أحد هؤلاء الأسارى وبين والد أحد أولئك الأطفال .. عندما (جاء غلام من أولاد الأنصار إلى أبيه فقال: ما شأنك؟ قال: ضربني معلمي. قال: الخبيث يطلب بذحل بدر؟ والله لا تأتيه أبدًا) أي يأخذ ثأره مما حدث له في غزوة بدر بضرب ذلك الطفل. وبذلك يؤكد الرسول ﷺ مبدأ العلم وأنه (فريضة على كل مسلم) (١) كما يفتح ﷺ باب خدمة المجتمع كبديل للحبس.
فتعلم جزء كبير من أبناء الأنصار القراءة والكتابة .. وتفوق المسلمون على عدوهم حربًا وعلمًا .. وعاد بقية الأسرى إلى مكة بعد أن أدوا تلك الوظيفة الاجتماعية .. أصابت الدهشة جزيرة العرب لهذه النتيجة .. وتفاقم الحقد في نفوس اليهود وضاقوا بما جرى .. ولا أدري لماذا كل هذا الحقد والحسد والأمر كوجه الشمس .. إنه النبي الذي جاء ليحررهم من الاضطهاد والطغيان ويخفف عنهم بعض الأحكام التي عوقبوا بها لتمردهم .. لا أدري لماذا كل هذا التبرم والعناد وهم يعرفون أنه ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (٢) .. وقد استطاع الأحبار والرهبان بعد موت موسى ورفع عيسى عليهما الصلاة والسلام أن يحذفوا اسم محمَّد ﷺ من التوراة والإنجيل .. لكنهم لم يتمتعوا
стр. 492
بقدر من الذكاء يمكنهم من طمس كل شيء يتعلق بمحمد في التوراة والإنجيل .. لقد كانوا من الغباء بحيث أبقوا على وصف أحداث وأماكن لا يمكن أن تنطبق إلا على محمَّد ﷺ فمثلًا غفلوا عن هذه الكلمات في التوراة (هذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته فقال:
أقبل الرب من سيناء، وأشرق لهم من جبل ساعير وتجلى من جبل فاران) (١) حذف المغفلون اسم محمَّد ونسوا كلمة فاران .. فجبال فاران هي جبال مكة .. وموسى وعيسى وكل أنبياء بني إسرائيل ليس لهم علاقة بجبال فاران أي جبال مكة حسب التوراة والإنجيل. فمن هو النبي الذي أوحى إليه وهو فوق جبال فاران .. كما أوحي إلى موسى بين جبال سيناء .. هل هناك غير محمَّد ﷺ ؟! شيء آخر إنه حادث الهجرة .. وحتى غزوة بدر أيضًا كان لهما إشارة في التوراة .. وقد حذف الأحبار اسم محمَّد ﷺ لكنهم نسوا أن الاسم وحده ليس كل شيء فالأحداث مفصلة على محمَّد ﷺ وحده .. هكذا تقول توراتهم: (وحي على بلاد العرب، في الوعر في بلاد العرب، بيتوا في صحراء العرب يا قوافل الدّدانين، هاتوا ماءً للعطشان يا سكان تيماء استقبلوا الهارب الجائع بالخبز (٢).
هم هاربون من أمام السيوف، ومن أمام القوس المشدودة وويلات الحرب، وهذا ما قاله لي الرب. بعد سنة يفنى كل مجد قيدار (عدنان)، ولا يبقى من أصحاب الأقواس من جبابرة بني (عدنان) قيدار غير القليل) (٣).
стр. 493
هذه هي النبوءة التي غفل عنها الأحبار وتعسف في تأويلها الشراح هل تنطبق على نبي غير محمَّد ﷺ .. من هو الذي جاء بالوحي من جهة بلاد العرب .. من هو الذي هرب وأصحابه من شدة العذاب ولظى السيوف؟
من هو النبي الذي هرب من قومه (بني عدنان) ثم حاربهم بعد عام وأفنى جبابرتهم ولم يبق من جبابرتهم سوى القليل .. ؟
من هو النبي الذي أفنى هيبة قريش وهم بنو عدنان .. بعد سنة من هجرته وهروبه .. ثم إن هناك حقيقة كالشمس تزداد سطوعًا كلما حاول اليهود إخفاءها.
هذه الحقيقة هي أن التوراة تخاطب اليهود .. اليهود وحدهم .. وهي تطلب منهم أن يستقبلوا حامل الوحي القادم من بلاد العرب بالترحاب والخبز وأن ينصروه فهو هارب من السيوف المسلولة والأقواس المشدودة .. فلماذا انتقل اليهود من أرض الشام إلى المدينة (يثرب) لماذا تركوا الديار المقدسة الباردة إلى يثرب ذات المناخ الحار والحمى القاتلة .. ؟ السبب بسيط: هو أن التوراة كانت فيها تفاصيل أكثر عن هذا النبي وعن مكان هجرته وعن وقت خروجه .. وإلا فما الذي حشر اليهود وجعلهم يزاحمون العرب في (يثرب) ذات الحمى والجبال الوعرة .. ما الذي جعلهم يتحملون كل هذه المعاناة .. إلا لأنهم كانوا يريدون أن يوافوا الهارب بالخبز ويحطموا به العرب والعالم .. لكن ويا لأسفهم .. هذا الهارب عربي من بي عدنان (قيدار) .. إنها كارثة كيف ينقاد بنو إسرائيل لنبي عربي بعد ذلك التاريخ الحافل بالكتب والوحي .. بعد تلك السلسلة الطويلة من الأنبياء العظام من اليهود .. ؟
стр. 494
كيف ينقاد اليهود المثقفون إلى نبي من هؤلاء العرب الذين تغلب عليهم الأمية وتتغلغل في نفوسهم الوثنية .. كيف يرضى اليهود بنبي عربي من بني إسماعيل .. ؟ إنه ليس يهوديًا .. ليس من بني إسرائيل (يعقوب) لا ولا حتى من بني إسحاق .. أمر صعب وحقيقة مرة يرفضها اليهود .. إنها تعني في نظرهم أن يبقى اليهود وكتبهم وتاريخهم على الأرفف وفي الخزائن لإفساح المجال لهذا الجديد الذي يحمله محمَّد ﷺ ..
هذه قصة عجيبة تبين لنا سبب قدوم يهود إلى يثرب .. وهي تتفق مع ما ورد قبل قليل في التوراة .. دعونا نستمع إلى رجال تأثروا بالتوراة أكثر مما تأثر بها اليهود أنفسهم .. يقول هؤلاء الرجال:
(إن مما دعانا إلى الإِسلام مع رحمة الله تعالى وهداه لنا: أن كنا نسمع من رجل من اليهود وكنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا:
إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم. فكنا كثيرًا ما نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله رسول الله ﷺ أجبناه حين دعانا إلى الله وعرفنا ما كانوا يتواعدوننا به فبادرناهم إليه فآمنا به وكفروا به، ففينا وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾) (١) إذًا فهم في الحقيقة لا ينتظرون
стр. 495
نبيًا يهديهم إلى الحق وينقلهم من الظلمات والشرك إلى التوحيد والنور .. لقد كانوا ينتظرون ملكًا يبيدون به الجيويش ويتحكمون به في العالم .. نبيًا يريدونه من نسل يعقوب وإسحاق لا من أبناء العمومة - أبناء إسماعيل .. وهذا أحد اليهود يتلفظ قبل وفاته بهذه الأمنية .. ويبين لمن حول فراشه وهو يموت سبب قدومه إلى يثرب التي يسميها أرض البؤس والجوع .. تاركًا وراءه أرض الخضرة والخمر والأنهار .. يروي لنا هذه القصة رجل من يهود بني قريظة هداه الله للإسلام .. ويحدث من نقل لنا هذه الرواية فيقول:
(هل تدري عمَّ كان إسلام ثعلبة بن سعيد وأسيد بن سعية، وأسد ابن عبيد -وهم نفر من بني هذل إخوة بني قريظة- كانوا معهم في جاهليتهم ثم كانوا سادتهم في الإِسلام؟
قلت: لا. قال: فإن رجلًا من اليهود من أرض الشام يقال له ابن الهيِّبان قدم علينا قبل الإِسلام بسنين، فحل بين أظهرنا، لا والله ما رأينا رجلًا قط لا يصلى الخمس أفضل منه. فأقام عندنا فكنا إذا قحط عنا المطر قلنا له: اخرج يا ابن الهيِّبان فاستسق لنا. فيقول: لا والله حتى تقدموا بين يدي مخرجكم صدقة، فنقول له: كم؟ فيقول: صاعًا من تمر، أو مدين من شعير.
قال: فنخرجها، ثم يخرج بنا إلى ظاهر حرتنا فيستسقى لنا، فوالله ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب ويسقي. قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاثًا. ثم حضرته الوفاة عندنا، فلما عرف أنه ميت قال:
يا معشر يهود .. ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قلنا: أنت أعلم. قال: فإني إنما قدمت هذه البلدة أتوكف
стр. 496
خروج نبي قد أظل زمانه، هذه البلدة مُهاجره، فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه وقد أظلكم زمانه، فلا تُسبقن إليه يا معشر يهود، فإنه يبعث بسفك الدماء وسبي الذراري ممّن خالفه، فلا يمنعنكم ذلك منه) (١) لكن ماذا فعل بنو قريظة بعد بعثة النبي ﷺ .. لقد ظلوا على يهوديتهم المحرفة ولم يسلم إلا القليل .. القليل منهم .. لكن بعض اليهود لم يكتفوا بالكفر بمحمد ﷺ .. بل حاولوا نقض المصالحة وهدم الجسر الذي شيده ﷺ بعد وصوله للمدينة بين أهلها جميعًا كفارًا ويهودًا ومسلمين .. وكان أحد هؤلاء وأبرزهم يهودي حاقد .. يهودي شرير أطلق لسانه بالشتم والسباب .. ووظف موهبته الشعرية في الهجاء والسخرية من الله ورسوله وكتابه ودينه ومن دولة الإِسلام وأهلها .. ومع ذلك يأمر الله نبيه ﷺ بالعفو والصفح والتحمل وعدم فتح جبهة مع هذا الخائن أو ذاك .. صالحهم ﷺ وأمرهم بأن يعيشوا في دولة واحدة متعاونين على أعدائها متناسين ما بينهم من خلاف .. لكنهم خانوا العهد والميثاق .. وتنكروا لحسن الجوار والأخلاق .. وكان رأس الفتنة هذا يسمى:
كعب بن الأشرف
يحدثنا عنه وعن شعره أعلم الناس بشعره .. شاعر الأنصار كعب بن مالك يتحدث عن كعب بن الأشرف فيقول: (إن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرًا، وكان يهجو رسول الله ﷺ ويحرض عليه كفار قريش في شعره، وكان رسول الله ﷺ قدم المدينة وأهلها أخلاطًا: منهم
стр. 497
المسلمون الذين تجمعهم دعوة رسول الله ﷺ ومنهم المشركون الذين يعبدون الأوثان .. ومنهم اليهود وهم أهل الحلقة والحصون، وهم حلفاء للحيين الأوس والخزرج، فأراد رسول الله ﷺ حين قدم المدينة استصلاحهم كلهم، وكان الرجل يكون مسلمًا وأبوه مشرك، والرجل يكون مسلمًا وأخوه مشرك، وكان المشركون واليهود من أهل المدينة حين قدم رسول الله ﷺ المدينة يؤذونه أشد الأذى، فأمر الله رسوله والمسلمين بالصبر والعفو، فقال تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾.
وقال: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ فأمر رسول الله ﷺ سعد بن معاذ أن يبعث رهطًا ليقتلوا كعبًا .. فبعث إليه سعد محمَّد بن مسلمة وأبا عبس والحارث ابن أخي سعد بن معاذ في خمسة رهط) (١) فقال ﷺ : (من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله؟ فقام محمَّد بن مسملة فقال: يا رسول الله أتحب أن أقتله؟ قال: نعم، قال: فأذن لي رسول الله أن أقول شيئًا. قال ﷺ : قل) (٢) أي سمح له ببعض الكلمات التي يمس فيها رسول الله ﷺ لكي يخدع بها
стр. 498
كعب بن الأشرف ويتمكن من استدراجه حتى يجهز عليه ويتخلص منه ومن خيانته. وجاءت ساعة التنفيذ فـ (مشى معهم رسول الله ﷺ إلى بقيع الغرقد ثم وجههم وقال:
انطلقوا على اسم الله .. اللَّهم أعنهم) (١).
إذًا فقد (بعث إليه سعدُ؛ محمدَ بن مسلمة وأبا عبس والحارث ابن أخي سعد بن معاذ في خمسة رهط أتوه عشية، وهو في مجلسهم بالعوالي، فلما رآهم كعب أنكرهم وكاد يذعر منهم، فقال لهم: ما جاء بكم؟ قالوا: جاءت بنا إلك الحاجة. قال: فليدن إلي بعضكم فليحدثني بها. فدنا إليه بعضهم، فقال: جئناك لنبيعك أدراعًا لنا لنستنفق أثمانها. فقال: والله لئن فعلتم ذلك لقد جهدتم، قد نزل بكم هذا الرجل. فواعدهم أن يأتوه عشاءً حين يهدأ عنهم الناس، فجاءوا، فناداه رجل منهم، فقام ليخرج فقالت امرأته: ما طرقوك ساعتهم هذه لشيء مما تحب، فقال: بلى إنهم قد حدثوني حديثهم، فاعتنقه أبو عبس وضربه محمَّد بن مسلمة بالسيف، وطعنه بعضهم بالسيف في خاصرته) (٢) فغرق الحاقد بدمائه .. وكان لهذا الغرق تفاصيل أخرى يرويها أحد الأنصار وهو جابر بن عبد الله فيقول: (قام محمَّد بن مسلمة فقال: يا رسول الله أتحب أن أقتله؟ قال: نعم. قال: فَأْذَنْ لي يا رسول الله أن أقول شيئًا. قال: قل. فأتاه محمَّد بن مسلمة فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقة، وإنه قد عنَّانا، وإني قد أتيتك
стр. 499
أستسلفك. قال كعب: وأيضًا والله لتملنه. قال: إنا قد اتبعناه، فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفنا وسقًا أو وسقين ..
فقال كعب: نعم أرهنوني .. قالوا: أي شيء تريد؟ قال: أرهنوني نساءكم. قالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ قال: أرهنوني أبناءكم. قالوا: كيف نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم فيقال: رهن بوسق أو وسقين هذا عار علينا ولكن نرهنك اللامة (١).
فواعده أن يأتيه، فجاءه ليلًا ومعه أبو نائلة -وهو أخو كعب من الرضاعة- فدعاهم إلى الحصين، فنزل إليهم، فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة؟ فقال: إنما هو محمَّد بن مسلمة وأخي أبو نائلة ..
قالت: أسمع صوتًا كأنه يقطر منه الدم. قال: إنما هو أخي محمَّد بن مسلمة ورضيعى أبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب ....
فقال محمَّد: إذا ما جاء فإني قائل بشعره فأشمه، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه، فترل إليه متوشحًا وهو ينفح منه ريح الطيب، فقال: ما رأيت اليوم ريحًا أطيب. قال كعب: عندي أعطر نساء العرب وأكمل العرب. فقال محمَّد: أتأذن لي أن أشم رأسك؟ قال: نعم فشمه، ثم أشم أصحابه ثم قال: أتأذن لي؟ قال: نعم فلما استمكن منه قال: دونكم، فقتلوه، ثم أتوا النبي ﷺ فأخبروه) (٢) .. وبشروه بالقضاء على هذا اليهودي .. أحد سادات يهود بني النضير .. هذا الحدث لم يكن بسيطًا .. كان أثره عميقًا في نفوس يهود بن النضير بل إنه قد هز أعماق
стр. 500
المشركين من عبدة الأوثان أتباع الوثني المسمى بـ (عبد الله بن أُبي بن سلول) .. لقد اختفى ذلك اليهودي الشرير و (لما قتلوه فزعت اليهود ومن كان معهم من المشركين، فغدوا على رسول الله ﷺ حين أصبحوا فقالوا: إنه طرق صاحبنا الليلة وهو سيد من ساداتنا فقتل، فذكرهم رسول الله ﷺ الذي كان يقول في أشعاره وينهاهم به، ودعاهم رسول الله ﷺ إلى أن يكتب بينه وبينهم وبين المسلمين عامة صحيفة كتابًا ينتهون إلى ما فيه، فكتب النبي ﷺ بينه وبينهم وبن المسلمين عامة صحيفة كتبها رسول الله ﷺ تحت العذق الذي كان في دار ابنة الحارث) (١).
إذًا فقد تحول العهد والميثاق الشفهي إلى:
وثيقة مكتوبة بين النبي والمسلمين واليهود
وها هو أحد الصحابة يحدثنا بتفاصيل أدق لتلك العملية فيقول: (مشى معهم رسول الله إلى بقيع الغرقد ثم وجههم وقال: انطلقوا على اسم الله .. اللَّهم أعنهم، ثم رجع رسول الله ﷺ إلى بيته وهو في ليلة مقمرة، فانطلقوا حتى انتهوا إلى حصنه، فهتف به أبو نائلة، وكان حديث عهد بعرس، فوثب في ملحفته، فأخذت امرأته بناحيتها وقالت: أنت امرؤ محارب وإن أصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة، قال لها كعب لو دعي الفتى لطعنة أجاب، فنزل فتحدث معهم ساعة وتحدثوا معه، ثم قالوا: هل لك يا ابن الأشرف أن نتماشى إلى شعب العجوز فنتحدث به بقية ليلتنا هذه؟ قال: إن شئتم.
стр. 501
فخرجوا، فمشوا ساعة، ثم إن أبا نائلة شام يده في فود رأسه ثم شم يده فقال: ما رأيت كالليلة طيبًا أعطر قط. ثم مشى ساعةً ثم عاد لمثلها حتى اطمأن، ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها فأخذ بفودي رأسه ثم قال:
اضربوا عدو الله. فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئًا، قال محمَّد بن مسلمة: فذكرت مغولًا في سيفي فأخذته وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار، فوضعته في ثنته، ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته فوقع عدو الله وقد أصيب الحارث بن أوس بجرح في رجله أو في رأسه أصابه بعض سيوفنا، فخرجنا حتى سلكنا على بني أمية بن زيد ثم على بني قريظة ثم على بعاث حتى أسندنا في حرة العريض وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث بن أوس ونزفه الدم، فوقفنا له ساعة، ثم أتانا يتبع آثارنا فاحتملناه، فجئنا به رسول ﷺ آخر الليل وهو قائم يصلي، فسلمنا عليه فخرج إلينا فأخبرناه بقتل عدو الله، وتفل رسول الله ﷺ على جرح صاحبنا، ورجعنا إلى أهلنا، فأصبحنا وقد خافت يهود بوقعتنا بعدو الله، فليس بها يهودي إلا وهو خائف على نفسه) (١) بعد أن رأوا مصير هذا المتآمر .. لا سيما وهو أحد زعماء يهود بني النضير وساداتهم ..
وملأ الخوف نفوس مشركي المدينة أمثال عبد الله بن أبي بن سلول وغيره .. اهتزت حصون اليهود وأوثان المشركين فعقدوا اجتماعًا خائفًا وقصيرًا .. فيدُ الموت أصبحت طويلة تمتد نحو كل خائن .. حتى ولو كان زعيمًا ككعب بن الأشرف فماذا حدث بعد ذلك الاجتماع .. (فزعت
стр. 502
اليهود ومن كان معهم من المشركين، فغدوا على رسول الله ﷺ حين أصبحوا، فقالوا: إنه طرق صاحبنا الليلة وهو سيد من ساداتنا فقتل، فذكرهم رسول الله ﷺ الذي كان يقول في أشعاره وينهاهم به، ودعاهم رسول الله ﷺ إلى أن يكتب بينه وبينهم وبن المسلمين عامة صحيفة كتبها رسول الله ﷺ تحت العذق الذي كان في دار ابنة الحارث) (١).
وتحول بذلك العهد والميثاق الشفهى إلى وثيقة مكتوبة تحد من خيانة هؤلاء اليهود ومن يتعاون معهم من المشركين أمثال عبد الله بن أُبي بن سلول وغيره من عباد الأوثان .. لقد أفحم رسول الله ﷺ قوم كعب بن الأشرف وأتباعه من يهود بني النضير وأذنابهم من المشركين حينما هرولوا يحتجون على اغتيال ذلك الخائن .. لقد أسمعهم ﷺ قصائده التي تنخر في عظام المدينة كلها .. وكانت تلك القصائد تحرض على انفجار حرب أهلية تلون جدران المدينة بالموت والدماء .. تلك القصائد كانت تحرض قريشًا على التحالف مع اليهود ضد هذه الدولة الفتية .. ولا أعرف سببًا واحدًا يجعل كعبًا وغيره يقدمون على إثارة الفتن والدماء .. لقد عاملهم ﷺ بكل لطف واحترام .. وجاء من أجل إنقاذهم من الكفر والشرك .. كان ﷺ حليمًا حكيمًا في التصرف معهم رغم إساءاتم المتكررة له ولدينه ولأصحابه .. لقد سكت اليهود، عندما سمعوا تلك القصائد وكان في سكوتهم إدانة لهم .. لكن النبي ﷺ لم يشملهم بالعقاب إنما دعاهم إلى كتابة وثيقة عهد وصلح بينهم يأمن بعضهم شر بعض على أساسها .. ويُلزم كل طرف بعدم التعاون مع أطراف خارجية ضد أحد أطراف تلك الوثيقة ولو بالشعر فالشعر آنذاك هو الإعلام .. وافق بنو النضير على
стр. 503
ذلك .. لكن دماء الحقد المتجمدة الآن في عروق كعب بن الأشرف لا تزال حارةً متدفقة في شرايين بني النضير وغيرهم .. لم يمر سوى زمن يسير حتى:
أعلن يهود النضير وقريظة الحرب
يقول عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄: (إن يهود بني النضير وقريظة حاربوا رسول الله ﷺ ، فأجلى رسول الله ﷺ بني النضير، وأقر قريظة ومن عليهم) (١) لكن ما هي:
قصة إجلاء بني النضير
وكيف خانوا وحاربوا، وكيف تصرف رسول ﷺ معهم ومع خيانة بني قريظة عندما نقضوا تلك الصحيفة التي أجمع عليها يهود المدينة كلهم .. ؟ يحدثنا أحد أصحاب النبي فيقول ﵁:
(إن كفار قريش كتبوا إلى عبد الله بن أُبي بن سلول ومن كان يعبد الأوثان من الأوس والخزرج -ورسول الله ﷺ يومئذٍ بالمدينة- قبل وقعة "بدر" يقولون:
إنكم آويتم صاحبنا، وإنكم أكثر أهل المدينة عددًا، وإنا نقسم بالله لتقاتلنه، أو لتخرجنه، أو لنستعن عليكم العرب، ثم لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم، ونستبيح نساءكم، فلما بلغ ذلك ابن أبي ومن معه من عبدة الأوثان تراسلوا فاجتمعوا، وأرسلوا وأجمعوا لقتال النبي ﷺ وأصحابه، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ فلقيهم في جماعة فقال:
стр. 504
لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت لتكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، فأنتم هؤلاء تريدون أن تقتلوا أبناءكم وإخوانكم، فلما سمعوا ذلك من النبي ﷺ تفرقوا، فبلغ ذلك كفار قريش، وكانت وقعة "بدر" فكتبت كفار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود: إنكم أهل الحلقة والحصون، وإنكم لتقاتلن صاحبنا أو لنفعلن كذا وكذا, ولا يحول بيننا وبن خدم نساءكم شىء -هو الخلاخل- فلما بلغ كتابهم اليهود أجمعت بنو النضير على الغدر، فأرسلت إلى النبي ﷺ : أخرج إلينا في ثلاثين رجلًا من أصحابك، ولنخرج في ثلاثين حبرًا حتى نلتقي في مكان كذا، نصف بيننا وبينكم فيسمعوا منك، فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا كلنا، فخرج النبي ﷺ في ثلاثين من أصحابه، وخرج إليه ثلاثون حبرًا من يهود، حتى إذا برزوا في براز (١) من الأرض قال بعض اليهود لبعض: كيف تخلصون إليه ومعه ثلاثون رجلًا من أصحابه، كلهم يحب أن يموت قبله، فأرسلوا إليه:
كيف تفهم ونفهم ونحن ستون رجلًا؟ أخرج في ثلاثة من أصحابك ويخرج إليك ثلاثة من علمائنا، فليسمعوا منك، فإن آمنوا بك آمنا كلنا وصدقناك، فخرج النبي ﷺ في ثلاثة نفر من أصحابه. واشتملوا على الخناجر وأرادوا الفتك برسول الله ﷺ ، فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى بني أخيها -وهو رجل مسلم من الأنصار- فأخبرته خبر ما أرادت بنو النضير من الغدر برسول ﷺ ، فأقبل أخوها سريعًا، حتى أدرك النبي ﷺ فسارَّه بخبرهم قبل أن يصل النبي ﷺ إليهم، فرجع النبي ﷺ ، فلما كان من الغد غدا عليهم رسول الله ﷺ بالكتائب، فحاصرهم وقال لهم:
стр. 505
إنكم لا تأمنون عندي إلا بعهد تعاهدوني عليه، فأبوا أن يعطوه عهدًا، فقاتلهم يومهم ذلك هو والمسلمون، ثم غدا الغد على بني قريظة بالخيل والكتائب وترك بني النضير، ودعاهم إلى أن يعاهدوه، فعاهدوه، فانصرف عنهم، وغدا إلى بني النضير بالكتائب فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل إلا الحلقة -والحلقة: السلاح- فجاءت بنو النضير، واحتملوا ما أقلت إبل من أمتعهم وأبواب بيوتهم وخشبها، فكانوا يخربون بيوتهم، فيهدمونها فيحملون ما وافقهم من خشبها، وكان جلاؤهم ذلك أول حشر الناس إلى الشام، وكان بنو النضير من سبط من أسباط بني إسرائيل لم يصبهم جلاء منذ كتب الله على بني إسرائيل الجلاء، فلذلك أجلاهم رسول الله ﷺ ، فلولا ما كتب الله عليهم من الجلاء لعذبهم في الدنيا كما عذبت بنو قريظة، فأنزل الله:
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتَاهُمُ الله مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (٢) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ الله عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ في الدُّنْيَا وَلَهُمْ في الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤) مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥) وَمَا أَفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)﴾ وكان نخل بني النضير لرسول الله ﷺ خاصة فأعطاه الله إياها وخصه بها فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ يقول: بغير قتال، فأعطى النبي ﷺ -
стр. 506
أكثرها للمهاجرين وقسمها بينهم ولرجلين من الأنصار كانا ذوي حاجة، لم يقسم لرجل من الأنصار غيرهما) (١).
هذه هي قصة يهود بني النضير .. قدموا إلى المدينة بحثًا عن النبي المنتظر فلما بعث هذا النبي وجدوه عربيًا وليس من بني إسرائيل .. كرهوه .. وعاهدوه على مضض ولما حانت لهم الفرصة خانوه ونقضوا كل عهودهم ومواثيقهم معه فعاقبهم الله بالشتات فاستأنفوا رحلة الضياع من جديد بعد أن حاصرهم المسلمون .. فصاروا يخربون بيوتم غيظًا وحسدًا حتى لا يستفيد منها المسلمون .. من بعدهم .. لكن الغيظ القاتل جلل اليهود. ورافقهم عندما وجدوا المسلمين أنفسهم يخربون تلك البيوت ولا يكترثون .. فالمسلمون لم يحاصرا بني النضير من أجل بيوتهم وأموالهم .. بل لأنهم خونة .. وإذا كان اليهود يرون في تلك البيوت ثروة للمسلمين فالمسلمون لا يريدون تلك الثروة ولا يقبلون بقاء الخونة بينهم أو في جوارهم .. بل لقد أقدم المسلمون على تصرف يحرقون به آثار اليهود .. يخبرنا عن ذلك (أحد الصحابة ﵁ في قوله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾
стр. 507
قال: يستنزلونهم من حصونهم، وأمروا بقطع النخل فحاك في صدورهم، فقال المسلمون: قطعنا بعضًا، تركنا بعضًا، فلنسألن رسول الله ﷺ : هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فأنزل الله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾) (١) أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله .. هذا هو الإِسلام .. وهؤلاء هم المسلمون .. وهذه هي التربية الإِسلامية التي لا
تنحصر بين أروقة المساجد وجدران البيوت .. تربية تنتشر في كل اتجاه وتصاحب المؤمن في كل مكان وتحت أي ظرف .. في أوج الحروب وبين بريق السيوف والدماء يتوقف المسلمون ليسألوا رسول الله ﷺ عن صحة تصرفهم مع سحوق أو فسيلة نخل .. الإِسلام يربي أصحابه في التعامل مع كل شيء حتى مع جذوع النخل بعد أن أرشدهم إلى التعامل مع جذوع الخيانة وجذورها اليهودية.
غادر اليهود من بني النضير إلى الشام .. إلى غير رجعة .. غادروا يبحثون عن نبي غير عربي يأتيهم حسب رغباتهم ويأتيهم بما يرغبون .. وبقي منهم في المدينة من اختار الله ورسوله ودخل في الإِسلام مكرمًا بين حفاوة المؤمنين .. غادر اليهود فهدأت المدينة .. وعاد إليها المؤمنون بنصر جديد وفرح جديد .. وعاد عثمان إلى بيته فعاد الحنين إلى رقية .. شعر ﷺ بشوق عثمان وحزنه .. لا بد أنه شعر .. ونبي الله ﷺ لا يكتفي بالشعور لمواساة المحتاجين إلى المواساة .. إنه يشع كالحب في المكان والإنسان ..
стр. 508
ها هو يواسي عثمان .. وها هو يواسي عمر وعليًا أيضًا .. يجعل منهم نسيجًا وأوشاجًا بارعة الجمال .. تعال معي إلى البداية .. إلى بيت عمر بن الخطاب ﵁ وعنهم .. فقد كان لعمر بن الخطاب ابنة سماها حفصة .. زوَّجها من أحد أصحاب رسول الله ﷺ ﵃ وكان اسم هذا الصحابي: (خنيس بن حذافة السهمى) وكان أحد المهاجرين إلى
الله ورسوله .. لم يعش خنيس مع حفصة طويلًا لقد توفي في المدينة ﵁ .. وبعد فترة من الزمن حدثت هذه القصة التي يرويها عبد الله بن عمر يحدث أن عمر بن الخطاب ﵁ حين تأيمت حفصة (١) بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمى وكان من أصحاب رسول الله ﷺ فتوفي بالمدينة فقال عمر: أتيت عثمان فعرضت عليه حفصة بنت عمر فقلت: إن شئت أنكحتك. فقال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي، ثم لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا.
قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر. فصمت أبو بكر فلم يرجع إلى شيئًا، فكنت عليه أوجد مني على عثمان، فلبثت ليالي، ثم خطبها رسول الله ﷺ فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئًا؟ قال عمر: نعم. قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن رسول الله ﷺ قد ذكرها فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ ، ولو تركها رسول الله ﷺ قبلتها) (٢).
стр. 509
فرح عمر. بمصاهرة رسول الله ﷺ ، وفازت حفصة بنبي الأمة ﵇ وقبل عمر اعتذار أبي بكر .. أما عثمان بن عفان فعذره لا يحتاج إلى بيان .. وحزنه يملأ حياته .. لكن الله ورسوله أرحم بقلب عثمان من أن تذهب به الهموم أبعد من هذا .. لقد زوجه رسول الله ﷺ من ابنته أم كلثوم ﵂ .. فعاد النبض والحياة إلى النسب بين عثمان وبيت النبوة الكريم .. ابتهج عثمان وابتهجت أم كلثوم وابتهجت المدينة بهذا العرس الجميل .. فشع في صدر أبي بكر طمع مباح وطموح كالأماني .. رغب أبو بكر بقرب أكثر من رسول الله ﷺ وكانت عيناه وقلبه باتجاه آخر أمل في ذلك .. إما فاطمة بنت محمَّد ﷺ خير نساء العالمين وريحانة النبي ﷺ وأصغر بناته .. ولم يكن أبو بكر وحيدًا في حلمه كان هناك من ينافسه فمن سيفوز بفاطمة من بين هؤلاء الأفذاذ.
أبو بكر وعمر وعلي يريدون فاطمة
تقدم أبو بكر إلى النبي ﷺ خاطبًا فاطمة .. لم يرده النبي ﷺ لكنه اعتذر منه بأسلوب نبوي مدهش وكذلك فعل عمر .. فاعتذر ﷺ بالأسلوب نفسه فماذا قال ﷺ لصاحبيه وصهريه .. الإجابة عند أحد الصحابة ﵁ واسمه: بريدة حيث يقول:
(خطب أبو بكر وعمر ﵄ فاطمة فقال رسول الله ﷺ : إنها صغيرة) (١) إنه اعتذار مؤدب .. لم يكذب ﷺ عندما قال: إنها صغيرة ..
стр. 510
ففاطمة صغيرة حقًا لكن ليس على الزواج .. فعائشة بنت أبي بكر الصديق أصغر منها بسنوات وهي الآن زوجة لرسول الله ﷺ .. ورسول الله ﷺ أكبر وأسن من أبي بكر ومن عمر أيضًا ..
إذًا فالأمر غير ذلك .. ثم إن أبا بكر وعمر هما أفضل الأمة .. وهما أفضل من عثمان ﵁ ومع ذلك اعتذر لهما وزوج عثمان ابنتيه: رقية وأم كلثوم بل إن ابنته الكبرى زينب متزوجة من رجل مشرك حتى الآن (١) وهو أبو العاص بن الربيع .. إذًا فالأمر لله من قبل ومن بعد ..
انصرف أبو بكر وانصرف عمر ﵄ وقد رضيا بما رضيه الله ورسوله ﷺ .. وتسربت أخبارهما إلى مسامع امرأة فأقلقها ما سمعت فهبت مسرعة إلى سيدها تحرضه وتحرضه على الزواج من سيدة نساء العالم .. ماذا فعل هذا السيد وماذا قال عندما سمع الخبر .. يحدثن بنفسه عن ذلك فيقول: (خُطبت فاطمة إلى رسول الله ﷺ ، فقالت لي مولاة لي: هل علمت أن فاطمة قد خطبت إلى رسول الله ﷺ ؟ قلت: لا. قالت: فقد خطبت فما يمنعك أن تأتي رسول الله ﷺ فيزوجك. فقلت: وعندي شيء أتزوج به؟ فقالت: إنك إن جئت رسول الله ﷺ زوجك، فوالله ما زالت ترجيني حتى دخلت على رسول الله ﷺ ) (٢).
لكن لماذا كل هذا التردد في خطبة فاطمة والقلب ميال إليها .. أسباب كثيرة جعلت علي بن أبي طالب يتردد في خطبة فاطمة وهي
стр. 511
بنت ابن عمه .. لعل أحدها كونه معدمًا لا يملك ما يقدمه مهرًا لهذه الوردة الطاهرة .. وهي التي تستحق الكثير الكثير .. لكن كيف أصبح علي معدمًا وهو يملك شارفين من غنائم بدر .. ؟ لقد ذهب كل شيء .. واختفت الناقتان .. ذهبتا مع الريح والخمر .. وبقي علي وحيدًا يملؤه الهم .. وتفيض عيناه من الحزن .. لقد رأى شيئًا مكدرًا .. رأى ناقتيه قد بقرت بطونها وسال دمهما واقتطعت أسنمتهما وهو لم يرتكب خطأ في حق أحد .. والذي زاد في حزن علي وكدره أن الذي فعل ذلك بمهر فاطمة كان عمه وعمها حمزة بن عبد المطلب .. ذلك الأسد الهصور والفاتك الجسور .. لقد شق بطني الناقتين وقطع سناميها وانتزع كبديهما .. فـ:
هل وقع شجار بين حمزة وعلي
هذا ما سنعرفه من علي نفسه حيث يقول: (كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان رسول الله ﷺ أعطاني شارفًا من الخمس يومئذ، فلما أردت أن أبتني بفاطمة بنت رسول الله ﷺ وأعدت رجلًا صواغًا من بني "قينقاع" يرتحل معي، فنأتي بإذخر أردت أن أبيعه من الصواغين (١) فأستعين به في وليمة عرسي، فبينا أنا أجمع لشارفي متاعًا من الأقتاب والغرائر والحبال، وشارفاي مناخان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار، وجمعت حين جمعت ما جمعت، فإذا شارفاي قد اجتبت أسنمتهما، وبقرت خواصرهما، وأخذت من أكبادهما، فلم أملك عينيَّ حِين رأيت ذلك المنظر منهما، قلت: من فعل هذا؟ قالوا: فعله حمزة بن
стр. 512
عبد المطلب، وهو في هذا البيت في شَرْب (١) من الأنصار، غنته قينةٌ وأصحابه، فقالت في غنائها:
ألا يا حمزة للشرف النواء
فقام حمزة بالسيف، فاجتب أسنمتهما وبقر خواصرهما، فأخذ من أكبادهما. قال علي: فانطلقت حتى أدخل على رسول الله ﷺ وعنده زيد بن حارثة، فعرف رسول الله ﷺ في وجهي الذي لقيت، فقال رسول الله ﷺ : مالك؟ قلت: يا رسول الله، والله ما رأيت كاليوم قط، عدا حمزة على ناقتي فاجتب أسنمتهما وبقر خواصرهما، وها هو ذا في بيتٍ معه شَرْب. قال: فدعا رسول الله ﷺ -بردائه فارتداه، ثم انطلق يمشي، واتبعته أنا وزيد بن حارثة، حتى جاء الباب الذي فيه حمزة، فاستأذن، فأذنوا له، فإذا هم شرب، فطفق رسول الله ﷺ يلوم حمزة فيما فعل، فإذا حمزة محمرةٌ عيناه، فنظر حمزة إلى رسول الله ﷺ ، ثم صعد النظر إلى ركبتيه، ثم صعد النظر فنظر إلى سرته، ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه، فقال حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لأبي؟ فعرف رسول الله ﷺ أنه ثمل، فنكص رسول الله ﷺ على عقبيه القهقري، وخرج وخرجنا معه) (٢). فلا فائدة من العتاب واللوم إذا لم تذهب الخمرة من رأس شاربها ..
فالانسحاب هو أفضل قرار في مثل هذا الظرف .. انسحب رسول الله ﷺ وزيد بن حارثة وانسحب علي وسحب معه حزنًا أفاض عينيه .. إنها الخمر وما زالت حتى اليوم مباحة .. ولعلي مع الخمر قصة أخرى لا تقل فداحة عن هذه .. يحدثنا عنها فيقول: (صنع لنا عبد الرحمن بن عوف
стр. 513
طعامًا فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة، فقدموني، فقرأت: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)﴾ ونحن نعبد ما تعبدون. فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (١) فالصلاة حضور كامل والخمرة غياب كامل .. لذلك بدأ الإِسلام يفتح القلوب والعيون على قوائم الفواجع التي يحدثها ذلك الغياب وترتكبها الخمرة باسم النشوة .. لكن هذه الآية لم تشر إلى تحريم الخمر إنما تنهى عن الصلاة في حالة السكر .. مما جعل عمر بن الخطاب يبتهل إلى الله قائلًا:
(اللَّهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا) (٢) فهناك من يشربها في الأوقات الطويلة التي لا صلاة فيها .. كالوقت بين العشاء والفجر أو بين الفجر والظهر .. لكن أثر الخمرة لم يقتصر على إفساد الصلاة .. إنها تنتهك العقل .. تغيبه فينطلق الإنسان متحررًا من كل قيد .. من كل شيء .. تمحي أمامه الفواصل .. وتنهار في طريقه الأخلاق والآداب .. يذوب الخطأ بالصواب والجريمة بالفضيلة .. الخمرة تنطلق بالإنسان من الإنسان .. تمسخه حيوانًا لا يفكر بشيء ولا يعبأ بشيء .. جسدًا يدوس كل شيء حتى ولو كان هذا الشيء أبًا .. وينتهك كل شيء حتى ولو كان هذا الشيء أمًا .. عمر بن الخطاب يبحث عن بيان شاف .. وعلي بن أبي طالب يبحث عن مهرٍ لفاطمة فهذا المهر قد ضاع .. يبحث عليٌ فلا يجد سوى ما يسد به رمقه .. ويواصل بحثه فلا يجد شيئًا .. لكنه يجد مولاةً له تشعر بتجوال فاطمة بين أضلاعه .. فتقول له: (هل علمت أن فاطمة قد خطبت إلى رسول الله ﷺ ؟ قلت: لا، قالت: فقد خطبت، فما يمنعك أن تأتي رسول
стр. 514
الله ﷺ فيزوجك. فقلت: وعندي شيء أتزوج به! فقالت: إنك إذا جئت رسول الله ﷺ زوجك. قال: فوالله ما زالت ترجيني، حتى دخلت على رسول الله ﷺ ، وكان لرسول الله ﷺ -جلالة وهيبة، فلما قعدت بين يديه أفحمت فوالله ما استطعت أن أتكلم، فقال رسول الله ﷺ : ما جاء بك، ألك حاجة؟ فسكت. فقال: ما جاء بك، ألك حاجة؟ فسكت، فقال: لعلك جئت تخطب فاطمة؟ فقلت: نعم. فقال: وهل عندك من شيء تستحلها به؟ فقلت: لا، والله يا رسول الله. فقال: ما فعلت درع سلحتكها؟ -فوالذي نفس عليٍّ بيده إنها لحطمية ما ثمنها أربعة دراهم- فقلت: عندي. فقال ﷺ : قد زوجتكها فابعث إليها بها فاستحلها به.
فإن كانت لصداق فاطمة بنت رسول الله ﷺ ) (١) وريحانة حبيب الله وخير نساء الدنيا والآخرة .. وتغادر الفتاة بيت أبيها إلى بيت ليس فيه شيء سوى الحب وأحلام الشباب .. بيت لو تجولت فيه عيناك لفاضت بدموعٍ كما فاضت عينا عمر بن الخطاب ﵁ عندما رأى بيتًا شبيها ببيت فاطمة وعلي .. يقول عمر ﵁:
(دخلت على رسول الله ﷺ -وهو على حصير، فجلست، فإذا عليه إزار، وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه، وإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، وقرظ (٢) في ناحيةٍ في الغرفة، وإذا إهاب (٣) معلق،
стр. 515
فابتدرت عيناي (١)، فقال ﷺ : ما يبكيك يا ابن الخطاب؛ فقلت: يا نبي الله، وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذلك كسرى وقيصر في الثمار والأنهار، وأنت نبي الله وصفوته، وهذه خزانتك، قال ﷺ : ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟ قلت: بلى) (٢) فالدنيا عند رسول الله ﷺ (سجن المؤمن وجنة الكافر) (٣) سجن المؤمن عن الجنة .. الدنيا معاناة نحو الجنة .. وجنة عند الكافر إذا أدخل إلى النار يوم القيامة يتمنى الرجوع إليها .. الدنيا سجن المؤمن وإلا لما (كان ضجاع (٤) رسول الله ﷺ أدمًا (٥) حشوة ليف) (٦) .. الدنيا سجن المؤمن وإلا لما عاشت فاطمة في ذلك البيت المتواضع ومهرها درع بأربعة دراهم .. وبنات كسرى وقيصر بين الوصيفات والخادمات في مروج وقصور مبحرة عبر الأنغام والأوتار ..
أما أثاث بيت فاطمة فكان يثير الشفقة .. قدمه ﷺ هدية إلى حبيبيه .. لقد (جهز رسول الله ﷺ فاطمة في خميل، وقربة، ووسادة أدم حشوها إذخر) (٧) أثاثها ﵂: كساء من الصوف .. وقربة للماء ..
стр. 516
ووسادة من الجلد محشوة بحشيشة الإذخر .. فقر تصعب معه الحياة إلا إذا كان الحب والإيمان عميقًا وفسيحًا كما هو في قلبي فاطمة وعلي ﵄ ..
فرح علي بفاطمة .. وفرحت المدينة بعلي وفاطمة ..
وفي مثل هذا الفرح الغامر يقول ﷺ : (أعلنوا النكاح) (١) فإعلان الزواج ابتهاج بالجميل .. وابتهاج بالاجتماع والمصاهرة والحلال ولذلك يقول ﷺ لأمته: (فصل ما بين الحلال والحرام الدف، والصوت في النكاح) (٢) .. وها هو ﷺ يستمع إلى الدف والصوت .. أي الغناء في مناسبة كهذه فيعلن الحب لهؤلاء الذين يضربون الدف ويحلف بالله على حبه لهؤلاء الذين يغنون.
يقول أنس بن مالك ﵁: (مر النبي ﷺ بحي من بني النجار، وإذا جوار يضربن بالدفوف يقلن:
نحن جَوار من بني النجار ... يا حبذا محمَّد من جار
فقال رسول الله ﷺ يعلم الله أن قلبي يحبكم) (٣) ويقول ﵁:
(أبصر النبي ﷺ نساءً وصبيانًا مقبلين من عرس فقام ممتنًا فقال: اللَّهم أنت من أحب الناس إلي) (٤) .. وها هو عامر بن سعد بن أبي وقاص وهو
стр. 517
ليس بصحابي يستنكر جلوس اثنين من الصحابة عند الدف والغناء وهما من أهل بدر فماذا قالا له؟ يقول عامر ﵀:
(دخلت على قريظة بن كعب وأبي مسعود الأنصاري في عرس، وإذا جوار يغنين، فقلت: أنتما صاحبا رسول الله ﷺ ، ومن أهل بدر، يفعل هذا عندكم؟ فقال:
اجلس إن شئت، فاسمع معنا، وإن شئت اذهب، قد رخص لنا في اللهو عند العرس) (١) .. وغمرت المدينة فرحة .. وغمرت بيت النبوة التهاني من المهاجرين والأنصار .. وقدم المحبون للمشاركة في أفراح الزهراء ..
وتسلسل بين القادمين رجال يبتسمون في وجه النبي ﷺ ووجوه أصحابه .. بينما كانت قلوبهم جامحة مولية .. تكاد تميز -تتقطع- غيظًا كما تهادى سرور إلى قلبه أو بيته ﷺ .. كانت قلوب هؤلاء تتلمظ كالحيات .. أحد هؤلاء المزعجين المخيفين .. رجل يدعى: عبد الله بن أبي بن سلول .. تحت عباءة هذا الرجل يختبئ عشرات المشركين الذين يرون المدينة سجنًا لا يطاق بمحمد وصحبه .. يرون المدينة غريبة دون أصنام دون شرك دون سحر وشعوذة .. وبعد تفكير قرر عبد الله بن أبي بن سلول أن يحمل أقدامه إلى حيث محمَّد ليبايعه وخلفه تثاقل عشرات الحاقدين فبايعوا رسول الله ﷺ على الإِسلام ومدوا أيديهم المسمومة إلى يده الطاهرة مصافحين معلنين الولاء .. فقد أدرك عبد الله بن أبي ومن معه أنه لا مكان لهم في قلوب الناس ولا بين حرات المدينة وهم على شركهم .. أدركوا ذلك بالتحديد بعد إنتصار المسلمين في بدر .. لذلك
стр. 518
كونوا صفًا من الخفافيش .. تشرك في الظلام وتتظاهر بالإيمان تحت الشمس .. كونوا صفًا خطيرًا عرف فيما بعد باسم المنافقين:
مولد النفاق
يقول أسامة بن زيد ﵁: (لما غزا رسول الله ﷺ بدرًا، فقتل الله به صناديد كفار قريش قال ابن أبي بن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه، فبايعوا الرسول ﷺ على الإِسلام فأسلموا) (١) بألسنتهم وخوفًا ممّن حولهم من المؤمنين .. وإلا فهم ما زالوا على كفرهم .. يتمنون القضاء على هذا النبي ومن معه .. وينتظرون يومًا تثأر فيه قريش لصرعاها في بدر .. أو تنفجر يهود أو تثور هذه الجبال المحيطة بالمدينة فتدك هذا الإِسلام وأهله .. ومرت الأيام والمنافقدن ينتظرون شيئًا من هذا أو ذاك .. وفي يوم من الأيام لاح أمل للمنافقين .. وفركوا أيديهم فرحًا بخبر قادم من مكة .. فرح النافقدن بخطر قادم من قريش لعله يجسد أحلامهم .. سننتقل إلى مكة لنعرف ذلك الخبر .. ها هو أبو سفيان بن حرب وقد حصل على زعامة مكة بعد أبي جهل وأمية. ها هو وبعد مشاورات وندوات واجتماعات يقرر الثأر لطواغيت قريش .. ولأصنام قريش .. إنه يحشد الرجال والجمال والأموال .. والنفوس .. وبعد أن توافر له جيش ضخم يفوق جيش الشرك في بدر عزم على التحرك به نحو المدينة للإجهاز على دولة الإِسلام هناك .. فتحركت قلوب المنافقين واليهود فرحًا به.
стр. 519
النبي ﷺ يأمر بالانتفاع بالخمر
وبيعها بعد تلك الأحداث التي تسببت فيها الخمرة .. وبعد ذلك النكد الذي أحدثته -قام ﷺ على منبره .. يخاطب أصحابه وهو يتوجس أمرًا سيحدث في المستقبل .. يقول أحد الصحابة وهو أبو سعيد الخدريّ:
(سمعت رسول الله ﷺ يخطب بالمدينة، قال: يا أيها الناس .. إن الله تعالى يعرض بالخمر، ولعل الله سينزل فيها أمرًا، فمن كان عنده منها شيء فليبعه، ولينتفع به) (١).
كان للخمر تأثير على مهر فاطمة .. وكان للخمر تأثير أشد على بيت أنس بن مالك .. لقد فرق بين أمه وأبيه .. بل لقد فرق بين أبيه والمدينة .. فبعد نزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (٢)، وبعد خطبة النبي ﷺ تلك أحس مالك بن النضر والد أنس بضيق الإِسلام ورسوله ﷺ من الخمر .. وهو مدمن خمر لا يصبر عنها - لم يحرم الإِسلام الخمر حتى الآن .. لكن مالك لا يشعر بالتفاؤل تجاه هذا الموضوع .. ولذلك استدعى زوجته "أم سليم بنت ملحان" وهي أم أنس .. وصارحها بما في نفسه .. وأنه يرفض تحريم الخمر إن حرم .. وأن حبّه للسكر أكثر من حبه لزوجته وابنه الوحيد الصغير أنس .. لكن الله لم يترك أم سليم ولا ابنها .. فالله أرحم بالمؤمنين من أنفسهم .. هذه هى قصة أم سليم مع الخمر وزوجها .. يقصّها ابنها أنس بن مالك ﵁ فيقول:
стр. 520
(قال مالك أبو أنس لامرأته أم سليم -وهي أم أنس-: إن هذا الرجل يعني النبي ﷺ يحرم الخمر، فانطلق حتى أتى الشام فهلك هناك) (١).
وبقيت أم سليم وابنها في المدينة صابرين مؤمنين .. حتى علم رجل مشرك من أهل المدينة بما حدث فمال قلبه إلى أم سليم ورغب في الزواج منها .. وكان هذا الرجل يدعى "أبو طلحة" .. فهل لديه قدرة على تقديم أغلى مهر تطلبه امرأة؟
أبو طلحة ومهر أم سليم الغالي
يقول أنس ﵁: (جاء أبو طلحة فخطب أم سليم، فكلمها في ذلك، فقالت: يا أبا طلحة .. ما مثلك يرد، ولكنك امرؤ كافر، وأنا امرأة مسلمة لا يصلح لي أن أتزوجك، فقال: ما ذاك مهرك؟ قالت: وما مهري؟ قال: الصفراء والبيضاء , قالت: فإني لا أريد صفراء ولا بيضاء .. أريد منك الإِسلام [أتزوجك وأنت تعبد خشبة نجرها عبدي فلان؟] "فإن تسلم فذاك مهري، ولا أسألك غيره". قال: فمن لي بذلك؟ قالت: لك بذلك رسول الله ﷺ ، فانطلق أبو طلحة يريد النبي ﷺ -ورسول الله ﷺ جالس في أصحابه- فلمّا رآه قال:
جاءكم أبو طلحة غرة الإِسلام بين عينيه.
فأخبر رسول الله ﷺ بما قالت أم سليم، فتزوجها على ذلك (٢)،
стр. 521
وكانت امرأة مليحة العينن، فيها صغر، فكانت معه حتى ولد له بني، وكان يحبه أبو طلحة حبًا شديدًا، ومرض الصبي "مرضًا شديدًا" وتواضع أبو طلحة لمرضه أو تضعضع له، "فكان أبو طلحة يقوم صلاة الغداة يتوضأ، ويأتي النبي ﷺ فيصلي معه، ويكون معه إلى قريب من نصف النهار، ويجيء ويقيل ويأكل، فإذا صلى الظهر تهيّأ وذهب، فلم يجيء إلى صلاة العتمة".
فانطلق أبو طلحة عشية إلى النبي ﷺ ، ومات الصبي، فقالت أم سليم: لا ينعينّ إلى أبي طلحة أحد ابنه حتى أكون أنا الذي أنعاه له، فهيأت الصبي "فسجت عليه" ووضعته "في جانب البيت"، وجاء أبو طلحة من عند رسول الله ﷺ حتى دخل عليها، "ومعه ناس من أهل المسجد من أصحابه" (١). فقال: كيف ابني؟ فقال: يا أبا طلحة ما كان منذ اشتكى أسكن منه الساعة, "وأرجو أن يكون قد استراح"، فأتته بعشائه "فقربته إليهم فتعشوا، وخرج القوم"، "فقام إلى فراشه فوضع رأسه" ثم قامت فتطيبت "وتصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك"، "ثم جاءت حتى دخلت معه الفراش، فما هو إلا أن وجد ريح الطيب كان منه ما يكون من الرجل مع أهله"، "فلما كان آخر الليل" قالت: يا أبا طلحة .. أرأيت لو أن قومًا أعاروا قومًا عارية لهم، فسألوهم إيَّاها، أكان لهم أن يمنعوهم؟ فقال: لا. قالت: فإن الله كان أعارك ابنك عارية، ثم قبضه إليه، فاحتسب واصبر. فغضب ثم قال:
стр. 522
تركتني حتى إذا وقعت بما وقعت به نعيت إليَّ ابني، "فاسترجع وحمد الله"، "فلما أصبح اغتسل"، ثم غدا إلى رسول الله ﷺ "فصلى معه" فأخبره، فقال رسول الله ﷺ : "بارك الله لكما في غابر ليلتكما"، فثقلت من ذلك العمل، وكانت أم سليم تسافر مع النبي ﷺ ، تخرج إذا خرج، وتدخل معه إذا دخل، وقال رسول الله ﷺ : إذا ولدت فأتوني بالصبي، فكان رسول الله ﷺ في سفر وهي معه) (١).
أم سليم الآن بصحبة رسول الله ﷺ ومعها زوجها ومعهم رجال كثيرون ونساء أيضًا .. ولكن إلى أين .. المكان الذي يقصدونه ليس ببعيد لكنه خطير جدًا .. وسبب السفر أخطر وله قصة مثيرة .. فهل لديكم وقت للسفر مع رسول الله ﷺ وأم سليم وأبي طلحة وأصحابهم ﵃.
هي بنا .. ولكن قبل ذلك أستأذنكم للّحاق هذا الرجل المهموم بالإيمان والكفر وأشياء ثقيلة تملأ رأسه وقلبه .. إنه
جبير بن مطعم والهموم
عاد جبير بن مطعم منكسرًا إلى مكة .. يحمل الحسرة والهزيمة .. تاركًا طواغيت قريش في تلك البئر المنتنة .. تاركًا عمه "طعيمة" مجندلًا على أرض بدر تحرقه السوافع .. بعد أن أحرقه حمزة بسيفه الملتهب .. ثم عاد جبير إلى المدينة مرة أخرى يطلب إطلاق الأسرى دون مقابل .. لكن النبي ﷺ
стр. 523
أجابه تلك الإجابة العظيمة التي يعترف بها ﷺ بمعروف والده المطعم ابن عدي .. فقال له: (لو كان المطعم بن عدي حيًا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له) (١) .. فانكسر جبير بن المطعم بن عدي مرة أخرى .. ومضى إلى مكة كالحيرة بين الاحترام لوالده والاحتراق لعمه .. عاد يحمل إيمانًا يرزح تحت أطنان من العادات والتقاليد والأصنام .. وكان أشدّ هذه الموروثات على نفسه شيطان كالجحيم .. شيطان اسمه: الثأر.
حوصر جبير بن مطعم بعد وصوله إلى مكة بالنواح على عمه .. بشقِّ الجيوب ولطم الخدود .. حوصر بالاستفزاز الجاهلي حتى غلى الثأر في رأسه وعروقه .. جمع أبو سفيان الكفر وأهله متجهًا بهم نحو المدينة .. فأحسّ جبير بوخز الثأر .. فنادى عبدًا مملوكًا له اسمه "وحشى" .. وكان أمهر الناس برمي الحربة فهو نادرًا ما يخطئ هدفه .. نادى جبير "وحشيًا" ليفتح له بابًا للعتق من الذل .. ناداه ليخلصه من هذا الرق والحصار الكريه .. ناداه وأغراه بأحلام كل العبيد .. أغراه بـ:
حمزة بابًا للحرية
يقول وحشي: (كنت غلامًا لجبير بن مطعم، وكان عمه طعيمة قد أصيب يوم بدر، فلما سارت قريش إلى أُحُد قال لي جبير: إن قتلت حمزة عم محمَّد بعمي فأنت عتيق. فخرجت مع الناس، وكنت رجلًا "حبشيًا" أقذف بالحربة قذف الحبشة قلَّ ما أخطئ بها شيئًا) (٢).
стр. 524
خرج وحشي لا يبحث عن شيء سوى الحرية .. لا يبحث سوى عن حمزة .. ليس لديه ثأر مع أحد .. كان يبحث عن ثأر من قيود العبودية والرقّ الذليل التي طوّقته بها قريش .. كان وحشي مشركًا .. لا يفرّق بين الوسائل نحو الحرية .. ولا يهمّه سواها .. حتى ولو خاض في دماء طاهرة كدماء حمزة ..
كان جيش الثأر المشرك يسير في اتجاه .. وكان وحشي معهم لكنه يسير في اتجاه آخر .. اتجاه من الأحلام والوعود المخضبة بالدماء .. حتى وصلوا إلى مكان قريب من جبل أُحد حول المدينة .. التي أفاقت على هول الخبر ومفاجأته .. وأفاق رسول الله ﷺ من نومه ورؤياه.
رؤيا النبي ﷺ
كان ﷺ نائمًا .. والنبي ﷺ يقول: (تنام عيناي ولا ينام قلبي) (١)، وفي نومه ذلك رأى رؤيا قال عنها: (إني رأيت أني في درع حصينة، فأوّلتها: المدينة، وأني مردف كبشًا فأوّلته كبش الكتيبة، ورأيت أن سيفي ذا الفقار فُلَّ، فأوّلته: فلا فيكم، ورأيت بقرًا تذبح، فبقرٌ والله خير .. فبقرٌ والله خير) (٢).
стр. 525
نهض ﷺ من نومه .. وهبّ لجمع أصحابه .. لا ليقرّر .. ولا ليأمر بل:
دعاهم ليستشيرهم
وبعدما اجتمعوا شاورهم جميعًا دون استثناء .. وكان رأيه ﷺ ورأي بعض الصحابة أن يقاتلوا داخل المدينة .. وقص عليهم ﷺ رؤياه .. لكن أناسًا منهم لم يحضروا غزوة بدر .. غمرهم الحماس وأصرّوا على الخروج لتأديب أولئك الوثنيّين .. لعل أحدهم عمّ أنس بن مالك واسمه أنس بن النضر .. يقول أنس عن عمّه ﵄: (عمي أنس -سمّيت به- ولم يشهد مع رسول الله ﷺ يوم بدر، فشقّ عليه، وقال: أول مشهد (١) شهده رسول الله ﷺ غبتُ عنه، ولئن أراني الله مشهدًا فيما بعد مع رسول الله ﷺ ليرين الله ما أصنع ..) (٢) قال أنس بن مالك: إن عمه (هاب أن يقول غيرها) (٣) .. إن رجالًا بهذه المعنويات لا يمكن أن يقنعوا بقتال الشوارع والمدن .. إنهم يريدون ساحات ومساحات يعانقون فيها الخلود .. وينتشون فيها بريق الشهادة والسيوف.
لكن الحماس لا يعني الانتصار .. والمعنويات لا تكفي .. فخارج هذه المدينة يربض عدو استعدّ وأعدّ وكشرّ .. عدو حمل كل ما يمكن حمله للانتقام والثأر .. فالبقاء في المدينة أحكم وأسلم عسكريًا في ظلّ عدم الاستعداد والمفاجأة التي لم تكن في الحسبان .. لدرجة أن رسول الله ﷺ يحدّث أصحابه وهو في ثيابه العادية حتى الآن ..
قال رسول الله ﷺ قوله .. وأبدى رأيه وترك الاختيار لأصحابه رضي
стр. 526
الله عنهم .. (فقال له ناسٌ لم يكونوا شهدوا بدرًا: يخرج بنا رسول الله ﷺ إليهم نقاتلهم - ورجوا أن يصيبوا من الفضيلة ما أصاب أهل بدر، فما زالوا برسول الله ﷺ .. حتى لبس أداته (١)، ثم ندموا وقالوا: يا رسول الله .. أقم فالرأي رأيك. فقال رسول الله ﷺ : ما ينبغي لنبي أن يضع أداته بعد أن لبسها حتى يحكم الله بينه وبين عدوّه) .. وقبل أن ينطلق ﷺ إلى أرض المعركة أحب أن يستعرض جيشه الذي تداعى من كل مكان في المدينة متلهفًا .. فأجاز من يستطيع القتال وردّ صغار السن .. هذا أحدهم: البراء بن عازب يقول ﵁: (عرضت أنا وابن عمر يوم بدر فاستصغرنا وشهدنا أحدًا) (٢)، لكن ابن عمر أرجع لأنه لم يتجاوز الخامسة عشر.
يقول ابن عمر ﵁: (إن النبي ﷺ عرضه يوم أُحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه) (٣) للخروج مع الجيش ..
عاد ابن عمر مكسور الخاطر بعد أن ودّع والده الحبيب .. لكنه لم يكن أكثر انكسارًا ولا حماسًا من ذلك الشيخ الكبير الذي يحاصره أبناؤه الأربعة وتحاصره الإعاقة .. إنه: (عمرو بن الجموح .. أعرج شديد العرج، وكان له أربعة بنون "مثل الأُسد يشهدون مع رسول الله ﷺ المشاهد" .. يغزون مع رسول الله ﷺ إذا غزا، فلما أراد رسول الله ﷺ أن
стр. 527
يتوجه إلى أُحد "أرادوا حبسه"، قال له بنوه: إن الله قد جعل لك رخصة، فلو قعدت فنحن نكفيك، فقد وضع الله عنك الجهاد، فأتى عمرو بن الجموح رسول الله ﷺ فقال له: إن بني هؤلاء "يريدون أن يحبسوني" .. يمنعوني أن أخرج معك، ووالله إني لأرجو أن أستشهد معك، فأطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال له رسول الله ﷺ : أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد، وقال لبنيه: وما عليكم أن تدعوه لعلّ الله يرزقه الشهادة) (١).
كان ﵁ يحلم بشوارع الجنّة تلامسها تلك العرجة وتتدلّى من شرفاتها وتخوض في مياهها العذبة .. لذلك توجّه بسؤال ينبض بالشوق إلى رسول الله ﷺ .. لقد (أتى عمرو بن الجموح إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل، أمشي برجلي هذه صحيحة في الجنة؟ -وكانت رجله عرجاء- فقال رسول الله ﷺ : نعم) (٢).
إجابة ملأت صدر عمرو بن الجموح بالنهار .. إجابة ألجمت الأسود الأربعة .. فخرجوا كالأشبال حول هذا الشيخ الجسور .. خرجوا دون أن يودعوا أمّهم فاطمة .. فهي ليست في البيت الآن .. لأنها تسير مع رفيق دربها وحبيبها .. أخرجها الشوق إلى الجنّة مثلما أخرج زوجها وأبناءها .. وكان لفاطمة العظيمة هذه أخ اسمه: عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري .. وعبد
стр. 528
الله هذا صديق حميم لزوجها عمرو بن الجموح .. لكن أحوال عبد الله بن عمرو بن حرام مختلفة عن أحوال صديقه .. كان لعمرو بن الجموح أربعة أبناء يحاولون إبقاءه في بيته .. أما عبد الله فله ولد وحيد اسمه جابر .. وهو يمنعه الآن من الخروج .. إنه يأمره بالبقاء في المدينة .. فظروف بيت عبد الله تستدعي أن يبقى أحد الاثنين .. ولابد للابن من أن يطيع والده .. لكن لماذا لا يخرج الاثنان إلى المعركة كما خرج عمرو وأبناؤه وأمّهم جميعًا .. ؟ دعونا نتوجّه إلى بيت جابر بن عبد الله إنه ليس ببعيد .. ها هو البيت .. بيت جميل بالإيمان والأحلام والفتيات .. بيت يغرق بالمشاعر والدموع والرجال. في عالم بين:
البنات والمعركة
حديث حزين يدور بين جابر بن عبد الله ووالده الذي يصرّ على الخروج .. فيخاطب رجولة ابنه وبرّه وإيمانه فيقول: (يا جابر .. لا عليك أن تكون في نظاري المدينة حتى تعلم إلى ما يصير أمرنا، فإني والله لولا أني أترك بنات لي بعدي لأحببت أن تقتل بين يدي) (١) ..
جابر ووالده لهف على الموت في سبيل الله .. لكن الدموع التي تفيض من العيون البريئة .. وتلك النظرات الخائفة التي تعصف بقلب هذا الشيخ الكبير .. تتعلّق به وتريد الاحتفاظ به .. تتغلغل كالجروح ..
تسع فتيات حزينات .. يتساءلن هل سيعود والدنا من المعركة أم أنه الوداع الأخير لهذا الشيخ الحبيب.
عناق ونظرات ودموع تحاصر هذا الشيخ .. فيتفطر قلبه ويحسّ بدبيب الموت يسري في عروقه .. ويشعر بخطوات اليتم المخيفة تتجه نحو
стр. 529
حبيباته الصغيرات .. اللواتي طالما انتظرنه في البيت وعلى عتبة الباب .. فإذا ما رأينه مقبلًا تراكضن نحوه كالزهرات .. أيهنّ تحظى بقبلة قبل أخواتها .. يتزاحمن على ما يحمله بيديه .. كلهنّ يردن التخفيف عنه ورؤية ما أحضر لهنّ .. كلهنّ يردن خدمته .. طالما أعددن شرابه وطعامه .. وغسلن ثيابه .. وغطّينه وهو نائم .. ولطالما مرّضنه من حمى المدينة القاسية .. تسع زهرات .. كم حملهن على ظهره .. ولاعبهن وضاحكهن وقصّ عليهن .. كم ألححن عليه ليشتري الملابس والحلي .. فيستجيب مهزومًا بالحب ..
ذكريات وهموم تثقل الشيخ العطوف وتملأ قلبه .. فتخرج الكلمات منه بصوت متهدّج بالحزن .. ويقول لابنه جابر: (ما أراني إلَّا مقتولًا في أول من يقتل من أصحاب النبي ﷺ ، وإني لا أترك بعدي أعزّ عليّ منك غير نفس رسول الله ﷺ ، وإن عليّ دينًا فاقضِ، واستوصِ بأخواتك خيرًا) (١).
لكن الكلمات لا تطفئ هذه النار المستعرة بين أضلاع هذا الشيخ .. لا تكفي لمقاومة ألم الفراق واليتم القادم .. فيتّجه به الحزن إلى شيء لا يزال حلالًا حتى الآن .. يتجه به الحزن إلى شيء قد ينسيه بعض الحزن .. قد ينسيه ذلك الشوق المنبعث من تلك العيون البريئة التي لا تُنسى.
والد جابر يشرب خمرًا قبل المعركة
يتجه ﵁ إلى الخمر فيحتسي شيئًا منها علّها تخرجه مما هو فيه .. علّها تسليه حتى تحين ساعة العراك حيث تذوب الخمر ويشتدّ
стр. 530
الأمر .. ويذهل عبد الله عن كل شيء سوى الشهادة .. يقول جابر ﵁: (اصطبح -والله - أبي يوم أحد الخمر ثم غدا فقاتل) (١)، ولم يكن والد جابر هو الوحيد الذي شرب خمرًا ذلك الصباح .. فلقد (صبح أناس غداة أحد الخمر) (٢) .. فهل كانت أحزانهم كأحزان عبد الله الذي يغادر بيته وبناته .. ويترك لابنه جابر من الهموم والمسؤوليات الشيء الكثير .. لكن جابرًا أهلٌ لتحمّلها .. لأن الإِسلام جعل من جابر بن عبد الله إحساسًا مرهفًا .. غيمة تهمي حنانًا وربيعًا على أخواته المسكينات .. يقول جابر ﵁ إن والده (ترك عليه دينًا) (٣) و (ترك تسع بنات كن لي تسع أخوات) (٤) مسؤولية جسيمة لا تنقضي. يقول ﷺ : (من عالَ جاريتين حتى يدركا، دخلت أنا وهو الجنّة كهاتين) (٥)، أي كالأصبعين المتجاورين .. هذا إذا عال الرجل فتاتين .. فكيف إذا كان تحت رعايته تسع بنات .. ؟
كم يحب الإِسلام البنات ويعتني بهن .. ويطالب بحبهنّ والعناية بهنّ .. هنيئًا لجابر .. وهنيئًا له موقعه بين نظاري المدينة الذين يحرسون ثغورها .. ويسهرون حمايةً لها .. بشَّرهم ﷺ وبشَّر غيرهم عندما قال: (عينان لا تصيبهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله) (٦).