(خرج ﷺ فجعل يطيف بالجمل، ويقول: الجمل جملنا، فبعث النبي ﷺ أوقية من الذهب، فقال: أعطوها جابرًا) (١) (فوزن لي بلالًا فأرجح في الميزان) (٢) (قال ﷺ : يا بلال .. اقضه وزده، فأعطاه أربعة دنانير وزاده قيراطًا. قال جابر: لا تفارقني زيادة رسول الله ﷺ . فلم يكن القيراط يفارق قراب جابر بن عبد الله) (٣)، ثم قال ﷺ : (استوفيت الثمن؟ قلت: نعم) (٤) (فانطلقت حتى وليت فقال: ادعوا لي جابرًا. قلت: الآن يردّ علىّ الجمل ولم يكن شيء أبغض إليّ منه. قال: خذ جملك ولك ثمنه) (٥) (الثمن والجمل لك) (٦)، فانطلق جابر بالمال والجمل وحبّ النبي ﷺ وبشّر أخواته وزوجته هذا اللطف والعطف الأبويّ عندما قال له النبي ﷺ : (يا ابن أخي خذ برأس جملك فهو لك) (٧) .. وكما كان هذا الشاب في أوج فرحه اليوم .. فقد جاء إلى النبى ﷺ شاب يوشك أن يخسر زوجته .. اسمه زيد بن محمَّد
زيد بن محمد ليس زيد بن محمد
هو زيد بن حارثة ﵁ .. اشتراه النبي ﷺ في مكة وأحبه فأعتقه .. وكان قد أخذ من قومه .. فلما علموا. بمكانه جاء أخوه "جبلة" إلى النبى ﷺ مطالبًا بتسليم أخيه إليه ليردّه إلى أمّه وأبيه وقومه .. يقول
стр. 667
جبلة: (قدمت على رسول الله ﷺ ، فقلت له: يا رسول الله، ابعث معي أخي زيدًا. قال ﷺ :
هو ذا .. فإن انطلق معك لم أمنعه. قال زيد:
يا رسول الله، والله لا أختار عليك) (١).
قال جبلة بعد أن سمع كلمات أخيه الشاب: (فرأيت رأي أخي أفضل من رأيي) (٢).
فبادل ﷺ حب زيد بحب يسير معه أينما سار .. ويُعرَّف به إذا ما رؤي .. لقد وهبه ﷺ اسمه وتبنّاه .. وسماه زيد بن محمَّد بن عبد الله.
يقول عبد الله بن عمر بن الخطاب:
(ما كنّا ندعو زيد بن الحارثة، إلَّا: زيد بن محمَّد) (٣)، ثم زوّجه ﷺ امرأة حبشية صالحة تدعى: "أم أيمن" فولدت له حبيبًا آخر لرسول الله ﷺ .. ولدت له: أسامة بن زيد بن محمَّد .. ذلك الطفل الأسمر العذب الذي دخل على النبي ﷺ ذات يوم وهو في بيت عائشة فـ (أراد النبى ﷺ أن ينحي مخاط أسامة. قالت عائشة:
دعني حتى أكون أنا الذي أفعل. قال ﷺ :
стр. 668
يا عائشة أحبيه فإني أحبه) (١) ولا يكتفي ﷺ بمطالبة عائشة ﵂ بأن تحبه .. بل إنه ﷺ يدعو ربّه أن يحبه.
يحدّثنا أسامة عن أحضانه ﷺ .. عن قبلاته ودعواته له وهو طفل .. فيقول: (كان رسول الله ﷺ يأخذني فيقعدني على فخذه، ويقعد الحسن ابن علي على فخذه الآخر، ثم يضمّهما، ثم يقول:
اللهمّ ارحمهما فإني أرحمهما) (٢) (اللهمّ أحبّهما فإني أحبهما) (٣) .. كان ذلك الطفل الأسمر عنبرًا في ثياب النبي ﷺ .. إليك ما فعله ﷺ بأسامة بعد أن رأى الدم ينبع من جبهته السمراء الطاهرة ..
ماذا فعل لعينيه البريئتين وهما تفيضان بالدمع .. بل
ماذا كان يفعل ﷺ بأسامة لو كان فتاةً
عائشة تجيب عن ذلك كلّه بقصة تأخذ بنياط القلب .. ذات يوم اشتاق أسامة إلى جدّه محمَّد ﷺ .. فتهادى إليه في بيت عائشة ﵂ .. وعندما همت قدمه الصغيرة بالدخول (عثر أسامة بعتبة الباب، فشجّ وجهه. فقال رسول الله ﷺ :
أميطي عنه الأذى، فتقذرته. فجعل ﷺ يمصّ عنه الدم، ويمجه عن وجهه ثم قال:
لو كان أسامة جارية لحليته وكسوته حتى أنفقه) (٤). تعلمت عائشة الصغيرة الكثير من هذا المشهد .. وتشربت حب هذا الطفل البريء ..
стр. 669
أمّا والده زيد بن محمَّد .. فقد حلاه والده ﷺ بشي أنفس .. لقد زوّجه النبى ﷺ من ابنة عمّته أميمة بنت عبد المطلب واسمها: زينب بنت جحش .. فكان الزواج دليلًا على حبّ ﷺ لزيد .. وعلى تحطيمه ﷺ لقيود الجاهلية التي كانت تعيق وتشوّه تناغم المجتمع الإِسلامي ومساواته وتآخيه .. فزيد في نظر المشركين لا يزال عبدًا .. لكنه عند المسلمين ابن محمَّد ﷺ .. وهو في نظر الوثنيين لا يستحق الزواج بزينب .. لا يستحق الزواج إلَّا بأمةٍ .. لكنه عند المؤمنين: حب رسول الله ﷺ .. وهو في عين النبى ﷺ أمير من أمراء الإِسلام -وإن طعن من طعن في إمارته- قال ﷺ ذات يوم وهو يتحدث عن أسامة بن زيد: (كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقًا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليّ بعده) (١).
هذا هو زيد في عالم الإِسلام وميزانه .. أمّا أولئك الذين يرفضون ميزان الإِسلام ويصرّون على التطاول بأنسابهم فقد بشّرهم ﷺ باحتقار شنيع لا يطيقونه .. قال ﷺ : (لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا -إنما هم فحم جهنم- أو ليكونّن أهون على الله من الجعل الذي يدهده الخراء بأنفه، إن الله أذهب عنكم عيبة الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو: مؤمن تقي، أو فاجر شقي، الناس كلّهم بنو آدم، وآدم خلق من التراب) (٢) ولئن كان التراب أصلًا للجميع .. ولئن جعل الإِسلام زيدًا ابنًا لمحمد ﷺ .. فقد توهج الإِسلام حتى امحت فيه الفوارق .. كل الفوارق .. فكانت هذه القصة .. التي امحى فيها كل شيء بين النبى ﷺ وأحد الشباب الفقراء الذين لا يملكون مالًا ولا نسبًا .. ذاب كل شيء بين النبي ﷺ وهذا
стр. 670
الشاب حتى تحدث ﷺ عنه .. فظن الناس أنه يتحدث عن نفسه .. شاب ليس له سرير سوى سواعد محمَّد ﷺ وقلبه
شاب اسمه جليبيب
يتحدث عنه أنس بن مالك فيقول: (كان رجل من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له: جليبيب، في وجهه دمامة، فعرض عليه رسول الله ﷺ التزويج، فقال: إذا تجدني كاسدًا، فقال: غير أنك عند الله لست بكاسد) (١).
كان جليبيب ظريفًا يهوى المزاح والدعابة .. لكنه لا يملك المال ولا الجاه ولا النسب .. لكن ذلك كله لا يهم ما دام النبي ﷺ يعتبره جزءًا منه .. ويتحدّث نيابة عنه .. ما دام يملك مساحة في قلب النبي ﷺ .. تحدّث عنها الصحابي الجليل أبو برزة الأسلمي .. فقال:
(إن جليبيبًا كان امرأً يدخل على النساء يمرّ بهن ويلاعبهن، فقلت لامرأتي:
لا يدخلن عليكم جليبيب، فإنه إن دخل عليكم لأفعلن .. ولأفعلن. وكانت الأنصار إذا كان لأحدهم أيم (٢) لم يزوجها حتى يعلم هل للنبي ﷺ فيها حاجة أم لا.
فقال رسول الله ﷺ لرجل من الأنصار: زوجني ابنتك. فقال:
стр. 671
نعم وكرامة يا رسول الله، ونعم عيني. فقال ﷺ :
إني لست أريدها لنفسي، قال: فلمن يا رسول الله؟
قال ﷺ : لجليبيب.
فقال: يا رسول الله أشاور أمّها. فأتى أمّها، فقال رسول الله ﷺ يخطب ابنتك. فقالت: نعم ونعم عيني. فقال: إنه ليس يخطبها لنفسه، إنما يخطبها لجليبيب.
فقالت: أجليبيب ابنه؟ أجليبيب ابنه؟ أجليبيب ابنه؟ لا لعمر الله لا تزوّجه "ما وجد رسول الله ﷺ إلَّا جليبيبًا وقد منعناها من فلان وفلان - والفتاة في سترها تسمع"، فلما أراد أن يقوم ليأتي رسول الله ﷺ ليخبره بما قالت أمّها، قالت الجارية: من خطبني إليكم؟
فأخبرتها أمّها، فقالت: أتردّون على رسول الله ﷺ أمره؟ "إن كان رضيه لكم فأنكحوه"، ادفعوني إليه فإنه لن يضيّعني "فكأنها جلت عن أبويها، وقالا: صدقت. فذهب أبوها إلى رسول الله ﷺ فقال: إن كنت رضيته فقد رضيناه. قال ﷺ : فإني قد رضيته"، قال: شأنك بها، فزوّجها جليبيبًا) (١)، فزوّجها ﷺ من ذلك الشاب الفقير .. الذي اختارته هي واختاره لها النبي ﷺ .. وهي تعلم أنه لن يختار لها إلَّا ما يحبه الله ورسوله ﷺ .. ولن يختار لها إلَّا ما يسعدها .. واحتجّت تلك الفتاة على شروط أمّها وتحكماتها التي لا تمتّ للإسلام .. واقتنع الجميع ﵃ بخيار النبي ﷺ .
وأبحر الشابان في أيام بيضاء سعيدة .. حتى جاء ذلك اليوم الذي فزع فيه أهل المدينة واستعدّوا لمواجهة عدوّ .. عندها انسحب جليبيب من
стр. 672
ذراعي حبيبته إلى ذراعي المعركة .. وأخذ سيفه وانطلق خلف حبيبه ﷺ في معركة أحب أن أسميها):
معركة جليبيب
معركة انتصر فيها النبي ﷺ وأصحابه .. وحاز فيها جليبيب على أشياء ثمينة .. غبطه كل من حوله وهو يحملها في سفره ذلك .. غَبطه كل من حوله وهو بين ذراعي النبي ﷺ .. ليت شعري ما الذي أوصل جليبيبًا إلى هذا الحب النبوي الجارف .. دعونا نتمشى بقلوبنا بين غنائم جليبيب في تلك المعركة .. يرينا إياها أبو برزة ويصفها فيقول:
("ثم فزع أهل المدينة فركب جليبيب" فخرج رسول الله ﷺ في غزوة له، فلما أفاء الله عليه، قال لأصحابه:
هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نفقد فلانًا .. ونفقد فلانًا.
قال ﷺ : انظروا هل تفقدون من أحد؟ قالوا: لا. قال ﷺ : لكني أفقد جليبيبًا؟ فاطلبوه في القتلى. فطلبوه، فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم، ثم قتلوه. فقالوا: يا رسول الله .. ها هو ذا إلى جنب سبعة قد قتلهم، ثم قتلوه، فأتاه النبي ﷺ فقام عليه، فقال: قتل سبعة وقتلوه!
هذا مني وأنا منه.
هذا مني وأنا منه (١).
ثم وضعه رسول الله ﷺ على ساعديه وحفر له .. ما له سرير إلَّا ساعدا رسول الله ﷺ ، ثم وضعه في قبره) (٢)، أمام أعين الصحابة
стр. 673
ودموعهم .. السواعد نعش لجليبيب .. والكلمات أكفان كالغمام: هذا مني وأنا منه .. لكني أفقد جليبيبًا ..
ما أسما هذا النبي وأعظمه .. ما أرقّ مشاعره .. يخطب باسم هذا الفقير الذي يموت في المعركة بعد أن فتك بسبعة .. ومع ذلك لا يأبه له أحد .. لا يذكر إذا ذكر الشهداء .. ولا يفقد إذا فقد الأبطال .. لكن أحضان النبي ﷺ وتجاويف قلبه تفتقده .. لأنه مسلم .. مهما كان نسبه .. مهما كان لونه .. حتى لو ارتحل عن هذه الدنيا دون أن يترك جاهًا أو مالًا ..
هل يضر جليبيبًا ذلك .. هل يضرّه أن لا يفتقده أحد إذا افتقده محمَّد ﷺ .. وحمله محمَّد ﷺ .. وجعل ساعديه له نعشًا وسريرًا .. وتوجع بكنز تمنّاه كل من حوله عندما قال: هذا مني وأنا منه .. هذا مني وأنا منه .. أما فتاته التي أحبّته لأن الله ورسوله ﷺ يحبّانه .. لأن رسول الله ﷺ اختاره لها .. فقد بلغها الخبر والحزن .. وبلغ المدينة كلّها ما حدث لجليبيب فأصابها الحزن .. وافتقد بعض البيوت تلك الملاحة والظرف والضحكات التي يثيرها ﵀ بدعاباته ..
ذهب ﵁ وترك لزوجته مجدًا لا يبارى .. وجعلها ملء السمع والبصر في المدينة .. حتى قال أنس بن مالك ﵁ بعد أن انتهت فترة حدادها على زوجها:
стр. 674
(فلقد رأيتها وإنها لمن أنفق بيت في المدينة) (١)، أي أن خطابها كثروا بعد جليبيب حتى صار بيت أهلها من أوائل البيوت التي يتهافت إليه الخطاب .. هذا ما جرى لجليبيب ﵁ ..
لكن ماذا عن زيد بن محمَّد .. فلنعد إلى زيد الذي تزوّج بذات النسب الرفيع زينب بنت جحش ﵂ .. ها هو بيت زيد وزينب .. دخلناه فوجدنا الوجوم يخيّم عليه بعد فترة من الزمن .. القلوب في هذا المنزل الكريم على غير ما يحب رسول الله ﷺ .. لم يكن هناك توافق بين زيد وزينب .. وسبحان مقلّب القلوب والأبصار .. ولا أدري أيّهما الذي كان مباعدًا للآخر بشعوره .. هل هو زيد أم زينب .. أم هما جميعًا .. لم يتحمل زيد ما يحدث في صدره وصدر زوجته .. فحمله إلى النبي ﷺ و (جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبي ﷺ يقول:
اتق الله وأمسك عليك زوجك) (٢)، قال النبي ﷺ تلك الكلمات والألم يسافر به .. والحرج يحاصره .. قال ﷺ تلك الكلمات بعد أن نزل عليه الوحي بشيء يخص زيدًا وزينب ويخصّه هو بالدرجة الأولى .. فقد أخبره الوحي أن زينب زوجة ابنه زيد سوف تصبح زوجته وإحدى أمّهات المؤمنين .. فأخفى ﷺ ذلك الأمر على زيد خشية أن يتأثر ابنه .. خشية أن يلوك المنافقون وضعاف النفوس ذلك الحدث ثم يلفظونه قيحًا في طرقات المدينة وفتنةً في بيوتها .. أخفى ﷺ ذلك لأنه سيحدث لا محالة .. وانصرف زيد إلى زوجته وبيته .. لكن القلوب تسافر دون أن تستأذن أصحابها .. بقي الزوجان على غير وفاق حتى تفاقم الصدع
стр. 675
فأصبح أكبر منهما ومن منزلهما .. فكان الطلاق هو الحل الوحيد .. والمخرج الآمن لحياتهما ومعاناتهما .. فأطلق زيد زينب وطلّقها بعد أن شعر أن البقاء معها شبه مستحيل .. فالإِسلام جعل الطلاق بيد الرجل لأنه المكلف بالمهر والنفقة والحماية والرعاية .. والرجل السويّ لا يقدم على الطلاق إلَّا بعد أن يستهلك كل وسائل البقاء الممكنة .. لكن ماذا عن المرأة المسكينة .. هل اضطهدها الإِسلام لأنها لا تنفق ولا تدفع مهرًا .. هل يرغمها على البقاء في بيت رجل لا تطيقه لهذا السبب فقط .. الجواب قصة هذه المرأة التي تطرق باب النبي ﷺ تبحث عن مخرج كمخرج زيد وزينب .. تطلب ذلك وهي زوجة سيد من سادات الأنصار .. وخطيب من أعظم خطبائهم وبلغائهم .. صاحب خلق ودين .. ليس بالبخيل ولا بالذليل .. اسمه ثابت ابن قيس بن شماس الأنصاري .. لكن زوجته فتّشت داخل قلبها عن مكان له فلم تجد .. لذلك ذهبت إلى النبى ﷺ تشكو ذلك الفراغ الذي يؤرقها مع ثابت .. فهل تستطيع تلك المرأة أن:
تطلق زوجها لأنها لا تحبه
ففي الظلام .. وعندما بدأ الفجر يمزق خيمة ليل ثقيل على امرأة اسمها: حبيبة بنت سهل .. عندما صدع بلال أسوار الليل بالأذان نهضت تلك المرأة من ليلها الطويل الشاحب .. توجّهت نحو الباب وفتحته ثم خرجت مثقلة بالهموم والشكوى .. تاركة البيت وصاحبه .. وبعد خطوات ثقيلة وحزينة توقفت أمام باب كالفرج .. أمام باب كالفجر .. أمام باب النبي ﷺ .. لم تطرق الباب .. بل مكثت تنتظره كي يبدّد ليلها
стр. 676
الطويل .. ثم (إن رسول الله ﷺ خرج إلى الصبح (١)، فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس (٢)، فقال رسول الله ﷺ : من هذه؟
فقالت: أنا حبيبة بنت سهل. قال: ما شأنك؟
قالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس "يا رسول الله إني لا أعتب على ثابت في دين ولا خلق، ولكني لا أطيقه. فقال رسول الله ﷺ : فتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم".
فلما جاء ثابت بن قيس، قال له ﷺ : هذه حبيبة بنت سهل -وذكرت ما شاء الله أن تذكر- وقالت حبيبة: يا رسول الله، كل ما أعطاني عندي. فقال رسول الله ﷺ لثابت: خذ منها. فأخذ منها، وجلست هي في أهلها "وأمره ﷺ يطلقها") (٣)، فطلقها ثابت ﵄ .. ولم يستطع إرغامها على العيش معه .. وانتزعت حبيبة حقها في الانفصال والخلع وحق غيرها من النساء من بعدها .. فالزواج ليس سجنًا ولا إكراهًا .. إنه حب ومشاركة .. ألفة وود وتكامل .. فإن لم يكن كذلك فإن باب الطلاق وباب الخلع مفتوحان إلى يوم القيامة .. وهذا ما لا يعرفه النصارى حتى اليوم .. فالقسّ في الكنيسة يربط الزوجين برباط يسمّيه رباط الله المقدس .. ثم يقول: إن ما يربطه الله لا يفكّه ابن آدم .. أي أن الطلاق محرم .. والزواج حتى ولو كان فاشلًا لا بدّ أن يكون مؤبدًا .. وفي ذلك يقول كتابهم المقدس:
стр. 677
(أما أنا فأقول لكم: من طلّق امرأته -إلَّا في حالة الزّنا- يجعلها تزني، ومن تزوّج مطلقة زنى) (١).
أي أن المطلقة تعتبر زانية .. ومن تزوّج امرأة مطلقة فهو أيضًا زان .. فلا غرابة أن نرى انتشار الزنا عند النصارى بشكل مخيف ومقزز .. وما دامت المطلقة المسكينة قد حكم عليها الزنا المؤبدّ فلن يغير من الأمر شيء أن تمارسه فعلًا ..
أمّا محمَّد ﷺ فقد أحب المطلقة وتزوجها .. وزوَّجها .. وأفضل زوجاته خديجة تزوجت قبله أكثر من رجل .. وها هو الوحي يخبره بأنه سيتزوج مطلقة زيد .. فرق كبير جدًا بين سماحة الإِسلام وتطرّف النصارى .. الذين يرون الزواج بالمطلقة زنا .. بل يعتبرون الزواج بالبكر لا يليق بالنصراني المستقيم .. وفي ذلك كتابهم المقدس:
(أبناء هذه الدنيا يتزاوجون، أما الذين هم للحياة الأبدية والقيامة من بين الأموات فلا يتزاوجون، هم مثل الملائكة لا يموتون، وهم أبناء الله) (٢) .. لا أدري ما هو مصير البشر لو أخذوا هذه المقولة المتطرّفة .. حقًا إن الدين ليثير السخرية متى ما عبث بكتبه ونصوصه العلماء والعباد .. فحرّفوا وبدّلوا وغيّروا ظنًا منهم أنهم يخدمونه .. وهذا ما حدث للتوراة والإنجيل .. اللذين أصبحا مثار سخرية اليهود والنصارى أنفسهم .. الإِسلام شرّع الزواج وأشرع أبوابه ونوافذه .. وجعله فسحة للمرأة والرجل ومسؤولية وتلبية لحاجة بشرية ملحة .. ولم يجعله قيدًا وسجنًا لا يستطيعان الفكاك منه والهرب .. ولكي يبقى الزواج سليمًا من النغص
стр. 678
والنكد والأمراض الجسدية والاجتماعية .. أنزل الله على نبيّه ﷺ تحريم الزنا .. حتى تبقى ساحة الزواج نقيّة طاهرة .. هذه الأحكام النقية .. وبهذا القرآن العذب والسنّة المطهّرة .. أعاد الإِسلام للإنسان توازنه الذي اختلّ على أيدي اليهود والنصارى .. فاليهود حرّفوا التوراة .. فتحوا بين سطورها بيوتًا للدعارة .. والنصارى حاولوا إقفال تلك البيوت بأحكام تحرم الطلاق وتنهى عن الزواج أصلًا .. فبقي الإنسان محتارًا بين قريتين: قرية للرهبان .. وقرية للشيطان .. قد تتساءل فتقول:
كيف فتحت توراتهم بيوت الدعارة ؟
افتح التوراة .. تجد الاتهامات القبيحة لأنقى من مشى على الأرض .. وهل هناك أطهر من نبي .. التوراة المحرّفة تقول لليهود .. تقول لشعب الله المختار:
إن إبراهيم أبو الأنبياء ﵇ زنى بزواجه من أخته من أبيه سارة (١) ..
إن لوطًا ﵇ زنى بابنتيه وأنجب منهما (٢)
إن أحد الأسباط وأكبرهم -ابن يعقوب- واسمه رابين زنى بزوجة أبيه وأم أخوته .. ويطير صوابك عندما تقول التوراة إن يعقوب لما علم دعا لابنه رابين وباركه ومدحه وسماه بالفاضل في العزّ والرفعة (٣) ..
إن يهوذا وهو أخٌ لرابين زنى بزوجة ابنه "لعير" واسمها "شامار" (٤) ..
стр. 679
إن داود ﵇ رأى زوجة جاره الجميلة فناداها وزنى بها (١) ..
إن ابن داود زنى بأخته (٢) .. وغيرهم .. وغيرهم ..
أمّا كتابهم التلمود .. فيبيح لليهودي كل شيء خاصة مع المرأة غير اليهودية .. لأنها عبارة عن حيوان .. بل وحثّ الزوجة اليهودية على عدم الغيرة من المرأة غير اليهودية .. لأن الأخرى حيوان لا كرامة له .. فماذا تتوقع من شعب هكذا يُصوَّر له أنبياؤه -في كتابهم المقدس- وعندما جاء النصارى رأوا اليهود في حالة تثير الاشمئزاز والقرف .. فابتدعوا الرهبانية كرد فعل على إباحية اليهود .. فكرهوا الزواج ونهوا عنه .. وحرّموا الطلاق وجعلوا المطلّقة زانية والمتزوج منها أيضًا زان.
وبهذا أصبح اليهود والنصارى بين جحيمين .. فجاء الإسلام راحة ورحمة للإنسان يتقلّب فيها .. عامله لا كملاك ولا كشيطان .. بل إنسان يسعى نحو الأفضل .. لكنه في سعيه ذلك يتعرّض للعثرات والسقوط لأنه بشر .. لكن الإِسلام يدفعه لمقاومة ذلك السقوط والنهوض من جديد .. ولذلك قال ﷺ :
(والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم) (٣).
جاء أحد الصحابة يستفسر عن حالة التغيّر عند المسلم عندما يغادر المسجد وقد تأثّر بكلمة أو موعظة أو محاضرة .. فإذا ذهب إلى بيته أو دكانه خفّ تأثره ذلك .. فأجاب ﷺ عن هذا التساؤل الذي يطرأ على
стр. 680
المسلم .. وعلى ذلك الصحابي المدعوّ حنظلة بقوله ﷺ : (والذي نفسي بيده، لو كنتم تكونون في بيوتكم على الحالة التي تكونون عليها عندي، لصافحتكم الملائكة، ولأظلّتكم بأجنحتها، ولكن يا حنظلة: ساعة وساعة) (١)
وعندما حاول ذلك الصحابي العظيم عثمان بن مظعون .. أن يمحو الساعة الثانية ويبقى في ساعة عبادة ممتدة من النوم إلى النوم أوقفه ﷺ وأعاده إلى سنّته .. إلى بشريّته .. فلا رهبانية في الإِسلام ولا تطرّف .. تقول عائشة ﵂:
(دخلت امرأة عثمان بن مظعون على نساء النبي ﷺ ، فرأينها سيئة الهيئة، فقلن لها: مالك؟ فما في قريش أغنى من بعلك. قالت: ما لنا منه شيء، أما ليله فقائم، وأما نهاره فصائم، فدخل النبي ﷺ فذكرن ذلك له، فلقيه، فقال: يا عثمان بن مظعون .. أما لك بي أسوة؟ فقال: بأبي وأمي، وما ذاك؟ قال ﷺ : تصوم النهار وتقوم الليل؟ قال: إني لأفعل. قال ﷺ : "يا عثمان إن الرهبانية لم تكتب علينا .. أما لك فيّ أسوة؟ أما والله إن أخشاكم لله، وأحفظكم لحدوده لأنا" فأتتهن بعد ذلك وهي عطرة كأنها عروس، فقلن: مه؟ قالت: أصابنا ما أصاب الناس) (٢) .. لم تشتك تلك المرأة الفاضلة من بخل ولا قلّة مال .. لم تشتك حتى من زوجها .. لكنها بثّت ما بصدرها لنساء النبي ﷺ .. عبرت عن حاجة المرأة إلى وصال الزوج وحبّه .. وإلّا فإذا ستذبل .. وذبول المرأة يعرف بعدم اهتمامها بنفسها وأناقتها وأنوثتها .. أعاد النبي ﷺ ذلك الرجل النقى التقي إلى أجواء
стр. 681
الإسلام البيضاء الرحبة .. يحلّق فيها طائرًا أبيض بالحب والإيمان .. ثم يعود إلى عشّ حبيبته الجميل .. كما يعود النبي ﷺ إلى بيته محملًا بالشوق والحب .. وإذا كانت الحياة الزوجية تقتضى ذلك .. فإن الحياة بكرامة إسلامية تقتضي أن يعود عثمان بن مظعون ورفاقه مع رسول الله ﷺ إلى أرض بدر مرة أخرى بعد أن فرض الشرك ذلك عليهم متحديًا .. معركة حددها أبو سفيان .. حدد موعدها .. ومكانها .. أما الموعد فهو بعد عام من غزوة أُحُد .. أي الآن .. وأمّا المكان .. فعلى أرض بدر وفي موسم بدر المشهور بالشعر والفخر والتجارة ..
стр. 682
السييرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة
(قراءة جديدة)
محمد الصوياني
الجزء الثالث
مكتبه العبيكان
стр. 683
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 684
معركة ثانية على أرض بدر
فقد اغترّ أبو سفيان -قائد قريش- بما حدث في أُحُد .. فصاح بالنبي ﷺ متحديًا: (موعدك موسم بدر حيث قتلتم أصحابنا) (١)، كان أبو سفيان ومن معه يريدون أن يملأوا آبار بدر بأجساد المؤمنين مثلما حشر المؤمنون جثث طواغيت قريش في تلك البئر المنتنة على أرض بدر .. حلم لقريش .. فهل يتحقّق ..
كان أبو سفيان يريد استغلال مناسبة إقامة موسم بدر .. وهو موسم للعرب يجتمعون فيه تجارةً وأدبًا وشعرًا .. لكن أبا سفيان أراد أن يجعل للحرب نصيبًا في هذا الموسم .. حرب تستعيد بها قريش بعض ما تناثر من هيبتها .. حرب يشهدها العرب جميعًا .. فليكن لأبي سفيان ما يريد .. ها هو ﷺ عندما اقترب موعد إقامة سوق بدر يستعدّ للسفر .. لا للحرب فقط .. بل للحرب والتجارة .. متجاهلًا كل صيحات المخذلين والجبناء في المدينة الذين يقولون للنبي ﷺ وأصحابه: (إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم). فقد ردّ ﷺ على أولئك المخذلين والجبناء بعزم شاركه به أصحابه ﵃ فقالوا: (حسبنا الله ونعم الوكيل) .. فامتدح الله هذا الإيمان المتجذّر وهذه الثقة الراسخة بالله .. فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (٢)، فـ (قد كان أبو سفيان قال للنبي ﷺ : موعدك موسم بدر، حيث قتلتم أصحابنا.
стр. 685
فأمّا الجبان فرجع، وأما الشجاع فأخذ أُهبة القتال والتجارة فأتوه) (١).
وصل الشجعان إلى أرض بدرٍ فرحبت بهم وتذكرت نصرهم .. كانت أرض بدرٍ أرضًا للانتصار .. هكذا هي في عقول وقلوب المؤمنين .. أمّا بالنسبة لقريش فهي تذكرهم بالهزيمة .. لم يستطع أبو سفيان وجيشه مغادرة مكّة ولا الحركة منها .. فالتشاؤم يعيقهم عن الحركة .. يشلّهم عن الوفاء بالوعد والتحدّي .. أبو سفيان وكبار القوم خائفون .. يخشون أن تحشر جثثهم في بئر أخرى .. فلم يحضروا .. وهكذا:
انتهت غزوة بدر الثانية قبل أن تبدأ .. فليس على الساحة سوى المؤمنين .. إنهم يتلفتون فلا يرون أحدًا .. يذرعون أرض بدر .. يمشطونها بحثًا عن جيش الوثنيين فلا يرون أحدًا .. وهكذا انهزمت قريش في معركة هي التى طلبتها وحدّدت مكانها وزمانها .. أما رسول الله ﷺ وجنده .. فقد مالوا بمطاياهم نحو موسم بدر (فأتوه فلم يجدوا به أحدًا، وتسوقوا فأنزل الله: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾) (٢)، فطلب ﷺ من أصحابه أن يكتبوا هذه الآية وأن يجعلوها بعد الآية السابقة، لتقرأ هكذا: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (٣).
تفضّل سبحانه على نبيّه ﷺ وصحابته ﵃ بانتصار لم
стр. 686
ترق فيه قطرة دم .. فباعوا واشتروا وكسبوا .. ودعوا إلى التوحيد، وربما كسبوا بدعوقم تلك أتباعًا ومؤمنين جددًا ينشرون التوحيد في قومهم أو يهاجرون .. ثم عادوا شوقًا إلى أهلهم .. شوقًا إلى المدينة ..
كانت المدينة غادة مكتنزة بالجميل والجديد .. كان هواؤها صافيًا نقيًا .. بعد أن تطهّر من ذلك الوباء .. الذي لوّث الصحة والعقول .. وأنزف الدماء والأموال .. المدينة الآن نقية. لأنه قد نزل
تحريم الخمر
الخمر التي تؤرق بعض الصحابة ويحيّرهم أمرها .. كانت تصنع في المدينة من خمسة أطعمة .. يقول ابن عمر ﵁: (نزل تحريم الخمر، وإن في المدينة يومئذٍ لخمسة أشربة) (١) (نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير) (٢).
وكان نزول تحريمها لأسباب ما زالت ممتدة حتى الآن .. ما زالت شنيعة وخطيرة حتى الآن .. وما جاء الإِسلام إلَّا لتطهير المجتمع من مثل هذه الأسباب .. التي تهدّد أخوّة الإيمان وودّه ووصاله ..
من هذه الأسباب قول أحد الصحابة: (إنما نزل الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار، شربوا، فلما ثمل القوم عبث بعضهم ببعض، فلما أن صحوا جعل الرجل يرى الأثر بوجهه، ورأسه، ولحيته، فيقول: صنع بي هذا أخي فلان -وكانوا أخوة ليس في قلوبهم ضغائن- والله لو كان بي رؤوفًا رحيمًا ما صنع هذا بي.
стр. 687
حتى وقعت الضغائن في قلوبهم، فأنزل الله هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾) (١)، ويقول سعد بن أبي وقاص ﵁: (صنع رجل من الأنصار طعامًا فدعانا، فشربنا الخمر قبل أن تحرم، حتى انتشينا، فتفاخرنا، فقالت الأنصار: نحن أفضل .. وقالت قريش: نحن أفضل، فأخذ رجل من الأنصار لحى جزور، فضرب به أنف سعد، ففزره، وكان أنف سعد مفزرًا، فزلت آية الخمر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٢) عن هذه الخمر ..
هل أنتم منتهون عن هذه الخمر التي تذيب العقل .. وتمحو اللياقة الأدبية .. إن في الخمر لذّة لا شكّ في ذلك ولولا ما فيها من نشوة ما شربها أحد .. لكنها تسبّب الصداع والغثيان بعد تلك النشوة .. وهي تحيل شاربها إلى إنسان مريض .. وقح يتفوّه بكل بذيئة .. ويفشي كل ما ينبغي إخفاؤه من رغبات ونزوات تكدّر النديم والجليس والصاحب والقريب .. الخمر يدمر ذلك التحكم المهذب الذي يحفظ للإنسان شخصيّته ووقاره واحترامه .. إنسانيته وكرامته .. بالخمر يتحوّل السكران إلى حيوان يهذر بكل قبيح .. وينزو على كل محرم .. بالخمر يختلط الخطأ بالصواب .. والحلال بالحرام .. والأدب باللا أدب .. أما
стр. 688
تحريم الميسر
فالميسر -وهو القمار- مرض آخر من أمراض التخلّف واللامسؤولية .. فالإنسان الذي يكدّ ويكدح من أجل تحصيل مال .. وبعد أن يجمعه يقف على شرفة جبل تطل على بحر فيرمي كل ما جمعه في سنين في ذلك البحر .. الإنسان الذي يفعل ذلك أبسط ما يقال عنه إنه: مجنون .. والمجنون لا يترك ولا يسمح له أن يؤذي نفسه ولا غيره.
الميسر يدمر الأسر والدول والأخلاق .. الخمر والميسر نوعان من أنواع الجنون .. ورسالة الإِسلام توقظ العقول .. توقدها تحضّرًا ورقيًا وتمدّنًا .. فكيف تلقى الصحابة هذا الخبر .. كيف استقبلته قلوبهم ونفوسهم .. كيف استقبله أولئك الذين كانوا لا يصبرون عنها .. تعالوا إلى بيت أم سليم وأبي طلحة حيث كان: أبو دجانة .. وأبو عبيدة .. ومعاذ بن جبل .. وسهيل بن بيضاء .. وأبي بن كعب ﵃ في ضيافة أبي طلحة ﵁ .. كانوا ندامى .. يحتسون أقداحًا من الخمرة .. وكان ساقي أولئك الندامى الأخيار ابن أم سليم .. أنس بن مالك ﵁ .. الذي يقول: (بينما أنا أدير الكاس على أبي طلحة، وأبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسهيل بن بيضاء، وأبي دجانة، "وأبي بن كعب" حتى مالت رؤوسهم من خليط بسر وتمر، "فإذا مناد ينادي، قال: أخرج فانظر" فسمعنا مناديًا ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت، "فما قالوا: حتى ننظر ونسأل، فقالوا: يا أنس .. اكف ما بقى في إنائك فوالله ما عادوا فيها" "فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فهرقتها" "يا أنس .. قم إلى هذا الجرار فاكسرها، فقمت إلى مهراس لنا فضربته بأسفله حتى تكسرت" فما دخل علينا داخل ولا خرج منا خارج، حتى أهرقنا
стр. 689
الشراب، وكسرنا القلال، وتوضأ بعضنا، واغتسل بعضنا، وأصبنا من طيب أم سليم، ثم خرجنا إلى السجد، وإذا رسول الله ﷺ يقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (١)، فانتهى الصحابة بعد سماعهم لهذه الآية في مسجد النبي ﷺ .. رغم إدمان بعضهم لها .. والمدمن يحبس في مصح أحيانًا كي يتخلّص من إدمانه .. لكن إيمان الصحابة وتربية النبي ﷺ لهم كانت من العمق والسموّ والامتداد بحيث يتلاشى أمامها أي إدمان.
تخلّصت المدينة من أمّ الخبائث .. وأم الأمراض والمشاكل .. لكن ماذا لو استفاد البعض من الخمرة في غير الشرب .. في البيع والشراء مع غير المسلمين .. في العلاج مثلًا .. ؟
أما العلاج فلا تصلح الخمر أبدًا لأنها مرض .. النبي ﷺ يقول ذلك .. والطب أيضًا يؤيّد ذلك ويرفضها .. قال ﷺ : (إنها ليست بدواء، ولكنها داء) (٢). أمّا عن التجارة .. فقد كان تاجر خمر من الصحابة ﵁ يقال له: كيسان (كان يتجر في الخمر زمن رسول الله ﷺ ، وأنه أقبل من الشام ومعه خمر في الزقاق -يريد بها التجارة- فأتى بها رسول الله ﷺ ، فقال:
يا رسول الله، إني جئتك بشراب طيّب، فقال رسول الله ﷺ :
стр. 690
يا كيسان، إنها قد حرمت بعدك، قال: فأبيعها يا رسول الله؟
فقال رسول الله ﷺ : إنها قد حرمت، وحرّم ثمنها، فانطلق كيسان إلى الزقاق، فأخذ بأرجلها ثم هرقها) (١)، ويقول أبو سعيد ﵁: (قال النبي ﷺ : إن الله تعالى حرّم الخمر، فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء، فلا يشرب، ولا يبع) (٢) .. وهذا رجل آخر (أهدى لرسول الله ﷺ راوية خمر، فقال له رسول الله ﷺ : هل علمت أن الله قد حرمها؟ قال: لا ..
فسارَّ (٣) إنسانًا، فقال له رسول الله ﷺ : هل علم أن الله قد حرمها؟ قال: لا. فقال له رسول الله ﷺ : بم ساررته؟ فقال: أمرته ببيعها، فقال: إن الذي حرّم شربها حرّم بيعها، قال: ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها) (٤).
و (سئل ﷺ عن الخمر تتخذ خلًا؟ فقال: لا) (٥).
لا .. بهذه الكلمة انتهت علاقة الإِسلام بالخمر .. قطيعة وحرب لا هوادة فيها ضدها .. ليبدأ أولئك المؤمنون بالاستفادة من أوقاتهم التي كانت تسفكها الخمر ..
انتهت علاقة الإِسلام بالخمر،
و
стр. 691
انتهت عدة زينب بنت جحش
مرّ على طلاقها من زيد بن ثابت ثلاثة أشهر .. أي ثلاث حيضات .. والمرأة لا بدّ أن تنتظر ثلاث حيضات حتى تتأكّد من خلوّ رحمها من أي علاقة من زوجها الأوّل .. تتأكّد من عدم وجود حمل حتى لا تختلط الأنساب وتتفشّى الأمراض .. يقول سبحانه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١).
وبعد أن مرت تلك الأشهر أمر الله النبي ﷺ بالزواج من زينب ﵂ .. لسبب واحد ذكره الله في القرآن .. ونزل به جبريل ﵊ .. فما هو
سبب زواج النبي ﷺ من زينب
كان الناس في ذلك الوقت يعتبرون الابن بالتبنّي كالابن الحقيقي .. أي أن الابن إذا طلّق زوجته فهي حرام على أبيه والعكس .. فأنزل الله نسخ ذلك الشىء وأبطله بتزويج النبي ﷺ من زينب بنت جحش .. التي كانت زوجة لابنه -بالتبني- زيد بن حارثة. أنزل الله ذلك الأمر بعد أن كان النبي ﷺ يخشى كلام الناس حول ذلك .. لكن النبي ﷺ لا يستطيع أن يخفى شيئًا من الوحي ولا القرآن .. فإذا نزل الأمر فما عليه سوى السمع والطاعة لربّه ..
ولذلك يقول أنس بن مالك ﵁: (جاء زيد بن حارثة، فجعل النبي ﷺ يقول: اتّق الله وأمسك عليك زوجك.
стр. 692
قال أنس: لو كان رسول الله ﷺ كاتمًا شيئًا لكتم هذه) (١).
زيد يخطب زينب للنبي ﷺ
يقول أنس بن مالك ﵁: (لما انقضت عدة زينب قال رسول الله ﷺ لزيد: فاذكرها عليّ.
فانطلق زيد حتى أتاها -وهي تخمر عجينها- قال: فلما رأيتها عظمت في صدري، حتى ما أستطيع أن انظر إليها -أن رسول الله ﷺ ذكرها- فولّيتها ظهري، ونكصت على عقي، فقلت: يا زينب، أرسل رسول الله ﷺ يذكرك. قالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتى أوامر ربي. فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن) (٢)، أي نزل قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾.
(وجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن) (٣) لأنه لا يحتاج إلى ذلك .. فقد زوّجها الله إياه من فوق سبع سماوات .. فكان ذلك تكريمًا لها .. فرحًا لها .. حبًا لها .. كانت ﵂ تبتهج بذلك (كانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ .. تقول: زوجكنّ أهاليكن، وزوّجني الله تعالى من فوق سبع سماوات) (٤) .. وكان في ذلك الزواج تكريم لزيد ﵁ .. فقد خصّه الله بذكر اسمه من بين جميع أصحاب النبي ﷺ في القرآن .. حقًا لقد كان:
стр. 693
زواج زينب فرح وتحول
في حياة الصحابة والأمّة .. أحداث كثيرة في ذلك الزواج .. آداب وتشريعات .. ومظاهر سرور صاحبت ذلك الزواج الكريم .. تعالوا نتجوّل في تقاسيم ذلك الفرح المليح ..
سنبدأ أولًا بـ:
الوليمة والهدايا والمعجزات
يقول أحد الذين حضروا وشاركوا في تلك الوليمة: (ما رأيت رسول الله ﷺ أولم على امرأة من نسائه ما أولم على زينب، فإنه ذبح شاةً) (١)، (ما أولم رسول الله ﷺ على امرأة من نسائه أكثر أو أفضل مما أولم على زينب) (٢) (أطعمهم خبزًا ولحمًا حتى تركوه) (٣) شبعًا.
لم يشارك أنس بن مالك في الأكل فقط .. بل ساهم مع أمّه أم سليم ﵂ في زيادة مساحات الفرح .. يقول ﵁: (أن رسول الله ﷺ أطعمنا الخبز واللحم حين امتد النهار، فخرج الناس وبقي رجال يتحدّثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله ﷺ واتّبعته، فجعل يتتبع حُجُرَ نسائه يسلّم عليهن، ويقلن: يا رسول الله، كيف وجدت أهلك) (٤). ويحدّثنا أنس عن هدية أمّه فيقول: (فصنعت أمي -أم سليم- حيسًا، فجعلته في تور (٥) "من حجارة" فقالت: يا أنس .. اذهب
стр. 694
بهذا إلى رسول الله ﷺ فقل: بعثت هذا إليك أمى، وهي تقرئك السلام، وتقول: إن هذا لك منّا قليل يا رسول الله ..
فذهبت بها إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: إن أمي تقرئك السلام، وتقول: إن هذا لك منّا قليل يا رسول الله. فقال: ضعه. ثم قال:
اذهب، فادع لي فلانًا، وفلانًا، وفلانًا، ومن لقيت "من المسلمين" وسمّى رجلًا، قال: فدعوت من سمّى ومن لقيت.
قلت لأنس: عدد كم كانوا؟ قال: زهاء ثلاثمائة، وقال لي رسول الله ﷺ : يا أنس .. هات التور "وضع النبي ﷺ يده على الطعام، فدعا فيه، وقال ما شاء الله أن يقول" فدخلوا حتى امتلأت الصفة والحجرة، فقال رسول الله ﷺ : ليتحلّق عشرة عشرة، وليأكل كل إنسان مما يليه. فأكلوا حتى شبعوا، فخرجت طائفة ودخلت طائفة حتى أكلوا كلّهم، فقال لي: يا أنس ارفع، فرفعت فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت، وجلس طوائف منهم يتحدّثون في بيت رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ جالس، وزوجته مولية وجهها إلى الحائط، فثقلوا على رسول الله ﷺ "فأطالوا عليه الحديث"، فجعل النبي يستحي منهم أن يقول لهم شيئًا "فأخذ كأنه يتهيأ للقيام، فلم يقوموا فلما رأى ذلك قام، فلما قام، قام من قام من القوم، فقعد ثلاثة" فخرج رسول الله ﷺ فسلم على نسائه، "فمشى، فمشيت معه حتى بلغ حجرة عائشة، ثم ظنّ أنهم قد خرجوا، فرجع ورجعت معه، فإذا هم جلوس مكانهم، فرجع، فرجعت الثانية، حتى بلغ حجرة عائشة" ثم رجع "فرجعت"، فلما رأوا رسول الله ﷺ قد رجع ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه، فابتدروا الباب، فخرجوا كلّهم، وجاء رسول الله ﷺ حتى أرخى الستر، ودخل وأنا جالس في الحجرة، فلم يلبث
стр. 695
إلَّا يسيرًا حتى خرج عليّ، وأنزلت هذه الآية، فخرج رسول الله ﷺ ، وقرأهن على الناس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ (١) إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ (٢)، (قال أنس: أنا أحدث الناس عهدًا بهذه الآيات، وحجبن نساء النبي ﷺ ) (٣)، بعد هذا الموقف المحرج أمرت نساء النبي ﷺ بالحجاب .. وكان:
لنزول الحجاب قصة
فقد كان عمر بن الخطاب قبل نزول الحجاب يقترح على النبي ﷺ أن يحجب نساءه .. أنس بن مالك أيضًا يحدّثنا بذلك فيقول:
(قال عمر بن الخطاب: قلت لرسول الله ﷺ : لو حجبت عن أمّهات المؤمنين، فإنه يدخل عليك البر والفاجر، فنزلت آية الحجاب) (٤)، وتقول
стр. 696
عائشة ﵂: (إن أزواج النبي ﷺ كن يخرجن بالليل إذ تبرزن إلى المناصع، وهو صعيد أفيح، وكان عمر يقول: يا رسول الله، احجب نساءك، فلم يكن رسول الله ﷺ يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة، زوج النبي ﷺ ، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر بصوته الأعلى: قد عرفناك يا سودة -حرصًا أن ينزل الحجاب- قال: فأنزل الله الحجاب) (١)، وفي حادثة أخرى .. كرّر عمر بن الخطاب تلك الأمنية .. كان ﵁ أجرأ من غيره في البوح بما يضمره ويضمره غيره من إجلال لبيت النبوّة .. تقول عائشة ﵂:
(كنت آكل مع النبي ﷺ حيسًا في قعب، فمر عمر، فدعاه، فأكل، فأصابت أصبعه إصبعي، فقال: أوه، لو أطاع فيكن ما رأتكن عين، فنزل الحجاب) (٢) ولكن فيما بعد .. فالحجاب لم ينزل بعد هذه الأحداث مباشرة .. تعالوا نسأل أنس بن مالك .. من أعلم الناس بنزول الحجاب؟ قال ﵁: (أنا أعلم الناس بالحجاب، لقد كان أُبيُّ بن كعب يسألني عنه، قال أنس:
أصبح رسول الله ﷺ عروسًا بزينب بنت جحش، وكان تزوجها بالمدينة، فدعا الناس للطعام بعد ارتفاع النهار، فجلس رسول الله ﷺ ، وجلس معه رجال بعد ما قام القوم، حتى قام رسول الله ﷺ ، فمشى،
стр. 697
فمشيت معه، حتى بلغ حجرة عائشة، ثم ظن أنهم قد خرجوا، فرجع ورجعت معه، فإذا هم جلوس مكانهم، فرجع فرجعت الثانية حتى بلغ حجرة عائشة، فرجع فرجعت، فإذا هم قد قاموا، فضرب بيني وبينه بالستر، وأنزل الله آية الحجاب) (١) .. وكانت هذه الآية تتحدّث عن زوجات النبي ﷺ فقط .. ثم أنزل الله سبحانه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢).
ففرض الحجاب على المؤمنات جميعًا.
وبينما كانت المدينة تعيش فرحًا .. وتشريعًا يمنح سلامًا في كل زاوية .. كان هناك خطر ينذر بفاجعة .. كان هناك خطر قادم من مكّة .. يطفح بالغلّ والثأر .. أتذكرون ذلك الشبح الذي نهض من بين جثث أحد .. ثم توجه نحو مكة نازفًا .. ها هو يعود ولكن لوحده هذه المرة .. فقد آلمه ما حدث في بدر .. وما أصابه في أُحُد .. ها هو:
الشبخ يتسلّل لاغتيال النبي ﷺ
أنس بن مالك كما حدّثنا عن الحجاب من قبل .. يحدّثنا الآن عن قصة هذا القادم .. الذي حمله حقده وثأره نحو النبي ﷺ ليسجل له التاريخ حادثة تهزّ الجزيرة من البحر إلى البحر .. يقول أنس ﵁: (كان وهب بن عمير شهد أُحُدًا كافرًا، فأصابته جراحة، فكان في القتلى، فمرّ به رجل من الأنصار، فعرفه، فوضع سيفه في بطنه حتى خرج من
стр. 698
ظهره، ثم تركه، فلما دخل الليل وأصابه البرد لحق بمكة، فبرأ، فاجتمع هو وصفوان بن أمية في الحجر، فقال وهب:
لولا عيالي ودين عليّ، لأحببت أن أكون أنا الذي أقتل محمدًا، فقال له صفوان: فكيف تصنع؟
فقال: أنا رجل جواد لا ألحق، آتيه فأغترّه، ثم أضربه بالسيف، فألحق بالخيل، ولا يلحقني أحد.
فقال له صفوان: فعيالك مع عيالي، ودينك عليّ، فخرج يشحذ سيفه وسمه، ثم خرج إلى المدينة، لا يريد إلَّا قتل النبي ﷺ ، فلما قدم المدينة رآه عمر بن الخطاب، فهاله ذلك، وشقّ عليه، فقال لأصحاب النبي ﷺ : إني رأيت وهبًا، فرابني قدومه، وهو رجل غادر، فأطيفوا نبيكم (١)، فأطاف المسلمون بالنبي ﷺ ، فجاء وهب، فوقف على النبي ﷺ ، فقال:
أنعم صباحًا يا محمَّد، قال ﷺ : قد أبدلنا الله خيرًا منها (٢).
قال: عهدي بك تتحدّث بها وأنت معجب.
فقال له النبي ﷺ : ما أقدمك؟
قال: جئت أفدي أساراكم. قال ﷺ : ما بال السيف؟ قال: أما إنّا قد حملناها يوم بدر فلم نفلح ولم ننجح.
قال ﷺ : فما شيء قلت لصفوان في الحجر: لولا عيالي ودين عليّ لكنت أنا الذي أقتل محمّدًا بنفسي .. فأخبره النبي ﷺ خبره. فقال وهب: هاه .. كيف قلت؟
стр. 699
فأعاد عليه. قال وهب: قد كنت تخبرنا خبر أهل الأرض، فنكذّبك، فأراك تخبر خبر أهل السماء "أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله". قال: يا رسول الله، أعطني عمامتك، فأعطاه النبي ﷺ عمامته، ثم خرج إلى مكة.
فقال عمر ﵁: لقد قدم وإنه لأبغض إليّ من الخنزير، ثم رجع وهو أحبّ إليّ من بعض ولدي) (١)، قال عمر ذلك لأنه لا يملك قلبه .. لقد أهداه إلى أحب الخلق إليه .. بعد أن أهداه إلى خالقه .. قلب عمر ليس ملكًا له .. ولذلك أحب وهبًا بعد أن كان كالخنزير أمامه.
متى أهدى عمر قلبه
أهدى عمر قلبه عندما كان يمشي مع حبيبه ﷺ يحمله الشوق .. يحمله الحب .. فالتفت نحو ذلك الحبيب فباح له بحب عظيم:
يقول الصحابي عبد الله بن هشام: (كنا مع النبي ﷺ وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إلى من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي ﷺ : لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال له عمر: فإنه الآن .. والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي ﷺ : الآن يا عمر) (٢).
تنازل عمر عن قلبه وعن نفسه .. فتماهى هواه وقلبه بحب الله ورسوله .. فعاش عمر مأخوذًا. بمراد الله ورسوله ﷺ ..
стр. 700
دعوني أحدّثكم عن الحب
دعوني أحدثكم عن رجك كان يدخل البهجة على رسول الله ﷺ .. كان يضحكه .. أُتي به إلى النبي ﷺ وهو سكران .. شرب الخمرة بعد أن لعن شاربها .. وعاصرها .. وحاملها .. والمحمولة إليه .. وبائعها .. ومشتريها .. وآكل ثمنها .. ومعتصرها .. وساقيها .. ولعنت هي قبل ذلك ..
أُتي بذلك الرجل لمدعو "عبد الله" فجلده الصحابة .. ثم أتي به فجلد .. لكن ما علاقة ذلك بالحب .. ؟
يقول عمر بن الخطاب ﵁: (إن رجلًا على عهد النبي ﷺ كان اسمه: عبد الله، وكان يلقب حمارًا، وكان يضحك النبي ﷺ ، وكان النبي ﷺ قد جلده في الشراب، فأُتي به يومًا، فأمر به فجلد، قال رجل من القوم:
اللهمّ العنه، ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ :
لا تلعنوه، فوالله ما علمته إلَّا يحب الله ورسوله) (١)، فحبّه لله ورسوله حماه من اللعن .. وليس إقامة الحد عليه .. هذا ما صرّح به النبي ﷺ .. الخمرة تغلي في بطنه ورأسه ومع ذلك يقول النبي ﷺ : (فوالله ما علمته إلَّا يحب الله ورسوله ..) لكن هواه غلبه فهوى .. والإِسلام لا يلغي نقاط الضعف لدى الإنسان ولا يتجاهلها .. لكنه لا يبالغ في وصفها ووصف المعاناة منها .. الإِسلام يقف أمامها ريثما يرفع ذلك المنحدر عنها .. ريثما يضمد جراحه وعواطفه من سنانها .. ثم ينفث فيه من جديد حب الانطلاق والتجديد والتشييد .. لقد كان ذلك الصحابي يمازح النبي ﷺ
стр. 701
ويرغمه على الابتسام والضحك: (لقد كان يهدي لرسول الله ﷺ العكة من السمن، والعكة من العسل، فإذا جاء صاحبها يتقاضاه، جاء به إلى رسول الله ﷺ ، فيقول: يا رسول الله: أعط هذا ممّن متاعه، فما يزيد رسول الله ﷺ على أن يبتسم ويأمر به فيعطى، فجىء به يومًا إلى رسول الله ﷺ وقد شرب الخمر، فقال رجل: اللَّهم العنه ما أكثر ما يؤتى به رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : لا تلعنوه فإنه يحب الله ورسوله) (١) .. ولذلك قال ﷺ في قصة مماثلة عندما قال بعض الصحابة لأحد الذين شربوا الخمر:
(أخزاك الله، قال رسول الله ﷺ : لا تقولوا هكذا، ولا تعينوا الشيطان عليه، ولكن قولوا: رحمك الله) (٢).
هذا هو الحب في الله .. وهذا هو الحب في الإِسلام .. وهذه هي الرحمة عند المؤمن الذي يحب الله ورسوله .. هذه هي العلاقة الحقّة بين المؤمنين .. فـ:
تعالوا أحدّثكم عن الحب والرحمة
في قصة أشد تأثيرًا على النفوس ..
قصة قال فيها النبي ﷺ :
стр. 702
يا هزال لو سترته بثوبك
ها هو ابن هزال .. حدثنا يا نعيم ما هو ذلك الشيء الذي تمنى ﷺ لو ستره والدك بثوبه .. أو من هو؟
قال نعيم ﵁: (كان ماعز بن مالك في حجر أبي، فأصاب جارية من الحي، فقال له أبي:
ائت رسول الله ﷺ فأخبره بما صنعت لعله يستغفر لك - وإنما يريد بذلك رجاء أن يكون له مخرج، فأتاه، فقال: يا رسول الله إني زنيت فأقم عليّ كتاب الله "يا رسول الله طهّرني. فقال: ويحك ارجع، فاستغفر الله وتب إليه.
فرجح غير بعيد ثم جاء، فقال: يا رسول طهّرني.
فقال رسول الله ﷺ : ويحك ارجع، فاستغفر الله وتب إليه.
فرجح غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول الله طهّرني.
فقال النبي ﷺ مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله ﷺ ": إنك قد قلتها أربع مرات، فيمن؟ قال: بفلانة. "فسأل رسول الله ﷺ :أبه جنون؟ فأخبر أنه ليس بمجنون. فقال: أشرب خمرًا؟ فقام رجل فاستنكهه (١)، فلم يجد منه ريح خمر".
قال ﷺ : هل ضاجعتها؟ قال: نعم، قال: هل باشرتها؟ قال: نعم. قال: هل جامعتها؟ قال: نعم [قال ﷺ : فهل أحصنت؟ (٢) قال: نعم] فأمر
стр. 703
به أن يرجم، فلما رجم، فوجد مسّ الحجارة جزع، فخرج يشتدّ (١) "واشتددنا خلفه" فلقيه عبد الله بن أنيس وقد أعجز أصحابه، فنزع له بوظيف بعير (٢) فرماه به، فقتله، ثم أتى النبي ﷺ ، فذكر ذلك له.
فقال: هلَّا تركتموه، لعله يتوب، فيتوب الله عليه. "فكان الناس فيه فرقتين:
قائل يقول: لقد هلك، لقد أحاطت به خطيئته.
وقائل يقول: ما توبة أفضل من توبة ماعز، إنه جاء إلى النبي ﷺ ، فوضع يده في يده، ثم قال: اقتلني بالحجارة.
فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة، ثم جاء رسول الله ﷺ وهم جلوس، فسلّم، ثم جلس، فقال:
استغفروا لماعز بن مالك، فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك.
فقال رسول الله ﷺ : لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم") (٣).
لله حدود يجب تنفيذها .. دون مجاملة أو مداهنة .. وللنبي ﷺ حدود لا يستطيع تجاوزها .. فتح ﷺ لماعز أكثر من عشرة أبواب .. أشرعها ليهرب منها .. لكنه أصرّ على تنفيذ حدّ الله فيه .. فعل ﷺ ما
стр. 704
يمكنه أن يفعله لماعز .. ثم نفذ حكم الله فيه .. ومازال في صدر النبي ﷺ لماعز الكثير الكثير .. توجّه ﷺ بحديثه نحو الرجل الذي أشار على ماعز بالاعتراف .. فهل شكره على فعله ذلك .. الإجابة رحمةً كالعادة .. فما محمَّد ﷺ إلَّا رحمة مهداة .. التفت ﷺ بحديثه إلى هزال معاتبًا وقال له كلمة كالحزن: (يا هزال لو كنت سترته بثوبك كان خيرًا مما صنعت به) (١) (لو كنت سترته بثوبك كان خيرًا لك) (٢)، لم يقل ﷺ : لكان خيرًا لماعز ﵁ .. بل قال: خيرًا لك أنت يا هزال .. أنت أيها المبلغ .. ولك أنت أيضًا أيها المتلذّذ بفضح المستترين .. بدعوى الغضب لله ورسوله .. ومن أراد أن يمنح لنفسه حق اختراق جدران الآخرين وحريتهم المستورة.، فإن عمر ابن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف ﵄ يقدمان له درسًا متحضرًا .. يقول: (عبد الرحمن بن عوف: أنه حرس ليلة مع عمر بن الخطاب، فبينما هم يمشون، شب لهم سراج في بيت، فانطلقوا يؤمونه، حتى إذا دنوا منه، إذا باب مجاف على قوم لهم فيه أصوات مرتفعة ولغط، فقال عمر - وأخذ بيد عبد الرحمن بن عوف: أتدري بيت من هذا؟ قلت: لا قال: "هذا بيت" ربيعة بن أمية بن خلف وهم الآن شرب فما ترى؟ قال عبد الرحمن بن عوف: أرى أنا قد أتينا ما نهنا الله "عنه قال الله تعالى": ﴿وَلَا تجَسَّسُواْ﴾. فقد تجسسنا، فانصرف عنهم عمر وتركهم) (٣) لكن كم هو حجم ذلك
стр. 705
الخير الذي يحصل عليه من ستر على مسلم .. وحافظ على نقاء صورته أمام المجتمع ..
(من ستر أخاه المسلم ستره الله في الدنيا والآخرة) (١)، ولما (أتي ابن مسعود فقيل: هذا فلان تقطر لحيته خمرًا. فقال عبد الله: إنا قد نهينا عن التجسّس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به) (٢) لـ (أن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم) (٣) والإِسلام لا يريد إفسادهم .. ولا أذيّتهم ..
هذه بعض حقوق الإنسان -أي إنسان- في الإِسلام .. دمه وماله وعرضه مكفولة الحماية .. بل إن الدهشة لتحاصر المرء عندما يعلم فداحة الجرم الذي يرتكبه أولئك السابحون في أعراض إخوانهم .. المنقّبون عن عيوب الناس لينشروها .. إليك هذه:
المقارنة بين العرض وغيره
قال ﷺ في قليل الربا: (درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشدّ عند الله من ستة وثلاثين زنية) (٤).