← Сира

Сира · id 123668

السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة

محمد الصوياني

Полный текст (1 354 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

(من يعلم ما فعل أبو جهل) (١) فتقدم رجل نحيل الجسم .. دقيق الساقين .. كان يرعى الغنم في مكة .. وكان أبو جهل قد استضعفه ذات يوم في مكة فآذاه .. تقدم هذا الرجل النحيل الصالح وقال لرسول الله ﷺ : (أنا يا نبي الله) (٢) فانطلقت تلك الساقان تنفيذًا لإرادة رسول الله ﷺ .. وبعد قليل هدأتا وتهادتا نحو جريح ينزف .. قد طارت ساقه وطار صوابه .. حدق به ابن مسعود فإذا هو أبو جهل (فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد فأخذ بلحيته فقال: أنت أبو جهل .. قال: وهل فوق رجل قتلتموه أو قتله قومه) (٣). فقال ابن مسعود: (قد أخزاك الله. فقال: هل أعمد من رجل قتلتموه) (٤) أي حقد ينضح من جثة هذا الطاغية .. وأي روح خبيثة تلك التي بين جنبيه .. لقد كان أبو جهل جثّة .. كتلةً متورمة من العناد .. فهل سيتركه ابن مسعود ليخبر رسول الله ﷺ أم ماذا .. ؟ ماذا فعل ابن مسعود بأبي جهل قال ﵁: (أدركت أبا جهل يوم بدرٍ صريعًا فقلت: أي عدو الله قد أخزاك الله. قال: وبم أخزاني من رجل قتلتموه .. ؟! ومعي سيف لي، فجعلت أضربه ولا يحيك فيه شيء، ومعه سيف له جيد فضربت يده، فوقع السيف من يده، فأخذته، ثم كشفت المغفر عن رأسه فضربت عنقه، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته، فقال: الله الذي لا إله إلا

стр. 457

هو .. قلت: الله الذي لا إله إلا هو -حتى حلفني ثلاثًا-[قال: انطلق فاستثبت، فانطلقت فأنا أسعى مثل الطائر، ثم جئت وأنا أسعى مثل الطائر أضحك فأخبرته] فقال رسول الله ﷺ : فانطلق فأرني. فانطلقت معه فأريته، فلما وقف عليه ﷺ قال: هذا فرعون هذه الأمة) (١) رأسه هنا .. ورجله هناك .. وباقيه في مكان آخر. أبو جهل الذي جمع الشرك كله .. ورفض الحكمة كلها .. أبو جهل الذي وصف رسول الله ﷺ وأصحابه بأنهم مجرد لقمة .. مجرد أكلة جزور .. أبو جهل الذي اتهم عقلاء قومه بالجبن يسقط على أرض بدر دون أن يمس أحدًا من المسلمين بأذى .. دون أن يشفي غليله ولو بضربة واحدة .. أما سيف أبي جهل الثمين فلم تصدر منه سوى ضربة واحدة متجهة نحو صاحبها .. نحو أبي جهل .. هلاك أبي جهل مروع .. والتاريخ يكتب للطغاة بحبر المضطهدين .. لكنهم لا يقرأون .. ولا يفيد من التاريخ سوى العقلاء .. مات أبو جهل بسيفه .. والذين مزقوه شباب صغار .. والذي أجهز عليه أحد الضعفاء الذين أخافهم وأذلهم في شوارع مكة

стр. 458

وأزقتها .. بل وفي بيت الله الحرام .. ترى هل يتذكر ابن مسعود وهو يقضي على أبي جهل ذلك اليوم الذي كان فيه خائفًا وهو في جوار الكعبة الآمنة ينظر إلى حبيبه ويتمزق حرقة لكنه لا يستطيع فعل شيء؟ فـ (بينما رسول الله ﷺ يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحابٌ له جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلا جزور (بني فلان) فيأخذه فيضعه على كتِفَي محمَّد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فأخذه، فلما سجد النبي ﷺ وضعه بين كتفيه، فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل إلى بعض وأنا قائم أنظر، لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله ﷺ ، والنبي ﷺ ساجد ما يرفع رأسه، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة، فجأت وهي جويرية، فطرحت عنه ثم أقبلت عليهم تسبهم. فلما قضى النبي ﷺ صلاته رفع صوته، ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا .. دعا ثلاثًا، وإذا سأل سأل ثلاثًا، ثم قال النبي ﷺ : "اللَّهم عليك بقريش .. اللَّهم عليك بقريش .. اللَّهم عليك بقريش .. فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته. ثم قال: اللَّهم عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط" (١) سقط هؤلاءكلهم .. كلهم إلا عقبة بن أبي معيط؟! فأين هو .. ؟ هذا المجرم لا يزال حيًا .. إنه بين الأسرى ولا أدري ماذا سيفعل به رسول الله ﷺ لكنه يتعذب الآن بمنظر شركائه في الإجرام وقد بدأوا ينتنون وينتن شركهم .. وقد تحققت دعوة رسول الله ﷺ عندما:

стр. 459

(استقبل رسول الله ﷺ البيت فدعا على نفر من قريش فيهم أبو جهل، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وعقبة بن أبي معيط. قال ابن مسعود: فأقسم بالله لقد رأيتهم صرعى على بدر، قد غيرتهم الشمس وكان يومًا حارًا) (١) وفي اليوم الحار تنتن الجثث سريعًا .. إذًا فلا بد من دفن تلك الجثث ولو كانت جثث كفار .. فالإِسلام دين صحة ونظافة .. ورسول الله ﷺ يقول لأمته: (أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها عليه وإن تكن غير ذلك فشر تضعونه على رقابكم) (٢) لذلك أمر ﷺ أن تقذف تلك الجنائز في بئر خبيث كان موجودًا على أرض بدر .. فـ (نبي الله ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين من صناديد قريش، فقذفوا في طوى من أطواء بدر خبيث مخبث) (٣) .. يعج برائحة الموت ونتن الشرك .. و (لما أمر رسول الله ﷺ بالقتلى أن يطرحوا في القليب، طرحوا فيه إلا ما كان من أمية بن خلف، فإنه انتفخ في درعه فملأها فذهبوا ليخرجوه فتزايل لحمه فأقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة) (٤) ... هلك أمية بن خلف .. لم يحفر له قبر كبقية الناس .. تفسخ لحمه فتركوه ودفنوه بالحجارة بعد أن قتله بلال .. يال انتقام الجبار لبلال .. أيتذكر بلال وهو يرى عدوه مدفونًا بالحجارة .. أيتذكر تلك الأيام العصيبة عندما كان أمية

стр. 460

يدفنه بالحجارة في مثل هذه الأيام الحارة .. وتحت هذه الشمس المحرقة؟ لقد كان بلال حتى آخر لحظات الرق مدفونًا بالحجارة .. يقول أحد الذين أدركوا تلك الأحداث: (اشترى أبو بكر بلالًا وهو مدفون بالحجارة) (١) وها هو أمية: الطاغوت الذي دفن بلالًا .. ها هو يدفن بالحجارة أمام عيني بلال المسكين .. سبحانك ما أعظمك .. إنها دعوة المضطهدين والمظلومين .. وقبل أن يتخلص الرسول ﷺ من تلك الجثث تهادى إلى شهداء الإِسلام .. شهداء بدر فكم كان عددهم: ثمانية عشر شهيدًا دفنهم النبي ﷺ .. وتحدث عنهم ابن مسعود بحديث كالماء البارد فقال: (إن الثمانية عشر الذين قتلوا من أصحاب رسول الله ﷺ يوم بدر جعل الله أرواحهم في الجنة في طير خضر تسرح في الجنة، قال: فبينما هم كذلك إذ اطلع عليهم ربك اطلاعة فقال: يا عبادي .. ماذا تشتهون؟ قالوا: يا ربنا ما فوق هذا شيء .. قال فيقول: عبادي ماذا تشتهون؟ فيقولون في الرابعة: ترد أرواحنا في أجسادنا فنقتل كما قتلنا) (٢) إنهم يبحثون عن الموت من جديد .. يريدون فعل شيء

стр. 461

يجعلهم يستحقون كل ما حولهم .. ويستحقون ما هم فيه من الرفاهية والدهشة التي لا يمكن وصفها .. وماذا يساوي ألم الموت أمام عوالم السعادة والابتهاج والخلود .. ماذا يساوي الموت و (الشهيد لا يجد ألم القتل إلا كما يجد أحدكم مس القرصة) (١). دفن ﷺ شهداء بدر بثيابهم ودمائهم .. وبشرهم .. وبشر أمثالهم فيما بعد فقال: (أنا شهيد على هؤلاء, لفوهم في دمائهم، فإنه ليس جريح يجرح في الله إلا جاء وجرحه يوم القيامة يدمي، لونه لون الدم، وريحه ريح المسك) (٢) ويقول ﷺ : (للشهيد عند الله سبع خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى حلة الإيمان, ويزوج اثنين وسبعين زوجة من الحور العين، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع

стр. 462

الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويشفع في سبعين إنسانًا من أهل بيته) (١). هذا ما سيفرح به الشهداء من المهاجرين والأنصار ... وما في الجنة أجمل وأبقى .. أما ما سيلقاه قتلى قريش فشيء مخيف ومرعب .. بشرهم به ﷺ .. خاطبهم وهم أكوام محشورون في تلك البئر المقرفة .. ولكن بعد ثلاثة أيام من انقضاء المعركة .. وقد كانت سنته ﷺ إذا انتصر في معركة أن يقيم ثلاثة أيام (٢) على أرض المعركة بعد انقضائها ثم يعود إلى المدينة .. ربما كان ذلك لتأكيد الانتصار والمحافظة عليه من آية محاولة -ربما- تقوم بها الفلول الخاسرة لتعويض خسارتها .. وفي تلك الأيام الثلاثة كان النبي ﷺ مشغولًا بتركة هذا الانتصار .. مشغولًا بقضايا وهموم تحتاج إلى أكثر من التفكير .. ومن هذه القضايا والهموم. قضية الغنائم فالغنائم بالنسبة للذين حضروا بدرًا لا تعني رصيدًا ماديًا أبدًا .. إنها أكبر من ذلك .. والصحابة مهاجرون وأنصار أكبر من هذا التفكير فالمهاجرون تركوا أموالهم لله .. والأنصار شاطروا إخوانهم وأموالهم

стр. 463

ودورهم .. لكنها غنائم أول معركة مع رسول الله ﷺ .. وأول معركة ضد كفار قريش الذين أخرجوا رسول الله ﷺ .. وأول معركة في الإِسلام .. والمشاركة فيها والحصول على شيء من غنائمها له في النفوس أثر ينام ويصحو مع الإنسان ويظلله في كل مكان يسير ويخطو عليه .. أثر يتطهر معه أهل بدر من كل ذنوبهم .. لست أبالغ فرسول الله ﷺ يقول: (لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة) (١) ثم إن الصحابة بشر .. يصيبون ويخطئون فيقوم ﷺ بتصحيح أخطائهم .. لتصحح الأمة أخطاءها وتأخذ أحكامها من هذه الأحداث .. وليس هناك أخصب من المعارك للانفعال والتأثر والخطأ .. فماذا حدث من الصحابة وما رأي بعضهم حول الغنائم؟ يقول أحد الصحابة ﵁ وعنهم: (إن النبي ﷺ قال من أتى مكان كذا وكذا، فله كذا وكذا، أو فعل كذا وكذا فله كذا وكذا، فتسارع إليه الشبان، وبقي الشيوخ عند الرايات، فلما فتح الله عليهم جاءوا يطلبون ما جعل لهم النبي ﷺ ، فقال لهم الأشياخ: لا تذهبوا به دوننا، فأنزل الله عليه هذه الآية: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (٢) والآية التي نزلت هي قوله سبحانه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ

стр. 464

مُؤْمِنِينَ﴾ (١) ولكي تتضح الرؤية جيدًا دعونا نمشي خلف هذا الشاب الذي يحمل بيديه سيفين .. سيفه وسيف رجل من المشركين .. إنه يتوجه نحو رسول الله ﷺ .. يستأذنه ويرجوه أن يمنحه هذا السيف (فأتى به رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله نفلنيه .. فقال: ضعه .. ثم قام فقال: يا رسول الله: نفلنيه .. فقال ﷺ : ضعه .. ثم قام فقال: يا رسول الله نفلنيه .. أُجعل كمن لا غَنَاء له؟ فقال النبي ﷺ : ضعه من حيث أخذته) (٢) هذا الشاب هو سعد بن أبي وقاص حيث يقول: (جئت إلى النبي ﷺ يوم بدر بسيف فقلت: يا رسول الله .. إن الله قد شفى صدري اليوم من العدو فهب لي هذا السيف .. فقال ﷺ : إن هذا السيف ليس لي ولا لك، فذهبت وأنا أقول: يعطاه اليوم من لم يبل بلائي، فبينا أنا إذ جاءني الرسول فقال: أجب .. فظننت أنه قد نزل في شيءٍ من كلامي، فجئت، فقال لي النبي ﷺ : إنك سألتني هذا السيف وليس هو لي ولا لك، وإن الله قد جعله لي، فهو لك ثم قرأ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾) (٣) .. إذًا كان السيف ليس لرسول الله ﷺ ولا لسعد بن أبي وقاص وكذلك الغنائم .. فلمن كانت الغنائم في الحروب التي خاضها الأنبياء من قبل .. ؟ لقد كانت الغنائم تحرق ..

стр. 465

إحراق الغنائم شيء غريب .. فمن هو الذي يحرق الغنائم ولماذا تحرق؟ يقول أبو هريرة ﵁: (لما كان يوم بدر تعجل الناس إلى الغنائم فأصابوها فقال رسول الله ﷺ : إن الغنيمة لا تحل لأحد سود الرؤوس غيركم، وكان النبي (١) ﷺ وأصحابه إذا غنموا الغنيمة جمعوها ونزلت نار فأكلتها فأنزل الله هذه الآية: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠)﴾ (٢). نزلت هذه الآيات فترك المجاهدون اجتهاداتهم لوحي السماء فليس مع الوحي الصريح اجتهاد .. وسلموا الأمر لله ولرسوله ﷺ .. وسلمت الغنائم لرسول الله ﷺ .. فوزعها على المهاجرين والأنصار ففرحوا بها .. كانت أول هدايا الله للنبي وأصحابه على أرض معركة .. وكانوا أول أمة تباح لها الغنائم .. فرح سعد بن أبي وقاص بسيفه وبشيء آخر مع سيفه .. أما علي بن أبي طالب فكان نصيبه من الإبل .. حيث يقول ﵁: (كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان النبي ﷺ أعطاني مما أفاء الله عليه من الخمس يومئذ) (٣) إذًا فعلي ﵁

стр. 466

حصل على بعيرين بعير من نصيبه من الغنائم .. وبعير من الخمس .. فما هو الخمس الذي تحدث عنه علي بن أبي طالب هنا .. ؟ الإجابة بسيطة .. فقد أمر الله سبحانه بتقسيم غنائم الحرب إلى خمسة أجزاء .. أربعة أجزاء للمجاهدين المشاركين في المعركة .. أما الجزء الخامس فيقسم أيضًا إلى خمسة أجزاء: ١ - جزء لله وللرسول. ٢ - جزء لقرابة الرسول ﷺ . ٣ - جزء ليتامى المسلمين الذين فقدوا آباءهم. ٤ - جزء للمساكين المحتاجين من المسلمين. ٥ - جزء للمسافرين الذين فقدوا أموالهم أو نفذت أموالهم وليس لديهم ما يسد حاجتهم للمواصلة أو الرجوع إلى ديارهم. وفي ذلك يقول سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) ويوم الفرقان هو يوم بدر .. انتهى المسلمون من قضية الغنائم وتقسيمها وبقيت قضية أخرى لا تقل عنها .. إنها: قضية الأسرى أما الأسرى فقد نظر إليهم النبي ﷺ نظرة أسف .. ثم نطق بالوفاء كله

стр. 467

لأحد رجالات قريش الكرام الذين كانوا مثالًا في احترام النفس واحترام الآخرين .. رجل شهم كأبي طالب .. إنه المطعم بن عدي، ذلك الرجل الذي حمى رسول الله ﷺ في مكة يومًا من الأيام .. تذكر ﷺ موقف المطعم بن عدي فانطلقت مشاعر الوفاء منه فباح بها وقال: (لو كان المطعم بن عدي حيًا ثم كلمني في هؤلاء النتن لأطلقتهم له) (١) لكن المطعم بن عدي تحت الثرى .. ولم ينزل على رسول الله ﷺ وحي في أمرهم حتى الآن .. فكانت المشورة .. توجه ﷺ نحو أبي بكر وعمر وعلي يستشيرهم: ماذا يفعل بهؤلاء الأسرى .. فرسول الله ﷺ إذا لم ينزل عليه الوحي لا يستبد برأيه ولا يفرضه على من حوله .. وقد قال ﷺ في أول المعركة: أشيروا علي أيها الناس .. وها هو يتجه بالمشورة في آخر المعركة نحو أبي بكر وعمر وعلي .. فكانت الإجابة: رأيًا لأبي بكر ورأيًا لعمر فبأيهما سيأخذ .. يقول عبد الله بن عباس ﵄: (لما أسروا الأسارى، يعني يوم بدر، قال رسول الله ﷺ : أين أبو بكر وعمر وعلي؟) (٢) ..

стр. 468

وجاء أبو بكر وجاء عمر وجاء علي ﵃ .. ولما وقفوا أمامه ﷺ قال لهم: (ما ترون في الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله هم بنو العم والعشيرة، وأرى أن تأخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار، وعسى الله أن يهديهم للإسلام. فقال رسول الله ﷺ : ما ترى يا ابن الخطاب؟ فقال: لا والذي لا إله إلا هو .. ما أرى الذي رأى أبو بكر يا نبي الله، ولكن أرى أن تمكننا منهم: فتمكن عليًا من عقيل فيضرب عنقه .. وتمكن حمزة من العباس فيضرب عنقه .. وتمكنني من فلان -نسيب لعمر- فأضرب عنقه. فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت -قال عمر- فلما كان من الغد، جئت إلى رسول الله ﷺ ، فإذا هو وأبو بكر قاعدان يبكيان، فقلت: يا رسول الله، أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاءً بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت. فقال رسول الله ﷺ : أبكي للذي عرض لأصحابي من أخذهم الفداء، ولقد عُرض علي عذابكم أدق من هذه الشجرة .. -لشجرة قريبة من رسول الله- فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا ...﴾ (١)) (٢).

стр. 469

بكى ﷺ وبكى صاحبه من خشية الله .. وتلا على أصحابه عتاب الله له .. لم يخفه عنهم .. ولم يضمر هذه الآيات في نفسه .. بل أعلنها للجميع .. أعلنها لأنها وحي .. وأعلنها لأنه صادق .. ولو لم يكن صادقًا لما كان نبيا .. كانت تلك الآيات تحمل كرامة لعمر وتصويبًا لرأيه .. فهؤلاء الرجال خرجوا لحرب الله ورسوله .. صحيح أن بعضهم كاره والبعض قد استدرج واستفز من قبل أبي جهل .. لكن ألا يستطيع هؤلاء وهؤلاء أن يقولوا: لا؟! تألم ﷺ لما حدث .. لكن الله رحيم بنبيه .. لم يتركه لآلامه ودموعه .. بعث له جبريل مرة أخرى .. يحمل بشرى بالفداء والجنة .. ها هو (جبريل نزل على النبي ﷺ في أسارى بدر فقال: إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم أخذتم منهم الفداء واستشهد قابل منكم سبعون .. فنادى النبي ﷺ في أصحابه .. فجاءوا، أو من جاء منهم، فقال ﷺ : هذا جبريل يخيركم بين أن تقدموهم فتقتلوهم، وبين أن تفادوهم واستشهد قابل منكم بعدتهم .. فقالوا: بل نفاديهم فنتقوى به عليهم، ويدخل منا الجنة سبعون، ففادوهم) (١). أي يستشهد منا سبعون في السنة القادمة.

стр. 470

وهكذا (فادى النبي ﷺ بأسارى بدر، فكان فداء كل واحد منهم أربعة آلاف) (١) أي أربعة آلاف درهم .. إعدام طاغوت فقبل أن يطلبوا من أسراهم الفداء أمر ﷺ بإخراج أحد المجرمين من بين الأسرى .. واسم هذا المجرم: عقبة بن أبي معيط .. أمر ﷺ بإخراج عقبة هذا فهو لن يقبل منه فداءً ولا مالًا .. لأنه لا يقل شراسة وإجرامًا عن أبي جهل .. عقبة كان فرعونًا آخر لهذه الأمة .. إنه مجرم .. لقد عزم يومًا على قتل رسول الله ﷺ .. ليس في الطريق .. وليس في بيته ولا في الصحراء .. لقد قرر عقبة أن يقتل رسول الله ﷺ .. وهو آمن مع ربه في بيته الحرام الذي يلقى فيه الرجل قاتل أبيه فلا يتعرض له .. لكن عقبة كان كتلة من الحقد والكفر والإجرام .. سأل رجل عبد الله بن عمرو بن العاص فقال له: (حدثني بأشر شيء صنعه المشركون برسول الله ﷺ قال: أقبل عقبة بن أبي معيط ورسول الله ﷺ يصلي عند الكعبة فلوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر ﵁ فأخذه بمنكبيه فدفعه عن رسول الله ﷺ ثم قال: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم) (٢).

стр. 471

وفشلت محاولة عقبة .. أفشلها أسد من أسود الإِسلام .. أحبطها أبو بكر ﵁ .. فانسحب عقبة وهو يضمر شرًا .. فلما خرجت قريش إلى بدر أشرًا وبطرًا خرج عقبة معها لينفس عن أحقاده وشروره .. لعله يحظى برأس محمَّد وصاحبه أبي بكر معًا .. لكنه فشل من جديد .. وها هو علي بن أبي طالب يجتره من بين الأسرى وهو يرتعد خوفًا من الموت فيحاول أن يدفع الموت عنه بكلمة يستدر بها رحمةً .. أي رحمة؟ .. لكن رسول الله ﷺ يقتله بكلمة قبل أن يقول السيف كلمته .. حدث ذلك عندما (قام علي بن أبي طالب فقتله صبرًا .. قال: من للصبية يا محمَّد؟ قال ﷺ : النار) (١) عقبة يذكر الصبية لكنه لا يذكر الله ولا الإِسلام وكأن سبب هذه المعركة ثأر قديم أو خلاف في وجهات النظر بين أفراد قبيلة واحدة .. ومع ذلك فيمكن لعقبة أن ينجو من الموت .. وأن ينجو من النار لو أنه اختار الله ورسوله .. لكنه وهو على شفير الموت يرفض ذلك .. لو تشهد لنجا من سيف علي .. لكنه يرفض أن يكون عبدًا لله وحده ويرضى بأن يكون عبدًا لحجر ملقى على ظهر الكعبة هو صنعه بيديه .. بل حاول قتل رسول الله ﷺ من أجل ذلك الحجر .. فكان لعقبة ما اختار من لهيب السيف والنار .. وقذف عقبة مع أصحابه في تلك القليب النتنة المحشوة عفنًا وكفرًا وجحيمًا .. قذف عقبة باختياره .. أما رسول الله ﷺ فلم يكن يكره أن يسلم عقبة والأسرى جميعًا .. لقد نفذ أمر ربه الذي يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠)﴾ (٢) ورسول الله ﷺ كان رحيمًا فلم يكره أن يسلم عقبة ابن أبي معيط .. لم

стр. 472

يكره أن ينجو من سيف علي .. فدخول عقبة في دار الإيمان يكفل حمايته من السيف .. ومن سيوف المؤمنين جميعًا .. ها هو أحد فرسان بدر .. المقداد بن عمرو .. يبعث برسالة إلى العالم .. من أقصاه إلى أقصاه .. من خلال حوار متحضر جدًا مع رسول الله ﷺ .. قال المقداد لنبيه ﷺ : (يا رسول الله .. أرأيت إن لقيت رجلًا من الكفار فاقتتلنا، فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة فقال: أسلمت لله. أقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ فقال رسول الله ﷺ : لا تقتله. فقال: يا رسول الله إنه قطع إحدى يدي ثم قال ذلك بعد ما قطعها؟! فقال رسول الله ﷺ : لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال) (١). هذا هو الإِسلام .. وهذا هو خطابه لأتباعه والعالم: لا شأن لكم بالنوايا .. لا شأن لكم .. ولا يعرف ما في القلوب إلا من خلقها .. وقد رفض عقبة هذا الخطاب الجميل .. فغادر إلى الجحيم غير مأسوف عليه .. بقية الأسري في نعيم بقية الأسرى لم يسحبوا إلى قليب .. ولم يُقتادوا إلى معسكرات تجويع وتعذيب .. ولم يؤمروا بالقيام بأعمال شاقة .. فمنذ أغمد الصحابة سيوفهم تحولت الساحة من أنهار دم إلى واحات سلام .. شرب فيها الأسرى وأكلوا وناموا أكثر من الصحابة وأكثر من نبيهم عليه الصلاة

стр. 473

والسلام .. شيء لا يصدق لأنه لم يحدث من قبل .. شيء لا يصدق .. أيعقل أن يعامل المسلمون هؤلاء المشركين الذين حملوا السيوف وطردوا الرسول ﷺ واغتصبوا المال والدار .. أيعقل أن يعاملوا معاملة المسكين .. والطفل اليتيم .. أجل يعقل إذا كان القائد هو محمَّد ﷺ وكان الجيش من الصحابة .. ها هم يقدمون طعامًا للأسرى أفضل من طعامهم رغم جوعهم ورغبتهم الملحة فيه .. ليس لأنهم أبناء العمومة والعشيرة .. ولا لطمعهم بفدية أكثر فإن من المشركين من لا يملك إلا سيفه .. السبب ببساطة هو وعد نزل كالمطر من السماء .. فأنبت في قلوب المؤمنين تلك الرياض وتلك الرعاية وذلك الفيض من العطاء .. وحي من الله يقول: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ (١). هذه هي معسكرات الأسر في الإِسلام مهما كان الأسير مجرمًا أو مشركًا أو حتى ملحدًا .. هذا هو مفهوم الحبس في الإِسلام إن كان في الإِسلام حبس .. أسير مشرك خرج لسفك الدماء يخجل من كرم آسره .. وآسر يستحي أن يقدم لأسيره طعامًا أقل من طعامه أو مساويًا له .. يكتفي الصحابة بالتمر والماء .. ويقدمون الخبز واللحم -إن وجد- لأسراهم .. أخلاق زرعها ﷺ في أعماق أصحابه .. أخلاق تعادل درجات من الصلاة والصيام لا يطيقها الإنسان .. بشرهم ﷺ بذلك عندما قال لهم: (إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجات قائم الليل صائم النهار) (٢) .. ومن هو الذي يصلي ليله كله لا يفتر .. ويصوم كل يوم ولا يفطر .. قال

стр. 474

لهم ﷺ : (إن أقربكم مني مزلًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا في الدنيا) (١) (إن من أحبكم إلي أحسنكم أخلاقًا) (٢) و (من كان سهلًا هينًا لينًا حرمه الله على النار) (٣) غرس ﷺ تلك الأخلاق عندما قال لهم: (أنا وكافل اليتيم له أو لغيره في الجنة .. والساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله) (٤) و (أنا زعيم ببيت في .. أعلى الجنة لمن حسن خلقه) (٥). سحابة عطر كان محمَّد ﷺ وأصحابه .. بعد أن كانوا قبل قليل عاصفة من السلاح والموت .. سحابةٌ شعر الأسرى تحتها بالارتياح .. شعروا بنسيم الإِسلام البارد يغمرهم ويلطف لفح الصحراء من حولهم .. وانتشى الأنصار من جديد وتوهج كرمهم وحبهم لرسول الله ﷺ بالإيثار من جديد .. يقول أحد أبنائهم: (إن رجالًا من الأنصار استأذنوا رسول الله ﷺ قالوا: إيذن لنا فلنترك لابن أختنا العباس فداءه، فقال: لا والله .. لا تذرون منه درهمًا) (٦) وطالب رسول الله عمه العباس بالفداء .. بل كان فداء العباس أكثر من فداء غيره .. مكث ﷺ على أرض المعركة ثلاثة أيام كان فيها مشغولًا بأصحابه .. يعالج قضاياهم وجرحاهم ويتلقى الوحي من الله سبحانه في علاجه ذلك .. لم يكن ﷺ مشغولًا. بمن معه فقط بل كان يعيش بقلبه وشعوره مع أحباب لا يراهم حوله .. كان بقلبه وشعوره بين حرات المدينة .. يتذكر

стр. 475

أصحابه .. وأهله .. وحبيبته التي لا يدري ما فعل المرض بها .. لا يدري أي حالة تعيشها ابنته رقية .. ترى هل تعافت من مرضها أم أن الأوجاع تداعت على شبابها .. تذكر ﷺ المدينة ومن فيها فأرسل ابنه زيد -زيد بن حارثة (١) - ليبشر المدينة بنصر الله .. والقضاء على طواغيت قريش .. يبشر بأسر أشرافهم في يوم الإِسلام العظيم .. يوم الفرقان .. وقد كان ابنه أسامة ابن زيد ملازمًا لعثمان ورقية في مرضها .. وكان مع أول من استقبل والده وأخباره .. أسامة يحدثنا عن ذلك فيقول: (إن النبي ﷺ خلف عثمان بن عفان، وأسامة بن زيد على رقية بنت رسول الله ﷺ أيام بدر، فجاء زيد بن حارثة على العضباء ناقة رسول الله ﷺ بالبشارة، قال أسامة: فسمعت الهيعة، فخرجت فإذا زيد قد جاء بالبشارة، فوالله ما صدقت حتى رأيت الأسارى، فضرب رسول الله ﷺ لعثمان بسهمه) (٢) وهذا يعني أن عثمان كان يريد الخروج مع رسول الله ﷺ لكن رسول الله ﷺ أمره بالبقاء لتمريض زوجته رقية .. قال عبد الله بن عمر بن الخطاب إن عثمان بن عفان (كانت تحته

стр. 476

ابنة رسول الله ﷺ وإنها مرضت، فقال له رسول الله ﷺ : إن لك أجر رجل ممّن شهد بدرًا وسهمه) (١). لكن أين رقية .. أين حبيبتك يا عثمان .. أين حبيبة رسول الله ﷺ وريحانته .. ؟ الإجابة حزن على وجه عثمان وعلى وجه أسامة. ماتت رقية ووالدها بعيد عنها .. ماتت قبل أن ترى والدها وتطمئن على سلامته .. دون أن ترى أختها الحزينة زينب .. ها هو الحزن من جديد يخيم على بيت النبي ﷺ .. فاطمة تبكي وأم كلثوم تبكي حزنًا على رقية .. زهرة تذبل وشباب يختفي أمام عينيهما .. كم لعبوا سويًا .. كم ضحكوا وتراكضوا وتسابقوا إلى حضن خديجة .. كم تواثبوا وتزاحموا ليركبوا على ظهر محمَّد .. ما أحوج فاطمة وأم كلثوم إلى أبيهما .. ما أحوجهما إلى خديجة .. ما أحوجهما إلى أختهما الكبيرة زينب .. ينثران على صدرها شيئًا من الدموع .. فزينب بعيدة هناك .. حزينة هناك .. في مكة لا يعلمان عنها شيئًا ... ولا تعلم عنهم شيئًا .. ماتت رقية قبل أن يصل زيد بالخبر .. فقد (وافق زيد بن الحارثة ابنه أسامة حين سوى التراب على رقية بنت رسول الله، فقيل له: ذاك أبوك حين قدم، قال أسامة فجئت وهو واقف للناس يقول: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل، ونبيه ومنبه وأمية بن خلف، فقلت: يا أبت أحق هذا؟ قال: نعم والله يا بني) (٢) ويختلط الحزن في أجواء المدينة بالفرح، ويبتهج بقية المهاجرين والأنصار بالخبر الذي لا يصدقه إلا

стр. 477

مؤمن .. ويخفف النصر من الحزن والدموع المنثورة على رحيل رقية .. ويخيم الليل والوجد على عثمان .. إنه يعود إلى منزله فلا يجد فيه رقية .. كم هو مشتاق إليها .. كم هو وحيد دون رقية .. وكم هو وحيد وقد انقطع نسبه مع النبي ﷺ .. يا له من ليل حزين لا تبدده إلا الصلاة .. هذا ما يحدث في المدينة أما على أرض المعركة فتتسلل خيوط الفجر إلى سماء بدر .. ويشرق بلالٌ بالأذان .. ويستيقظ من كان نائمًا .. ويصلى الجميع خلف رسول الله ﷺ .. إنه فجر اليوم الثالث بعد انقضاء المعركة .. حيث يأمر ﷺ بالاستعداد للعودة إلى المدينة .. ويطلب تهيئة راحلته .. ويفرغ الجميع مما أمروا به .. وينطلق ﷺ إلى غير ما توقع الصحابة .. فهذا ليس بطريق المدينة .. إنه يتوقف ويتحدث إلى أقوام بشيء مفزع ومخيف جعل أحد الصحابة يستفسره عن ذلك .. أنس بن مالك يحدثنا عن ذلك المسير وعن ذلك التساؤل فيقول: (فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشدت عليها رحلها، ثم مشى واتبعه أصحابه وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته حتى قام على شفى الركى (١) فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم [يا أبا جهل بن هشام .. يا أمية بن خلف .. يا عتبة بن ربيعة .. يا شيبة بن ربيعة .. أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟] يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان .. أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا .. فقال عمر: يا رسول الله .. ما تكلم من أجساد لا أرواح لها. فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم [ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا (٢)] (٣) ولا يقدرون على أن يعودوا فيتوبوا .. مصير أسود رسموه

стр. 478

لأنفسهم .. وجحيم مرعب تسابقوا إليه وهم يحملون أصنامهم .. أما رسول الله ﷺ فقد تركهم وما تسابقوا إليه .. وانعطف براحلته نحو عواطف جياشةٍ تنتظره في طيبة الطيبة .. ليت شعري كيف استقبله أحبابه هناك .. أيهنئون أنفسهم به ويهنئونه بنصر الله .. أم يعزونه في رقية .. ؟ كيف استقبله عثمان هناك .. كيف كانت حالته ﷺ عندما زاحم الحزن فرحًا يزين صدره .. كيف كانت حالته عندما التقت عيناه بعيني فاطمة وعيني أم كلثوم .. وكيف شكتا له الوجد على أختهما الحبيبة .. ؟ هذه الحياة لم تصفُ لمحمد ﷺ .. لم تصفُ لحبيب الله .. فالحزن والمعاناة جزء من حياته .. يفقد ابنته الشابة ويصبر ويحتسب .. ويتوهج بوعد الله فيخفف عن غيره مصيبته ولوعته رغم ما هو فيه .. ويقول لعثمان: (لك أجر رجل شهد بدرًا وسهمه) (١) أما حارثة .. ذلك الشاب المكلف بالمراقبة والرصد والذي استشهد هناك في بدر .. فأمه هنا في المدينة تتلقى الركب تسأل عن حبيبها ... فيقع الخبر عليها كالموت .. فيحملها الحزن والسؤال إلى نبي الله ﷺ .. لقد (أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام فجاءت أمه إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى ترى ما أصنع ..

стр. 479

فقال ﷺ : ويحك .. أَوَهبلت؟ أَوَجنةٌ واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة وإنه في جنة الفردوس) (١) و (الفردوس ربوة الجنة وأعلاها وأوسطها، ومنها تفجر أنهار الجنة) (٢). سافر حارثة إلى الفردوس .. وعادت أمه إلى بيتها صابرة محتسبة .. لقد حول الإِسلام الحزن إلى مبعث للسعادة .. واختلطت دموع الحزن بالفرح عند المؤمنين فـ (عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر وكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له) (٣) .. وعجبًا لهذا النبي ما أرحمه .. إنه يتجاوز أحزانه إلى الآخرين ليخفف عنهم .. ليحثهم على الإبحار مع شهدائهم في أنهار الجنة .. وأهل بيت النبي ﷺ كانوا مثله .. يواسون تلك البيوت الحزينة .. كهذا البيت الذي تنوح فيه عفراء ﵂: عفراء حزينة تنوح عفراء حزينة على صغيريها .. عاد الرجال من القتال .. عادوا بالأسرى والجمال ولم يعودوا بالصغار .. لم يعودوا بعوف ولا بمعوذ .. ولن تراهما عفراء بعد الآن .. ولن تناديهما لقضاء حوائجها بعد اليوم .. لن تبحث عن عروس لعوف أو لأخيه ولن تسعد مع نساء المدينة بزفاف بهيج لهما .. عفراء مشتاقة إلى صغيريها .. يحترق جوفها من الحزن .. وتحمر عيناها من البكاء عليهما .. ولا يدرك وجد الأم إلا الأم .. خيمة حزن

стр. 480

بيت عفراء .. أما بيت النبي ﷺ فكان غيمةً من المشاعر .. تمتد إلى الجميع .. ها هي سودة وقد سمعت بما حدث لعوف وأخيه تتوجه إلى بيت أمهما .. تواسيها وتعزيها وتخفف أحزانها ببشرى الشهادة .. فصغيراها قد اجتثا فرعون الأمة وعدو الله ورسوله .. وهو أمر يسر أهل السماوات والأرض .. ويُخلد ذكرهما وذكر أمهما .. مكثت سودة ﵂ وقتًا عند عفراء لكن مفاجأةً أخرجتها فعادت إلى بيت زوجها ﷺ متأثرةً بحال تلك الأم الوالهة الجريحة .. وتأثرت كذلك بوقع تلك المفاجأة فتحولت مشاعر سودة إلى كلمات عاتبها الرسول ﷺ عليها فـ: ماذا قالت سودة هذه هي القصة كما رواها صحابي اسمه: عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة ﵄: (قُدم بالأسارى حين قدم بهم المدينة، وسودة بنت زمعة زوج النبي ﷺ عند آل عفراء في مناحتهم على عوف ومعوذ ابني عفراء -وذلك قبل أن يضرب الحجاب- قالت سودة: فوالله إني لعندهم إذ أُتينا فقيل: هؤلاء الأسارى قد أتي بهم، فرجعت إلى بيتي ورسول الله ﷺ فيه، فإذا أبو يزيد سهيل بن عمرو في ناحية الحجرة ويداه مجموعتان إلى عنقه بحبلٍ، فوالله ما ملكت حين رأيت أبا يزيد كذلك أن قلت: أبا يزيد أعطيتم بأيديكم ألا متم كرامًا .. فما انتبهت إلا بقول رسول الله ﷺ من البيت: يا سودة أعلى الله ورسوله تحرضين، فقلت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما

стр. 481

ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه بالحبل أن قلت ما قلت) (١) .. لقد غمرت سودة أجواءٌ مشحونة بالأحزان والأحداث والمفاجآت .. تتدافع نحوها .. تتهاوى عليها وكأن العالم يتقوض فوق رأسها .. فتنفلت منها تلك الكلمات دون أن تشعر .. موت رقية .. ومناحة عفراء .. وأسير من سادات قريش وكرمائها في حجرتها .. خطيب قريش وحكيمها مجموعة يداه إلى عنقه .. متكوم كالذل في زاوية الحجرة .. منظر يثير الشفقة والرأفة .. وامرأة رقيقة المشاعر زادها الإيمان شفافية تشهد ذلك كله .. لكن رسول الله ﷺ لم يعنفها .. لم يكفرها بتلك الحروف الشاردة .. كان ﷺ مربيًا. أشعرها دون أن يخدش مشاعرها .. وأعادها دون أن يجرحها .. سألها سؤالًا .. سأل إيمانًا متجذرًا في كل أعماقها .. فأفاقت واعتذرت لله ولرسوله ﷺ .. وأفاقت المدينة كلها على وقع الحوافر والخفاف .. الجمال والخيول والأحمال تملأ شوارع المدينة .. والحقد والغيظ يملأ قلوب اليهود والمنافقين .. فقد استجاب الله لرسوله (حين خرج فقال: اللَّهم إنهم عراة فاكسهم .. اللَّهم إنهم جياع فأشبعهم، ففتح الله لهم يوم بدر، فانقلبوا وما منهم رجل إلا وقد رجع بجمل أو جملين واكتسوا وشبعوا) (٢) فرح وعناق في الشوارع وعلى الأبواب وخلف الأبواب .. ورغم هذا الفرح المتدفق في الشوارع والقلوب كان ﷺ مأخوذًا بهموم وهموم .. الدعوة والقيادة

стр. 482

والأسرى .. وبيته الحزين على رقية .. وعلى زينب البعيدة بين جبال مكة .. يا له من شوق حمله ﷺ إلى زوجها وابن خالتها أبي العاص بن الربيع .. إنه الآن بين الأسرى ولا أدري في أي حجرة هو .. لكن شوق النبي ﷺ إلى ريحانته زينب يأخذه إلى حيث يقبع أبو العاص ليحدثه في شأن زينب فلا يتركه حتى (أخذ عليه أو وعده أن يخلي سبيل زينب إليه) (١) ولكن هذا لا يعني أن يعفى زوج ابنة رسول الله ﷺ من الفداء .. فهو أحد الأسرى ولا فرق بينه وبينهم .. وما طلبه الرسول ﷺ منه كان طلبًا شخصيًا لا علاقة له بالحرب .. فزينب هي ابنة خديجة بنت خويلد .. وأبو العاص هو ابن هالة بنت خويلد .. هالة التي كان تحلق برسول الله ﷺ في أجواء من الذكريات الحبيبة .. فتثير المغيرة في قلب الشابة عائشة ﵂ .. تحدثنا أم المؤمنين عن غيرتها فتقول: (استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله ﷺ ، فعرف استئذان خديجة .. فارتاع .. فقال: اللَّهم هالة! فغرت) (٢) .. وسوف ينقذ أبو العاص ويفي بوعده .. فهو رجل كريم حسن الخلق وإلا لما زوجه رسول الله ﷺ ابنته وريحانته .. غادر ﷺ أبا العاص بن الربيع إلى أصحابه .. وتحدث معهم ذات يوم عن الأسرى .. فجرى الحديث على ذكر أحد شيوخ قريش في الأسر .. فكانت:

стр. 483

المعجزة لقد قيل إن (في الأسرى أبو وداعة بن صبرة السهمي، فقال رسول الله ﷺ : إن له بمكة ابنًا تاجرًا كيسًا ذا مال كأنكم به قد جاءكم في فداء أبيه) (١) وابنه هذا اسمه: المطلب بن أبي وداعة .. معجزة ينطق بها ﷺ وهو لا ينطق عن الهوى .. لكن ما هو السبب الذي جعل المطلب ينهض مسرعًا نحو المدينة .. دعونا ننتقل إلى أجواء كئيبة بين منازل مكة وجبالها .. حيث أصاب الحجر الذي رأته عاتكة بنت عبد المطلب في منامها كل منزل من منازل قريش .. وشظايا ذلك الحجر الآن نزيف في كل قلب يسكن مكة .. امتلأت البيوت والأخبية بالبكاء والعويل .. وشقت الثياب وارتفع النواح ونثر التراب على الرؤوس .. فأبو سفيان الذي نجا بالقافلة لم ينج من جراح بدر .. فقد أثخنته في أعماقه .. ها هي هند زوجته تنوح وتنوح .. وقد أصيب بما لم يصب به غيرها. التهمت الصحراء والدها عتبة وعمها شيبة وأخاها الوليد .. وهم شجعان العرب، لكن حمزة وعلي وعبيدة ﵃ كانوا أشجع وأشد بأسًا .. ترى ماذا فعلت هند بثيابها .. وإلى أي مدى ارتفع نشيجها ونواحها .. وهناك أم جميل .. حمالة الحطب المجرمة .. لا بد أنها احترقت بما سمعت .. وزوجة أبي جهل ماذا فعلت عندما أخبرها عكرمة بقصة هلاك والده .. وزوجة أمية بن خلف لا بد أنه قد جن جنونها عندما علمت بتلف زوجها وابنها علي .. أبو لهب هل طار صوابه ودوي انتصار ابن أخيه يطرق المدى والآفاق .. مناخ بائس .. ومكة تكاد تحترق بأنفاس أهلها اليائسين الحانقين .. الذهول تجده في كل زاوية وعلى كل وجه ..

стр. 484

لكن هناك من اختلطت في نفسه مشاعر البهجة بالأسى .. عاتكة بنت عبد المطلب تفرح بتحقق رؤياها وهلاك طواغيتها لكن العباس وعقيلًا قد وقعوا في الأسر. وفي بيت عقبة بن أبي معيط كانت ابنته المحبوسة أم كلثوم لا بد أنها حزنت كثيرًا لموت أبيها مشركًا. .. فإذا تخطينا عدة أبيات ثم توقفنا ودلفنا البيت وجدنا زينب ابنة النبي ﷺ والوجوم يلفها .. زوجها أسير ووالدها وأخواتها بعيدون عنها. وبعض أهل مكة يقتلونها بنظراتهم الحاقدة .. لكنها تصبر وتحتسب المرارة والحزن عند الله .. وتسمع عن الفداء فترفع يديها خلف رقبتها وتحل رباط قلادة لها .. وتبحث عن أمين يبعث هذه القلادة إلى والدها لعل هذه القلادة تحرر أسيرها وحبيبها .. أما المطلب بن أبي وداعة والذي تنبأ الرسول ﷺ بقدومه إلى المدينة ليفك أسر أبيه .. فها هو يسير نحو مجلس لبعض رجالات قريش الذين ندموا على كثرة النواح والعويل على من التهمتهم الصحراء في بدر .. فماذا قال المطلب في ذلك المجلس .. لقد (كانت قريش ناحت على قتلاها ثم ندمت، وقالوا: لا تنوحوا عليهم، فيبلغ ذلك محمدًا وأصحابه فيشمتوا بكم، ... ، فلما قالت قريش في الفداء ما قالت، قال المطلب: صدقتم والله لئن فعلتم ليثأرن عليكم، ثم انسل في الليل، فقدم المدينة ففدى أباه بأربعة آلاف درهم) (١) واصطحبه معه إلى

стр. 485

مكة ورأى الصحابة معجزة نبوية أخرى .. وتتابع المشركون يفدون أسراهم بأموالهم، لكن هناك من يحلم بـ: إطلاق الأسرى دون مقابل أحدهم كان يحمل طموحًا أكبر .. فهو يطمح إلى إطلاق جميع الأسرى .. إنه الذي رأى الملائكة على أرض بدر وهو أحد وجهاء قريش: جبير بن مطعم بن عدي .. ابن ذلك الشهم الكريم .. "المطعم بن عدي" .. يمتطي راحلته متجهًا نحو المدينة .. ليجتمع برسول الله ﷺ في محاولة منه لإطلاق سراح الأسارى من قومه .. لكنه يقع في الأسر .. لم يأسره أحد من الصحابة .. ولا حتى من قطاع الطرق .. أسره القرآن وهو يمشي بهدوء بمحاذاة جدار مسجد النبي ﷺ في سويعات هادئة بعد الغروب .. يقول جبير إنه (جاء في فداء أسارى أهل بدر، قال: فوافقت رسول الله ﷺ يقرأ في صلاة المغرب: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣)﴾ فأخذني من قراءته فكان ذلك أول ما سمعت من أمر الإِسلام) (١) (فسمعته وهو يقرأ وقد خرج صوته من المسجد ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)﴾ فكأنما صدع قلبي) (٢) ..

стр. 486

(وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي) (١) فاستجاب جبير بن مطعم لقلبه الذي تعلق هذا الصوت المنساب من المسجد .. فتوقف يستمع إلى النبي ﷺ وهو يقرأ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨) يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨) فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا

стр. 487

صَادِقِينَ (٣٤) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧)﴾ (١). يقول جبير: (فلما بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧)﴾. كاد قلبي أن يطير) (٢). كان جبير خلف الجدار يشقى بقلبه بينما كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وبقية الصحابة ينعمون بالقرآن والصلاة .. حتى أتموا صلاتهم .. ثم سلم النبي ﷺ وسلم الصحابة من خلفه وبعد قليل انصرفوا وانصرف النبي ﷺ .. فتوجه إليه جبير بن مطعم .. فاستقبله النبي ﷺ بكل الوفاء والعرفان مذكرًا إياه بكرم أبيه "المطعم بن عدي" .. قدَّم جبير للنبي ﷺ التماسًا يطلب فيه إطلاق الأسرى من قريش .. لكن إجابة الرسول ﷺ كانت مخرسة .. لقد قال له: (لو كان المطعم بن عدي حيًا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له) (٣) .. فهِمَ جبير بن مطعم إجابة النبي ﷺ .. فانصرف بغير القلب الذي جاء به .. يحمل إيمانًا يصارع كفرًا .. يحمل همَّ عمه الذي قتله حمزة .. ويحمل تقديرًا للنبي ﷺ وإجلالًا بعد أن سمع ما يسر من ثناء على أبيه واحتفاظ بالجميل .. عاد جبير إلى مكة ولم يعد الأسرى .. وما زال أبو العاص بن الربيع بينهم .. وذات يوم يصل إلى المدينة رجل يحمل مالًا ويحمل قلادة إلى رسول الله ﷺ ، فيأخذ ﵇ تلك القلادة .. وتهتز نياط قلبه وهو يقلبها .. وتتعلق عيناه بها

стр. 488

فتحمله بعيدًا .. بعيدًا حيث خديجة .. حيث زينب وحيث مكة الحبيبة .. فينضح قلبه بالحزن .. ولسانه بالرجاء لأصحابه أن يخففوا أحزانه وأحزان حبيبته .. فيتأثر من حوله بمشهد الحرمان والشوق .. والغربة الذي يحيط بهذا النبي وأهل بيته صلوات الله عليهم جميعًا .. تقول عائشة ﵂: (لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله ﷺ في فداء أبي العاص بن الربيع بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت لخديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها، فلما رآها رسول الله ﷺ رق لها رقة شديدة وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها الذي لها فافعلوا .. فقالوا: نعم يا رسول الله .. فأطلقوه وردوا عليها الذي لها) (١) وقبل أن ينطلق أبو العاص إلى زينب أكد لرسول الله ﷺ أنه سيبعث بزينب وذلك بتحديد مكان تلاقي فيه من سيرسله رسول الله ﷺ لمرافقتها في طريق هجرتها .. هذا المكان هو أحد بطون الأودية واسمه (بطن يأجج) وهو قريب من مكة .. ثم توجه أبو العاص إلى مكة .. ولما وصل إلى زينب فرحت به وفرح بها وسلمها قلادتها وحريتها .. فاختارت الله ورسوله وتوجهت إلى (بطن يأجج) أما في المدينة فقد (بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة ورجلًا من الأنصار فقال: (كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب فتصحبانها حتى تأتياني بها، فخرجا مكانهما وذلك بعد بدر بشهر أو

стр. 489

شيعة .. فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها فخرجت جهرة) (١) بعد أن سلمها أبو العاص قلادتها وحريتها وأبقى لنفسه الهواجس والحرمان .. ورافقها أخوها زيد وصاحبه إلى أبيها .. إلى المدينة المنورة بالإِسلام .. فرح بها رسول الله ﷺ .. فرحت بها فاطمة وفرحت بها أم كلثوم .. لكن وصولها لامس جرحًا في أعماقهن على رقية الراحلة .. الراقدة تحت أطباق الثرى .. ذكرى رقية وما أصابها في سبيل الله من غربة وآلام .. آذاها المشركون في مكة فهاجرت مع عثمان إلى الحبشة ثم عادت إلى مكة ثم هاجرت إلى المدينة .. ولم يطل بقاؤها في المدينة حتى اجتاحتها أوجاع خطفتها وخطفت شبابها .. لقد كان ذلك كله في سبيل الله .. وهذا ما يهون من الحرقة عليها فهي راحلة إلى النعيم الخالد .. هذه هي قصة زينب وأسيرها فـ: ماذا عن بقية الأسرى غادر الأسرى إلى مكة بعد أن دفعوا الفدية ولكن بقي أناس منهم لا يملكون فداءً ولا مالًا .. استخفهم أبو جهل فأطاعوه .. وقد ذهب أبو جهل إلى النار وتركهم بين القيود .. وهناك آخرون رفض أهلهم دفع الفداء .. فماذا سيفعل بهم الرسول ﷺ هل سيقتلهم أم سيكون الأسر مصيرهم حتى تجمع لهم قريش مالًا .. لا هذا ولا ذاك .. إن رسول الله ﷺ

стр. 490

أكبر من أن يكلفهم ما لا يطيقون .. والإِسلام ما جاء ليصادر الحريات بل ليدعمها .. ويطلقها في طرقات البناء والإِسلام .. نزل القرآن الكريم يقول للنبي ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠)﴾ (١) كلمات تسقط بذور الخير في قلوب هؤلاء الأَّسرى .. وتجعلهم أصحاب أفق أبعد وتفكير أرقى .. كلمات تقدم المغفرة والجنة .. فمن أراد الإِسلام فلا حاجة لأسره فليعش بين أهل المدينة على الرحب والإيمان والسعة .. أما من يأبى ذلك فلا حاجة للمسلمين في حبس حريته .. أبواب الحرية أمامه مشرعة .. لكن عليه قبل ذلك أن يؤدي. الخدمة الاجتماعية بدلًا من الحبس وبذلك يستفاد منه ومن بقائه بين أظهر المسلمين بدلًا من إرهاق ميزانية الدولة المسلمة الفقيرة بالإنفاق عليهم رغم أن هذا الإنفاق فيه أجر عظيم وعظيم جدًا .. كما قال تعالى في وصف أصحابه أنهم: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ..﴾ (٢) لذلك أمروا بالخدمة الاجتماعية. فما هي الخدمة التي أداها هؤلاء مقابل حريتهم؟ يقول ابن عباس ﵄: (كان ناس من الأسارى يوم بدر ليس لهم فداء فجعل رسول الله ﷺ فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة) (٣) وقد حدثت قصة طريفة بين

стр. 491

أحد هؤلاء الأسارى وبين والد أحد أولئك الأطفال .. عندما (جاء غلام من أولاد الأنصار إلى أبيه فقال: ما شأنك؟ قال: ضربني معلمي. قال: الخبيث يطلب بذحل بدر؟ والله لا تأتيه أبدًا) أي يأخذ ثأره مما حدث له في غزوة بدر بضرب ذلك الطفل. وبذلك يؤكد الرسول ﷺ مبدأ العلم وأنه (فريضة على كل مسلم) (١) كما يفتح ﷺ باب خدمة المجتمع كبديل للحبس. فتعلم جزء كبير من أبناء الأنصار القراءة والكتابة .. وتفوق المسلمون على عدوهم حربًا وعلمًا .. وعاد بقية الأسرى إلى مكة بعد أن أدوا تلك الوظيفة الاجتماعية .. أصابت الدهشة جزيرة العرب لهذه النتيجة .. وتفاقم الحقد في نفوس اليهود وضاقوا بما جرى .. ولا أدري لماذا كل هذا الحقد والحسد والأمر كوجه الشمس .. إنه النبي الذي جاء ليحررهم من الاضطهاد والطغيان ويخفف عنهم بعض الأحكام التي عوقبوا بها لتمردهم .. لا أدري لماذا كل هذا التبرم والعناد وهم يعرفون أنه ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (٢) .. وقد استطاع الأحبار والرهبان بعد موت موسى ورفع عيسى عليهما الصلاة والسلام أن يحذفوا اسم محمَّد ﷺ من التوراة والإنجيل .. لكنهم لم يتمتعوا

стр. 492

بقدر من الذكاء يمكنهم من طمس كل شيء يتعلق بمحمد في التوراة والإنجيل .. لقد كانوا من الغباء بحيث أبقوا على وصف أحداث وأماكن لا يمكن أن تنطبق إلا على محمَّد ﷺ فمثلًا غفلوا عن هذه الكلمات في التوراة (هذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته فقال: أقبل الرب من سيناء، وأشرق لهم من جبل ساعير وتجلى من جبل فاران) (١) حذف المغفلون اسم محمَّد ونسوا كلمة فاران .. فجبال فاران هي جبال مكة .. وموسى وعيسى وكل أنبياء بني إسرائيل ليس لهم علاقة بجبال فاران أي جبال مكة حسب التوراة والإنجيل. فمن هو النبي الذي أوحى إليه وهو فوق جبال فاران .. كما أوحي إلى موسى بين جبال سيناء .. هل هناك غير محمَّد ﷺ ؟! شيء آخر إنه حادث الهجرة .. وحتى غزوة بدر أيضًا كان لهما إشارة في التوراة .. وقد حذف الأحبار اسم محمَّد ﷺ لكنهم نسوا أن الاسم وحده ليس كل شيء فالأحداث مفصلة على محمَّد ﷺ وحده .. هكذا تقول توراتهم: (وحي على بلاد العرب، في الوعر في بلاد العرب، بيتوا في صحراء العرب يا قوافل الدّدانين، هاتوا ماءً للعطشان يا سكان تيماء استقبلوا الهارب الجائع بالخبز (٢). هم هاربون من أمام السيوف، ومن أمام القوس المشدودة وويلات الحرب، وهذا ما قاله لي الرب. بعد سنة يفنى كل مجد قيدار (عدنان)، ولا يبقى من أصحاب الأقواس من جبابرة بني (عدنان) قيدار غير القليل) (٣).

стр. 493

هذه هي النبوءة التي غفل عنها الأحبار وتعسف في تأويلها الشراح هل تنطبق على نبي غير محمَّد ﷺ .. من هو الذي جاء بالوحي من جهة بلاد العرب .. من هو الذي هرب وأصحابه من شدة العذاب ولظى السيوف؟ من هو النبي الذي هرب من قومه (بني عدنان) ثم حاربهم بعد عام وأفنى جبابرتهم ولم يبق من جبابرتهم سوى القليل .. ؟ من هو النبي الذي أفنى هيبة قريش وهم بنو عدنان .. بعد سنة من هجرته وهروبه .. ثم إن هناك حقيقة كالشمس تزداد سطوعًا كلما حاول اليهود إخفاءها. هذه الحقيقة هي أن التوراة تخاطب اليهود .. اليهود وحدهم .. وهي تطلب منهم أن يستقبلوا حامل الوحي القادم من بلاد العرب بالترحاب والخبز وأن ينصروه فهو هارب من السيوف المسلولة والأقواس المشدودة .. فلماذا انتقل اليهود من أرض الشام إلى المدينة (يثرب) لماذا تركوا الديار المقدسة الباردة إلى يثرب ذات المناخ الحار والحمى القاتلة .. ؟ السبب بسيط: هو أن التوراة كانت فيها تفاصيل أكثر عن هذا النبي وعن مكان هجرته وعن وقت خروجه .. وإلا فما الذي حشر اليهود وجعلهم يزاحمون العرب في (يثرب) ذات الحمى والجبال الوعرة .. ما الذي جعلهم يتحملون كل هذه المعاناة .. إلا لأنهم كانوا يريدون أن يوافوا الهارب بالخبز ويحطموا به العرب والعالم .. لكن ويا لأسفهم .. هذا الهارب عربي من بي عدنان (قيدار) .. إنها كارثة كيف ينقاد بنو إسرائيل لنبي عربي بعد ذلك التاريخ الحافل بالكتب والوحي .. بعد تلك السلسلة الطويلة من الأنبياء العظام من اليهود .. ؟

стр. 494

كيف ينقاد اليهود المثقفون إلى نبي من هؤلاء العرب الذين تغلب عليهم الأمية وتتغلغل في نفوسهم الوثنية .. كيف يرضى اليهود بنبي عربي من بني إسماعيل .. ؟ إنه ليس يهوديًا .. ليس من بني إسرائيل (يعقوب) لا ولا حتى من بني إسحاق .. أمر صعب وحقيقة مرة يرفضها اليهود .. إنها تعني في نظرهم أن يبقى اليهود وكتبهم وتاريخهم على الأرفف وفي الخزائن لإفساح المجال لهذا الجديد الذي يحمله محمَّد ﷺ .. هذه قصة عجيبة تبين لنا سبب قدوم يهود إلى يثرب .. وهي تتفق مع ما ورد قبل قليل في التوراة .. دعونا نستمع إلى رجال تأثروا بالتوراة أكثر مما تأثر بها اليهود أنفسهم .. يقول هؤلاء الرجال: (إن مما دعانا إلى الإِسلام مع رحمة الله تعالى وهداه لنا: أن كنا نسمع من رجل من اليهود وكنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم. فكنا كثيرًا ما نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله رسول الله ﷺ أجبناه حين دعانا إلى الله وعرفنا ما كانوا يتواعدوننا به فبادرناهم إليه فآمنا به وكفروا به، ففينا وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾) (١) إذًا فهم في الحقيقة لا ينتظرون

стр. 495

نبيًا يهديهم إلى الحق وينقلهم من الظلمات والشرك إلى التوحيد والنور .. لقد كانوا ينتظرون ملكًا يبيدون به الجيويش ويتحكمون به في العالم .. نبيًا يريدونه من نسل يعقوب وإسحاق لا من أبناء العمومة - أبناء إسماعيل .. وهذا أحد اليهود يتلفظ قبل وفاته بهذه الأمنية .. ويبين لمن حول فراشه وهو يموت سبب قدومه إلى يثرب التي يسميها أرض البؤس والجوع .. تاركًا وراءه أرض الخضرة والخمر والأنهار .. يروي لنا هذه القصة رجل من يهود بني قريظة هداه الله للإسلام .. ويحدث من نقل لنا هذه الرواية فيقول: (هل تدري عمَّ كان إسلام ثعلبة بن سعيد وأسيد بن سعية، وأسد ابن عبيد -وهم نفر من بني هذل إخوة بني قريظة- كانوا معهم في جاهليتهم ثم كانوا سادتهم في الإِسلام؟ قلت: لا. قال: فإن رجلًا من اليهود من أرض الشام يقال له ابن الهيِّبان قدم علينا قبل الإِسلام بسنين، فحل بين أظهرنا، لا والله ما رأينا رجلًا قط لا يصلى الخمس أفضل منه. فأقام عندنا فكنا إذا قحط عنا المطر قلنا له: اخرج يا ابن الهيِّبان فاستسق لنا. فيقول: لا والله حتى تقدموا بين يدي مخرجكم صدقة، فنقول له: كم؟ فيقول: صاعًا من تمر، أو مدين من شعير. قال: فنخرجها، ثم يخرج بنا إلى ظاهر حرتنا فيستسقى لنا، فوالله ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب ويسقي. قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاثًا. ثم حضرته الوفاة عندنا، فلما عرف أنه ميت قال: يا معشر يهود .. ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قلنا: أنت أعلم. قال: فإني إنما قدمت هذه البلدة أتوكف
следующие страницы →