِيفه لأخيه ويبتسم .. فيبتسم عمير لمن حوله وللجنة .. قصة مؤثرة ودموع من أجل الشهادة .. وشاب ملأت الجنة روحه وجوانحه .. إنها حال الشباب في أي زمان ومكان تحل فيهما قيادة إسلامية صافية ومخلصة .. لقد اجتاز عمير بن أبي وقاص آخر العقبات في حياته وها هو أمام بوابة مشرعة على الخلود .. عمير من ثمار الرسول ﷺ .. عمير وغيره .. انظروا إلى هذين .. إنهما صديقان يكبران عميرًا بقليل .. أسدان اسم أحدهما: معاذ بن عمرو بن الجموح واسم الآخر: معاذ بن عفراء ..

стр. 399

وعلى أحد الأبواب وفي بيت من أبيات المدينة .. كانت الدموع وكان الوداع والعناق بين شاب وأمه .. ولك أن تتخيل ما تشعر به أم وهي تفارق ابنها .. تودعه وهي لا تدري هل سيعود إليها أم أنها بعثت به إلى الموت .. وبعثت بنفسها إلى الحزن والحداد .. أم الربيع بنت النضر -عمة أنس بن مالك .. وأخت الأسد الهصور: أنس بن النضر- تودع ابنها الذي يرتع في قلبها .. تودع ابنها الحارث (١) بن سراقة وداعًا حارًا باكيًا .. لكنها الجنة فليذهب الحارث إلى الجنة من أي طريق شاء .. وهناك فارس آخر .. ربما كان يشتري بعض التمر .. ربما كان قبل قليل بين النخيل يخترف منها .. وربما غير ذلك .. لكنه كان يضع بعض التمرات في جيبه .. ولما سمع النداء هب مسرعًا لنداء الله ورسوله ﷺ إنه .. عمير بن الحمام (٢) .. اجتمع هؤلاء وغيرهم حول نبي الله ﷺ فكانت المشورة وحرية الرأي قبل الانطلاق. المشورة قبل الانطلاق يقول أنس بن مالك ﵁: (إن رسول الله ﷺ شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان، فتكلم أبو بكر فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه، فقال سعد بن عبادة: إيانا يريد رسول الله ﷺ ، والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحار لإخضناها, ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى

стр. 400

برك الغماد لفعلنا. فندب رسول الله ﷺ الناس، فانطلقوا) (١) ولئن كانت المشورة قبل الانطلاق فقد كان هناك: سرية في الانطلاق تقول عائشة ﵂: (إن رسول الله ﷺ أمر بالأجراس أن تقطع من أعناق الإبل يوم بدر) (٢) دون ضوضاء دون أجراس وضجيج انطلق ﷺ وصحابته .. وسمح ﷺ بالانطلاق معه لمن ليس معه راحلة وأمر ﷺ بالاشتراك والتناوب بين الاثنين والثلاثة على الراحلة الواحدة .. فامتثل الجميع وتحركوا نحو تلك القافلة مسرعين .. يطوون الأرض طيًا .. وفي طريقهم يرون راكبًا يسابق الريح إليهم فيلحق بهم .. ماذا حدث هل هو عثمان بن عفان جاء ليخبر رسول الله ﷺ أن ابنته زينب اشتد بها المرض .. أم هو رجل لم يعلم إلا متأخرًا فلحق بهم بعد أن علم بالأمر؟ .. ليس هذا ولا ذاك .. إنه رجل مشرك ... لكن فيه من الشهامة والرجولة الشيء الكثير ... إنه يمتطي راحلته وشهامته .. ويتجه بهما نحو رسول الله ﷺ يكلمه ثم يرد عليه ويسير ﷺ .. ثم يكلمه مرة أخرى فيرد عليه ثم يسير ﷺ ويتركه .. فمن هذا الرجل ولماذا تركه ﷺ في مكان يقال له: حرة الوبِرة: تقول عائشة ﵂:

стр. 401

(خرج رسول الله ﷺ قِبل بدر فلما كان بحرة "الوبرة" أدركه رجل يذكر منه جرأة ونجدة .. ففرح أصحاب رسول الله ﷺ حين رأوه فلما أدركه قال لرسول الله ﷺ : "جئت لأتبعك وأصيب معك". قال له رسول الله ﷺ : تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا. قال ﷺ : "فارجع فلن أستعين. بمشرك" .. ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل فقال له كما قال أول مرة .. فقال له النبي ﷺ كما قال له أول مرة .. قال: فارجع فلن أستعين. بمشرك .. ثم رجع فأدركه بالبيداء .. فقال له كما قال أول مرة: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: نعم. فقال له رسول الله ﷺ : فانطلق) (١) فانطلق الرجل مع النبي ﷺ وأصحابه مسلمًا بعد أن دفن الشرك وأهله بالبيداء .. ورفرف مع شجاعته ونجدته في أجواء التوحيد الطاهرة الفسيحة .. وواصل المسلمون سيرهم نحو القافلة .. لكن مشكلة وقعت .. وأمرًا خطيرًا لم يحسب له المسلمون حسابًا .. لقد علمت قريش بخروج رسول الله ﷺ . لكن كيف؟

стр. 402

كيف علمت قريش بخروج رسول الله ﷺ يقول أحد الصحابة ﵃: (لما سمع رسول الله ﷺ بأبي سفيان مقبلًا من الشام .. ندب المسلمين وقال: هذه عير قريش فيها أموالهم .. فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها .. فانتدب الناس .. فخف بعضهم .. وثقل بعضهم .. وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله ﷺ يلقى حربًا .. وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتحسس الأخبار ويسأل من لقي من الركبان تخوفًا على أموال الناس حتى أصاب خبرًا من بعض الركبان: أن محمدًا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك .. فحذر عن ذلك .. فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري .. فبعثه إلى مكة .. وأمره أن يأتي قريشًا يستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن محمدًا قد عرض لها في أصحابه .. فخرج ضمضم بن عمرو سريعًا إلى مكة) (١) .. ووصل إلى مكة .. وسمعت قريش (صوت ضمضم بن عمرو الغفاري وهو يصرخ ببطن الوادي .. واقفًا على بعيره قد جدع بعيره .. وحول رحله .. وشق قميصه وهو يقول: يا معشر قريش .. اللطيمة .. اللطيمة .. أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمدٌ في أصحابه .. لا أرى أن تدركوها .. الغوث .. الغوث ..) (٢).

стр. 403

وتجمعت قريش حول هذا المشهد الفاجعة .. وصرخت بوجه ضمضم ابن عمرو تسأله عن تفاصيل أكثر .. وثارت مكة .. وارتجت .. وتعالى الضجيج .. وسلت السيوف .. واحتقن الطواغيت .. طواغيت قريش كلهم .. كلهم إلا واحدًا أذهله الخبر فأصيب بالهلع إنه لا يدري ما يفعل وكيف يتصرف .. إنه يرتجف ويرتجف .. يهرول مسرعًا إلى منزله .. وعندما يصل لا يبحث عن سلاح ولا يفتش عن درع ورمح .. إنه خائف جدًا ويكاد يموت من الخوف .. لم يكن ذلك الخوف بسبب تجارة له مع أبي سفيان يخشى أن يفقدها .. الأمر أشد وأخطر .. إنه يحس بدنو أجله .. إنه يرى في كل شبر خارج مكة قبرًا مشرعًا ينتظره .. إنه أمية بن خلف .. وهو لا يستطيع التفريق بين من يقول: الغوث .. الغوث .. ومن يقول: الموت .. الموت .. كأني به وهو يستمع إلى صراخ ضمضم قد تذكر صراخ سعد بن معاذ في ذلك اليوم المشئوم عندما كان سعد بن معاذ في نزاع مع أبي جهل لأن أبا جهل يرفض أن يطوف سعد بالكعبة وهو من أنصار محمَّد ﷺ .. وعندما حاول أمية إسكات سعد بن معاذ ﵁. بشره سعد بنهاية تصطك لها الركب .. بشره سعد وقال له: (دعنا منك يا أمية فوالله لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنه قاتلك .. قال أمية: بمكة؟ .. قال سعد: لا أدري، ففزع لذلك أمية فزعًا شديدًا، فلما رجع أمية إلى أهله قال:

стр. 404

يا أم صفوان، ألم تري إلى ما قال لي سعد .. ؟ قال: وما قال لك .. ؟ قال: زعم أن محمدًا أخبرهم أنه قاتلي .. فقلت له: بمكة؟ .. فقال: لا أدري .. فقال أمية: والله لا أخرج من مكة) (١) .. واليوم قد حان وقت خروج قريش .. ولن يتخلف أحد .. فهل سيتخلف سيد من ساداتها .. وما هو عذره .. هل سيقول لهم: إنه خائف .. هل سيقول لهم: إن محمدًا صادق في قوله ووعده .. حائر أمية .. حائر .. يلتفت إلى امرأته يحدثها .. أنه قد (جاء الصريخ .. قالت له امرأته: أما علمت ما قال لك أخوك اليثربي؟ قال أمية: فإني لا أخرج) (٢) .. لقد قرر أمية البقاء ففي الخروج سفر إلى الموت على يد محمَّد ﷺ وأصحابه .. لكن هل سيتركه أبو جهل ينعم بالبقاء .. لا أظن ذلك .. فأبو جهل الآن كالمجنون .. يجول في شوارع مكة .. يثير الغبار في أزقتها .. يطرق أبوابها .. لن يتركه أبو جهل ينعم بالطعام والشراب والرقاد وهم يواجهون الموت .. لقد (استنفر أبو جهل الناس فقال: أدركوا عيركم .. فكره أمية أن يخرجه .. فأتاه أبو جهل .. فقال: يا أبا صفوان إنك متى يراك الناس قد تخلفت وأنت سيد أهل الوادي تخلفوا معك .. فلم يزل به أبو جهل حتى قال: أما إذا غلبتني فوالله لأشترين أجود بعيرٍ. بمكة .. ثم قال أمية: يا أم صفوان جهزيني .. فقالت له:

стр. 405

يا أبا صفوان وقد نسيت ما قال لك أخوك اليثربي؟ قال: لا .. ما أريد أن أجوز معهم إلا قريبًا .. فلما خرج أمية أخذ لا يترك متزلًا إلا عقل بعيره فلم يزل بذلك) (١) كلما نزل منزلًا عقل بعيره السريع تأهبًا للهرب .. لم يزل كذلك خائفًا يرى الموت خلف الصخور وبين الشجر .. يرى الموت يسيل في الوادي .. يرى الموت مقبلًا مع السحاب .. وفي المساء يرى الظلام عباءة يرتديها الموت .. والنجوم عيون تحدق به. مضوا خلف أبي جهل مصطحبين المغنيات والخمر والموت حتى وصلوا إلى أرض بين مكة والمدينة يقال إنها كانت (موسمًا من مواسم العرب يجتمع لهم بها سوق كل عام) (٢) واسم هذه الأرض: بدر وقد قرر أبو جهل ومن معه تحويل أرضها إلى ساحة لاحتفالٍ صاخب .. سيجعلون أرض بدر خمرًا ونساءً .. ورقصًا ومقابر لمحمد وأصحابه .. سيجعل أبو جهل من تلك الأرض احتفالًا غير عادي .. احتفالًا لقريش وحدها .. في موعد هو الذي يحدده .. وقد وصف الله ذلك الخروج وتلك الغطرسة بقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٣). مضت الجموع .. ومضى معهم أمية .. وخيم شبح الموت على كل شبرٍ يسير إليه .. إنه الآن يتوقع خروج رسول الله ﷺ أو بعض صحابته في أية لحظة ومن أي مكان ليقتلوه .. إنه ليتساءل .. ترى:

стр. 406

أين محمد أجل أين رسول الله ﷺ ؟ لقد (خرج رسول الله ﷺ في أصحابه [حتى بلغ واديًا يقال له: "ذفران" فخرج منه .. حتى إذا كان ببعضه نزل ..] وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم .. فاستشار النبي ﷺ الناس .. وأخبرهم عن قريش) (١). لكن كيف علم ﷺ بخروج قريش .. كيف عرف عددهم .. ولماذا يستشير أصحابه مرة أخرى وهم قد وافقوا على الخروج معه عندما كانوا في المدينة .. لنبدأ بالأمر الأول. كيف علم ﷺ بخروج قريش يقول أحد الصحابة المشاركين بتلك الأحداث وهو أنس بن مالك: (إن رسول الله ﷺ ندب أصحابه فانطلقوا إلى بدر .. فإذا هم بروايا قريش فيها عبد أسود لبني الحجاج .. فأخذه أصحاب رسول الله ﷺ فجعلوا يسألونه: أين أبو سفيان؟ فيقول: والله ما لي بشيء من أمره علم .. ولكن هذه قريش قد جاءت فيهم أبو جهل وعتبة بن شيبة ابنا ربيعة .. وأمية بن خلف .. فإذا قال لهم ذلك ضربوه .. فيقول: دعوني .. دعوني أخبركم .. فإذا تركوه قال: والله ما لي بأبي سفيان علم .. ولكن هذه قريش قد أقبلت ..

стр. 407

فيهم أبو جهل .. وعتبة وشيبة ابنا ربيعة .. وأمية بن خلف قد أقبلوا .. والنبي ﷺ يصلي -وهو يسمع ذلك- فلما انصرف (١) قال: "والذي نفسي بيده إنكم لتضربونه إذا صدقكم وتدعونه إذا كذبكم، هذه قريش قد أقبلت لتمنع أبا سفيان" (٢). هكذا علم رسول الله ﷺ بمقدم قريش وطواغيتها .. كان الأمر خطيرًا وعصيبًا جدًا .. ولا بد لنبي الله ﷺ من أن يعيد حساباته من جديد .. لا بد من معرفة حجم الخطر القادم وهل في الإمكان مواجهته أم أن في مواجهته تهورًا ولا بد من الانسحاب للحفاظ على صفوة الأمة ونواتها .. ما غاب ذلك عن رسول الله ﷺ ولم يغب .. حوار قصير بين رسول الله ﷺ وبين ذلك الغلام المشرك .. دون ضرب أو تعنيف أو إكراه .. دون سياط أو حبال .. ثم انتهى كل شيء. كيف عرف ﷺ عدد قريش يتحدث عن ذلك بطل آخر من أبطال الإِسلام وشبابه .. علي بن أبي طالب ﵁ حيث يقول: (كان النبي ﷺ يتخبر عن بدر .. فلما بلغنا أن المشركين قد أقبلوا سار الرسول ﷺ إلى بدر -وبدر بئر- فسبقنا المشركون إليها فوجدنا فيها رجلين منهم .. رجلًا من قريش .. ومولى لعقبة بن أبي معيط .. فأما القرشي فانفلت .. وأما مولى عقبة فأخذناه .. فجعلنا نقول له: كم القوم؟ فيقول: هم -والله- كثير عددهم .. شديد بأسهم.

стр. 408

فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه حتى انتهوا به إلى النبي ﷺ .. فقال له: كم القوم؟ فقال: هم -والله- كثير عددهم .. شديد بأسهم .. فجهد النبي ﷺ أن يخبره كم هم .. فأبى .. ثم إن النبي ﷺ سأله كم ينحرون من الجزور (١) .. فقال عشرًا كل يوم .. فقال رسول الله ﷺ : القوم ألف .. كل جزور لمائة) (٢). بذكائه توصل ﷺ إلى عدد قريش .. لكن كم كان: عدد الصحابة إذا كانت قريش ألفًا فإن ذلك الطفل الذي منعه الرسول ﷺ من الخروج لصغر سنه .. يحدثنا عن عدد المسلمين .. البراء بن عازب ﵁ يقول: (استصغرت أنا وابن عمر يوم بدرٍ وكنا -أصحاب محمَّد- نتحدث أن عدة أهل بدر ثلاثمائة وبضعة عشر .. كعدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر .. وما جاوز معه النهر إلا مؤمن) (٣) لقد كان امتحانًا صعبًا لطالوت ومن معه .. وها هو امتحان آخر لأصحاب رسول الله ﷺ ..

стр. 409

إنهم ثلاثمائة وبضعة عشر فقط .. وهؤلاء الثلاثمائة إذا نظرت إليهم باحثًا عن خيل يركبونها .. لم تجد سوى فرسين .. يقول علي ﵁: (ما كان معنا إلا فرسان .. فرس للزبير .. وفرس للمقداد بن الأسود) (١). ثلاثمائة ليس معهم إلا فَرَسَان .. فماذا عن البقية .. إنك لو نظرت مرة أخرى إليهم .. لنظرت إلى مشهد خلاب .. رغم الفقر والحفاء والعوز .. لن تجد أحدًا يسير على قدميه كل الطريق .. ولن تجد أحدًا يركب كل الطريق .. كانت قافلةً من القلوب والمشاعر قادها ﷺ إلى بدر .. عبد الله بن مسعود أحد تلك القلوب التي تخفق بالإيمان والإيثار والنظام يقول ﵁ وعنهم: (كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير .. كان أبو لبابة وعليذ زميلي رسول الله ﷺ .. فكانت إذا حانت (٢) عقبة رسول الله ﷺ يقولان له: نحن نمشي عنك .. فقال:

стр. 410

ما أنتما بأقوى مني .. ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما) (١). رسول الله ﷺ يقطع المسافات مشيًا رغم وجود من يبذل روحه فداءً لتلك الخطوات الشريفة .. لكن رسول الله ﷺ يعلم أصحابه .. ويطمع مثلهم بالأجر من عند الله .. يشفق على أصحابه ويرأف بهم .. ويحنو عليهم. لقد رق لمنظرهم وهم يتعاقبون .. ورق لحالهم وهم يتساقطون من التعب والجوع وطول السفر .. فاتجه إلى أرحم الراحمين يستمطره رحمة لهؤلاء المساكين .. ابتهل ... لهج بقلبه ولسانه وقال: (اللَّهم إنهم عراة فاكسهم .. اللَّهم إنهم جياع فأشبعهم) (٢). دعاء يقطر رحمةً وشفقة .. وحالة أصحابٍ يرثى لها .. وظرف صعب يفاجئ القافلة المؤمنة .. وعدو كشر عن أنيابه وسيوفه وحقده .. ومع ذلك كله لم تخف القلة المؤمنة ولم ترتجف .. لكن هناك من كره لقاء قريش بهذا الاستعداد الضعيف .. فما للقتال خرجوا .. وما لهذه الجموع احتسبوا .. لقد خرجوا يريدون مالًا لهم في قافلة .. فصاروا أمام جيش متأهب

стр. 411

لأخذهم .. لقد كرهوا ذلك خوفًا على دولتهم الفتية .. على رسولهم أن تناله أيدي المشركين ورماحهم .. لقد وصف الله سبحانه تلك المشاعر فقال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦)﴾ (١). يقول كعب بن مالك ﵁: (تخلفت عن غزوة بدر، ولم يعاتب الله أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله ﷺ يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد) (٢). لقد رأى ﷺ في وجوه الصحابة العزم والشجاعة .. ورأى في وجوه البعض الشجاعة والكراهية معًا .. وذلك لعدم الاستعداد وقلة العدد والعدة .. رأى خوفهم عليه وعلى دينهم ودولتهم .. فتوقف ﷺ لـ: المشورة الثانية (خرج رسول الله ﷺ في أصحابه [حتى بلغ واديًا يقال له "ذفران" فخرج منه حتى إذا كان ببعضه نزل،] وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار النبي ﷺ الناس وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر رضوان الله عليه فقال وأحسن .. ثم قام عمر ﵁ فقال فأحسن .. ثم قام المقداد بن عمرو، فقال: يا رسول الله .. امض إلى حيث أمرك الله فنحن معك والله لا نقول كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا

стр. 412

قَاعِدُونَ﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون .. [فوالذي بعثك بالحق لئن سرت بنا إلى برك الغماد (١) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه]) (٢) .. (لا نقول كما قال قوم موسى لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾ ولكن نقاتل عن يمينك .. وعن شمالك وبن يديك ... وخلفك .. قال ابن مسعود: فرأيت النبي ﷺ أشرق وجهه وسره) (٣). لقد تأثر ابن مسعود بما قاله المقداد وتمنى في تلك اللحظات لو كان هو صاحب تلك الكلمات .. ولم يستطع ابن مسعود أن يكتم ذلك في نفسه، لقد صرح به فيما بعد فقال: (شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا لأن أكون صاحبه أحب إليّ مما عُدل به) (٤) أما رسول الله ﷺ فبعد أن رأى تلك العواطف الجياشة تمتد أمامه .. وعن يمينه وعن شماله وتحميه من خلفه .. بعد أن رأى الفداء يظلله كالحب كالغمام .. صاح مرة أخرى بالفئة المؤمنة.

стр. 413

فتنبه أحد الأنصار لهذا النداء المتكرر .. وفهم مراد رسول الله ﷺ .. لقد تحدث أبو بكر وعمر وتحدث المقداد .. ومع ذلك كله ينتظر رسول الله ﷺ رأيًا آخر له في نفسه وزن لا يقل عن تلك الآراء السابقة .. كان ﷺ (يريد الأنصار .. وذلك أنهم كانوا عدد الناس .. وذلك أنهم حين بايعوه على العقبة قالوا: يا رسول الله .. إنا براء من ذمامك (١) حتى تصل إلى ديارنا .. فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمتنا .. نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا .. فكان رسول الله ﷺ يتخوف ألا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممّن دهمه (٢) بالمدينة من عدوه .. وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم. فلما قال ذلك رسول الله ﷺ قال له سعد بن معاذ: لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال ﷺ : أجل .. قال: فقد آمنا بك وصدقناك .. وشهدنا أن ما جئت به هو الحق .. وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة .. فامض يا رسول الله لما أردت .. فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك .. ما تخلف منا رجل واحد .. وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا .. إنا لصُبُر عند الحرب .. صُدُق عند اللقاء .. لعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك .. فسر بنا على بركة الله ... فسُرَّ رسول الله ﷺ بقول سعد .. ونشطه ذلك) (٣).

стр. 414

وجاءت البشرى من الله .. وأنزل الله كلامه وعدًا صادقًا لا يتأخر .. وأمنًا يملأ الأجواء والصدور .. فأزال بقايا الخوف .. وطهر به القلوب المؤمنة .. نزل جبريل بقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾. والشوكة هي جيش قريش .. وغير ذات الشوكة هي القافلة .. أخذ ﷺ تلك الآيات ونادى رفقة الدرب والإيمان وقال لهم: (سيروا على بركة الله وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين ... والله لكأني انظر الآن إلى مصارع القوم غدًا) (١). قال أحد الأنصار وهو أبو أيوب الأنصاري: (فلما وعدنا إحدى الطائفتين إما القوم وإما العير طابت أنفسنا) (٢) وطاب المسير إلى بدر (فانطلق رسول الله ﷺ وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر) (٣) ونزل المسلمون بالعدوة الدنيا .. أي بحافة الوادي من جهة المدينة (وجاء المشركون فقال

стр. 415

رسول الله ﷺ لا يتقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه) (١) وأقبل المشركون من هناك .. من الجهة الأخرى .. المسماة بالعدوة القصوى أي حافة الوادي البعيدة .. البعيدة عن المدينة جهة مكة .. وكان ذلك في: ١٦/ ٩/ ٢ ه ـ في السادس عشر من شهر رمضان بنى الصحابة لرسول الله ﷺ قبة .. هي أشبه بغرفة العمليات اليوم .. كان ﷺ يصلي فيها ويدعو ويوجه ويبشر .. وكان أبو بكر معه فيها .. يقول ابن عباس: (إن النبي ﷺ قال وهو في "قبة له" يوم بدر: اللَّهم إني أنشدك عهدك ووعدك .. اللَّهم "إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدًا .. " فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك .. حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك -وهو في الدرع- فخرج وهو يقول: سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) (٢). خرج ﷺ من القبة .. وخرج وراءه أبو بكر .. وخرجت معهما البشرى العظيمة: سيهزم الجمع ويولون الدبر .. وصار ﷺ يتمشى ويشير .. ثم يمشي ويشير .. وإذا أشار إلى موضع من الأرض تكلم .. ولهج بالبشرى للجميع. لقد كان يشير بيده ويتحدث إلى من معه وحيًا .. فإلى أي شيء كان يشير وعن أي شيء كان يتحدث:

стр. 416

مصارع القوم يقول عمر بن الخطاب ﵁: (إن رسول الله ﷺ ليخبرنا عن مصارع القوم بالأمس: هذا مصرع فلان إن شاء الله غدًا .. هذا مصرع فلان إن شاء الله غدًا) (١) .. يتحدث أنس بن مالك عن تلك المواقع فيقول: (قال رسول الله ﷺ : هذا مصرع فلان غدًا .. ووضع يده على الأرض .. وهذا مصرع فلان .. ووضع يده على الأرض .. وهذا مصرع فلان .. ووضع يده على الأرض) (٢). لقد ملأت هذه البشرى المؤمنين حماسًا ونشاطًا .. وأيقنوا بنصر يشرق عليهم مع صباح الغد إن شاء الله .. فقضوا يومهم ذلك همةً وحركةً .. يستعدون وينفذون أوامر قائدهم ﷺ .. ويدعون ربهم نصرًا طال انتظاره .. ويرجونه الظفر في هذه الحرب التي قبعت في طريقهم دون موعد .. حتى تنكسر شوكة الباطل وترتفع راية التوحيد وتتطاير فلول الشرك مع الرياح .. كان ذلك اليوم مليئًا بالدعاء والعمل والأحلام .. كان يومًا مرهقًا .. وكانت ليلة مقمرة .. ليلة فرش فيها القمر بساطًا للجميع .. لكن القمر افتقد أحبابه إلا رسول الله ﷺ فلقد خلدوا إلى نوم عميق بعد يوم شاق. كان العمل فيه مرهقًا .. يقول علي بن أبي طالب ﵁

стр. 417

عن تلك الليلة: (لقد رأيتنا ليلة بدر وما من أحد إلا وهو نائم إلا رسول الله ﷺ فإنه يصلي إلى شجرة ويدعو حتى أصبح) (١) لقد نام بعض الصحابة بعد أدائهم لصلاة العشاء ثم ناموا جميعًا .. لقد استيقظ علي فرآهم نائمين .. وها هم الواحد تلو الآخر يهبون من نومهم العميق بعد علي بن أبي طالب فما الذي أيقظ علي وأيقظهم .. هل هو القمر .. هل هي الليل القمراء التي يحلو معها الحديث والسمر .. ؟ لا .. فالقمر قد اختفى .. والتعب أشد من أن يقاوم لكنه: المطر .. المطر تآلف السحاب .. وحجب القمر .. وتساقط المطر قطرات .. قطرات .. ثم ازدادت القطرات شيئًا قليلًا حتى تنبه الصحابة .. فإذا المطر يغسلهم .. ويخاطبهم القرآن كالمطر: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ (٢) .. تحرك الصحابة يستظلون من المطر .. أما رسول الله ﷺ فلم يكن نائمًا ليستيقظ .. يقول علي ﵁: (ثم إنه أصابنا من الليل طش من مطر فانطلقنا تحت الشجر والحجف (٣) نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله ﷺ يدعو ربه ويقول:

стр. 418

اللَّهم إن تلك هذه الفئة لا تعبد فلما أن طلع الفجر نادى: الصلاة عباد الله - الصلاة جامعة - فجاء الناس من تحت الشجر والحجف فصلى بنا رسول الله ﷺ وحرض على القتال) (١) ثم احتضنت رسول الله ﷺ إغفاءة قصيرة رأى فيها: بشرى ومنام ربنا سبحانه يتحدث عن ذلك المنام القصير فيقول: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (٢) .. وأشرقت في وجوه الصحابة شمس جديدة .. ويوم جديد .. فتنفسوا هواءً منعشًا .. وصباحًا طريًا بالصلاة والمطر .. الأرض أمامهم ساكنة ملبدة لا غبار فيها .. والأجواء تملأ صدور المؤمنين حماسًا وثقة بالله ووعده .. ورسول الله ﷺ يحرضهم على القتال .. يشرع لهم أبواب الشهادة والجنة .. ويجعل من أصحابه أحبابًا لله فـ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ

стр. 419

يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (١) .. والرسول ﷺ يحب أن يكونوا كذلك .. لذلك نظمهم .. وجعلهم صفًا كأنهم بنيان مرصوص .. وصار يمشي بينهم .. يصفهم ويعدل صفهم ثم قال لهم: (إن جمع قريش عند هذا الضلع الحمراء من الجبل) (٢) .. لقد بدأ المشركون بالنهوض مثقلين .. وصداع الخمر يرن في رؤوسهم .. بدأوا بالنهوض وقلوبهم شتى .. وأفكارهم شاردة .. والنظام عنهم شارد .. بعضهم لا يريد الخروج .. والبعض يرى أن من الخطأ قتال أبناء عمومتهم وإخوانهم وأبنائهم .. وهناك من خرج أشرًا وبطرًا وقد أغراه قلة عدد المؤمنين فضمن النصر واطمأن للنتيجة .. و (لما اطمأن القوم بعثوا عمر بن وهب الجمحي فقالوا: أحرز لنا القوم من أصحاب محمَّد .. فاستجال حول العسكر ثم رجع إليهم فقال: ثلاثمائة رجل يزيدون قليلًا أو ينقصون .. ولكن أمهلوني حتى انظر أللقوم كمين أو مدد .. فضرب في الوادي حتى أبعد فلم يرَ شيئًا .. فرجع إليهم فقال: ما رأيت شيئًا .. ولكن قد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا .. نواضح يثرب تحمل الموت الناقع .. قوم ليس لهم منعة إلا سيوفهم والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجل منكم .. فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك فروا رأيكم) (٣).

стр. 420

سكت الجميع وهم يستمعون إلى هذا الوصف المرعب .. وتسلل من بين هذا الحشد الصامت رجلٌ حكيم .. اسمه أيضًا: حكيم .. حكيم بن حزام تأثر بكلام عمر بن وهب الجمحي وأحس بشيء خطير تحمله نواضح يثرب .. (فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس فأتى عتبة بن ربيعة فقال: يا أبا الوليد .. إنك كبير قريش الليلة وسيدها والمطاع فيها .. [هل لك أن تذهب بشرف هذا اليوم ما بقيت] (١). هل لك ألا تزال تذكر منها بخير إلى آخر الدهر .. قال: وماذا يا حكيم؟ قال: [إنكم لا تطلبون من محمَّد إلا دم ابن الحضرمي] (٢) ترجع بالناس وتحمل دم حليفك عمرو بن الحضرمي .. قال عتبة: قد فعلت [أنا أتحمل بديته] (٣) أنت علي بذلك إنما هو حليفي فعلي عقله وما أصيب من ماله .. فأتِ ابن الحنظلية [يعني أبا جهل فقل له: هل لك أن ترجع اليوم بمن معك عن ابن عمك] (٤) فإني لا أخشى أن يشجر أمر الناس غيره. ثم قام عتبة خطيبًا فقال:

стр. 421

يا معشر قريش إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدًا وأصحابه شيئًا .. والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر إلى وجه رجل يكره النظر إليه .. قتل ابن عمه أو ابن خاله .. أو رجلًا من عشيرته .. فارجعوا وخلوا بين محمَّد وبن سائر العرب .. فإن أصابوه فذلك الذي أردتم .. وإن كان ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون) (١). كان عتبة بعيد النظر .. خائفا من مصير قومه الأسود الذي يقودهم إليه رجل طائش حاقد هو أبو جهل .. كانت عتبة على جمله الأحمر يدور بين المشركين .. يحاول ثنيهم عن عزمهم فهو يرى الموت سهامًا في نظرات أصحاب محمَّد ﷺ .. ويرى العار في قتل أبناء العم وقتالهم .. كان عتبة على تلك الحال يناشد ويمشي ويناشد ويحاول حقن دماءٍ توشك أن تُسفح على جنبات بدر .. يحاول ردم مقابر ومآسٍ كالهاوية .. لا بد أن أمية بن خلف كان في تلك اللحظات يستمع إليه .. ويستبشر به ويحتفي بكلماته وقلبه يرقص طربًا بما يقول .. ولسان حاله يقول: لله درك يا ابن عتبة كم أنت رائع .. أنت تنقذني من موت ينتظرني .. لم يكن من حول عتبة فقط هم الذين يثنون على رأيه .. رسول الله ﷺ كان يراقبه من بعيد .. من الجهة الأخرى كان ينظر إليه .. لم يعرف من هو .. لكنه أدرك من حركاته أنها حركات رجلٍ نصوح مشفق على قومه. (نظر رسول الله ﷺ إلى عتبة وهو على جمل أحمر فقال:

стр. 422

إن يكن عند أحد من القوم خير فهو عند صاحب الجمل الأحمر .. إن يطيعوه يرشدوا -وهو يقول: يا قوم أطيعوني في هؤلاء القوم، فإنكم إن فعلتم لم يزل ذلك في قلوبكم .. ينظر كل رجل إلى قاتل أخيه وقاتل أبيه .. فاجعلوا جبنها برأسي وارجعوا) (١). كان عتبة يريد أن يتحمل عارها وشنارها .. ويجنب قومه جحيم الحرب ونارها .. أراد ﷺ أن يعرف من هو صاحب الجمل الأحمر (فقال النبي ﷺ للزبير: ناد بعض أصحابك فسله من صاحب الجمل الأحمر؟ قالوا: عتبة ابن ربيعة وهو ينهى عن القتال وهو يقول: يا قوم إني أرى قومًا مستميتين، والله ما أظن أن تصلوا إليهم حتى تهلكوا) (٢). والتفت ﷺ فرأى عمه حمزة في موقع قريب من المشركين فأراد أن يتحقق من قول أصحاب الزبير ويتأكد: (فقال رسول الله ﷺ : يا علي .. ناد لي حمزة -وكان أقربهم من المشركين- منْ صاحب الجمل الأحمر؟ .. وماذا يقول لهم؟

стр. 423

فجاء حمزة فقال: هو عتبة بن ربيعة وهو ينهى عن القتال ويقول لهم: يا قوم إني أرى قومًا مستميتين لا تصلون إليهم وفيكم خير، يا قوم، اعصبوها اليوم برأسي وقولوا: جبن عتبة بن ربيعة، وقد علمتم أني لست بأجبنكم) (١) .. كان عتبة فوق جمله الأحمر يثير إعجاب النبي ﷺ برأيه السديد .. لكنه كان يثير حسرة لدى أحد الشباب المؤمنين خلف رسول الله ﷺ .. كأني بهذا الشاب يتطاول .. ويتطاول ليحظى بنظرة أخيرة لصاحب هذا الجمل الأحمر .. كأني به يرفع رأسه ليراه فيتحرك قلبه نحوه بالأسى والحزن .. والذكريات الحلوة المريرة .. عندما كان هذا الشاب طفلًا كان صاحب الجمل الأحمر يحمله ويداعبه .. كان يسير معه في طرقات مكة .. كان يكسوه أحسن الثياب .. ويطعمه أطيب الطعام .. كم مرة قبله .. وكم مرة عانقه .. وكم مرة تعثر فحمله .. وبكى فأسكته بما يرضيه .. ومرض فبحث له عمن يداويه .. ذكريات حلوة ومريرة .. فمن يكون هذا الشاب وما هي صلته بهذا الشيخ الكبير؟ إنه: أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة .. وهذا الشيخ هو أبوه الذي رباه ورعاه وحنا عليه .. وهو اليوم عدوه .. والده اليوم أعقل وأحكم من في معسكر قريش .. فأين تلك الحكمة وأين هذا العقل قبل اليوم .. أين الحكمة في الخروج من أجل أصنام لا تستطيع الحراك من أماكنها .. أين الحكمة في عبادة حجر أو خشبة تفتقر إلى أبسط صفات السيادة ألا وهي إصدار الأمر أو النهي .. ؟

стр. 424

كان هذا الشاب يتحسر على أبيه مثلما تحسر علي بن أبي طالب على أبيه وهو يشاهد رجاءات النبي ﷺ تتحطم على صخرة العناد في قلب أبي طالب .. ويموت أبو طالب وهو كتلة من العناد .. وها هي الصورة تتكرر على أرض بدر .. كان عتبة خائفًا أشد الخوف على مسجد قريش أن يدفن في هذا الصباح الممطر الجميل .. عتبة يرى الموت يطل عليهم من فوق الجبال .. يرى الموت في السحاب وفوق نواضح يثرب .. لذلك أرسل حكيم بن حزام إلى أبي جهل لعله يتراجع عن غيه .. أرسل حكيم بن حزام إلى أبي جهل ليعرف رأيه فهو صاحب شر مستطير .. وعقل صغير .. أبو جهل سفيه متهور .. قد يثير الفتنة والمشاكل بين جيش قريش نفسه .. فيكونون غنيمة سهلةً لمحمد وأصحابه .. غنيمة أسهل من قافلة أبي سفيان .. فلا بد من كلمة واحدة .. ورأي واحد ولو كان مرًا. توجه حكيم كما طلب منه عتبة وقال: (فانطلقت حتى جئت أبا جهل فوجدته قد نثل درعًا فهو يهنئها (١) فقلت له: يا أبا الحكم إن عتبة أرسلني إليك بكذا وكذا .. فقال: انتفخ والله سحره حين رأى محمدًا وأصحابه، فلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبن محمَّد، وما بعتبة ما قال، ولكنه رأى محمدًا وأصحابه أكلة جزور وفيهم ابنه فقد تخوفكم عليه) (٢).

стр. 425

كان أبو جهل يستخدم العواطف .. يثيرها .. يفجرها فتنةً يفجرها ثارات وسيوفًا .. ها هو يقلب الحقائق .. يجعل من رأي عتبة العاقل جبنًا .. يجعله خوفًا على ابنه الذي بين صفوف المؤمنين .. ويبرر هذا الرأي الساقط بأن عتبة يرى أن محمدًا ﷺ وأصحابه لا يأخذون من المشركين جهدًا أكثر من جهدهم في تناول وجبة من الطعام قد طبخ فيها جمل من الجمال .. إنه يرى المسلمين جزورًا شهيًا قد قدم على مائدة بدر وقد حان موعد تناولها .. وابن عتبة لقمة في هذه الوجبة الشهية .. وقد خشي عتبة على ابنه من أفواه قريش وسيوفهم المتلمظة .. المتعطشة .. أبو جهل يقول: (انتفخ والله سحره حين رأى محمدًا وأصحابه .. إنما محمَّد وأصحابه كأكلة جزور .. لو قد التقينا) (١) .. ويفقد أمية بن خلف آخر آماله في الحياة .. فلقد تحرك ابن الحنظلية مفتشًا عن إثارة أكثر لهذه القلوب السوداء .. مفتشًا عن جمر يلقيه في تلك النفوس كي تتحرق للثأر. فـ (بعث إلى عامر بن الحضرمي .. فقال: هذا حليفك يريد أن يرجع الناس .. وقد رأيت ثأرك بعينك فقم فأنشد خفرتك ومقتل أخيك .. فقام عامر بن الحضرمي فاكتشف ثم صرخ: واعمراه .. واعمراه ..
следующие страницы →