ويرغمه على الابتسام والضحك: (لقد كان يهدي لرسول الله ﷺ العكة من السمن، والعكة من العسل، فإذا جاء صاحبها يتقاضاه، جاء به إلى رسول الله ﷺ ، فيقول: يا رسول الله: أعط هذا ممّن متاعه، فما يزيد رسول الله ﷺ على أن يبتسم ويأمر به فيعطى، فجىء به يومًا إلى رسول الله ﷺ وقد شرب الخمر، فقال رجل: اللَّهم العنه ما أكثر ما يؤتى به رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : لا تلعنوه فإنه يحب الله ورسوله) (١) .. ولذلك قال ﷺ في قصة مماثلة عندما قال بعض الصحابة لأحد الذين شربوا الخمر:
(أخزاك الله، قال رسول الله ﷺ : لا تقولوا هكذا، ولا تعينوا الشيطان عليه، ولكن قولوا: رحمك الله) (٢).
هذا هو الحب في الله .. وهذا هو الحب في الإِسلام .. وهذه هي الرحمة عند المؤمن الذي يحب الله ورسوله .. هذه هي العلاقة الحقّة بين المؤمنين .. فـ:
تعالوا أحدّثكم عن الحب والرحمة
في قصة أشد تأثيرًا على النفوس ..
قصة قال فيها النبي ﷺ :
стр. 702
يا هزال لو سترته بثوبك
ها هو ابن هزال .. حدثنا يا نعيم ما هو ذلك الشيء الذي تمنى ﷺ لو ستره والدك بثوبه .. أو من هو؟
قال نعيم ﵁: (كان ماعز بن مالك في حجر أبي، فأصاب جارية من الحي، فقال له أبي:
ائت رسول الله ﷺ فأخبره بما صنعت لعله يستغفر لك - وإنما يريد بذلك رجاء أن يكون له مخرج، فأتاه، فقال: يا رسول الله إني زنيت فأقم عليّ كتاب الله "يا رسول الله طهّرني. فقال: ويحك ارجع، فاستغفر الله وتب إليه.
فرجح غير بعيد ثم جاء، فقال: يا رسول طهّرني.
فقال رسول الله ﷺ : ويحك ارجع، فاستغفر الله وتب إليه.
فرجح غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول الله طهّرني.
فقال النبي ﷺ مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله ﷺ ": إنك قد قلتها أربع مرات، فيمن؟ قال: بفلانة. "فسأل رسول الله ﷺ :أبه جنون؟ فأخبر أنه ليس بمجنون. فقال: أشرب خمرًا؟ فقام رجل فاستنكهه (١)، فلم يجد منه ريح خمر".
قال ﷺ : هل ضاجعتها؟ قال: نعم، قال: هل باشرتها؟ قال: نعم. قال: هل جامعتها؟ قال: نعم [قال ﷺ : فهل أحصنت؟ (٢) قال: نعم] فأمر
стр. 703
به أن يرجم، فلما رجم، فوجد مسّ الحجارة جزع، فخرج يشتدّ (١) "واشتددنا خلفه" فلقيه عبد الله بن أنيس وقد أعجز أصحابه، فنزع له بوظيف بعير (٢) فرماه به، فقتله، ثم أتى النبي ﷺ ، فذكر ذلك له.
فقال: هلَّا تركتموه، لعله يتوب، فيتوب الله عليه. "فكان الناس فيه فرقتين:
قائل يقول: لقد هلك، لقد أحاطت به خطيئته.
وقائل يقول: ما توبة أفضل من توبة ماعز، إنه جاء إلى النبي ﷺ ، فوضع يده في يده، ثم قال: اقتلني بالحجارة.
فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة، ثم جاء رسول الله ﷺ وهم جلوس، فسلّم، ثم جلس، فقال:
استغفروا لماعز بن مالك، فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك.
فقال رسول الله ﷺ : لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم") (٣).
لله حدود يجب تنفيذها .. دون مجاملة أو مداهنة .. وللنبي ﷺ حدود لا يستطيع تجاوزها .. فتح ﷺ لماعز أكثر من عشرة أبواب .. أشرعها ليهرب منها .. لكنه أصرّ على تنفيذ حدّ الله فيه .. فعل ﷺ ما
стр. 704
يمكنه أن يفعله لماعز .. ثم نفذ حكم الله فيه .. ومازال في صدر النبي ﷺ لماعز الكثير الكثير .. توجّه ﷺ بحديثه نحو الرجل الذي أشار على ماعز بالاعتراف .. فهل شكره على فعله ذلك .. الإجابة رحمةً كالعادة .. فما محمَّد ﷺ إلَّا رحمة مهداة .. التفت ﷺ بحديثه إلى هزال معاتبًا وقال له كلمة كالحزن: (يا هزال لو كنت سترته بثوبك كان خيرًا مما صنعت به) (١) (لو كنت سترته بثوبك كان خيرًا لك) (٢)، لم يقل ﷺ : لكان خيرًا لماعز ﵁ .. بل قال: خيرًا لك أنت يا هزال .. أنت أيها المبلغ .. ولك أنت أيضًا أيها المتلذّذ بفضح المستترين .. بدعوى الغضب لله ورسوله .. ومن أراد أن يمنح لنفسه حق اختراق جدران الآخرين وحريتهم المستورة.، فإن عمر ابن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف ﵄ يقدمان له درسًا متحضرًا .. يقول: (عبد الرحمن بن عوف: أنه حرس ليلة مع عمر بن الخطاب، فبينما هم يمشون، شب لهم سراج في بيت، فانطلقوا يؤمونه، حتى إذا دنوا منه، إذا باب مجاف على قوم لهم فيه أصوات مرتفعة ولغط، فقال عمر - وأخذ بيد عبد الرحمن بن عوف: أتدري بيت من هذا؟ قلت: لا قال: "هذا بيت" ربيعة بن أمية بن خلف وهم الآن شرب فما ترى؟ قال عبد الرحمن بن عوف: أرى أنا قد أتينا ما نهنا الله "عنه قال الله تعالى": ﴿وَلَا تجَسَّسُواْ﴾. فقد تجسسنا، فانصرف عنهم عمر وتركهم) (٣) لكن كم هو حجم ذلك
стр. 705
الخير الذي يحصل عليه من ستر على مسلم .. وحافظ على نقاء صورته أمام المجتمع ..
(من ستر أخاه المسلم ستره الله في الدنيا والآخرة) (١)، ولما (أتي ابن مسعود فقيل: هذا فلان تقطر لحيته خمرًا. فقال عبد الله: إنا قد نهينا عن التجسّس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به) (٢) لـ (أن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم) (٣) والإِسلام لا يريد إفسادهم .. ولا أذيّتهم ..
هذه بعض حقوق الإنسان -أي إنسان- في الإِسلام .. دمه وماله وعرضه مكفولة الحماية .. بل إن الدهشة لتحاصر المرء عندما يعلم فداحة الجرم الذي يرتكبه أولئك السابحون في أعراض إخوانهم .. المنقّبون عن عيوب الناس لينشروها .. إليك هذه:
المقارنة بين العرض وغيره
قال ﷺ في قليل الربا: (درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشدّ عند الله من ستة وثلاثين زنية) (٤).
стр. 706
وقال في أقلّ الربا: (أهون الربا كالذي ينكح أمّه) (١).
ترى ما هو الذنب الذي يعادل أشدّ الربا إذا كان أهونه يعادل ذلك الفعل الشنيع والجريمة القذرة: الإجابة التي تذهل المسلم هي في قول النبي ﷺ : (أربى الربا شتم الأعراض) (٢) (أربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه) (٣).
فلنعد إلى أقدس الأعراض والدماء .. عرض محمَّد ﷺ ودمه .. الذي كان وهب بن عمير قبل قليل يريد نثره على طرقات المدينة .. لكنه عاد إلى مكّة بغير القلب الذي جاء به .. عاد إلى مكة يحمل الحب والإيمان وعمامة النبي ﷺ .. عاد وهب مسلمًا .. لكن فعله قبل أن يسلم أثار لدى النبي ﷺ وأصحابه حالة اليقظة والحذر .. فقد يكون هناك أكثر من مشروع لتصفية النبي ﷺ جسديًا ..
وقد صدق التوقع .. وأفاد الحذر .. تسرّبت الأخبار إلى النبي ﷺ عن خطر قادم من جهة مكة .. لكنه ليس من قريش ..
خطر قادم من قبيلة بني المصطلق
وبنو المصطلق قبيلة عربية تسكن قرب مكة .. في المنطقة الواقعة ما بين مكة والمدينة .. وقد أراد ﷺ استغلال واستثمار الوقت بمفاجأة تلك القبيلة قبل أن تتحرّك ويتكامل استعدادها .. أراد ﷺ أن يباغتها بضربة سريعة تشلّها .. لأن أي تأخير قد يضاعف من خطر تلك القبيلة .. وذلك لقربها من عدو النبي ﷺ الأول "قبيلة قريش" .. أي تأخير يعني مزيدًا من
стр. 707
الأعوان والعتاد والخطر .. فمباغتة ذلك الجيش الوثني وهو مسترخٍ على أرضه هو أسرع الطرق وأيسرها للقضاء عليه وإراحة المدينة من خطره ..
استعد ﷺ يحيش قوي لـ
غزو بني المصطلق
وقد انضمّ إلى هذا الجيش مجموعة من المنافقين .. على رأسهم كبير المنافقين عبد الله بن أُبي بن سلول -ربما- لشعوره بقوة جيش النبي ﷺ .. وتأكده من هزيمة بني المصطلق.
وقبل أن ينطلق النبي ﷺ بجيشه ذلك أقرع بين سودة وعائشة وأم سلمة، وزينب، لتصحبه إحداهن في رحلته تلك:
فالنبى ﷺ (كان إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه) (١).
القرعة تقع على عائشة
وبعد إجراء القرعة خرج سهم عائشة الحبيبة .. لتصحب حبيبها ﷺ في سفره ذلك .. تقول عائشة ﵂:
(كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهنّ خرج سهمها خرج بها معه ..
فلما كانت غزوة بني المصطلق، أقرع بين نسائه، كما كان يصنع، فخرج سهمي عليهنّ، فخرج بي رسول الله ﷺ معه- وكان النساء إذ
стр. 708
ذاك إنما يأكلن العلق (١)، لم يهيجهن اللحم فيثقلن (٢)، وكنت إذ رحل بعيري (٣) جلست في هودجي (٤)، ثم يأتي القوم الذين يرحلون بي بعيري، ويحملوني، فيأخذون بأسفل الهودج، يرفعونه فيضعونه على ظهر البعير، فينطلقون به) (٥) (وذلك بعد ما أنزل الحجاب، وأنا أُحمل في هودجي، وأنزل فيه، فسرنا) (٦) وانطلق الجيش، وانطلقت الهوادج تتمايل عبر الصحاري والقفار .. وخلال الأودية والشعاب .. تتمايل بعائشة ورفيقاتها ﵅ .. كما تتمايل القلوب بصوت حادي العيس أنجشة .. ذلك الصوت العذب .. الذي يأخذ الأسماع .. وربما أخذ الإبل أيضًا .. سمع ﷺ ذلك الصوت الشجي في بعض أسفاره .. فخاف على أجساد النساء وقلوبهن .. يقول أنس ﵁:
(كان لرسول الله ﷺ حاد حسن الصوت "غلام أسود يقال له أنجشة، يحدو، فقال له رسول الله ﷺ : يا أنجشة، رويدك سوقًا بالقوارير" رويدًا يا أنجشة لا تكسر القوارير) (٧)، كان ﷺ من الرقّة والذوق .. بحيث لا يلهيه هدفه العسكري والخطر الذي يكمن له عن تفقد رفاقه والعناية بهم .. لدرجة أنه (كان يتخلّف في المسير، فيزجي الضعيف، ويردف، ويدعو لهم) (٨).
стр. 709
ويدعو أنجشة أن يخفّف من سيره حتى لا تتعب أجساد النساء الرقيقة .. وكان وصف النبي ﷺ للنساء بـ (القوارير) منتهى الذوق والرقّة .. فالقوارير ناعمة وجميلة .. وتحتاج إلى عناية فائقة .. وأماكن تليق بها وبرقّتها وجمالها .. والمرأة هي الرقّة والجمال والفتنة .. تحتاج إلى مستوى رفيع من التعامل والملاطفة بالقول والفعل .. وهو ما فعله ﷺ عندما قال ﷺ لأنجشة:
(ويحك يا أنجشة .. رويدًا بالقوارير) (١).
وها هو ﷺ يحاول طرد الملل والسأم عن نفس حبيبته عائشة .. في ذلك السفر.
لقد أمر ﷺ فرسانه الشجعان بالتقدّم .. ثم نادى حبيبته وطلب منها أن تتأخر معه .. فالسفر طويل وشاق .. ولا بأس ببعض اللهو يدخل البهجة ويجدّد النشاط ..
فماذا طلب منك الحبيب يا ابنة الصديق؟
تقول ﵂: (إنها كانت مع رسول الله ﷺ في سفر -وهي جارية- فقال لأصحابه: تقدموا.
فتقدّموا، ثم قال: تعالي أسابقك.
فسابقته، فسبقته على رجلي) (٢).
стр. 710
لا بدّ أن هذا الفوز أسعد عائشة وأضحكها .. أما النبي ﷺ فقد تقبّل الخسارة بروح طيبه .. لكنه يضمر لعائشة ثأرًا وسباقًا آخر قد ينتصر عليها فيه ..
وصل الجيش إلى أراضي بني المصطلق .. فكانت:
إغارة كالبرق
فوجئ بها القوم وصعقوا .. وحدث قتال غير متكافئ لهول المفاجأة، لأن (النبي ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارون، وأنعامهم تسقي الماء، فقتل مقاتلهم وسبى ذراريهم) (١)، فكسرت شوكة بني المصطلق، وبدأت جذوة قريش والشرك تخبو في نفوسهم بعد أن رأوا (مائة أهل بيت) (٢) وأكثر يساقون سبايا نحو المدينة .. وكان من هؤلاء السبايا شابة هي ابنة زعيم بني المصطلق واسمها (جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه) (٣) (وكانت امرأة حلوة، ملاحة، لا يراها أحد إلَّا أخذت بنفسه) (٤).
سارت جويرية والألم يعتصر قلبها .. وهي تساق جارية بعد أن كانت سيدة نساء قومها .. أحسّت بفداحة الجرم الذي ارتكبه زعماء قبيلتها في حقّها وحق مائة بيت اقتيدوا نحو المدينة .. ورغم حسن المعاملة .. ولطف العناية التي حظي بها هؤلاء من النبي ﷺ وأصحابه .. إلَّا أن للوطن والأهل حبًا زرعه الله في قلب الإنسان .. وقد أثار هذا الذلّ
стр. 711
الذي أصاب جويرية وقومها ذلك الشوق والحنين إلى تلك المرابع .. رغم أن النبي ﷺ وأصحابه يكرمون أسراهم .. (ويطعمون الطعام على حبّه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا) .. رغم أن النبي ﷺ وأصحابه يؤثرون الأسرى بالطعام الجيد على أنفسهم إلَّا أن قطرات الذلّ تفسد أشهى الأطباق .. وهو ذلّ جلبه الشرك لبني المصطلق .. فلولا استعدادهم وإعدادهم للهجوم على المدينة وأهلها لما أصابهم ما أصابهم .. كان بنو المصطلق يحلمون بسبايا المدينة يقتادونها نحو مرابعهم .. يحلمون بدم النبي ﷺ وأصحابه ودعوته .. لكن الله ردّ كيدهم في نحورهم .. وها هي بيوتهم وأحلامهم قد خلت منهم .. وها هو جيش محمَّد ﷺ يعود إلى المدينة بهم .. وفي الطريق يتوقف النبي ﷺ ويتوقف جيشه للاستراحة قرب المدينة .. فتنبث الجموع هنا وهناك .. ومع حلول الليل تتلاشى تلك الحركة .. وبعد أداء صلاة العشاء يأوي كل إلى فراشه .. ويقوم من يقوم منهم في سياحة مع الله وصلاة .. وكان أحد أفراد الجيش واسمه: صفوان بن معطل متأخرًا عن الجيش -ربما بأمر النبي ﷺ ليكون عينًا خلفية للجيش ونذيرًا لهم إذا ما لحق بهم أحد أو هاجمهم من الخلف .. وبعد منتصف الليل أمر ﷺ جيشه بالحركة نحو المدينة ..
النبي ﷺ يسبق عائشة
لكن دون سباق .. دون ركض .. دون ابتسامات وضحكات .. سبق النبي ﷺ عائشة في قصة تفيض بالأحزان والدموع والبراءة .. تحرك الجيش ولم تتحرك عائشة .. وأشرقت الشمس والأحزان على ذلك الموقع فلم تجد فيه سوى فتاة صغيرة منكسرة .. أضاعت عقدها وهودجها .. ورحل عنها حبيبها ووالدها وصويحباتها .. أشرقت الشمس والأحزان على عائشة ..
стр. 712
ووصل صفوان بن معطل ليجد ذلك الحزن في طريقه .. ليحمله إلى بحر أسود من الأحزان والهموم .. بحرٌ تقول عنه عائشة ﵂:
(كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهنّ خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه .. فأقرع بيننا في غزوة غزاها "غزوة بني المصطلق"، فخرج فيها سهمى، فخرجت مع رسول الله ﷺ ، وذلك بعدما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه، مسيرنا "وكنت إذا رحل بعيري، جلست في هودجي، ثم يأتي القوم الذين يرحلون هودجي في بعيري، ويحملوني، فيأخذون بأسفل الهودج، فيرفعونه، فيضعونه على ظهر البعير، فيشدّونه بحباله، ثم يأخذون برأس البعير، فينطلقون به"، حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوه، وقفل، ودنونا من المدينة، "نزل منزلًا، فبات فيه بعض الليل، ثم" آذن (١) ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت من شأني، أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، فإذا عقدي من جزع ظفار (٢) قد انقطع "انسلّ من عنقي ولا أدري" فرجعت، "عودي على بدئي إلى المكان الذي ذهبت إليه" فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط (٣) القوم الذين كانوا يرحلون لي، فحملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكانت النساء إذا ذاك خفافًا، لم يهبلهن (٤) ولم يغشهن اللحم "لم يهيجهن (٥)
стр. 713
اللحم فيثقلن"، إنما يأكلن العلقة (١) من الطعام، فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه، وكنت جارية حديثة السنن (٢) الجمل وساروا، "ولم يشكوا أني فيه، ثم أخذوا برأس البعير فانطلقوا به"، ووجدت عقدي بعد ما استمرّ الجيش، "ورجعت إلى العسكر"، فجئت منازلهم وليس بها داعٍ ولا مجيب، فتيمّمت (٣) منزلي الذي كنت فيه "فتلففت بجلبابي، ثم اضطجعت في مكاني الذي ذهبت إليه" وظننت أن القوم سيفقدوني، فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، "فوالله إني لمضطجعة، إذ مرَّ بي صفوان بن المعطل السلمي" وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني قد عرّس من وراء الجيش "قد كان تخلّف عن العسكر لبعض حاجته، فلم يبت مع الناس في العسكر" فأدلج (٤)، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني، فعرفني حين رآني، وقد كان يراني قبل أن يضرب الحجاب عليّ، "فلما رآني، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! أظعينة رسول الله! وأنا متلفّفة في ثيابي".
فاستيقظت باسترجاعه (٥) حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، ووالله ما يكلمني كلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه (٦)، حتى أناخ راحلته، فوطئ على يدها فركبتها "واستأخر عني، فركبت وجاء فأخذ برأس البعير"، فانطلق يقود بي الراحلة "سريعًا يطلب الناس، فوالله ما
стр. 714
أدركنا الناس، وما افتقدت حتى أصبحت ونزل الناس، فلما اطمأنوا طلع الرجل يقودني" حتى أتينا الجيش. بعدما نزلوا موغرين في نحو الظهيرة (١)، "فقال أهل الإفك فيَّ ما قالوا، فارتجّ العسكر" فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولّى كبره (٢) عبد الله بن أبي بن سلول، "ووالله ما أعلم بشىء من ذلك" فقدمنا المدينة ..) (٣).
مهلًا يا أمّاه
ما هو الإفك ومن هم أهله .. وما هي الفرصة التي غرز فيها هذا المنافق أنيابه ونفث فيها سمومه ..
عندما رأى المنافقون عائشة الصغيرة .. عائشة الطاهرة المسكينة على راحلة صفوان بن المعطل ﵁ .. رقصت الفتنة في قلوبهم .. وتراقص الشيطان بينهم .. وطالت أنيابهم تنهش أطهر الأعراض .. عرض النبي ﷺ ..
انطلقت ألسنتهم في جرأة وقحة .. في حقد متربّص تتهم عائشة النقية بالزنا .. وتتّهم صفوان البريء بعائشة ﵂ .. عاصفة من الحقد والتشفّي أطلقها المنافقون .. وعاصفة أخرى للنفاق معها علاقة .. عاصفة كادت أن تدفن الجيش وهو يقترب من المدينة ..
عاصفتان ونفاق
العاصفة الأخرى يحدّثنا عنها جابر ﵁، فيقول:
стр. 715
(إن رسول الله ﷺ قدم من سفر، فلما كان قرب المدينة هاجت ريح شديدة تكاد أن تدفن الراكب، فزعم أن رسول الله ﷺ قال: بعثت هذه الريح لموت منافق، فلما قدم المدينة فإذا منافق عظيم من المنافقين قد مات) (١).
فرح النبي ﷺ وأصحابه بهلاك ذلك الطاغوت .. ذلك الكهف الذي تتسلّل إليه الأفاعي والعقارب الآدمية إلى تعيش بين المؤمنين وتتكلّم بألسنتهم وتتظاهر أمّا منهم .. وفرح ﷺ بقدوم عائشة .. وفرحت عائشة بحبيبها وهي لا تعلم .. وهو لا يعلم ما تتلقّفه ألسنة المنافقين من جريمة .. وبعد الوصول قام ﷺ بـ:
توزيع الغنائم .. توزيع الرحمة
عائشة المسكينة البريئة .. التي تلوك عرضها ألسنة المنافقين وهي لا تعلم شيئًا عن ذلك حتى الآن .. عائشة التي أتعبها السفر .. فانهار جسمها الضعيف على فراش المرض .. تحدّثنا عن معاناة لها مع توزيع الغنائم والسبايا، فتقول:
(لما قسم رسول الله ﷺ سبايا بني المصطلق، وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن الشماس، أو لابن عمة له، فكاتبته على نفسها (٢)، وكانت امرأة حلوة ملاحة، لا يراها أحد إلَّا أخذت بنفسه، فأتت رسول الله ﷺ تستعينه في كتابتها.
قالت عائشة: فوالله ما هو إلَّا أن رأيتها على باب حجرتي، فكرهتها، وعرفت أنه سيرى منها ﷺ ما رأيت، فدخلت عليه) (٣).
стр. 716
دخلت فدخلت الرحمة على قومها
تقول عائشة ﵂ في حديثها عن جويرية:
(فدخلت عليه، فقالت:
يا رسول الله .. أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، سيد قومه، وقد أصابني من النبلاء ما لم يخف عليك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس، أو لابن عمٍ له، فكاتبته على نفسي (١)، فجئتك أستعينك على كتابتي.
قال ﷺ : فهل لك في خير من ذلك؟
قالت: وما هو يا رسول الله؟
قال ﷺ : أقضى عنك كتابتك وأتزوّجك.
قالت: نعم .. يا رسول الله، قد فعلت.
قالت عائشة: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله ﷺ قد تزوّج جويرية ابنة الحارث بن أبي ضرار. فقال الناس: أصهار رسول الله ﷺ ، وأرسلوا ما بأيديهم (٢).
قالت عائشة:
فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها) (٣)، وما أعلم أحدًا أعظم بركة
стр. 717
عليها وعلى قومها وعلى الناس جيعًا من محمَّد ﷺ .. لقد وجدت في رحمته وسماحته مكانًا لمطالبها الصعبة .. فهي أسيرة عنده .. ومع ذلك تطلب منه أن يعينها للفكاك بماله .. فيأخذ بيديها .. ويشرع لها بابًا يطل على كنوز الدنيا والآخرة .. وهل هناك كنز في الدنيا أعظم لها من أن تكون شريكة حياته ﷺ .. وهل هناك كنز في الآخرة إلَّا كنوز الجنّة .. لم تقتصر بركته ﷺ على تلك الكريمة الجميلة .. لقد كانت بركة كالشمس ينساب شعاعها على أكثر من مائة بيت من بني المصطلق .. فانطلقوا في دفئها وشعاعها يحملون الحرية والعرفان للنبى ﷺ وأصحابه الكرام ..
وفي وسط تلك الأجواء الاحتفالية .. كانت عائشة تحسّ بآلام السفر والإعياء الشديدين .. سقطت بعد أيام قليلة في فراشها .. وطال رقادها على فراشها وأنينها .. لكن ألمها ازداد عندما أحست بجفوة غريبة من النبي ﷺ .. أحسّت بتغيّر معاملته لها .. وهي التي تعوّدت منه الرقّة واللطف .. خاصة عندما تكون مريضة .. حيث يتدفق عليها ﷺ يغمرها بكلماته ولمساته الحانية المحبة .. تقول عائشة ﵂:
(فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمنا المدينة شهرًا والناس يفيضون في قول أهل الإفك، ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكى، "أنكرت من رسول الله ﷺ بعض لطفه بي، كنت إذا اشتكيت رحمني ولطف بي، فلم يفعل ذلك في شكواي تلك، فأنكرت منه" إنما يدخل رسول الله ﷺ "عليَّ وأمي تمرّضني" فيسلم، ثم يقول: كيف تيكم؟ "لا يزيد في ذلك" ولا أشعر بالشر) (١).
стр. 718
شهر من المعاناة
وعائشة لا تدري عما يدور حولها .. لقد تطاول المنافقون على حصنها المنيع .. حاولوا تشويهه .. قذفوا عائشة بالزنا .. وأرجفوا في البلاد .. فارتّجت المدينة .. ووصل الخبر إلى النبي ﷺ .. فتكدّر لإلقاء التهم جزافًا على مسلمة طاهرة .. هي زوجته وأحب الناس إليه .. وتأثر بتلك الشائعة أناس مؤمنون .. وضعفوا أمام لغط المنافقين .. وهم بشر كبقية البشر .. ولكل إنسان هفوات وأخطاء .. تلقف ثلاثة من المؤمنين الإفك، فاتهموا عائشة الطاهرة ..
الذين رموا عائشة بالزنا من المؤمنين ثلاثة أشخاص .. رجلان وامرأة .. ثلاثة أشخاص لا تحوم حولهم شبه النفاق .. لكنهم يظلّون بشرًا ناقصين .. معرّضين للإثم والخطأ في كل لحظة وثانية .. أما الرجل الأشهر منهم فهو شاعر النبي ﷺ الذي يؤيّده روح القدس في أشعاره التي دافع بها عن النبي ﷺ .. حسان بن ثابت .. والآخر رجل من أهل بدر وقد (اطّلع الله على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم) (١) واسمه: مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب .. وقد كان أبو بكر الصديق ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره .. ومع ذلك حدث منه ما حدث ..
أما المرأة فهي أخت زينب بنت جحش واسمها: حمنة .. ولا أدري ما هو دافع الرجلين .. أما حمنة فكان دافعها الحمية لأختها زينب التي كانت تنافس عائشة في المنزلة عند رسول الله ﷺ .. أما رأس الحية وسمّها ومنبع قيح الإفك فهو زعيم المنافقين: عبد الله بن أبي بن سلول الذي ذهب
стр. 719
يزرع المدينة .. شوارعها ومجالسها .. بلسانه المتعفّن .. حوله الحقد إلى رجل بلا قيم .. بلا أخلاق .. رجل لا يحترم مكانته بين قومه .. رجل فقد عقله فأصبح كالأبله لا همّ له ولا شأن سوى عائشة الصغيرة .. يتشفّى بذكرها واتّهامها .. بعد أن فقد الأمل في الحصول على زعامة أو حتى مكانة محترمة في المدينة .. بعد أن أحرقته عيون أهلها باحتقار شأنه .. والتقزّز منه ومن مجالسه وجلسائه .. الذين هم خليط من عفن الشرك واليهود والخونة .. هذا هو ابن سلول وهذه هي عقيلته الصغيرة .. فهو الذي تولّى كبر الإثم ومعظمه .. لكن:
متى علمت عانشة بالإفك
تقول ﵂:
(كان الذي تولّى كبره عبد الله بن أبي بن سلول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمنا المدينة شهرًا، "اشتكيت شكوى شديدة، لا يبلغني شيء من ذلك، وقد انتهى الحديث إلى رسول الله ﷺ ، وإلى أبوي، ولا يذكران لي من ذلك قليلًا ولا كثيرًا" والناس يفيضون في قول أهل الإفك، ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكى، إنما يدخل رسول الله ﷺ فيسلم، ثم يقول: كيف تيكم؟ فذاك يريبني، ولا أشعر بالشر "كنت إذا اشتكيت رحمني ولطف بي، فلم يفعل ذلك في شكواي تلك، فأنكرت منه، وكان إذا دخل علىّ وأمي تمرضني قال: كيف تيكم؟ لا يزيد على ذلك، حتى وجدت نفسي مما رأيت من جفائه عني، فقلت له: يا رسول الله .. لو أذنت لي فانتقلت إلى أمي فمرضتني؟ قال: لا عليك.
فانتقلت إلى أمي ولا أعلم بشيء مما كان"، حتى خرجت بعدما
стр. 720
نقهت (١)، وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع (٢) وهو متبرزنا، ولا نخرج إلَّا ليلًا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف (٣) قريبًا من بيوتنا، وأمرنا العرب الأول في التنزّه (٤)، وكنّا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح، وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح ابن أثاثة بن عباد بن المطلب، فأقبلت أنا وبنت أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها (٥)، فقالت: تعس مسطح.
فقلت لها: بئس ما قلت .. أتسبّين رجلًا قد شهد بدرًا [أي أم، تسبين ابنك؟
وسكتت، ثم عثرت الثانية، فقالت: تعس مسطح.
فقلت لها: تسبين ابنك؟ ثم عثرت الثالثة، فقالت: تعس مسطح.
فانتهرتها. فقالت: والله ما أسبّه إلَّا فيك.
فقلت: في أي شأني؟]
قالت: أي هنتاه! أوَلم تسمعي ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ فأخبرتني يقول أهل الإفك [فبقرت لي الحديث (٦).
فقلت: وقد كان هذا؟ قالت: نعم والله].
стр. 721
فازددت مرضًا إلى مرضى، فلما رجعت إلى بيتي، "فمازلت أبكي حتى ظننت أن البكاء سيصدع قلبي"، فدخل علىّ رسول الله ﷺ ثم قال: كيف تيكم؟
قلت: أتأذن لي أن آتي أبوي .. وأنا أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما. فأذن لي رسول الله ﷺ فجئت أبوي [فأرسل معي الغلام، فدخلت الدار فوجدت أم رومان (١) في الأسفل، وأبا بكر فوق البيت يقرأ. فقالت أمي: ما جاء بك يا بنية؟ فأخبرتها، وذكرت لها الحديث وإذا هو لم يبلغ منها مثل ما بلغ مني] فقلت لأمي: يا أمتاه .. ما يتحدث الناس؟ فقالت: يا بنية هونّي عليك [خفضني عليك الشأن]، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة [حسناء] عند رجل يحبها، ولها ضرائر إلَّا كثرن (٢) عليها، [إلَّا حسدنها وقيل فيها، وإذا لم يبلغ منها ما بلغ مني.
قلت: وقد علم به أبي؟
قالت: نعم.
قلت: ورسول الله ﷺ ؟ قالت: نعم، ورسول الله ﷺ .
قلت: سبحان الله، وقد تحدث الناس بهذا؟ "تحدث الناس بما تحدّثوا به وبلغك ما بلغك، ولا تذكرين لي من ذلك شيئًا" [واستعبرت وبكيت، فسمع أبو بكر صوتي -هو فوق البيت يقرأ- فنزل، فقال لأمي: ما شأنها؟
قالت: بلغها الذي ذكر من شأنها، ففاضت عيناه، قال: أقسمت عليك أي بنية إلَّا رجعت إلى بيتك، فرجعت].
стр. 722
فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت، لا يرقأ لي دمع (١)، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي) (٢).
أفاقت عائشة من مرضها على مرض أشدّ .. أفاقت ﵂ والعالم ينهار على رأسها .. بكت بكاءً مرًا حتى أحرق البكاء كبدها .. أما النبي الحزين الحائر ﷺ فالوحي لم ينزل عليه حتى الآن .. والإشاعات تحاصره وتخنق أنفاس حبيبته .. اجتهد ﷺ اجتهاد البشر .. فاستدعى عليًا وابنه أسامة بن زيد بن محمَّد .. فقد ضاق به الحال وتأذى كثيرًا وهو يسمع المنافقين يلوكون عرضه الطاهر ليل نهار .. فهل هناك نهاية لهذا الأمر .. إلى أين يأخذه الحزن .. إلى أين تأخذه قدماه الشريفتان .. ؟
توجّه النبي ﷺ إلى أحد أبياته .. إلى بيت زينب بنت جحش ﵂ بالتحديد .. ليسألها عن عائشة .. فهي التي تنافسها من بين زوجات النبي ﷺ .. فلعلّها تقول شيئًا يزيل حيرته ﷺ .. ثم إن أخت زينت "حمنة" كانت من الذين قذفوا عائشة الطاهرة بالزنا ..
النبي ﷺ يسأل زينب
وزينب كالمطر .. ستقول الحقيقة .. ولن تأبه بحمية أختها لها .. وغيرتها من عائشة ..
تقول عائشة: إن (رسول الله ﷺ سأل زينب بنت جحش- زوج النبي ﷺ عن أمري: ما علمت أو ما رأيت؟
стр. 723
فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلَّا خيرًا.
قالت عائشة: وهي التى كانت تساميني (١) من أزواج النبي ﷺ ، فعصمها الله بالورع.
وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها، فهلكت فيمن هلك) (٢) (وكان الذي يتكلم به فيه:
"مسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، والمنافق عبد الله بن أبي بن سلول" وهو الذي كان يستوشيه (٣)، ويجمعه، وهو الذي تولّى كبره (٤) منهم هو وحمنة) (٥)، التي لم تكن تعرف النفاق .. لكنها الغيرة إلى تورد من يبقيها بين أضلاعه موارد الضياع والهلاك .. والهوى يعمي ويصم .. والصحابة بما فيهم حمنة وحسان ومسطح بشر غير معصومين ..
أما نبي الله ﷺ فقد توجهت به الهموم إلى مزيد من التساؤل والاستشارة .. فقد آذاه ابن سلول في أهله وصاحبه .. وقد تجاوز أذاه كل الحدود.
النبي ﷺ يستشير ويسأل عن حل
تقول عائشة ﵂:
(ودعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين
стр. 724
استلبث الوحي (١)، يستشيرهما في فراق أهله. قالت: فأما أسامة بن زيد، فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود. فقال: يا رسول الله، هم أهلك ولا نعلم إلَّا خيرًا "وهذا الكذب والباطل".
وأمّا علي بن أبي طالب فقال: "يا رسول الله" لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، "وإنك لقادر على أن تستخلف" وإن تسأل الجارية تصدقك) (٢)، فأخذ ﷺ برأي علىّ بن أبي طالب ﵁ في سؤال جارية عائشة واسمها "بريرة" .. ولم يأخذ رأيه بتطليقها الذي يلوح بين كلماته ليريحه من همّ التفكير والحرة التي طالت عليه ﷺ .
استدعاء بريرة
تقول عائشة ﵂: (فدعا رسول الله ﷺ بريرة، فقال: أي بريرة .. هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟
قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق، إن رأيت عليها أمرًا قط أغمصه (٣) عليها، أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن (٤) فتأكله) (٥) (وانتهرها بعض أصحابه (٦)، فقال: اصدقي
стр. 725
رسول الله ﷺ حتى أسقطوا لها به (١)) (٢) (فقال رسول الله ﷺ : لست عن هذا أسألك.
قالت: فعمه .. فلما فطنت قالت: سبحان الله .. "والله" ما أعلم من عائشة إلَّا كما يعلم الصائغ من التبر (٣) الأحمر) (٤)، وماذا يعلم الصائغ من الذهب النقي قبل صياغته واختلاطه بغيره سوى النقاء ..
كانت بريرة تتحدّث عن الصفاء .. عن الطهارة .. عن عائشة ..
أمّا المنافقون فكانوا يتحدّثون قيحًا وصديدًا ينزّ من نفوسهم السوداء الحاقدة ..
لكن ماذا عن البريء الآخر .. صفوان بن معطل ذلك الشاب الذي قُذف هو الآخر .. ولوّثه المنافقون بأنفاسهم الموبوءة .. تنامى إلى سمعه ما يقال عنه وعن أمّه عائشة .. فما زاد على كلمات تحدثنا عنها عائشة، فتقول:
(وبلغ الأمر إلى ذلك الرجل الذي قيل له: فقال: سبحان الله، والله ما كشفت كنف أنثى قط) (٥).
لكن عبد الله بن أبي بن سلول يصرّ على تشويهه والافتراء عليه ويتشهى بذكره وذكر أمّه عائشة في مجلسه حتى طفح الكيل .. فأغضب صنيعه رسول الله ﷺ فماذا فعل؟ ..
стр. 726
رسول الله ﷺ يخطب حزنًا
فبعد أن سمع ﷺ رأي أقرب الناس من عائشة وأعلمهم بحالها .. خاصة أسامة وزينب وبريرة .. تحرك نحو منبره وجمع أصحابه يطلب منهم أن يعذروه .. أن ينصروه على ذلك المنافق الذي يبحث عن أي قذارة يلطخ بها رسول الله ﷺ وأهله وأصحابه.
تقول عائشة ﵂:
"فخرج النبي ﷺ فحمد الله وأثنى عليه"، فقام رسول الله ﷺ على المنبر، فاستعذر (١) من عبد الله بن أبي سلول. فقال: رسول الله ﷺ :
"أشيروا عليّ معشر المسلمين في قوم أبنوا (٢) أهلي، ما علمت عليهم من سوء قط، وابنوهم بمن والله ما علمت عليه من سوء قط، ولا تغيب قط إلَّا وهو معي، ولا دخل بيتي قط إلَّا وأنا شاهد".
يا معشر المسلمين .. من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلي إلَّا خيرًا.
ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلَّا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلَّا معي.
فقام سعد بن معاذ الأنصاري (٣)، فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله (٤)،
إن كان من الأوس ضربنا عنقه،
стр. 727
وإن كان من إخواننا الخزرج، أمرتنا ففعلنا أمرك.
فقام سعد بن عبادة -وهو سيد الخزرج وكان رجلًا صالحًا، ولكن اجتهلته الحمية- فقال لسعد بن معاذ:
كذبت .. لعمر الله، لا تقتله، ولا تقدر على قتله "أما والله أن لو كانوا من الأوس ما أحببت أن تضرب أعناقهم".
فقام أسيد بن حضير -وهو ابن عم سعد بن معاذ- فقال لسعد بن عبادة:
كذبت .. لعمر الله، لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فثار الحيان: الأوس والخزرج "حتى كاد أن يكون بين الأوس والخزرج شرٌّ في المسجد"، حتى همّوا أن يقتتلوا) (١).
تأزم الموقف .. ورقص الشيطان طربًا لما يحدث .. وتمايل قلب عبد الله ابن أبي بن سلول فرحًا بالمسافة التي وصلت إليها الأمور ..
كلمة واحدة .. لا دليل عليها ولا برهان سوى الكذب .. أوصلت الأمور إلى حد كادت السيوف أن تُسلّ .. والدماء أن تغرق المسجد ومن فيه .. وتلك الكلمات التي تفوّه بها سعد بن عبادة ﵁ .. في دفاعه عندما اجتهلته الحمية .. تلك الكلمة التي قيلت دفاعًا عن رأس المنافقين وخبيثهم في ساعة غضب وحمية .. كانت كلمات خطيرة جدًا .. كانت مليئة بالدماء .. قالها أحد عظماء الإِسلام ورجاله السابقين .. ولا تقل عنها في الخطورة تلك الكلمات التي أطلقها أسيد بن حضير ﵁ غضبًا لله ورسوله .. وهو من عظماء الإِسلام ورجاله السابقين كسعد بن عبادة .. لكنه غضب لله ورسوله غضبًا جعله يصف ابن عبادة بالنفاق.
стр. 728
تلك الكلمات التي انطلقت كالرصاص الطائش داخل المسجد كانت أمام سمع النبي ﷺ وبصره .. أمام سمع نبي مجروح في عرضه وشرفه ومكانته وهو قائد هذه الأمة .. وفي بقعة هي من خير البقاع على وجه الأرض .. داخل المسجد النبوي الكريم ..
موقفان خطيران .. حدثا أمام النبي ﷺ ومازالت مشاهدهما تتكرّر في كل زمان .. موقفان يتجسدان أكثر ما يتجسدان بين الدعاة وبين العلماء .. بين من يحملون الإِسلام خطًا ومنهاجًا وإن تحوّرت القبيلة إلى جماعة في بعض المشاهد .. موقفان لا يمكن وصفهما إلَّا بالتطرف ..
موقف من تجتهله الحمية وتقوده فينسى نفسه وحدوده ..
وموقف من يغضب لله ومحارمه غضبًا ينسيه نفسه وحدوده .. فإذا غضبه يقتحم النوايا والقلوب والضمائر ..
لا هذا يهم .. ولا ذاك .. لا موقف سعد بن عبادة ﵁ ولا موقف أسيد بن حضير ﵁ .. لأنها تسر وتفرح ابن أُبَيّ ومن معه .. أما نحن فأمامنا موقف هذا الواقف فوق منبره ..
هذا النبي الذي لا ينطق عن الهوى ..
صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم .. فهو الحكم والحكمة ..
محمَّد ﷺ والبقية تبع لمحمد ..
ماذا فعل بأبي هو وأمي .. وهو يحس بالمنايا تموج تنتظر السيوف والدماء .. لقد قتل الفتنة في مهدها .. وأعاد الطرفان إلى الصواب والحكمة .. فسعد بن عبادة ملء السمع والبصر .. وأسيد بن حضير ملء السمع والبصر .. لكنهما غاضبان .. والأمر لا يستحق أن تسفك من أجله
стр. 729
الدماء .. وما سفكت الدماء في مثل هذه المواقف إلَّا لغياب تلك الحكمة التي انطلقت من فوق منبره ﷺ .
تقول عائشة ﵂ وهي تكمل حديثها: (همّوا أن يقتتلوا، ورسول الله ﷺ قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكتوا، وسكت.
قالت عائشة: وبكيت يومي ذلك، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم بكيت ليلتي المقبلة، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدى) (١).
أمّا عائشة نفسها فقد كاد الحزن أن يهلكها ويفنيها .. إنها تصف ما وصلت إليه .. فتقول:
(لما بلغني ما تكلّموا به، هممت أن آتي قليبًا فأطرح نفسي فيه) (٢) .. لكنها لم تفعل لخوفها من الله .. وثقتها به .. وأنه لن يتركها وحيدة في هذا العالم الحائر في أمرها .. وتواصل حديثها عن النبي ﷺ وما جرى في مسجده .. فتقول:
(وبكيت يومي ذلك، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم بكيت ليلتي المقبلة، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، "فأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويومًا"، وأبواي يظنّان أن البكاء فالق كبدي، فبينما هما
стр. 730
جالسان عندي، وأنا أبكى، استأذنت عليّ امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكى "معي".
فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله ﷺ "وقد صلّى العصر"، فسلم. ثم جلس -ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل- وقد لبث شهرًا لا يُوحى إليه في شأني بشىء -"وقد اكتنفني أبواي عن يميني وشمالي"- فتشهد رسول الله ﷺ حين جلس ثم قال: أما بعد يا عائشة .. فإنه قد بلغني عنك كذا .. وكذا .. فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب، فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب "إلى الله" تاب الله عليه، فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته (١)، قلص دمعى (٢) حتى ما أحس منه قطرة. فقلت لأبي: أجب عنّي رسول الله فيما قال.
فقال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ .
فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله ﷺ .
فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ) (٣). سكت الجميع فتحررت من صدر عائشة المظلومة:
دعوة مكروب
انفجرت داخل صدرها كالبركان .. دعوة نبيّ الله يعقوب عندما فقد أحبّ أبنائه إليه .. يوسف وبنيامن ﵉ .. دعوة أطلقها يعقوب
стр. 731
بعدما أصابه العمى وابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم .. لكن حزن عائشة أنساها اسم ذلك النبيّ المكروب .. حاولت تذكره فلم تستطع لكنها عاشت معاناته ودعاءه .. توجهت عائشة الصغيرة نحو أبيها الذي لا يدري ما يقول .. نحو أمها الحيرانة .. نحو حبيبها الذي آذاه الناس وتأخّر عنه الوحي .. فقالت كلمات كالجمر .. قالت ﵂:
(فقلت: وأنا جارية حديثة السن، لا أقرأ كثيرًا من القرآن، "تشهدت، فحمدت الله تعالى وأثنيت عليه بما هو أهله ثم قلت: أما بعد": إني والله، لقد عرفت أنكم قد سمعتم هذا حتى استقرّ في نفوسكم وصدقتم به، فإن قلت لكم إني بريئة -والله يعلم أني بريئة- لا تصدقوني بذلك، "والله يشهد إني لصادقة، ما ذاك بنافعي عندكم لقد تكلمتم به وأشربته قلوبكم"، ولئن اعترفت لكم بأمرٍ -والله يعلم أني بريئة- لتصدقونني "إن قلت إني فعلت -والله يعلم أني لم أفعل- لتقولن قد باءت به على نفسها".
وإني والله .. ما أجد لي ولكم مثلًا إلَّا كما قال أبو يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ "والتمست اسم يعقوب فلم أقدر عليه") (١)، حاولت عائشة تذكر اسم يعقوب فلم تستطع .. فألقت بجسدها وقلبها المتعبين علي فراش كالمرض .. وألقت بكمدها وبثها إلى الله وسكتت .. دعوة فتاة مظلومة بلغ بها المرض والكرب مسافات أتعبتها .. ولكن الله أرحم هذه المسكينة التي أنحفها الضَّيْم والحزن .. ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب .. هبطت رحمة الله ونزل عدله سبحانه .. فسمعت عائشة في تلك الحجرة حركة غريبة وهمهمة ..
стр. 732
فاعتدلت ونظرت فإذا النبي ﷺ مغشى عليه والعرق يتحدّر من جبينه الشريف .. وهو يعاني ثقلًا وشدّة من نزول الوحي عليه .. بـ:
براءة عائشة ﵂
تقول أم المؤمنين بعد أن لهجت بدعائها: (فصبر جميل، والله المستعان على ما تصفون ..
ثم تحولت، فاضطجعت على فراشي، وأنا والله يعلم أني بريئة، وأن الله مبرّئي ببراءتي. ولكن -والله- ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلّم الله فيّ بأمر يتلى، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله بها. فوالله ما رام (١) رسول الله ﷺ مجلسه، ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله على نبيّه ﷺ ، فأخذه (٢) ما كان يأخذه من البرحاء (٣) عند الوحي، حتى إنه كان ليتحدّر منه مثل الجمان (٤) من العرق في اليوم الشات (٥)، من ثقل القول الذي أنزله عليه، "وأنزل على رسول الله ﷺ من ساعته، فسكتنا، فرفع عنه وإني لأتبيّن السرور في وجهه وهو يمسح جبينه" فلما سرّي (٦) عن رسول الله ﷺ -هو يضحك- فكان أوّل كلمة تكلّم بها أن قال: أبشري يا عائشة، أما الله فقد برّأك "أنزل الله براءتك"، فقالت لي أمي: قومي إليه. فقلت: والله .. لا أقوم إليه، ولا
стр. 733
أحمد إلَّا الله هو الذي أنزل براءتي، "وكنت أشد ما كنت غضبًا، فقال لي أبواى: قومي [فقبلي رأس رسول الله]- فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمده، ولا أحمدكما، ولكن أحمد الله الذي أنزل براءتي، لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيّرتموه".
فأنزل الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ (١) مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ (٢) وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣)(١١) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ (٤) فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ (٥) بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ (٦) فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ
стр. 734
الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١)، عشر آيات، فأنزل الله هؤلاء الآيات براءتي) (٢).
وتصف عائشة ﵂ حالها وحالة والديها أثناء نزول هذه الآيات الكريمات والنبي ﷺ مغشى عليه من شدّة الوحي .. فتقول:
(فوالله ما برح رسول الله ﷺ مجلسه حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه، فسجي بثوبه، ووُضعت وسادة من أدم (٣) تحت رأسه، فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت، فوالله ما فزعت وما باليت، قد عرفت أني بريئة، وأن الله غير ظالمي، وأما أبواي فوالذي نفس عائشة بيده ما سرّي عن رسول الله ﷺ حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقًا (٤) من أن يأتي من الله تحقيق ما قال الناس (٥).
ثم سرّي عن رسول الله ﷺ ، فجلس، وإنه ليتحدّر من وجهه مثل الجمان في يوم شات، فجعل يمسح العرق عن وجهه ويقول: أبشري يا عائشة، قد أنزل الله براءتك. قلت: الحمد لله) .. ثم قام ﷺ وخرج من البيت .. متجهًا نحو الناس .. نحو المدينة .. نحو العالم .. ليخبرهم ببراءة حبيبته .. وكذب ابن سلول ومن معه .. وليضع أمام الدنيا .. كل الدنيا حقيقة طاهرة .. وحكمًا لا يزول .. أن من سيقذف عائشة بعد اليوم فقد كذب الله وكفر بكتابه .. خرج ﷺ لـ:
стр. 735
إعلان البراءة واستدعاء الجناة
تقول عائشة ﵂: (ثم خرج ﷺ إلى الناس، وتلا عليهم ما أنزل الله من القرآن في ذلك و"لما تلا رسول الله ﷺ القصة التي نزل بها عذري على الناس، نزل فأمر برجلين وامرأة، ممّن تكلم بالفاحشة في عائشة فجلدوا حدهم": أمر. بمسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، وكانوا مما أفصح بالفاحشة فضربوا حدّهم) (١) .. أي جلد كل واحد من هؤلاء الثلاثة ثمانين جلدة .. لأن الله قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ (٢) ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ (٣)، وقد تاب الثلاثة ﵃ بعد أن نزلت الآيات وتأكدوا من تهوّرهم .. واستخفاف ابن أبي بن سلول بعقولهم .. وكان لأبي بكر موقف من مسطح تبيّن من خلاله مدى الجرح الذي كان يئن منه أبو بكر ويعاني .. لكن إيمان أبي بكر كان أعظم من أي موقف .. أسما من أي قرار يتّخذه ساعة غضب .. لأنه أبو بكر .. ولأنه الصدّيق ..
موقف أبي بكر الغاضب
تقول عائشة ﵂: (فقال أبو بكر -وكان ينفق على مسطح
стр. 736
لقرابته منه وفقره-: والله لا أنفق عليه شيئًا أبدًا، بعد الذي قال لعائشة "فحلف أبو بكر أن لا ينفع مسطحًا بنافعة أبدًا"، فأنزل الله : ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾.
فقال أبو بكر: "بلى والله يا ربنا إنا لنحب أن تغفر لنا"، والله إني لأحب أن يغفر الله لي. فرجع إلى مسطح النفقة التي كانت ينفق عليه، "وعاد له بما كان يصنع"، وقال: لا أنزعها منه أبدًا) (١).
أفاق مسطح بن أثاثة على نسمات أبي بكر الباردة .. فأدرك عظمة الصديق وكرمه .. وأدرك فداحة الخطأ الذي ارتكبه في حقه وحق ابنته الطهور ..
أبو بكر الذي تغلغل في سويداء النبي ﷺ واحتلّ ما لم يحتله غيره .. لا يستحق كل هذا العقوق .. ولكى تعرف مساحة أبي بكر في عالم النبي ﷺ إليك هذه القصة التي حصلت فيها:
مشادة بين أبي بكر وعمر
سوء خلاف بين أعظم رجلين في أمة محمَّد ﷺ .. سوء الخلاف ذلك أثار غبارًا انقشع .. فلم تر الدنيا بعد انقشاعه إلَّا أبا بكر .. ثم عمر والباقين ﵃ جميعًا ..
صحابي اسمه أبو الدرداء شاهد ما حدث ورواه، فقال:
(كانت بين أبي بكر وعمر محاورة، فأغضب أبو بكر عمر، فانصرف عنه عمر مغضبًا، فأتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له، فلم يفعل حتى
стр. 737
أغلق بابه في وجهه، فأقبل أبو بكر إلى رسول الله ﷺ ، فقال أبو الدرداء: -ونحن عنده- فقال رسول الله ﷺ : أما صاحبكم فقد غامر (١).
وندم عمر على ما كان منه، فأقبل حتى سلّم، وجلس إلى النبي ﷺ ، وقصّ على رسول الله ﷺ الخبر.
قال أبو الدرداء:
وغضب رسول الله ﷺ "فجعل وجه النبي ﷺ يتمعر (٢) حتى أشفق (٣) أبو بكر، فجثا على ركبتيه" (٤)، وجعل أبو بكر يقول:
والله يا رسول الله، لأنا كنت أظلم "يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم"، فقال رسول الله ﷺ :
هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟
هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟
إني قلت: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت "وواساني بنفسه وماله" "فما أوذي بعدها") (٥)، فإذا كانت هذه الغضبة من أجل أبي بكر وفي أمر بسيط .. ومع من؟ مع عمر وما أدراك ما هذا العظيم المسمّى عمر .. فماذا يقال عن إيذاء مَنْ هم دون عمر .. وافتراء من هم أقل .. على أبي بكر ﵃ جميعًا.
هذه المرة لم ينتصر النبي ﷺ لأبي بكر .. لقد انتصر له الله .. وآزره
стр. 738
الله .. وأنزل فيه وفي ابنته آيات تتلى إلى يوم القيامة .. أما عدوّه وعدّو الله وعدوّ رسول الله ﷺ عبد الله بن أبي بن سلول .. جرثومة النفاق الخبيثة فقد وجدت له سببين لكل هذه الحملة القذرة التي شنّها ليلوّث بها عرض رسول الله ﷺ وعرض صاحبه الصديق ..
السبب الأول هو كفره وحقده وحسده للنبي ﷺ على زعامته وإقامته دول مسلمة في عقر داره ودار قومه ..
أما السبب الثاني، فهو سؤال حول:
عبد الله بن أبيّ بن سلول هل كان قوادًا
والقواد هو الذي يقوم بتنظيم حفلات البغاء .. وتأجير البغايا .. مقابل مبالغ قذرة مثله .. وكان عبد الله بن أبيّ يقوم بذلك .. بل كان يرغم جاريته على الزنا إرغامًا .. ويبدو أنه تضايق كثيرًا عندما نزل تحريم الزنا .. وهو يريد تعميم تجربته المثيرة في هذا المجال وإشاعتها .. وعندما لم يجد بدًّا من التخلص من قذارته رماها على عتبة دار عائشة النظيفة النقيّة .. يقول أحد الصحابة:
(في قول الله تعالى:
﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾، قال: نزلت في عبد الله بن أبي، كانت عنده جارية "يقال لها مسيكة"، وكان يكرهها على الزنا، فأنزل الله ﵎:
﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١)، بهنّ .. إذًا فهذا هو عالم
стр. 739
ابن سلول المليء باليهود والعفن والبغايا والنفاق .. إنه كبعض الحشرات التى لا تجد نفسها إلَّا عند القذارة .. وهم لم يكن كذلك في جاهليته .. لكنه الحسد .. يطيح بالقامات ويجتث من النفوس المكرمات .. أمّا من حاول الدفاع عنه في لحظة من لحظات الضعف البشري حين تمسّها العصبية فله قصة أخرى جعلته يفيق من لحظة السهو القصيرة تلك .. أقصد سعد بن عبادة ﵁ الذي تحدّى سعد بن معاذ أن يقتل عبد الله ابن أبي بن سلول ..
قصة ابن عبادة مع القذف
ابن عبادة الكريم .. والصحابي العظيم الجليل .. يحب قبيلته .. ويتمزّق قلبه لأفعال أحد زعماء قومه المشينة .. يؤلمه ما يقوله عبد الله بن أبي ويتمنى هدايته لكن ابن أبي كان حجرًا .. نزلت الآية تبيِّن أن من قذف يجلد فتحركت الغيرة في دم سعد بن عبادة وغلت .. فتكلم بكلام لم يعجب النبي ﷺ .. فابتلاه الله بمصيبة وقعت في قومه .. فكانت عارًا على قوم ابن أبي بعد أن كان يتمنى تعليق العار على باب النبي ﷺ .. فعندما (نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾، قال سعد بن عبادة: لهكذا أنزلت يا رسول الله؟! لو أتيت لكاع (١) قد تفخذها رجل، لم يكن لي أن أهيجه ولا أحرّكه، حتى آتي بأربعة شهداء؟ فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء، حتى يفرغ من حاجته! "إن أنا رأيت لكاع متفخذها
стр. 740
رجل، فقلت بما رأيت، إن في ظهري لثمانين"، فقال رسول الله ﷺ : يا معشر الأنصار، أما تسمعون إلى ما يقول سيدكم؟
قالوا: لا تلمه فإنه رجل غيور، ما تزوج فينا قط إلَّا عذراء، ولا طلّق امرأة له، فاجترأ رجل منّا أن يتزوجها "فقال رسول الله ﷺ : فإن الله يأبى إلَّا ذاك" (١).
قال سعد: "صدق الله ورسوله" يا رسول الله بأبي وأمي، والله إني لأعرف أنها من الله، وأنهّا حق، ولكن عجبت لو وجدت لكاع قد تفخذها رجل، لم يكن لي أن أهيجه ولا أحرّكه، حتى آتي بأربعة شهداء، والله لا آتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته، فوالله ما لبثوا إلَّا يسيرًا حتى جاء هلال بن أميّة -"ابن عم له"- من حديقة له، فرأى بعينيه، وسمع بأذنيه، فأمسك حتى أصبح، فلما أصبح غدا على رسول الله ﷺ -وهو جالس مع أصحابه، فقال:
يا رسول الله، إني جئت أهلي عشاء، فوجدت رجلًا مع أهلي، رأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله ﷺ ما أتاه به، وثقل عليه جدًا، حتى عرف ذلك في وجهه، فقال هلال: والله يا رسول الله، إني لأرى الكراهة في وجهك مما أتيتك به، والله يعلم أني صادق، وما قلت إلَّا حقًا، فإني لأرجو أن يجعل الله فرجًا.
واجتمعت الأنصار فقالوا: ابتلينا بما قال سعد، أيجلد هلال بن أمية، وتبطل شهادته في المسلمين؟ "فشق ذلك على المسلمين، فقال: لا والله لا يجعل في ظهري ثمانين أبدًا، لقد نظرت حتى أيقنت، ولقد استسمعت حتى استشفيت".