لقرابته منه وفقره-: والله لا أنفق عليه شيئًا أبدًا، بعد الذي قال لعائشة "فحلف أبو بكر أن لا ينفع مسطحًا بنافعة أبدًا"، فأنزل الله : ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾.
فقال أبو بكر: "بلى والله يا ربنا إنا لنحب أن تغفر لنا"، والله إني لأحب أن يغفر الله لي. فرجع إلى مسطح النفقة التي كانت ينفق عليه، "وعاد له بما كان يصنع"، وقال: لا أنزعها منه أبدًا) (١).
أفاق مسطح بن أثاثة على نسمات أبي بكر الباردة .. فأدرك عظمة الصديق وكرمه .. وأدرك فداحة الخطأ الذي ارتكبه في حقه وحق ابنته الطهور ..
أبو بكر الذي تغلغل في سويداء النبي ﷺ واحتلّ ما لم يحتله غيره .. لا يستحق كل هذا العقوق .. ولكى تعرف مساحة أبي بكر في عالم النبي ﷺ إليك هذه القصة التي حصلت فيها:
مشادة بين أبي بكر وعمر
سوء خلاف بين أعظم رجلين في أمة محمَّد ﷺ .. سوء الخلاف ذلك أثار غبارًا انقشع .. فلم تر الدنيا بعد انقشاعه إلَّا أبا بكر .. ثم عمر والباقين ﵃ جميعًا ..
صحابي اسمه أبو الدرداء شاهد ما حدث ورواه، فقال:
(كانت بين أبي بكر وعمر محاورة، فأغضب أبو بكر عمر، فانصرف عنه عمر مغضبًا، فأتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له، فلم يفعل حتى
стр. 737
أغلق بابه في وجهه، فأقبل أبو بكر إلى رسول الله ﷺ ، فقال أبو الدرداء: -ونحن عنده- فقال رسول الله ﷺ : أما صاحبكم فقد غامر (١).
وندم عمر على ما كان منه، فأقبل حتى سلّم، وجلس إلى النبي ﷺ ، وقصّ على رسول الله ﷺ الخبر.
قال أبو الدرداء:
وغضب رسول الله ﷺ "فجعل وجه النبي ﷺ يتمعر (٢) حتى أشفق (٣) أبو بكر، فجثا على ركبتيه" (٤)، وجعل أبو بكر يقول:
والله يا رسول الله، لأنا كنت أظلم "يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم"، فقال رسول الله ﷺ :
هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟
هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟
إني قلت: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت "وواساني بنفسه وماله" "فما أوذي بعدها") (٥)، فإذا كانت هذه الغضبة من أجل أبي بكر وفي أمر بسيط .. ومع من؟ مع عمر وما أدراك ما هذا العظيم المسمّى عمر .. فماذا يقال عن إيذاء مَنْ هم دون عمر .. وافتراء من هم أقل .. على أبي بكر ﵃ جميعًا.
هذه المرة لم ينتصر النبي ﷺ لأبي بكر .. لقد انتصر له الله .. وآزره
стр. 738
الله .. وأنزل فيه وفي ابنته آيات تتلى إلى يوم القيامة .. أما عدوّه وعدّو الله وعدوّ رسول الله ﷺ عبد الله بن أبي بن سلول .. جرثومة النفاق الخبيثة فقد وجدت له سببين لكل هذه الحملة القذرة التي شنّها ليلوّث بها عرض رسول الله ﷺ وعرض صاحبه الصديق ..
السبب الأول هو كفره وحقده وحسده للنبي ﷺ على زعامته وإقامته دول مسلمة في عقر داره ودار قومه ..
أما السبب الثاني، فهو سؤال حول:
عبد الله بن أبيّ بن سلول هل كان قوادًا
والقواد هو الذي يقوم بتنظيم حفلات البغاء .. وتأجير البغايا .. مقابل مبالغ قذرة مثله .. وكان عبد الله بن أبيّ يقوم بذلك .. بل كان يرغم جاريته على الزنا إرغامًا .. ويبدو أنه تضايق كثيرًا عندما نزل تحريم الزنا .. وهو يريد تعميم تجربته المثيرة في هذا المجال وإشاعتها .. وعندما لم يجد بدًّا من التخلص من قذارته رماها على عتبة دار عائشة النظيفة النقيّة .. يقول أحد الصحابة:
(في قول الله تعالى:
﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾، قال: نزلت في عبد الله بن أبي، كانت عنده جارية "يقال لها مسيكة"، وكان يكرهها على الزنا، فأنزل الله ﵎:
﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١)، بهنّ .. إذًا فهذا هو عالم
стр. 739
ابن سلول المليء باليهود والعفن والبغايا والنفاق .. إنه كبعض الحشرات التى لا تجد نفسها إلَّا عند القذارة .. وهم لم يكن كذلك في جاهليته .. لكنه الحسد .. يطيح بالقامات ويجتث من النفوس المكرمات .. أمّا من حاول الدفاع عنه في لحظة من لحظات الضعف البشري حين تمسّها العصبية فله قصة أخرى جعلته يفيق من لحظة السهو القصيرة تلك .. أقصد سعد بن عبادة ﵁ الذي تحدّى سعد بن معاذ أن يقتل عبد الله ابن أبي بن سلول ..
قصة ابن عبادة مع القذف
ابن عبادة الكريم .. والصحابي العظيم الجليل .. يحب قبيلته .. ويتمزّق قلبه لأفعال أحد زعماء قومه المشينة .. يؤلمه ما يقوله عبد الله بن أبي ويتمنى هدايته لكن ابن أبي كان حجرًا .. نزلت الآية تبيِّن أن من قذف يجلد فتحركت الغيرة في دم سعد بن عبادة وغلت .. فتكلم بكلام لم يعجب النبي ﷺ .. فابتلاه الله بمصيبة وقعت في قومه .. فكانت عارًا على قوم ابن أبي بعد أن كان يتمنى تعليق العار على باب النبي ﷺ .. فعندما (نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾، قال سعد بن عبادة: لهكذا أنزلت يا رسول الله؟! لو أتيت لكاع (١) قد تفخذها رجل، لم يكن لي أن أهيجه ولا أحرّكه، حتى آتي بأربعة شهداء؟ فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء، حتى يفرغ من حاجته! "إن أنا رأيت لكاع متفخذها
стр. 740
رجل، فقلت بما رأيت، إن في ظهري لثمانين"، فقال رسول الله ﷺ : يا معشر الأنصار، أما تسمعون إلى ما يقول سيدكم؟
قالوا: لا تلمه فإنه رجل غيور، ما تزوج فينا قط إلَّا عذراء، ولا طلّق امرأة له، فاجترأ رجل منّا أن يتزوجها "فقال رسول الله ﷺ : فإن الله يأبى إلَّا ذاك" (١).
قال سعد: "صدق الله ورسوله" يا رسول الله بأبي وأمي، والله إني لأعرف أنها من الله، وأنهّا حق، ولكن عجبت لو وجدت لكاع قد تفخذها رجل، لم يكن لي أن أهيجه ولا أحرّكه، حتى آتي بأربعة شهداء، والله لا آتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته، فوالله ما لبثوا إلَّا يسيرًا حتى جاء هلال بن أميّة -"ابن عم له"- من حديقة له، فرأى بعينيه، وسمع بأذنيه، فأمسك حتى أصبح، فلما أصبح غدا على رسول الله ﷺ -وهو جالس مع أصحابه، فقال:
يا رسول الله، إني جئت أهلي عشاء، فوجدت رجلًا مع أهلي، رأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله ﷺ ما أتاه به، وثقل عليه جدًا، حتى عرف ذلك في وجهه، فقال هلال: والله يا رسول الله، إني لأرى الكراهة في وجهك مما أتيتك به، والله يعلم أني صادق، وما قلت إلَّا حقًا، فإني لأرجو أن يجعل الله فرجًا.
واجتمعت الأنصار فقالوا: ابتلينا بما قال سعد، أيجلد هلال بن أمية، وتبطل شهادته في المسلمين؟ "فشق ذلك على المسلمين، فقال: لا والله لا يجعل في ظهري ثمانين أبدًا، لقد نظرت حتى أيقنت، ولقد استسمعت حتى استشفيت".
стр. 741
فهمّ رسول الله ﷺ بضربه، فإنه لكذلك يريد أن يأمر بضربه، ورسول الله ﷺ جالس مع أصحابه، إذ نزل عليه الوحي، فأمسك أصحابه عن كلامه حين عرفوا أن الوحي قد نزل، حتى فرغ، فأنزل الله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ- (١) - وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ- (٢) - عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾.
فقال رسول الله ﷺ :
أبشر يا هلال، فإن الله قد جعل لك فرجًا. فقال: قد كنت أرجو ذلك من الله، فقال رسول الله ﷺ : أرسلوا إليها. فجاءت، فلما اجتمعا عند رسول الله ﷺ ، قيل لها: فكذَّبت.
فقال رسول الله ﷺ : إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟
فقال هلال: يا رسول الله بأبي وأمي لقد صدقت، وما قلت إلَّا حقًا. فقال رسول الله ﷺ : لاعنوا بينهما) (٣).
ما هي الملاعنة
الملاعنة تكون بين الزوجين .. في حالة اتّهام الزوج لزوجته بالزنا .. فيحلف قائلًا أربع مرات: أشهد بالله أنني صادق في اتهامي .. وفي المرة الخامسة يقول أن لعنة الله عليَّ إن كنت كاذبًا عليها .. فيقام عليها الحد
стр. 742
والعقوبة إلا في حالة أن تشهد زوجته بالله أربع مرات أنه لمن الكاذبين في اتّهامه لها .. ثم تقول في الخامسة: أن غضب الله عليَّ إن كان من الصادقين.
(فقال رسول الله ﷺ : لاعنوا بينهما.
قيل لهلال: يا هلال .. اشهد. فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين. فقيل له عند الخامسة: يا هلال، اتق الله، فإن عذاب الله أشدّ من عذاب الناس، وإنها الموجبة التي توجب عليك العذاب.
فقال هلال: والله لا يعذبني الله عليها، كما لم يجلدني عليها رسول الله ﷺ ، فشهد الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.
ثم قيل لها: اشهدي، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، فقيل لها عند الخامسة: اتقى الله، فإن عذاب الله أشدّ من عذاب الناس، وإن هذه الموجبة التي توجب عليها العذاب، فتلكأت (١) ساعة، ثم قالت: والله لا أفضح قومي.
فشهدت الخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ففرّق بينهما رسول الله ﷺ وقضى أن الولد لها، ولا يدعى لأب ولا يرمى ولدها) (٢).
وكان اسم الرجل المتهم بالمرأة "شريك بن سمحاء"، يقول أحد الصحابة وهو يروي القصة:
стр. 743
(قامت فشهدت، فلما كان في الخامسة وقفوها، وقالوا: إنها موجبة، فتلكأت (١) ونكصت حتى ظننّا أنها ترجع ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم. فمضت، فقال النبي ﷺ : أبصروها، فإن جاءت به أكحل العينين (٢)، سابغ الإليتين (٣)، خدلج الساقين (٤)، فهو لشريك بن سمحاء.
فجاءت به كذلك، فقال النبي ﷺ : لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن) (٥)، فقد صدق هلال وكذبت .. ولكن لا يطبق الحدّ بعد نزول هذه الآية إلَّا بالاعتراف أو البيِّنة .. كما قال ﷺ : (لو كنت راجمًا أحدًا بغير بيّنة رجمت هذه) (٦).
كان حادث الإفك افتراءً .. ظلمًا وتجنّيًا على عائشة .. لكن رحمة الله وانتصاره للمظلوم وعدالته .. أحالته إلى دروس وأحكام وبراءة ..
ها هي عائشة بريئة كيوم ولدتها أمّها .. ها هي وقد غمرها ﷺ بأمواج حبّه وفؤاده ..
ها هي وقد رفعها الله بآيات كريمات .. وتكلّم في شأنها ودافع عنها جبار السموات والأرض ..
كان الفرج بحجم الدنيا في صدر عائشة .. لكنها غاضبة غضبًا شديدًا .. وعاتبة عتابًا شديدًا على من يسكنون قلبها .. زوجها ﷺ ووالديها ﵄ .. فلم تقدم لهم أي نوع من أنواع الامتنان
стр. 744
والشكر .. ومع ذلك لم يلمها أحد منهم .. فالذي مرّ على هذه الفتاة المسكينة ثقيل جدًا .. ومرير جدًا ..
إن سمعة المرأة وشرفها عند العرب تعادل حياتها .. وهم لم يدفنوا بناتهم وهنّ صغار إلَّا خشية أن يتّهمن بما اتّهمت به عائشة .. ومن يستطيع أن ينفي تهمة في ذلك المجتمع .. والهدم أسهل من البناء .. فهل تُلام عائشة إذا غضبت على من أحبّتهم .. لم يلمها ﷺ .. بل استرضاها وأرضاها بلطفه ورقته وحبّه .. كان ﷺ يقول لها:
(إني لأعلم إذا كنت عني راضية، وإذا كنت عليّ غضبى.
فقلت: ومن أين تعرف ذلك؟ قال ﷺ :
أما إذا كنت عني راضية، فإنك تقولين، لا، وربّ محمَّد. وإذا كنت غضبى، قلت: لا، وربّ إبراهيم.
قلت: أجل يا رسول الله، ما أهجر إلَّا اسمك) (١).
نهضت عائشة من الموت .. وتهادت كالنهر .. كالبدر .. نحو:
بساتين الحب
بساتين الحب التي زرعها ﷺ ونسق شجيراتها وأزهارها .. تدلّلت فيها عائشة .. ورفرفت فيها كالطير .. كالعبير .. حتى (كان الناس يتحرّون بهداياهم يوم عائشة "يبتغون مرضاة رسول الله ﷺ ".
قالت عائشة: فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة، فقلن:
يا أم سلمة، والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة (٢)، وإنا نريد
стр. 745
الخير كما تريده عائشة، فمري رسول الله ﷺ أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيثما كان، أو حيثما دار، فذكرت ذلك أم سلمة للنبي ﷺ ، قالت: فأعرض عني، فلما عاد إليَّ، ذكرت له ذلك، فأعرض عني، فلما كان في الثالثة ذكرت له فقال: يا أم سلمة، لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكنّ غيرها) (١).
وانقسم نساء النبي ﷺ إلى:
حزبين في بيت النبوّة
تقول عائشة ﵂:
(إن نساء رسول الله ﷺ كنّ حزبين:
فحزب فيه عائشة وحفصة وصفية (٢) وسودة، والحزب الآخر أم سلمة وسائر نساء رسول الله ﷺ ، وكان المسلمون قد علموا حب رسول الله ﷺ عائشة، فإذا كانت عند أحدهم هدية يريد أن يهديها إلى رسول الله ﷺ أخّرها حتى إذا كان رسول الله ﷺ في بيت عائشة بعث صاحب الهدية إلى رسول الله ﷺ في بيت عائشة، فكلّم حزب أم سلمة فقلن لها: كلّمي رسول الله ﷺ يكلّم الناس) (٣)، فذهبت أم سلمة وكلّمته وحدث ما حدث كما في القصة السابقة .. لكن حزب أم سلمة لم يستسلم .. واصل المطالبة .. وهذه المرة قرّر الحزب أن يضغط على النبي ﷺ ، مستخدمًا جانب العاطفة الأبوية .. مدركًا مدى رقّته ﷺ ورحمته ببناته وأولاده خاصة فاطمة الزهراء ﵂ .. قرّر حزب أم سلمة ذلك
стр. 746
عن طريق حبيبته فاطمة .. مع أن النبي ﷺ كان يقضي عند كل واحدة يومًا ..
تقول عائشة ﵂: (أرسل أزواج النبي ﷺ فاطمة بنت رسول الله ﷺ إلى رسول الله ﷺ ، فاستأذنت عليه وهو مضطجع معي في مرطي، فأذن لها، فقالت: يا رسول الله، إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة -وأنا ساكتة- فقال لها رسول الله ﷺ : أي بنية .. ألست تحبين ما أحب؟
فقالت: بلى.
قال: فأحبّى هذه.
فقالت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله ﷺ ، فرجعت إلى أزواج النبي ﷺ ، فأخبرتهن بالذي قالت، وبالذي قال لها رسول الله ﷺ . فقلن لها: ما نراك أغنيت عنّا من شيء، فارجعى إلى رسول الله ﷺ فقولي له: إن أزواجك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة.
فقالت فاطمة: والله لا أكلّمه فيها أبدًا.
قالت عائشة: فأرسل أزواج النبي ﷺ زينب بنت جحش، زوج النبي ﷺ ، وهي التي تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله ﷺ .. ولم أر امرأة قط خيرًا في الدين من زينب، وأتقى لله وأصدق حديثًا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالًا لنفسها في العمل الذي تصدق به، وتقرب إلى الله تعالى، ما عدا سورة من حدة (١) كانت فيها، تسرع منها الفيئة.
فاستأذنت على رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ مع عائشة في مرطها
стр. 747
على الحالة التي دخلت فاطمة عليها وهو بها. فأذن لها رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله .. إن أزواجك أرسلنني إليك، يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، ثم وقعت بي، فاستطالت عليّ "فرفعت صوتها حتى تناولت عائشة وهي قاعدة، فسبّتها".
وأنا أرقب رسول الله ﷺ ، وأرقب طرفه، وهل يأذن لي فيها.
فلم تبرح زينب "حتى إن رسول الله ﷺ لينظر إلى عائشة: هل تكلم؟ ".
حتى عرفت أن رسول الله ﷺ لا يكره أن أنتصر.
"فتكلمت عائشة ترد على زينب حتى أسكتتها"، قالت: فلما وقعت بها لم أنشبها حين أنحيت عليها [أن أثخنتها غلبة] "فنظر النبي ﷺ إلى عائشة".
فقال رسول الله ﷺ وتبسّم: إنها ابنة أبي بكر) (١)، وقد انتصرت وانتصر حزبها .. لأنها لم تفعل ما يجرح شعورهن ﵅ .. لكنهن يطالبن النبي ﷺ بالعدل وهو عادل إلَّا في شيء واحد لا يستطيع التحكّم فيه .. وهو قلبه .. فهو بشر كبقية البشر لديه ما لديهم من الأحاسيس والمشاعر والميول .. ولم يكن ﷺ يتدخّل في كل ما يحدث بين زوجاته من أمور طبيعية تحدث عادة بين النساء عند زوج واحد .. إلَّا إذا تجاوزت إحداهن الحد .. عندها يحكم ﷺ بالعدل ويقوم بفضّ الاشتباك.
رضي حزب أم سلمة بمكانة عائشة .. بل قدم تنازلات أكثر ليحظى بحب الله ورسوله .. فبدلًا من أن يطالب حزب أم سلمة مرة أخرى بأن
стр. 748
تكون هدايا الناس في أوقات وأبيات مختلفة .. قام هذا الحزب الطيّب بتقديم الهدايا للنبي ﷺ .. لكن متى وأين ..
أم سلمة تهدي للنبي ﷺ وهو عند عائشة
هكذا انقلب الحال .. ومن كان له حيلة فليحتال .. وما دام الهدف هو الوصول إلى قلب الحبيب محمد ﷺ والمنافسة عليه .. فلا بأس بالتضحية .. ولا بأس بكتم الغيرة مؤقتًا .. فعلت ذلك أم سلمة ﵂ .. لكن عائشة أدركت أهداف أم سلمة وأدركتها الغيرة .. وخافت أن تزحزحها أم سلمة عن عرض الحب الذي تنعم به .. فقامت للتصدي لأم سلمة ولمحاولاتها ولكن بطريقة أكثر انفعالًا مما فعله حزب أم سلمة .. وأشدّ قسوة مما قالته زينب .. فما الذي جرى بين أم سلمة وعائشة ﵂ .. تحدثنا أم سلمة نفسها عن محاولتها وهديتها .. فتقول:
(إنها أتت بطعام في صحفة (١) لها، إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، فجاءت عائشة متزرة بكساء، ومعها فهر (٢)، ففلقت (٣) به الصحفة، فجمع النبي ﷺ بين فلقتي الصحفة .. ويقول:
كلوا .. غارت أمكم .. كلوا .. غارت أمكم.
ثم أخذ رسول الله ﷺ صحفة عائشة، فبعث بها إلى أم سلمة، وأعطى صحفة أم سلمة لعائشة) (٤) فانتصرت أم سلمة ﵂ هذه المرة
стр. 749
وانتصر حزبها .. ليست الغيرة فقط تحدث بين حزب وحزب .. بل -حيانًا- داخل الحزب الواحد تغلي الغيرة .. وليست هذه المرة الوحيدة التي تندفع فيها عائشة نحو تصرّف تندم عليه .. مأخوذة بالغيرة وحبّها الشديد للنبي ﷺ .. ففي أحد الأيام تصرّفت تصرفًا تمنّت بعده أن تلاقي حتفها .. رغم أن الأمر لا يستدعي الموت .. لكنها الغيرة ..
عائشة تدعو على نفسها بالموت
تقول ﵂: (كان رسول الله ﷺ إذا خرج أقرع بين نسائه، فطارت القرعة على عائشة وحفصة، فخرجتا معه جميعًا، وكان رسول الله ﷺ إذا كان بالليل سار مع عائشة، يتحدث معها، فقالت حفصة لعائشة:
ألا تركبين الليلة بعيري وأركب بعيرك، فتنظرين وأنظر؟
قالت: بلى.
فركبت عائشة على بعير حفصة، وركبت حفصة على بعير عائشة، فجاء رسول الله ﷺ إلى جمل عائشة وعليه حفصة، فسلّم، ثم سار معها حتى نزلوا.
فافتقدته عائشة، فغارت، فلما نزلوا جعلت تجعل رجلها بين الإذخر (١)، وتقول:
стр. 750
يا رب سلط عليَّ عقربًا، أو حية تلدغني، رسولك ولا أستطيع أن أقول له شيئًا) (١) .. ولا تستطيع أن تقول لحفصة شيئًا .. فهي التي جنت على نفسها .. فأي غيرة تسكن عائشة .. وأي حب ذلك الذي يأكل معها ويشرب .. ويحلّ ويرتحل .. كان حب عائشة للنبي ﷺ سماءها وأرضها وبحارها التي لا شاطئ لها ..
لكن ماذا عن حب النبي ﷺ لعائشة إلى أي مدى هو .. وما هي المسافات التي قطعتها عائشة في قلبه وبين حناياه .. ؟
النبي ﷺ نفسه .. في ساعة حب وعشق لعائشة .. في ساعة لم يكن فيها سوى محمد وعائشة والحب .. تحدّث ﷺ بحديث يتقاطر شهدًا وحبًا .. حديث لم تسمع مثله حبيبة قط .. حديث جعل عائشة تشعر أن الشمس والقمر والدنيا كلّها بين يديها.
حب النبي ﷺ لعائشة إلى أي درجة ؟
تقول ﵂: (جلست إحدى عشرة امرأة، فتعاهدن، وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئًا.
قالت الأولى: زوجي لحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينقل (٢).
قالت الثانية: زوجي لا أبثّ خبره، إني أخاف أن لا أذره، إن أذكره، أذكر عُجره وبجره (٣).
стр. 751
قالت الثالثة: زوجي العشنق: إن أنطق أطلق، وإن أسكت أعلق (١).
قالَ الرابعة: زوجي كليل تهامة: لا حر ولا قر، ولا مخافة ولا سآمة (٢).
قالت الخامسة: زوجي إن دخل فهد، وإن خرج أسد، ولا يسأل عما عهد (٣).
قالت السادسة: زوجي إن أكل لفّ، وإن شرب اشتفّ، وإن اضطجع التف، ولا يولج الكف ليعلم البثّ (٤).
قالت السابعة: زوجي غيأياء، أو عيأياء، طباقاء، كل داء له داء، ثجك، أو فلك، أو جع كُلالك (٥).
قالت الثامنة: زوجي الريح ريح زرنب، والمس مس أرنب (٦).
قالت التاسعة: زوجي رفيع العماد، طويل النجاد، عظيم الرماد، قريب البيت من الناد (٧).
стр. 752
قالت العاشرة: زوجى مالك، وما مالك؟ مالك خير من ذلك، له إبل كثيرات المبارك، قليلات المسارح، إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهنّ هوالك (١).
قالت الحادية عشر: زوجي أبو زرع، فما أبو زرع: أناس من حلي أذني (٢)، وملأ من شحم عضدي (٣)، وبجحني فبجحت إلي نفسي (٤)، وجدني في أهل غُنيمة بشق (٥)، فجعلني في أهل صهيل وأطيط (٦)، ودائس ومنق (٧)، فعنه أقول فلا أقبح (٨)، وأرقد فأتصبح (٩)، وأشرب فأتقنح (١٠).
أم أبي زرع، فما أم أبي زرع؟ عكومها رداح، وبيتها فساح (١١).
ابن أبي زرع، فما ابن أبي زرع؟ مضجعه كمسل شطبة (١٢)، ويشبعه
стр. 753
ذراع الجفرة (١).
بنت أبي زرع، فما بنت أبي زرع؟ طوع أبيها وطوع أمها، وملء كسائها (٢)، وغيظ جارتها (٣).
جارية أبي زرع، فما جارية أبي زرع؟ لا تبث حديثنا تبثيثًا (٤)، ولا تنقث ميرتنا تنقيثًا (٥)، ولا تملأ بيتنا تعشيشًا (٦).
قالت: خرج أبو زرع، والأوطاب تمخض (٧)، فلقى امرأة معها ولدان لها كالفهدين، يلعبان من تحت خصرها برمانتين (٨)، فطلّقني ونكحها، فنكحت بعده رجلًا سريًا، ركب شريًا (٩)، وأخذ خطيًا (١٠)، وأراح عليَّ نعمًا ثريًا (١١)، وأعطاني من كل رائحة زوجًا (١٢)، قال: كلي أم زرع وميري أهلك (١٣).
فلو جمعت كل شيء أعطاني ما بلغ أصغر آنية أبي زرع.
стр. 754
قالت عائشة:
قال لي رسول الله ﷺ : كنت لك كأبي زرع لأم زرع) (١).
هذه هي منزلة عائشة في قلبه ﷺ .. هي منزلة أم زرع عند أبي زرع .. غير أن النبي ﷺ أحبّها أكثر من حب أبي زرع لزوجته، لأن ذاك طلق والنبي ﷺ لم يطلق ..
هذا الحب لا شكّ أغاظ المنافقين في المدينة .. أغاظ ابن سلول ومن معه من الخفافيش .. كما أغاظهم من قبل انتصار النبي ﷺ في غزوة بني المصطلق .. التي تشعبت آثارها حتى زلزلت قريش ..
آثار غزوة بني المصطلق
انتهت غزوة بني المصطلق بانتصار النبي ﷺ على المشركين .. وانتصار عائشة ﵂ على المنافقين .. لكن تلك المعركة تركت لدى قريش وحلفائها شعورًا أسودًا .. ورعبًا ترتعد منه أوصالها .. كأن الجبال تتزلزل من حولها .. كأن الكواكب تتهاوى على رؤوسها .. فقد امتدّت يد محمد ﷺ حتى طالت جيرانهم بني المصطلق .. الذين عادوا بعد المعركة أحرارًا بعد مصاهرتهم للنبي ﷺ .. وقريش الآن تخشى أن تمتد إليهم يد محمد ﷺ فتأخذهم إلى غير رجعة ..
ويبدو أن تلك الضربات التي تلقاها المسلمون من قريش وغيرهم من الوثنين في أحد .. والرجيع وبئر معونة .. وغرها لم تزدهم إلَّا صلابة وعزمًا واتّقادًا .. كأنها النار التي تذيب صدأً .. كانت لقاحًا عاد بعده الجسم صحيحًا منيعًا .. فها هو النبي ﷺ يرسل جيشًا لرصد قوافل قريش
стр. 755
التي تمر بمحاذاة الساحل .. في غزوة يحلو للبعض تسميتها:
غزوة سيف البحر
كان قائد هذا الجيش هو أمين الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح .. وكان ضمن ذلك الجيش كبار الصحابة منهم سعد بن عبادة .. وجابر بن عبد الله الذي يقص علينا بعض أحداث تلك الغزوة فيقول:
(بعث رسول الله ﷺ بعثا قبل الساحل وأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح وهم ثلاثمائة فخرجنا وكنا ببعض الطريق فني الزاد .. فأمر أبو عبيدة بأزواد الجيش .. فجمع فكان مزودي تمر فكان يقوتنا كل يوم قليلا قليلا حتى فني فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة .. فقلت: ما تغني عنكم تمرة) (١) تمرة في اليوم الواحد مما اضطر ذلك الجيش إلى أكل نبات الخبط وهو علف للحيوانات .. ولذلك سمي ذلك الجيش فيما بعد: (جيش الخبط) .. يقول جابر ﵁ لمن سأله عن تلك السرية: (بعثنا رسول الله ﷺ وأمَّر علينا أبا عبيدة نتلقى عيرًا لقريش .. وزودنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره .. فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة .. فقلت: كيف كنتم تصنعون بها؛ قال: نمصها كما يمص الصبي ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل .. وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء فنأكله (٢).
كان سعد بن عبادة وابنه قيس ﵄ يأكلان من أشجار الخبط وهي علف للإبل .. كانا يعانيان ما تعانيه تلك السرية ويشعران بما تشعر به .. فكأن لسيد الأنصار وابنه موقف عظيم .. الكرم الأنصاري يتدفق حتى يعانق أمواج البحر .. قام سعد بن عبادة بشراء مجموعة من
стр. 756
النياق من أصحابها ثم سلمها لابنه قيس وأمره بنحرها للسرية التي أحرق أجوافها شجر الخبط .. يقول قيس ﵁: (كنت في الجيش فجاعوا قال: انحر قالك: نحرت .. ثم جاعوا .. قال: انحر .. قال: نحرت .. ثم جاعوا .. قال: انحر .. قال: نحرت ثم جاعوا .. قال: انحر .. قال: نهيت) (١) ترى كم نحر من ناقة جزور .. يقول جابر ﵁ أن سعد بن عبادة ﵁ (نحر ثلاث جزائر ثم نحر ثلاث جزائر ثم نحر ثلاث جزائر ثم إن أبا عبيدة نهاه) (٢) لأن هذا الكرم الأنصاري ليس له حدود .. وسيقضي على مراكب السرية .. وقد تعودُ إلى المدينة على الأقدام إذا لم يتم إيقاف تدفقه .. كانت أياما عصيبة ومريرة .. كان فارسها سعد بن عبادة الكريم .. وكانت رحمة الله فوق ما يتصورون .. فقد رأى بعضهم صخرة كبيرة جداء .. وكانت سوداء وملساء تتمدد على الساحل .. اقترب الجميع منها فإذا هي ليست بصخرة .. إنها حوت عملاق يسمونه العنبر .. كان ميتا ينبض بالحياة لهذه السرية .. وقد فرح الجميع بهذه المفاجأة السارة وشكروا الله عليها .. لكن أبا عبيدة تذكر أن الميتة لا تجوز .. ثم تذكر كم يفتح الإِسلام من أبواب الفرج في أشد ساعات الضيق .. تذكر أن هناك ضرورة الإبقاء على هذه الأرواح والأجساد المنهكة .. فسموا الله وكلوا واستخرجوا من زيت الحوت وشربوا دهنوا أجسادهم المتعبة وشعورهم الشعثة .. لمدة تقارب الشهر .. ثم قاموا بقياس ارتفاع أحد أضلاعه فغرز الضلع .. ثم نادى أطول رجل في تلك السرية وأمره بأن يركب أرفع جمل أيضًا .. ثم أمر بالمرور فمر تحت تقوس ذلك الضلع العملاق .. يقول جابر ﵁ وهو يتحدث عن تلك
стр. 757
المشاهدات العجيبة: (انطلقنا على ساحل البحر فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر قال أبو عبيدة: ميتة .. ثم قال: بل نحن رسل رسول الله ﷺ وفي سبيل الله وقد اضطررتم .. فكلوا) (١) (فأكلنا نصف شهر وادهنا بودكه حتى صلحت أجسامنا) (٢) (حتى سمنا ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه بالقلال الدهن .. ونقتطع منه القدر كالثور أو كقدر الثور .. فلقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلًا فأقعدهم في وقب عينه .. وأخذ ضلعًا من أضلاعه فأقامها ثم رحل أعظم بعير معنا فمر من تحتها) (٣) وبعد مرور نصف شهر من عثورهم على هذا الحوت الهائل أمر أبو عبيدة جنده بالعودة للمدينة فقد أدوا المهمة التي أرسلوا من أجلها .. وعادوا أحسن أجسادًا وأكثر قوة .. ثم اقتطعوا ما قدروا على حمله من بقايا لحم الحوت .. ولما وصلوا إلى المدينة أخبروا نبيهم ﷺ بذلك ففرح بفضل الله على جنده .. وطلب منهم أن يطعموه من ذلك اللحم الطيب .. يقول جابر ﵁: (وتزودنا من لحمه وشائق فلما .. قدمنا المدينة أتينا رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك له فقال: هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا .. فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ فأكله) (٤).
أما قريش فقد شعرت بخطورة الوضع بعد تلك السرايا وبعد غزوة بني المصطلق .. فلا بد من التحرك .. ولا بدّ من حسم الأمر قبل أن يستشري الخطر .. وتفاجأ قريش بمحمد ﷺ وجيشه يطوفون حول الكعبة
стр. 758
ويحطّمون الأصنام .. هذا هو الكابوس الذي يقضّ مضجع أبي سفيان ومن معه من الوثنين .. هذا هو الخوف الذي تعيشه مكة .. لكن ماذا عن المدينة .. هناك شعور لا يختلف عن هذا الشعور .. فداخل دول الإسلام لم يكن الأمر كما يحبّ رسول الله ﷺ وصحابته تمامًا .. كان هناك المنافقون الذين خرجوا للتوّ من هزيمة الإفك.
وهناك أيضًا اليهود الذين أغاظهم نصر النبي ﷺ في غزوة بني المصطلق .. وزاد غيظهم نصر الله لعائشة في حادثة الإفك .. فتحوّلت حصون اليهود إلى قدور ضخمة تطبخ فيها الخيانة والمؤامرات ..
اليهود يجمعون الأحزاب
في مؤامرة كالانتحار .. فالذي يقومون به الآن ضرب من الانتحار .. لأن فشل مؤامرتهم هذه تعني نهايتهم .. اليهود اليوم خناجر تسافر في الظلام ولا تدري من تصيب .. إن بينهم وبين قائد الدولة المسلمة عهدًا بألَّا يخونوا ولا يعتدوا ولا يتآمروا .. وإلاّ فإن مصيرهم سيكون مصير بني النضير .. لقد سامحهم ﷺ بعد خيانتهم الأولى .. وهم الآن طامعون في تسامح آخر إن فشلوا في مؤامرتهم، يقول أحد الصحابة: (إن يهود النضير وقريظة حاربوا رسول الله ﷺ ، فأجلى رسول الله ﷺ بني النضير وأقرّ قريظة) (١)، وذلك بعد غزوه بدر عندما (كتبت كفار قريش بعد واقعة بدر إلى اليهود:
إنكم أهل الحلقة والحصون، وإنكم لتقاتلن صاحبنا، أو لنفعلن كذا وكذا، ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم شيء -وهي الخلاخيل- فلما بلغ
стр. 759
كتابهم النبي ﷺ ، أجمعت بنو النضير بالغدر، فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ :
اخرج إلينا في ثلاثين رجلًا من أصحابك، وليخرج منا ثلاثون حبرًا حتى نلتقي بمكان المنصف، فيسمعوا منك، فإن صدقوك وآمنوا بك، آمنّا بك، فقصّ خبرهم، فلما كان الغد، غدا عليهم رسول الله ﷺ بالكتائب، فحصرهم، فقال لهم: إنكم والله لا تأمنون عندي إلَّا بعهد تعاهدوني عليه.
فأبوا أن يعطوه عهدًا، فقاتلهم يومهم ذلك، ثم غدا على بني قريظة بالكتائب، وترك بني النضير، ودعاهم إلى أن يعاهدوه، فعاهدوه، فانصرف عنهم.
وغدا على بني النضير بالكتائب، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، فجلت بنو النضير، واحتملوا ما أقلّت الإبل من أمتعتهم، وأبواب بيوتهم وخشبها) (١)، منظر حزين يتكرّر على اليهود .. ويتباكى عليه اليهود .. وهم يجيدون التمثيل والتباكي .. لكن أكثر ما يجيدونه هو سبب التباكي .. أكثر ما يجيده اليهود هو المؤامرات والخيانات .. والطعن من الخلف .. والطعن في الظلام .. وعندما يتلقون العقاب الرادع .. تسيل أنهار الدموع والبكاء والشعر على مصيرهم البائس وكأنهم لم يفعلوا شيئًا. وبنو قريظة يستحقون مصير بي النضير .. لكن النبي ﷺ منحهم فرصة .. فإن فشلت مؤامرتهم فإن عقابهم سيكون مضاعفًا .. دعونا نراقب هذا الوفد اليهودي الذي سافر سرًا إلى مكة ليجتمع بأبي سفيان وقيادات المشركين هناك .. ليعرضوا عليهم مشروعًا عسكريًا يسحقون به دولة الإِسلام والتوحيد .. بعد أن فشل مشروع كعب بن الأشرف اليهودي مع قريش فتم اغتيال
стр. 760
كعب على يد محمد بن مسلمة ﵁ .. وها هو:
المشروع اليهودي من جديد
يحمله يهود من بني النضير فشلت خيانتهم .. فاحتقنوا من الحقد .. ومعهم يهود آخرون تثيرهم هذه التجربة وهذا المشروع .. لم تنطلق الرصاصة من مكّة .. بل من حصون اليهود فـ:
(إنه كان من حديث الخندق أن نفرًا من اليهود، منهم: سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري "وكنانة بن أبي الحقيق النضري" وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزّبوا الأحزاب على رسول الله ﷺ ، خرجوا حتى قدموا على قريش مكّة، فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ (١)، وقالوا:
إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فقالت لهم قريش:
يا معشر يهود .. إنكم أهل الكتاب الأول، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمَّد، أفديننا خير أم دينه؟
قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحقّ منه.
فهم الذين أنزل الله فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا
стр. 761
عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾ (١).
لم يكتفِ اليهود بالتآمر عليه ﷺ .. بل أضافوا إلى خيانتهم ونقض عهدهم والوثيقة المكتوبة بينهم وبين النبي ﷺ .. أضافوا إلى قائمة جرائمهم جريمة هي الأشنع والأحقر .. جريمة تنزّ بالخسّة والوقاحة .. زوّر اليهود وأباحوا لنفسهم القفز على كل مبدأ وعقل وحقيقة .. فمنحوا للوثنيين المشركين صكًّا بالبراءة من كل إثم في كل ما يرتكبونه من جاهلية .. وسلبوا النبي ﷺ كل حق وحقيقة يملكها .. جعلوا التوحيد هو الباطل .. وطلبوا من عَبَدة الأخشاب والأحجار الاستمرار في طقوسهم المنحطة .. فعلوا ذلك كلّه وهم أهل كتاب .. وقد قرأوا الكثير .. الكثير عن محمد ﷺ ونبوّته وصفاته .. فما هو العقاب الذي يستحقه هؤلاء .. مسلسل الوحل اليهودي لم ينته بعد .. فبعد أن وضعوا قريشًا في إحدى جيوبهم .. توجّهوا نحو قبيلة غطفان القوية فأغروها بالنبي ﷺ والمدينة .. وأغروها بتمر المدينة ونخيلها ونسائها .. فاستجابت .. وانتصبت المؤامرة .. وتدلّت ثمارها أمام اليهود والوثنين .. لكن الخبر وصل إلى النبي ﷺ عن طريق رجل أحمق من غطفان .. يدعى "الحارث الغطفاني".
غطفاق تطلب ثمن انسحابها من الأحزاب
стр. 762
وقد أرسلت من أجل هذه المهمة أحد وجهائها .. رجل اسمه: الحارث الغطفاني .. ركب راحلته .. وعندما استقرت به على أرض المدينة .. بحث عن النبي ﷺ .. ولما وقف أمامه .. أملى على النبي ﷺ شرطه للانسحاب من التحالف اليهودي الوثني .. وكان شرطًا يفوح صفاقة وتغطرسًا .. لكن إجابة الأنصار كانت كالسيف على رأسه. فقد رفض الأسدان سعد بن عبادة وسعد بن معاذ كل أنواع الابتزاز .. مهما كان مصدره وقوّته .. فقد:
(جاء الحارث الغطفاني إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد .. ناصفنا تمر المدينة. "وإلا ملأناها عليك خيلًا ورجالًا"، فقال ﷺ : حتى أستأمر السعود: سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ يشاورهما "فقال: إني قد علمت أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وأن الحارث يسألكم أن تشاطروه تمر المدينة، فإن أردتم أن تدفعوا إليه عامكم هذا حتى تنظروا في أمركم بعد. قالوا: يا رسول الله أوحي من السماء؟ فالتسليم لأمر الله، أو عن رأيك أو هواك؟ فرأينا تبع لهواك ورأيك، فإن كنت إنما تريد الإبقاء علينا فوالله لقد رأيتنا وإياهم على سواء، ما ينالون منّا تمرة إلا بِشِرى أو قرى" (١)، فقالا (٢): ما أعطينا الدنية (٣) من أنفسنا في الجاهلية، فكيف وقد جاء الله بالإسلام.
فرجع إليه الحارث، فأخبره.
فقال: غدرت يا محمد.
стр. 763
فقال حسان بن ثابت:
يا حارِ من يغدر بذمة جاره ... منكم فإن محمدًا لا يغدر
إن تغدروا فالغدر من عاداتكم ... واللؤم ينبت في أصول السخبر
وأمانة النهدي حيث لقيتها ... مثل الزجاجة صدعها لا يجبر
فقال الحارث: كفّ عنا يا محمد لسان حسان، فلو مزج به ماء البحر لمزجه) (١)، ولم يكن لسان حسان أشدّ من لساني السعدين .. لم يعرض ﷺ ذلك الأمر على أبي بكر ولا على عمر .. بل على أهل دار الهجرة والكرم وأصحاب الشأن الأوّل ..
فذهب ذلك الوثني إلى قومه ذليلًا .. حيث كان الأنصار له كالموت .. بالسيوف والشعر .. عندها أدرك ﷺ خطورة الموقف والأحزاب .. تأمّل ﷺ وضع المدينة فوجد المعركة هذه المرة مختلفة .. فقريش اليوم ليست وحدها .. معها غطفان .. ومعها بقايا بني النضير الذين استطاعوا زحزحة يهود بني قريظة عن عهدهم وميثاقهم مع النبي ﷺ .. وقد يلحق بقريش بنو سليم وغيرهم من حلفائهم .. والوقت قصير لا يحتمل التأخير .. والجيش المسلم لا يستطيع التصدّي لهذه الجموع خارج المدينة .. فالأفضل البقاء في المدينة .. حيث يشارك الجميع في تلك المعركة دون استثناء وحتى لا يتكرر ما حدث
стр. 764
في أحد .. لكن خيانة اليهود تثير الخوف .. وليس هناك وقت لبناء أسوار كأسوارهم .. فليكن الحفر بدلًا من البناء ..
حفر الخندق
قرّر ﷺ أن يحفر خندقًا يحصن به الجهة الشمالية للمدينة من هجمات قريش ومن معها .. لأن بقية الجهات صعبة الاقتحام لكثرة النخيل والصخور والجبال .. وفنّ القتال لا يعني المهارة باستخدام السلاح فقط .. بل المهارة في استخدام وتسخير كل شىء يحيط بالمحارب .. وقد تفنّن ﷺ في تسخير تضاريس المدينة وطبيعتها في هذه الحرب القادمة .. غير المتكافئة عددًا واستعدادًا .. جهة الشمال مفتوحة لاحتمالات مخيفة .. فقرّر ﷺ إغلاقها .. فبدأ حفر الخندق .. بدأ بحفره بيديه .. فهو الذي ضرب أوّل معول في ذلك الخندق الذي سوف يشكّل مفاجأة للوثنيين واليهود ومن معهم .. فقد:
(ضرب رسول الله ﷺ في الخندق بيديه، ثم قال:
بسمم الله وبه بدينا ... ولو عبدنا غيره شقينا
حبذا ربنا وحبذا دينا) (١)
стр. 765
فتهاوت المعاول بعده تعزف خندقًا .. والحناجر تتغنى شعرًا وحماسًا .. وسط هذا الحماس والتفاني .. كنت لا تدري هل كان النبي ﷺ معهم أم هم الذين كانوا معه .. وسط ذلك الجو الشتوي البارد .. خلال ذلك الغبار المنبعث من الخندق .. لا تستطيع تمييز القائد من الأتباع .. أحد الصحابة اسمه سهل بن سعد يقول: (كنّا مع رسول الله ﷺ في الخندق، وهم يحفرون ونحن ننقل التراب على أكتادنا) (١) أما البراء بن عازب فيقول: (كان النبي ﷺ ينقل معنا التراب يوم الأحزاب، ولقد رأيته وارى التراب "شعر" بطنه "وكان رجلًا كثير الشعر") (٢).
(كان ﷺ ينقل التراب حتى وارى شعر صدره، وكان رجلًا كثير الشعر، وهو يرتجز برجز عبد الله "بن رواحة":
اللهمّ لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا
فأنزلن سكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا
إن الأعداء قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا
يرفع بها صوته "أبينا .. أبينا" "يمد صوته بآخرها") (٣).
كان ﷺ يحمس من حوله بأبيات الصحابي الشاعر عبد الله بن رواحة .. رافعًا ومادًّا بها صوته .. وكان لا بد من فعل ذلك .. فالجو مشحون بالجوع والبرد والحذر ..
لم يكتف ﷺ بذلك .. كان يذرع المنطقة .. يتفقّد كل شيء .. يحتاط لكل شيء .. ثم يعود لمحاربيه .. يشجّعهم .. يحفر معهم .. يدعو لهم ..
стр. 766
يحتضن فداءهم وإخلاصهم .. وهم في حالة جوع شديد .. وبرد قارس ..
(خرج رسول الله ﷺ إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع، قال:
اللهمّ إن العيش عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة
فقالوا مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمدًا ... على الجهاد ما بقينا أبدًا) (١)
البيعة تتجدّد .. والحماس يتجدّد .. لكن الجوع والتعب يتجدّد فما هو طعام كل مجموعة من هؤلاء المحاربين الأشدّاء .. الذين يحتاجون إلى كل ثانية وطاقة ..
طعام رجال الخندق
يقول أنس بن مالك ﵁:
(جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة، وينقلون التراب على متونهم، وهم يقولون:
نحن الذين بايعوا محمدًا ... على الإِسلام ما بقينا أبدا
ويقول النبي ﷺ وهو يجيبهم:
اللهمّ إنه لا خير إلَّا خير ... فبارك في الأنصار والمهاجرة
قال:
стр. 767
ويؤتون بملء كفي من الشعير، فيصنع لهم بإهالة سنخة توضع بين يدي القوم والقوم جياع، وهي بشعة في الحلق ولها ريح منتن) (١) هؤلاء العظماء ليس لهم طعام سوى شعير مطبوخ بسمن عتيق بشع الطعم والرائحة .. بينما الوثنيون يتمتّعون بأطايب الطعام .. أمّا اليهود فلديهم مخزون أكثر من كاف لمثل هذه المؤامرة .. ولهم منافذ مفتوحة على حلفائهم .. بينما يعيش محمد ﷺ وجنوده طقسًا من الحصار والبرد والجوع والطعام الخشن والقليل .. وتمرّ على هؤلاء الأخيار من المهاجرين والأنصار.
ثلاثة أيام من الجوع والحفر
نقلوا فيها الحجارة من عمق الخندق .. إلى عمق جوعهم وبطونهم .. قدّو الحجارة من الخندق وألصقوها ببطونهم من شدّة الجوع .. ثم ربطوها .. في الوقت الذي تسلّل فيه المنافقون إلى بيوتهم .. إلى شوائهم ونسائهم وشرابهم .. كأن الأمر لا يعنيهم .. كأن المدينة ليست وطنًا لهم .. كان ذلك الجوع امتحانًا لإيمان هؤلاء المؤمنين الذين صبروا واحتسبوا.
يقول جابر ﵁:
(لما حفر النبي ﷺ وأصحابه الخندق، أصاب النبي ﷺ والمسلمن جهد شديد، فمكثوا ثلاثًا لا يجدون طعامًا، حتى ربط النبي ﷺ على بطنه حجرًا من الجوع) (٢).
стр. 768
لكن ماذا بعد ثلاثة أيام من الجوع والطعام القليل .. بشع الطعم والرائحة .. إن رحمة الله قريب من المؤمنين .. جاءت المعجزة في بيت جابر .. فزال عن المؤمنين شيئًا ممّا بهم.
طعام جابر والمعجزة
جابر بن عبد الله .. الصحابي العظيم .. ابن الصحابي العظيم .. الذي يعول تسع أخوات وزوجته .. يستأذن النبي ﷺ لكنه ليس كاستئذان المنافقين .. لم يذهب لبيته كما يذهب ذلك المنافق طلبًا للراحة بين أهله والطعام والشراب .. لكنه رأى منظرًا أحزنه وآلمه أشدّ الألم فلم يستطع البقاء في مكانه .. حاول أن يخفّف عن ذلك المتألم شيئًا ولو قليلًا .. إنها على أقلّ الأحوال محاولة.
يقول ﵁: (كنّا مع رسول الله ﷺ يوم الخندق نحفر فيه، فلبثنا ثلاثة أيام لا نطعم شيئًا، ولا نقدر عليه، فعرضت في الخندق كدية (١)، فجئت إلى رسول الله ﷺ فقلت: هذه كدية قد عرضت في الخندق. "فقال رسول الله ﷺ : أنا نازل" فرششنا عليها الماء، فقام رسول الله ﷺ وبطنه معصوبة بحجر، فأخذ المعول، أو المسحاة، ثم سمى ثلاثًا، ثم ضرب، فعادت كثيبًا أهيل (٢).
فلما رأيت ذلك من رسول الله ﷺ ، قلت: يا رسول الله، ائذن لي .. فأذن لي، فجئت امرأتي فقلت: ثكلتك أمك، إني قد رأيت من رسول الله ﷺ شيئًا لا صبر عليه "رأيت برسول الله ﷺ خمصًا شديدًا" (٣)
стр. 769
فما عندك؟
قال: عندي صاع من شعير، وعناق (١).
فطحنّا الشعير، وذبحنا العناق، وأصلحناها، وجعلناها في البرمة (٢)، وعجنت الشعير، ثم رجعت إلى رسول الله ﷺ فلبثت ساعة، ثم استأذنته الثانية، فأذن لي، فجئت، فإذا العجين قد أمكن، فأمرتها بالخبز، وجعلت القدر على الأثافي (٣)، "ثم وليت إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: لا تفضحني برسول الله ﷺ وبمن معه"، ثم جئت رسول الله ﷺ ، فساررته، فقلت:
إن عندنا طعيمًا (٤) لنا، فإن رأيت أن تقوم معي أنت ورجل أو رجلان معك فعلت.
فقال ﷺ : ما هو وكم هو؟ قلت: صاع من شعير وعناق.
قال: ارجع إلى أهلك فقل لها: لا تنزع البرمة من الأثافي، ولا تخرج الخبز من التنور حتى آتي. ثم قال للناس: قوموا إلى بيت جابر، "فقام المهاجرون والأنصار".
قال: فاستحييت حياءً حتى لا يعلمه إلَّا الله. فقلت لامرأتي: "قد افتضحت ثكلتك أمك، وقد جاءك رسول الله ﷺ وأصحابه أجمعون".
"فقالت: بك وبك. فقلت: قد فعلتُ الذي قُلت".
فقالت: أكان رسول الله ﷺ سألك عن الطعام؟ قلت: نعم.
стр. 770
قالت: الله ورسوله أعلم، قد أخبرته بما كان عندك.
فذهب عني بعض ما كنت أجد. قلت: لقد صدقتِ.
فجاء رسول الله ﷺ ، فدخل، ثم قال لأصحابه:
لا تضاغطوا، ثم برَّك على التنور وعلى البرمة (١).
فجعلنا نأخذ من التنور الخبز، ونأخذ اللحم من البرمة، فنثرد (٢)، ونغرف، ونقرّب إليهم. وقال رسول الله ﷺ : ليجلس على الصحفة (٣) سبعة أو ثمانية.
فلمّا أكلوا كشفنا التنور والبرمة، فإذا هما قد عادا إلى أملأ ما كانا، فنثرد، ونغرف، ونقرّب إليهم، فلم نزل نفعل ذلك كلّما فتحنا التنور، وكشفنا عن البرمة، وجدناها أملأ ما كانا، حتى شبع المسلمون منها "وهم ألف، فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو"، وبقيت طائفة من الطعام، فقال لنا رسول الله ﷺ : إن الناس قد أصابتهم مخمصة، فكلوا، وأطعموا، فلم نزل يومنا نأكل ونطعم) (٤).
معجزة أخرى
تتحدّث عنها طفلة أنصارية .. نادتها أمها، ولما لبّت نداءها وضعت في طرف ثوبها تمرات .. ثم أمرتها بالتوجه نحو أبيها وخالها وهما يحفران مع
стр. 771
رفاقهما الخندق .. طوت تلك الطفلة البريئة تمراتها بطرف ثوبها .. ثم طوت الأرض .. لكن رجلًا صادفها في طريقها فأخذ منها التمر .. فأخذنا منها هذه القصة المعجزة .. إنها:
(ابنة بشير بن سعد، قالت: فبعثتني أمي بتمر في طرف ثوبي إلى أبي وخالي وهم يحفرون الخندق، فمررت على رسول الله ﷺ ، فناداني، فأتيته، فأخذ التمر مني في كفّيه، وبسط ثوبًا فنثره عليه، فتساقط في جوانبه، ثم أمر بأهل الخندق فاجتمعوا، وأكلوا منه، حتى صدروا عنه) (١)، وقد شبعوا من التمر وهم أكثر من ألف رجل .. شبعوا من ملء الكفّين من التمر .. معجزة تزيد الطاقة والإيمان .. قدّمها ﷺ لمن يحفرون الخندق ..
تلك المعجزات تفتح أبوابًا جديدة من الفرح والفرج للمؤمنين .. وكأن ذلك الخندق ممر إلى الدنيا بأسرها .. والمعاناة في حفره معاناة ولادة النور وانتشاره .. أما بالنسبة للمنافقين .. فكان ذلك الخندق طوقًا يخنقهم .. هم كالكلاب ينتظرون من يمسك بطرف السلسلة ليتبعوه وهم يهزون أذيالهم منقادين أذلَّاء .. كانت المعجزات تغيظهم وتدفعهم إلى مزيد من العناد والكابرة .. لكن أشدّ ما أغاظهم عند حفر الخندق .. هو تلك المعجزة التي لهج بها ﷺ ليس لمن يحفرون الخندق فقط .. بل لأبنائهم ولمن بعد أبنائهم .. ففي الوقت الذي يرتجف فيه المنافقون من الهلع .. كان ﷺ يستبشر ويبشّر بـ:
فتح فارس والروم واليمن
стр. 772
يعد أصحابه بذلك وهو يضع الحجر على بطنه من الجوع .. يقول ذلك لأصحابه وهو يحفر خندقًا يدافع به عن دولته الصغيرة التي لا تتجاوز حدودها حدود هذا الخندق .. يبشّرهم وهم جياع .. بكنوز فارس والروم وقصور اليمن .. لأنه نبي .. ولأنها حقيقة قادمة كشمس الغد ..
يقول أحد المشاركين في الخندق:
(لما كان حين أمرنا رسول الله ﷺ بحفر الخندق، عرض لنا في بعض الخندق صخرة عظيمة شديدة، لا تأخذ فيها المعاول.
فشكونا ذلك إلى النبي ﷺ ، فلما رآها أخذ المعول وقال: بسم الله، وضرب ضربة، فكسر ثلثها، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر إن شاء الله. ثم ضرب الثانية، فقطع ثلثًا آخر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض. ثم ضرب الثالثة، فقال: بسم الله، فقطع بقية الحجر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة) (١) .. وصحابي آخر لم يحضر الحادثة لكنه سمع من صحابي آخر فيقول: (إذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها، فقال نبيّ الله ﷺ :
دعوني فأكون أول من ضربها، فقال: بسم الله، فضربها، فوقعت فلقة ثلثها، فقال: الله أكبر قصور الروم وربّ الكعبة. ثم ضرب أخرى بأخرى، فوقعت فلقة، فقال:
الله أكبر قصور فارس، وربّ الكعبة. فقال عندها المنافقون:
стр. 773
نحن نخندق على أنفسنا وهو يعدنا قصور فارس والروم) (١).
هؤلاء المنافقون هم الذين قال الله عنهم: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (٢)، أمر هؤلاء المنافقين محير ومزعج .. لا تدري ماذا يريدون .. ولا ما هو مبدأهم ولا هدفهم .. ولا تستطيع تمييزهم بسهولة ..
الكفر مرض والنفاق مرض .. وجسد الدولة الإسلامية يستطيع الاحتياط والوقاية من مرض الكفر .. لكن عندما يتسلّل هذا المرض إلى الداخل .. تبدأ رحلة طويلة ومريرة من العلاج وتناول الأدوية والعقاقير للقضاء عليه ..
وفي غزوة الخندق كانت الدولة الإِسلامية تحتاط بالخندق من الوثنيين .. لكن من الصعب القضاء عليهم وهم يتظاهرون بالإيمان .. لا سيما في هذا الوقت الذي انتهى ﷺ وأصحابه من حفر الخندق .. ووصل فيه أحزاب الأصنام إلى مشارف المدينة .. وعسكروا أمام الخندق .. وبدأ حصار قاسٍ وشديد على المدينة .. عندها بدأ المنافقون يظهرون كالبثور الكريهة المتقيّحة على جسد المدينة .. في هذه الظروف الحرجة ظهر نفاقهم وكفرهم وحقدهم على النبي ﷺ والصحابة .. ومع ذلك كلّه تمتّع ﷺ وأصحابه بأكبر قدر من ضبط النفس .. وعدم التهوّر بإيقاع أي عقوبة على أولئك المنافقين .. الذين فاحت خيانتهم من خلال كلماتهم .. ونظراتهم وحركاتهم التي كانت تفتقد إلى أقلّ معاني الرجولة والنخوة .. ازداد الوضع حرجًا، فقرّر ﷺ
стр. 774
وضع النساء والأطفال داخل أحد الحصون
وهو حصن لبني حارثة .. دخلته عائشة أثناء غزوة الخندق وتحدّثت عنه .. فقالت: (إنها كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق، وكان من أحرز (١) حصون المدينة، وكانت أم سعد بن معاذ معها في الحصن) (٢)، وعندما بدأت المناوشات بين جيش المؤمنين وجيوش الوثنيين كان هناك طفلان يقومان بحركات كلّها فضول براءة .. أسماء بنت أبي بكر وأمّ سلمة كانتا داخل الحصن .. وكان معهما طفلان كالورد .. عبد الله بن الزبير ابن أسماء .. وعمر بن أبي سلمة ابن هند "أم سلمة" .. وفي غفلة من أميهما صعدا إلى أحد الأسطح لمشاهدة ما يحدث خارج الحصن .. كانا قصيرين .. لكن قصر قامتيهما لم يمنعهما من الإصرار على المشاهدة .. فقرّرا أن يتناوبا المشاهده .. ينحني أحدهما فيصعد الآخر على ظهره .. ثم تكون نوبة الآخر في الانحناء .. وهكذا .. ها هو عبد الله بن الزبير .. سنسأله عمّا جرى .. إنه يقول: (جعلت يوم الخندق مع النساء والصبيان في الأطم (٣)، يعني حصنًا، ومعي عمر بن أبي سلمة، فجعل يطأطئ (٤) لي، فأصعد على ظهره، فأنظر إليهم كيف يقتتلون وأطأطئ له، فيصعد فوق ظهري، فينظر) (٥).
لأنه لا يستطيع سوى النظر فقط .. ولا يسمح له بالمشاركة رغم
стр. 775
حماس الأطفال وحبّهم لتقليد الكبار .. بقي الأطفال كلّهم مع النساء .. إلَّا من بلغ الخامسة عشر مثل عبد الله بن عمر بن الخطاب الذي كان يتحرّق للقتال يوم أُحُد .. لكن النبي ﷺ ردّه .. وها هو اليوم خارج حصن بني حارثة .. ماذا قال لك النبي ﷺ يا عبد الله .. يقول ﵁: (إن النبي ﷺ عرضه يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه، وعرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه) (١)، وسمح له بالقتال والمشاركة بالمعركة .. أمّا من كان دون هذه السن فقد اكتفى بالمشاهدة .. حيث كانت الساحة تموج بالترقّب والتوتّر .. كان المؤمنون فيها خلف سواترهم يرقبون أي اقتحام لهذا الخندق ليضربوا ضربتهم ..
أمّا جيوش الأصنام فقد جنّ جنونها مما ترى أمامها من ذكاء عسكري نادر .. وقيادة لا مثيل لها .. حيّرها هذا الخندق .. هذا الإبداع العسكري الذي لم تعرفه العرب من قبل ولم تستخدمه .. إن اقتحامه ضرب من الجنون أو الانتحار .. أما الغزو عن طريق الجهات الأخرى .. فيعني الهزيمة .. فهل ستكتفي قريش ومن معها من الوثنيين بالحصار والقتال عن بعد .. عن طريق التراشق بالنبل والرماية بالأسهم .. ؟ ربما .. فلن يقدر على اقتحام هذا الخندق إلَّا شجاع أو منتحر .. ها هو الشجاع الذي سيقتحم الخندق .. ها هو وقد استطاع عبوره باحثًا عن مبارز .. إنه عمرو بن عبد ودّ:
فارس يبحث عنا مبارز
وقف أمام جيش المؤمنين متحدّيًا .. يفيض شجاعة وحماسًا .. فانبرى له حتف مخيف كحمزة .. خرج له عليّ بن أبي طالب ﵁ .. فبارزه فكان كأمس الذاهب .. وسقط عمرو بن عبد ود وسقط تحدّيه ..