← Сира

Сира · id 123668

السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة

محمد الصوياني

Полный текст (1 354 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الله عنهم .. (فقال له ناسٌ لم يكونوا شهدوا بدرًا: يخرج بنا رسول الله ﷺ إليهم نقاتلهم - ورجوا أن يصيبوا من الفضيلة ما أصاب أهل بدر، فما زالوا برسول الله ﷺ .. حتى لبس أداته (١)، ثم ندموا وقالوا: يا رسول الله .. أقم فالرأي رأيك. فقال رسول الله ﷺ : ما ينبغي لنبي أن يضع أداته بعد أن لبسها حتى يحكم الله بينه وبين عدوّه) .. وقبل أن ينطلق ﷺ إلى أرض المعركة أحب أن يستعرض جيشه الذي تداعى من كل مكان في المدينة متلهفًا .. فأجاز من يستطيع القتال وردّ صغار السن .. هذا أحدهم: البراء بن عازب يقول ﵁: (عرضت أنا وابن عمر يوم بدر فاستصغرنا وشهدنا أحدًا) (٢)، لكن ابن عمر أرجع لأنه لم يتجاوز الخامسة عشر. يقول ابن عمر ﵁: (إن النبي ﷺ عرضه يوم أُحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه) (٣) للخروج مع الجيش .. عاد ابن عمر مكسور الخاطر بعد أن ودّع والده الحبيب .. لكنه لم يكن أكثر انكسارًا ولا حماسًا من ذلك الشيخ الكبير الذي يحاصره أبناؤه الأربعة وتحاصره الإعاقة .. إنه: (عمرو بن الجموح .. أعرج شديد العرج، وكان له أربعة بنون "مثل الأُسد يشهدون مع رسول الله ﷺ المشاهد" .. يغزون مع رسول الله ﷺ إذا غزا، فلما أراد رسول الله ﷺ أن

стр. 527

يتوجه إلى أُحد "أرادوا حبسه"، قال له بنوه: إن الله قد جعل لك رخصة، فلو قعدت فنحن نكفيك، فقد وضع الله عنك الجهاد، فأتى عمرو بن الجموح رسول الله ﷺ فقال له: إن بني هؤلاء "يريدون أن يحبسوني" .. يمنعوني أن أخرج معك، ووالله إني لأرجو أن أستشهد معك، فأطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال له رسول الله ﷺ : أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد، وقال لبنيه: وما عليكم أن تدعوه لعلّ الله يرزقه الشهادة) (١). كان ﵁ يحلم بشوارع الجنّة تلامسها تلك العرجة وتتدلّى من شرفاتها وتخوض في مياهها العذبة .. لذلك توجّه بسؤال ينبض بالشوق إلى رسول الله ﷺ .. لقد (أتى عمرو بن الجموح إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل، أمشي برجلي هذه صحيحة في الجنة؟ -وكانت رجله عرجاء- فقال رسول الله ﷺ : نعم) (٢). إجابة ملأت صدر عمرو بن الجموح بالنهار .. إجابة ألجمت الأسود الأربعة .. فخرجوا كالأشبال حول هذا الشيخ الجسور .. خرجوا دون أن يودعوا أمّهم فاطمة .. فهي ليست في البيت الآن .. لأنها تسير مع رفيق دربها وحبيبها .. أخرجها الشوق إلى الجنّة مثلما أخرج زوجها وأبناءها .. وكان لفاطمة العظيمة هذه أخ اسمه: عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري .. وعبد

стр. 528

الله هذا صديق حميم لزوجها عمرو بن الجموح .. لكن أحوال عبد الله بن عمرو بن حرام مختلفة عن أحوال صديقه .. كان لعمرو بن الجموح أربعة أبناء يحاولون إبقاءه في بيته .. أما عبد الله فله ولد وحيد اسمه جابر .. وهو يمنعه الآن من الخروج .. إنه يأمره بالبقاء في المدينة .. فظروف بيت عبد الله تستدعي أن يبقى أحد الاثنين .. ولابد للابن من أن يطيع والده .. لكن لماذا لا يخرج الاثنان إلى المعركة كما خرج عمرو وأبناؤه وأمّهم جميعًا .. ؟ دعونا نتوجّه إلى بيت جابر بن عبد الله إنه ليس ببعيد .. ها هو البيت .. بيت جميل بالإيمان والأحلام والفتيات .. بيت يغرق بالمشاعر والدموع والرجال. في عالم بين: البنات والمعركة حديث حزين يدور بين جابر بن عبد الله ووالده الذي يصرّ على الخروج .. فيخاطب رجولة ابنه وبرّه وإيمانه فيقول: (يا جابر .. لا عليك أن تكون في نظاري المدينة حتى تعلم إلى ما يصير أمرنا، فإني والله لولا أني أترك بنات لي بعدي لأحببت أن تقتل بين يدي) (١) .. جابر ووالده لهف على الموت في سبيل الله .. لكن الدموع التي تفيض من العيون البريئة .. وتلك النظرات الخائفة التي تعصف بقلب هذا الشيخ الكبير .. تتعلّق به وتريد الاحتفاظ به .. تتغلغل كالجروح .. تسع فتيات حزينات .. يتساءلن هل سيعود والدنا من المعركة أم أنه الوداع الأخير لهذا الشيخ الحبيب. عناق ونظرات ودموع تحاصر هذا الشيخ .. فيتفطر قلبه ويحسّ بدبيب الموت يسري في عروقه .. ويشعر بخطوات اليتم المخيفة تتجه نحو

стр. 529

حبيباته الصغيرات .. اللواتي طالما انتظرنه في البيت وعلى عتبة الباب .. فإذا ما رأينه مقبلًا تراكضن نحوه كالزهرات .. أيهنّ تحظى بقبلة قبل أخواتها .. يتزاحمن على ما يحمله بيديه .. كلهنّ يردن التخفيف عنه ورؤية ما أحضر لهنّ .. كلهنّ يردن خدمته .. طالما أعددن شرابه وطعامه .. وغسلن ثيابه .. وغطّينه وهو نائم .. ولطالما مرّضنه من حمى المدينة القاسية .. تسع زهرات .. كم حملهن على ظهره .. ولاعبهن وضاحكهن وقصّ عليهن .. كم ألححن عليه ليشتري الملابس والحلي .. فيستجيب مهزومًا بالحب .. ذكريات وهموم تثقل الشيخ العطوف وتملأ قلبه .. فتخرج الكلمات منه بصوت متهدّج بالحزن .. ويقول لابنه جابر: (ما أراني إلَّا مقتولًا في أول من يقتل من أصحاب النبي ﷺ ، وإني لا أترك بعدي أعزّ عليّ منك غير نفس رسول الله ﷺ ، وإن عليّ دينًا فاقضِ، واستوصِ بأخواتك خيرًا) (١). لكن الكلمات لا تطفئ هذه النار المستعرة بين أضلاع هذا الشيخ .. لا تكفي لمقاومة ألم الفراق واليتم القادم .. فيتّجه به الحزن إلى شيء لا يزال حلالًا حتى الآن .. يتجه به الحزن إلى شيء قد ينسيه بعض الحزن .. قد ينسيه ذلك الشوق المنبعث من تلك العيون البريئة التي لا تُنسى. والد جابر يشرب خمرًا قبل المعركة يتجه ﵁ إلى الخمر فيحتسي شيئًا منها علّها تخرجه مما هو فيه .. علّها تسليه حتى تحين ساعة العراك حيث تذوب الخمر ويشتدّ

стр. 530

الأمر .. ويذهل عبد الله عن كل شيء سوى الشهادة .. يقول جابر ﵁: (اصطبح -والله - أبي يوم أحد الخمر ثم غدا فقاتل) (١)، ولم يكن والد جابر هو الوحيد الذي شرب خمرًا ذلك الصباح .. فلقد (صبح أناس غداة أحد الخمر) (٢) .. فهل كانت أحزانهم كأحزان عبد الله الذي يغادر بيته وبناته .. ويترك لابنه جابر من الهموم والمسؤوليات الشيء الكثير .. لكن جابرًا أهلٌ لتحمّلها .. لأن الإِسلام جعل من جابر بن عبد الله إحساسًا مرهفًا .. غيمة تهمي حنانًا وربيعًا على أخواته المسكينات .. يقول جابر ﵁ إن والده (ترك عليه دينًا) (٣) و (ترك تسع بنات كن لي تسع أخوات) (٤) مسؤولية جسيمة لا تنقضي. يقول ﷺ : (من عالَ جاريتين حتى يدركا، دخلت أنا وهو الجنّة كهاتين) (٥)، أي كالأصبعين المتجاورين .. هذا إذا عال الرجل فتاتين .. فكيف إذا كان تحت رعايته تسع بنات .. ؟ كم يحب الإِسلام البنات ويعتني بهن .. ويطالب بحبهنّ والعناية بهنّ .. هنيئًا لجابر .. وهنيئًا له موقعه بين نظاري المدينة الذين يحرسون ثغورها .. ويسهرون حمايةً لها .. بشَّرهم ﷺ وبشَّر غيرهم عندما قال: (عينان لا تصيبهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله) (٦).

стр. 531

بقي جابر على ثغور المدينة .. وغادر والده عبد الله بصحبة رفيقه عمرو بن الجموح وأبنائه وأخته فاطمة .. غادروا المدينة صاخبة .. مزدحمة بالعناق والدموع .. ها هو حذيفة بن اليمان ووالده "حسيل" اللذان أرغمهما المشركون على أن يقسما ألا يشاركا رسول الله ﷺ في غزوة بدر .. ها هما اليوم على أُهبة الاستعداد والإعداد للفتك بالشرك .. لكن الأمر جاء على غير ما يحبّان .. إن حذيفة يودع والده الآن .. لكن الذي سيبقى هذه المرة هو الوالد والذي سيغادر هو حذيفة ﵄ .. فلقد أمر ﷺ حسيلًا بالبقاء لحراسة المدينة، كما أمر شيخًا آخر بالبقاء مع حسيل .. واسم هذا الشيخ: "ثابت بن وقش"، فبقيا كارهن أن تفوتهما الشهادة. انظروا إلى هذا المنزل العظيم .. ففيه تستعرّ نار الفراق والوجد .. إنه منزل الكريم .. الكريم سعد بن الربيع الذي عرض نصف ماله وإحدى زوجاته على عبد الرحمن بن عوف .. تناثرت الدموع دموع ابنتيه الوحيدتن ودموع زوجته التي بقيت معه .. إن حاله كحال والد جابر .. لقد خرج سعد وخرجنا معه إلى ناحية أخرى .. إنها الناحية التي انزوى فيها صحابيان عن الناس .. ماذا يفعلان؟ إنهما يدعوان .. يبوحان فيبحر الدعاء بهما .. دعونا نبحر معهما إلى جزيرة هذا وجزيرة ذاك .. ولكن قبل ذلك نودّ التعرف إليهما .. إنهما من الأوائل أمّا الأول، فأوّل من رمى بسهم في سبيل الله .. وهو سعد بن أبي وقاص .. أمهر من رمى السهام. وأمّا الآخر .. فأوّل من قاد سرية لرسول الله ﷺ ولدولة الإِسلام

стр. 532

الجديدة .. إنه عبد الله بن جحش ﵄ .. ها هو سعد يحدّثنا عما جرى في تلك الناحية .. فيقول: (إن عبد الله بن جحش، قال له يوم أُحد: ألا تدعو الله، فخلوا في ناحية، فدعا سعد فقال: يا ربّ إذا لقيت العدو، فلقّني رجلًا شديدًا بأسه، شديدًا حرده، أقاتله ويقاتلني، ثم ارزقني الظفر عليه حتى أقتله، وآخذ سلبه .. فأمَّن عبد الله بن جحش ثم قال: اللهمّ ارزقي رجلًا شديدًا حرده، شديدًا بأسه، أقاتله فيك ويقاتلني، ثم يأخذني، فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غدًا قلت: يا عبد فِيمَ جدع أنفك وأذنك؟ من جدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك. فتقول: صدقت) (١). يا لهذه الجزر الحالمة الساحرة .. يا لهذه الأنفس ما أعظمها .. ترى هل سيجيب الله هذه الابتهالات .. ستبوح بالإجابة أرض المعركة .. وجبل عينين وجبل أُحد سيشهدان على ذلك .. لماذا كل هذه الحرقة

стр. 533

على الموت .. كل هذا الاحتفاء والعشق الذي يحرق الأكباد .. إنها الجنّة. وهؤلاء الرجال يحتقرون أعمارهم وأعمالهم وفداءهم إذا ما قارنوها بثوابها عند الله .. إنهم مسافرون إلى الخلود .. فلو ضرب المؤمن سنين عمره في عدد حبات الرمال المنثورة على وجه الأرض لما حصل على عدد يقارب سنين عمره في الجنّة .. فكيف يلام شيوخ كعمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام وحسيل .. كيف يلام هؤلاء الشيب إذا ما نافسوا الشباب على ظهور الخيل والموت وهم يسمعون رسول الله ﷺ يقول: (يدخل أهل الجنةِ الجنةَ جردًا، مردًا، كأنهم مكحلون، أبناء ثلاثٍ وثلاثين) (١) (لا يسقمون ولا يبولون، ولا يتغوّطون، ولا يتفلون، ولا يمتخطون) (٢)، قال بعض الصحابة للنبى ﷺ : (فما بال الطعام؟ قال: جشاء ورشح كرشح المسك) (٣)، (ينادي منادي: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا) (٤) فـ (إذا دخل أهل الجنة الجنّة وأهل النارِ النارَ يجاء بالموت كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنّة والنار، فيقال: يا أهل الجنّة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون، فينظرون، ويقولون: نعم .. هذا الموت. وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون، فيقولون: نعم .. هذا الموت .. وكلّهم قد رآه، فيؤمر

стр. 534

به فيذبح، ويقال: يا أهل الجنّة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت) (١). وقد خطف ﷺ أرواحهم وعقولهم وقلوبهم عندما تحدّث عن الجهاد في سبيل الله، فقال: (غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأة من نساء أهل الجنّة اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأت ما بينهما ريحًا , ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها) (٢)، كل هذا السحر .. كل هذا الجمال .. كل هذه الفتنة لنساء الجنّة من المؤمنات ومن الحور .. فلا عجيب أن نرى ضمن الجيش نساءً خرجن للمشاركة في المعركة .. يداوين الجرحى ويسقين العطشى .. كان في مقدمتهن فاطمة بنت رسول الله ﷺ وزوجته عائشة بنت أبي بكر الصديق .. وصفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ وأخت حمزة ﵃ .. وأم سليم بنت ملحان المشهورة بـ (الرميصاء) وهي أم أنس بن مالك ﵄ .. وهنّ من الأنصار .. كما شاركت أنصاريات أُخر منهنّ: أم سليط ﵂ وفاطمة (٣) بنت عمرو بن حرام أخت عبد الله وعمّة جابر وزوجة عمرو بن الجموح ونساء أخريات من المهاجرين والأنصار .. ولئن استطاع بعض النساء أن يخرجن مع رسول الله ﷺ في حروبه فإن هناك من الرجال من لا يقدر على الخروج .. والحرج يحاصرهم بعد نزول هذه الآيات:

стр. 535

﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يقول أحد الصحابة ﵁: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عن بدر والخارجون إلى بدر) (١)، وكانت الآيات قد نزلت كما يحدثنا أول من سمعها وأوّل من كتبها: زيد بن ثابت ﵁ .. فيقول: (إن النبي ﷺ أملى عليه ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ﴾، فجاء ابن أم مكتوم وهو يمليها علي، قال: يا رسول الله .. والله لو أستطيع الجهاد معك لجاهدت -وكان أعمى- فأنزل الله على رسوله ﷺ -وفخذه على فخذي- فثقلت عليَّ حتى أن تُرضَّ فخذي، ثم سُرِّي عنه، فأنزل الله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾) (٢)، فصارت الآية تقرأ هكذا: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ الله الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ الله الْحُسْنَى وَفَضَّلَ الله الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾ (٣)، لكن ماذا عن أجر القاعدين المعذورين؟ يقول ﷺ : (لقد تركتم بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من وادِ إلا وهم معكم فيه، قالوا: يا رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؛ قال: حبسهم العذر) (٤).

стр. 536

فلم يحبس عنهم الأجر .. فالمسلم ليس بأعماله فقط .. بل بنواياه أيضًا .. وإذا كان ابن أم مكتوم قد حبسه العمى .. فإن هناك رجالًا حبسهم عن الجهاد رسول الله ﷺ .. رغم أنهم لا يشكون من شيء في أجسادهم .. ولا يشكّ ﷺ في إيمانهم .. وإنما حبسهم ﵊ ليكلفهم. بمهمة جهادية داخل المدينة هي الرباط والحفاظ على المدينة من أي عدو .. سواءً كان غدر يهودي أو منافق .. أو كرّ مشرك من خارج المدينة .. المرابطون على الآطام (١) والحصون .. هم رجال شجعان أوكل إليهم ﷺ حراسة المدينة والرباط فيها .. وبشّر المرابطين بأجر عظيم، فقال ﷺ : (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات مرابطًا جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن من الفتان) (٢) و (رباط شهر خير من صيام دهر، ومن مات مرابطًا في سبيل الله أمن من الفزع الأكبر، وغدي عليه برزقه، وريح من الجنّة، ويجري عليه أجر المرابط حتى يبعثه الله) (٣) .. وكان من بين الذين حظوا هذا الأجر والأمر والد حذيفة بن اليمان ذلك الرجل الذي منعه العهد والوعد من مشاركة النبي ﷺ في معركة بدر .. وصحابي آخر اسمه: ثابت بن وقش بن زعوراء ﵄ .. فـ (لما خرج رسول الله ﷺ إلى أُحد وقع اليمان بن جابر -أبو حذيفة- وثابت بن وقش بن زعوراء في الآطام مع النساء والصبيان) (٤).

стр. 537

استعدّ الجميع .. وتأهبوا للخروج إلَّا رجلين .. الأول لا حاجة به إلى الاستعداد .. فهو لا يملك من هذه الدنيا شيئًا يحتاج إلى وداع أو وصية .. فأملاكه كلّها بين يديه وفي صدره .. مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف .. ابن الأم الثرية .. الشاب المنعم أيام شركه .. لا يملك الآن إلَّا سيفه وقرآنًا يملأ صدره ويملأ بيوت المدينة بعد أن سافر في بيوت الأنصار .. وزرع فيها العلم والإيمان .. هذا هو مصعب بن عمير الذي لقبه الأنصار بـ "المعلم" .. أمّا الآخر فهو شاب يتمتّع بأحلى أيام عرسه .. إنه الآن مع عروسه .. يتبادلان عذب الكلام والأحلام .. صفو المشاعر والغرام .. وفجأة يدوي في المدينة داعي الجهاد فينسل حنظلة بن أبي عامر من فراشه ويتحول العاشق إلى محارب يودع عروسه بحرارة المحبِّ الذي لن يعود .. فتهمي دموع حبيبته وتستودعه الله الذي لا تضيع ودائعه .. فهو أغلى ما تملكه .. ويغيب حنظلة عن عينيها .. وتغيب في همومها وأحزانها التي لا تدري متى تنتهي .. أحزانها التي لا يخفّفها سوى الإيمان. خرج ﷺ من المدينة متوجهًا نحو أُحد .. حاملًا سيفه "ذا الفقار" الذي غنمه من غزوة بدر .. ولم يكتف ﷺ بلبس درعه .. بل لبس عليه درعًا آخر .. يقول أحد الصحابة ﵃: (إن رسول الله ﷺ ظاهر يوم أُحد بين درعين -أو لبس درعين-) (١). وإذا كان النبي ﷺ الذي يحفظه الله من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وشماله ومن فوقه ومن

стр. 538

تحته يحتاط كل هذا الاحتياط .. فصحابته أولى .. يقول الزبير ﵁: (رأيت رسول الله ﷺ قد ظاهر بين درعين يومئذ) (١). انطلق ﷺ لملاقاة حشود الشرك المحتقنة .. كانت رايته ترفرف في الهواء (كانت سوداء من نمرة) (٢) صوف .. أما لواؤه ﷺ فكان لواؤه (أبيض) (٣) .. كان كل شىء في هذا الجيش يرفرف للجنّة وعوالمها الساحرة. كان الرجال يتجمّلون للشهادة .. إلَّا أشباه رجال خرجوا بأجساد نخرة .. وبمعنويات يجرّونها خلفهم كالذلّ .. رجال يرتجفون من كل شيء حولهم .. يحسبون كل صيحة عليهم .. خوفًا خرجوا .. خوفًا صحبوه ﷺ .. لكن هلعهم تفاقم عندما اقتربوا من الحقيقة -المعركة .. تحركت الخيانة في في دمائهم .. ونهضت كالشيطان تشير بأصبعها إلى الوراء .. تأمرهم بالعودة إلى المدينة وترك محمَّد ﷺ وأصحابه .. فاستجابوا ورجعوا .. صدم الصحابة بما حدث ولم يصدم ﷺ لأنه يعرفهم .. صعق الصحابة بما يجري .. هل هؤلاء مسلمون .. هب أنهم غير مسلمين هل هذا التصرّف- العار من شيم العرب وأخلاق العروبة .. أين الرجولة .. أين النخوة؟ .. هباء .. كل شيء داخل هؤلاء الخونة هباء .. إلَّا الكفر والحقد .. لكن الصحابة لم يسكتوا .. ولم يتحمّلوا هذا الموقف المخزي .. قرّر بعضهم أن

стр. 539

يبدأوا بقتال هؤلاء الأنذال الجبناء قبل أن يقاتلوا جيش مكّة المشرك .. لكن البعض فضّل عدم إهدار طاقتهم وتدنيس أيديهم بدمائهم القذرة .. وهذا ما مال إليه ﷺ .. فلا بدّ من التركيز على الخطر الداهم - العاجل .. يقول زيد بن ثابت ملخصًا ما حدث من خيانة: (إن رسول الله ﷺ خرج إلى أُحد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله ﷺ فيهم فرقتين: فرقة تقول: نقتلهم .. وفرقة تقول: لا، فأنزل الله: ﴿فَمَا لَكُمْ في الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ الله وَمَنْ يُضْلِلِ الله فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ فقال رسول الله ﷺ : إنها طيبة وإنها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة) (١). شعّت الفضّة ولمعت بعد أن تعرضت لنار الشدائد فانسلخ خبث النفاق عنها .. ورجع الخونة دون أخلاق إلى جحورهم في المدينة كالحيات .. كالعقارب .. وأصبح جيش محمَّد ﷺ قليلًا .. ضعيفًا إلَّا بالإيمان .. لكن قلّة العدد والخيانة واستعداد العدو خيّم للحظات على بعض الأنصار وهم بنو حارثة وبنو سلمة .. فقد كاد الإحباط والفشل أن يستولي عليهم .. لكن القرآن يفعل المعجزات .. نزل القرآن يغسل ما بهم من هموم وإحباط .. فثبتوا مع رسول الله ﷺ كالجبال .. بل لقد صار ذلك الموقف مبعث فخر لهم إلى يوم القيامة .. لقد فرحوا بما نزل من آيات تصف حالهم وتثني عليهم .. هذا أحد أبنائهم يفرح بنزول كلام الله على نبيه فيهم، فيقول:

стр. 540

(فينا نزلت: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللهُ وَلِيُّهُمَا﴾، قال: نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سلمة، وما نحب -وما يسرّني- أنها لم تنزل لقول الله تعالى: ﴿وَاللهُ وَلِيُّهُمَا﴾) (١). إذًا فهم أولياء الله .. وهم بشر .. يتعرّضون لما يتعرض له البشر .. لكن القرآن زاحم ذلك الضعف حتى نفاه .. وذكرهم بنصر لم يتوقعوه .. فدبّ الحماس في عروقهم وأرواحهم .. يقول سبحانه: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢). صفت النفوس من الضعف .. وتخلّص الجيش من معظم الخونة .. وتوجّه الجميع إلى منطقة: بين عينين وأُحد وعينين جبل .. وأُحد جبل آخر وبينهما وادٍ (٣) .. وصل الجيش المؤمن، فتوقف النبي ﷺ .. وتوقف أصحابه .. وعندما لامست أقدامهم تلك الأرض .. تأمّلها ﷺ جيدًا .. وتأمل أصحابه فوجدهم قلّة .. فأدار المعركة من مخيلته قبل أن تدور على الأرض .. فرأى جبل أُحد .. قال أنس بن مالك ﵁: (إن النبي ﷺ طلع له أُحد فقال: هذا جبل يحبّنا ونحبه) (٤)، تأمل ﷺ أُحدًا فوجده حبيبًا للمؤمنين يتمنى خدمتهم في مثل هذه الظروف القاسية .. فوظفه ﷺ توظيفًا يرجح به كفة جيش صغير

стр. 541

على جيش كبير كجيش قريش .. لقد قرر ﷺ أن يستخدم هذا الجبل كدرع خلفي للجيش .. ليس هذا فحسب .. بل جعل من هذا الجبل قاعدة جوية تنتشر من أعلاه مظلّة تساند الجيش أثناء المعركة وتحميه من أي التفاف قد يقوم به المشركون من خلف الجبل .. لا سيما وأنّهم قد سبقوا المسلمين إلى موقع المعركة .. وهذا ما أوجب دقّة التخطيط وضرورة الدقّة في التنفيذ .. وأهمية الانضباط في العمل .. أخرج ﷺ من الجيش مجموعة من الرماة وحدّد لهم موقعًا على الجبل وأمرهم بالبقاء فيه مهما كانت الظروف .. مهما كانت النتيجة .. و (جعل النبي ﷺ على الرماة يوم أُحد عبد الله بن جبير) (١) قائدًا لا يجوز لهم أن يعصوه .. لقد كان ﷺ يدرك خطورة الموقف وشدّته .. كان واضحًا وصارمًا في تعاليمه للرماة .. لقد (أقامهم في موضع ثم قال: احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نُقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا غنمنا فلا تشركونا) (٢)، لا مكان للتوقعات والظنون .. ولا للحماس الزائد .. كان ﷺ يريد عزلهم عن كل هذه الأمور كي يركزوا ويكرّسوا كل طاقاتهم واهتمامهم لوظيفتهم التي حدّدها ﷺ هي واضحة جدًا .. جدًا ..

стр. 542

وهل هناك أشدّ صرامة من قوله ﷺ للرماة (إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم) (١). سمع الرماة وأطاعوا .. وصعدوا خلف قائدهم عبد الله بن جبير وأخذ كل منهم موقعه على الجبل .. أمّا على الأرض .. فقد كان هذا النبي والقائد العبقري ﷺ ينظم صفوفه .. سندعه يكمل تنظيم جيشه بينما نلقى نظرة على ذلك الجيش الوثني المحتقن بالثأر وبهزيمة بدر .. إنه يقبع قرب جبل "عينين" وهذا ما جعلهم يسمونه "عام عينين" (٢)، بينما كان المسلمون يسمّونه "عام أُحُد" .. كان جيش قريش يفتقد إلى أشياء كثيرة .. أهمّها الهدف الموحد والبعيد للمعركة .. كانت المعركة بالنسبة لهم ذات أهداف شخصية بالدرجة الأولى .. فعكرمة خرج للثأر لأبيه .. وأبي بن خلف جاء ليقتل رسول الله ﷺ ثأرًا لمصرع أخيه أمية بن خلف .. وجبير بن مطعم لا أدري هل كان ضمن الجيش أم لا .. لكنه يحلم بالثأر لعمّه من حمزة .. وبما أنه لا أحد يقدر على مواجهة حمزة .. فقد فضّل أن يقدم عرضًا لمن يقوم بهذه المهمة .. فعرض على عبده "وحشي" القيام بذلك مقابل حريّته .. ووحشي لن يواجه حمزة ولا يستطيع .. لكنه يجيد الرماية بالحربة وهو أمر ممكن لأن حمزة سيكون بعيدًا عندها .. ولا تحتاج هذه المهمة سوى إلى

стр. 543

الانتظار والترقّب .. قدم المطعم عرضه فقبل وحشي القيام بهذه المهمة من أجل الحرية .. والحرية فقط .. فوحشي ليس بينه وبن المسلمين أي عداء .. عدوّه الوحيد هو الرق .. أمّا أبو سفيان فربما أخرجته للمعركة زعامته الجديدة لقريش بعد هلاك الطواغيت السبعة ومصرعهم على ساحة بدر .. وربما حرضته على ذلك زوجته هند التي كانت تتحرق للثأر .. بعد هلاك أبيها وعمّها وأخيها على يد حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث ﵃ .. ومن الأشياء التي يفتقدها الجيش الوثني: حب الموت والاستبشار بالشهادة .. فهم يحرصون على الحياة كحرص المؤمنين على الشهادة .. وهذا الشىء هو سرّ تحطّم أعتى الجيوش على أيدي المؤمنين .. ومن الأشياء التي يفتقدها جيش قريش: النظام .. فمن الصعب جدًا أن تسيطر على جيش يبحث كل فرد فيه عن فرد ضمن جيش آخر .. هناك تشتّت في الاتجاه والهدف .. وهذا ما حرص ﷺ على إبعاده عندما قال للرماة: (إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم) (١). واقتربت المعركة بين جيشين: جيش قوي .. وجيش ذكى .. فكانت: البداية دعاء بدأ ﷺ كعادته .. بالدعاء .. لقد (قال يوم أُحد: اللهمّ إنك إن تشأ لا تعبد في الأرض) (٢) .. فمن أجل عبادة الله وحده لا شريك خرج ﷺ

стр. 544

وأصحابه .. لا يريدون مالًا ولا جاهًا .. خرجوا ينشرون دين الله ويدافعون عن نشره .. ومن أجل الأصنام خرج أولئك الوثنيون .. وكان لهذا الدعاء بشائر بالإجابة و: بشائر النصر ها هو سعد بن أبي وقاص ﵁ يشخص ببصره إلى رسول الله ﷺ ليرى منظرًا أبيض لا يدري من هو ولا ما هو .. فيقول: (رأيت بشمال النبي ﷺ ويمينه رجلين عليهما ثياب بيض يوم أُحد، وما رأيتهما قبل ولا بعد) (١). لا شكّ أنهّا الملائكة .. لكن هل ستشارك كما شاركت في غزوة بدر؟ سنعرف الإجابة بعد قليل .. فهل بقي من بشائر بالنصر على أرض أُحد؟ أجل .. كان ذلك بعد ما صف النبي ﷺ المؤمنين صفًا خلف صف .. غشيت البشارة بعض الصحابة .. وكان أبو طلق أحدهم .. حيث يقول: (غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أُحد) (٢) و (كنت فيمن تَغَشَّاه النعاس يوم أُحد، حتى سقط سيفي من يدي مرارًا، يسقط وآخذه، ويسقط فآخذه) (٣)، رفع طلحة رأسه فرأى منظرًا غريبًا يترنح تحت الدروع والتروس .. يقول ﵁: (رفعت رأسي يوم أُحد، وجعلت أنظر وما منهم يومئذ أحد إلا يميد تحت حجفته (٤) من النعاس) (٥)، لكن بين

стр. 545

صفوف المؤمنين بعض المنافقين الذين لم يجرؤوا على الفرار .. إنهم الآن يرتجفون وهم يرون هذا الجيش القليل العدد والعدّة .. ويزيد من ارتجافهم وغيظهم هذا النعاس الذي يحرق الأعصاب .. كأني بالمنافقين ولسان حالهم يقول: انهضوا أيها .. من نومكم أما ترون الموت يملأ المكان .. لقد كان النعاس أمنًا للمؤمنين وخوفًا ورعبًا للمنافقين .. وفي ذروة الخوف والأمن .. وخلال ذلك الصمت المخيم يشقّ الساحة صوت ينطلق من معسكر الأصنام بالتحدي .. فارس جاهلي شجاع اسمه سباع بن عبد العزى يصرخ ويقول: هل من مبارز من سيبارز هذا الشجاع .. دعونا نطرح هذا السؤال على رجل يهمّه جدًا ما حدث .. وشاهد -جيدًا- ما حدث .. إنه وحشي الذي جاء من أجل مهمة واحدة .. هي طعن حمزة فقط .. يقول وحشي: (خرجت مع الناس إلى القتال، فلما اصطفوا للقتال خرج سباع فقال: هل من مبارز؟ فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب فقال: يا سباع .. يا ابن أم أنمار مقطعة البظور .. أتحادّ الله ورسوله ﷺ ؟ ثم شدّ عليه فكان كأمس الذاهب) (١)، لفظ جميل يعبّر عن سهولة هلاك الشجعان على يد حمزة .. سقط ذلك الفارس وارتفع سيف حمزة يطلب المزيد .. وارتفعت معنويات المؤمنين وزاد حماسهم .. فأراد رسول الله ﷺ

стр. 546

أن يؤجج ذلك الحماس فصرخ بجموع المؤمنين رافعًا سيفًا: (من يأخذ مني هذا السيف بحقه؟ فبسطوا أيديهم، كل إنسان فيهم يقول: أنا .. أنا ... فقال ﷺ : من يأخذه بحقه؟ فأحجم القوم، فقال له سماك "أبو دجانة": أنا آخذه بحقه. فأخذه ففلق به هام المشركين) (١) الذين أذهلتهم هذه المعنويات .. لقد أفنى حمزة مبادرتهم .. ومزّق أبو دجانة من أمامه منهم .. والتحم الجيشان فبان الفرق بين جيش همجى غاشم .. وبن جيش متحضر له هدف وتخطيط وأسلوب رفيع في التنفيذ .. جاء أحد الصحابة يبحث عن سبق .. بعد أن تفوّق حمزة وأبو دجانة فقال لرسول الله ﷺ : (أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال: في الجنّة، فألقى تمرات في يده ثم قاتل) (٢). وبدأ الرماة بنشر مظلتهم الجوية .. ففوجئ المشركون بجيش يحصدهم على الأرض ويمطرهم من السماء .. فالرماة يؤدّون مهمّتهم بإتقان .. وسهامهم زخات من الموت .. زخات من القبور .. فرّقت جموع الوثنيين .. فصاروا يهربون في كل اتّجاه .. ولم تكن السهام تنطلق من قمة أحد فقط .. كان بقرب رسول الله ﷺ أمهر راميَيْن .. سعد بن أبي وقاص كان الأمهر .. شاهد علي بن أبي طالب ﵁ ما يحدث بين رسول الله ﷺ وبن سعد .. وسمعه ورواه فقال: (ما سمعت النبي ﷺ جمع أبويه لأحد إلَّا لسعد بن مالك، فإني سمعته يقول يوم أُحد: "يا سعد ارم فداك أبي وأمي") (٣)، ويقول سعد بن أبي وقاص ﵁: (جع لي رسول الله ﷺ يوم أُحد أبويه كلاهما) (٤) .. لقد (نثل لي

стр. 547

النبي ﷺ كنانته يوم أُحد فقال: ارم فداك أبي وأمي) (١) .. كان سعد يمتع ناظري رسول الله ﷺ .. بل ويضحكه .. يقول ﵁: كان رجل من المشركين قد أحرق المسلمين، فقال له النبي ﷺ ارم فداك أبي وأمي، فترعت له بسهم ليس فيه نصل، فأصبت جنبه، فسقط فانكشفت عورته، فضحك رسول الله ﷺ حتى نظرت إلى نواجذه) (٢) ولم يكتف سعد بالرماية بين يدي رسول الله ﷺ .. لقد كان فارسًا يفتك بمن أمامه .. لقد استجاب الله له فلقي كما تمني: (رجلًا شديدًا حرده أقاتله ويقاتلني ثم ارزقني الظفر عليه حتى أقتله وآخذ سلبه) (٣) .. لكن ماذا عن عبد الله بن جحش هل استجاب الله لدعائه؟ ليس بعد .. فهو مازال يجالد بسيفه ويجتثّ من يواجه من المشركين .. لم ننس رامي النبى ﷺ الآخر .. إنه أبو طلحة (كان راميًا شديد النزع كسر يومئذٍ قوسين أو ثلاثة، وكان الرجل يمرّ معه الجعبة من النبل، فيقول رسول الله ﷺ : انثرها لأبي طلحة، ثم يشرف إلى القوم، فيقول أبو طلحة: يا نبي الله بأبي أنت وأمى، لا تشرف .. ألا يصيبك سهم، نحري دون نحرك) (٤). ماهت الأرواح بالأرواح في جلاد يزهق الأرواح .. نبي قائد يفدي جنوده بأمّه وأبيه .. وجنود يفدون نبيّهم بأمّهاتهم وآبائهم وأرواحهم .. كانت الصدور درعًا دونه ﷺ .. حتى الملائكة كانت درعًا دونه ﷺ .. يقول سعد بن أبي وقاص: (رأيت رسول الله ﷺ يوم أحد ومعه رجلان يقاتلان

стр. 548

عنه -عليهما ثياب بيض- كأشد القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد) (١) .. كان ﷺ مسرورًا بما يرى من تنفيذ لتعليماته .. وانتصار وحماس بين فرسانه .. مصعب بن عمير الذي لا يملك سوى سيفه وقرآنًا يملأ صدره وأجواءه .. يلقن المشركين دروسًا كما يلقن الأنصار الآيات والسور .. وذلك الشيخ الأعرج ورفيق دربه عبد الله بن عمرو بن حرام وعمرو بن الجموح يقاتلان كالشباب .. لكن للسنّ أحكام قاسية .. سقط عبد الله والد جابر شهيدًا على أرض المعركة .. أوّل شهيد في سجلات أُحد .. وها هي الملائكة من فوقه ومن حوله .. (الملائكة تظلّله بأجنحتها) (٢) يا لها من شهادة .. يا لها من كرامة .. وبعده بزمن يسقط رفيق دربه عمرو بن الجموح ليطأ بعرجته أرض الجنّة .. ويدليها على أنهارها ومياهها .. وبينما كانت المعركة تتأجج بركانًا يقذف حممًا .. يقذف جثثًا ودماءً وصل: ضيفان على المعركة إنهما: حسيل والد حذيفة وصحابي آخر هو ثابت بن وقش ﵄ .. لقد ضاقت بطموحهما أسوار المدينة وحصونها .. تلفتا فأحسا أن هذا المكان لا يليق بشجاعين مثلهما .. ففرّا إلى حيث الوغى .. إلى حيث السيوف والشهادة .. وعندما وصلا إلى أُحُد .. وجدا أن المعركة قد حمي وطيسها .. فتسلّلا بين المؤمنين دون أن يعلموا بهم فماذا كانت العاقبة؟ يقول أحد الصحابة ﵁: (لما خرج رسول الله ﷺ إلى أحد وقع اليمان بن جابر أبو حذيفة،

стр. 549

وثابت بن وقش بن زعوراء في الآطام (١) مع النساء والصبيان، فقال أحدهما لصاحبه -وهما شيخان كبيران-: لا أبا لك ما ننتظر؟ فوالله ما بقي لواحد منّا من عمره إلا ظمأ حمار، "إنما نحن هامة اليوم أو غدًا"، إنما نحن هامة القوم، ألا نأخذ أسيافنا ثم نلحق برسول الله ﷺ ، فدخلا في المسلمن -ولا يعلمون بهما-) (٢)، وقاتلا المشركين، ولكنهما شيخان كبيران .. وللسن أحكام وفي الشيخوخة ضعف (فأما ثابت بن وقش فقتله المشركون، وأما أبو حذيفة) (٣)، فله قصة عجيبة سنعرفها بعد قليل .. ضيف ثالث على المعركة اسمه: عمرو بن أقيش .. أراد أن يسلم في يوم من أيام السلام والسكون .. لكنه كان يتعامل بالربا مع بعض المشركين .. ولم يكن في عجلةٍ من أمره لكي يسلم .. ففضل أن يذهب ليأخذ رباه بصفته مشركًا ثم يعود لكي يعلن إسلامه .. سافر إلى المكان المقصود قبل غزوة أحد ثم عاد ليجد المدينة لا تضحي بأموالها فقط .. بل تضحي بأرواحها طاعة لله ولرسوله ﷺ .. فهانت أموال عمرو أمام عينيه .. وهان رِبَاه .. وهان كل شيء في نظره .. وكشفت الشدائد عن معدنه .. وكشف لنا أحد الصحابة عن خبره .. فقال: (إن عمرو بن أقيش كان له رِبًا في الجاهلية، فكره أن

стр. 550

يسلم حتى يأخذه، فجاء يوم أحد، فقال: أين بنو عمي؟ قالوا: بأُحُد، قال: أين فلان؟ قالوا: بأُحد، قال: أين فلان؟ قالوا: بأُحد. فلبس لأمته، وركب فرسه ثم توّجه قِبَلهم، فلما رآه المسلمون، قالوا: إليك عنا يا عمرو. قال: إني قد آمنت، فقاتل حتى جرح فحمل إلى أهله جريحًا، فجاء سعد بن معاذ، فقال لأخته: سليه حمية لقومك، أو غضبًا لهم، أم غضبًا لله ؟ قال: بل غضبًا لله ورسوله، فمات، فدخل الجنّة وما صلّى لله صلاة) (١) .. دخل الجنّة كما دخلها عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام. دخل الجنّة وما صام لله يومًا .. يا لكرم الله .. الجنّة - خلودها وسحرها وعوالمها لهذا الفارس من أجل لحظات .. لكنها لحظات من التوحيد .. لحظات شارك فيها عمرو بن أقيش في هزيمة الأصنام وأهلها .. شارك فيها أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا .. شارك فيها طلحة وأبا عبيدة وسعيد بن زيد وسعد وعبد الرحمن بن عوف والزبير .. وسعد بن معاذ وسعد بن عبادة وأبا دجانة .. وأنس بن النضر .. أنس بن النضر الذي بهر من يراه بشجاعته .. لقد برّ بقسمه .. ها هو كالأسد بين الصفوف لا تزيده الجراح الكثيرة إلَّا شراسة وإقدامًا في الفتك بأعداء الله .. لا يتفوّق عليه إلَّا حمزة الذي كان يقاتل بطريقة جديدة ويصرخ بمعنويات شهيد .. شاهده سعد بن أبي وقاص ونقل ما شاهد .. فقال:

стр. 551

(كان حمزة بن عبد المطلب يقاتل يوم أُحُد بين يدي رسول الله ﷺ بسيفين، ويقول: أنا أسد الله) (١) .. كان حمزة يحزّ الرقاب .. ويذل الطغاة .. فهم يتساقطون أمامه .. لا شيء يصمد في وجهه .. لم يترك فرصة لأحد كى ينال من رسول الله ﷺ .. ولم يترك فرصة لأحد لينال منه .. حتى ذلك البعيد عنه .. الذي لم يشترك في القتال .. ولم يحمل سيفًا للدفاع حتى عن نفسه .. ذلك الأسمر الذي يراقب حمزة وحربته بيده لم يجد -حتى الآن- فرصة للإجهاز عليه .. وهو لا يجسر على اقتحام أهوال حمزة وجحيمه .. إنه يقول: إنني (انظر حمزة وأتبصّره حتى رأيته في عرض الناس كأنه الجمل الأورق يهدّ الناس بسيفه هدًّا .. ما يقوم له شيء) (٢)، وما يجرؤ أحد من قريش على التصدّي لهذا الحتف الذي يصرخ: أنا أسد الله. لقد فرّق حمزة والأسود معه جمع قريش ومزّقوهم .. إنهم يهربون ينهزمون خلف الصخور ووراء الجبال .. ها هو الزبير يلاحق فلولهم

стр. 552

المنهزمة .. المهرولة من هنا وهناك .. ويقول: (والله لقد رأيتني انظر إلى خدم (١) هند بنت عتبة وصواحباتها مشمّرات هوارب، ما دون أخذهن قليل ولا كثير) (٢)، ورأى منظر الهزيمة شاب صغير هو البراء بن عازب الذي يقول: (فأنا والله رأيت النساء يشددن قد بدت خلاخلهنّ وأسوقهن رافعات ثيابهن) (٣)، ويقول ﵁ عن هزيمه المشركين: (فهزموهم، فأنا والله رأيت النساء يشتددن على الخيل، قد بدت خلاخيلهن وأسوقهن رافعات ثيابهن) (٤). الساحة الآن للرسول ﷺ وأصحابه .. هرب الوثنيون تاركين نساءهم في متناول الزبير وأصحابه .. أما نساء المسلمين فكنّ كرجالهم يمارسن التمريض والإسعاف بالماء والدواء .. يقول أنس بن مالك: (لقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمّرتان أرى خدم سوقهما تُنْقِزان القرب على متونهما، فتفرغانه في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملآنها، ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم) (٥)، وعائشة ﵂ وهي في أوج نشاطها وحماسها .. تصف ما حدث بعبارة مختصرة، فتقول: (هزم المشركون يوم أُحد هزيمة بيّنة تعرف فيهم) (٦).

стр. 553

وروى أحد الصحابة ما حدث لحملة الراية من المشركين شيئًا مذهلًا .. لقد استبدلتهم سيوف حمزة ورفاقه سبع مرات أو أكثر .. يقول ﵁: (وقد كان لرسول الله ﷺ أوّل النهار، حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة) (١)، يتساقطون كجدران الطين القديمة وقد داهمتها الرياح والأمطار .. وخلت الساحة من ثأر المشركين ومكرهم .. خلت الساحة إلَّا من ركضهم بحثًا عن بقايا حياة بعد أن مات ثأرهم .. وسافر بعضهم إلى الجحيم .. كانت الساحة مليئة بجثث الطواغيت المنتنة .. المتناثرة في كل مكان .. وكان عدد الجثث حتى الآن قريبًا من السبعين جثة .. أحد هذه الجثث كان حيًا مصابًا يتظاهر بالموت خشية أن يجهز عليه أحد فرسان محمَّد ﷺ .. لقد سقط هو وحلمه الذي حمله معه من مكة .. فقد خرج ليقتل رسول الله ﷺ لكن رفاق حمزة أسقطوهما معًا .. هذا الرجل يدعى (وهب بن عمير) ومازال لديه أمل بالحياة .. يقول أنس بن مالك: (كان وهب بن عمير شهد أُحدًا كافرًا، فأصابته جراحة، فكان في القتلى، فمرّ به رجل من الأنصار فعرفه فوضع

стр. 554

سيفه في بطنه حتى خرج من ظهره ثم تركه) (١)، ماذا حدث لوهب بعد ذلك هل مات .. أم مازال حيًا؟ سنعرف الإجابة بعد نهاية المعركة التي انتهت حتى الآن إلى هزيمة كالجحيم .. سقط فيها أكثر من ستين مشركًا .. أما الأسرى فقد بلغ عددهم سبعين أسيرًا .. إن الساحة الآن تذكر بانتصار بدر .. سبعون للأسر وسبعون للقبر .. ومحمَّد ﷺ يكحل ناظريه. بمشهد يسرّ النفس ويشرح الصدر. لكن هذا المهرجان لم يدم طويلًا .. لقد كانت الساحة جميلة .. مكتنزة بالغنائم والانتصار .. كأن كل شيء قد انتهى .. المشركون انتهوا .. والمؤمنون انتهوا إلى القمة .. لكن بعض الصحابة الذين كانوا على القمة ارتكبوا كارثة .. لقد حوّلوا تلك القمة إلى قاع دموي .. خاض فيه المشركون وشربوا وانتشوا .. ماذا فعل الرماة كان بعض الرماة يشاهدون الانتصار والغنائم .. وفي لحظة من لحظات الضعف الإنساني أغرتهم الغنائم فقرّروا النزول .. لقد قال ﷺ لهم: (إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن

стр. 555

رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم. .) (١)، تأخر الأمر عليهم لم يرسل النبي ﷺ أحدًا .. فظنّوا أن كل شيء قد تمّ على ما يرام .. حكّموا رأيهم واجتهدوا مع أن كلام رسول الله ﷺ لا يزال مدويًا في آذانهم .. فخالفوا أمره وأمر أميرهم عبد الله بن جبير .. وهتفوا ببعضهم (الغنيمة أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنظرون؟ فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ ؟ قالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة) (٢) وانحدر الرماة وانحدرت الكارثة معهم .. شاهدهم المشركون المنهزمون .. فلاح لهم بريق الانتصار .. واستجمعوا قواهم من جديد في محاولة للانقضاض ما دام خطر الأسهم المربك والشائك قد زال عن سماء المعركة .. عاد أبو سفيان والمشركون وهم يرون هذا الفراغ في السماء .. والارتباك على الأرض .. الارتباك الذي أحدثه الرماة عندما زاحموا إخوانهم المكلفين بجمع الغنائم .. وكان أمر الغنائم لم تنزل به الآيات .. كان الرماة النازلون من الجبال يحسبون أن من سبق فهو أحق .. حدثت فوضى عارمة داخل الصف المؤمن .. وانفلت الزمام .. وضاع النظام .. لقد تحوّل الجيش إلى شبكة لا يعرف لها أوّل ولا آخر .. تلك الصفوف المنظمة التي تقاتل كبنيان مرصوص .. حولها الرماة ﵃ بمخالفتهم إلى شيء كالفوضى .. وصفه أحد الصحابة أدقّ الوصف .. فقال: (لما غنم النبي ﷺ وأناخوا عسكر المشركين، أكبّ الرماة جميعًا فدخلوا في العسكر ينهبون، وقد التقت صفوف أصحاب النبي ﷺ ، فهم: كذا -شبك أصابع يديه- والتبسوا، فلما أخلّ الرماة تلك الخلّة التي كانوا فيها دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب النبي ﷺ

стр. 556

فضرب بعضهم بعضًا، والتبسوا، وقتل من المسلمين ناس كثير) (١) بسبب واحدٍ فقط .. هو عدم الالتزام بتعليمات القيادة الصادرة منه ﷺ .. وقد كلّف هذا الخطأ الكثير والكثير .. فالمعركة الآن .. المعركة بأيدي المشركين والمبادرة بأيديهم .. الجيش المؤمن يقتل بعضهم بعضًا من الفوضى .. والمشركون يعينوهم على ذلك .. وفي قلب الظلمة والفوضى تعالى الصياح والضجيج .. وصار المسلمون يصدقون كل شىء ويستجيبون لكل صارخ .. فقد دوت على أرض أُحد صرختان حوّلت كل واحدة منها جيش الإِسلام إلى زوبعة من الفوضى. صرخة تقتل حسيلًا فبينما كان حسيل والد حذيفة يتمتع بالنصر مع رسول الله ﷺ بعد أن حرم منه هو وابنه حذيفة في غزوة بدر .. إذ بصارخ يصيح بالمؤمنين ليتشفّى بمرأى الدماء .. كانت عائشة هناك .. تصبّ الماء للجرحى وتداوي وتصغي لما حدث .. وتقول: (هزم المشركون يوم أُحُد هزيمة تعرف فيهم، فصرخ إبليس: أي عباد الله .. أخراكم. فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم، فنظر حذيفة بن اليمان فإذا هو بأبيه، فقال: أبي .. أبي، قالت: فوالله ما انحجزوا حتى قتلوه، فقال حذيفة: غفر الله لكم، قال عروة بن الزبير بن العوام: فوالله مازالت في حذيفة منها بقية حتى لقي الله) (٢).

стр. 557

يا لإيمان حذيفة .. يا لعتاب حذيفة .. والده المؤمن المجاهد .. تقطعه السيوف .. فلا يتلفظ بكلمة نابية .. ولا حتى بعتاب مجروح .. تنهد قائلًا: غفر الله لكم .. ذرفها حذيفة كالدموع وهو يرى حبيب قلبه .. وصديقه ووالده الحنون يهوي بسيوف أحبابه خطأ .. إن لحذيفة إيمانًا صافيًا كأنهار الجنّة .. رحم الله حسيلًا ورحم الله الرماة .. ورضي الله عنهم جميعًا .. وفي غمار المعركة الثانية .. كانت سيوف المشركين تنهش لحوم الفرسان ودماءهم .. بينما كان وحشي ينتظر دور الحربة والحرية .. ليجهز على حمزة وليبشّر جبير بن مطعم بـ: استشهاد حمزة كان حمزة يشاهد ما يحدث ويصمد له حتى لاح فراغ كبير وسط المعمعة .. فانكشف حمزة لوحشي .. سأترك الكلام لوحشي ليحدثنا عما فعله بأسد الله ورسوله حيث يقول: (خرجت أنظر حمزة وأتبصره، حتى رأيته في عرض الناس كأنه الجمل الأورق يهدّ الناس بسيفه هدًّا، ما يقوم له شيء، فوالله إني لأتهيّأ له، أريده، وأستتر منه بشجرة أو بحجر ليدنو مني) (١). هكذا كان وحشي يستتر .. يلبس الأحجار والأشجار .. يتقنّع بها خشية أن يراه هذا الموت الهائل الذي يهدّ الناس بسيفين أحمرين .. يهدّ الناس بصوته .. رعدًا يدوي: أنا أسد الله ورسوله .. كان حمزة فارسًا يجوب الشجاعة إلى أقصاها .. بينما كان وحشي ينتظره كي يردفه إلى عالم الحرية ..

стр. 558

كان حمزة يجوب الساحة بحثًا عن مُنازل .. حتى كان آخر ضحاياه قرب مخبأ وحشي .. سقط ضحية حمزة .. فنهض وحشي وقال: (هززت حربتي حتى رضيت منها دفعتها إليه "رميته بحربتي"، فوقعت في ثنته حتى خرجت من بين رجليه) (١). انفجرت دماء حمزة .. تساقطت على الأرض ولم يسقط .. التفت إلى طاعنه ولاحقه .. وطاعنه خائف يقول: (وذهب لينوء نحوي، فغلب، وتركته وإياها حتى مات، ثم أتيته فأخذت حربتي، ثم رجعت إلى العسكر، وقعدت فيه، ولم يكن لي بغيره حاجة، إنما قتلته لأعتق) (٢). ودّع حمزة الدنيا .. وقدم وحشي لسيده أغلى مبلغ في الدنيا يُدفع ثمنًا لعبد .. كان المسلمون في تراجع وانكسار .. كانوا في غفلة عن جسد حمزة الطاهر .. الذي تقدم إليه شخص مجهول .. فأخرج أداة حادةً فجدع بها أنف حمزة .. وشقّ بطنه وشوّه جسده الطاهر .. ومثّل به .. وهكذا يفعل الجبناء .. وماذا لديهم سوى ذلك .. ؟ شاهد أحد الصحابة ما فعل بأسد الله- بحمزة عمّ رسول الله ﷺ .. فانطلق إلى رسول الله ﷺ ليخبره بالفاجعة. لكن أين رسول الله ﷺ وسط هذا الغبار والفوضى .. ؟ إنه ليس على جبل أُحُد .. فالرماة نزلوا ولم يبقَ إلَّا قائدهم عبد الله بن جبير وقلّة معه من الصابرين .. لكن المشركين باغتوهم بأعداد كثيرة .. فاستشهدوا على قمة الامتثال والجبل .. أمّا على الأرض .. فالأمر غامض جدًا .. بل هو مفجع .. ها هو أحد المشركين يدوي بالجموع المشتبكة .. صرّح كالشيطان وقال:

стр. 559

إن محمدًا قد قتل سمعه الزبير وأذهله ما سمع .. يقول ﵁: (مالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه يريدون النهب، وخلوا ظهورنا للخيل، فأُتينا من أدبارنا، وصرخ صارخ: ألا إن محمدًا قد قتل، فانكفأنا، وانكفأ علينا القوم) (١). لكن أنس بن النضر عم أنس بن مالك لم ينكفئ .. كان يقاتل عن رجلين .. عن معركتين .. عن بدر وعن أُحُد .. يقول أنس ﵁: إن عمّه (غاب عن بدر فقال: غبت عن أول قتال النبي ﷺ ، لئن أشهدني الله مع النبي ﷺ ليرينّ الله "ما أصنع"، ما أجد، فلقي يوم أُحد .. فهُزم الناس فقال: اللهمّ إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني المسلمين- وأبرأ إليك مما جاء به المشركون، فتقدم بسيفه فلقي سعد بن معاذ) (٢)، (فاستقبل سعد بن معاذ فقال له أنس: يا أبا عمرو أين؟ واهًا لريح الجنّة "إني" أجده دون أحد ..) (٣). (فقال سعد: أنا معك - قال سعد: فلم أستطع أصنع ما صنع) (٤)، قال أنس: (فقاتلهم حتى قتل، فوجد في جسده بضعٌ وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية) (٥)، كان وجه أنس مشوّهًا لا يعرف .. كان جسد

стр. 560

أنس بن النضر ميدانًا لمعركة أخرى انتصر فيها الوفاء .. وخرج منها أنس مزينًا بالطعنات والشهادة .. فلئن مات رسول الله ﷺ شهيدًا .. فليلحق به أنس بن النضر .. أما بعض الصحابة فقد أذهلهم الخبر وأسقط في أيديهم وانهارت معنوياتهم فولّوا عن أرض المعركة لا يلوون على شيء بعد أن رأوا هذه الكارثة .. وسمعوا بمقتله ﷺ وكان أحد هؤلاء (عثمان بن عفان وسعد بن عثمان -رجل من الأنصار- حتى بلغوا الجلعب -جبل بناحية المدينة مما يلي الأعوص) (١)، وكأنهم يقولون لأنفسهم: وماذا نحن بعد رسول الله ﷺ .. أمّا البقية ففضلوا الموت على ما مات عليه رسول الله ﷺ .. أحدهم هذا الفارس المجهول الذي يقول عنه سهل بن سعد: (ما رأينا مثل ما أتى فلان، لقد فرّ الناس وما فرّ، وما ترك للمشركين سادة ولا قادة إلا أتبعها يضربها بسيفه) (٢) .. وما زال يضربهم حتى الآن .. في الوقت الذي استشهد فيه صاحب التمرات فقد (قاتل حتى قتل) (٣)، كما سقط على أرض المعركة رجل فقير لكنه كان بحجم الدنيا .. لقد استشهد مصعب مصعب بن عمير .. الذي خرج من ثروته وزينته ليلحق برسول الله ﷺ .. مصعب الذي خرج من مكة وحيدًا ليثقف جيلًا من أجيال المدينة .. مصعب الذي خرج من المدينة نحو أُحُد .. لا يملك من الدنيا إلَّا سيفه ورداءه .. وقرآنًا يملأ صدره ويغنيه عمّا يراه من حطام الدنيا .. سقط

стр. 561

مصعب على أرض أُحُد .. تبكيه المدينة ومكّة .. ويبكيه أحد الصحابة بعد مدة .. والطعام بين يديه .. فيقول عندما شاهد الطعام وكان صائمًا: (قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، كفن في برده، إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه بدا رأسه، وقتل حمزة وهو خير مني، ثم بسط لنا من الدنيا -أعطينا من الدنيا ما أعطينا- وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام) (١) .. وتذكره أيضًا رفيق دربه وعذابه خباب بن الأرتّ فقال: (هاجرنا مع رسول الله ﷺ ونحن نبتغي وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنّا من مضى بسبيله ولم يأكل من أجره شيئًا، منهم مصعب بن عمير .. قتل يوم أحد، ولم يترك إلَّا نمرة، كنّا إذا غطّينا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطّينا رجليه بدا رأسه) (٢) رضي الله عن مصعب ما أعظمه .. سافر والدموع من حوله .. بعد أن ملأ الصدور والنفوس علمًا وحبًا .. نالت منه سيوف الشرك وهو يدافع عن دينه وعن نبيه ﷺ .. ونالت السيوف من ذلك الشاب العروس .. الذي ترك فتاته ليموت دون دينه ونبيّه ﷺ .. ليكمل احتفالاته في الجنّة .. وكان قبيل سقوطه في صراع مع رجل شجاع من صفوف المشركين هو أبو سفيان .. وهو ليس أبو سفيان زعيم قريش .. لا .. ولكنه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب .. ابن عمّ رسول الله ﷺ وهو ما يزال حتى الآن مشركًا .. وقد تغلب عليه حنظلة وعلاه بسيفه وكاد أن يطيح برأسه ولكن ماذا حدث؟

стр. 562

حنظلة بن أبي عامر وأبو سفيان بن الحارث حنظلة .. (التقى هو وأبو سفيان بن الحارث، فلما استعلى حنظلة رآه شداد بن شعوب، فعلاه بالسيف حتى قتله، وقد كاد يقتل أبا سفيان) (١)، لكن أبا سفيان نجا .. وليس لحنظلة أكثر من ذراعين .. باغته شداد وأرسله إلى الموت شهيدًا .. تتحدث عنه الدنيا .. وعن شهادته .. سافر حنظلة وسافر معه شاب يحتفل بالشهادة على طريقته المحبّبة إلى نفسه. شهادة هو اختارها وانتقى من المولى كيفيّتها .. إنه عبد الله بن جحش الذي دعا الله قبل المعركة، وقال: (اللهمّ ارزقني رجلًا شديدًا حرده، شديدًا بأسه، أقاتله ويقاتلني، ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غدًا، قلت: من جدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك ﷺ ، فتقول: صدقت) (٢)، فاستجاب الله لعبد الله بن جحش، فالتقى بمحارب عنيف وشديد فقتله .. ولما هوى عبد الله على الأرض أخذه ذلك المشرك ومثّل به .. فشقّ أنفه وأذنه .. وعلّق أنفه وأذنه بخيط .. كل هؤلاء سافروا .. كل هؤلاء الشهداء كانوا في طريقنا ونحن نبحث عن رسول الله ﷺ .. تعالوا خلف هذا الفاتك المغوار .. الذي يجول ويصول دون أن يصدق أن رسول الله ﷺ قد قتل .. لكنه في الوقت نفسه لا يعتقد أن رسول الله- ﷺ على ساحة أُحد ولا خلف جبالها ولا حتى على ساحة بدر أو في المدينة.

стр. 563

لقد عاد هذا الشجاع من جولة كالفجيعة .. كان يقلّب الجثث .. فتؤلمه وجوه أصحابه وأحبابه من الشهداء وهو يبحث بمرارة عن حبيبه محمَّد ﷺ .. لكنه لم يجده فأين ذهب .. وأين ذهبت الظنون بهذا الشاب المكسور الحزين. تعالوا نتعرف عليه وعلى حيرته .. إنه زوج فاطمة الزهراء .. إنه علي ابن أبي طالب .. وهو يظن أن: رسول الله ﷺ في السماء يقول ﵁: (لما انجلى الناس عن رسول الله ﷺ يوم أُحد، نظرت في القتلى فلم أرَ رسول الله ﷺ ، فقلت: والله ما كان ليفرّ، ولا أراه في القتلى، ولكن أرى الله غضب علينا بما صنعنا، فرفع نبيّه ﷺ ، فما لي خير من أن أقاتل حتى أقتل، فكسرت جفن سيفي ثم حملت على القوم فأفرجوا لي، فإذا أنا برسول الله ﷺ بينهم) (١) كان ﷺ غارقًا في أحزانه ودمائه لقد (جرح وجه رسول الله ﷺ وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه) (٢) هشمت البيضة التي كان يغطي بها رأسه فشجّ رأسه، (وذلق من العطش حتى جعل يقع على ركبتيه) (٣)، رأى عليّ بن أبي

стр. 564

طالب رسول الله ﷺ وتألم لما حدث .. لكنه كان في أشدّ حالات الارتياح لأنه لم يزل على الأرض .. لكن كيف علم الآخرون بمكانه وكيف أحاط كل هذا الجمع به .. فقد كان حوله أبو بكر وعمر وطلحة والزير وسعد والحارث بن الصمة وأبو طلحة وابن مسعود وأكثر من اثني عشر رجلًا من الأنصار .. لن يحدّثنا أيًا من هؤلاء فالكلمة لـ: أول من عرفه ﷺ الكلمة للشاعر المجاهد .. كعب بن مالك حيث: (كان كعب أوّل من عرف رسول الله ﷺ بعد الهزيمة وقول الناس: قتل رسول الله ﷺ . قال كعب: عرفت عينيه تزهران من تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله ﷺ ، فأشار إليّ أن انصت "اسكت") (١) .. ربما لكي لا يعلم المشركون بمكانه .. سمع هذا الصرخة سعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله وسبعة من الأنصار .. فهبوا نحو صاحبها .. وسمع الصرخة جمع من المشركين فلحقوا بهم .. فماذا حدث يا أنس؟ أجب بالله عليك .. يقول أنس ﵁: (إن رسول الله ﷺ أفرد يوم أُحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه (٢)، قال ﷺ : من يردهم عنّا وله الجنّة، أو هو رفيقي

стр. 565

في الجنّة؟ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه، فقال: من يردّهم عنّا وله الجنّة أو هو رفيقي في الجنّة، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه: ما أنصفنا أصحابنا) (١) يعني الأنصار .. لكن الأنصار كانوا حضورًا غامرًا .. مفعمًا بالحب والفداء .. يصنعون الأحداث .. فيتحدث التاريخ وفاءً. لقد التحق بالأنصار الشهداء شهداءٌ آخرون .. فزاد مجد الأنصار وفخرهم على أرض أُحُد .. يقول أحد الأنصار كأنه يكمل حديث أنس السابق: (لما كان يوم أحد وولّى الناس، كان رسول الله ﷺ في ناحية "في اثني عشر رجلًا. منهم طلحة"، فأدركهم المشركون، فقال النبي ﷺ : من للقوم؟ "قال طلحة: أنا. قال ﷺ : كما أنت"، فقال رجل: أنا، قال ﷺ : أنت، فقاتل حتى قتل. ثم التفت فإذا المشركون، فقال ﷺ : من لهم؟ "قال طلحة: أنا، قال ﷺ : كما أنت". فقال رجل من الأنصار: أنا، قال ﷺ : أنت، فقاتل حتى قتل .. فلم يزل كذلك حتى بقي مع نبي الله طلحة، "فقال ﷺ : من للقوم؟ قال طلحة: أنا" فقاتل طلحة قتال الأحد عشر حتى قطعت أصابعه، فقال حسّ، فقال رسول الله ﷺ : لو قلت: باسم الله، لرفعتك الملائكة والناس ينظرون، ثم ردّ الله المشركين) (٢) الذين سمعوا بمكانه ﷺ ولم يبق معه ﷺ
следующие страницы →