← Сира

Сира · id 123668

السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة

محمد الصوياني

Полный текст (1 354 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

من الاغتيال لم يكن باجتهاد فردي .. لم يقم به أحد من أصحابه حماسًا وتطوعًا .. وهم قادرون على أكثر من ذلك .. إنها دماء لا يجوز الخوض فيها دون الرجوع إلى النبي -الإِمام- النص .. وإلا فإنها ضرب من التهور غير المبرر. لم يكن عبد الله بن أنيس وحده الذي يبعث في سرية مكوّنة من فرد واحد .. كان هناك من ينافسه .. رجل شديد البأس .. قويّ البنية .. جسور لا يهاب الموت .. يعشق الشهادة .. كان ﷺ يبعثه إلى أعماق قريش .. يتغلغل فيها .. لا ليقتل .. بل لينقذ .. ليخلص بعض أولئك المستضعفين في مكة الذي أبقاهم ذووهم في مكة .. وقهروهم ومنعوهم من الهجرة .. فكانت تلك المهمات:

стр. 632

سرايا لمرثد بن أبي مرثد وكان لمرثد ﵁ صديقة في مكة .. ينزل عليها سرًّا .. كان يحبها وتحبه وتحفظ سره وعلاقته بها .. اسمها: (عناق) .. لكن أمرًا حدث في المدينة أثار غضب تلك الحسناء .. فخانت مرثد ونادت قريشًا لكي يحاصروه ويقبضوا عليه .. فماذا حدث لمرثد بن أبي مرثد. يقول أحد الصحابة: إن (مرثد بن أبي مرثد، كان رجلًا "شديدًا" يحمل الأسرى من مكة، حتى يأتي بهم المدينة، وكانت امرأة بغيٌّ بمكة يقال لها: عناق، وكانت صديقة له، وأنه كان وعد رجلًا من أسارى مكة يحتمله، قال مرثد: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط، من حوائط مكة في ليلة مقمرة، فجاءت عناق، فأبصرت سواد ظلي بجنب الحائط، فلما انتهت إليّ عرفتني فقالت: "من هذا" مرثد؟ فقلت: مرثد. قالت: مرحبًا وأهلًا، هلم فبِتْ عندنا الليلة "انطلق الليلة فبت عندنا في الرحل". حرم الله الزنا قلت: يا عناق، حرّم الله الزنا، "إن رسول الله ﷺ حرم الزنا". قالت: يا أهل الخيام، "هذا الدلدل، هذا الذي يحمل أسراءكم من مكة إلى المدينة". فتبعني ثمانية، وسلكت الخندمة (١)، فانتهيت إلى غارٍ أو كهفٍ، فدخلت، فجاءوا حتى قاموا على رأسي، فبالوا، "فطار بولهم علي"، فظلّ

стр. 633

بولهم على رأسي، وعمَّاهم الله عني. ثم رجعوا ورجعت إلى صاحبي، فحملته، وكان رجلًا ثقيلًا، حتى انتهيت إلى الإذخر، "فلما انتهيت به إلى الأراك" فككت عنه أكبله، فجعلت أحمله ويعينني، حتى قدمت المدينة، فأتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله أنكح عناقًا؟ "فسكت عني"، فأمسك رسول الله ﷺ ولم يرد عليّ شيئًا حتى نزلت: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾. فقال رسول الله ﷺ : يا مرثد الزاني لا ينكح إلَّا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلَّا زان أو مشرك .. فلا تنكحها) (١). لأنها تحترف الزّنا وتصرّ عليه .. أما إذا تابت الزانية وتاب الزاني وباب التوبة مفتوح إلى يوم القيامة .. فيجوز عند ذلك .. أمّا إذا لم يتوبوا فهم أمراض متنقلة .. تنخر الأجساد والمجتمعات .. إذًا فهناك رجال يمكن الاعتماد عليهم للقيام بمهام خطيرة ودقيقة .. والنبي ﷺ لم يتردّد في بثّهم هنا وهناك .. فالمدينة في خطر .. والدعوة إلى التوحيد تحتاج إلى دولة قوية وذكية لنشرها .. كان لمرثد دور .. وكان لعبد الله بن أنيس دور آخر .. وللذين داخل المدينة أدوار يؤدّونها تحت قيادة هذا النبي الحكيم.

стр. 634

في إحدى هذه المهمات أراح النبي ﷺ دولته وأصحابه من فتنة عمياء .. ومن حرب قد تكون فادحة الخسائر .. وأراح بني لحيان من كارثة قد تحلّ بهم على يد قائدهم المتهور خالد بن نبيح .. لكن النبي ﷺ لم يكتف بهذه السرية ذات الفارس الواحد والفذّ .. فقريش وبنو لحيان وبعض القبائل أغراهم ذلك الانكسار الذي حدث للمسلمين في أُحُد .. لذلك لا بدّ من الحذر واليقظة .. لا بدّ من دراسة المنطقة والتعامل معها بحرص فقد يكون فيها أكثر من خالد بن نبيح .. هناك مناطق توتّر مخيفة بين مكة والمدينة .. أشدّها تلك التي تسكنها هذيل تلك القبيلة التي ينتمي لها بنو لحيان .. ويسكنها بجوارهم بني سليم .. وإليها ينتمي بطون: رعل وذكوان وعصية .. وهؤلاء جميعًا يسكنون قريبًا من مكّة .. وقد تمّ القضاء على إحدى بؤر التوتّر وهو خالد بن نبيح .. لكن بقي من هو أشدّ خطورة منه .. بقى طاغوت من غطفان اسمه: عامر بن الطفيل .. هذا الطاغوت كان وقحًا لدرجة أنه جاء إلى المدينة يهدد النبي ﷺ إذا لم يرض بمطالبه. عامر بن الطفيل يهدد النبي ﷺ يقول أنس بن مالك ﵁ وهو يتحدّث عن عامر بن الطفيل: (كان رئيس المشركين عامر بن الطفيل، وكان أتى النبي ﷺ فقال: أخيرك بين ثلاث خصال: أن يكون لك أهل السهل، ولي أهل المدر. أو: أن أكون خليفتك من بعدك. أو:

стр. 635

أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء) (١). رفض ﷺ تلك المطالب الطاغوتية .. فقد بعثه الله للناس كافةً .. لنشر التوحيد وإزالة الشرك عن هذه الأرض كلها .. وإزالة الطواغيت أمثال عامر بن الطفيل .. ولذلك أخذ ﷺ حذره من ذلك الأهوج .. ومن بني لحيان وبني سليم .. فقام بعقد عهدٍ بينه وبن جيرانهم بني عامر حتى يأمن اتفاقهم عليه أو مساندتهم لقريش إذا ما قامت قريش بعمل عسكري في المستقبل .. لكن ذلك كلّه لا يكفى، فعامر بن الطفيل وأتباعه يحتاجون إلى رصد ومراقبة أكثر .. فالظروف الحالية دقيقة وخطيرة. وقريش ما زالت تحتفظ بقائمة من الأسماء .. لها معها ثأر منذ غزوة بدر .. ولم تتمكن منهم في غزوة أُحُد .. وكان على رأس تلك القائمة عاصم بن ثابت الذي شهد له ﷺ بإجادة القتال في غزوة أحد .. عاصم .. هذا الأسد .. كان قد فتك بعظيم من طواغيت قريش ورأسه مطلوب بأي ثمن .. والفارس الآخر اسمه: خبيب بن عدي .. وقد اجتثّ خبيب ﵁ طاغوتًا آخر يدعى: الحارث بن عامر بن نوفل .. وهناك آخرون مطلوبون .. لكنني ذكرت هذين الفارسين لأن الرسول ﷺ استدعاهما واستدعى معهما ثمانية من الشجعان .. هؤلاء العشرة كوّنوا سرية استطلاع للمنطقة الواقعة بين مكة والمدينة .. ومهمتهم تغطي أراضي يسكنها بنو لحيان وسليم وبنو عامر .. وأطلق فيما بعد على هذه السرية:

стр. 636

سرية الرجيع لكن ما علاقة بني لحيان. بمن هلك من طواغيت قريش على أرض بدر؟ .. أحد الصحابة يجيب ويسرد علينا قصة عاصم قائد هذه السرية وأصحابه، فيقول: (بعث النبي ﷺ "عشرة رهط" عينًا، وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت -وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب- فانطلقوا حتى كانوا "بالهدأة" بين عسفان ومكة، ذكروا لحي من هذيل يقال لهم: بنو لحيان، فتبعوهم بقريب من مائة رامٍ، فاقتصوا آثارهم حتى أتوا منزلًا نزلوه، فوجدوا فيه نوى تمر تزوّدوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب. فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم، فلما "رآهم" عاصم وأصحابه لجأوا إلى فدفد (١)، وجاء القوم فأحاطوا بهم فقالوا: لكم العهد والميثاق، إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلًا. فقال عاصم "أمير السرية": أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهمّ أخبر عنا نبيّك. فقاتلوهم حتى قتل عاصمًا في سبعة نفر بالنبل (٢). وبقي خبيب وزيد ورجل آخر فأعطوهم العهد والميثاق، فلما أعطوهم العهد والميثاق نزلوا إليهم، فلما استمكنوا منهم حلوا أوتار قسيهم فربطوهم بها. فقال الرجل الثالث الذي معهما ﵁: هذا أول الغدر. فأبي أن يصحبهم، فجرّوه وعالجوه على أن يصحبهم، فلم يفعل، فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وزيد .. حتى باعوهما بمكة، فاشترى خبيبًا بنو الحارث بن عامر بن نوفل - وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر.

стр. 637

فمكث "خبيب" عندهم أسيرًا، حتى إذا أجمعوا قتله (١)، استعار موسي من بعض بنات الحارث ليستحدّ بها (٢)، فأعارته. قالت: فغفلت عن صبي لي، فدرج إليه (٣) حتى أتاه فوضعه في فخذه. فلما رأيته فزعت فزعةً عرف ذلك مني وفي يده الموسي. فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله تعالى. وكانت تقول: ما رأيت أسيرًا قطّ خيرًا من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف (٤) عنب وما بمكة يومئذ ثمرة - وإنه لموثق في الحديد، وما كان إلا رزق رزقه الله "خبيبًا". فخرجوا به من الحرم (٥) ليقتلوه "في الحل"، فقال ﵁: دعوني أصلى ركعتين "ذروني أركع ركعتين، فتركوه، فركع ركعتين" ثم انصرف إليهم، فقال: لولا أن "تظنوا" أن ما بي جزع من الموت لزدت "لطوّلتها"، فكان أوّل من سن الركعتين عند القتل هو. ثم قال: اللهمّ أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تبق منهم أحدًا. ثم أنشأ يقول: فلست أبالي حين أقتل مسلمًا ... على أي شقّ كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع

стр. 638

ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله) (١)، لكن عقبة بن الحارث ينكر ذلك ويقول لمن حوله: (والله ما أنا قتلت خبيبًا؛ لأنا كنت أصغر من ذلك، ولكن أبا ميسرة أخا بني عبد الدار أخذ الحربة فجعلها في يدي، ثم أخذ بيدي وبالحربة ثم طعنه بها حتى قتله) (٢). ويكمل الصحابي حديثه .. فيقول: (وبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشيء من جسده يعرفونه، وكان عاصم قتل عظيمًا من عظمائهم يوم بدرٍ، فبعث الله عليه مثل الظلّة من الدبر (٣)، فحمته من رسلهم، فلم يقدروا "على أن يقطعوا من لحمه شيئًا") (٤) .. فكانت كرامة من الله لعاصم ﵁ .. حيث حمى الله جسده الطاهر بسحابة من الزنابير أو ذكور النحل .. وهكذا سافر خبيب وعاصم وزيد ورفاقهم شهداءً إلى ربهم .. لكنها بالنسبة للنبي ﷺ وأصحابه الأحياء مصيبة أخرى بعد أُحُد .. خيانة قام بها بعض بني لحيان كلفت المؤمنين الكثير .. خيانة خسيسة ليست من طباع العرب الكريمة .. تأثر منها المومنون واستفادت منها قريش .. وحزّت في أنفس الشرفاء من العرب .. خاصة أولئك الذين كان بينهم وبين النبي ﷺ

стр. 639

عهد وهم بنو عامر .. لذلك جاءت مجموعة منهم بقيادة رجل اسمه: عامر ابن مالك .. أبو البراء ويلقب بـ "ملاعب الأسنة" .. قدم ملاعب الأسنة من أجل تلطيف الأجواء .. حاملًا معه هدية للرسول ﷺ .. لكن النبي ﷺ كان في حالة حزن على أصحابه .. فعرض الإِسلام على ملاعب الأسنة ودعاه إلى الدخول في دين الله .. فرفض .. فرفض ﷺ هديته لأنه مشرك .. فحاول ملاعب الأسنة أن يخفّف عن النبي ﷺ بعض ما في صدره من حزن على أصحابه .. فعرض عليه أن يرسل بعض الصحابة لنشر الإِسلام في نجد وتعهّد بحمايتهم والدفاع عنهم .. حتى يطمئن النبي ﷺ أنه لن يصيبهم ما أصاب خبيبا وأصحابه .. ومما دفع النبي ﷺ إلى الموافقة أن رجالًا من أحياء: رعل وذكوان وعصية كانوا قد قدموا مع "ملاعب الأسنة" وتظاهروا بالإِسلام وادّعوا أنهم بحاجة إلى مجموعة من الصحابة تعلّمهم القرآن والتوحيد .. بل وتعينهم على أعدائهم .. فاستجاب ﷺ واثقًا بعهد ملاعب الأسنة .. ومصدّقًا أولئك الذين أظهروا الإِسلام، وبعث معهم شَبابًا من الأنصار .. ها هو أحدهم يودع أخته أم سليم .. إنه خال أنس بن مالك واسمه: حرام .. وهؤلاء الشباب الذين معه صفوة من تلاميذ محمَّد ﷺ .. شباب لا تعرف كيف تصفهم .. هل هم عباد .. أم تجار .. أم علماء .. ؟ أم عمّال .. إنهم الإِسلام في صورة شباب .. يقول كعب بن مالك: (جاء ملاعب الأسنة إلى النبي ﷺ بهدية، فعرض عليه الإِسلام، فأبي أن يسلم، فقال النبي ﷺ : فإني لا أقبل هدية مشرك. قال: فابعث إلى أهل نجد من شئت فأنا لهم جارٍ، فبعث إليهم) (١)

стр. 640

شبابًا (كنّا ندعوهم على عهد رسول الله ﷺ : القرّاء .. فذكر أنس سبعين رجلًا من الأنصار، كانوا إذا أجنّهم الليل آووا إلى معلم بالمدينة، فيبيتون يدرسون، فإذا أصبحوا فمن كان عنده قوّة أصاب من الحطب، واستعذب من العذب (١)، ومن كانت عنده سعة أصابوا الشاة فأصلحوها، فكان معلقًا بحجر رسول الله ﷺ ، فلما أصيب خبيب) (٢) (جاء ناس إلى النبي ﷺ "رعل وذكوان وعصية وبنو لحيان" فقالوا: أن ابعث معنا رجالًا يعلّمونا القرآن والسنّة، فبعث "إلى ناس من المشركين بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد" سبعين رجلًا من الأنصار، يقال لهم: القرّاء -فيهم خالي حرام- يقرأون القرآن، ويتدارسون بالليل يتعلّمون، وكانوا بالنهار يجيؤون بالماء فيضعونه في المسجد، ويحتطبون فيبيعونه، ويشترون به الطعام لأهل الصفة وللفقراء، فبعثهم النبي ﷺ إليهم "حتى كانوا ببئر معونة") (٣) (فأتوا على حي من بني سليم فقال حرام لأميرهم: دعني فلأخبر هؤلاء أنّا ليس إياهم

стр. 641

نريد فيخلون وجوهنا) (١) (وكان رئيس المشركين عامر بن الطفيل) (٢) (فاستجاش عامر بن الطفيل بني عامر، فأبوا أن يطيعوه، وأبوا أن يخفروا ملاعب الأسنة، فاستجاش عليهم بني سليم، فأطاعوه) (٣) (فانطلق حرام أخو أم سليم ورجلان معه: رجل أعرج، ورجل من بني فلان. قال: كونا قريبًا مني حتى آتيهم، فإن أمنوني كنتم كذا، وإن قتلوني أتيتم أصحابكم. فأتاهم حرام فقال: أتؤمنوني أبلغكم رسالة رسول الله ﷺ . قالوا: نعم. فجعل يحدّثهم، وأمأوا إلى رجل فأتاه من خلفه، فطعنه، فأنفذه بالرمح "فلما وجد حرام مسّ الرمح في جوفه قال: الله أكبر .. فزت وربّ الكعبة") (٤)، ولما سال دمه من جرحه اغترفه بيديه ثم (فقال بالدم هكذا: فنضحه على وجهه ورأسه ثم قال: فزت ورب الكعبة) (٥) (فانطووا عليهم فما بقى منهم مخبرٌ "فلحق الرجل، فقتلوا كلهم إلَّا الأعرج كان في رأس الجبل") (٦) (قتلوهم وغدروا بهم) (٧) (قبل أن يبلغوا المكان. فقالوا ﵃: اللهمّ بلّغ نبينا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا) (٨)، فأنزل الله

стр. 642

قرآنًا يتلى في هؤلاء الشباب الأطهار الأبرار .. فقال تعالى: (إنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا) (١). نزلت هذه الآية على النبي ﷺ فحزن حزنًا لم يحزن مثله أبدًا .. وخيّم الوجوم على المدينة .. على أصحاب النبي ﷺ .. وأحرق الدمع والحزن أجواف الأمّهات والآباء والأبناء .. وبكى أهل الصفة أرحم الناس بحالهم .. بكى أهل الصفة أحبابهم الذين طالما كدحوا وشقوا ليخفّفوا مما بهم .. ليمنحوهم بعض السعادة .. هذا قد منحوه ثوبًا .. وهذا اشتروا له طعامًا .. وذاك أعطوه فراشًا .. ورابع قلّموا له غطاءً .. وخامس قدموا له حذاءً .. لك أن تتصوّر حجم الفراغ الذي يتركه سبعون بمثل هذا الجمال والحب والسخاء. أهل المدينة يتذكرونهم عندما يرون تلك القرب التي كانوا يملأونها بالماء لهم على باب المسجد .. فكم من عطشان فقد تلك السحابة. أمّا النبي ﷺ فتوجّه والحزن في عينيه وقلبه إلى أصحابه. فقال: (إن إخوانكم قد قتلوا، وإنهم قالوا: اللهمّ بلّغ عنّا نبينا أن قد لقيناك، فرضينا عنك ورضيت عنا) (٢). لقد بلغ به الهمّ والحزن أن فعل شيئًا لم يكن قد فعله من قبل .. كيف لا وهو قد فجع بخبيب وعاصم ومن معهما .. ثم فجع بسبعين من خيرة الشباب الذين سافروا من أجل نشر دين ربهم ورسالة نبيّهم ولا ذنب لهم سوى ذلك .. لقد دعا ﷺ على أولئك المشركين الأنذال شهرًا كاملًا في صلواته كلّها .. يقول أحد الصحابة ﵁: (قنت رسول الله ﷺ

стр. 643

شهرًا متتابعًا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء وصلاة الصبح في دبر كل صلاة إذا قال: سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة يدعو على أحياء من بني سليم: على رعل، وذكوان، وعصية "وبني لحيان" ويؤمِّن من خلفه) (١)، ويقول أنس بن مالك ﵁: (وذلك بدء القنوت وما كنّا نقنت) (٢). واستجاب الله لنبيّه ﷺ .. فأصيب الطاغية عامر بن الطفيل .. أصيب بمرض عضال وصفه ﷺ بقوله: (غدة كغدة البعير (٣)، وسماه ﷺ بـ "الطاعون" .. وهو وصف دقيق للطاعون الدبلي الذي يتميز (بارتفاع درجة الحرارة وتضخم العقد الليمفية في منطقة الإرب وتحت الإبط وكذا تضخم الطحال) (٤)، وهو ما أصيب به عامر بن الطفيل حتى أصبح حبيسًا في بيت امرأة من قومه .. أصيب عامر بالطاعون وتلاشت أحلامه بالتملّك على أهل المدن في الجزيرة العربية .. أو خلافة النبي ﷺ .. أما تلك الجيوش التي هدّد النبي ﷺ بها، فقد تحوّلت إلى آلام تحبسه في بيت امرأة قد ولّى عنه الناس ونفروا منه خشية العدوى ففقد صوابه .. وصرخ بمن بقي

стр. 644

حوله .. فقال: (غدة كغد البكر في بيت امرأة من بني فلان، ائتوني بفرسي، فركبه فمات على ظهر فرسه) (١)، هلك ذلك الطاغية كالمجنون .. بعد أن تطاير الناس من حوله متقزّزين. أما النبي ﷺ فبعد أن مكث شهرًا يدعو على عامر والخَوَنة الذين غدروا بالمؤمنين .. قرّر ﷺ أن يغزو بني لحيان وبني سليم: رعل وذكوان وعصية .. فأعدّ جيشًا ليتحرك نحوهم .. وكان أحد الصحابة يريد صحبته لكنه هذه المرة في حيرة من أمره .. فامرأته ثقيلة .. وهو يريد البقاء معها ويريد مصاحبة النبي ﷺ .. وهي كذلك كانت تصاحب النبي ﷺ في كل غزوة لكن حالتها هذه المرة لا تساعدها على المسير .. فـ: ماذا حدث لأم سليم ﵂ يقول ابنها البار أنس بن مالك ﵁: (كانت أم سليم تسافر مع النبي ﷺ .. تخرج معه إذا خرج، وتدخل معه إذا دخل) (٢) (فضربها المخاض واحتبس عليها أبو طلحة، وانطلق النبي ﷺ ، فقال أبو طلحة: يا رب .. إنك لتعلم أنه يعجبني أن أخرج مع رسولك إذا خرج، وأدخل معه إذا دخل، وقد احتبست بما ترى. تقول أم سليم: يا أبا طلحة، ما أجد الذي كنت أجد، فانطلقا) (٣). انطلق النبي وأصحابه إلى تلك الأرض التي غُدِرَ فيها بأولئك الشباب الأطهار. انطلق ﷺ بجيشه جنوبًا إلى تلك الأرض التي تقع بين عسفان

стр. 645

ومكّة .. أرض بني سليم: رعل وذكوان ولحيان وعصية التي عصت الله ورسوله ﷺ .. فماذا حدث في: غزوة بني لحيان يبدو أن بني سليم: رعل وذكوان وعصية .. وكذلك لحيان قد علموا بقدوم النبي ﷺ .. وأدركوا فداحة جرمهم وشناعة خيانتهم للعهد .. وانتهاكهم لحقوق جارهم ملاعب الأسنة .. ورأوا بأعينهم ما حدث لذلك الشيطان الذي عبث بعقولهم من عقاب إلهي .. وأدركوا بركان الغضب الإِسلامي الزاحف نحوهم .. فهربوا كحمير مستنفرة فرّت من قسورة .. هؤلاء الخونة يحتاجون إلى من يجرّهم من جحورهم فردًا فردًا .. والنبي ﷺ وجيشه ليس لديهم وقت لهذا .. فالعودة إلى المدينة أنسب في الوقت الحاضر .. لكن لا بدّ من التخطيط للقضاء على مصادر الشرّ والجريمة المحيطة بالمدينة .. لا بدّ من تأديب تلك القبائل التي تتآمر على الإِسلام والمسلمين .. فالنبي ﷺ جاء للأرض كلّها .. جاء بالسلام للعالم أجمع .. ولا يجوز حرمان العالم من هذه الرسالة الإلهية بسبب مجرم أو مجرمين من المشركين أو من اليهود .. عاد ﷺ إلى المدينة .. وبعد عودته كان بانتظاره وانتظار صاحبه أبي طلحة خبر سعيد: أم سليم تلد طفلًا (أخذها الطلق ليلة قربهم من المدينة، فقالت: اللهمّ إنني كنت أدخل إذا دخل نبيّك وأخرج إذا خرج، وقد حضر هذا الأمر فولدت غلامًا) (١).

стр. 646

وكان النبي ﷺ قد قال لأبي طلحة وأنس بن مالك قبل سفره: (إذا ولدت فائتوني بالصبي) (١)، يقول أنس بن مالك: (فقالت لي أمي: يا أنس "انطلق بالصبي إلى رسول الله ﷺ " لا يرضعنه أحد حتى تغدو به على رسول الله ﷺ ، فلما أصبحت احتملته وانطلقت به إلى رسول الله ﷺ ، فصادفته ومعه ميسم "وهو يسم إبلًا وغنمًا" فلما رآني قال: لعل أم سليم ولدت؟ قلت: نعم. فوضع الميسم (٢)، فجئته به فوضعته في حجر النبي ﷺ ، ودعا رسول الله ﷺ بعجوة من عجوة المدينة، فلاكها في فيه حتى ذابت، "فجعل يحنك الصبي، وجعل الصبي يتلمظ (٣)، فقال ﷺ : انظروا إلى حب الأنصار التمر فحنكه رسول الله ﷺ " فمسح وجهه وسمّاه عبد الله) (٤) (وكان يعدّ من خيار المسلمين) (٥) .. عاد الصغير إلى أمه .. واستجاب الله دعوة نبيّه ﷺ لأم سليم وزوجها عندما مات ابنها الأكبر ففعلت أم سليم ما فعلت تلك الليلة .. سعيدة هي أم سليم وسعادتها لا توصف .. سعيدة بزوجها وابنها .. ولا أحد في مثل فرحها إلَّا امرأة تلد مثلها وتفرح أكثر منها .. امرأة رزقت بنتًا يتيمة مات والدها قبل ولادتها .. ومع ذلك فهي أسعد من أم سليم .. إنها:

стр. 647

أم سلمة تلد بنتًا كانت ﵂ في فترة حداد وهي حامل .. ولما وضعت ابنتها سمّتها زينب .. لكن سعادتها لم تكن في ولادتها فقط .. بل بشيء يحملها من عالم إلى عالم آخر يضفي عليها جلالة ومهابة وكرامة وألقابًا .. عالم تكون فيه حبيبة رجل هو حلم كل امرأة .. فقد استجاب الله لها كما استجاب لأم سليم .. فعند وفاة زوجها أبي سلمة دعت بتلك الدعوات: (اللهمّ اغفر لنا وله، وأعقبني منه عقبى حسنة) (١). أخبرينا يا أم سلمة ما هي العقبى الحسنة التي وهبك الله وأكرمك بها. تقول ﵂: (لما وضعت زينب، جاءني رسول الله ﷺ ، فخطبني، فقلت: ما مثلي ينكح .. أما أنا فلا ولد فيَّ، وأنا غيور ذات عيال، فقال ﷺ : أنا أكبر منك، وأما الغيرة فيذهبها الله عنك، وأمّا العيال فإلى الله جلّ ثناؤه ورسوله. فتزوّجها ﷺ فجعل يأتيها، فيقول؛ أين زناب) (٢)، أين زينب؟ سؤال يفيض حياءً وأدبًا .. سؤال ينضح بالأحاسيس النبوية المرهفة .. تزوّج ﷺ من أم سلمة ومع ذلك فهو لا يصل إليها .. لا يطارحها الغرام .. لأنه صاحب أسلوب راقٍ ومهذب في التعامل مع الآخرين .. كان ﷺ يستحي أن يفرق بين تلك اليتيمة المسكينة وأمّها ولو لدقائق .. كان ﷺ يحول

стр. 648

لحظات الكبت المزعومة إلى أجواء فرح ودعابة يضفيها على تلك اليتيمة "زينب" .. وعلى أمّها التي كان يدهشها ويسرّها أن ترى حبًا يتسع لها ولأيتامها .. وهم أحوج الناس إلى مثل هذا الإنسان النبي المحب .. ومرّت أيام والرسول ﷺ لم يتذمّر ولم يتغيّر في تعامله مع ربيبته وزوجته .. لكن الخبر وصل إلى عمار بن ياسر ﵁ .. وهو أخٌ لأم سلمة من أمها "سمية" الشهيدة التي قتلها الطاغية الهالك أبو جهل .. علم عمار بحال النبي ﷺ ، فأطلق قدميه نحو بيت أخته أم سلمة .. فأخذ ابنة أخته ليسترضعها في بيته أو عند أحد النساء .. أخذها عمار و (اختلجها (١)، وقال: هذه تمنع رسول الله ﷺ ، وكانت ترضعها، فجاء رسول الله ﷺ فقال: أين زناب؟ فقالت قريبة ابن أبي أمية -ووافقها عندها (٢) - أخذها عمار بن ياسر. فقال رسول الله ﷺ : إني آتيكم الليلة. قالت: "فقمت" فوضعت ثفالي (٣)، وأخرجت حبات من شعير كانت في جرتي، وأخرجت شحمًا فعصدته له، ثم بات، ثم أصبح، وقال حين أصبح: إن بك على أهلك كرامة، فإن شئت سبّعت (٤) لك، وإن أسبع لك أسبع لنسائي) (٥) (وإن شئت ثلثت ثم درت. قالت: ثلِّث) (٦)، فأقام ﷺ

стр. 649

ثلاثة أيام عند أم سلمة .. ثلاثة أيام هى أسعد أيام أم سلمة ﵂. ثم قال ﷺ : (للبكر سبع، وللثيب ثلاث) (١) .. هي مدة إقامة المتزوج عند زوجته إذا كان عنده غيرها. أقام ﷺ عند أم سلمة ثلاثة أيام سعيدة .. ثم رتّب لها يومًا كبقية زوجاته. وفي تلك الأيام الثلاثة كان يفيض على أم سلمة وعلى يتيمتها الصغيرة حبًا ورحمة .. كان اسم زينب الصغيرة "برة" .. فغيره ﷺ إلى اسم آخر هو زينب وذلك حالما سمعه: تغيير اسم برة بنت أبي سلمة تقول تلك الطفلة اليتيمة ﵂ إن النبي ﷺ : (دخل على أم سلمة حين تزوجها واسمي برة، فسمعها تدعوني برة، فقال: لا تزكوا أنفسكم، فإن الله هو أعلم بالبرة منكن والفاجرة، سميّها زينب.

стр. 650

فقالت أم سلمة: فهي زينب، فقلت لها: اسمي؟ فمالت: غيّر إلى ما غيّر إليه رسول الله ﷺ ) (١). كان ﷺ يحب الأسماء الجميلة. علم ﷺ أن عمر بن الخطاب ﵁ سمّى ابنته "عاصية"، فماذا فعل .. يقول أخوها عبد الله: (إن رسول الله ﷺ غيّر اسم عاصية، وقال: أنت جميلة) (٢) .. فأصبح اسمها جميلة بنت عمر بن الخطاب .. هي جميلة حقًا وأبوها أجمل منها .. ولم يكن ﷺ يغيّر أسماء الأطفال فقط .. بل كان للرجال والنساء والعجائز نصيب من ذلك الجمال. فقد (ذكر عند رسول الله ﷺ رجل يقال له: شهاب، فقال رسول الله ﷺ : بل أنت هشام) (٣). و (كان ﷺ إذا أتاه الرجل وله اسم لا يحبه حوّله) (٤) إلى اسم أجمل

стр. 651

وألطف .. في هذه الأجواء المنعشة .. أجواء الجمال واللطف والأعراس والأسماء المحبوبة .. تشرق علينا قصة حدتث في بيت عائشة الحبيبة .. حيث كان النبي ﷺ عندها .. والنبي ﷺ إذا كان عند عائشة أو غيرها من زوجاته كان غاية في اللطف والرقّة والتواضع .. بينما كان ﷺ هناك .. جاءت عجوز لا تعرفها عائشة .. تقول ﵂: (جاءت عجوز إلى النبي ﷺ وهو عندي، فقال لها رسول الله ﷺ : من أنت؟ قالت: أنا جثامة المزنية. فقال: بل أنت حسانة المزنية. كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا؟ قالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله. "فقرب إليه لحم، فجعل يناولها، فقلت: يا رسول الله لا تغمر يدك". فلما خرجت قلت: يا رسول الله .. تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال؟ فقال: إنها كانت تأتينا زمن خديجة وإن حسن العهد من الإيمان) (١).

стр. 652

ما أجل هذا النبي الوفي .. تطلق وجهه لما رأى تلك العجوز .. التي كانت تزورهم أيام خديجة .. وأضاف إلى جمال وفائه جمالًا آخر عندما غيّر اسمها .. نزع عنها ذلك الاسم الثقيل الذي جمع في معناه أشياء كثيرة وكريهة .. فهو يعني الكابوس .. والبليد الذي لا ينهض للمكارم .. والكسلان الذي يتبرّم بالحركة .. غيّره .. استبدله بـ "حسانة" .. اسم كالابتسامة .. في بيت النبوة أفراح وأعراس .. يهفو لمثلها شاب حزين .. يرنو إلى غسل ما بداخله من هموم .. شاب مثقل بالمسؤوليات .. لكن الحيرة في اختيار زوجة تشغله .. فهو جديد على مثل هذه التجربة .. ولديه من الأيتام الكثير .. هل يتزوج فتاة صغيرة في مثل سنّ أخواته .. يقضى معها أيام مرح وسعادة .. أم يضحي بسعادته من أجل أخواته المسكينات ويتزوج امرأة سبق لها أن تزوجت .. سبق لها أن كانت ربّة بيت لتعتني بأخواته الصغيرات وبه أيضًا .. سنترك هذا الصحابي ليقرّر .. فنحن على عجلة من أمرنا .. فالرسول ﷺ قرّر أن يتوجّه إلى أرض نجد .. حيث تعدّ له قبيلة غطفان جيشًا لحربه .. تزوّج ذلك الشاب .. ولما دعا داعي الجهاد ودّع زوجته وأخواته ولحق برسول الله ﷺ نحو أرض نجد .. فهو لن يتخلّف عن أي غزوة

стр. 653

يغزوها رسول الله ﷺ بعد اليوم .. فوالده ﵀ ورضي عنه قد توفي وهو السبب الوحيد في منعه من حضور غزوتي: بدر وأُحُد .. إنه جابر بن عبد الله وهو الآن في مكان يقال له: ذات الرقاع مع رسول الله ﷺ حيث تقف أمامهم حشود بني محارب وغطفان .. ويبدو من المشهد أن حربًا لم تقع بين الطرفين .. لكن الوضع متوتّر للغاية .. والأعصاب مشدودة .. خاصة أعصاب المشركين .. أمّا المؤمنون .. فبعضهم كان في حالة حراسة والبعضى في حالة استرخاء أو نعاس .. أما نبيّ الله ﷺ فقد علق سيفه بشجرة ثم نام .. يقول جابر ﵁: (أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنّا بذات الرقاع، وكنّا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله ﷺ ) (١) (فلما قفل رسول الله ﷺ قفل معه فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاه، فنزل رسول الله ﷺ ، وتفرّق الناس في العضاة يستظلّون بالشجر، ونزل رسول الله ﷺ تحت سمرة فعلق بها سيفه. "ثم نام". قال جابر: فنمنا نومة، فإذا رسول الله ﷺ يدعونا فجئنا، فإذا عنده أعرابي جالس) (٢) من بني محارب .. ماذا يفعل هذا الأعرابي، هل جاء ليعلن إسلامه .. أم جاء ليفاوض؟ ما قصة هذا الأعرابي .. ولماذا يمسك بسيف رسول الله ﷺ ؟

стр. 654

أعرابي يحاول قتل النبي ﷺ بسيفه يقول جابر ﵁: (قاتل رسول الله ﷺ محارب خصفة بنخل، "فأدركتهم القائلة في وادٍ كثير العضاه، فتفرق الناس في العضاه يستظلون بالشجر، فنزل النبي ﷺ تحت شجرة، فعلق بها سيفه ثم نام"، فرأوا من المسلمين غرة، فجاء رجل منهم يقال له: غورث بن الحارث، "فاستيقظ ﷺ وعنده رجل لا يشعر به" حتى قام على رأس رسول الله ﷺ بالسيف، فقال: من يمنعك مني؟ قال ﷺ : الله . فسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله ﷺ فقال: من يمنعك مني؟ قال: كن خير آخذ. قال ﷺ : أتشهد أن لا إله إلَّا الله، قال: لا. ولكنى أعاهدك أن لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك. فخلّى سبيله، فذهب إلى أصحابه، فقال: جئتكم من عند خير الناس) (١). إذًا فقد (خرج النبي ﷺ إلى ذات الرقاع من نخل، فلقي جمعًا من غطفان، فلم يكن قتال، وأخاف الناس بعضهم بعضًا، فصلّى النبي ﷺ ركعتي الخوف) (٢).

стр. 655

صلاة الخوف يقول جابر ﵁: (فنودي بالصلاة، فصلّى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا وصلّى بالطائفة الأخرى ركعتين، فكانت لرسول الله ﷺ أربع ركعات، وللقوم ركعتن) (١). أَمَّهم ﷺ جميعًا ولم يقصر .. لكنه صلّى بهم مرة أخرى في هذه الغزوة وقصر معهم .. صفة ثانية لصلاة الخوف يقول صحابي (صلّى مع رسول الله ﷺ في يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: إن طائفة صفت صلت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلّى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائمًا وأتمّوا لأنفسهم، ثم انصرفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلّى بهم الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالسًا وأتمّوا لأنفسهم، ثم سلّم بهم) (٢). فصلّى النبي ﷺ ركعتين .. وصلّت كل طائفة ركعتين أيضًا .. كانت غزوة ذات الرقاع حافلةً بالمشاعر لا بالدماء .. حافلةً بالمعجزات والكرامات .. لم يكن فيها قتال .. لكن ذلك المكان المسمى

стр. 656

بـ: "ذات الرقاع" كان ساحة للخوف والتوتّر .. أخاف الناس بعضهم بعضًا .. ثم تفرّقوا دون دماء (١) .. أخاف النبي أعداءه وكسب ثناء بعضهم .. وحقّق ﷺ بجيشه نصرًا معنويًا له رصيده في النفوس .. ثم عادوا إلى المدينة والشوق يحملهم .. وكان أشدّهم شوقًا ذلك الشاب "جابر" الذي رقص قلبه طربًا عندما اقترب الجيش من المدينة .. لكن شيئًا كان يعيقه عنها .. يعيقه حتى عن أصحابه .. حتى كان آخر من يسير في الجيش .. لقد كانت في طريق العودة قصة لـ: جابر وجمله الهزيل فبينما كان جابر بأحرّ الشوق إلى عروسه .. كان ذلك الجمل لا يبالي بتلك المشاعر .. يبدو أنه كان يستمتع بالراحة ومشاهدة ما حوله من مناظر .. فهو يسير بطريقة مملّة ومزعجة .. شاهد ﷺ ما يحدث

стр. 657

فتحرك قلبه نحو جابر .. فكانت هذه القصة المنسوجة بالمشاعر والأشواق والمعجزات: يقول جابر ﵁: (خرجت مع رسول الله ﷺ إلى غزوة ذات الرقاع من نخل على جمل لي ضعيف، فلما قفل رسول الله ﷺ جعلت الرفاق تمض، وجعلت أتخلّف "على بعير قطوف" (١) "جل ثفال إنما هو في آخر القوم" (٢) "قد أعيى فلا يكاد يسير" (٣) حتى أدركني النبى ﷺ ، ((فمرّ بي النبي ﷺ فقال: من هذا؟ قلت: جابر" (٤) فقال: مالك يا جابر؟ قلت: يا رسول الله أبطأ بي جملي هذا. قال ﷺ : أنخه، فأنخته، وأناخ رسول الله ﷺ "قال ﷺ : أمعك قضيب؟ قلت: نعم، قال: أعطنيه" (٥) أعطني هذه العصا التي في يدك، فأعطيته إياها أو قطعت له عصية من شجرة، فأعطيته إياها، فنخسه بها نخسات، "فدعا له" (٦)، ثم قال: اركب يا جابر، فركبت "فسار سيرًا ليس يسير مثله" (٧)، فخرج والذي بعثه بالحق يواهق ناقته مواهقة، "فكان من ذلك المكان من أوّل القوم" (٨)، فتحدث مع رسول الله ﷺ فقال: "كيف ترى بعيرك" (٩)، أتبيعني جملك هذا يا جابر؟ قلت: بل أهبه لك.

стр. 658

قال: لا ولكن بعنيه. قلت: فسُمْنيه. قال ﷺ : قد أخذته بدرهم. قلت: لا .. إذًا تغبنني يا رسول الله، قال: فبدرهمين، قلت: لا، فلم يزل يرفع لي رسول الله ﷺ حتى بلغ الأوقية. قال ﷺ : "بعنيه بأوقية. قلت: لا، ثم قال: بعنيه بأوقية. فبعته، فاستثنيت حملانه إلى أهلي" (١)، فقال ﷺ : "ولك ظهره إلى المدينة" (٢)، فقلت: أفقد رضيت؟. قال ﷺ : نعم. قلت: فهو لك. قال ﷺ : قد أخذته. "فانطلق بعيري كأجود ما أنت راءٍ من الإبل" (٣)، "فلحقني راكب من خلفي فالتفت فإذا أنا برسول الله ﷺ ، قال: ما يعجلك؟ قلت: إني حديث عهد بعرس" (٤) "فقال لي رسول الله ﷺ : تزوجت يا جابر؟ فقلت: نعم. فقال: بكرًا أم ثيبًا؟ قلت: بل ثيبًا. قال: فهلّا جارية تلاعبها وتلاعبك، وتضاحكها وتضاحكك" (٥)، "ما لك وللعذارى ولعابها" (٦)، "قلت: يا رسول الله، إن أبي قتل يوم أُحد وترك تسع بنات، كنّ لي تسع أخوات، فكرهت أن أجمع إليهن جارية خرقاء مثلهن" (٧)، "فتزوجت امرأة تقوم عليهن وتصلحهن" (٨) "تعلّمهن وتؤدّبهن" (٩)، "امرأة تمشطهن وتقوم عليهن، قال ﷺ : أصبت" (١٠) إن

стр. 659

شاء الله "بارك الله عليك" (١)، "بارك الله لك" (٢)، قال ﷺ : أما إنا لو جئنا صرارًا (٣) أمرنا بجزور، فنحرت، فأقمنا عليها يومنا ذلك، وسمعت بنا فنفضت نمارقها. فقلت: والله يا رسول الله ما لنا نمارق. قال ﷺ : إنها ستكون، فإذا أنت قدمت فأعمل عملًا كيسًّا "الكيس الكيس" (٤)، فلما جئنا صرارًا أمر رسول الله ﷺ -بجزورٍ "أو بقرة فذبحت فأكلوا منها" (٥) وأقمنا عليها ذلك اليوم، "فلما ذهبنا لندخل قال ﷺ : أمهلوا حتى تدخلوا ليلًا -أي عشاءً- لكي تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة" (٦)، فلما أمسى رسول الله ﷺ دخل ودخلنا، فحدثت المرأة الحديث .. وما قال لي رسول الله ﷺ ، قالت: فدونك .. فسمع وطاعة) (٧)، تأثرت تلك المرأة الصالحة بذوق رسول الله ﷺ الرفيع .. وأسلوبه الرائع في منح الأنوثة توهجها وعطرها الذي لا يقاوم .. حتى ينهار ذلك الحبيب القادم أمام هذا السحر الحلال .. ويستسلم ذلك المحارب مهزومًا بالحب الطاهر .. وهو الذي لا يستسلم إذا هاجت الحرب والحراب .. ولم يكن ﷺ وحده في رقي الذوق والأسلوب .. زوجاته ﵅ كن كذلك .. كن نسيجًا من الرقّة والإحساس .. ذات يوم (دخلت امرأة عثمان بن مظعون على نساء النبي ﷺ ، فرأينها سيّئة الهيئة، فقلن لها: ما لك؟ فما في قريش أغنى من بعلك. قالت: ما

стр. 660

لنا منه شيء، أما ليله فقائم، وأما نهاره فصائم، فدخل النبي ﷺ ، فذكرن ذلك له، فلقيه، فقال: يا عثمان بن مظعون .. أما لك بي أسوة؟ فقال: يا بأبي وأمي، وما ذاك؟ قال: تصوم النهار وتقوم الليل؟ قال: إني لأفعل. قال ﷺ : لا تفعل، إن لعينيك عليك حقًا، وإن لجسدك حقًا، وإن لأهلك حقًا، فصلّ ونم، وصم وأفطر "يا عثمان .. إن الرهبانية لم تكتب علينا، أما لك فيّ أسوة؟ أما والله إن أخشاكم لله، وأحفظكم لحدوده لأنا". فأتتهن بعد ذلك عطرة كأنها عروس. فقلن: مه؟ قالت: أصابنا ما أصاب الناس) (١) من ودٍّ ووصال .. في أجواء يمطر الإِسلام فيها حبًا وقلوبًا .. فما بين المرأة والرجل أكثر من الجسد .. إنها أشياء حميمة تجعل للدنيا مذاقًا أجمل .. المرأة بالنسبة للرجل -إذا تحضّر بالإسلام- عبق لا ينقطع .. ربيع في كل الفصول .. مطر صيفي .. هل هناك أرقّ من قوله ﷺ لحادي العيس ذي الصوت الجميل: (رويدك بالقوارير) (٢) .. هل هناك أبهى من قوله: (حبّب إلي من دنياكم النساء والطّيب) (٣). إن عثمان بن مظعون ﵁ أراد أن ينقطع للعبادة صيامًا

стр. 661

وقيامًا .. حتى لقد باح للنبي ﷺ بنيّته أن يجري عملية تنقطع بها صلته بالمرأة تمامًا .. لكن النبي ﷺ نهاه .. وقال له: (إن الرهبانية لم تكتب علينا) (١). إذًا فلا رهبانية في الإِسلام .. فالرهبانية هناك عند النصارى .. وخلف حصون بني المصطلق وقريظة وغيرهم من يهود .. تعالوا -قبل أن ننتهي من قصة جابر وجمله- نزور حصون اليهود لنرى مدى علاقتهم بالمرأة في تلك الأيام .. تعالوا نزور: زريبة للنساء هذا هو أقل وصف أصف به أماكن تواجد المرأة اليهودية .. أمّا المرأة نفسها عند أولئك القوم فهي أقل رتبة من الحيوان .. أقل رتبة من الخنازير القذرة .. يقول أنس بن مالك ﵁: (إن اليهود كانت إذا حاضت منهم امرأة أخرجوها من البيت، ولم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، ولم يجامعوها في البيت، فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك فأنزل الله سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، فقال رسول الله ﷺ : جامعوهن في البيوت، واصنعوا كل شيء غير النكاح، فقالت اليهود: ما يريد هذا الرجل أن يدع شيئًا من أمرنا إلَّا خالفنا فيه) (٢)، ها هو ﷺ مع زوجته أم سلمة ﵂ نائمان فأصابها الدم .. فهل طردها ﷺ من بيته أو من فراشه .. لن أجيب .. أم سلمة ستجيب .. تقول ﵂:

стр. 662

(بينا أنا مع النبى ﷺ مضطجعة في خميصة إذ حضت، فانسللت، فأخذت ثياب حيضتي، فقال ﷺ : أنفست؟ قلت: نعم. فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة) (١). أما عائشة فتروي لنا أشياء تغيض اليهود حتى الموت .. فتقول ﵂: (كان النبى ﷺ يقرأ القرآن ورأسه في حجري، وأنا حائض) (٢)، وتقول عائشة: (إنها كانت ترجل رسول الله ﷺ وهي حائض ورسول الله ﷺ حينئذٍ مجاور في المسجد، يدني لها رأسه وهي في حجرتها فترجله وهي حائض) (٣) أي تسرّح شعره .. وناداها ذات يوم لتعطيه السجادة ليصلّي عليها وهو في المسجد وهي حائض .. تقول ﵂: (قال لي رسول الله ﷺ : ناوليني الخمرة من المسجد. فقلت: إني حائض. فقال رسول الله ﷺ : ليست حيضتك في يدك) (٤). إذًا فالطمث أذى يتخلّص منه جسم المرأة كما يتخلص جسمها وجسم الرجل من البول وغيره .. قد يقول قائل إن اليهود كانوا يعتقدون ذلك ومعهم النصارى .. لكنهم اليوم يدعون إلى تحرير المرأة .. وإلى إعطائها حقوقها كاملة .. فأقول: لننسَ لدقائق كلام أنس بن مالك السابق .. ولننسَ ما كان يفعله اليهود والنصارى في السابق .. ولنقل إنهم يمثلون أنفسهم فقط ولا يمثلون الدين اليهودي

стр. 663

والنصراني .. لننس ذلك ولنتوجه إلى يهود اليوم ونصارى اليوم الذين أزعجونا وأزعجوا نساءنا حول تحرير المرأة .. والمناداة بحقوقها .. ماذا يقول دينهم الآن .. ماذا يقول كتابهم المقدّس اليوم وبعد ألفي عام من المراجعة والتمحيص والدراسة .. ربما نجد سرّ هذا الضجيج .. أمامي الآن كتابهم المقدس وهو يتحدّث عن المرأة .. فيقول: (وإذا كان بامرأة سيلان دم من جسدها كعادة النساء: فسبعة أيام تكون في طمثها وكل من لمسها يكون نجسًا إلى المغيب وجميع ما ترقد عليه أو تجلس عليه يكون نجسًا وكل من لمس فراشها يغسل ثيابه ويستحم بالماء ويكون نجسًا إلى المغيب. ومن لمس شيئًا مما تجلس عليه يغسل ثيابه ويستحم بالماء، ويكون نجسًا إلى المغيب. إن كان فراشها أو ما هي جالسة عليه شيء: فمن لمسه يكون نجسًا إلى المغيب. إن ضاجعها رجل فأصابه شيء من دم الحيض - فكم تتوقعون مدة نجاسته؟ إلى المغيب؟ لا. الكتاب المقدس يقول: يكون نجسًا سبعة أيام. وكل فراش يستلقي عليه يكون نجسًا) (١)، إن معنى هذا الهراء أن الرجل يحيض أيضًا ..

стр. 664

أين هذا الهراء من قول عائشة ﵂: (كنت أنا ورسول الله ﷺ نبيت في الشعار الواحد (١)، وأنا طامث حائض، فإن أصابه مني شيء غسل مكانه، لم يعدُهُ (٢)، وصلّى فيه، ثم يعود، فإن أصابه منه فعل مثل ذلك غسل مكانه لم يعدُهُ، وصلّى فيه) (٣). بل إن رسول الله ﷺ يصرّ على أن تأكل عائشة وتشرب قبله وهي حائض بل يقسم عليها .. ثم يقوم بحركة تتوهج منها الرقة والحب .. حركة تدخل السرور إلى قلبها ونفسها .. لقد جاء رجل فسأل عائشة ﵂: (هل تأكل المرأة مع زوجها وهي طامث؟ قالت: نعم، كان رسول الله ﷺ يدعوني فآكل معه وأنا عارك، كان يأخذ العَرْقَ (٤)، فيقسم علىّ فيه، فأعترق منه (٥)، ثم أضعه، فيأخذه، فيتعرق منه، ويضع فمه حيث وضعت فمي من العرق، ويدعو بالشراب، فيقسم عليّ فيه من قبل أن يشرب منه، فآخذه فأشرب منه، ثم أضعه، فيأخذه فيشرب منه، ويضع فمه حيث وضعت فمي من القدح) (٦)، أين هذا من دين اليهود والنصارى الذي يعاملون المرأة كمخلوق من الدرجة العاشرة .. مخلوق نجس .. أنجس من النجاسة نفسها .. كل شيء تلمسه يتنجس .. كل شيء يلمسها يتنجس .. كل من لمس شيئًا لمسته ينجس .. أي أن المرأة لا يمكن أن تبقى في المنزل وإلاّ أصبح المنزل نجسًا ملوّثًا تجوبه الآثام والشياطين .. لا بدّ من وضع النساء اليهوديات والنصرانيات في زرائب خاصة نجسة .. حتى ينقطع دم الحيض عنهن ..

стр. 665

لا .. حتى لو انقطع الطمث فانقطاعه لا يكفي للخروج من الزريبة .. لأن كتابهم المقدس يقول: (وإذا طهرت من سيلانها فلتنتظر سبعة أيام ثم تطهر) (١)، هل يكفي هذا أيّها الكتاب المقدس؟ لا .. فالحيض ليس نجاسة فقط، بل هو ذنب ترتكبه المرأة ولا بدّ من تكفيره .. كيف؟ يقول كتابهم المقدس: (وفي اليوم الثامن تأخذ لها يمامتين أو فرخي حمام، وتجيء بهما إلى الكاهن "العالم المسؤول عن دار العبادة" فيذبح واحدة ويحرق الأخرى ويكفّر عنها الكاهن بعد ذلك أمام الرب سيلان نجاستها) (٢)، ترى كم بقي للمرأة من أيام حياتها تعامل فيها كإنسان .. يبدو من كلامهم السابق أن المرأة قذفت من كوكب مليء بالشياطن والنفايات .. دعونا من اليهود والنصارى الآن .. سنعود لهم فيما بعد .. فالأيام حبلى بالمثير والجديد .. سنعود إلى جابر ﵁: الذي يخرج الآن من بيته قاصدًا النبي ﷺ ليسلمه جمله الذي باعه عليه .. لكنه يمرّ على خاله ليسلّم عليه ويخبره ببيعه الجمل، يقول جابر: (فقدمت فأخبرت خالي ببيع الجمل .. فلامني، فأخبرته بإعياء الجمل .. وبالذي كان من النبي ﷺ -ووكزه إياه) (٣)، ثم توجه جابر نحو بيت رسول الله ﷺ وهو ملاصق للمسجد .. وصل جابر في وقت (دخل النبي ﷺ المسجد في طوائف أصحابه، فدخلت عليه، وعلقت الجمل في ناحية البلاط، فقلت له: هذا جملك) (٤) (فقال ﷺ : صلّ ركعتين) (٥) وبعد أن صلّى جابر ركعتين

стр. 666

(خرج ﷺ فجعل يطيف بالجمل، ويقول: الجمل جملنا، فبعث النبي ﷺ أوقية من الذهب، فقال: أعطوها جابرًا) (١) (فوزن لي بلالًا فأرجح في الميزان) (٢) (قال ﷺ : يا بلال .. اقضه وزده، فأعطاه أربعة دنانير وزاده قيراطًا. قال جابر: لا تفارقني زيادة رسول الله ﷺ . فلم يكن القيراط يفارق قراب جابر بن عبد الله) (٣)، ثم قال ﷺ : (استوفيت الثمن؟ قلت: نعم) (٤) (فانطلقت حتى وليت فقال: ادعوا لي جابرًا. قلت: الآن يردّ علىّ الجمل ولم يكن شيء أبغض إليّ منه. قال: خذ جملك ولك ثمنه) (٥) (الثمن والجمل لك) (٦)، فانطلق جابر بالمال والجمل وحبّ النبي ﷺ وبشّر أخواته وزوجته هذا اللطف والعطف الأبويّ عندما قال له النبي ﷺ : (يا ابن أخي خذ برأس جملك فهو لك) (٧) .. وكما كان هذا الشاب في أوج فرحه اليوم .. فقد جاء إلى النبى ﷺ شاب يوشك أن يخسر زوجته .. اسمه زيد بن محمَّد زيد بن محمد ليس زيد بن محمد هو زيد بن حارثة ﵁ .. اشتراه النبي ﷺ في مكة وأحبه فأعتقه .. وكان قد أخذ من قومه .. فلما علموا. بمكانه جاء أخوه "جبلة" إلى النبى ﷺ مطالبًا بتسليم أخيه إليه ليردّه إلى أمّه وأبيه وقومه .. يقول

стр. 667

جبلة: (قدمت على رسول الله ﷺ ، فقلت له: يا رسول الله، ابعث معي أخي زيدًا. قال ﷺ : هو ذا .. فإن انطلق معك لم أمنعه. قال زيد: يا رسول الله، والله لا أختار عليك) (١). قال جبلة بعد أن سمع كلمات أخيه الشاب: (فرأيت رأي أخي أفضل من رأيي) (٢). فبادل ﷺ حب زيد بحب يسير معه أينما سار .. ويُعرَّف به إذا ما رؤي .. لقد وهبه ﷺ اسمه وتبنّاه .. وسماه زيد بن محمَّد بن عبد الله. يقول عبد الله بن عمر بن الخطاب: (ما كنّا ندعو زيد بن الحارثة، إلَّا: زيد بن محمَّد) (٣)، ثم زوّجه ﷺ امرأة حبشية صالحة تدعى: "أم أيمن" فولدت له حبيبًا آخر لرسول الله ﷺ .. ولدت له: أسامة بن زيد بن محمَّد .. ذلك الطفل الأسمر العذب الذي دخل على النبي ﷺ ذات يوم وهو في بيت عائشة فـ (أراد النبى ﷺ أن ينحي مخاط أسامة. قالت عائشة: دعني حتى أكون أنا الذي أفعل. قال ﷺ :

стр. 668

يا عائشة أحبيه فإني أحبه) (١) ولا يكتفي ﷺ بمطالبة عائشة ﵂ بأن تحبه .. بل إنه ﷺ يدعو ربّه أن يحبه. يحدّثنا أسامة عن أحضانه ﷺ .. عن قبلاته ودعواته له وهو طفل .. فيقول: (كان رسول الله ﷺ يأخذني فيقعدني على فخذه، ويقعد الحسن ابن علي على فخذه الآخر، ثم يضمّهما، ثم يقول: اللهمّ ارحمهما فإني أرحمهما) (٢) (اللهمّ أحبّهما فإني أحبهما) (٣) .. كان ذلك الطفل الأسمر عنبرًا في ثياب النبي ﷺ .. إليك ما فعله ﷺ بأسامة بعد أن رأى الدم ينبع من جبهته السمراء الطاهرة .. ماذا فعل لعينيه البريئتين وهما تفيضان بالدمع .. بل ماذا كان يفعل ﷺ بأسامة لو كان فتاةً عائشة تجيب عن ذلك كلّه بقصة تأخذ بنياط القلب .. ذات يوم اشتاق أسامة إلى جدّه محمَّد ﷺ .. فتهادى إليه في بيت عائشة ﵂ .. وعندما همت قدمه الصغيرة بالدخول (عثر أسامة بعتبة الباب، فشجّ وجهه. فقال رسول الله ﷺ : أميطي عنه الأذى، فتقذرته. فجعل ﷺ يمصّ عنه الدم، ويمجه عن وجهه ثم قال: لو كان أسامة جارية لحليته وكسوته حتى أنفقه) (٤). تعلمت عائشة الصغيرة الكثير من هذا المشهد .. وتشربت حب هذا الطفل البريء ..

стр. 669

أمّا والده زيد بن محمَّد .. فقد حلاه والده ﷺ بشي أنفس .. لقد زوّجه النبى ﷺ من ابنة عمّته أميمة بنت عبد المطلب واسمها: زينب بنت جحش .. فكان الزواج دليلًا على حبّ ﷺ لزيد .. وعلى تحطيمه ﷺ لقيود الجاهلية التي كانت تعيق وتشوّه تناغم المجتمع الإِسلامي ومساواته وتآخيه .. فزيد في نظر المشركين لا يزال عبدًا .. لكنه عند المسلمين ابن محمَّد ﷺ .. وهو في نظر الوثنيين لا يستحق الزواج بزينب .. لا يستحق الزواج إلَّا بأمةٍ .. لكنه عند المؤمنين: حب رسول الله ﷺ .. وهو في عين النبى ﷺ أمير من أمراء الإِسلام -وإن طعن من طعن في إمارته- قال ﷺ ذات يوم وهو يتحدث عن أسامة بن زيد: (كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقًا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليّ بعده) (١). هذا هو زيد في عالم الإِسلام وميزانه .. أمّا أولئك الذين يرفضون ميزان الإِسلام ويصرّون على التطاول بأنسابهم فقد بشّرهم ﷺ باحتقار شنيع لا يطيقونه .. قال ﷺ : (لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا -إنما هم فحم جهنم- أو ليكونّن أهون على الله من الجعل الذي يدهده الخراء بأنفه، إن الله أذهب عنكم عيبة الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو: مؤمن تقي، أو فاجر شقي، الناس كلّهم بنو آدم، وآدم خلق من التراب) (٢) ولئن كان التراب أصلًا للجميع .. ولئن جعل الإِسلام زيدًا ابنًا لمحمد ﷺ .. فقد توهج الإِسلام حتى امحت فيه الفوارق .. كل الفوارق .. فكانت هذه القصة .. التي امحى فيها كل شيء بين النبى ﷺ وأحد الشباب الفقراء الذين لا يملكون مالًا ولا نسبًا .. ذاب كل شيء بين النبي ﷺ وهذا

стр. 670

الشاب حتى تحدث ﷺ عنه .. فظن الناس أنه يتحدث عن نفسه .. شاب ليس له سرير سوى سواعد محمَّد ﷺ وقلبه شاب اسمه جليبيب يتحدث عنه أنس بن مالك فيقول: (كان رجل من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له: جليبيب، في وجهه دمامة، فعرض عليه رسول الله ﷺ التزويج، فقال: إذا تجدني كاسدًا، فقال: غير أنك عند الله لست بكاسد) (١). كان جليبيب ظريفًا يهوى المزاح والدعابة .. لكنه لا يملك المال ولا الجاه ولا النسب .. لكن ذلك كله لا يهم ما دام النبي ﷺ يعتبره جزءًا منه .. ويتحدّث نيابة عنه .. ما دام يملك مساحة في قلب النبي ﷺ .. تحدّث عنها الصحابي الجليل أبو برزة الأسلمي .. فقال: (إن جليبيبًا كان امرأً يدخل على النساء يمرّ بهن ويلاعبهن، فقلت لامرأتي: لا يدخلن عليكم جليبيب، فإنه إن دخل عليكم لأفعلن .. ولأفعلن. وكانت الأنصار إذا كان لأحدهم أيم (٢) لم يزوجها حتى يعلم هل للنبي ﷺ فيها حاجة أم لا. فقال رسول الله ﷺ لرجل من الأنصار: زوجني ابنتك. فقال:
следующие страницы →