← Сира

Сира · id 123668

السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة

محمد الصوياني

Полный текст (1 354 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

يا معشر قريش إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدًا وأصحابه شيئًا .. والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر إلى وجه رجل يكره النظر إليه .. قتل ابن عمه أو ابن خاله .. أو رجلًا من عشيرته .. فارجعوا وخلوا بين محمَّد وبن سائر العرب .. فإن أصابوه فذلك الذي أردتم .. وإن كان ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون) (١). كان عتبة بعيد النظر .. خائفا من مصير قومه الأسود الذي يقودهم إليه رجل طائش حاقد هو أبو جهل .. كانت عتبة على جمله الأحمر يدور بين المشركين .. يحاول ثنيهم عن عزمهم فهو يرى الموت سهامًا في نظرات أصحاب محمَّد ﷺ .. ويرى العار في قتل أبناء العم وقتالهم .. كان عتبة على تلك الحال يناشد ويمشي ويناشد ويحاول حقن دماءٍ توشك أن تُسفح على جنبات بدر .. يحاول ردم مقابر ومآسٍ كالهاوية .. لا بد أن أمية بن خلف كان في تلك اللحظات يستمع إليه .. ويستبشر به ويحتفي بكلماته وقلبه يرقص طربًا بما يقول .. ولسان حاله يقول: لله درك يا ابن عتبة كم أنت رائع .. أنت تنقذني من موت ينتظرني .. لم يكن من حول عتبة فقط هم الذين يثنون على رأيه .. رسول الله ﷺ كان يراقبه من بعيد .. من الجهة الأخرى كان ينظر إليه .. لم يعرف من هو .. لكنه أدرك من حركاته أنها حركات رجلٍ نصوح مشفق على قومه. (نظر رسول الله ﷺ إلى عتبة وهو على جمل أحمر فقال:

стр. 422

إن يكن عند أحد من القوم خير فهو عند صاحب الجمل الأحمر .. إن يطيعوه يرشدوا -وهو يقول: يا قوم أطيعوني في هؤلاء القوم، فإنكم إن فعلتم لم يزل ذلك في قلوبكم .. ينظر كل رجل إلى قاتل أخيه وقاتل أبيه .. فاجعلوا جبنها برأسي وارجعوا) (١). كان عتبة يريد أن يتحمل عارها وشنارها .. ويجنب قومه جحيم الحرب ونارها .. أراد ﷺ أن يعرف من هو صاحب الجمل الأحمر (فقال النبي ﷺ للزبير: ناد بعض أصحابك فسله من صاحب الجمل الأحمر؟ قالوا: عتبة ابن ربيعة وهو ينهى عن القتال وهو يقول: يا قوم إني أرى قومًا مستميتين، والله ما أظن أن تصلوا إليهم حتى تهلكوا) (٢). والتفت ﷺ فرأى عمه حمزة في موقع قريب من المشركين فأراد أن يتحقق من قول أصحاب الزبير ويتأكد: (فقال رسول الله ﷺ : يا علي .. ناد لي حمزة -وكان أقربهم من المشركين- منْ صاحب الجمل الأحمر؟ .. وماذا يقول لهم؟

стр. 423

فجاء حمزة فقال: هو عتبة بن ربيعة وهو ينهى عن القتال ويقول لهم: يا قوم إني أرى قومًا مستميتين لا تصلون إليهم وفيكم خير، يا قوم، اعصبوها اليوم برأسي وقولوا: جبن عتبة بن ربيعة، وقد علمتم أني لست بأجبنكم) (١) .. كان عتبة فوق جمله الأحمر يثير إعجاب النبي ﷺ برأيه السديد .. لكنه كان يثير حسرة لدى أحد الشباب المؤمنين خلف رسول الله ﷺ .. كأني بهذا الشاب يتطاول .. ويتطاول ليحظى بنظرة أخيرة لصاحب هذا الجمل الأحمر .. كأني به يرفع رأسه ليراه فيتحرك قلبه نحوه بالأسى والحزن .. والذكريات الحلوة المريرة .. عندما كان هذا الشاب طفلًا كان صاحب الجمل الأحمر يحمله ويداعبه .. كان يسير معه في طرقات مكة .. كان يكسوه أحسن الثياب .. ويطعمه أطيب الطعام .. كم مرة قبله .. وكم مرة عانقه .. وكم مرة تعثر فحمله .. وبكى فأسكته بما يرضيه .. ومرض فبحث له عمن يداويه .. ذكريات حلوة ومريرة .. فمن يكون هذا الشاب وما هي صلته بهذا الشيخ الكبير؟ إنه: أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة .. وهذا الشيخ هو أبوه الذي رباه ورعاه وحنا عليه .. وهو اليوم عدوه .. والده اليوم أعقل وأحكم من في معسكر قريش .. فأين تلك الحكمة وأين هذا العقل قبل اليوم .. أين الحكمة في الخروج من أجل أصنام لا تستطيع الحراك من أماكنها .. أين الحكمة في عبادة حجر أو خشبة تفتقر إلى أبسط صفات السيادة ألا وهي إصدار الأمر أو النهي .. ؟

стр. 424

كان هذا الشاب يتحسر على أبيه مثلما تحسر علي بن أبي طالب على أبيه وهو يشاهد رجاءات النبي ﷺ تتحطم على صخرة العناد في قلب أبي طالب .. ويموت أبو طالب وهو كتلة من العناد .. وها هي الصورة تتكرر على أرض بدر .. كان عتبة خائفًا أشد الخوف على مسجد قريش أن يدفن في هذا الصباح الممطر الجميل .. عتبة يرى الموت يطل عليهم من فوق الجبال .. يرى الموت في السحاب وفوق نواضح يثرب .. لذلك أرسل حكيم بن حزام إلى أبي جهل لعله يتراجع عن غيه .. أرسل حكيم بن حزام إلى أبي جهل ليعرف رأيه فهو صاحب شر مستطير .. وعقل صغير .. أبو جهل سفيه متهور .. قد يثير الفتنة والمشاكل بين جيش قريش نفسه .. فيكونون غنيمة سهلةً لمحمد وأصحابه .. غنيمة أسهل من قافلة أبي سفيان .. فلا بد من كلمة واحدة .. ورأي واحد ولو كان مرًا. توجه حكيم كما طلب منه عتبة وقال: (فانطلقت حتى جئت أبا جهل فوجدته قد نثل درعًا فهو يهنئها (١) فقلت له: يا أبا الحكم إن عتبة أرسلني إليك بكذا وكذا .. فقال: انتفخ والله سحره حين رأى محمدًا وأصحابه، فلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبن محمَّد، وما بعتبة ما قال، ولكنه رأى محمدًا وأصحابه أكلة جزور وفيهم ابنه فقد تخوفكم عليه) (٢).

стр. 425

كان أبو جهل يستخدم العواطف .. يثيرها .. يفجرها فتنةً يفجرها ثارات وسيوفًا .. ها هو يقلب الحقائق .. يجعل من رأي عتبة العاقل جبنًا .. يجعله خوفًا على ابنه الذي بين صفوف المؤمنين .. ويبرر هذا الرأي الساقط بأن عتبة يرى أن محمدًا ﷺ وأصحابه لا يأخذون من المشركين جهدًا أكثر من جهدهم في تناول وجبة من الطعام قد طبخ فيها جمل من الجمال .. إنه يرى المسلمين جزورًا شهيًا قد قدم على مائدة بدر وقد حان موعد تناولها .. وابن عتبة لقمة في هذه الوجبة الشهية .. وقد خشي عتبة على ابنه من أفواه قريش وسيوفهم المتلمظة .. المتعطشة .. أبو جهل يقول: (انتفخ والله سحره حين رأى محمدًا وأصحابه .. إنما محمَّد وأصحابه كأكلة جزور .. لو قد التقينا) (١) .. ويفقد أمية بن خلف آخر آماله في الحياة .. فلقد تحرك ابن الحنظلية مفتشًا عن إثارة أكثر لهذه القلوب السوداء .. مفتشًا عن جمر يلقيه في تلك النفوس كي تتحرق للثأر. فـ (بعث إلى عامر بن الحضرمي .. فقال: هذا حليفك يريد أن يرجع الناس .. وقد رأيت ثأرك بعينك فقم فأنشد خفرتك ومقتل أخيك .. فقام عامر بن الحضرمي فاكتشف ثم صرخ: واعمراه .. واعمراه ..

стр. 426

فحميت الحرب وحقب أمر الناس واستوثقوا على ما هم عليه من الشر، وأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة، فلما بلغ عتبة قول أبي جهل: انتفخ والله سحره قال: سيعلم مصفر أسته من انتفخ سحره أنا أم هو) (١) .. لم يكتف أبو جهل ببلوغ صراخه إلى عتبة .. لقد تحرك الطاغوت نحو عتبة بن ربيعة لاستفزازه .. ليوظفه باتجاهٍ شقهُ أبو جهلٍ .. ليحوله من نقطة ضعف وسكينة إلى بركان تتفجر منه المعركة حالًا ... توجه أبو جهل إلى عتبة صارخًا بوجهه: (أنت تقول ذلك، والله لو غيرك يقوله لأعضضته قد ملأت رئتك جوفك رعبًا) (٢) فثار عتبة وانفجر في وجه أبي جهل قائلًا: (إياي تعير يا مصفر أسته؟ ستعلم اليوم أينا الجبان) (٣) (ثم التمس عتبة بيضة ليدخلها في رأسه، فما وجد في الجيش بيضة (٤) تسعه من عظم رأسه .. فلما رأى ذلك اعتجر (٥) على رأسه بردٍ له) (٦). لقد نجح أبو جهل بتحريضه لغضب عتبة فأوصله إلى حالة شديدة من التوتر والتهور .. وأفلح الطاغوت في إثارة حمية أخيه وابنه (فبرز عتبة وأخوه شيبة وابنه الوليد حمية) (٧) يريدون الحرب ..

стр. 427

سمع المسلمون ذلك الضجيج فتزينوا للجنة .. وتوجه النبي ﷺ .. إلى جبار السموات والأرض يناشده .. ويناشده ويستمطره رحمةً ونصرًا .. فنظر إليه الصديق فرق لحاله وأشفق عليه .. ثم تحرك نحوه بكل رفق والتف حوله وضمه ضمةً لا يجرؤ عليها إلا أبو بكر .. ومشاعر أبي بكر لا يعبر عنها إلا أبو بكر .. فكم أبكى ذلك المشهد من الصحابة عندما (نظر رسول الله ﷺ إلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف .. ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي ﷺ القبلة وعليه رداؤه وإزاره ثم قال: اللَّهم أنجز لي ما وعدتني .. اللَّهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإِسلام فلا تعبد في الأرض أبدًا .. فما زال يستغيث بربه ويدعوه حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فرده -ألقاه على منكبيه (١) - ثم التزمه من ورائه ثم قال: كفاك يا نبي الله بأبي وأمي (٢) مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك .. فأنزل الله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾) (٣).

стр. 428

لقد فعل ﷺ كلما يمكنه فعله .. فعل الأسباب كلها ثم توجه إلى الله يناشده ويدعوه .. هذا هو التوكل الصحيح الذي رسمه لأتباعه: فعل السبب .. وجعل النتائج على الله فعل ﷺ ذلك كله وما زال يفعل فبعد أن: شاور المهاجرين والأنصار قبل الانطلاق. ثم قطع الأجراس من أعناق الإبل إمعانًا في السرية. ورفض أن ينتظر أي شخص لم يكن جاهزًا وأبقى هدف السير سرًا عند انطلاقه. ورفض أن يصحبه أي مشرك حتى ولو كان صادقًا ذا حمية وشهامة. وسمح للقادرين على القتال فقط بمصاحبته. وأمرهم بالتعاقب على الرواحل حتى يهون عليهم المسير قليلًا وهو ليس بهين .. واستطاع أن يعرف عدد الخارجين للقتال من قريش. واستشار أصحابه في المضي أو العودة فوافقوا على المضي. وبعد أن سبق ﷺ المشركين إلى العدوة الدنيا حيث الماء الآبار .. ثم بنى المسلمون لهم حوضًا يشربون منه أثناء المعركة. بعد ذلك كله توجه إلى الله يناشده ويدعوه. يقول علي ﵁: (إن رسول الله ﷺ لما أصبح ببدر من الغد أحيى تلك الليلة كلها وهو مسافر) (١) .. والسفر إرهاق ومشقة .. ومع ذلك يقول علي ﵁:

стр. 429

(لقد رأيتنا ليلة بدر وما منا أحد إلا وهو نائم إلا رسول الله ﷺ فإنه يصلي إلى شجرة ويدعو حتى أصبح) (١) .. عمل ودعاء .. هذا هو منهج نبي الله ﷺ وهذا هو توكله على الله .. وبعد الدعاء بدأ العمل من جديد .. فالصحابة قليلون ولا بد من خطة محكمة وتطبيق صارم كالسيف .. فالخطأ يكلف كثيرًا وعدم تنفيذ الأوامر كارثة .. فالمعركة تحتاج إلى كل الجهود .. تحتاج للجميع دون استثناء .. وفي أمسّ الحاجة تلك .. وفي أحرج الظروف وأصعبها يصل صحابي ووالده للمشاركة مع نبيهم ﷺ ومع ذلك يرفض ﷺ مشاركتهما رغم صدقهما وإخلاصهما وتحملهما المشاق في السير نحوه .. ذلك الصحابي هو حذيفة بن اليمان. لماذا يرفض ﷺ مشاركة حذيفة ووالده سؤال بحجم المعركة .. والاجابة بحجم محمَّد ﷺ .. ليس هناك أزمة ثقة بحذيفة .. بل إن حذيفة فوق الشبهات .. كيف لا وقد سلمه الرسول ﷺ يومًا قائمة سرية بالأسماء والأحداث التي سيفصح عنها التاريخ .. ؟ سلمها ﷺ لأمانة حذيفة وأعماقه .. الأمر هنا لا يتعلق بالثقة .. الأمر يتعلق بالرسول ﷺ وبالقادة الإسلاميين والدعاة من بعده ..

стр. 430

حذيفة مر من هناك .. هناك حيث صادفه المشركون هو ووالده حسيل .. سألنا حذيفة عن أمر يستطيع إخبارنا به .. إنه ليس سرًا .. ما الذي منعك يا حذيفة من المشاركة في غزوة بدر .. فيجيب حذيفة ﵁ قائلًا: (ما منعني أن أشهد بدرًا إلا أنني خرجت أنا وأبي حسيل، فأخذنا كفار قريش، فقالوا: إنكم تريدون محمدًا، فقلنا: ما نريد إلا المدينة، فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرف إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله ﷺ فأخبرناه الخبر، فقال: انصرفا .. نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم) (١) إنها إجابة بحجم محمَّد ﷺ .. والتزام أعيى من يهتبلون ثمارًا ناضجة وغير ناضجة .. أعيى زعماء ودعاة ذوي نظرة آنية لا يرون إلا ما في رؤوسهم .. (نفي لهم بعهدهم) (٢) وهم المشركون الذين يعبدون الأصنام ويحاربون الله ورسوله وقد خرجوا لطمس التوحيد وسفك دماء الموحدين .. خرجوا لذبح نبي الإِسلام وتدمير دولته ومع ذلك (نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم) (٣) .. وإذا كان هذا هو حجم الاحترام للعلاقة - العهد مع الأعداء .. فكم هو حجمه بين المسلم وأخيه .. سؤال عرف الإجابة عليه حذيفة ووالده فانصرفا ..

стр. 431

ودع النبي ﷺ صاحبيه فانصرفا وهما ثقيلان لا يطيقان ذلك الوداع. تَوَجَّها والحزن إلى المدينة .. وتوجه ﷺ إلى صحابته بعد هذا الدرس الذي تغلغل في أعماقهم وسرى في دمائهم .. وعاد ﷺ إلى العمل من جديد .. فجعل ﷺ لجيشه رايةً ولواءً .. والراية هي علم الجيش .. واللواء أصغر منها و (كانت رايته ﷺ سوداء ولواؤه أبيض) (١) .. ورايته (كانت سوداء مربعة من نمرة (٢)) (٣). وتحت هذه الراية نظم ﷺ أصحابه صفوفًا أو صفًا .. لأن الله يحب ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (٤) .. متماسك وقوي ولذلك فإن رسول الله ﷺ لما رأى خللًا في الصف سارع إلى تقويمه .. يحدثنا أبو أيوب الأنصاري عن ذلك فيقول: (صففنا يوم بدر فندرت منا نادرة أمام الصف، فنظر رسول الله ﷺ إليهم فقال: معي .. معي) (٥) .. وجعل جزءًا منهم خلف الصفوف وفي أماكن مناسبة تمكنهم من مراقبة تحركات الأعداء .. وتقديم المعلومات

стр. 432

لرسول الله ﷺ .. وكان من بين هؤلاء ذلك الغلام الذي يدعى: حارثة بن سراقة وهو أنصاري من بني النجار .. وقد أدرك ﷺ أن هذه القلة المؤمنة تحتاج إلى شعار يعرف بعضهم بعضًا به إذا حمي الوطيس والتحمت السيوف بالأعناق والرؤوس فكان: الصوف الأبيض شعارًا للمسلمين قال علي بن أبي طالب ﵁: (كان سِيْمَا أصحاب رسول الله ﷺ يوم بدر: الصوف الأبيض) (١). وقد كان لبعض الصحابة علامات يعرفون بها .. فحمزة مثلًا (معلم بريشة نعامة في صدره) (٢) .. كان أسدًا عليه ريش النعام .. أما الزبير فعلامته يحدثنا بنفسه عنها فيقول: (كان على الزبير يوم بدر عمامة صفراء معتجرًا بها) (٣).

стр. 433

ولهذه العمامة الصفراء أصداء في السماء تنتظر النزول سنعرفها بعد قليل .. وسنعرف معها علامتين لا يراهما أحد .. علامة لأبي بكر وعلامة لعلي ﵃ أجمعين ولكن قبل ذلك كان هناك علامة للجميع .. علامة في العيون والنفوس علامة غشيت المؤمنين كلهم إنها: النعاس وشيء آخر يقول : ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ (١) .. لقد ألقى الله النعاس على المؤمنين أمنًا منه وسلامًا وثقة بنصر الله ... وبث في نفوسهم شيئًا جعلهم يتحفزون للقتال (لقد شجع الله المسلمين على لقاء عدوهم وقللهم في أعينهم حتى طمعوا فيهم) (٢) .. كان الصحابة مزيجًا من التحفز والنعاس الغريب .. وكان الوحي يتنزل على الملائكة أن يهبطوا إلى أرض المعركة لتثبيت المؤمنين حيث يقول سبحانه: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ (٣). لكن أين الملائكة .. بل أين رسول الله ﷺ في هذه اللحظات الحرجة التي بدأت فيها أصوات المشركين بالارتفاع والشجار من أجل المعركة ..

стр. 434

أين رسول الله فهو ليس بين الصفوف .. وليس مع النظار وليس عند الحوض .. ؟ أين رسول الله وأين الملائكة لقد ذهب قبل قليل إلى العريش .. وتبعه أبو بكر .. إنه الآن داخل العريش وهو يعاني حالة من النعاس ورأسه يخفق .. ها هو لقد أفاق من نعاسه .. وخرج والبشرى تحمله ويحملها .. إنه ييشر صاحبه أبا بكر بشيء مفرح فما هو .. ؟! يقول أحد الصحابة: (خفق (١) رسول الله ﷺ خفقة في العريش ثم انتبه فقال: أبشر يا أبا بكر، هذا جبريل معتجر بعمامته آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النقع، أتاك نصر الله وعدته) (٢). (هذا جبريل آخذ رأس فرسه عليه أداة الحرب) (٣) .. هبط جبريل مُعتمًّا .. ما لون عمامته .. وهل هبط لوحده .. ؟ سنعرف بعد قليل .. فرسول الله ﷺ يتجه مبشرًا أصحابه بما حدث .. محرضًا شجاعتهم للتضحية بأرواحهم في سبيل الله .. إنه يحدثهم .. يوقظ فرحهم بالجنة والشهادة .. لقد (خرج ﷺ إلى الناس فحرضهم) (٤) وعندما يحرض رسول الله ﷺ لا يقول إلا حقًا .. وإذا قال .. تحرك الجميع من حوله .. يقول ﷺ

стр. 435

وهو يتحدث عن الصفوف: (قيام ساعة في الصف للقتال في سبيل الله خير من قيام ستين سنة) (١) و (الشهداء الذين يقاتلون في سبيل الله في الصف الأول، ولا يلتفتون بوجوههم حتى يقتلوا، فأولئك يلقون في الغرف العلا من الجنة يضحك إليهم ربك، إن الله تعالى إذا ضحك إلى عبده المؤمن فلا حساب عليه) (٢) .. ويقول ﷺ : (موقف ساعة في سبيل الله خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود) (٣) وإن (للشهيد عند الله سبع خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى حلة الإيمان, ويزوج اثنين وسبعين زوجة من الحور العين، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويشفع في سبعين من أهل بيته) (٤). إن من يسمع ذلك وغيره ليهون أمامه الموت والفناء .. بل إن الموت يهون ويسهل للشهيد حقًا .. فالموت يداعب الشهداء مداعبةً .. بشر بذلك رسول الله ﷺ فقال: (الشهيد لا يجد ألم القتل إلا كما يجد أحدكم مس القرصة) (٥). إن من يستمع إلى هذه الأحاديث وهو على سريره سيبحث عن أي معركة يكون فيها شهيدًا .. فكيف لو سمعها رجل يحمل سلاحه وسط الصفوف .. لقد ثارت المعارك في نفوس الصحابة .. واستعر لهيبها في دمائهم .. فقال ﷺ لهم قولًا ينظم حماسهم وتوثبهم .. ويسدد رميهم وسيوفهم قولًا يفتك بأعدائهم ..

стр. 436

ماذا قال لكم يا أبا أسيد الساعدي فقد كنت بين الصفوف .. ؟ يقول أبو أسيد: قال رسول الله ﷺ حين اصطففنا يوم بدرٍ: إذا أكثبوكم يعني إذا غشوكم فارموهم بالنبل واستبقوا نبلكم) (١). يكاد الصبر يفتك بالصف المؤمن .. وكان الصف كالبنيان المرصوص .. إلا لبنة قويةً كانت تتململ .. إنه عبد الرحمن بن عوف فماذا جرى له .. ولماذا يشعر بالإحراج وكأنه يريد أن يغير مكانه .. عبد الرحمن ابن عوف يتمنى مكانًا آخر أيتمنى ابن عوف أنه كان في بيته حتى لا يقاتل عشيرته وأبناء عمومته .. أم هو خائف .. ؟ الأمر ليس كذلك فليست هذه طباع عبد الرحمن بن عوف .. لكن القدر ساقه ليكون بين غلامين صغيرين في الصف .. كان ينظر يمينًا فيرى غلامًا وينظر عن يساره فيرى مثل ذلك .. ماذا سيفعل ابن عوف؟ لم يمهله الغلامان لقد بادراه بالهمس .. كان همسًا غريبًا .. كان كل واحد منهما لا يريد أن يُسمع صاحبه ما يقول .. ما هي قصة هذين الغلامين .. سألنا عبد الرحمن بن عوف عما جرى له مع هذين الغلامين فقال: (إني لواقف يوم بدر في الصف، فنظرت عن يميى وشمالي، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، فتمنيت أن أكون بين أظلع منهما، فغمزني أحدهما [سرًا من صاحبه] فقال: يا عم أتعرف أبا جهل؟ فقلت: نعم، وما حاجتك إليه؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ ، [عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه] والذي نفسي بيده لئن رأيته لا

стр. 437

يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر فقال لي أيضًا [سرًا من صاحبه] مثلها، [فما سرني أنني بين رجلين مكانهما] فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل وهو يجول في الناس، فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكم الذي تسألان عنه) (١) .. سلَّ كل فتىً سيفه ليسبق صاحبه إليه .. لكننا سنسبق الفتيان إلى أبي جهل لنرى ماذا يفعل .. إنه يحرض الناس على القتال .. بل إنه يفعل أمرًا عظيمًا طالما كفر به .. إنه يدعو الله وحده إنه لا يدعو الأصنام .. لماذا هل أسلم أبو جهل هل أسلم في اللحظات الآخرة .. يقول أحد الصحابة ﵃ .. (إن أبا جهل قال حين التقى القوم: اللَّهم [أينا كان] أقطعنا للرحم، وأتانا بما لا نعرفه فاحنه الغداة، فكان المستفتح) (٢). لم يسلم أبو جهل كان يريد استدراج قومه أكثر فأكثر للقتال .. لا يريد أن تقع كارثة .. فزعامته لقريش مرهونة بهذه المعركة وببقاء رسول الله ﷺ حيًا .. كأني بأمية بن خلف يستمع إلى دعائه فيقول: لعنة الله عليك من أفاك .. وقد أنزل الله على نبيه آيات تبشر أبا جهل بما أراد فقال سبحانه: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ

стр. 438

تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) .. وأبو جهل ليس منهم .. إنه يحاول أن يكرس وهمًا في نفوس أتباعه بأنهم على حق .. لم يكتف أبو جهل بالاستفتاح والاستنصار من الله .. لقد هرع إلى عتبة بن ربيعة ليسخر منه أمام الجميع .. وليجعله أضحوكة وعبرة لمن يفكر بالتراجع عن الحرب مجرد تفكير .. وقف أبو جهل أمام عتبة (فقال: أنت تقول ذلك .. والله لو غيرك يقول لأعضضته، قد ملأت رئتك جوفك رعبًا) (٢) .. غضب عتبة من تلك الكلمات الجارحة ونجح أبو جهل في إثارته فأخذته العزة بالإثم .. التفت إلى أبي جهل وقد احتقن من الغضب فقال له شيئًا يمرغ رجولته وزعامته .. قال عتبة لأبي جهل: (إياي تعني يا مصفر أسته، ستعلم اليوم أينا الجبان) (٣) (ستعلم من الجبان المفسد لقومه، أما والله إني لأرى قومًا يضربونكم ضربًا .. أما ترون .. كأن رؤوسهم الأفاعي، وكأن وجوههم السيوف) (٤). تجمد الدم في عروق أمية .. وأدرك أبو جهل أن حمزة في الطريق .. وتهاوت معنويات الوثنيين .. لكن عتبة أصر على الخروج ليغسل عار الجبن الذي سكبه عليه أبو جهل .. ثم صاح بعد أن لف قطعة قماش على رأسه .. : يا شيبة بن ربيعة ... يا وليد بن عتبة .. لقد (دعا أخاه وابنه فخرج يمشي بينهما) (٥) (فقالوا: من يبارز؟ فخرج فتية من الأنصار

стр. 439

مشببة) (١) (ثلاثة نفر .. : عوف ومعوذ ابنا الحارث وأمهما عفراء، ورجل آخر يقال له عبد الله بن رواحة .. فقال: من أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار .. فقالوا: ما لنا بكم حاجة، ثم نادى مناديهم: يا محمَّد أَخْرِجْ إلينا أكفاءنا من قومنا) (٢) و (قال عتبة: لا نريد هؤلاء، ولكن نبارز من بني عمنا من بني عبد المطلب فقال رسول الله ﷺ : (قم يا حمزة .. وقم يا علي .. وقم يا عبيدة) (٣) ثلاثة من بني عبد المطلب كأن وجوههم السيوف .. ثلاثة أقبلوا كأنهم الموت .. فكان عتبة الضحية لحمزة هذا اليوم وهوت حكمته وشجاعته وشركه وعناده على أرض بدر .. وهوى أخوه شيبة جثة هامدة تحت قدمي علي ﵁ .. لم يستغرقا وقتًا طويلًا أمام هذين الفارسين من بني عبد المطلب .. لكن ماذا حدث لعبيدة بن الحارث ﵁ .. عليٌّ يقص علينا ما حدث فيقول: (أقبل حمزة إلى عتبة، وأقبلت إلى شيبة، واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان، فأثخن كل واحدٍ منهما صاحبه، ثم ملنا على الوليد فقتلناه، واحتملنا عبيدة) (٤). ابتهج ﷺ بفرسانه وفرح بانتصارهم .. وتحمس المؤمنون جميعًا لعناق الموت .. فرائحة الشهادة تعطر أجواء بدر .. وتأجج حماسهم عندما ازدادت زخات المدد من السماء فبشر بها رسول الله ﷺ أصحابه .. وقال

стр. 440

الله في ذلك: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ (١) وكانوا خير مدد .. وكانوا خير الملائكة .. هذا كبيرهم: جبريل ﵊ يصفهم بنفسه .. فقد (سأل جبريل النبي ﷺ : كيف أهل بدر فيكم؟ قال ﷺ : خيارنا. قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة هم خيار الملائكة) (٢). أما كبار الملائكة .. : ميكائيل وإسرافيل .. فقد كان في نزولهم تكريمًا لأبي بكر الصديق ولعلي بن أبي طالب ﵃ فلقد (قيل لأبي بكر الصديق وعلي يوم بدر: مع أحدكما جبريل، ومع الآخر ميكائيل، وإسرافيل ملك عظيم، يشهد القتال، أو يقف في الصف [ولا يقاتل] (٣). شاهد ﷺ ذلك وأيقن بالنصر فقد استجاب الله له، فصاح بأصحابه: (قوموا إلى جنة عرضها السموات الأرض) (٤). سمع أحد الصحابة -وهو الذي كان يحمل تمرًا في جيبه ربما عند خروجه من المدينة- سمع ذكر الجنة فطار قلبه وتوجه نحو رسول الله ﷺ كالفرح .. وقف أمامه وقال: (يا رسول الله .. جنة عرضها السموات والأرض؟ قال ﷺ : نعم، قال: بخٍ .. بخٍ ..

стр. 441

فقال رسول الله ﷺ : ما يحملك على قول بخٍ. .. بخٍ؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال ﷺ : فإنك من أهلها، فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن) (١). ما هذا الرجل ومن هو .. يبشره ﷺ بالجنة فيأكل تمرًا .. سنعرف بعد قليل .. فلنعد إلى رسول الله ﷺ حيث لا تمر في كفيه .. لكن كفه كانت مليئة بشيء غير التمر .. شيء لا يؤكل. فما هو هذا الشيء وماذا يريد أن يفعل به؟. لقد (أمر رسول الله ﷺ فأخذ كفًا من الحصى بيده، ثم خرج فاستقبل القوم، فقال: شاهت الوجوه تم نفحهم بها، ثم قال لأصحابه: احملوا) (٢). انطلق الصحابة كالسهام .. كالموت .. ونظر صاحب التمرات إلى تمراته ثم قال: (لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل) (٣) قتل شهيدًا ﵁ وأرضاه .. هذا الشهيد أنصاري يدعى: عمير بن الحمام.

стр. 442

أما حمزة فقد شق صفوف الوثنيين بسيفه .. يتساقطون أمامه واحدًا واحدًا .. أحد الجبناء: أمية بن خلف كان ينظر إليه وينتفض وينتفض السيف في يده وتنتفض الريشة التي زين بها حمزة صدره .. أمية بن خلف كان يرتعد خوفًا ويقول لمن حوله: (ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل) .. وهو لم يحدد من ذلك الشخص بعد .. لم يعرف أنه حمزة بعد .. وكان أحد ضحايا حمزة رجل من مشاهير قريش اسمه: طعيمة بن عدي وهو أخو المطعم بن عدي .. ومن مكان آخر انطلق عبد الرحمن بن عوف وانطلق الشابان من حوله .. يتسابقان نحو رأس أبي جهل .. لكن كيف والمشركون كالشجر الملتف حوله .. يحمونه من سيوف المهاجرين والأنصار .. أي سيف سيشق طريقًا نحو أبي جهل .. أي سيف سيجز ذلك الشجر الوثني الملتف حول أبي جهل .. الذين صنعوا الأحداث يتحدثون .. عبد الرحمن بن عوف يقول للغلامين وسط الموت والسيوف: (نظرت إلى أبي جهل وهو يجول في الناس، فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكم الذي تسألان عنه [فأشرت لهما إليه، فشدا عليه مثل الصقرين] فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى النبي ﷺ فأخبراه فقال: أيكما قتله؟ قال كل منهما: أنا قتلته، قال ﷺ : هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا، فنظر النبي ﷺ في السيفين فقال: كلاهما قتله، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، والآخر معاذ بن عفراء) (١) هذا ما حدث باختصار .. أما التفاصيل فعند من خاض سيفه في تفاصيل أبي جهل .. التفاصيل عند معاذ بن عمرو بن الجموح .. فبعد أن أشار عبد

стр. 443

الرحمن بن عوف بيده إلى أبي جهل .. قال معاذ: (سمعت القوم وأبو جهل في مثل الحرجة (١) وهم يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه .. فلما سمعتها جعلته من شأني فصمدت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه فضربته ضربةً أطنت (٢) قدمه بنصف ساقه، فوالله ما شبهتها حين طاحت إلا بالنواة تطيح من تحت مرضخة النوى حين يضرب بها، وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي، فتعلقت بجلدة من جنبي، وأجهضني (٣) القتال عنه، فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها من خلفي، فلما آذتني وضعت عليها قدمي ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها، ثم مر بأبي جهل وهو عقير معوذ بن عفراء، فضربه حتى أثبته وتركه وبه رمق) (٤). تركه يشقى بآخر أنفاسه .. تدوسه الأقدام وتدوس زعامته ويكسوه التراب الذي طالما نثره في وجوه الضعفاء والمساكين .. هوى الطاغية الشرس الذي قضى أكثر من عشر سنين في محاربة الله ورسوله ﷺ .. في اضطهاد الفقراء وقتل العجائز والمسنين من المؤمنين .. هوى هذا الكافر على يد شابين صغيرين اقتحما ثأرًا لله ولرسوله وللمؤمنين .. وخيم الموت على أبي جهل والتهمت الصحراء ساقه .. خيمة من الموت ضربها الأنصاريان عليه .. فلم يبق منه سوى عينين زائغتين .. تضعفان كما سقط طاغوت آخر ..

стр. 444

ها هو الطاغوت الآخر: عقبة بن أبي معيط يهوي إلى الأرض سقط سيفه .. وسقط شركه .. لكنه لم يمت ما زال حيًا .. إنه يرسف في قيوده .. وأحد فرسان الإِسلام يقتاده كذلٍ وديع .. وهذا هو طاغوت ثالث يرتطم بالأرض .. يرتج عند إرتطامه .. إنه أمية بن خلف وشحمه الذي يلف جسدًا يتموج من الرعب .. وبالقرب منه يسقط علي ويرتجف من الخوف .. أجل عليٌّ خائف جدًا فسيفه ليس بيده .. وهو يحشى طعنة من هنا أو هناك .. أو أن تدوسه الأقدام والحوافر .. فما الذي أصاب عليًا .. ومن الذي أسقطه وكيف يرتجف من الخوف؟ علي خائف من الموت أما كيف .. فلا بد أن أحد فرسان الإِسلام قد أسقطه عن ظهر دابته .. وأما لماذا .. لماذا أسقط ذلك الفارس عليًا عن ظهر دابته .. فالسبب بسيط .. لقد أسقطه .. لأنه علي بن أمية بن خلف وليس علي بن أبي طالب .. فعلي بن أبي طالب يصول ويجول كالأسد بين عجول الشرك .. يلتقي بمن شاء .. ويُسقط ما شاء منهم .. أما علي بن أمية فهو كالذبيحة قرب أبيه الجبان .. قرب أبيه الذي شاهد الموت عدة مرات .. لم ينفعه أبو جهل .. ولا هبل .. ولا بعيره الذي اشتراه بأغلى الأثمان .. فأبو جهل يتلبط في دمائه .. وهبل حجر تركه في مكة .. وبعيره وبعير ابنه بين غنائم المؤمنين .. والموت قادم .. قادم يا أمية .. لكن أمية -فجأة- يشعر أن الحياة قادمة .. إنه يرى من خلال الموت فرجة إلى الحياة يحملها أحد المهاجرين .. يحملها عبد الرحمن بن عوف وهو شاهر سيفه يجندل به جنود الشرك .. لكن أي أمل يحمله عبد الرحمن وسيفه يقطر دمًا .. يبدو أن أمية بن خلف يحمل سرًا .. فلقد تطلق وجهه واستبشر عندما رأى عبد الرحمن بن

стр. 445

عوف .. ويبدو أن عبد الرحمن بن عوف يحمل في ذاكرته المزيد عن تفاصيل ما حدث في بدر .. دعونا نستمع إلى عبد الرحمن بن عوف وهو يحكى سر أمية .. وآخر آمال أمية .. فهو إن لم ينج الآن على يد صديقه ابن عوف فسوف ينتن على أرض بدر .. قصة أمية وعبد الرحمن بن عوف كان أمية وعبد الرحمن صديقين في الجاهلية .. وكان بينهما تعامل تجاري بعد الإِسلام .. بل وبعد الهجرة .. هذه العلاقة تخللتها قصة مثيرة .. بدأت في مكة قبل الإِسلام فمتى ستنتهي .. ؟ يحدثنا عن بدايتها وعن نهايتها عبد الرحمن بن عوف فيقول: (كان أمية بن خلف لي صديقًا بمكة، وكان اسمي عبد عمرو، فتسميت حين أسلمت: عبد الرحمن، فكان يلقاني ونحن بمكة فيقول: يا عبد عمرو أرغبت عن اسم سماك أبوك؟ فأقول: نعم هداني الله للإسلام فتسميت عبد الرحمن. قال: إني لا أعرف الرحمن) (١) .. ومضت الأيام والأحداث بالاثنين .. بقي أمية في مكة على شركه وأصنامه .. وهاجر عبد الرحمن بن عوف إلى المدينة .. ومارس التجارة بعد أن دلوه على سوق المدينة فصار أحد تجارها .. ويمضي ابن عوف ﵁ متحدثًا عن قصته مع أمية وهو في المدينة فيقول:

стр. 446

(كاتبت أمية بن خلف كتابًا: بأن يحفظني في صاغيتي بمكة وأحفظه في صاغيته بالمدينة) (١) .. (كان بيني وبين أمية بن خلف كتابٌ بأن يحفظني في ضياعي بمكة، وأحفظه في ضياعه بالمدينة، فلما ذكرت: الرحمن، قال: لا أعرف الرحمن، كاتبني باسمك الذي كان في الجاهلية، فكاتبته: عبد عمرو .. فلما كان يوم بدر) (٢) (مررت به وهو واقف مع ابنه علي وهو آخذ بيده، ومعي أدراع لي قد استلبتها فأنا أحملها، فلما رآني قال: عبد عمرو .. فلم أجبه، فقال: يا عبد الإله، فقلت: نعم، قال: هل لك في، فأنا خيرٌ لك من هذه الأدراع التي معك؟ قلت: نعم، ها الله. فطرحت الأدراع من يدي وأخذت بيده وبيد ابنه وهو يقول: ما رأيت كاليوم قط، أما لكم حاجة في اللبن، ثم خرجت أمشي بينهما) (٣) (خرجت به إلى شعب لأحرزه حتى يأمن الناس) (٤). وتوجه الثلاثة إلى ذلك الشعب، ثم توجهوا (إلى جبل) (٥) .. فارتاحت نفس أمية بن خلف .. يا لها من أيام عصيبة تلك التي كانت تحمل في دقائقها الموت والحياة معًا لأمية .. اطمأن أمية فتحدث عن اللبن الذي سيشربه ابن عوف وأصحابه من نياق أمية التي سيفتدي

стр. 447

نفسه وابنه بها .. واسترخت أعصابه فاسترسل في الحديث وقال لعبد الرحمن بن عوف وهو يمشي (بينه وبن ابنه آخذًا بأيديهما: يا عبد الإله: من الرجل منكم المعلم بريشة نعامة في صدره؟ قلت: حمزة. قال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل) (١). وواصلوا المشي والمسير .. وفجأة دوت صرخة مرعبة من بعيد اتسعت لها عيون أمية وابنه .. صرخة قلبت أرض بدرٍ على رأس أمية من جديد .. صرخة من أعماق مضطهد لا تزال جراحه تلتهب .. يقول عبد الرحمن بن عوف: (فوالله إني لأقودهما إذ رآه بلال معي -وكان هو الذي يعذب بلالًا بمكة على الإِسلام- فلما رآه قال: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا، قلت: أي بلال، أسيري. قال: لا نجوت إن نجا، ثم صرخ بأعلى صوته: يا أنصار الله رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا) (٢).

стр. 448

(فخرج حتى وقف على مجلس من الأنصار، فقال: أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا أمية بن خلف، فخرج معه فريق من الأنصار في آثارنا فلما خشيت أن يلحقونا خلفت لهم ابنه لأشغلهم، فقتلوه، ثم أتوا حتى تبعونا، وكان رجلًا ثقيلًا فلما أدركونا قلت له: أبرك، فبرك، فألقيت عليه نفسي لأمنعه فتخللوه بالسيوف من تحتي) (١) (فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل المسكة (٢)، فأنا أذب عنه، فأخلف رجل بالسيف فضرب رجل ابنه فوقع، وصاح أمية صيحة ما سمعت بمثلها قط، قلت: انج بنفسك ولا نجاء، فوالله ما أغني عنك شيئًا، فهبروهما بأسيافهما حتى فرغوا منهما) (٣) .. (قتلوه وأصاب أحدهم رجلي بسيفه) (٤) .. يتذكر عبد الرحمن ﵁ ذلك مبتسمًا ويقول: (يرحم الله بلالًا فجعني بأدراعي وبأسيري) (٥). وانتهت قصة أمية الطويلة كما تنتهي قصص كثير من أمثاله الذين قضوا حياتهم في التعذيب والتنكيل. بمن يقع بين أيديهم من المؤمنين والضعفاء والمساكين ..

стр. 449

انتهت حياته على يد من كان يتفنن في تعذيبه وكان يسلقه تحت شمس مكة المحرقة .. لقد (اشترى أبو بكر بلالًا وهو مدفون بالحجارة) (١). دفنه أمية .. فهل سيدفن أمية بالحجارة .. لم تنته المعركة بعد .. والساحة حبلى بالمشاهد المثيرة .. المثيرة .. فهذا سعد بن أبي وقاص وقد سقط أخوه الصغير عمير شهيدًا ... يقاتل بضراوة وكأنه يقاتل عن اثنين .. كأنه يقاتل عن أخيه الصغير .. يشاهده عبد الله ابن مسعود فيتعجب من شجاعته .. ويقول: (كان سعد يقاتل مع رسول الله ﷺ يوم بدر قتال الفارس والراجل) (٢) .. وفي مكان آخر كان الزبير بن العوام فارسًا يقتحم قلعة من الحديد فتتهاوى بين يديه .. يقول ﵁: (لقيت يوم بدر عبيد بن سعيد بن العاص وهو مدجج لا يرى منه إلا عيناه، وهو يكنى أبا ذات الكرش، فقال: أنا أبو ذات الكرش فحملت عليه بالعترة فطعنته في عينه فمات) (٣). وسقط مع من سقط من الكفار الذين ملأت جثثهم أرض بدر .. ورأى المشركون ما يحدث لقادتهم وأبطالهم .. فجمعوا شظايا عزم

стр. 450

لديهم .. فشدوا على المسلمين في محاولة يائسة .. محاولة كالانتحار .. وهي في حركتها تشبه كتلة من اللهب تهوي على الأرض فتنطفئ لكنها تؤذي من يتصدى لها .. ومع ذلك كان أشجع الناس يتقدم كالموج يطفئها .. كالموت يخمدها .. وخلفه كان سعد الذي يقاتل كرجلين .. والزبير الذي يهزم الحديد .. وعلي بن أبي طالب بشجاعته المعروفة .. وعمه حمزة الذي فعل بهم الأفاعيل .. وعمر بن الخطاب الذي تهابه كل قريش .. وأبو بكر الصديق درع رسول الله ﷺ هؤلاء الذين صنعوا الأحداث والتاريخ .. هؤلاء وغيرهم قاتلوا في ساعة من ساعات بدر خلف ذلك الشجاع فمن هو: أشجع رجلٍ في بدر ؟ إنه رسول الله ﷺ .. وأحد الذين كانوا يلوذون بشجاعة رسول الله ﷺ .. أحد الذين كانوا يلوذون بسيف رسول الله ﷺ يحدثنا بنفسه فيقول: (لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله ﷺ وهو أقربنا إلى العدو وكان من أشد الناس يومئذ بأسًا) (١) و (لما كان يوم بدر اتقينا المشركين برسول الله ﷺ وكان أشد الناس بأسًا) (٢). وأمام هذا البأس تساقط المشركون من اليأس .. وتفتت آخر حلم وثني على أرض بدر .. وعلى سماء بدر أيضًا .. فجيش محمَّد ﷺ ليس على الأرض فقط .. بل وفي السماء له جيش .. أحد الذين كانوا يقاتلون

стр. 451

المؤمنين .. أحد الذين أصابهم اليأس والإحباط رأى بين السماء والأرض شيئًا كالبساط .. شيئًا قادمًا لمحمدٍ ولأصحاب محمَّد ﷺ .. فماذا رأى جبير بن مطعم .. وما هو أثره على قومه .. يقول جبير: (رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل البجاد الأسود، أقبل من السماء مثل النمل الأسود، فلم أشكك أنها الملائكة، فلم يكن إلا هزيمة القوم) (١) الكافرين الذين تطايروا من جديد كالشظايا هربًا من الموت القاسي الذي يمتطي نواضح يثرب بعد أن أطلقه ﷺ في وجوه المشركين .. أطلق شباب الإِسلام حماسًا يفتك بأوصال الوثنية .. حماسًا أوقده ﷺ عندما قال: (من صنع كذا وكذا فله كذا وكذا، فسارع في ذلك شبان الرجال وبقي الشيوخ تحت الرايات) (٢). وبين بريق الانتصار وبرق التسابق نحو رقاب الطغاة كان هناك من يسابق الشباب نحو تلك الرقاب .. هذا أحد شباب الإِسلام .. واسمه الحارث ويكنونه بأبي واقد الليثي .. يشتد مسرعًا نحو أحد الطغاة فيشاهد العجب .. العجب يقول ﵁: (إني لأتبع رجلًا من المشركين لأضربه فوقع رأسه قبل أن يصل سيفي، فعرفت أن غيري قد قتله) (٣) ..

стр. 452

كان أحد الملائكة لا شك .. الملائكة التى تحز الرقاب .. وتلطم الأنوف والوجوه المشركة .. فبين السماء والأرض كان هناك صراخ .. كان هناك حيزوم .. ولا أدري ما هو هذا المخلوق الذي تردد اسمه في الفضاء .. هل هو جواد ذو أجنحة أم أن حيزومًا ملك من الملائكة .. لكنه كان مسرعًا لا شك .. يسابق أحد الفرسان نحو أحد المشركين .. فـ (بينما رجل من المسلمين يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم .. ، إذ نظر إلى المشرك أمامه، فخر مستلقيًا، فنظرنا إليه، فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث ذلك رسول الله ﷺ فقال: صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة) (١) ومدد السماء لم يقتصر على حز الرقاب ولطم الأنوف والوجوه وتمريغها في الذل .. مدد السماء كان يفعل شيئًا آخر .. عم رسول الله ﷺ .. العباس بن عبد المطلب كان قد خرج مع قريش فوقع في الأسر .. وها هو الأنصاري الذي أسره يقتاده نحو رسول الله ﷺ .. لكن العباس يصر على أن هذا الأنصاري القصير لم يأسره .. والأنصاري يصر على أنه أسره .. لم يكذب الأنصاري ولم يكذب العباس .. والحقيقة عند رسول الله ﷺ .. لقد (جاء رجل من الأنصار قصير بالعباس بن عبد الطلب أسيرًا، فقال العباس: يا رسول الله، والله إن هذا ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجهًا على فرس أبلق ما أراه في القوم .. فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله، فقال ﷺ :

стр. 453

اسكت فقد أيدك الله تعالى. بملك كريم) (١) .. لا بشيطان رجيم .. لكن يا ترى أين الشيطان الرجيم من هذه الأحداث .. لا شك أنه بين صفوف المشركين يتلقى نصيبه من الهزيمة والذل .. أخبرنا عن ذلك ربنا وهو يقول: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨)﴾ (٢) لقد هرب إبليس .. رآه بعض المشركين وكل الذي أعرفه عنه في تلك المعركة أنه أغواهم ثم تبرأ منهم وفر كفأرٍ جبان من أرض المعركة وهو على صورة ذلك الرجل الذي طارد رسول الله ﷺ وطارد أبا بكر في طريق الهجرة إلى المدينة .. لقد كان إبليس في صورة "سراقة بن مالك" (٣) ولما تهاوت الأجساد من حوله وشخبت الدماء منها خاف أن يلقى المصير الذي لقيته تلك الجثث ففر .. وفر المشركون قبله .. تطايروا كالشظايا في الشعاب والجبال .. وانقشعوا عن أرض بدر .. وانقشع الغبار .. وهدأت الأنفاس .. تأمل ﷺ ذلك المشهد .. وتأمل فرسانه من حوله .. فإذا الساحة صمت حزين ورهيب .. منظر لا يسر .. سبعون

стр. 454

جسدًا من قريش بلا حراك .. سبعون جسدًا من أبناء العمومة والعشيرة .. بلا أرواح .. ما الذي أوصلهم إلى هذه المأساة .. من هو الذي قادهم إلى هذه النهاية المخيفة .. إلى الهزيمة وإلى جهنم .. ؟ أبو جهل قادهم .. والشيطان أجج الشرك في نفوسهم .. أما يكفيهم ثلاثة عشر عامًا من حديث رسول الله ﷺ .. من حب رسول الله ﷺ ورحمته وحرصه عليهم .. ؟ نهاية مخيفة تلك التي انتهى إليها أولئك السبعون .. لقد فر أصحابهم وتركوهم للشمس والغبار .. وتركوا مثل هذا العدد بين القيود والحبال .. سبعون أسيرًا يغشاهم الذل وتجللهم الهزيمة .. ها هو الشرير: عقبة بن أبي معيط مأسورًا .. وها هو أبو يزيد واسمه: سهيل بن عمرو مأسورًا أيضًا .. وها هم الصحابة يستجيبون لأمر الله وأمر رسوله ﷺ فيكتفون بأسر العباس بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ ، وأسر ابن عمه عقيل بن أبي طالب لأنهم خرجوا كارهين لقتال رسول الله ﷺ كما قال نبي الله ﷺ : "من استطعتم أن تأسروا من بني عبد المطلب فإنهم خرجوا كارهين" (١) لكن لماذا لم ينه ﷺ عن قتل أمية بن خلف وقد خرج كارهًا أيضًا .. ؟ السبب لا يحتاج إلى كثير من التفكير .. فأمية بن خلف كان من أشرس الناس على الإِسلام وأتباعه خاصة بلال بن رباح بعكس بني عبد المطلب .. ثم إن أمية لم يكن كارهًا لقتال المسلمين .. إنه يتمنى سحقهم وسحق نبيهم ﷺ .. لكنه كان خائفًا على نفسه لأنه يدرك أن رسول الله ﷺ لم ولا ولن يكذب ..

стр. 455

وقد توعده بالموت وهو يدرك خطورة وعيده ﷺ لذلك اشترى تلك الراحلة ليهرب عندما يلوح الخطر .. لكن الذي لاح لأميه لم يكن الخطر .. إنه شيء أكثر خطورة .. إنه بلال وقد (كان هو الذي يعذب بلالًا في مكة على الإِسلام) (١). ثم إن بني عبد المطلب دافعوا عن رسول الله ﷺ .. وشاركوه في المعاناة في الشُّعب .. لم يشذ عن هؤلاء الكرام إلا شرير يُسمى (أبو لهب) وهو لم يحضر إلى أرض المعركة .. ربما كان مريضًا .. وقد أسر بالاضافة إلى العباس وعقيل زوج حبيبة رسول الله ﷺ .. زوج ابنته زينب التي كانت كارهة لخروج زوجها .. وخائفة على دينها ونبيها وأبيها ﷺ .. وقد كان من السهل أسر هؤلاء الثلاثة فهم لا يشعرون في أعماقهم بأي دافع لهذه المعركة سوى عنجهية أبي جهل وغطرسته .. أبو جهل!! أين أبو جهل يا ترى؟ إنه ليس بين القتلى ولا بين الأسرى والحبال .. أين أبو جهل ذلك المجرم .. الذي رفض الإِسلام حسدًا لأن النبوة لم تكن في بيته .. أين الطاغوت الذي أخرج قريشا وهي كارهة لترقص حوله وهو يشرب الخمر .. ؟ إنه ليس بين القتلى ولا بين الأسرى .. لذلك (أمر رسول الله ﷺ أن يلتمس في القتلى) (٢) وقال لأصحابه: (من ينظر ما صنع أبو جهل) (٣)

стр. 456

(من يعلم ما فعل أبو جهل) (١) فتقدم رجل نحيل الجسم .. دقيق الساقين .. كان يرعى الغنم في مكة .. وكان أبو جهل قد استضعفه ذات يوم في مكة فآذاه .. تقدم هذا الرجل النحيل الصالح وقال لرسول الله ﷺ : (أنا يا نبي الله) (٢) فانطلقت تلك الساقان تنفيذًا لإرادة رسول الله ﷺ .. وبعد قليل هدأتا وتهادتا نحو جريح ينزف .. قد طارت ساقه وطار صوابه .. حدق به ابن مسعود فإذا هو أبو جهل (فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد فأخذ بلحيته فقال: أنت أبو جهل .. قال: وهل فوق رجل قتلتموه أو قتله قومه) (٣). فقال ابن مسعود: (قد أخزاك الله. فقال: هل أعمد من رجل قتلتموه) (٤) أي حقد ينضح من جثة هذا الطاغية .. وأي روح خبيثة تلك التي بين جنبيه .. لقد كان أبو جهل جثّة .. كتلةً متورمة من العناد .. فهل سيتركه ابن مسعود ليخبر رسول الله ﷺ أم ماذا .. ؟ ماذا فعل ابن مسعود بأبي جهل قال ﵁: (أدركت أبا جهل يوم بدرٍ صريعًا فقلت: أي عدو الله قد أخزاك الله. قال: وبم أخزاني من رجل قتلتموه .. ؟! ومعي سيف لي، فجعلت أضربه ولا يحيك فيه شيء، ومعه سيف له جيد فضربت يده، فوقع السيف من يده، فأخذته، ثم كشفت المغفر عن رأسه فضربت عنقه، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته، فقال: الله الذي لا إله إلا

стр. 457

هو .. قلت: الله الذي لا إله إلا هو -حتى حلفني ثلاثًا-[قال: انطلق فاستثبت، فانطلقت فأنا أسعى مثل الطائر، ثم جئت وأنا أسعى مثل الطائر أضحك فأخبرته] فقال رسول الله ﷺ : فانطلق فأرني. فانطلقت معه فأريته، فلما وقف عليه ﷺ قال: هذا فرعون هذه الأمة) (١) رأسه هنا .. ورجله هناك .. وباقيه في مكان آخر. أبو جهل الذي جمع الشرك كله .. ورفض الحكمة كلها .. أبو جهل الذي وصف رسول الله ﷺ وأصحابه بأنهم مجرد لقمة .. مجرد أكلة جزور .. أبو جهل الذي اتهم عقلاء قومه بالجبن يسقط على أرض بدر دون أن يمس أحدًا من المسلمين بأذى .. دون أن يشفي غليله ولو بضربة واحدة .. أما سيف أبي جهل الثمين فلم تصدر منه سوى ضربة واحدة متجهة نحو صاحبها .. نحو أبي جهل .. هلاك أبي جهل مروع .. والتاريخ يكتب للطغاة بحبر المضطهدين .. لكنهم لا يقرأون .. ولا يفيد من التاريخ سوى العقلاء .. مات أبو جهل بسيفه .. والذين مزقوه شباب صغار .. والذي أجهز عليه أحد الضعفاء الذين أخافهم وأذلهم في شوارع مكة

стр. 458

وأزقتها .. بل وفي بيت الله الحرام .. ترى هل يتذكر ابن مسعود وهو يقضي على أبي جهل ذلك اليوم الذي كان فيه خائفًا وهو في جوار الكعبة الآمنة ينظر إلى حبيبه ويتمزق حرقة لكنه لا يستطيع فعل شيء؟ فـ (بينما رسول الله ﷺ يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحابٌ له جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلا جزور (بني فلان) فيأخذه فيضعه على كتِفَي محمَّد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فأخذه، فلما سجد النبي ﷺ وضعه بين كتفيه، فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل إلى بعض وأنا قائم أنظر، لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله ﷺ ، والنبي ﷺ ساجد ما يرفع رأسه، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة، فجأت وهي جويرية، فطرحت عنه ثم أقبلت عليهم تسبهم. فلما قضى النبي ﷺ صلاته رفع صوته، ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا .. دعا ثلاثًا، وإذا سأل سأل ثلاثًا، ثم قال النبي ﷺ : "اللَّهم عليك بقريش .. اللَّهم عليك بقريش .. اللَّهم عليك بقريش .. فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته. ثم قال: اللَّهم عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط" (١) سقط هؤلاءكلهم .. كلهم إلا عقبة بن أبي معيط؟! فأين هو .. ؟ هذا المجرم لا يزال حيًا .. إنه بين الأسرى ولا أدري ماذا سيفعل به رسول الله ﷺ لكنه يتعذب الآن بمنظر شركائه في الإجرام وقد بدأوا ينتنون وينتن شركهم .. وقد تحققت دعوة رسول الله ﷺ عندما:

стр. 459

(استقبل رسول الله ﷺ البيت فدعا على نفر من قريش فيهم أبو جهل، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وعقبة بن أبي معيط. قال ابن مسعود: فأقسم بالله لقد رأيتهم صرعى على بدر، قد غيرتهم الشمس وكان يومًا حارًا) (١) وفي اليوم الحار تنتن الجثث سريعًا .. إذًا فلا بد من دفن تلك الجثث ولو كانت جثث كفار .. فالإِسلام دين صحة ونظافة .. ورسول الله ﷺ يقول لأمته: (أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها عليه وإن تكن غير ذلك فشر تضعونه على رقابكم) (٢) لذلك أمر ﷺ أن تقذف تلك الجنائز في بئر خبيث كان موجودًا على أرض بدر .. فـ (نبي الله ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين من صناديد قريش، فقذفوا في طوى من أطواء بدر خبيث مخبث) (٣) .. يعج برائحة الموت ونتن الشرك .. و (لما أمر رسول الله ﷺ بالقتلى أن يطرحوا في القليب، طرحوا فيه إلا ما كان من أمية بن خلف، فإنه انتفخ في درعه فملأها فذهبوا ليخرجوه فتزايل لحمه فأقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة) (٤) ... هلك أمية بن خلف .. لم يحفر له قبر كبقية الناس .. تفسخ لحمه فتركوه ودفنوه بالحجارة بعد أن قتله بلال .. يال انتقام الجبار لبلال .. أيتذكر بلال وهو يرى عدوه مدفونًا بالحجارة .. أيتذكر تلك الأيام العصيبة عندما كان أمية

стр. 460

يدفنه بالحجارة في مثل هذه الأيام الحارة .. وتحت هذه الشمس المحرقة؟ لقد كان بلال حتى آخر لحظات الرق مدفونًا بالحجارة .. يقول أحد الذين أدركوا تلك الأحداث: (اشترى أبو بكر بلالًا وهو مدفون بالحجارة) (١) وها هو أمية: الطاغوت الذي دفن بلالًا .. ها هو يدفن بالحجارة أمام عيني بلال المسكين .. سبحانك ما أعظمك .. إنها دعوة المضطهدين والمظلومين .. وقبل أن يتخلص الرسول ﷺ من تلك الجثث تهادى إلى شهداء الإِسلام .. شهداء بدر فكم كان عددهم: ثمانية عشر شهيدًا دفنهم النبي ﷺ .. وتحدث عنهم ابن مسعود بحديث كالماء البارد فقال: (إن الثمانية عشر الذين قتلوا من أصحاب رسول الله ﷺ يوم بدر جعل الله أرواحهم في الجنة في طير خضر تسرح في الجنة، قال: فبينما هم كذلك إذ اطلع عليهم ربك اطلاعة فقال: يا عبادي .. ماذا تشتهون؟ قالوا: يا ربنا ما فوق هذا شيء .. قال فيقول: عبادي ماذا تشتهون؟ فيقولون في الرابعة: ترد أرواحنا في أجسادنا فنقتل كما قتلنا) (٢) إنهم يبحثون عن الموت من جديد .. يريدون فعل شيء
следующие страницы →