مصعب على أرض أُحُد .. تبكيه المدينة ومكّة .. ويبكيه أحد الصحابة بعد مدة .. والطعام بين يديه .. فيقول عندما شاهد الطعام وكان صائمًا: (قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، كفن في برده، إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه بدا رأسه، وقتل حمزة وهو خير مني، ثم بسط لنا من الدنيا -أعطينا من الدنيا ما أعطينا- وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام) (١) .. وتذكره أيضًا رفيق دربه وعذابه خباب بن الأرتّ فقال: (هاجرنا مع رسول الله ﷺ ونحن نبتغي وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنّا من مضى بسبيله ولم يأكل من أجره شيئًا، منهم مصعب بن عمير .. قتل يوم أحد، ولم يترك إلَّا نمرة، كنّا إذا غطّينا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطّينا رجليه بدا رأسه) (٢) رضي الله عن مصعب ما أعظمه .. سافر والدموع من حوله .. بعد أن ملأ الصدور والنفوس علمًا وحبًا .. نالت منه سيوف الشرك وهو يدافع عن دينه وعن نبيه ﷺ .. ونالت السيوف من ذلك الشاب العروس .. الذي ترك فتاته ليموت دون دينه ونبيّه ﷺ .. ليكمل احتفالاته في الجنّة .. وكان قبيل سقوطه في صراع مع رجل شجاع من صفوف المشركين هو أبو سفيان .. وهو ليس أبو سفيان زعيم قريش .. لا .. ولكنه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب .. ابن عمّ رسول الله ﷺ وهو ما يزال حتى الآن مشركًا .. وقد تغلب عليه حنظلة وعلاه بسيفه وكاد أن يطيح برأسه ولكن ماذا حدث؟
стр. 562
حنظلة بن أبي عامر وأبو سفيان بن الحارث
حنظلة .. (التقى هو وأبو سفيان بن الحارث، فلما استعلى حنظلة رآه شداد بن شعوب، فعلاه بالسيف حتى قتله، وقد كاد يقتل أبا سفيان) (١)، لكن أبا سفيان نجا .. وليس لحنظلة أكثر من ذراعين .. باغته شداد وأرسله إلى الموت شهيدًا .. تتحدث عنه الدنيا .. وعن شهادته .. سافر حنظلة وسافر معه شاب يحتفل بالشهادة على طريقته المحبّبة إلى نفسه.
شهادة هو اختارها
وانتقى من المولى كيفيّتها .. إنه عبد الله بن جحش الذي دعا الله قبل المعركة، وقال: (اللهمّ ارزقني رجلًا شديدًا حرده، شديدًا بأسه، أقاتله ويقاتلني، ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غدًا، قلت: من جدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك ﷺ ، فتقول: صدقت) (٢)، فاستجاب الله لعبد الله بن جحش، فالتقى بمحارب عنيف وشديد فقتله .. ولما هوى عبد الله على الأرض أخذه ذلك المشرك ومثّل به .. فشقّ أنفه وأذنه .. وعلّق أنفه وأذنه بخيط .. كل هؤلاء سافروا ..
كل هؤلاء الشهداء كانوا في طريقنا ونحن نبحث عن رسول الله ﷺ .. تعالوا خلف هذا الفاتك المغوار .. الذي يجول ويصول دون أن يصدق أن رسول الله ﷺ قد قتل .. لكنه في الوقت نفسه لا يعتقد أن رسول الله- ﷺ على ساحة أُحد ولا خلف جبالها ولا حتى على ساحة بدر أو في المدينة.
стр. 563
لقد عاد هذا الشجاع من جولة كالفجيعة .. كان يقلّب الجثث .. فتؤلمه وجوه أصحابه وأحبابه من الشهداء وهو يبحث بمرارة عن حبيبه محمَّد ﷺ .. لكنه لم يجده فأين ذهب .. وأين ذهبت الظنون بهذا الشاب المكسور الحزين.
تعالوا نتعرف عليه وعلى حيرته .. إنه زوج فاطمة الزهراء .. إنه علي ابن أبي طالب .. وهو يظن أن:
رسول الله ﷺ في السماء
يقول ﵁: (لما انجلى الناس عن رسول الله ﷺ يوم أُحد، نظرت في القتلى فلم أرَ رسول الله ﷺ ، فقلت: والله ما كان ليفرّ، ولا أراه في القتلى، ولكن أرى الله غضب علينا بما صنعنا، فرفع نبيّه ﷺ ، فما لي خير من أن أقاتل حتى أقتل، فكسرت جفن سيفي ثم حملت على القوم فأفرجوا لي، فإذا أنا برسول الله ﷺ بينهم) (١) كان ﷺ غارقًا في أحزانه ودمائه لقد (جرح وجه رسول الله ﷺ وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه) (٢) هشمت البيضة التي كان يغطي بها رأسه فشجّ رأسه، (وذلق من العطش حتى جعل يقع على ركبتيه) (٣)، رأى عليّ بن أبي
стр. 564
طالب رسول الله ﷺ وتألم لما حدث .. لكنه كان في أشدّ حالات الارتياح لأنه لم يزل على الأرض .. لكن كيف علم الآخرون بمكانه وكيف أحاط كل هذا الجمع به .. فقد كان حوله أبو بكر وعمر وطلحة والزير وسعد والحارث بن الصمة وأبو طلحة وابن مسعود وأكثر من اثني عشر رجلًا من الأنصار .. لن يحدّثنا أيًا من هؤلاء فالكلمة لـ:
أول من عرفه ﷺ
الكلمة للشاعر المجاهد .. كعب بن مالك حيث: (كان كعب أوّل من عرف رسول الله ﷺ بعد الهزيمة وقول الناس: قتل رسول الله ﷺ . قال كعب: عرفت عينيه تزهران من تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله ﷺ ، فأشار إليّ أن انصت "اسكت") (١) .. ربما لكي لا يعلم المشركون بمكانه .. سمع هذا الصرخة سعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله وسبعة من الأنصار .. فهبوا نحو صاحبها .. وسمع الصرخة جمع من المشركين فلحقوا بهم .. فماذا حدث يا أنس؟ أجب بالله عليك .. يقول أنس ﵁:
(إن رسول الله ﷺ أفرد يوم أُحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه (٢)، قال ﷺ : من يردهم عنّا وله الجنّة، أو هو رفيقي
стр. 565
في الجنّة؟ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه، فقال: من يردّهم عنّا وله الجنّة أو هو رفيقي في الجنّة، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه: ما أنصفنا أصحابنا) (١) يعني الأنصار .. لكن الأنصار كانوا حضورًا غامرًا .. مفعمًا بالحب والفداء .. يصنعون الأحداث .. فيتحدث التاريخ وفاءً.
لقد التحق بالأنصار الشهداء شهداءٌ آخرون .. فزاد مجد الأنصار وفخرهم على أرض أُحُد .. يقول أحد الأنصار كأنه يكمل حديث أنس السابق:
(لما كان يوم أحد وولّى الناس، كان رسول الله ﷺ في ناحية "في اثني عشر رجلًا. منهم طلحة"، فأدركهم المشركون، فقال النبي ﷺ : من للقوم؟ "قال طلحة: أنا. قال ﷺ : كما أنت"، فقال رجل: أنا، قال ﷺ : أنت، فقاتل حتى قتل. ثم التفت فإذا المشركون، فقال ﷺ : من لهم؟ "قال طلحة: أنا، قال ﷺ : كما أنت". فقال رجل من الأنصار: أنا، قال ﷺ : أنت، فقاتل حتى قتل ..
فلم يزل كذلك حتى بقي مع نبي الله طلحة، "فقال ﷺ : من للقوم؟ قال طلحة: أنا" فقاتل طلحة قتال الأحد عشر حتى قطعت أصابعه، فقال حسّ، فقال رسول الله ﷺ : لو قلت: باسم الله، لرفعتك الملائكة والناس ينظرون، ثم ردّ الله المشركين) (٢) الذين سمعوا بمكانه ﷺ ولم يبق معه ﷺ
стр. 566
في هذا الوقت سوى اثنين من الصحابة .. يقول أحد الصحابة: (إنه لم يبق مع النبي ﷺ في تلك الأيام الذي يقاتل فيهن غير طلحة وسعد" (١)، وقد قاتل طلحة حتى قطعت أصابعه وشلّت يده .. رآها أحد الذين أدركوا الجاهلية والإِسلام واسمه: قيس بن أبي حازم فقال: (رأيت يد طلحة التي وقى بها النبي ﷺ قد شلّت) (٢).
أثناء هذه الظروف العصيبة والجراح الدامية .. انتشر الخبر أن رسول الله ﷺ لا يزال على قيد الحياة .. تداعى الصحابة من كل مكان (فلما عرفوا رسول الله ﷺ نهضوا به معهم نحو الشعب، ومعه أبو بكر وعمر وعليّ وطلحة والزبير والحارث بن الصمة في رهط من المسلمين، ولما أسند رسول الله ﷺ في الشعب، أدركه أُبيّ بن خلف وهو يقول:
يا محمَّد .. لا نجوت إن نجوت، فقال القوم: أيعطف عليه يا رسول الله رجلٌ منّا؟ فقال: دعوه، فلما دنا تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة) (٣)، أخذ النبي ﷺ الحربة وهو في أشدّ حالات الإعياء والعطش .. لدرجة أنه كان يمشي ويسقط .. ولكنه استجمع قواه ليبعث بها مع حربة الحارث بن الصمة إلى هذا الطاغوت النزق ..
стр. 567
الرسول يستسقي دماءً
لا يستسقى مطرًا .. بل الساحة والصحابة بأشدّ الحاجة إلى دماء هذا الطاغوت الجريء .. الذي سفك هو وأخوه من الدماء ما يكفي .. سأترك الحديث للزبير ليكمل لنا القصة:
يقول ﵁: (شجَّ النبي ﷺ يوم أُحُد في وجهه، وكسرت رباعيته، وذلق من العطش حتى جعل يقع على ركبتيه، وتركه أصحابه. فجاء أبي بن خلف يطلبه بدم أخيه: أمية بن خلف، فقال: أين هذا الذي يزعم أنه نبيّ فليبرز لي، فإنه إن كان نبيًا قتلني، فقال رسول الله ﷺ : أعطوني الحربة، فقالوا: يا رسول الله .. وبك حراك؟ فقال: إني قد استسقيت الله دمه، فأخذ الحربة ثم مشى إليه، فطعنه، فصرعه عن دابّته، وحمله أصحابه فاستنقذوه، فقالوا له: ما نرى بك بأسًا. قال: إنه قد استسقى الله دمي، إني لأجد لها ما لو كانت على ربيعة ومضر لوسعتهم) (١)، ثم هلك مع من هلك من الطواغيت قبله .. ولحق بأخيه إلى الجحيم- أعاذنا الله منها .. وهرب أتباعه بعد أن رأوا تلك الضربة النبوية المميتة .. وتراكضوا نحو أصحابهم يخبرونهم عن رمح رسول الله ﷺ .. وعن قوّة رسول الله ﷺ ليكدر عليهم بقية نصرهم ..
أمّا رسول الله ﷺ ، فبعد أن زرع الرمح في جسد أبي بن خلف رجع إلى مكانه متعبًا يشير إلى سنّه المكسورة وجثّة ذلك الطاغوت .. فقال ﷺ : (اشتدّ غضب الله على قوم فعلوا بنبيّه -يشير إلى رباعيته- اشتدّ غضب الله
стр. 568
على رجلٍ يقتله رسول الله في سبيل الله) (١) (اشتدّ غضب الله على قوم دموا وجه نبيّ الله) (٢) (اشتدّ غضب الله على من دمى وجه رسول الله ﷺ ") (٣).
رجع ﷺ بينما كان أبو طلحة وغيره كالقلاع حوله ﷺ .. يقول أنس ﵁:
(لما كان يوم أُحد انهزم ناس عن رسول الله ﷺ ، وأبو طلحة بين يديه مجوبًا عليه بحجفة، وكان راميًا شديد النزع، كسر يومئذ قوسين، أو ثلاثة، وكان الرجل يمرّ معه الجعبة من النبل، فيقول رسول الله ﷺ :
انثرها لأبي طلحة، ثم يشرف على القوم، فيقول أبو طلحة: يا نبي الله بأبي أنت وأمي، لا تشرف .. يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك) (٤) (وكان أبو طلحة يدفع صدر رسول الله ﷺ بيده ويقول: يا رسول الله هكذا لا يصيبك سهم، وكان أبو طلحة يسور نفسه بين يدي رسول الله ﷺ ، يقول: يا رسول الله إني قوي جلد فوجهني في حوائجك وابعثني حيث شئت) (٥).
لم تصب السهام رسول الله ﷺ ، لكنها نقشت الشهادة على صدر أحد شباب الصحابة .. كانت شهادة غريبة .. غريبة لأن صاحبها لم يمت في أُحد ولا بعد أُحد .. ولا حتى في حياة النبي ﷺ .. فما هي قصة هذا:
стр. 569
الشهيد الذي يمشي على الأرض
شاب اسمه رافع بن خديج .. شهيد .. لكنه يعيش بين الناس يأكل معهم ويشرب ويصلّي. ويصوم .. بل ويجاهد في معارك أخرى في هذه الدنيا .. مع أنه من شهداء أحد .. كيف ذلك .. ؟
تقول زوجته ﵂: (إن رافعًا رمى مع رسول الله ﷺ يوم أُحد بسهم، في ثندوته، فأتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أنزع السهم؟ قال ﷺ : يا رافع .. إن شئت نزعت السهم والقطبة جميعًا، وإن شئت نزعت السهم وتركت القطبة، وشهدت لك يوم القيامة أنك شهيد .. فنزع رسول الله ﷺ السهم وترك القطبة فعاش بها) (١)، حتى مات حاملًا شهادته على ثندوته .. على صدره .. بينما كانت ذقون المؤمنين على صدورهم .. فأمن الصحابة من جديد بعد أن أنزل الله:
النعاس من جديد
يقول الزبير بن العوام ﵁: (لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ حين اشتدّ الخوف علينا، أرسل الله علينا النوم، فما منّا من رجل إلَّا ذقنه في صدره، فوالله إني لأسمع قول معتب بن قشير -ما أسمعه إلَّا كالحلم- يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا .. فحفظتها منه، وفي ذلك
стр. 570
أنزل الله: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا، لقول معتب) (١) والآيات التي نزلت في هذا المنافق المدعو: معتب بن قشير وبقايا المنافقين الذين أبقاهم الخوف .. وأفصح عن نفاقهم الخوف .. هذه الآيات هي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (٢)، أما أولئك الذين لاذوا بالفرار بعد نزول الرماة وحدوث الانتكاسة، فقد تاب الله عليهم وعفى عنهم وأنزل فيهم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (٣).
أمّا على أرض المعركة الآن .. فهذا أنس يقول: (ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمِّرتان، أرى خدم سوقهما، تنقزان القرب على متونهما، تفرغانه في أفواه القوم، ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم) (٤). أمّا عمر بن الخطاب فيحدّثنا عن امرأة عظيمة أخرى هي "أم سليط"، فيقول: (إنها كانت تزفر لنا القرب يوم أحد) (٥).
стр. 571
شرب النبي ﷺ وشرب العطشى .. وانحاز كل جيش إلى معسكره .. إلَّا مسلمًا كان يطارد فلول المشركين .. ويطارده الإعجاب في كل مكان يصول فيه ويجول .. لقد كان هذا الفارس المتغلغل في جموع المشركين وأجسادهم ملء السمع والبصر من الصحابة .. كانوا يمدحونه يرون أنه أكثر من صارع الكفار وصرعهم .. وأنه لا أحد ممّن بقي حيًا من المسلمين قاتل مثل قتاله .. وسمع الرسول ﷺ بأمره فسأل عن اسمه ونسبه فأخبروه فلم يعرفه .. ووصفوا له وجهه وجسده ولباسه فلم يعرفه .. وبينما كان يطارد إحدى ضحاياه مرت ضحيته ومرّ كالسهم وراءها بين عيني رسول الله ﷺ .. فقال رسول الله ﷺ كلمة آلمت الصحابة جدًا:
هذا الفارس من أهل النار
سهل بن سعد ﵁ كان حاضرًا يسمع ويرى ويروي فيقول: (إنه قال: يا رسول الله -يوم أُحد- ما رأينا مثل ما أتى فلان .. أتاه رجل .. لقد فرّ الناس وما فرّ، وما ترك للمشركين سادةً ولا قادةً إلا أتبعها يضربها بالسيف. قال ﷺ : ومن هو؟ فنسب لرسول الله ﷺ نسبه فلم يعرفه، ثم وصف له بصفة فلم يعرفه، حتى طلع الرجل بعينه، فقال: ذا يا رسول الله الذي أخبرناك عنه. فقال: هذا؟ فقالوا: نعم.
فقال ﷺ : إنه من أهل النار.
فاشتدّ ذلك على المسلمين، قالوا: أيّنا من أهل الجنّة إذا كان فلان من أهل النار؟ فقال رجل من القوم: يا قوم .. أنظروني فوالذي نفسي بيده لا يموت على مثل الذي أصبح عليه، ولأكونن صاحبه من بينكم. ثم راح على جده في العدو، فجعل الرجل يشدّ معه إذا شدّ، ويرجع معه إذا
стр. 572
رجع، فينظر ما يصير إليه أمره، حتى أصابه جرح أذلقه (١)، فاستعجل الموت، فوضع قائم سيفه بالأرض، ثم وضع ذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه حتى خرج من ظهره.
وخرج الرجل يعدو ويقول: أشهد أن لا إله إلَّا الله .. وأشهد أنك رسول الله .. حتى وقف بين يدي رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ : وذاك ماذا؟ فقال: يا رسول الله .. الرجل الذي ذكر لك، فقلت: من أهل النار، فاشتدّ ذلك على المسلمين، وقالوا: أيّنا من أهل الجنّة إذا كان فلان من أهل النار؟ فقلت: يا قوم أنظروني، فوالذي نفسي بيده لا يموت على مثل الذي أصبح عليه، ولأكونن صاحبه من بينكم، فجعلت أشدّ معه إذا شد، وأرجع معه إذا رجع، انظر إلى ما يصير أمره، حتى أصابه جرح أذلقه، فاستعجل الموت، فوضع قائم سيفه بالأرض، ووضع ذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه حتى خرج من بين ظهره، فهو ذاك يا رسول الله، يضطرب بين أضغاثه، فقال رسول الله ﷺ : إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنّة فيما يبدو للناس وإنه من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس، وإنه لمن أهل الجنّة) (٢)، كما في قصة عمرو بن أقيش الذي لم يسلم إلَّا وسط المعركة واستشهد ودخل الجنّة .. وهو لم يصلّ لله ركعة واحدة .. وأمّا هذا البطل المجاهد فهو من أهل النار .. ليس
стр. 573
لأنه غير مسلم .. بل هو مسلم .. لكن هناك فرق بين الاستشهاد والانتحار .. وهذا البطل المجاهد قد انتحر .. لم يصبر لتقتله جروحه أو ليشفى منها .. لم يقتله أحد .. بل هو الذي قتل نفسه .. ولو أدرك ما للجراح والآلام من منافع لطلب المزيد، قال ﷺ :
(إذا ابتلى الله العبد المسلم ببلاء في جسده، قال الله : أكتب له صالح عمله، فإن شفاه غسله وطهّره، وإن قبضه غفر له ورحمه) (١)، ويقول تعالى:
(إذا ابتليت عبدي المؤمن، فلم يشكني إلى عواده، أطلقته من إساري، ثم أبدلته لحمًا خيرًا من لحمه، ودمًا خيرًا من دمه، ثم يستأنف العمل) (٢)، ويبدأ من جديد مطهرًا من كل ذنب .. ويقول ﷺ عن الذين يكثر ابتلاؤهم وامتحانهم في الدنيا:
(إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وأن الله تعالى إذا أحبّ قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط) (٣).
أمّا عن مثل هذا المسلم الشجاع .. فقد قال ﷺ : (من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده، يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم، خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن شرب سمًا، فقتل نفسه، فهو يتحساه في نار جهنم، خالدًا مخلدًا فيها أبدًا) (٤).
أمّا الشهيد .. فـ (للشهيد عند الله سبع خصال:
стр. 574
١) يغفر له في أوّل دفعة من دمه.
٢) ويرى مقعده من الجنّة، ويحلى حلة الإيمان.
٣) ويزوّج اثنين وسبعين زوجة من الحور العين.
٤) ويجار من عذاب القبر.
٥) ويأمن الفزع الأكبر.
٦) ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها.
٧) ويشفع في سبعين إنسانًا من أهل بيته) (١).
مات ذلك الفارس .. ونهض ﷺ إلى مكان عند صخرة ليستريح وحوله من حوله من الصحابة .. لكن النبي ﷺ وقبل أن يستريح أراد الاطلاع إلى ما آلت إليه المعركة .. فحاول الصعود على الصخرة فلم يستطع .. لأنه كان مرهقًا .. ولأنَّه كان يلبس درعين .. فتأمّله طلحة ﵁ وتأمّل يده تشخب دمًا .. فهانت عليه آلامه ومتاعبه ويده .. فنثرها جميعًا تحت قدميه ﷺ .. حقًا لقد:
أوجب طلحة
يقول الزبير ﵁: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في أُحد "وكان على النبي ﷺ يوم أحد درعان"، فذهب رسول الله ﷺ لينهض على صخرة، فلم يستطع، فبرك طلحة بن عبيد الله تحته، فصعد رسول الله ﷺ على ظهره حتى جلس على الصخرة، قال الزبير: فسمعت رسول الله ﷺ يقول: أوجب طلحة) (٢)، أي فعل ما يوجب دخوله الجنّة .. نظر ﷺ إلى ما أراد أن ينظر
стр. 575
إليه (ثم أمر رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ فأتى بالمهراس، فأتاه بماء في درقته، فأراد أن يشرب منه فوجد له ريحًا فعافه، فغسل به الدم الذي في وجهه وهو يقول: اشتدّ غضب الله على من دمى وجه رسول الله ﷺ ) (١)، لكن الله سبحانه وفي هذه الساعة المريرة يرسل جبريل ﵇ إلى نبيه مصححًا .. شارحًا صدره ليتسع لأكثر من هذه المعركة ومآسيها .. ليكون صدرًا من تسامح وهداية لكل الأرض .. فبعد أن (شج في وجهه، وكسرت رباعيته، ورمي رمية على كتفه فجعل يسيل الدم على وجهه، وهو: يمسحه ويقول: كيف تفلح أمة فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾) (٢) امتثل ﷺ فمسح قوله ودمه .. بدعاء كالمطر (اللَّهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) (٣) .. وجاءت ابنته فاطمة الزهراء ﵂ لتغسل الدم عن وجه أبيها كما غسلته أيام مكة المضنية .. يقول أحد الصحابة ﵈: (أما والله إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول الله ﷺ ، ومن كان يسكب الماء، وبما دووي .. قال: كانت فاطمة ﵍ بنت رسول الله ﷺ تغسله، وعليّ بن أبي طالب يسكب الماء بالمجن،
стр. 576
فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلَّا كثرة، أخذت قطعة من حصير وأحرقتها، وألصقتها فاستمسك الدم) (١).
وبعد أن استمسك الدم وهدأت الساحة .. أخبر ﷺ باستشهاد حمزة ورفاقه، فتكدّر وحزن حزنًا شديدًا .. ثم قال: (من رأى مقتل حمزة؟ فقال رجل أعزل: أنا رأيت مقتله، قال ﷺ : فانطلق أرناه. فخرج ﷺ ) (٢) في الوقت الذي يتحدث البعض عن مقتل النبي ﷺ لأنهم لم يروه حتى الآن .. فهم هناك مهمومون في البحث عنه .. يقول أحد الصحابة ﵁: (فما زلنا كذلك ما نشكّ أنه قتل حتى طلع رسول الله ﷺ بين السعدين نعرفه بتكفئه إذا مشى ففرحنا كأنه لم يصبنا ما أصابنا، فرقي نحونا وهو يقول:
اشتدّ غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله ﷺ . ويقول مرة أخرى: اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا، حتى انتهى إلينا فمكث ساعة، فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل:
أعل هبل .. أعل هبل -يعني آلهته-) (٣).
стр. 577
أطلق أبو سفيان هذه الكلمات المنحطّة منتشيًا بنصر غير مؤكّد .. فقد هزم هو وجيشه في أوّل المعركة .. وكاد الزبير أن يسبي زوجته هند ورفيقاتها .. وجُندل من جيشه سبعون .. ومازال المسلمون يحتفظون بسبعين آخرين في الأسر .. أما المسلمون .. فقد استشهد منهم سبعون .. ولم يؤسر منهم أحد .. لو كان نصر أبي سفيان وجيش الشرك من خلفه حقيقيًا لخلصوا رفاقهم من الأسر وطاردوا المؤمنين إلى المدينة .. وهي قريبة من أُحد.
لكن المشركين لم يصدقوا أنهم قتلوا حمزة .. لم يصدقوا أنهم نجوا مما حدث في أوّل النهار .. وكان أعلى ما حصلوا عليه هو إطلاق إشاعة موت الرسول ﷺ .. هم أطلقوها .. وهم صدّقوها ..
أمّا المسلمون .. فيعتبرونها خسارة إذا ما قارنوها ببدر .. أو قارنوا أوّل النهار بآخره .. لكن المعركة في الميزان العسكري .. نصر للمؤمنين .. وهم الأعلون الآن فوق الجبل .. وأبو سفيان في أسفل الجبل يزعج الجبال والفضاء ويقول: أعل هبل .. ولما لم يجد إجابة لهذا الاستفزاز .. ألحق به استفزازًا آخر فقال: (أين ابن أبي كبشة .. أين ابن أبي قحافة .. أين ابن الخطاب) (١)، فلم يجبه أحد فأصبح أكثر تعقّلًا وتأدّبًا، فقال:
(أفي القوم محمَّد ..
أفي القوم محمَّد ..
أفي القوم محمَّد .. فنهاهم النبي ﷺ أن يجيبوه، ثم قال:
أفي القوم ابن أبي قحافة ..
стр. 578
أفي القوم ابن أبي قحافة ..
أفي القوم ابن أبي قحافة، ثم قال:
أفي القوم ابن الخطاب ..
أفي القوم ابن الخطاب ..
أفي القوم ابن الخطاب ..
ثم رجع إلى أصحابه فقال: أمّا هؤلاء فقد قتلوا.
فما ملك عمر نفسه فقال: كذبت والله يا عدو الله، إن الذين عددت لأحياء كلّهم، وقد بقي لك ما يسوؤك) (١) .. (هذا رسول الله ﷺ ، وهذا أبو بكر، وها أنا ذا عمر. فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، الأيام دول، وإن الحرب سجال. فقال عمر:
لا سواء .. قتلانا في الجنّة وقتلاكم في النار، قال: إنكم لتزعمون ذلك، لقد خبنا إذًا وخسرنا. ثم قال أبو سفيان: أما إنكم ستجدون في قتلاكم مثلًا (٢) .. ولم يكن ذلك عن رأي سراتنا .. ثم أدركته حمية الجاهلية، فقال: أما إنه قد كان ذلك فلم نكره) (ستجدون في القوم مثلة (٣) لم آمر بها ولم تسؤني ثم أخذ يرتجز: أعل هبل .. أعل هبل، قال النبي ﷺ : ألا تجيبوه؟ قالوا: يا رسول الله ما نقول؟ قال: قولوا:
الله أعلى وأجلّ
قال أبو سفيان: إن لنا العزى ولا عزّى لكم. فقال النبي ﷺ : ألا
стр. 579
تجيبوه؟ قالوا: يا رسول الله ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم) (١)، عندها خسئت ألفاظ الشرك .. وتهاوى تمجيد الأصنام .. أمام هذا التوحيد النقيّ الذي لا تشوبه شائبة .. لكن أحد المشركين أراد التطاول على هذا الإخلاص المتوهّج في صدر محمَّد وصحبه عليهم الصّلاة والسّلام .. أراد أن يحمل أصنامه إلى رحاب الله .. فكيف كانت العاقبة .. ؟ يقول بريدة ﵁:
(إن رجلًا قال يوم أُحد: اللهمّ إن كان محمَّد على الحق فاخسف به .. قال: فخسف به) (٢)، ورأى المشركون المعجزة بأعينهم .. فالتهمت بقية معنوياتهم كما التهمت الأرض ذلك المتطاول .. فولّوا مدبرين إلى مكّة على عجل خشية أن يهبّ المؤمنون مرة أخرى .. فيخطفوا بقايا الفرح التي التقطوها من أرض أُحد ..
وقد يتساءل بعض المشركين وهو في طريق عودته: إذا كان الله قد أعطى محمدًا المعجزات كقتل أبي بن خلف .. والخسف بهذا الرجل .. فلماذا لم ينصره علينا وعلى الدنيا نصرًا مؤزرًا حتى الآن .. ؟! وقد غاب عن ذهن هذا المتسائل المسطح .. أن الإِسلام لا ينتشر بالمعجزات ولا بالخوارق .. لأنها تأتي مع الأنبياء وتغادر معهم .. أمّا الإِسلام فقد جاء للبشر .. وبجهدهم -بعد الله- ينتشر وينداح .. وينتصر .. وبانحطاطهم
стр. 580
وتخلّفهم وسطحية فهمهم يتحوّل الإِسلام إلى ضحية .. إلى خزانةٍ ضخمةٍ مليئة بالتهم .. يلقي فيها الناس عيوبهم ..
ها هم أفضل الناس .. أصحاب محمَّد ﷺ .. عندما عصوه -مجتهدين- انقلبت المعركة على رؤوسهم ورؤوس أصحابهم الملتزمين بأوامره .. ولم تسعفهم المعجزات ولا الدعوات .. (إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه) (١).
أمّا رسول الله ﷺ فقد هبّ لإنقاذ ما يمكن إنقاذه .. بعد إدبار المشركين .. فبدأ بالدعاء لجبر ما انكسر من الداخل ..
دعاء الواثق .. لا دعاء ذلك الغارق بين طبقات الأرض .. وذلك:
(لما كان يوم أُحد وانكفأ المشركون، قال رسول الله ﷺ :
استووا حتى أثني على ربيّ، فصاروا خلفه صفوفًا، فقال: اللهمّ لك الحمد كلّه، اللهمّ لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضلّ لمن هديت، ولا معطى لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرّب لما باعدت، ولا مبعد لما قرّبت، اللهمّ أبسط علينا من بركاتك، ورحمتك، وفضلك، ورزقك، اللهمّ إنّي أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، "اللهمّ إني أسألك النعيم المقيم يوم القيامة"، اللهمّ إني أسألك النعيم يوم الغلبة، والأمن يوم الخوف، اللهمّ إني عائذ بك من شرِّ ما أعطيتنا، وشرِّ ما منعت منّا، اللهمّ حبِّب إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين، اللهمّ توفّنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا
стр. 581
مفتونين، اللهمّ قاتل الكفرة الذين يكذّبون رسلك، اللهمّ اجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهمّ قاتل "كفرة أهل الكتاب" إله الحق) (١).
هدأت الأنفس مع الله .. واطمأنت الأرواح بهذا الدعاء .. فالأمر لله من قبل ومن بعد .. ولا رادّ لقضائه .. لله خرجوا وبه قاتلوا .. والحمد لله على كل حال .. تهادى ﷺ وأصحابه خلف ذلك الرجل الأعزل الذي مشى أمامهم ليدلّهم على مقتل حمزة .. مشى الرجل (حتى وقف على حمزة، فرآه قد بقر بطنه، وقد مُثّل به، فقال: يا رسول الله .. مثّل به والله، فكره رسول الله ﷺ أن ينظر إليه) (٢) (وقد جدع ومُثّل به، فقال: لولا أن تجد صفية في نفسها تركته حتى تأكله العافية، فيحشر من بطونها) (٣) أي من بطون الوحوش ..
وصفية هذه التي خاف عليها ﷺ هي عمّته .. صفية بنت عبد المطلب .. وهي شقيقة حمزة وأم الزبير بن العوام .. وهي المقصودة بقوله ﷺ : (لولا جزع النساء لتركته حتى يحشر من حواصل الطير وبطون السباع) (٤) .. (ثم
стр. 582
دعا بنمرة، فكانت إذا مدت على رأسه بدت رجلاه، وإذا مدت على رجليه بدا رأسه، فقال رسول الله ﷺ : مدوها على رأسه واجعلوا على رجليه الحرمل) (١)، وهو نبات صحراوي يستعمل في الطب .. استعمله ﷺ لتكفين الراقد الذي كان يزرع الرعب في قلوب المجرمين وينثر الاطمئنان على صدور المومنين .. هذا الراقد الذي قال عنه ﷺ : (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب) (٢) .. ثم توجه ﷺ إلى راقد آخر .. وقف عند قبره وتأمّله طويلًا .. راقد جمع المجد من أطرافه .. جمع العلم والفروسية .. على يديه تعلمت المدينة كتاب الله وأصغت إليه طريًا من فمه الطاهر .. إنه شاب ترك مال أمه وأبيه .. ترك الجاه والثراء .. لا لأنه حرام .. ولكنه كان مرهونًا بالشرك .. فرفض الشرك ورفض كل شيء يقدمه الشرك وأهله .. التحق بالنبي ﷺ وتعلّم منه وتعلم القرآن .. ثم أرسله ﷺ وحيدًا إلى المدينة .. يشع في دورها ويفوح عبيره في أبياتها .. وها هي قصة حياته وشقائه ومعاناته تمرّ في مخيلة النبي ﷺ وأصحابه .. ها هو مصعب راقد بسلام والحزن من حوله أثقل من جبل أحد .. ها هو أحد الذين كانوا يعانون الأمرّين مثل مصعب .. خباب بن الأرت ﵁ يقول عن رفيقه مصعب: (هاجرنا مع رسول الله ﷺ نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله، فمنا من مضى لم يأكل من أجره شيئًا، منهم: مصعب بن عمير
стр. 583
قتل يوم أحد، فلم يوجد له شيء يكفن فيه إلَّا نمرة، كانوا إذا وضعوها على رأسه خرجت رجلاه، وإذا وضعوها على رجليه خرج رأسه، قال رسول الله ﷺ :
اجعلوها مما يلي رأسه، واجعلوا على رجليه من الإذخر) (١).
وهو نبات طيّب الرائحة لكن مصعبًا أطيب منه .. يقول أبو ذر ﵁: (لما فرغ رسول الله ﷺ يوم أحُد مرّ على مصعب مقتولًا على طريقه فقرأ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾) (٢) ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (٣).
هذه الآية التي نزلت قبل قليل .. تلاها ﷺ وهو يمر بجسد مصعب
стр. 584
الطاهر .. وكان في نزولها تكريم لهؤلاء الرجال الذين صدقوا مع الله في عهودهم .. فمنهم من قضى نحبه ووفى بعهده كمصعب وحمزة .. وهناك من قضى نحبه وهو لا يزال حيًا مثل طلحة بن عبيد الله .. الذي شلت يده وارتقى ﷺ على ظهره ثم قال له: أوجب طلحة .. أي أتى بعمل صالح أوجب له الجنّة ..
وهناك من ليس بين الأحياء ولا يتبين بين الأموات .. إنه أنس بن النضر عم أنس بن مالك الذي يقول: (نرى هذه الآيات نزلت في أنس بن النضر: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾) (١) لكن أين أنس .. ؟ لا أحد يدري .. كما أن المشركين لم يأخذوا معهم أسرى وإلاّ لقلنا إنه معهم .. سنترك بعض الصحابة ليبحثوا عن أنس بينما نتعقب هذه المرأة لنرى ما تفعله على أرض أُحُد .. إنها فاطمة بنت عمرو بن حرام أخت عبد الله بن عمرو بن حرام .. وزوجة عمرو بن الجموح .. وعمّة جابر بن عبد الله .. وهي تحمل حزنًا كالجبال .. فقد فقدت آخاها وزوجها .. فأذهلها الوجد عمّا يجري حولها .. فاتّجهت إلى زوجها فحملته على بعير .. واتجهت إلى أخيها فحملته أيضًا وعادلتها على ذلك البعير .. ثم أمسكت بخطام البعير ومضت مهمومة نحو المدينة .. مهمومة لكنها متماسكة بالإيمان بقضاء الله وقدره.
لقد مضى عبد الله ومضى عمرو وربما استشهد أبناؤها الأربعة أو بعضهم .. فأي حزن تحمله هذه المرأة المسكينة .. وماذا ستقول لجابر وأخواته .. تابعت هذه المسكينة سيرها وحزنها وصبرها نحو المدينة .. بينما كان جابر لا يزال مرابطًا مع النظارين على مشارف المدينة .. فإذا به
стр. 585
يشاهدها ويشاهد فجيعتها على ظهر البعير .. يقول ﵁: (فبينا أنا في النظارين، إذ جاءت عمتي بأبي وخالي) عادلتهما على ناضح، فدخلت بهما المدينة لتدفنهما في مقابرنا، إذ لحق رجل ينادي:
ألا إن النبي ﷺ يأمركم أن ترجعوا بالقتلى فتدفنوها في مصارعها حيث قتلت، فرجعنا بهما) (١) إلى أُحد حيث كان ﷺ يشرف على تكفين الشهداء استعدادًا لدفنهم .. وعاد من حَمَل قتيله بقتيله من المدينة .. ووصل جابر وعمتّه وربما بعض أخواته المسكينات .. وترجّل الفارسان عن البعير .. فانهمرت دموع جابر على وجه والده الحنون .. وتعالى نشيجه وحرقته عليه .. فرآه الصحابة .. فنهوه عن ذلك .. بينما كان ﷺ شاخصًا إلى هذا الكرب .. متألمًا ومبشرًا .. يقول جابر الحزين ﵁: (لما قتل أبي يوم أحُد، جعلت أكشف عن وجهه وأبكي، وجعل أصحاب رسول الله ﷺ ينهوني وهو لا ينهاني، وجعلت عمتي فاطمة تبكيه، فقال النبي ﷺ :
تبكيه، أو لا تبكيه، مازالت الملائكة تظلّله بأجنحتها حتى رفعتموه) (٢)، هذه هى البشرى الأولى .. أما الثانية فهي في طريقها من السماء إلى هذا الراقد بسلام.
стр. 586
كانت البشائر كالمطر على أجساد وأرواح الشهداء .. ها هو النبي ﷺ يشاهد إحداها .. تحلّق فوق جثمان حنظلة بن أبي عامر .. الذي انسلّ من فراش حبيبته ليسلّ سيفه وروحه دون رسول الله ﷺ حتى فقدهما على أرض أحد .. إنه منظر مهيب .. الملائكة تقوم بتغسيله .. فيتساءل النبي ﷺ عن سرّ هذه الكرامة .. سمع الزبير ذلك التساؤل فقال:
(سمعت رسول الله ﷺ يقول عند قتل حنظلة بن أبي عامر بعد أن التقى هو وأبو سفيان بن الحارث "فلما استعلى حنظلة رآه شداد بن شعوب، فعلاه بالسيف حتى قتله، وقد كاد يقتل أبا سفيان"، فقال رسول الله ﷺ : إن صاحبكم تغسله الملائكة "فاسألوا صاحبته" فسألوا صاحبته فقالت: إنه خرج لما سمع الهائعة وهو جنب، فقال رسول الله ﷺ : لذلك غسلته الملائكة) (١)، ومنذ ذلك اليوم صاروا يسمونه "غسيل الملائكة" ..
عُرف الشهداء كلّهم إلَّا واحدًا .. الجميع يبحث عنه .. والجميع يتحدّث عن بسالته .. فأين هو .. أين عمّك يا أنس بن مالك .. أين أنس ابن النضر .. ؟ إنه ليس بين الأحياء ولم يتعرف إليه أحد بين الشهداء .. وتأتي إجابة أنس ممزوجة بالحزن والإعجاب .. بالوفاء والبطولة النادرة ..
لم يتعرف أحد على جثته .. لكن أخته الربيع بنت النضر قدمت من المدينة من أجله .. طافت بين الشهداء وقتلى المشركين فلم ترَ وجه أخيها أنس .. وبينما هي تطوف توقفت أمام جسد أثار انتباهها .. ثم جلست
стр. 587
وأخذت إحدى يديه تقلّبها ثم بكت .. هذه أنامل أخيها وحبيبها ورفيق طفولتها .. يقول أنس بن مالك ﵁ عن عمّه: (قاتلهم حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة، وطعنة، ورمية، فقالت أخته عمتي الربيع بنت النضر: فما عرفتُ أخي إلَّا ببنانه .. ونزلت هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾، قال: فكانوا يرون أمّا نزلت فيه وفي أصحابه) (١).
ومضى أنس بعد أن برّ بيمينه .. وتلقّى السيوف بكل جسده حتى تزيّن كله بها .. كان جسد أنس أرضًا ثانية للمعركة .. حتى أن وجهه لم يعرف من الجراح والشقوق وتشويه المشركين له .. فنزلت هذه الآيات العظيمة فيه وفي رفاقه .. فقرأها ﷺ وبشّرهم وبشّر من بعدهم.
النبي يبشّر الشهداء
فرسول الله ﷺ (مر على مصعب بن عمير وهو مقتول على طريقه، فوقف عليه، ودعا له، ثم قرأ هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.
ثم قال رسول الله ﷺ :
أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة، فأتوهم وزوروهم، والذي نفسي بيده لا يسلّم عليهم أحدٌ إلى يوم القيامة إلَّا ردوا عليه) (٢).
стр. 588
وقف ﷺ أمام هؤلاء الأبرار وبشّرهم .. هؤلاء الأبرار الذين سافروا إلى جناتهم .. التي لا تعرف مللًا ولا شقاءً ولا رتابة .. جناتهم التي علت كل طموح وفاقت كل تصوّر .. أمّا رسول الله ﷺ فهو بينهم وسيبدأ بعد قليل بدفنهم .. لكن امرأة مذهولة تركض نحو الشهداء .. يحملها الحزن والوجد وتحمل في يديها شيئًا .. أشفق ﷺ عليها .. وخاف على مشاعرها فأمر الصحابة أن يحولوا بينها وبين فضائع التشويه التي فعلها الوثنيون بأجساد الشهداء .. يقول الزبير ﵁: (إنه لما كان يوم أحد أقبلت امرأة تسعى حتى كادت أن تشرف على القتلى، فكره النبي ﷺ أن تراهم، فقال: المرأة .. المرأة.
قال الزبير: فتوسمت أنها صفية، فخرجت أسعى إليها، فأدركتها قبل أن تنتهي إلى القتلى. فلدمت في صدري -وكانت امرأة جلدة- قالت: إليك عني لا أرض لك.
فقلت: إن رسول الله ﷺ عزم عليك.
فوقفت، وأخرجت ثوبين معها فقالت: هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة، فقد بلغني مقتله، فكفنوه فيهما. قال الزبير: فجئنا بالثوبين لنكفن فيهما حمزة، فإذا إلى جنبه رجل من الأنصار قتيل، فعل به كما فعل بحمزة، فوجدنا غضاضة وخنى أن يكفن حمزة في ثوبين، والأنصاري لا كفن له، فقلنا: لحمزة ثوب، وللأنصاري ثوب، فقدرناهما، فكان أحدهما أكبر من
стр. 589
الآخر، فأقرعنا بينهما، فكفنّا كل واحد منهما في الثوب الذي طار له) (١) .. إذًا فقد حصل حمزة على كفن بعد أن كان ثوبه هو كفنه .. واقتسم المهاجرون والأنصار الأشجان والكفان .. وها هو أمير الاقتسام والكرام .. سعد بن الربيع مضرجًا بدمائه .. ينظر إليه عبد الرحمن بن عوف .. مودعًا أخًا لم تلده أمه .. محتفظًا بجميله .. محتفظًا بجماله الأنصاري .. في ذلك اليوم الذي قدم فيه عبد الرحمن بن عوف من مكة معدمًا لا يملك شيئًا .. في ذلك اليوم توهج سعد بن الربيع بدرًا في ليل ابن عوف وأحزانه ..
قدم المهاجرون من مكة و (لما قدموا المدينة آخى رسول الله ﷺ بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع فقال لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالًا، فأقسم مالي نصفين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمّها لي أطلقها فإذا انقضت عدّتها فتزوّجها) (٢) .. ها هو الكريم راقد رقدة الموت .. قد ترك خلفه زوجة واحدة وابنتين (٣) يبكينه بحرقة .. وها هو حذيفة بن اليمان ﵁ أمام جسد والده الطاهر يبكي .. وفي مكان آخر يذرف هشام بن عامر بن أمية الأنصاري يذرف دموعًا على والده الحبيب .. كانت الساحة تغصّ بالأحزان والدموع .. كثر البكاء ..
стр. 590
(وكثر القتلى، وقلّت الثياب) (١). يقول هشام بن عامر ﵁:
(شكي إلى رسول الله ﷺ شدّة الجراح يوم أُحد، فقال ﷺ : احفروا وأوسعوا وأحسنوا وادفنوا في القبر الاثنين والثلاثة، وقدموا أكثرهم قرآنًا، فقدموا أبي بين يدي رجلين) (٢) .. (وكان يكفن الرجل أو يكفن الرجلين والثلاثة في الثوب الواحد، وكان رسول الله ﷺ يسأل عن أكثرهم قرآنًا، فيقدمه إلى القبلة فدفنهم رسول الله ﷺ ) (٣) دون أن يغسلهم .. دفنهم بجراحهم الطاهرة ودمائهم العبقة .. (أمر بدفنهم في دمائهم- ولم يغسلوا) (٤). وقال ﷺ : (أنا شهيد على هؤلاء، لفّوهم في دمائهم فإنه ليس جريح يجرح في الله إلَّا جاء وجرحه يوم القيامة يدمي، لونه لون الدم، وريحه ريح المسك) (٥).
هذا ما جرى حول الدفن والكفن .. لكن ماذا عن:
الصلاة على الشهداء
هل صلّى النبي ﷺ على شهداء أحد، أم أنه لم يفعل كما حدث لشهداء بدر ﵃ جميعًا ..
стр. 591
يحدّثنا عن ذلك أحد الذين لم يحضروا المعركة، لكنه حضر إلى أرضها بعد انتهائها .. وشاهد عمليات التكفين والدفن .. إنه ذلك الشاب الذي كانت دموعه تتساقط كالمطر على وجه أبيه- الشهيد .. إنه جابر ابن عبد الله ﵄، وهو يقول:
(لما قتل أبي يوم أحد، جعلت أكشف عن وجهه وأبكي، وجعل أصحاب رسول الله ﷺ ينهوني وهو لا ينهاني، وجعلت عمّتي تبكيه، فقال النبي ﷺ : تبكيه أو لا تبكيه مازالت الملائكة تظلّله بأجنحتها حتى رفعتموه) (١)، ثم (إن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أُحُد في ثوب واحد، ثم يقول: أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟ فإذا أشير إلى أحد قدّمه في اللحد، وقال ﷺ : أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة. وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصلّ عليهم ولم يغسلهم) (٢).
стр. 592
هكذا أمر الله سبحانه وهكذا فعل ﷺ وامتثل .. فسينهض هؤلاء الفرسان يومًا من مراقدهم مزينين بالشهادة والطعنات .. ولون الدم ورائحة العطر تفوح من جراحهم وتعطر المكان من حولهم .. كان الجو مشحونًا بالحزن .. ليس هناك أقسى ولا أكثر دموعًا وانتحابًا من لحظات الدفن ومغادرة القبر والأحباب تحت التراب .. لحظات كان فيها جابر حزنًا ودموعًا .. لكن الله أنزل ما يخفف حزنه .. فالتفت ﷺ إلى جابر المجروح وقال له:
(يا جابر .. ما لي أراك منكسرًا؟ قال: يا رسول الله، استشهد أبي وترك عيالًا ودينًا. قال ﷺ : أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك؟ قال: بلى يا رسول الله، قال ﷺ : [ما كلم الله أحدا قطّ إلَّا من رواء حجاب، وكلّم أباك كفاحًا]، "يا جابر أما علمت أن الله أحيا أباك" فقال: يا عبدي .. تمنّ علي أعطك. قال: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية. فقال الرب سبحانه:
إنه سبق مني أنهم إليها لا يرجعون [قال: يا رب .. فأبلغ من ورائي، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾) (١) ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ
стр. 593
مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١)، فرح جابر بهذه البشرى، فرح بحفاوة الرب الكريم بأبيه .. فخفّفت البشرى كثيرًا من أحزانه، لكن:
ما سر حفاوة الله بوالد جابر ؟
ما سرّ هذا الشيخ المحلّق في النعيم .. إنه لم يقاتل كما قاتل حمزة .. ولم تمزقه الطعنات كما مزقت أنس بن النضر .. لقد شرب الخمر -وهو لا يزال مباحًا- ثم انصرف إلى المعركة فكان أول من سقط من الشهداء .. ومع ذلك يلقى كل هذا الفيض الغامر من النعيم .. ؟!
ليس هكذا يُنْظرَ إلى والد جابر ﵁ .. دعونا نتأمل عالم هذا الشيخ من كل زواياه .. دعونا نجعل أنفسنا مكانه .. إن هذا الشيخ الكبير لم يحارب عن اثنين كما فعل سعد في بدر .. ولم يحارب بسيفين كحمزة ..
لكنه كان يحارب في معركتين شرستين .. أحدهما على أرض أُحُد .. أمّا الثانية فكانت ساحتها داخل أعماقه وبين حناياه .. وهي معركة أكثر ضراوة وقسوة .. إنها معركة مع الذات .. مع الدنيا .. مع عواطف الأبوة الجياشة التي تتغلغل في أعماقها تسع بنات مسكينات .. والدنيا .. كل الدنيا .. تعلم أن الشيخ أكثر حنانًا وعطفًا علي بنيه منه وهو شاب .. والدنيا .. كل الدنيا تعرف للبنات رحمة لا تعادل في قلوب الآباء .. فكيف إذ كنّ تسع بنات يترصّد لهن اليتم والفقر .. إن عبد الله بن عمرو بن حرام ينتزع نفسه من بين بناته .. من بين أبوّته وأحزانه ليتّجه بها نحو
стр. 594
الجنّة .. نحو الله .. فحب الله متشعب في كل خلاياه ومشاعره .. وهو بحاجة إلى الله أكثر من حاجة بناته إليه .. هكذا نتأمل هذا الشيخ .. وهذه الطريقة نتحسّس بعض سرّه وسر حفاوة الله به.
والد جابر ورفاقه الآن أحياء عند ربّهم يرزقون .. قال : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (١).
سأل الصحابة رسول الله ﷺ عن معنى هذه الآية .. عن تلك الحياة الفسيحة التي ينعم بها الشهداء .. وعن ذلك الكرم الإلهي المدهش .. يقول عبد الله بن مسعود ﵁ سألنا عن ذلك فقال ﷺ : (أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلّقة بالعرش، تسرح من الجنّة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطّلاعة فقال: هل تشتهون شيئًا؟ فقالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنّة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب .. نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا) (٢)، وقال أحد الصحابة ﵃: (قال رسول الله ﷺ : لما أصيب إخوانكم بأُحُد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنّة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن منقلبهم، قالوا: ياليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا، لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله : أنا أبلّغهم عنكم، فأنزل الله هؤلاء الآيات: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا
стр. 595
بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ وما بعدها) (١). زخّات من النعيم أمطرتها تلك الكلمات على قلوب أصحاب النبي ﷺ .. فحفرت فيها الأخاديد والشقوق .. حسرة على ما فاتهم في هذا اليوم من لذّة الحديث إلى أحبّ حبيب .. لذّة الاستماع إلى الله ..
إن الإنسان ليعرف من حال العاشق حالة من الذهول عن كل ما يحيط به عند لقاء المحبوب.
فليت شعري من يصف مشاعر من يتحدث إلى أحب حبيب وأعظم محبوب .. ؟
تمنى فرسان أحد وهم يغادرون تلك المقابر الطيبة .. تمنوا لو كانوا فيها .. بين أولئك المسافرين في النعيم ..
وتمنى ﷺ لو كان مجندلًا على أرض أحد لينعم بلقاء اليوم .. تحدث ﷺ بذلك وباح به لأصحابه .. فازداد شوقهم وحنينهم إلى الله وإلى الجنّة وإلى هذا الحبيب الذي يبوح بمشاعره .. ويقول:
(أما والله لوددت أني غودرت مع أصحابي بحضن الجبل -يعني سفح الجبل) (٢)، يقول جابر ﵁ أنه قصد: ليتني (قتلت معهم) (٣).
стр. 596
تلك هي مشاعر النبي ﷺ ومشاعر من حوله من المؤمنين .. لكن ماذا عن مشاعر جيش المشركين الذي يرجع الآن إلى مكة .. ؟ إنهم الآن في أرض تسمّى: (الروحاء) .. وأبو سفيان يتحدّث إليهم ..
أبو سفيان وجيشه نادمون
ليس على قتالهم للمؤمنين .. بل على أشياء فاتتهم في المعركة .. أشياء عجزوا عن تحقيقها فـ (لما انصرف أبو سفيان والمشركون عن أُحد وبلغوا الروحاء، قالوا:
لا محمدًا قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، شرّ ما صنعتم) (١) .. ماذا تعني هذه الكلمات وهي تتحسّر على بقاء محمَّد ﷺ في سجلات الأحياء .. وتتحسّر على عدم التمكن من سبي فتيات المسلمين .. ؟ ربما كانت تعني أن هناك نية للعودة إلى أرض المعركة من جديد .. ومحاولة أخرى للإجهاز على ما تبقى من المؤمنين وهم يدفنون شهداءهم ..
وربما كانت مجرد زفرات وأماني ..
لكن كل ذلك لم يكن خارج نطاق تفكير النبي ﷺ العسكري .. كان ﷺ يقرأ أفكار القوم ويتصفح أحلامهم .. لذلك قرّر أن يقوم بحركة عسكرية لتغطية أسوأ الاحتمالات .. تحدّثنا عن ذلك فتاة شاركت في المعركة .. عائشة ﵂ تتحدّث إلى أحد أبناء أختها- أحد أبناء الزبير بن العوام وتخبره عن سبب نزول قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ
стр. 597
وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .. قالت: يا ابن أختي، كان أبواك منهم: الزبير وأبو بكر، لما أصاب رسول الله ﷺ ما أصاب يوم أُحُد، وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا، قال ﷺ : من يذهب في إثرهم؟ فانتدب سبعون رجلًا- كان فيهم أبو بكر والزبير) (١).
وامتثل أبو بكر والزبير وامتثل معهم ثمان وستون فارسًا .. نهضوا تحملهم جراحهم .. وتحملهم تلك الأحاديث المعطرة عن أولئك الشهداء الذين سبقوهم قبل قليل .. نهض سبعون محاربًا نحو باب من أبواب الجنّة يلوح في الأفق ..
لكن يبدو أنهم ظفروا ببعض المعلومات الخطيرة عن أبي سفيان وجيشه .. وتوصّلوا إلى معرفة ما جرى من حوار دار بين المشركين حول التحسّر على عدم قتل محمَّد ﷺ وسبي المؤمنات .. فعادوا ليخبروا النبي ﷺ ليتّخذ إجراءً أقوى .. إنه الآن يأمر الجيش كلّه بالنهوض والتحرك نحو جيش الوثنين وبسرعة .. فكانت غزوة على هامش أُحد .. سميت فيما بعد بـ:
غزوة حمراء الأسد
فعندما (انصرف أبو سفيان والمشركون عن أُحد، وبلغوا الروحاء قالوا:
لا محمدًا قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، شرّ ما صنعتم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فندب الناس، فانتدبوا حتى بلغوا حمراء الأسد، أو بئر أبي عيينة، فأنزل الله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ (٢)) ..
стр. 598
من بعد ما أصابهم ما أصابهم من فقد الأحباب والأصحاب .. لكن قريشًا لاذت بالفرار خشية أن يصيبها ما أصابهها في أوّل المعركة .. أو يحدث لها ما كان في غزوة بدر .. فجيش محمَّد ﷺ كالأسود الجريحة .. الرماة يريدون التكفير عن معصيتهم لأوامر قائدهم ﷺ .. وبقية الصحابة يريدون اللحاق بحمزة وعبد الله بن حرام وأصحابهم .. لعل الله أن يخاطبهم هذا المساء .. لكن قريشًا لاذت بالفرار.
فمكث ﷺ وأصحابه ﵁ بعض الوقت ثم عادوا مثقلين إلى المدينة الحزينة .. المشتاقة إلى نبيّها وفرسانها ..
سأستأذنكم قليلًا لأسبق رسول الله ﷺ وصحابته لا إلى المدينة .. بل سأعود إلى أرض أُحد .. فقد خيّم اللّيل على جبالها وشعابها .. وهناك حركة غريبة تحدث بين تلك الشعاب .. هناك شبح ينهض من بين الأموات ..
شبح على أرض أُحُد
دعونا نقترب منه .. إنه يقف على قدميه .. يترنّح من الألم والبرد يزيد من آلامه .. ها هو .. إنه ليس من الجنّ .. إنه أحد أفراد جيش أبي سفيان .. وقد كان طوال اليوم يتظاهر بالموت والدم ينزف منه .. يقول أنس بن مالك: (كان وهب بن عمير شهد أُحدًا كافرًا، فأصابته جراحة، فكان في القتلى، فمرّ به رجل من الأنصار، فعرفه فوضع سيفه في بطنه حتى خرج من ظهره ثم تركه، فلما دخل الليل وأصابه البرد لحق بمكة، فبرأ، فاجتمع هو وصفوان بن أمية في الحجر، فقال وهب: لولا عيالي ودين عليّ لأحببت أن أكون أنا الذي أقتل محمدًا، فقال له صفوان: كيف تصنع؟
стр. 599
فقال: أنا رجل جواد لا ألحق، آتيه فأغترّه، ثم أضربه بالسيف، فألحق بالخيل ولا يلحقني أحد.
فقال له صفوان: فعيالك مع عيالي، ودينك علي) (١).
لن أكمل هذا الحوار .. سأترك الرجلين وما يكيدان لألحق بحبيبي ﷺ .. ها هو يسير نحو المدينة الحزينة .. دون حمزة .. دون سبعين من الشهداء الأبرار .. والبيوت تضجّ بالحزن والنواح .. يدخل ﷺ المدينة ويمشي بين أبياتها .. فيحاصره النواح والبكاء في كل الطرقات والدروب ..
لم يتوقف النواح في المدينة ولم تتوقف الدموع .. ولا الأحزان .. إنها تتقاطر من قلوب المؤمنين .. كما يتقاطر سيف هذا المحارب المخيف .. الذي يسلم لحبيبته سيفًا أحمر يتقاطر موتًا .. سيفًا حنته المعركة لكنها لم تَحْنِ حامله ..
إنه عليّ بن أبي طالب وهو الآن برفقة رسول الله ﷺ .. ولا أعلم هل هما في بيت النبي ﷺ أم في بيت فاطمة .. ؟
يبدو أنهما في بيت فاطمة ﵂، فقد (جاء علي ﵁ بسيفه يوم أحد قد انحنى فقال لفاطمة ﵂: هاكي السيف
стр. 600
حميدًا فإنها قد شفتني. فقال رسول الله ﷺ : لئن كنت أجدت الضرب بسيفك لقد أجاده سهل بن حنيف، وأبو دجانة وعاصم بن ثابت الأقلح، والحارث بن الصمة) (١).
توجّه ﷺ إلى بيته خلال النواح والبكاء .. إنه يستمع إلى النائحات والوجد يحرق أكبادهن .. فيتذكر عمّه حمزة ﵁ .. وتعاوده الأحزان من جديد .. فيستجيب لها بكلمات تفيض حزنًا ووفاءً لذلك الفقيد الحميم .. فقد (مرّ ﷺ بنساء بني الأشهل) (٢) عندما (رجع رسول الله ﷺ يوم أُحد فسمع نساء بني الأشهل يبكين على هلكاهنّ، فقال:
لكن حمزة لا بواكي له، فجئن نساء الأنصار فبكين على حمزة عنده .. ورقد ﷺ فاستيقظ وهن يبكين، فقال: ويلهنّ إنهن لها هنا حتى