← Сира

Сира · id 123668

السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة

محمد الصوياني

Полный текст (1 354 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

تلك هي مشاعر النبي ﷺ ومشاعر من حوله من المؤمنين .. لكن ماذا عن مشاعر جيش المشركين الذي يرجع الآن إلى مكة .. ؟ إنهم الآن في أرض تسمّى: (الروحاء) .. وأبو سفيان يتحدّث إليهم .. أبو سفيان وجيشه نادمون ليس على قتالهم للمؤمنين .. بل على أشياء فاتتهم في المعركة .. أشياء عجزوا عن تحقيقها فـ (لما انصرف أبو سفيان والمشركون عن أُحد وبلغوا الروحاء، قالوا: لا محمدًا قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، شرّ ما صنعتم) (١) .. ماذا تعني هذه الكلمات وهي تتحسّر على بقاء محمَّد ﷺ في سجلات الأحياء .. وتتحسّر على عدم التمكن من سبي فتيات المسلمين .. ؟ ربما كانت تعني أن هناك نية للعودة إلى أرض المعركة من جديد .. ومحاولة أخرى للإجهاز على ما تبقى من المؤمنين وهم يدفنون شهداءهم .. وربما كانت مجرد زفرات وأماني .. لكن كل ذلك لم يكن خارج نطاق تفكير النبي ﷺ العسكري .. كان ﷺ يقرأ أفكار القوم ويتصفح أحلامهم .. لذلك قرّر أن يقوم بحركة عسكرية لتغطية أسوأ الاحتمالات .. تحدّثنا عن ذلك فتاة شاركت في المعركة .. عائشة ﵂ تتحدّث إلى أحد أبناء أختها- أحد أبناء الزبير بن العوام وتخبره عن سبب نزول قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ

стр. 597

وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .. قالت: يا ابن أختي، كان أبواك منهم: الزبير وأبو بكر، لما أصاب رسول الله ﷺ ما أصاب يوم أُحُد، وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا، قال ﷺ : من يذهب في إثرهم؟ فانتدب سبعون رجلًا- كان فيهم أبو بكر والزبير) (١). وامتثل أبو بكر والزبير وامتثل معهم ثمان وستون فارسًا .. نهضوا تحملهم جراحهم .. وتحملهم تلك الأحاديث المعطرة عن أولئك الشهداء الذين سبقوهم قبل قليل .. نهض سبعون محاربًا نحو باب من أبواب الجنّة يلوح في الأفق .. لكن يبدو أنهم ظفروا ببعض المعلومات الخطيرة عن أبي سفيان وجيشه .. وتوصّلوا إلى معرفة ما جرى من حوار دار بين المشركين حول التحسّر على عدم قتل محمَّد ﷺ وسبي المؤمنات .. فعادوا ليخبروا النبي ﷺ ليتّخذ إجراءً أقوى .. إنه الآن يأمر الجيش كلّه بالنهوض والتحرك نحو جيش الوثنين وبسرعة .. فكانت غزوة على هامش أُحد .. سميت فيما بعد بـ: غزوة حمراء الأسد فعندما (انصرف أبو سفيان والمشركون عن أُحد، وبلغوا الروحاء قالوا: لا محمدًا قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، شرّ ما صنعتم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فندب الناس، فانتدبوا حتى بلغوا حمراء الأسد، أو بئر أبي عيينة، فأنزل الله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ (٢)) ..

стр. 598

من بعد ما أصابهم ما أصابهم من فقد الأحباب والأصحاب .. لكن قريشًا لاذت بالفرار خشية أن يصيبها ما أصابهها في أوّل المعركة .. أو يحدث لها ما كان في غزوة بدر .. فجيش محمَّد ﷺ كالأسود الجريحة .. الرماة يريدون التكفير عن معصيتهم لأوامر قائدهم ﷺ .. وبقية الصحابة يريدون اللحاق بحمزة وعبد الله بن حرام وأصحابهم .. لعل الله أن يخاطبهم هذا المساء .. لكن قريشًا لاذت بالفرار. فمكث ﷺ وأصحابه ﵁ بعض الوقت ثم عادوا مثقلين إلى المدينة الحزينة .. المشتاقة إلى نبيّها وفرسانها .. سأستأذنكم قليلًا لأسبق رسول الله ﷺ وصحابته لا إلى المدينة .. بل سأعود إلى أرض أُحد .. فقد خيّم اللّيل على جبالها وشعابها .. وهناك حركة غريبة تحدث بين تلك الشعاب .. هناك شبح ينهض من بين الأموات .. شبح على أرض أُحُد دعونا نقترب منه .. إنه يقف على قدميه .. يترنّح من الألم والبرد يزيد من آلامه .. ها هو .. إنه ليس من الجنّ .. إنه أحد أفراد جيش أبي سفيان .. وقد كان طوال اليوم يتظاهر بالموت والدم ينزف منه .. يقول أنس بن مالك: (كان وهب بن عمير شهد أُحدًا كافرًا، فأصابته جراحة، فكان في القتلى، فمرّ به رجل من الأنصار، فعرفه فوضع سيفه في بطنه حتى خرج من ظهره ثم تركه، فلما دخل الليل وأصابه البرد لحق بمكة، فبرأ، فاجتمع هو وصفوان بن أمية في الحجر، فقال وهب: لولا عيالي ودين عليّ لأحببت أن أكون أنا الذي أقتل محمدًا، فقال له صفوان: كيف تصنع؟

стр. 599

فقال: أنا رجل جواد لا ألحق، آتيه فأغترّه، ثم أضربه بالسيف، فألحق بالخيل ولا يلحقني أحد. فقال له صفوان: فعيالك مع عيالي، ودينك علي) (١). لن أكمل هذا الحوار .. سأترك الرجلين وما يكيدان لألحق بحبيبي ﷺ .. ها هو يسير نحو المدينة الحزينة .. دون حمزة .. دون سبعين من الشهداء الأبرار .. والبيوت تضجّ بالحزن والنواح .. يدخل ﷺ المدينة ويمشي بين أبياتها .. فيحاصره النواح والبكاء في كل الطرقات والدروب .. لم يتوقف النواح في المدينة ولم تتوقف الدموع .. ولا الأحزان .. إنها تتقاطر من قلوب المؤمنين .. كما يتقاطر سيف هذا المحارب المخيف .. الذي يسلم لحبيبته سيفًا أحمر يتقاطر موتًا .. سيفًا حنته المعركة لكنها لم تَحْنِ حامله .. إنه عليّ بن أبي طالب وهو الآن برفقة رسول الله ﷺ .. ولا أعلم هل هما في بيت النبي ﷺ أم في بيت فاطمة .. ؟ يبدو أنهما في بيت فاطمة ﵂، فقد (جاء علي ﵁ بسيفه يوم أحد قد انحنى فقال لفاطمة ﵂: هاكي السيف

стр. 600

حميدًا فإنها قد شفتني. فقال رسول الله ﷺ : لئن كنت أجدت الضرب بسيفك لقد أجاده سهل بن حنيف، وأبو دجانة وعاصم بن ثابت الأقلح، والحارث بن الصمة) (١). توجّه ﷺ إلى بيته خلال النواح والبكاء .. إنه يستمع إلى النائحات والوجد يحرق أكبادهن .. فيتذكر عمّه حمزة ﵁ .. وتعاوده الأحزان من جديد .. فيستجيب لها بكلمات تفيض حزنًا ووفاءً لذلك الفقيد الحميم .. فقد (مرّ ﷺ بنساء بني الأشهل) (٢) عندما (رجع رسول الله ﷺ يوم أُحد فسمع نساء بني الأشهل يبكين على هلكاهنّ، فقال: لكن حمزة لا بواكي له، فجئن نساء الأنصار فبكين على حمزة عنده .. ورقد ﷺ فاستيقظ وهن يبكين، فقال: ويلهنّ إنهن لها هنا حتى

стр. 601

الآن) (١) (ويحهن ما انقلبن بعد) (٢) ولا انصرفن إلى بيوتهن حتى الآن .. إنها بعض عادات الجاهلية التي لا زال التمسك بها مباحًا حتى الآن .. لكنها عادة لا تعبّر عن الحزن العميق فقط .. إنها تتجاوز الحزن إلى شيء خطير جدًا .. شيء جاء الإِسلام ليمحوه من أعماق كل مؤمن ومؤمنة.، وهذا الشيء هو الجزع من أقدار الله والاحتجاج على قضائه .. وهذا قد يؤدي إلى هدم أحد أركان الإيمان الستّة التي جاء بها الإِسلام .. وهو الركن السادس. فأركان الإيمان هي: ١) الإيمان بالله. ٢) وملائكته. ٣) وكتبه. ٤) ورسله صلّى الله عليهم جميعًا. ٥) والإيمان باليوم الآخر والبعث والنشور. ٦) الإيمان بقضاء الله وقدره. ولهذا نزل الأمر من الله بـ: تحريم النياحة على الميت يقول عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄: (رجع رسول الله ﷺ يوم أُحد فسمع نساء بني الأشهل يبكين على هلكاهن، فقال: لكن حمزة لا بواكي له، فجئن نساء الأنصار فبكين على حمزة عنده .. ورقد ﷺ فاستيقظ وهنّ يبكين، فقال: ويلهن إنهن لها هنا حتى الآن ..

стр. 602

مروهن فليرجعن ولا يبكين على هالك بعد اليوم) (١)، ولم يقف الأمر عند التحريم فقط .. فبعد فترة من الزمن نزل الوحي يشدّد تحريم النياحة على الميت .. يجعلها من كبائر الذنوب .. وهو بذلك يتغلغل داخل أعماق المؤمنين والمؤمنات .. يتتبّع آثار الجاهلية، يمحوها ويغرس مزيدًا من الإيمان مكانها .. يقول ﷺ : (النياحة على الميت من أمر الجاهلية، وإن النائحة إذا لم تتب قبل أن تموت، فإنها تبعث يوم القيامة عليها سرابيل من قطران، ثم يغلى عليها بدروع من لهب النار) (٢)، وسرابيل القطران تعني ثيابًا من نحاس مذاب أعاذنا الله من ذلك .. النياحة من أمر الجاهلية .. وهي ليست -أبدًا- مقياسًا لمدى الشعور بالحزن وفقدان الحبيب .. إنها نوع من التطرّف والغلوّ في إظهار المشاعر .. ولذلك نزل الوحي مرّة أخرى مذكرًا .. وواصفًا تلك الممارسات بشيء خطير جدًا .. فقد قال ﷺ : (اثنتان من الناس هما بهم كفر: الطعن في الأنساب والنياحة على الميت) (٣) توقف النواح .. ولم تتوقف الدموع وكذلك الحياة لم تتوقف .. ففي المدينة كانت الرسالة هي الحياة .. على الأحياء أن يؤدّوها كما أدّاها أولئك الشهداء .. وتمرّ الأيام ويتبقى لأُحدٍ وشهدائها ذكريات وعطر يفوح في أجواء

стр. 603

المدينة وأحاديث أهلها .. وتمرّ الأيام فيولد لأحد الأنصار غلام فيحتار في تسميته .. فتتجه به الحيرة إلى أحب الناس إليه .. إلى رسول الله ﷺ .. فيبحر به ﷺ إلى أبهج الذكريات وأقساها .. يبحر به إلى أحب الأسماء إلى رسول الله ﷺ يقول جابر بن عبد الله: (ولد لرجل منّا غلام، فقالوا: ما نسمّيه؟ فقال النبي ﷺ : سمّوه بأحب الأسماء إليّ، حمزة بن عبد المطلب) (١)، فحمزة ما زال عالقًا في الذاكرة .. متجذرًا في القلب النبوي الكريم .. لكن الله سبحانه ينزل على نبيه ﷺ فيما بعد أحب الأسماء إليه .. فيقولها ﷺ لمن حوله: (إن أحب أسمائكم إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن) (٢). ولما رزق أحد الأنصار بغلام .. سماه محمدًا فاحتجّ الأنصار على هذا الاسم .. وبخلوا به عليه إكرامًا لرسول الله ﷺ .. فكان جواب رسول الله ﷺ على ما حدث .. ما نقله جابر بن عبد الله ﵁: (ولد لرجل منّا غلام، فسماه محمدًا، فقال له قومه: لا ندعك باسم رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : تسمّوا باسمي

стр. 604

ولا تكتنوا بكنيتي، فإنما أنا قاسم أقسم بينكم) (١) .. إذًا فاسم محمَّد اسم محبّب إلى رسول الله ﷺ ومحبب إلى الله سبحانه .. ولذلك قال ﷺ لرجل: (من الأنصار ولد له غلام، فأراد أن يسمّيه محمدًا، فأتى به النبي ﷺ ، فقال: أحسنت الأنصار. سمّوا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي) (٢)، فما هي هذه الكنية التي نهاهم ﷺ عن التكنّي بها .. جابر بن عبد الله أيضًا .. يحدّثنا عن ذلك .. فيقول: (ولد لرجل منّا غلام، فسمّاه القاسم. فقلنا: لا نكنيك أبا القاسم، ولا ننعمك عينًا، فأتى النبي ﷺ فذكر له فقال: اسم ابنك عبد الرحمن) (٣)، وعندما (نادى رجلٌ رجلًا بالبقيع: يا أبا القاسم .. فالتفت إليه رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني لم أعنك، إنما دعوت فلانًا. فقال رسول الله ﷺ : تسمّوا باسمي ولا تكنوا بكنيتي) (٤). حدثنا جابر ﵁ عن أشياء كثيرة حدثت بعد غزوة أُحد .. فماذا عن جابر نفسه .. ماذا عنه .. ماذا عن أخواته الصغيرات .. ماذا عن دين والده الذي رحل وتركه أمانةً يثقل كاهله .. والدَّيْن لصاحبه همٌّ بالليل وذلّ في النهار .. إلى أي شيء تحولت أحوال جابر .. الذي وجد نفسه وحيدًا .. مسؤولًا عن تسع بنات .. مسؤولًا عن دين ضخم لا يستطيع أداءه وهو

стр. 605

شاب صغير لم يتعرض من قبل لمثل هذه المسؤوليات .. إنه شاب صغير أعزب أفاق على أمانة كالجبال تحاصره .. فإلى أين يتجه و: إلى أين تتجه الهموم بجابر ليس هناك أرحب من رحمة الله لجابر .. والنبي ﷺ مساحة من هذه الرحابة والرحمة فهو (رحمة مهداة) (١) من الله لهذه الأمة .. ولكل فرد منها .. لم يكن بينه وبن أصحابه حواجز ولا حرس .. (كان ﷺ لا يدفع عنه الناس، ولا يضربوا عنه) (٢)، ومن رحمته وتواضعه أن جاءه رجل فشعر ذلك الرجل بخوف ورعدة من لقائه ﷺ .. فقال له النبي ﷺ : (هون عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد) (٣) .. ذلك اللحم المملح المجفّف في الهواء والشمس .. إذًا فلا داعي للخوف ولا للرعدة والانتفاض .. وعلى عكس هذا الرجل كان هناك من الناس من يملك جرأة أكثر مما هو مطلوب مع هذا النبي المتواضع ﵇ .. فقد (كان لرجل على النبي ﷺ سن من الإبل فجاء يتقاضاه) (٤) (فأغلظ (٥) .. فهمَّ به أصحابه، فقال رسول الله ﷺ : دعوه فإن لصاحب الحق مقالًا. ثم قال ﷺ : أعطوه سنًا مثل سنه) (٦) (فطلبوا سِنَّهُ فلم يجدوا إلا سنًا فوقها (٧)، فقال: أعطوه.

стр. 606

فقال: أوفيتني أوفى الله بك. قال النبي ﷺ : إن خياركم أحسنكم قضاءً) (١) .. رضي الرجل وذهب مسرورًا بما حصل عليه .. وتعلّم الصحابة منه ﷺ حسن الوفاء وحسن الأخلاق .. لكن جابر بن عبد الله لا يملك ما يقضي به كل دينه .. فاتّجه إلى الرحمة المهداة يسأله العون وتفريج هذا الكرب الشديد .. فكان ﷺ له في المكان المطلوب والزمان المناسب .. و على باب رسول الله ﷺ كان جابر يتعلم أدبًا يقول جابر ﵁: (إن أبي قتل يوم أُحُد وترك تسع بنات كنّ لي تسع أخوات) (٢) (وترك عليه ثلاثين وسقًا (٣) لرجل من اليهود فاستنظره جابر فأبى أن ينظره) (٤)، ولم يكن هذا اليهودي هو الوحيد الذي له حق عند جابر .. فوالده (ترك عليه دينًا) (٥) غير هذا. يقول جابر: (إن أبي ترك عليه دينًا وليس عندي إلَّا ما يخرج نخلهُ، ولا يبلغ ما يُخرج سنين ما عليه) (٦) من دين (فطلبت إلى أصحاب الدين أن يضعوا بعضًا فأبَوْا) (٧)، ورفضوا التنازل عن أي شيء (فعرضت على غرمائه أن يأخذوا التمر بما عليه فأبوا، ولم يروا أن فيه وفاءً، فأتيت النبي ﷺ ) (٨) (فدققت الباب، فقال: من ذا؟ فقلت: أنا.

стр. 607

فقال ﷺ : أنا .. أنا -كأنه كرهها-) (١) لأن كلمة: (أنا) ليست إجابة ولا تعريفًا بالطارق .. بل هي استدعاء لمزيد من الاستفسار والتساؤل .. ولو قال جابر: (أنا جابر) لما كره ﷺ ذلك ولكان أفضل .. تعلّم جابر أدبًا رفيعًا من نبيه ﷺ .. ثم بثّ للنبي ﷺ شكواه وديونه وتعنّت الدائنين .. فوجده رحيمًا معينًا على النوائب والشدائد .. قال جابر للنبي ﷺ : (قد علمت أن والدي قد استشهد يوم أُحُد وترك دينًا كثيرًا، وإني أحب أن يراك الغرماء) (٢) (فانطلق معي لكي لا يفحش عليّ الغرماء) (٣)، يقول جابر ﵁: (فاستشفعت به عليهم فأبوا) (٤) و (استعنت النبي ﷺ على غرمائه أن يضعوا من دينه، فطلب النبي ﷺ إليهم فلم يفعلوا) (٥) (فاشتد الغرماء في حقوقهم، فأتيت رسول الله ﷺ فكلّمته فسألهم أن يقبلوا ثمر حائطي ويحللوا أبي .. فأبوا. فلم يعطهم رسول الله ﷺ ، ولم يكسره لهم، ولكن قال: سأغدو عليك إن شاء الله تعالى، فغدا علينا حين أصبح، فطاف في النخل، فدعا في ثمره بالبركة فجددته) (٦). فقال ﷺ : (إذا جددته فوضعته في المربد) (٧) (فبيدر كل تمر على

стр. 608

ناحية) (١) (فصنّف تمرك أصنافًا: العجوة على حدة، وعذق ابن زيد على حدة، ثم أرسل إليّ. ففعلت، ثم أرسلت إلى النبي ﷺ فجاء) (٢)، و جاءت المعجزة (ثم قال: ادع غرماءك) (٣) (فلما نظروا إليه أغروا بي (٤) تلك الساعة، فلما رأى ما يصنعون طاف حول أعظمها بيدرًا ثلاث مرات، ثم جلس عليه) (٥) (ثم دعا) (٦) (ثم قال: ادع أصحابك .. فما زال يكيل لهم حتى أدّى الله أمانة والدي، وأنا والله راض أن يؤدي الله أمانة والدي ولا أرجع إلى أخوتي تمرة، فسلّم والله البيادر كلّها حتى أني انظر إلى البيدر الذي عليه رسول الله ﷺ كأنه لم ينقص تمرة واحدة) (٧) (فأوفاهم الذي لهم وبقي مثل ما أعطاهم) (٨) (فما تركت أحدًا له على أبي دين إلَّا قضيته .. وفضّل ثلاثة عشر وسقًا، وسبعةً عجوة وستةً لون، أو ستةٌ عجوةً وسبعةٌ لون، فوافيت رسول الله ﷺ المغرب فذكرت له ذلك، فضحك، فقال: أئت أبا بكر وعمر فأخبرهما. فقالا: لقد علمنا إذ صنع رسول الله ﷺ

стр. 609

ما صنع أن سيكون ذلك) (١) (ثم جئت رسول الله ﷺ وهو جالس فأخبرته بذلك، فقال رسول الله ﷺ لعمر: اسمع -وهو جالس- يا عمر: فقال عمر: ألا يكون قد علمنا أنه رسول الله، والله إنك لرسول الله) (٢). وانصرف جابر إلى أخواته مبشّرًا بكرامة الله لوالدهن في حياته وبعد مماته .. فقضاء الدين بهذه الطريقة لا يمكن إلَّا أن يكون إكرامًا من الله لذلك الشيخ الراحل .. ذلك الشيخ الذي عانى الكثير .. الكثير من أجل لقاء الله .. وهو إكرام لهذا الشاب الذي رضي بقضاء الله وقدره .. وحمل وهو صغير أمانة ضخمة وثقيلة .. وهل هناك أثقل من إعالة أسرة كبيرة كهذه .. وهل هناك أثقل من دين يطالبك به يهودي .. ؟! أجل هناك .. وفي بيت سعد بن الربيع الشهيد الكريم .. الذي ناصف عبد الرحمن بن عوف ماله وأهله .. في بيت هذا الربيع الممتد كالبصر حلَّ الجفاف والفقر .. لقد ذهب مال سعد بن الربيع وثروته مع الريح والجشع .. سعد بن الربيع ﵁ لم يترك سوى زوجته وابنتيه وثروته .. ولا أدري هل طلّق زوجته الثانية أم توفّيت .. ؟ لكن الذي أعرفه أن ماله قد ذهب، فـ: من أخذ مال سعد بن الربيع ؟ ها هي أم الفتاتين .. زوجة سعد بن الربيع وبعد مرور أيام وشهور تخرج حزينة على زوجها وبناتها .. تتجه نحو النبي ﷺ تسأله حلًّا .. تسأل الله فرجًا .. فلا سعد ولا بناته يستحقون كل هذه المعاناة .. تقف تلك الحزينة أمام الرحمة المهداة .. (جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد

стр. 610

إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد قتل أبوهما يوم أُحد "معك" شهيدًا وإن عمّهما أخذ مالهما، فاستفاءه (١)، فلم يعد لهما مالًا، والله لا تنكحان إلَّا ولهما مال (٢)، فقال رسول الله ﷺ : يقض الله في ذلك، فأنزل الله عليه آية الميراث) (٣)، وهي ضمن قوله : ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠) يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾ (٤). (فأرسل رسول الله ﷺ إلى عمّهما، فقال: أعطِ ابنتي سعد الثلثين، وأمّهما الثمن، وما بقي فهو لك) (٥)، إنها قسمة الله .. لا قسمة الجاهلية والعادات والتقاليد .. آية تغسل قلب سامعها من الجشع .. تغسله بأنهار العطف والرأفة ..

стр. 611

تجعله في مكان المفجوع بنفسه .. تجعله يشعر بمرارة اليتم .. بليل اليتم يخيّم على أبنائه .. فإذا لم يكن صاحب قلب رقيق ومرهف .. فالآية التي بعدها تصدع قلبه المتحجر .. وتملأ بطنه الجشع بالجمر والنار .. وتقذف به في الجحيم والسعير الذي لا ينطفئ .. أما الآية الثالثة .. فهي رحمة من الله الرحيم بالأولاد أكثر من رحمة الآباء بأولادهم .. والأبناء بآبائهم .. إن الله يوصي الآباء بأبنائهم .. والموصي أرحم من الموصى. وقد جعل الله نصيب الذكر أكثر من نصيب الأنثى في الميراث مرتين .. لأن عليه مسؤوليات تجاه الأنثى عديدة .. فالرجل يجب عليه الإنفاق على أمه وأخته وزوجته وابنته .. وهو الذي يدفع المهر لزوجته .. بل يجب عليه أن يكسو زوجته .. وأن يقدم لها الطعام جاهزًا للأكل، كما قال ﷺ : (حق المرأة على الزوج أن يطعمها إذا طعم، ويكسوها إذا اكتسى) (١) إنها فريضة من الله .. وهو الذي خلق هذا الإنسان- المعجزة .. وهو أعلم به وأحكم وأدرى بما يجعل حياته سعيدة مشرقةً دائمًا .. وقد بيَّن ﷺ أن الفتاتين لهما حكم ما فوق الاثنتين .. عندما خاطب شقيق سعد بن الربيع .. أخبرنا بذلك جابر بن عبد الله .. الذي تراكمت عليه المسؤوليات .. وربما كانت هي سبب مرضه الآن .. إنه يعاني من وعكةٍ ألزمته الفراش بين أخواته يمرضنه ويخفن أن يغادرهن كوالدهن ﵁ .. لقد اشتدّ به المرض فلم يعد يعقل شيئًا .. وانتقل خبر مرضه إلى رسول الله ﷺ ، فاتجه هو وصاحبه أبو بكر ﵁ إلى حي بني سلمة لزيارته .. يقول جابر ﵁:

стр. 612

(مرضت فجاءني رسول الله ﷺ يعودني وأبو بكر وهما ماشيان) (١) (في بني سلمة) (٢) (فأتاني وقد أغمي علي) (٣) (فوجدني النبي ﷺ لا أعقل، فدعا بماءٍ، فتوضأ منه ثم رشّ علي، فأفقت. فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله؟) (٤) (يا رسول الله إنما لي أخوات) (٥) (يا رسول الله لا يرثني إلَّا كلالة فكيف الميراث) (٦) (كيف أقضي في مالي، كيف أصنع في مالي؟ فما أجابني بشيء حتى نزلت آية الميراث) (٧)، وهي الآية التي بعد الآية السابقة .. وهي قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾ (٨)، فهو أعلم بخلقه وأدرى بما يجعلهم سعداء في الدنيا والآخرة .. إنه يكرمهم بآيات الميراث ويحفظ حقوق الأيتام والورثة .. وفي ذلك تكريم للكريم سعد بن الربيع .. وتكريم لعبد الله بن حرام ..

стр. 613

وتمرّ أيام فينهض جابر من مرضه الذي ألمّ به .. ولئن كان المرض قد غادر جابر .. فإن هناك من تغلغل المرض في جسده ولم يغادره حتى الآن .. في المدينة رجل هاجر إلى النبي ﷺ وحيدًا بعد أن أرغم على مفارقة زوجته وهو في الطريق فقد أرغمه أهلها على تركها والرحيل دونها ودون ابنها .. إنه الصحابي الجليل أبو سلمة الذي يهاجمه المرض بضراوة الآن .. وتنقض على جسده جراحات أحُد .. وحوله أبناؤه وزوجته المجاهدة الصابرة .. ذات الهجرة العسيرة .. والذكريات المريرة .. إنها تبكي الآن وهي تعاني وداع زوجها الحبيب .. إنه لن يرى هذا الجنين الذي يسكن أحشاءها .. لن يداعبه ولن يتمتع بطفولته .. مات أبو سلمة ﵁ .. فبكت أم سلمة وأبناؤها .. لكن مرارة الحزن لم تنس هذه المؤمنة الصابرة نفسها .. لقد صبرت في السابق وها هي الآن تتحامل على جراحها .. تنهض من بين آلامها .. تتوجه نحو النبي ﷺ تسأله ماذا تقول في مصابها الأليم هذا .. تسأله حتى لا تقع في ذنب النواح والاعتراض على قضاء الله وقدره .. تقول أم سلمة ﵂: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا حضرتم الميت فقولوا خيرًا، فإن الملائكة يؤمِّنون على ما تقولون، فلما مات أبو سلمة قلت: يا رسول الله، كيف أقول؟ قال ﷺ : قولي: اللهمّ اغفر لنا وله، وأعقبني منه عقبى حسنة). فدعت أم سلمة بتلك الدعوة .. وارتفعت دعوتها إلى الباري فاستجاب الله .. فـ

стр. 614

ما هي عقبى أم سلمة سنعرف ذلك لاحقًا .. أما الآن فسنترك "هند" أم سلمة وأحزانها ودعاءها إلى أحزان أخرى .. تراكمت على صدر صحابي كريم وملأت بيته حتى ضاق به .. عثمان بن عفان الذي فقد حبيبته رقية بعد غزوة بدر .. وفقد قوته في غزوة أحد فهرب من المعركة بعد هزيمة المسلمين ونزول الرماة من الجبال .. عثمان يعيش حالة من الحزن والأسف لا يحسد عليها .. لا أدري ما هي مبرّرات هروبه من المعركة وهو الذي شارك في صناعة الانتصار وإلحاق الهزيمة بالمشركن في أوّل النهار .. مهما كانت المبرّرات .. لقد حدث ما حدث لهذا الصحابي العظيم وهو بشر غير معصوم .. والله أرحم من أن يدعه للأحزان تفتك به وتغتاله .. لقد ضاقت به الدنيا ففرجها الله مرتين .. أما الأولى فقد أنزل الله فيه قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة .. أنزل الله عفوه ورحمته به .. فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (١). وفي ذلك يقول عبد الله بن عمر بن الخطاب عن عثمان: (أما فراره يوم أحد، فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له) (٢). وهو غفور رحيم .. فرح عثمان بهذه الآية وانزاح همّه الثقيل .. وأقبل

стр. 615

عليه النبي يبشره ﷺ هذه الآيات .. ويبشّره بعودة الصهر بينه وبن رسول الله ﷺ .. فقد وافق ﷺ على تزويجه من ابنته أم كلثوم .. فأي سعادة يعيشها عثمان الآن .. لقد عرف الناس بعد هذا من هو عثمان .. وما هي منزلته عند الله ورسوله .. فلقبوه بلقب يشع من بيت النبوة .. لقبوه بـ: (ذي النورين) وهو أسعد الناس بعرسه ونسبه .. وحبّ الله ورسوله .. وأم كلثوم تشاطره كل ذلك وتتعطّر به .. أما أختها فاطمة فهي سعيدة بأختها أم كلثوم .. وسعيدة بهدية جميلة تقدمها لأبيها ولزوجها عليّ ﵃ جميعًا .. وبينما كان الجميع يترقّبون الهدية بفرح .. كانت هناك امرأة مهمومة .. يتملكها الفزع مما قد يحدث للنبي ﷺ أو لفاطمة .. الرؤيا من جديد تخيم كالخوف على عالم امرأة صالحة تدعى أم الفضل وهي زوجة عم النبي ﷺ العباس بن عبد المطلب التي تركت مكة والعباس إلى الله ورسوله ﷺ .. فما هي: رؤيا أم الفضل تقول ﵂: (رأيت كأن في بيتي عضوًا من أعضاء رسول الله ﷺ .. فجزعت من ذلك، فأتيت رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال ﷺ : خيرًا .. تلد فاطمة غلامًا، فتكفلينه بلبن ابنك قثم. فولدت) (١) فاطمة .. ولدت حبًا جديدًا للنبي ﷺ ملك عليه قلبه.

стр. 616

فاطمة تلد حربًا وقد سماه والده: (حربًا) .. إنه يملأ بيت النبوة برائحة الأحفاد المنعشة البريئة .. (حرب) يزاحم أمه وأباه في قلب النبي ﷺ .. وقد بُشّر. بمولد هذا الطفل الجميل فجاء ﷺ والسعادة تملأ صدره .. فوجد الابتسام والفرح يغمران المكان .. عليٌّ سعيدٌ وفاطمة أكثر سعادة .. يقول عليّ ﵁: (لما ولد الحسن سميته حربًا، فجاء رسول الله ﷺ فقال: أروني ابني .. ما سميتموه؟ قلت: حربًا، قال ﷺ : بل هو حسن) (١) .. غيّر ﷺ ذلك الاسم الحاد باسم جميل يدخل البهجة على النفوس. فحمل المولود الطاهر اسمه الجميل .. وحمله ﷺ بين يديه .. وقبّله .. وفعل شيئًا رآه أحد موالي النبي ﷺ الذي كان يشارك بيت النبي ﷺ فرحتهم بهذا القادم الحسن .. أخبرنا يا أبا رافع .. ماذا رأيت .. ؟

стр. 617

يقول ﵁: (رأيت النبي ﷺ أذَّن في أذني الحسن حين ولدته فاطمة بالصلاة) (١)، ويواصل أبو رافع ﵁ وصف ذلك المشهد المفرح الذي لم يدخل السرور على بيت النبي ﷺ فقط .. بل امتدت بهجته وبركته إلى أحوج الناس إلى البهجة .. يواصل أبو رافع حديثه الجميل فيقول: (لما ولدت فاطمة حسنًا قالت: ألا أعقّ عن ابني بدم "بكبشين"؟. قال ﷺ : لا ولكن احلقى رأسه وتصدّقي بوزن شعره من فضّة على المساكين والأوفاض -وكان الأوفاض ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ محتاجين في المسجد أو الصفة- ففعلت ذلك) (٢)، وتصدّقت على الفقراء والمحتاجين .. لكن ماذا عن: عقيقة الحسن ماذا عنها والنبي ﷺ يقول: (كل غلام رهينة بعقيقته، يذبح عنه يوم سابعه، ويحلق رأسه، ويسمى) (٣) لقد أحب ﷺ أن يقدم هو عقيقة الحسن .. يقول أحد الصحابة ﵃:

стр. 618

(إن رسول الله ﷺ عقّ عن الحسن) (١) (كبشين) (٢) .. ووقت العقيقة الأفضل هو قوله ﷺ : (العقيقة تذبح لسبع، أو لأربع عشرة، أو لإحدى وعشرين) (٣) وفي يوم جميل بالحَسَن أكل الفقراء وأهل الصفة من العقيقة .. وشاركوا النبي وأهل بيته الاحتفاء بالحسن .. أما الحسن ﵁ فقد أرضعته أمّه فاطمة .. ثم بعث به ﷺ إلى تلك المرأة الصالحة التي رأت في منامها بشرى ولادة الحسن .. بعث ﷺ بالحسن إلى أم الفضل .. وها هي تحدّثنا عن رضاعته .. وعن ضربه وعن حبه. أم الفضل تضرب الحسن تقول ﵂: (رأيت كأن في بيتي عضوًا من أعضاء رسول الله ﷺ ، فجزعت من ذلك فأتيت رسول الله ﷺ ، فذكرت له ذلك. فقال ﷺ : خيرًا .. تلد فاطمة غلامًا، فتكفلينه بلبن ابنك قثم. قالت ﵂: فولدت حسنًا فأعطيته، فأرضعته حتى تحرك أو فطمته، ثم جئت به إلى الرسول ﷺ ، فأجلسته في حجره فبال، فضربت بين كتفيه. فقال ﷺ : ارفقي بابني رحمك الله -أو أصلحك الله- أوجعت ابني. قلت: يا رسول الله اخلع إزارك والبس ثوبا غيره حتى أغسله. قال ﷺ :

стр. 619

إنما يغسل بول الجارية، وينضح بول الغلام) (١)، يرشّ بول الصبي إلَّا إذا صار يأكل الطعام، عند ذلك يغسل بوله .. والحسن ما زال رضيعًا .. ينعم بقلب جده ﷺ وقبلاته وأحضانه .. يقول أحد الصحابة ﵁: (رأيت رسول الله ﷺ يمصّ لسانه أو شفته -يعني الحسن بن علي صلوات لله عليه- وإنه لن يعذب لسان أو شفتان مصّهما رسول الله ﷺ ) (٢). ذلك الطفل البريء .. ذلك البرد الطهور .. الحسن بن علي ﵁ ملأ قلب النبي ﷺ وملكه .. تمرّ الأيام فيكبر .. ويزداد شبهه بالنبي ﷺ .. فيقول أنس بن مالك ﵁: لم يكن أحد أشبه بالنبي ﷺ من الحسن بن علي) (٣) .. يكبر الحسن ويكبر حبّه بين حناياه ﷺ .. فيقول البراء ﵁: (رأيت النبي ﷺ والحسن بن علي على عاتقه يقول: اللهمّ إني أحبه فأحبه) (٤)، ويبدأ الحسن يلثغ بالكلمات .. يتعثّر في نطقها .. يقلّبها .. يعبث لسانه الصغير بأحرفها فيزداد حسنًا وبهاءً .. ويبدأ الخطو واللعب ويخرج إلى الطريق ليلعب مع الأطفال .. فيراه والده وأبو بكر ﵄ وهما يمشيان .. فيسرع إليه أبو بكر ويأخذه من فوق

стр. 620

الأرض ليجعله فوق عنقه ويدلي قدميه الناعمتين على كتفيه .. ويفديه بأبيه ويردّد كلمات تضحك والده عليًا .. يقول أحد الصحابة الذين شاهدوا حب أبي بكر للحسن: (صلّى بنا أبو بكر العصر، ثم قام وعلي يمشيان، فرأى الحسن يلعب مع الغلمان، فأخذه أبو بكر، فحمله على عنقه، وقال: بأبي شبيه النبي ... ليس شبيهًا بعلي وعليّ يبتسم) (١) (ويضحك) (٢). ولا يلام أبو بكر الصديق ﵁ في ذلك .. إنه ابن حبيبه وصاحبه ونبيّه .. وحبّه من الإيمان وأبو بكر متضلع بالإيمان وحب آل بيته وحب هذا الطفل الجميل .. أبو بكر يفعل ما كان ﷺ يفعله بالحسن .. يقول البراء بن عازب ﵁: (رأيت النبي ﷺ واضعًا الحسن على عاتقه "وهو يقول: اللَّهم إني أحبه فأحبه": وقال: من أحبني فليحبه) (٣) لم يكن الحسن فوق عاتق النبي ﷺ .. كان يحتل قلبه وجسده ومشاعره .. ها هو رجل من الأزد يبلغ الدنيا وصية نبيّه ﷺ وهو يحتضن الحسن داخل حبوته .. فيقول: (أشهد لقد رأيت رسول الله ﷺ واضعه في حبوته وهو يقول: من أحبّني فليحبه، وليبلغ الشاهد الغائب) (٤) .. ولم يقتصر الطفل

стр. 621

البريء على اقتحام قلبه ﷺ بل تجاوزت براءته كل ذلك فصار يقتحم على جده ﷺ صلاته .. ها هو الحسن يدخل على جدّه وهو يصلّى بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبقية الصحابة ﵃ .. يركض الحسن .. يلهو داخل المسجد يتّجه نحو جده ﷺ فيقفز على ظهره الشريف .. ويمتطيه كفارس مغوار .. فماذا فعل ﷺ ؟ .. وما هو رد والده وبقية الصحابة على لهو ذلك الطفل واقتحامه عالم النبي ﷺ وهو خاشع مع ربه .. يقول أحد الصحابة ﵃: (إن رسول الله ﷺ كان يصلّي فإذا سجد وثب الحسن على ظهره وعلى عنقه، فيرفع رسول الله ﷺ رفعًا رفيقًا لئلا يصرع -فعل ذلك غير مرة- فلما قضى صلاته، قالوا: يا رسول الله رأيناك صنعت بالحسن شيئًا ما رأيناك صنعته. قال ﷺ : إنه ريحانتي من الدنيا) (١). فتعلم الصحابة أن الطفولة عطر جذاب .. وبراءة لا تقاوم .. منحها الإِسلام مساحة من الحب والرحمة والتسامح .. مساحة فسيحة .. فسيحة تمتّع بها الحسن ونعم فيها بطفولته وعفويّته .. وتمتع بها أطفال المسلمين من بعده .. و ..

стр. 622

تتمادى البراءة فيتمادى الحب وتتّسع الرحمة .. رسول الله ﷺ هذه المرة لا يذهب إلى المسجد وحده .. بل يحمل حفيده معه وهو يعلم ما قد يفعل الطفل أثناء الصلاة .. أحد الذين رأوا ورووا تلك القصة المفعمة بالطفولة والعبادة يتحدّث إلينا .. صحابي اسمه شداد يقول: (خرج علينا رسول الله ﷺ في إحدى صلاتي العشاء وهو حامل حسنًا (١)، فتقدم رسول الله ﷺ فوضعه، ثم كبّر للصلاة، فسجد بين ظهراني صلاته سجدةً أطالها. فرفعت رأسي، وإذا بالصبي على ظهر رسول الله ﷺ وهو ساجد، فرجعت إلى سجودي، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة، قال الناس: يا رسول الله إنك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدةً أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر، أو أنه يوحى إليك. قال ﷺ : كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني، فكرهت أن أعجله حتى يقضى حاجته) (٢)، إنها رحمة يشعر بها ﷺ ويجعل أصحابه يشعرون بها .. تقول عائشة ﵂: (جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: تقبّلون الصبيان؟ فما نقبلهم. فقال النبي ﷺ : أَوَ أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة) (٣). و (قبَّل رسول الله ﷺ الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسًا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبّلت منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله ﷺ ثم قال: من لا يرحم لا يُرحم) (٤).

стр. 623

ورسول الله ﷺ يقول عن نفسه: (إنما أنا رحمة مُهداة) (١) .. فهل هناك أجمل من الرحمة .. ومن الهدية .. لقد كان بين أضلاعه قلب كالنسيم البارد خلال القيظ والهجير .. كان قلبه مطرًا لذيذًا على شفتي صحراء تتلمظ عطشًا. ذات يوم وبينما كان ﷺ يخطب أصحابه على منبره .. إذا به يذهل عن خطبته وعن الناس من حوله .. بل وعن نفسه. الرحمة تذهله ﷺ عبد الله بن عمر بن الخطاب رأى وسمع ما حدث .. يقول ﵁: (رأيت رسول الله ﷺ على المنبر يخطب الناس، فخرج الحسن بن علي ﵁ في عنقه خرقة يجرّها، فعثر فيها، فسقط على وجهه فنزل رسول الله ﷺ عن المنبر يريده، فلما رآه الناس أخذوا الصبي فأتوه به، فحمله فقال: قاتل الله الشيطان، إن الولد فتنة، والله ما علمت أني نزلت عن المنبر حتى أوتيت به) (٢)، ولم تكن الرحمة للحسن وحده .. كانت هناك طفلة

стр. 624

تنافسه .. وردة اسمها "أمامة" بنت ابنته زينب ﵂ .. كانت أمامة ملء سمعه وبصره .. حتى أنه كان يأخذها معه إلى المسجد وهو يريد الصلاة بصحابته ﵃ .. يقول أحدهم وهو "أبو قتادة": (خرج علينا النبي ﷺ وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه، فصلّى، فإذا ركع وضع، وإذا رفع رأسه رفعها) (١)، (فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها) (٢) .. يفعل ذلك أثناء صلاته بالمؤمنين. ولم تكن تلك الرحمة والملاطفة منه ﷺ لأولاده فقط، بل كان يشمل بها أبناء المسلمين .. ها هو يزور دار أحد الأنصار .. دار الربيع بن سراقة الخزرجي، فيجد طفلًا صغيرًا اسمه محمود .. فيبدأ ﷺ بملاطفته وملاعبته .. تناول ﷺ دلوًا .. ثم ملأ فمه الطاهر بالماء ثم اقترب من الصغير فطشّ الماء في وجهه .. حركة تثير الضحك والركض والاختباء البريء لدى الأطفال .. حركة تجلب السعادة .. ما زال محمود يذكرها ويذكر الناس بها، وهو يقول: (عقلت من النبي ﷺ مجّة مجّها في وجهي، وأنا ابن خمس سنين) (٣) (مجها رسول الله ﷺ من دلو في دارنا) (٤). قد يفعل الرجل هذا مع أبنائه وبناته .. فهل يفعل حاكم أو عالم أو وجيه مع أطفال غيره .. ماذا سيقول الناس عن ذلك .. ماذا سيقول الجهل عن ذلك .. لكن محمدًا ﷺ فعل ذلك مع ذلك الطفل (من بئر في دارهم) (٥).

стр. 625

بل لقد بلغ به التواضع والرحمة أعماقًا وآفاقًا بعيدةً .. بعيدة .. تعال معي إلى هذا المشهد المضحك المبكي في طرقات مدينة النبي ﷺ .. مشهد لـ النبي ﷺ والإماء والمعاقين حيث نرى النبي ﷺ يمشي في الطرقات تقوده أمةٌ أو امرأة في عقلها شيء .. دون أن ينهرها .. أو يطالبها بالتوقف أو يطالب أهلها بردعها عن مجلسه .. كان يجعل لها من قلبه ووقته نصيبًا كالآخرين .. يقوم من مجلس قد يجلس فيه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي إلى امرأة في عقلها اضطراب .. يستمع إليها وينصت حتى تنتهي وتقضي حاجتها .. يقول أنس ﵁: (كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت) (١)، ويقول ﵁: (إن امرأة كان في عقلها شيء فقالت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجة، فقال: يا أم فلان .. انظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك، فخلا معها في بعض الطرق، حتى فرغت من حاجتها) (٢). كان ﷺ جنّة من المشاعر .. ينعم بها الجميع، حتى ضعاف العقول .. حتى العصافير والطيور .. كان ﷺ جدول حب يشرب منه الجميع .. فيرتوون. يقول عبد الله بن مسعود ﵁. (كنّا مع رسول الله ﷺ

стр. 626

في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حمرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة، فجعلت تفرش، فجاء النبي ﷺ فقال: من فجع هذه بولده؟ ردوا ولدها إليها. ورأى قرية نمل قد أحرقناها، فقال ﷺ : إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلَّا رب النار) (١) .. كان ﷺ يتغيّر وجهه ويتألم لمنظر الفقراء .. فلا يقرّ له قرار حتى يذهب ما بهم .. فإذا لم يجد سوى الكلمات بذلها يريح بها نفوسهم ويقوّيهم بها .. يقول أحد الصحابة ﵃: (كنّا عند رسول الله ﷺ في صدر النهار، فجاء قوم عراة، حفاة، متقلّدي السيوف، عامتهم من مضر -بل كلّهم من مضر- فتغيّر وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة، فدخل، ثم خرج، فأمر بلالًا فأقام الصلاة، فصلّى ثم خطب فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾) (٢)، و ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (٣). تصدّق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشقّ تمرة. فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفّه تعجز عنها -بل لقد عجزت- ثم تتابع الناس، حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلّل كأنه مذهبة، فقال رسول الله ﷺ : من سنّ في الإِسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها، من غير أن ينقص من

стр. 627

أجورهم شيئًا، ومن سنّ في الإِسلام سنّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا) (١)، أي من أحيى سنة من سنن الإِسلام، ودلّ عليها فله ذلك الأجر .. ومن ابتدع في الإِسلام سنة لم يأت بها النبي ﷺ فعليه ذلك الوزر المخيف .. ويقول ﷺ : (من دلّ على خير فله مثل أجره فاعله) (٢)، و (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد) (٣) .. وكانت تلك الصدقات سنة حسنة تهلّل وجه النبي ﷺ عندما رآها .. لأن الجوع والعري سوف ينزاح عن أولئك المساكين .. الذين أحسّوا بالحياة تسري في عروقهم من جديد .. لكن الرحمة أحيانًا تستغل .. يستغلها الأوغاد واللئام .. وذلك لا يعني أن يتوقف تدفقها للتوقعات والظنون .. رحمته وكرمه ﷺ متدفقة دون توقف .. حتى مع الخونة إلى أن يظهروا الخيانة ويمارسوها جهارًا كما في هذه القصة: قصة أولها رحمة وآخرها جحيم مجموعة من اللصوص من عكل وعرينة .. مجموعة من الأوغاد سمعوا برحمته ﷺ .. وبشفقته على أصحابه وعلى الناس جميعًا .. فظنّوا أن بإمكانهم استدرار رحمته واستدراج طيبته ثم الضحك عليه بعد نوال عطائه .. جاء هؤلاء إلى المدينة، أظهروا الإِسلام (وبايعوه ﷺ ) (٤) لكن حمى المدينة أصابتهم .. شَمَلهم ﷺ بقلبه وكرمه قالوا: (يا نبي الله، إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف، واستوخموا المدينة) (٥) (فقال لهم رسول

стр. 628

الله ﷺ : إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة، فتشربوا من ألبانها وأبوالها) (١) (فأمر لهم رسول الله ﷺ بذودٍ (٢)، وراعٍ، أمرهم فيه، فيشربوا من ألبانها وأبوالها) (٣) (فانطلقوا، فشربوا من أبوالها وألبانها حتى صحوا وسمنوا) (٤) (فلما صحوا قتلوا راعي النبي ﷺ ، واستاقوا النعم) (٥) و (سملوا أعين الرعاء) (٦) أي فقأوا عينيه بالحديد. (فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم) (٧) (فجاء الخبر في أوّل النهار، فبعث ﷺ في آثارهم، فلما ارتفع النهار جيء بهم، فأمر بقطع أيديهم، وأرجلهم، وسمرت أعينهم، وألقوا في الحرّة، يستسقون فلا يسقون) (٨) (ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا) (٩) .. ما هو ذنب ذلك الراعي المسكين الذي اعتنى بهم وبصحتهم .. سقاهم ومرّضهم وأطعمهم .. فكان جزاؤه أن فقأوا عينيه ثم قتلوه .. إن فقأهم لعيني الراعي قبل قتله دليل على توغّل الإجرام والحقد في نفوس أولئك المجرمين الأنذال .. الذين جمعوا كل صفات الخسّة والدناءة .. كفروا وقتلوا ومثّلوا وخانوا وسرقوا .. فكان عقابهم شَرسًا بحجم جريمتهم .. إن أمثال هؤلاء الرعاع والجهلة وقطاع الطرق يشكلون خطرًا على كل أرض يطأونها بأقدامهم .. ولا يمكن أن يوقف نزيف

стр. 629

الخوف والدم الذي يسفكونه سوى السيف البتّار .. أمثال هؤلاء يغريهم ضعف الضعيف .. وحلم الحليم وتسامح الكريم .. فينشرون من خلال ذلك الرعب في قلوب الحجاج والتجار والمسافرين .. وربما أغرى هؤلاء الأجلاف ذلك الإنكسار الذي حدث للمؤمنين في غزوة أحد .. وربما كانوا طلائع خيانة واستكشاف لمجرم قابع في عرنه يجمع جيشًا لاقتحام المدينة ونهبها .. مجرم يثير القشعريرة .. اسمه خالد بن سفيان بن نبيح يقود بني لحيان .. علم ﷺ بذلك المخطط .. لكنه فكّر بطريقة آمنة يتخلّص فيها من حرب ضروس بطعنة واحدة .. يحقن فيها دماء جيوش تحتاج إلى دمائها ورجالها .. فكّر ﷺ بـ: اغتيال خالد بن سفيان وقع اختيار رسول الله ﷺ على فارس مغوار يختصر المسافات والأحداث .. يجمع الجيوش والآلام والنواح بطعنة واحدة .. وقع اختياره ﷺ على فارس يدعى عبد الله بن أنيس .. فتعالوا إلى الأحداث والحديث .. وفارسنا الذي يقول: (دعاني رسول الله ﷺ ، فقال: إنه قد بلغني أن خالد بن سفيان بن نبيح يجمع لي الناس ليغزوني، وهو بعرنة، فأته فاقتله. قلت: يا رسول الله، انعته (١) لي حتى أعرفه. قال ﷺ : إذا رأيته وجدت له قشعريرة [قلت: والذي أكرمك ما هبت شيئًا قط]، فخرجت متوشحًا سيفي، حتى وقعت عليه بعرنة "مع ظعن (٢) يرتاد لهن

стр. 630

منزلًا"، وحين كان وقت العصر، فلما رأيته وجدت له ما وصف لي رسول الله ﷺ من القشعريرة، فأقبلت نحوه، وخشيت أن يكون بيني وبينه محاولة تشغلني عن الصلاة، فصلّيت وأنا أمشي نحوه، أومئ برأسي الركوع والسجود. فلما انتهيت إليه، قال: من الرجل؟ قلت: رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل، فجاءك لهذا. قال: أجل، أنا في ذلك [قلت: باغي حاجة فهل من مبيت؟ قال: نعم فالحق بي] فمشيت معه شيئًا، حتى إذا أمكنني حملت عليه السيف حتى قتلته، ثم خرجت وتركته ظعائنه مكبّات عليه [ثم غشيت الجبال ولجمته حتى إذا ذهب الناس خرجت حتى] قدمت على رسول الله ﷺ ، فرآني، فقال: أفلح الوجه. قلت: قتلته يا رسول الله. قال رسول الله ﷺ : "صدقت". ثم قام معي رسول الله ﷺ ، فدخل في بيته، فأعطاني عصا، فقال: أمسك هذه عندك يا عبد الله بن أنيس، فخرجت بها على الناس، فقالوا: ما هذه العصا؟ قلت: أعطانيها رسول الله ﷺ وأمرني أن أمسكها. قالوا: أولا ترجع إلى رسول الله ﷺ فتسأله عن ذلك؟ فرجعت إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، لم أعطيتني هذه العصا؟ قال: آية بيني وبينك يوم القيامة، إن أقلّ الناس المتخصرون يومئذ يوم القيامة، فقرنها عبد الله بسيفه) (١) .. الذي حطم صنمًا وخطرًا في دروب المؤمنين .. إن هذا النوع

стр. 631

من الاغتيال لم يكن باجتهاد فردي .. لم يقم به أحد من أصحابه حماسًا وتطوعًا .. وهم قادرون على أكثر من ذلك .. إنها دماء لا يجوز الخوض فيها دون الرجوع إلى النبي -الإِمام- النص .. وإلا فإنها ضرب من التهور غير المبرر. لم يكن عبد الله بن أنيس وحده الذي يبعث في سرية مكوّنة من فرد واحد .. كان هناك من ينافسه .. رجل شديد البأس .. قويّ البنية .. جسور لا يهاب الموت .. يعشق الشهادة .. كان ﷺ يبعثه إلى أعماق قريش .. يتغلغل فيها .. لا ليقتل .. بل لينقذ .. ليخلص بعض أولئك المستضعفين في مكة الذي أبقاهم ذووهم في مكة .. وقهروهم ومنعوهم من الهجرة .. فكانت تلك المهمات:

стр. 632

سرايا لمرثد بن أبي مرثد وكان لمرثد ﵁ صديقة في مكة .. ينزل عليها سرًّا .. كان يحبها وتحبه وتحفظ سره وعلاقته بها .. اسمها: (عناق) .. لكن أمرًا حدث في المدينة أثار غضب تلك الحسناء .. فخانت مرثد ونادت قريشًا لكي يحاصروه ويقبضوا عليه .. فماذا حدث لمرثد بن أبي مرثد. يقول أحد الصحابة: إن (مرثد بن أبي مرثد، كان رجلًا "شديدًا" يحمل الأسرى من مكة، حتى يأتي بهم المدينة، وكانت امرأة بغيٌّ بمكة يقال لها: عناق، وكانت صديقة له، وأنه كان وعد رجلًا من أسارى مكة يحتمله، قال مرثد: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط، من حوائط مكة في ليلة مقمرة، فجاءت عناق، فأبصرت سواد ظلي بجنب الحائط، فلما انتهت إليّ عرفتني فقالت: "من هذا" مرثد؟ فقلت: مرثد. قالت: مرحبًا وأهلًا، هلم فبِتْ عندنا الليلة "انطلق الليلة فبت عندنا في الرحل". حرم الله الزنا قلت: يا عناق، حرّم الله الزنا، "إن رسول الله ﷺ حرم الزنا". قالت: يا أهل الخيام، "هذا الدلدل، هذا الذي يحمل أسراءكم من مكة إلى المدينة". فتبعني ثمانية، وسلكت الخندمة (١)، فانتهيت إلى غارٍ أو كهفٍ، فدخلت، فجاءوا حتى قاموا على رأسي، فبالوا، "فطار بولهم علي"، فظلّ

стр. 633

بولهم على رأسي، وعمَّاهم الله عني. ثم رجعوا ورجعت إلى صاحبي، فحملته، وكان رجلًا ثقيلًا، حتى انتهيت إلى الإذخر، "فلما انتهيت به إلى الأراك" فككت عنه أكبله، فجعلت أحمله ويعينني، حتى قدمت المدينة، فأتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله أنكح عناقًا؟ "فسكت عني"، فأمسك رسول الله ﷺ ولم يرد عليّ شيئًا حتى نزلت: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾. فقال رسول الله ﷺ : يا مرثد الزاني لا ينكح إلَّا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلَّا زان أو مشرك .. فلا تنكحها) (١). لأنها تحترف الزّنا وتصرّ عليه .. أما إذا تابت الزانية وتاب الزاني وباب التوبة مفتوح إلى يوم القيامة .. فيجوز عند ذلك .. أمّا إذا لم يتوبوا فهم أمراض متنقلة .. تنخر الأجساد والمجتمعات .. إذًا فهناك رجال يمكن الاعتماد عليهم للقيام بمهام خطيرة ودقيقة .. والنبي ﷺ لم يتردّد في بثّهم هنا وهناك .. فالمدينة في خطر .. والدعوة إلى التوحيد تحتاج إلى دولة قوية وذكية لنشرها .. كان لمرثد دور .. وكان لعبد الله بن أنيس دور آخر .. وللذين داخل المدينة أدوار يؤدّونها تحت قيادة هذا النبي الحكيم.

стр. 634

في إحدى هذه المهمات أراح النبي ﷺ دولته وأصحابه من فتنة عمياء .. ومن حرب قد تكون فادحة الخسائر .. وأراح بني لحيان من كارثة قد تحلّ بهم على يد قائدهم المتهور خالد بن نبيح .. لكن النبي ﷺ لم يكتف بهذه السرية ذات الفارس الواحد والفذّ .. فقريش وبنو لحيان وبعض القبائل أغراهم ذلك الانكسار الذي حدث للمسلمين في أُحُد .. لذلك لا بدّ من الحذر واليقظة .. لا بدّ من دراسة المنطقة والتعامل معها بحرص فقد يكون فيها أكثر من خالد بن نبيح .. هناك مناطق توتّر مخيفة بين مكة والمدينة .. أشدّها تلك التي تسكنها هذيل تلك القبيلة التي ينتمي لها بنو لحيان .. ويسكنها بجوارهم بني سليم .. وإليها ينتمي بطون: رعل وذكوان وعصية .. وهؤلاء جميعًا يسكنون قريبًا من مكّة .. وقد تمّ القضاء على إحدى بؤر التوتّر وهو خالد بن نبيح .. لكن بقي من هو أشدّ خطورة منه .. بقى طاغوت من غطفان اسمه: عامر بن الطفيل .. هذا الطاغوت كان وقحًا لدرجة أنه جاء إلى المدينة يهدد النبي ﷺ إذا لم يرض بمطالبه. عامر بن الطفيل يهدد النبي ﷺ يقول أنس بن مالك ﵁ وهو يتحدّث عن عامر بن الطفيل: (كان رئيس المشركين عامر بن الطفيل، وكان أتى النبي ﷺ فقال: أخيرك بين ثلاث خصال: أن يكون لك أهل السهل، ولي أهل المدر. أو: أن أكون خليفتك من بعدك. أو:

стр. 635

أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء) (١). رفض ﷺ تلك المطالب الطاغوتية .. فقد بعثه الله للناس كافةً .. لنشر التوحيد وإزالة الشرك عن هذه الأرض كلها .. وإزالة الطواغيت أمثال عامر بن الطفيل .. ولذلك أخذ ﷺ حذره من ذلك الأهوج .. ومن بني لحيان وبني سليم .. فقام بعقد عهدٍ بينه وبن جيرانهم بني عامر حتى يأمن اتفاقهم عليه أو مساندتهم لقريش إذا ما قامت قريش بعمل عسكري في المستقبل .. لكن ذلك كلّه لا يكفى، فعامر بن الطفيل وأتباعه يحتاجون إلى رصد ومراقبة أكثر .. فالظروف الحالية دقيقة وخطيرة. وقريش ما زالت تحتفظ بقائمة من الأسماء .. لها معها ثأر منذ غزوة بدر .. ولم تتمكن منهم في غزوة أُحُد .. وكان على رأس تلك القائمة عاصم بن ثابت الذي شهد له ﷺ بإجادة القتال في غزوة أحد .. عاصم .. هذا الأسد .. كان قد فتك بعظيم من طواغيت قريش ورأسه مطلوب بأي ثمن .. والفارس الآخر اسمه: خبيب بن عدي .. وقد اجتثّ خبيب ﵁ طاغوتًا آخر يدعى: الحارث بن عامر بن نوفل .. وهناك آخرون مطلوبون .. لكنني ذكرت هذين الفارسين لأن الرسول ﷺ استدعاهما واستدعى معهما ثمانية من الشجعان .. هؤلاء العشرة كوّنوا سرية استطلاع للمنطقة الواقعة بين مكة والمدينة .. ومهمتهم تغطي أراضي يسكنها بنو لحيان وسليم وبنو عامر .. وأطلق فيما بعد على هذه السرية:
следующие страницы →