← Сира

Сира · id 123668

السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة

محمد الصوياني

Полный текст (1 354 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

رفاقهما الخندق .. طوت تلك الطفلة البريئة تمراتها بطرف ثوبها .. ثم طوت الأرض .. لكن رجلًا صادفها في طريقها فأخذ منها التمر .. فأخذنا منها هذه القصة المعجزة .. إنها: (ابنة بشير بن سعد، قالت: فبعثتني أمي بتمر في طرف ثوبي إلى أبي وخالي وهم يحفرون الخندق، فمررت على رسول الله ﷺ ، فناداني، فأتيته، فأخذ التمر مني في كفّيه، وبسط ثوبًا فنثره عليه، فتساقط في جوانبه، ثم أمر بأهل الخندق فاجتمعوا، وأكلوا منه، حتى صدروا عنه) (١)، وقد شبعوا من التمر وهم أكثر من ألف رجل .. شبعوا من ملء الكفّين من التمر .. معجزة تزيد الطاقة والإيمان .. قدّمها ﷺ لمن يحفرون الخندق .. تلك المعجزات تفتح أبوابًا جديدة من الفرح والفرج للمؤمنين .. وكأن ذلك الخندق ممر إلى الدنيا بأسرها .. والمعاناة في حفره معاناة ولادة النور وانتشاره .. أما بالنسبة للمنافقين .. فكان ذلك الخندق طوقًا يخنقهم .. هم كالكلاب ينتظرون من يمسك بطرف السلسلة ليتبعوه وهم يهزون أذيالهم منقادين أذلَّاء .. كانت المعجزات تغيظهم وتدفعهم إلى مزيد من العناد والكابرة .. لكن أشدّ ما أغاظهم عند حفر الخندق .. هو تلك المعجزة التي لهج بها ﷺ ليس لمن يحفرون الخندق فقط .. بل لأبنائهم ولمن بعد أبنائهم .. ففي الوقت الذي يرتجف فيه المنافقون من الهلع .. كان ﷺ يستبشر ويبشّر بـ: فتح فارس والروم واليمن

стр. 772

يعد أصحابه بذلك وهو يضع الحجر على بطنه من الجوع .. يقول ذلك لأصحابه وهو يحفر خندقًا يدافع به عن دولته الصغيرة التي لا تتجاوز حدودها حدود هذا الخندق .. يبشّرهم وهم جياع .. بكنوز فارس والروم وقصور اليمن .. لأنه نبي .. ولأنها حقيقة قادمة كشمس الغد .. يقول أحد المشاركين في الخندق: (لما كان حين أمرنا رسول الله ﷺ بحفر الخندق، عرض لنا في بعض الخندق صخرة عظيمة شديدة، لا تأخذ فيها المعاول. فشكونا ذلك إلى النبي ﷺ ، فلما رآها أخذ المعول وقال: بسم الله، وضرب ضربة، فكسر ثلثها، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر إن شاء الله. ثم ضرب الثانية، فقطع ثلثًا آخر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض. ثم ضرب الثالثة، فقال: بسم الله، فقطع بقية الحجر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة) (١) .. وصحابي آخر لم يحضر الحادثة لكنه سمع من صحابي آخر فيقول: (إذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها، فقال نبيّ الله ﷺ : دعوني فأكون أول من ضربها، فقال: بسم الله، فضربها، فوقعت فلقة ثلثها، فقال: الله أكبر قصور الروم وربّ الكعبة. ثم ضرب أخرى بأخرى، فوقعت فلقة، فقال: الله أكبر قصور فارس، وربّ الكعبة. فقال عندها المنافقون:

стр. 773

نحن نخندق على أنفسنا وهو يعدنا قصور فارس والروم) (١). هؤلاء المنافقون هم الذين قال الله عنهم: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (٢)، أمر هؤلاء المنافقين محير ومزعج .. لا تدري ماذا يريدون .. ولا ما هو مبدأهم ولا هدفهم .. ولا تستطيع تمييزهم بسهولة .. الكفر مرض والنفاق مرض .. وجسد الدولة الإسلامية يستطيع الاحتياط والوقاية من مرض الكفر .. لكن عندما يتسلّل هذا المرض إلى الداخل .. تبدأ رحلة طويلة ومريرة من العلاج وتناول الأدوية والعقاقير للقضاء عليه .. وفي غزوة الخندق كانت الدولة الإِسلامية تحتاط بالخندق من الوثنيين .. لكن من الصعب القضاء عليهم وهم يتظاهرون بالإيمان .. لا سيما في هذا الوقت الذي انتهى ﷺ وأصحابه من حفر الخندق .. ووصل فيه أحزاب الأصنام إلى مشارف المدينة .. وعسكروا أمام الخندق .. وبدأ حصار قاسٍ وشديد على المدينة .. عندها بدأ المنافقون يظهرون كالبثور الكريهة المتقيّحة على جسد المدينة .. في هذه الظروف الحرجة ظهر نفاقهم وكفرهم وحقدهم على النبي ﷺ والصحابة .. ومع ذلك كلّه تمتّع ﷺ وأصحابه بأكبر قدر من ضبط النفس .. وعدم التهوّر بإيقاع أي عقوبة على أولئك المنافقين .. الذين فاحت خيانتهم من خلال كلماتهم .. ونظراتهم وحركاتهم التي كانت تفتقد إلى أقلّ معاني الرجولة والنخوة .. ازداد الوضع حرجًا، فقرّر ﷺ

стр. 774

وضع النساء والأطفال داخل أحد الحصون وهو حصن لبني حارثة .. دخلته عائشة أثناء غزوة الخندق وتحدّثت عنه .. فقالت: (إنها كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق، وكان من أحرز (١) حصون المدينة، وكانت أم سعد بن معاذ معها في الحصن) (٢)، وعندما بدأت المناوشات بين جيش المؤمنين وجيوش الوثنيين كان هناك طفلان يقومان بحركات كلّها فضول براءة .. أسماء بنت أبي بكر وأمّ سلمة كانتا داخل الحصن .. وكان معهما طفلان كالورد .. عبد الله بن الزبير ابن أسماء .. وعمر بن أبي سلمة ابن هند "أم سلمة" .. وفي غفلة من أميهما صعدا إلى أحد الأسطح لمشاهدة ما يحدث خارج الحصن .. كانا قصيرين .. لكن قصر قامتيهما لم يمنعهما من الإصرار على المشاهدة .. فقرّرا أن يتناوبا المشاهده .. ينحني أحدهما فيصعد الآخر على ظهره .. ثم تكون نوبة الآخر في الانحناء .. وهكذا .. ها هو عبد الله بن الزبير .. سنسأله عمّا جرى .. إنه يقول: (جعلت يوم الخندق مع النساء والصبيان في الأطم (٣)، يعني حصنًا، ومعي عمر بن أبي سلمة، فجعل يطأطئ (٤) لي، فأصعد على ظهره، فأنظر إليهم كيف يقتتلون وأطأطئ له، فيصعد فوق ظهري، فينظر) (٥). لأنه لا يستطيع سوى النظر فقط .. ولا يسمح له بالمشاركة رغم

стр. 775

حماس الأطفال وحبّهم لتقليد الكبار .. بقي الأطفال كلّهم مع النساء .. إلَّا من بلغ الخامسة عشر مثل عبد الله بن عمر بن الخطاب الذي كان يتحرّق للقتال يوم أُحُد .. لكن النبي ﷺ ردّه .. وها هو اليوم خارج حصن بني حارثة .. ماذا قال لك النبي ﷺ يا عبد الله .. يقول ﵁: (إن النبي ﷺ عرضه يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه، وعرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه) (١)، وسمح له بالقتال والمشاركة بالمعركة .. أمّا من كان دون هذه السن فقد اكتفى بالمشاهدة .. حيث كانت الساحة تموج بالترقّب والتوتّر .. كان المؤمنون فيها خلف سواترهم يرقبون أي اقتحام لهذا الخندق ليضربوا ضربتهم .. أمّا جيوش الأصنام فقد جنّ جنونها مما ترى أمامها من ذكاء عسكري نادر .. وقيادة لا مثيل لها .. حيّرها هذا الخندق .. هذا الإبداع العسكري الذي لم تعرفه العرب من قبل ولم تستخدمه .. إن اقتحامه ضرب من الجنون أو الانتحار .. أما الغزو عن طريق الجهات الأخرى .. فيعني الهزيمة .. فهل ستكتفي قريش ومن معها من الوثنيين بالحصار والقتال عن بعد .. عن طريق التراشق بالنبل والرماية بالأسهم .. ؟ ربما .. فلن يقدر على اقتحام هذا الخندق إلَّا شجاع أو منتحر .. ها هو الشجاع الذي سيقتحم الخندق .. ها هو وقد استطاع عبوره باحثًا عن مبارز .. إنه عمرو بن عبد ودّ: فارس يبحث عنا مبارز وقف أمام جيش المؤمنين متحدّيًا .. يفيض شجاعة وحماسًا .. فانبرى له حتف مخيف كحمزة .. خرج له عليّ بن أبي طالب ﵁ .. فبارزه فكان كأمس الذاهب .. وسقط عمرو بن عبد ود وسقط تحدّيه ..

стр. 776

يقول أحد الصحابة: (قتل من بني عامر بن لؤي: عمرو بن عبد ود، قتله عليّ بن أبي طالب مبارزة) (١). انتظر الوثنيون خروجه من الخندق وسيفه يقطر بأرواح المؤمنين .. لكنه لم يخرج عليهم .. لم يغادر مكانه .. فليس هناك مشرك يصمد أمام سيف عليّ ﵁ .. أحسّ المشركون بأنه لا طريق تؤدي إلى رقاب المؤمنين .. لا دروب إلى المدينة .. إلَّا طريقين لا ثالث لهما .. إمّا المبارزة .. وهذا الأمر بعيد جدًا .. وإمّا الرماية بالسهام .. وهذا هو الأمر الوحيد الذي يقدرون عليه لكنه لن يجدي نفعًا إلَّا إذا تحركت قوات اليهود الخونة وخرجت من حصن بني قريظة .. وبقدر ما كان الخندق يبث الطمأنينة في قلوب المؤمنين كان حصن بني قريظة يثير الخوف والقلق في أوساط المؤمنين .. لذلك قام ﷺ بتغطية كافة الاحتمالات .. لأن المعركة والخيانة قد تشتعلان ليلًا .. فماذا فعل ﷺ ؟ كلمة السر كلمة يعرف بها المؤمنون بعضهم بعضًا متى ما دهموا ليلًا من قبل الوثنين .. أو اليهود .. قال ﷺ لأصحابه: (إن بيَّتكم العدو، فقولوا: ﴿حم، لا ينصرون﴾) (٢)، كان ﷺ يقرأ ما

стр. 777

حوله تمامًا .. يقرأ تفكير الخيانة جيدًا .. ولذلك طلب فارسًا من أصحابه .. يتطوّع للذهاب حيث حصن بني قريظة .. كي يقدم تقريرًا عن آخر تحرّكاتهم .. وهل بدأوا تنفيذ مؤامرتهم مع قريش وغطفان .. هل بدأوا التحرك العسكري للضرب من الخلف .. هبّ الزبير ملبيًا نداء النبي ﷺ .. حمل روحه وسيفه وانطلق كالسهم نحو بني قريظة .. وفي طريقه مرّ من تحت سور حصن بني حارثة .. فشاهده ابنه الصغير عبد الله الذي كان يطل من الحصن بالتناوب مع صديقه الصغير عمر بن أبي سلمة .. يقول عبد الله بن الزبير: (كنت أنا وعمر بن أبي سلمة في الأطم الذي فيه نساء رسول الله ﷺ ، أطم حسان، فكان يرفعني وأرفعه، فإذا رفعني عرفت أبي حين يمر إلى بني قريظة "على فرسه"، وكان يقاتل مع رسول الله ﷺ يوم الخندق) (١). ويقول الزبير: (كان رسول الله ﷺ قال: من يأت بني قريظة فيأتيني بخبرهم، فانطلقت، فلما رجعت جمع لي رسول الله ﷺ بين أبويه، فقال: فداك أبي وأمي) (٢)، فقد أدّى عملًا بطوليًا .. وأخبر النبي ﷺ بأن بني قريظة قد نقضوا العهد وما زالوا على خيانتهم .. تأزّم الوضع .. وبدأ المنافقون بالتململ .. فقد ضاقوا مما يجري .. وبدأت الأزمات تكشف عن حقيقتهم .. وأحرقت نار الحرب تلك القشرة التي يختبئ كفرهم تحتها ..

стр. 778

فضحتهم الحرب .. وفضحهم الله بآيات كالسيوف على رقابهم .. بدأوا يقدمون التماساتهم وأعذارهم بعدم القدرة على الصمود نظرًا للخطر الذي قد يحدث لأهلهم وبيوتهم .. بعد أن رأوا السهام كالمطر على جيش المؤمنين .. انسحب المنافقون الواحد تلو الآخر .. هربًا من المعركة .. كان منظرهم يجلب الإحباط والغضب لدى المؤمنين لولا ثقتهم بنصر الله ووعده .. اشتدّ الأمر على المؤمنين .. وضاقت بهم السُّبل في أيام تعصف بالجوع والبرد والموت .. أعداء في الخارج أعلى المدينة .. ويهود أسفلها .. ومنافقون في داخلها ينسحبون كالجرذان .. ويطالبون المؤمنين بالاستسلام والتسليم للوثنيين .. يقول سبحانه عن تلك الأيام العصيبة: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا- (١) - وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا- (٢) - (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا- (٣) - (١٤) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا

стр. 779

أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧) قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ - (١) - وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ- (٢) -﴾ - (٣) -. أولئك هم المنافقون .. وتلك هي سفالتهم وانحطاطهم .. مات فيهم كل شيء .. حتى بقايا صفات الخير التي كان العرب في الجاهلية يتفاخرون بها .. حتى تلك .. ماتت داخل نفوسهم المتعفّنة .. خنقها عفن النفاق وأجهز عليها .. وها هو العفن يتطاير في أجواء المدينة .. يحاول التسلّل إلى عزائم المؤمنين ليخنقها .. ليبعثر في جنباتها الإحباط .. إنهم الآن بين نسائهم يأكلون ويشربون ويبخلون بطعامهم على أولئك الصامدين أمام الخندق .. وليتهم اكتفوا بذلك .. إنهم يطالبون أولئك الفرسان بالانسحاب والاستسلام .. لأن المعركة في نظرهم محسومة .. وأبو سفيان سيحتل المدينة غدًا إن لم يقم بذلك اليوم .. أولئك المنافقون .. نسوا كل شيء .. نسوا أن المدينة مدينتهم .. نسوا عهدهم مع الله ورسوله .. نسوا بيعتهم لله ورسوله .. نسوا وعدهم بالصمود معه ﷺ وأن لا يفرّوا من المعركة مهما كانت النتائج .. هذا ما بدا للجميع من هؤلاء الأنذال .. أمّا ما خفي فإن الله كشفه بهذه الآيات .. التي غرفت ما بداخلهم .. ونشرته للجميع .. لقد شرَّحتهم الآيات وبيَّنت للناس أيّ سرطان يتمدّد في

стр. 780

المدينة .. فضحهم الله وبيَّن أنهم جاهزون لإعلان الكفر حالما يرون جيوشه تقتحم الخندق والمدينة .. لكنهم لا يستطيعون ذلك الآن .. فالنبي ﷺ لا يزال هو القائد .. وخوفهم منه وخوفهم من الموت واضح في أعينهم التي تدور كما تدور أعين الذي يعاني سكرات الموت وشدّة النزع .. ويشتد دوران أعينهم أكثر ما يشتد الآن .. فالخوف في كل مكان .. والجوع في كل مكان .. والبرد في كل مكان .. و: القتال يشتد و (اشتدّ الأمر يوم الخندق، فقال رسول الله ﷺ : ألا رجل يأتيني بخبر بني قريظة، فانطلق الزبير، فجاء بخبرهم) (١) وغدرهم الذي لم يتزحزح حتى الآن .. كان ﷺ يخشى على المدينة منهم .. فلديهم من العتاد والعدّة والحقد الشيء المخيف .. ولذلك بعث الزبير مرّة ثانية حتى لا يفاجأ بجيشهم فتكون القاضية .. واستأنف الوثنيون رشقهم بالنبال .. كانت نبالًا طائشة وغير طائشة .. وهذا ما أثار خوف عائشة .. عائشة تخاف على سعد بن معاذ وتقول: (كان رسول الله ﷺ وأصحابه حين خرجوا إلى الخندق رفعوا الذراري والنساء في الحصون مخافة العدو عليهم، قالت عائشة: فمرّ سعد بن معاذ وعليه درع مقلصة (٢)، وقد خرجت منها ذراعه، في يده حربته توقد، وهو يقول:

стр. 781

لبث قليلًا فيشهد الهيجا حمل ... لا بأس بالموت إذا حان فقالت أم سعد: الحق يا بني .. فقد والله أخّرت، فقالت عائشة: يا أم سعد، لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي، فخافت عليه) (١). هل أصيب سعد بن معاذ ﵁ أجل .. لقد أصابه سهم في ذراعه رماه مشرك يدعى: حبان بن العرقة .. وهو يرتجز هذه الأبيات المليئة بالحماس والموت .. والتي ربما قالها رجل سابق اسمه: حمل. سعد بن معاذ .. هذا الفارس العظيم .. والمؤمن النقي .. الذي لا يخشى في الله أحدًا .. والذي دافع عن عرض النبي ﷺ أثناء إشاعة الإفك .. هذا الصحابي الجليل .. أصيب بسهم في ذراعه .. وقد نزف دمًا كثيرًا وحالته خطيرة .. والوضع أخطر .. اعتنى النبي ﷺ بهذا الرجل الكريم .. أمر بحمله ومحاولة علاجه .. وصنع قبّة له داخل المسجد النبوي كي يزوره أهله وأصحابه .. ويكون تحت سمع النبي ﷺ وبصره .. لكن سعدًا كان جمالًا .. كان فداءً حتى وهو ينزف .. كان محملًا بالأحلام والانتصارات والأماني .. أمنية سعد بن معاذ قبل أن يموت

стр. 782

تقول عائشة ﵂: (أصيب سعد يوم الخندق، رماه رجل من قريش يقال له: حبان بن العرقة- وهو حبان بن قيس من بني معيص بن عامر بن لؤي، رماه في الأكحل (١)، فضرب النبي ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب) (٢). وتقول ﵂: (خرجت يوم الخندق أقفو آثار الناس، فسمعت وئيد الأرض ورائي -يعني حس الأرض- فالتفتّ فإذا سعد بن معاذ ومع ابن أخيه الحارث بن أوس، يحمل مجنة، فجلست إلى الأرض، فمر سعد وعليه درع من حديد، قد خرجت منها أطرافه، فأنا أتخوّف على أطراف سعد- وكان سعد من أعظم الناس وأطولهم وهو يرتجز ويقول: ليت قليلًا يدرك الهيجا حمل ... ما أحسن الموت إذا حان "قالت: فقمت، فاقتحمت حديقة، فإذا فيها نفر من المسلمين، وإذا فيهم عمر بن الخطاب، وفيهم رجل عليه سبغة له، يعني مغفرًا، فقال عمر: ما جاء بك .. لعمري والله إنك لجريئة، وما يؤمنك أن يكون بلاء، أو يكون تحوز .. قالت: فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقتّ لي ساعتئذٍ فدخلت فيها، فرفع الرجل السبغة عن وجهه، فإذا طلحة بن عبيد الله، فقال: يا عمر .. ويحك، إنك قد أكثرت منذ اليوم، وأين التحوّز أو الفرار إلَّا إلى الله ". قالت: ويرمي سعدًا رجلٌ من المشركين من قريش يقال له: ابن العرقة بسهم له، فقال: خذها وأنا ابن العرقة، فأصاب أكحله، فقطعه

стр. 783

فدعا الله سعد، فقال: اللهمّ لا تمتني حتى تقرّ عيني من قريظة -وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية- فرقى كلمه) (١)، كان سعد يعاني من جرحه .. ومازال يعاني حتى بعد توقف النزيف .. لكن جرحه الذي لا يندمل ولا يبرأ .. هو ذلك الجرح الذي فتحه في أعماقه يهود بني قريظة بخيانتهم لله ورسوله .. ونقضهم العهد وهم يعيشون في ظل دولة الإِسلام .. هذه هي الحرب الثانية .. والخيانة الثانية التي يطعنون بها رسول الله ﷺ وأصحابه .. لكنها الأشدّ .. لدرجة أنهم جعلوا النبي ﷺ في حالة من القلق جعلته يبحث عن رجل يتوجّه نحو حصن بني قريظة ليرصد آخر تحرّكاتهم .. وهذه هي المرة الثالثة التي يفعلها ﷺ .. ومرة ثالثة يُشرق الزبير .. فيكسوه النبي ﷺ لقبًا بعد عودته .. لقبًا يتميّز به بين أصحابه ﷺ . لقب الزبير يذكره جابر، فيقول: (اشتدّ الأمر يوم الخندق، فقال رسول الله ﷺ : ألا رجل يأتينا بخبر بني قريظة؟ فانطلق الزبير، فجاء بخبرهم، ثم اشتدّ الأمر أيضًا "ثم ندب الناس، فانتدب الزبير. ثم ندب الناس، فانتدب الزبير"، فذكر ثلاث مرات، قال رسول الله ﷺ : إن لكل نبي حواريًا، وإن الزبير حواريي) (٢)، أي صاحبي النقي أو

стр. 784

وزيري .. والزبير يستحق ذلك بعد جهده وجهاده .. فدى النبي ﷺ وأصحابه بروحه .. ففداه ﷺ بأمّه وأبيه .. وتجدّد التماهي بين القائد وجنده في أشدّ لحظات كتابة التاريخ والبطولات .. وقدم الزبير للمرّة الثالثة تقريرًا يؤكد تورط يهود بني قريظة في المعركة والحصار .. لكنهم أجبن من أن ينزلوا إلى ساحة العراك .. لذلك فضّلوا الانتظار فقد تنجح عملية اقتحام المدينة .. عندها يسهل الانقضاض على محمد ﷺ ومن معه .. لكن الحصار طال .. والانتظار طال .. واليهود تعلم أن هذا المحاصر نبي .. وهناك داخل السور رجال يؤكّدون لمن حولهم من اليهود أن هذا هو النبي المنتظر .. كان هناك أكثر من ثلاثة رجال يحاولون إقناع من حولهم أن محمدًا ﷺ نبيّ -لكن اليهود تعاند- واليهود لها تاريخ دموي مع أنبياء سابقين .. فقد تمكنت من اغتيال عددٍ منهم .. فما المانع أن يكون محمد ﷺ ضمن قائمة من حكم عليهم بالإعدام لدى أحبارهم .. لكن خبث اليهود لم يقتصر على هذا التفكير .. فاحتمال انتصار المسلمين وارد .. والمعجزات قد تأتي في أي وقت وفي أي مكان .. لذلك قامت اليهود بمبادرة تستدرج فيها النبي ﷺ .. قامت بدور العميل المزدوج حتى تأمن جانب المسلمين في حالة انتصارهم .. وإن كان انتصارهم بعيدًا .. بعيدًا في ظل هذا الحصار والجوع القاتلين .. لكن اليهود تخطّط لأسوأ الاحتمالات .. فماذا فعلت؟ خيانة ثالثة لليهود والخيانة تشمكل نسبة لا بأس بها من دمائهم وعروقهم .. اجتمع أحبارهم وزعماؤهم .. وقرّروا بعث رسول إلى النبي ﷺ .. يظهرون فيه أنهم معه في هذه المعركة .. وأنهم جاهزون لأي إجراء يتّخذ ضدّ قريش وغطفان .. وقدّموا الدليل على ما يدّعون ..

стр. 785

تقول عائشة ﵂ إن رسول الله ﷺ قال: (إن اليهود قد بعثت إلي: إن كان يرضيك عنا أن تأخذ رجلًا رهنًا من قريش وغطفان من أشرافهم، فندفعهم إليك، فتقتلهم) (١)، وكأن النبي ﷺ متعطّش إلى الدماء .. أيّ دماء .. وكأنه يستبيح أي شيء من أجل الوصول إلى هدفه .. كانوا يريدون إشراك النبي ﷺ والمؤمنين في خستهم تلك .. هل هذا الفعل الحقير .. وهذه النفوس المنحطة يمكن أن تكون لقوم يدينون بدين سماوي .. ويزعمون أن لديهم كتابًا منزلًا من عند الله بذلك .. إن الخيانة هي أهون شيء في قائمة ألقاب اليهود وصفاتهم .. أدرك ﷺ أن هؤلاء القوم لن يتورعوا عن فعل أي شيء .. وهدم أي مبدأ .. وتجاوز أي مقدس .. وانتهاك أي محرم من أجل أحقادهم .. لذلك قرر أن يسقيهم من الكأس الذي سقوه منه .. قرر ﷺ إطلاع قريش وغطفان على غدر قريظة بهم وذلك عن طريق رجل يشدك ويثيرك عندما يتكلم ويؤثر في سامعيه .. تقول عائشة ﵂: (كان نعيم رجلًا نمومًا، فدعاه رسول الله ﷺ فقال: إن اليهود قد بعثت إلي: إن كان يرضيك عنا أن تأخذ رجالًا رهنًا من قريش وغطفان، من أشرافهم، فندفعهم إليك، فتقتلهم؟ فخرج من عند رسول الله ﷺ فأتاهم، فأخبرهم بذلك .. فلما ولى نعيم، قال رسول الله ﷺ : إنما الحرب خدعة) (٢).

стр. 786

وقريش تعلم أن النبي ﷺ لا يكذب .. وتحقق للنبي ﷺ ما أراد فتم عزل بني قريظة عن قريش وغطفان .. وانكسر أحد أضلاع مثلث الأحزاب .. فتزعزعت ثقة الأحزاب بأحلامهم وجيشهم .. وأصبحت الهزيمة عندهم قابلة للاحتمال .. وبدأت بوادر استجابة الله لدعاء سعد بن معاذ .. الذي حاول ﷺ علاجه .. يقول جابر ﵁: (رمي يوم الأحزاب سعد بن معاذ، فقطعوا أكحله، فحسمه رسول الله ﷺ بالنار، فانتفخت يده، فحسمه أخرى، فانتفخت يده، فنزفه، فلما رأى ذلك، قال: اللَّهم لا تخرج نفسي حتى تقر عيني من بني قريظة، فاستمسك عرقه، فما قطر قطرة) (١). استجاب الله لسعد بن معاذ .. فأي مصير ينتظر بني قريظة .. استجاب الله دعاء سيد الأنصار .. فهل يستجيب الله لـ: دعاء سيد البشر الذي حاصره الكفر من كل مكان .. وطال عليه الحصار .. وسيطر الخوف على كل شبر في المدينة .. وصار الطفل والمرأة والرجل يخشون على أنفسهم إذا خرجوا لقضاء حاجة .. اشتد البرد والشتاء والجوع .. وبلغت الحال كما وصف الله في القرآن: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠)

стр. 787

هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (١٤)﴾ (١) هذا هو الوضع الآن .. وهذه هي المدينة .. كالطفل الخائف .. طيبة خائفة .. والرعب يطل عليها من رؤوس الجبال .. وشقوق الأبواب .. ومن بين النخيل .. والمشركون يستعدون الآن لشن هجوم شرس للقضاء على هذا الملل والانتظار .. للقضاء على محمد ﷺ وأصحابه .. وبدأ الهجوم في ظهيرة أحد الأيام الباردة .. فتصدى له المسلمون .. وكان ﷺ يمثل جيشًا على إحدى مداخل الخندق .. يحميه ويذود عنه .. ويفتك بمن يقتحمه .. حتى صدهم عن ذلك الثغر .. وقد بقي ﷺ على ذلك المدخل من بعد صلاة الظهر إلى أن توارت الشمس وغابت .. يقول علي ﵁: (إن رسول الله ﷺ كان يوم الأحزاب قاعدًا على فرضة من فرض الخندق، فقال: شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس، ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا) (٢). وها هو أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وبقية الصحابة .. مشغولون عن الصلاة بقريش ومن معها .. لقد ذهب وقت صلاة العصر .. ودخل المغرب وهم يحاربون .. ها هو عمر قد استشاط غضبًا على أولئك الوثنيين

стр. 788

(عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس، فجعل يسب كفار قريش، قال: يا رسول الله .. ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب .. قال النبي ﷺ : والله ما صليتها. فقمنا إلى بطحان، فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب) (١) في ذلك الوادي المسمى: بطحان .. وحول الخندق كان الليل إذا أقبل .. أقبل مع الليل برد شديد .. وعندما تشرق الشمس تشرق معها المنايا .. ففي أحد الأيام أشرقت الشمس والمعركة .. وحميت المعركة وتأجج لهيبها ولم يستطع النبي ﷺ والصحابة الصلاة من شدة القتال .. خرج وقت صلاة الظهر .. والعصر والمغرب ولم تهدأ المعركة إلا بعد في دخول صلاه العشاء: يقول أبو سعيد الخدري ﵁: (حبسنا يوم الخندق عن الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، حتى كفينا ذلك، فأنزل الله : ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ فقام رسول الله ﷺ ، فأمر بلالًا فأقام، ثم صلى الظهر، كما كان يصليها قبل ذلك، ثم أقام فصلى العصر كما كان يصليها قبل ذلك، ثم أقام المغرب، فصلاها كما كان يصليها قبل ذلك، ثم أقام العشاء، فصلاها كما كان يصليها قبل ذلك) (٢) هكذا بلغ الحصار بالنبي ﷺ وأصحابه .. لم يجدوا حتى دقائق قليلة لأداء الصلوات في أوقاتها .. ماذا يفعل ﷺ وسط هذا الخوف والجوع .. وسط هذا الزلزال .. لم يجد وسيلة مباحة إلا استخدمها .. ولم يبق أمامه وأمام أصحابه سوى الدعاء .. (دعا رسول الله ﷺ على الأحزاب فقال:

стр. 789

اللَّهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللَّهم اهزمهم وزلزلهم) (١) دعا دعاء المكروب .. المحتاج .. وما كان الله ليذر نبيه وعباده الصالحين في همومهم وقد بذلوا كل جهدهم وطاقتهم له ومن أجل رضاه سبحانه. استجاب الله دعاء نبيه وها هي طلائع الهزيمة تقترب نحو الأحزاب دون أن يشعروا .. بعث الله جيشًا لا يقهر نحو أعدائه .. بعث الله الريح والبرد وجنودًا لا يرونها .. أما المؤمنون فقد أصابهم البرد امتحانًا من الله .. وتمحيصًا لهم .. وتكفيرًا .. وقد أخرج البرد بقايا المنافقين من صمتهم .. فانطلقوا يعتذرون من النبي ﷺ للعودة إلى منازلهم .. فأذن لهم .. وبقي هو وأصحابه متجمدين من شدة البرد لا يقوون على الحركة ولا القتال .. أما في معسكر الوثنيين فقد هاجت الريح عليهم .. فأطفأت نارهم .. واقتلعت خيامهم .. وقلبت قدورهم .. وملأت أنوفهم وعيونهم وأفواههم بالتراب والهزيمة .. أما البرد فقد أعجزهم عن الحركة .. وتحول معسكرهم إلى ساحة كبيرة من النفايات والفوضى والرعب .. البرد والجوع والخوف ينتقل من المدينة .. يعبر الخندق كوحش لا يطاق .. ويتحول الأحزاب إلى أكوام .. إلى ركام من الفشل .. ويتفرق شملهم .. تنهار أحلامهم أمام أعينهم .. تتطاير مع الريح والغبار .. فماذا سيفعلون .. وماذا فعل ﷺ مع أصحابه الذين مستهم الريح ومسهم البرد والجوع. قرر النبي ﷺ السماح لأصحابه بالعودة إلى بيوتهم .. فقد جاء نصر الله بريح وجنود لا يراها البشر .. فعاد من أحب العودة منهم .. وبقي من بقي

стр. 790

فقد كفى الله المؤمنين القتال .. وفي أشد ساعات الريح والبرد .. كان ﷺ يستدفئ بمناجاة حبيبه سبحانه .. كان يتمتع بصلاته .. ويريح نفسه بها .. قيل لذلك الشاب الذي يشارك لأول مرة .. قيل لعبد الله بن عمر بن الخطاب: (أين كان رسول الله ﷺ يصلي يوم الأحزاب؟ قال: كان يصلى في بطن الشعب، عند خربة هناك، ولقد أذن رسول الله ﷺ في الانصراف للناس، ثم أمرني أن أدعوهم، فدعوتهم) (١) لكنهم لم يعودوا. ولم يستطيعوا العودة من شدة البرد والجوع .. وكان لعدم عودتهم قصة يحكيها ذلك الشاب أيضًا .. الذي أرسله خاله الصوام القوام عثمان بن مظعون .. ليحضر بعض الطعام ولحاف عله يذهب ما به وبأصحابه من ريح وجوع وبرد .. يقول عبد الله بن عمر: (أرسلني خالي: عثمان بن مظعون ﵁ ليلة الخندق في برد شديد وريح إلى المدينة، فقال: ائتنا بطعام ولحاف. فاستأذنت رسول الله ﷺ ، فأذن لي، وقال: من أتيت من أصحابي فمرهم أن يرجعوا. فذهبت الريح تسفي كل شيء، فجعلت لا ألقى أحد إلا أمرته

стр. 791

بالرجوع إلى النبي ﷺ ، فما يلوي أحد منهم عنقه. وكان معي ترس لي، فكانت الريح تضربه علي، وكان فيه حديد، فضربته الريح حتى وقع بعض ذلك الحديد على كفي، فأبعدها إلى الأرض) (١) وسط هذا الجو العاصف البارد .. كانت الريح معركة وحدها .. أشغلت كل إنسان بنفسه .. فصار لا يدري ما حوله ولا من حوله .. وخلال هذا الجو المخيف .. كان ﷺ يناجي ربه الذي أنزل نصره .. وأرسل ريحه .. كان الجميع مشغولين بأنفسهم .. ونبي الله ﷺ مشغول بصلاته ودعائه .. لكن ماذا عن الجهة الأخرى من الخندق .. ماذا عن الوثنين وماذا فعلت بهم الريح .. الريح في معسكر الوثنيين النبي ﷺ يتساءل أيضًا عن أحوالهم .. فقد هتف ﷺ بالقلة المحيطين به ونادى بالتطوع لاكتشاف ما حل بالمشركين لكنه لم يجد مجيبًا .. ثم هتف فلم يجبه أحد .. وكرر ثالثة .. فكانت الريح والبرد هي الإجابة .. ولما رأى ﷺ أن التطوع في هذه الساعة صعب .. أمر ﷺ أحد الصحابة .. فنفذ ما أمره به .. هذا الصحابي .. هو ابن حسيل .. حذيفة ذلك الرجل الصالح الذي استشهد أبوه في معركة أحد بسيوف المؤمنين يحدث من

стр. 792

حوله عن مهمته تلك الليلة عندما قال له أحد أصحابه: (لو أدركت رسول الله ﷺ ، قاتلت معه وأبليت. فقال حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك؟ لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب، وأخذتنا ريحٌ شديدة وقرٌّ (١)، فقال رسول الله ﷺ : ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة؟ فسكتنا. فلم يُجبه منا أحد، ثم قال: ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة؟ فسكتنا. فلم يجبه منا أحد، ثم قال: ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة؟ فسكتنا. فلم يجبه منا أحد. فقال: قم يا حذيفة .. فأتنا بخبر القوم. فلم أجد بدًا إذ دعاني باسمي أن أقوم. قال: اذهب، فأتني بخبر القوم، ولا تذعرهم علي (٢). فلما وليت من عنده، جعلت كأنما أمشي في حمام (٣)، حتى أتيتهم، فرأيت أبا سفيان يصلي (٤) ظهره بالنار، فوضعت سهمًا في كبد القوس، فأردت أن أرميه، فذكرت قول رسول الله ﷺ : ولا تذعرهم علي (٥)، ولو

стр. 793

رميته لأصبته، "فذهبت، فدخلت في القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قدرًا ولا نارًا ولا بناءً [فحس أبو سفيان أنه دخل فيهم من غيرهم] فقام أبو سفيان، فقال: يا معشر قريش: لينظر امرؤ من جليسه. قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي، فقلت: من أنت؟ قال: فلان بن فلان. ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع، والخف (١)، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء فارتحلوا فإني مرتحل فرجعت إلى رسول الله ﷺ " فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام، فلما أتيته، فأخبرته بخبر القوم، وفرغت، قررت (٢)، فألبسني رسول الله ﷺ من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائمًا حتى أصبحت. فلما أصبح ﷺ قال: قم يا نومان (٣)) (٤). فقد أصبحت المدينة وأصبح الملك لله .. وأصبح النصر لله ورسوله ..

стр. 794

وخلت الساحة من الأوثان والوثنيين الذين ولوا مدبرين .. تكنس الريح أثارهم ونفاياتهم .. نظر ﷺ إلى ساحة القتال فحمد الله هو وأصحابه .. وذكرهم بنعمة الله عليهم .. ومعجزته التي لوت أعناق المشركين وأذلتهم .. كما أذلت أعناق مشركين آخرين في زمن غابر جدًا .. إنهم قوم النبي الكريم: هود وهم قوم عاد .. فقد نصر الله نبيه هود بريح عاتية آتية من الغرب .. ونصر الله محمدًا ﷺ بريح عاتية آتية من الشرق .. ولذلك يقول ﷺ : "نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور" (١) وقال ﷺ : "لا إله إلا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده، فلا شيء بعده" (٢) وقد حول ساحة المؤمنين إلى نصر وربيع .. فالحمد والشكر لمن هزم الأحزاب وحده .. كانت معركة غير متكافئة عددًا واستعدادًا .. لكن المؤمن عندما يفعل الأسباب .. ثم يتوجه بها نحو الله تتحول النتائج إلى أعياد .. ها هو ﷺ يبشر أصحابه بعد انتهاء المعركة بنهاية عصر وبداية آخر .. يبشرهم ﷺ بانهيار هيبة قريش .. وانكسار حربتها .. يبشرهم بأن: الخندق مقبرة قوة قريش فليس هناك بعد اليوم هجوم أو حصار من قريش .. سمع ذلك أحد الصحابة الذين شاركوا في الخندق واسمه سليمان بن صرد ﵁. فقال: (سمعت النبي ﷺ يقول حين أجلى الأحزاب عنه: الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم) (٣).

стр. 795

كان ﷺ في الفترة السابقة حريصًا على وحدة المدينة .. وتماسكها .. وتجذير الإيمان والتوحيد والحب فيها .. بينما كانت قريش حريصة على تقويض ذلك كله .. حاولت في معركة بدر بقيادة الطاغوت أبي جهل وفشلت .. وقادها للثأر أبو سفيان في معركة أحد .. فلم تنل ما حملت به .. وها هي تعود محطمة بعد معركة الخندق هي ومن ساندها من الأحزاب .. تعود إلى مكة وقد تفتتت هيبتها .. وانكسرت شوكتها .. ويعود ﷺ وأصحابه إلى بيوتهم بعد أن انتصروا .. رجعوا ليغتسلوا من عناء أيام قاسية .. ومن غبار ريح عاتية: النبي ﷺ يضع سلاحه ويغتسل ولكن شيئًا حدث جعله يلبس أداة الحرب مرة أخرى .. ففي بيت عائشة ﵂ كان ﷺ يغتسل من المعركة ويتطيب .. ولكن تقول عائشة: (لما رجع النبي ﷺ من الخندق ووضع السلاح واغتسل، أتاه جبريل "وهو ينفض رأسه من الغبار" فقال: قد وضعت السلاح! والله ما وضعناه، فأخرج إليهم. قال: إلى أين) (١). إلى أين يحمل ﷺ سلاحه سأل النبي ﷺ جبريل فـ (قال: إلى أين؟ قال: ها هنا وأشار إلى بني قريظة، فخرج النبي ﷺ إليهم) (٢) وقبل أن يتحرك جيش النبي ﷺ .. تحرك موكب جبريل في طرقات المدينة .. ومر بطريق يقال له "زقاق بني غنم" لم يرهم أحد .. لكن أنسًا ﵁ رأى غبارًا

стр. 796

في ذلك الزقاق .. غبارًا أثاره موكب جبريل .. يقول أنس ﵁: (كأني انظر إلى الغبار ساطعًا في زقاق بني غنم، موكب جبريل حين سار رسول الله ﷺ إلى بني قريظة) (١). النبي ﷺ ينطلق إلى بني قريظة قبل ذلك يرسل مجموعة من أصحابه نحوهم .. وكان أحد هؤلاء ذلك الشاب الذي سيشارك مرة ثانية في الجهاد معه ﷺ .. عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ يقول: (قال النبي ﷺ لنا لما رجع من الأحزاب: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة. فأدرك بعضهم العصر في الطريق، وقال بعضهم: "لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله ﷺ وإن فاتنا الوقت" لا نصلى حتى نأتيها. وقال بعضهم: بل نصلى، لم يرد منا ذلك. فذكر ذلك للنبي ﷺ فلم يعنف أحدًا منهم) (٢). ثم لحق بهم ﷺ حتى وصل إلى حصنهم .. ولم يكن ذلك الحصار مهمًا إلى هذه الدرجة عنده وعند أصحابه .. لم يكن ﷺ على عجلة من أمره في حصارهم .. فقد ذهب إلى بيته واغتسل وتطيب ولكن الله سبحانه أخرجه من بيته إليهم .. فالأمر خطير جدًا .. وما فعله بنو قريظة أخبث مما فعله الأحزاب .. فلم يكن بين النبي ﷺ وبين قريش وغطفان معاهدة عدم اعتداء .. بل كان هناك عداوة .. أما قريظة فبينهم وبين النبي ﷺ عهد

стр. 797

مكتوب .. ووثيقة موقع عليها .. وجوار يجب حفظه .. لكن قريظة نسفت ذلك كله .. وخانت للمرة الثانية وتآمرت .. وطعنت من الخلف .. وإذا كان الأمر كذلك فلا غرابة أن يخرج الله نبيه إليهم بهذه السرعة .. وأن يأمر ﷺ بعدم الصلاة إلا عند حصونهم .. إن ما فعله اليهود سيتكرر لأن محمدًا ﷺ ليس من بني إسرائيل .. وما داموا قد قتلوا أنبياء من بني إسرائيل .. فلا مانع من تكرار التجربة مع نبي ليس منهم .. ستتلمظ الخيانة أفعى داخل كل حصن تسكنه يهود .. ولن يعرف النبي ﷺ والمسلمون طعم الراحة والأمن ما داموا فيها .. وصل جيش الإِسلام إلى هناك .. فتزلزلت الحصون .. وارتعدت الأوصال .. وبدأ الخوف والضجيج والتلاوم بين اليهود .. وشرب بنو قريظة من الكأس الذي سقوه للمؤمنين .. شاركوا في حصار المدينة .. وها هم يعيشون المأساة نفسها. النبي ﷺ يحاصرهم بالسيوف والشعر طوق جيش الإِسلام حصن بني قريظة .. ووصل في معية النبي ﷺ شاعره الكبير حسان بن ثابت الذي هتف به ﷺ وهتف بشعره فقد (قال النبي ﷺ لحسان يوم قريظة: أهجم أو هاجهم وجبريل معك) (١) (اهج المشركين فإن جبريل معك) (٢) هجاهم حسان .. ورماهم بأبيات كالرماح .. لا بد أنه وصفهم بالخيانة والتآمر والغدر .. وكفى بتلك الصفات أن تهزم صاحبها .. لمع شعر حسان ولمعت السيوف .. فصاحت قريظة تسأل النبي ﷺ عن مخرج لهذه الورطة وهذا الحصار.

стр. 798

قريظة تبحث عن مخرج عرض عليهم ﷺ أمرين .. وإلا فإن الموت سيقتحم حصونهم .. الأمر الأول: أن يسلموا. فإن أبوا ذلك فعليهم بالأمر الثاني: وهو النزول تحت حكمه ﷺ وأن يرضوا بعقوبة الخيانة التي سينزلها بهم .. ولم يحددها ﷺ حتى الآن .. وهي عقوبة يتوقع اليهود أن تكون شديدة تناسب حجم نذالتهم وغدرهم .. فليست هذه هي الأولى في سجل خياناتهم .. فقد (حاربت قريظة والنضير فأجلى ﷺ بني النضير، وأقر قريظة ومن عليهم) (١) وأعطاهم الأمان .. وعفا عنهم وسامحهم .. ولكنه أخذ عليهم عهدًا مكتوبًا .. وثيقةً بعدم الخيانة والتآمر والغدر .. كتب بينه وبينهم وثيقة بحسن الجوار وأشياء أخرى .. لكنهم يهود .. عادوا فنقضوا كل ما كتبوا .. وها هم أمام حصار خانق وخيارين لا ثالث لهما إلا الموت .. وفجأة دوت صرخة زعيم من زعماء يهود .. تناشد أحد الصحابة وهو "أبو لبابة" ﵁: أبو لبابة يثير الرعب فى نفوس يهود بعدما (قذف الله في قلوبهم الرعب، واشتد عليهم الحصار، فصرخوا بأبي لبابة بن عبد المنذر .. وكانوا حلفاء الأنصار "فقال أبو لبابة: لا آتيهم حتى يأذن لي رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : قد أذنت لك" فأتاهم أبو لبابة فبكوا إليه، وقالوا: يا أبا لبابة .. ماذا ترى، وماذا تأمرنا فإنه لا طاقة لنا بالقتال؟ فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه، وأمرَّ عليه أصابعه، يريهم أنما يراد بهم القتل) (٢).

стр. 799

فازدادوا رعبًا إلى رعبهم .. وزلزلهم الهلع والخوف .. وأدركوا فداحة جرائمهم .. والمجرم الموغل في الاجرام لا يدرك شناعة جرائمه إلا إذا نزل به العقاب .. مصير شنيع يفتح أذرعه القاسية لليهود .. ويستشير اليهود بعضهم بعضًا .. فيلمحون في الأفق سرابًا عله يكون ماءً .. فينطلق الصراخ والمناشدة الخائنة من الحصن مرة أخرى .. فماذا تريد اليهود هذه المرة؟ قريظة تطلب خيارًا ثالثًا اقترح اليهود الخائفون حلًا أخيرًا لورطتهم التي رسموها بأنفسهم .. اقترحوا على النبي ﷺ حلًا ثالثًا .. فهم لا يطيقون الحرب .. ولا النزول على حكم النبي ﷺ بعدما مرر أبو لبابة أصابعه على حلقه .. وهم أيضًا مازالوا يعاندون ويرفضون الإِسلام رغم اقتناعهم بأن محمدًا- ﷺ نبي مرسل .. لقد طلبوا منه ﷺ أن يجعل حكمهم بيد حليفهم السابق .. الصحابي الجريح سيد الأنصار: سعد بن معاذ .. مهما كان هذا الحكم. قبل ﷺ هذا الاقتراح وأرسل في طلب سعد بن معاذ .. وإحضاره من خيمته داخل المسجد النبوي حيث يتم تمريضه هناك .. وصل رسول رسول الله ﷺ إلى سعد وأخبره الخبر .. فأدرك سعد أن الله قد استجاب دعاءه عندما دعاه والدماء تشخب من عروقه والموت يزحف إليه .. قال سعد حينها: (اللَّهم لا تخرج نفسي حتى تقر عيني من بني قريظة

стр. 800

فاستمسك عرقه، فما قطر قطرة) (١) من دم. وبقي سعد صابرًا في خيمته .. محتسبًا ألم جرحه عند الله .. حتى أتاه الفرج .. وأتاه مبعوث رسول الله ﷺ يطلبه للحكم في قضية خيانة بني قريظة .. حُمل سعد على حمار وتوجه به المبعوث إلى بني قريظة .. وقبل أن يصل سعد .. كان هناك اضطراب وضجيج وحركة داخل الحصن .. وفجأة فتح الباب .. وخرج منه رجال ونساء .. إنهم يتوجهون الآن نحو النبي ﷺ . من الذين خرجوا من حصن بنى قريظة إنهم رجال ونساء يريدون الإِسلام والنجاة في الدنيا والآخرة .. هؤلاء (بعضهم لحقوا بالنبي ﷺ ، فآمنهم وأسلموا) (٢). وكان من بين هؤلاء .. ثلاثة شباب ليسوا من بني قريظة .. لكنهم دخلوا حصونهم ودينهم منذ زمن هربًا من الشرك .. لعل الله أن يهديهم على يد ذلك النبي المنتظر الذي تنتظره اليهود .. يحدثنا عن هؤلاء الثلاثة رجل شاهدهم وسمعهم وعاش معهم .. وخرج معهم من الحصن .. (شيخ من بني قريظة قال: هل تدري عما كان إسلام: أسيد، وثعلبة ابني سعية، وأسد بن عبيد: نفر من هذل، لم يكونوا من بني قريظة ولا النضير، كانوا فوق ذاك؟ فقلت: لا، قال: فإنه قدم علينا رجل من الشام، من اليهود، يقال له: "ابن الهيبان" فأقام عندنا، والله ما رأينا رجلًا قط يصلي الخمس خيرًا منه، فقدم علينا قبل مبعث رسول الله ﷺ بسنتين، فكنا إذا قحطنا، وقل علينا المطر نقول: يا ابن الهيبان .. اخرج فاستسق لنا، فيقول:

стр. 801

لا والله، حتى تقدموا أمام مخرجكم صدقة. فنقول: كم؟ فيقول: صاعًا من تمر أو مدين من شعير، فنخرجه، ثم يخرج إلى ظاهر حرتنا -ونحن معه- فيستسقى، فوالله ما يقوم من مجلسه حتى تمر الشعاب، قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين، ولا ثلاثة. فحضرته الوفاة، واجتمعنا إليه. فقال: يا معشر اليهود .. ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير (١)، إلى أرض البؤس والجوع (٢)؟ قالوا: أنت أعلم. قال: إنما أخرجني أتوقع (٣) خروج نبي قد أظل زمانه، هذه البلاد مهاجره، فأتبعه، فلا تسبقن إليه إذا خرج يا معشر يهود، فإنه يبعث بسفك الدماء، وسبي الذراري والنساء ممّن يخالفه، فلا يمنعكم ذلك منه. ثم مات. فلما كانت الليلة التي فتحت فيها قريظة، قال أولئك الفتية وكانوا شبابًا أحداثًا: يا معشر يهود .. والله إنه للذي ذكر لكم ابن الهيبان. فقالوا: ما هو به. قالوا: بلى والله، إنه لصفته، ثم نزلوا، فأسلموا، وأحرزوا أموالهم، وأولادهم، وأهاليهم) (٤) انتهى كل شيء بالنسبة لهم .. لم يعودوا أعداءً ..

стр. 802

ولم يجدوا من يعاتبهم أو يلومهم .. أو حتى يذكرهم بمواقفهم .. انتهى كل شئ فالإسلام يمحو ما قبله .. أدرك هؤلاء أن دين الله الصحيح أرحب من أن يحبس في حصن من حصون يهود .. وأعظم من أن تستقل به قبائل بني إسرائيل .. خرج هؤلاء فوجدوا أذرعًا وقلوبًا مفتوحة .. ووجدوا رسول الله والإِسلام .. وأما من أغلقوا على أنفسهم أبواب الحصن والعناد والتعصب .. فقد وصل إليهم سعد بن معاذ كما طلبوا .. وصل سعد على حماره .. قطع تلك المسافة ليرضى الله ورسوله .. ولتقر عينه من بني قريظة الخونة .. كان: وصول سعد بن معاذ إلى ذلك المكان يحبس الأنفاس .. شاهده النبي ﷺ وهو قادم .. وكان ﷺ في مسجده المؤقت قرب الحصن .. فسر لمرآه .. وهتف بأصحابه: (قوموا لسيدكم) (١) يقول أبو سعيد الخدري رضى الله عنه: (نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ، فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد، فأتى على حمار، فلما دنا قريبًا من المسجد، قال رسول الله ﷺ : قوموا لسيدكم، أو لخيركم، ثم قال: إن هؤلاء نزلوا على حكمك) (٢). كل هذا يحدث ومازال أمام اليهود فرصة للحياة بالإِسلام .. لكنه الحسد .. كيف يخضع بنو إسرائيل لعربي .. وكأن الإِسلام والتوحيد جاءا من أجل العرب لا من أجل الدنيا كلها .. اكتفوا بمناشدة سعد والتوسل إليه .. فماذا قال سعد يا عائشة .. ؟ تقول ﵂ إن اليهود: (قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ، فأتي به على حمار عليه إكاف من ليف قد حمل عليه، وحف به قومه.

стр. 803

"فقالوا: يا أبا عمرو .. حلفاؤك، ومواليك، وأهل النكاية، ومن قد علمت -ولا يرجع إليهم شيئًا ولا يلتفت إليهم- حتى دنا من دورهم، التفت إلى قومه فقال: قد آن لي أن لا أبالي في الله لومة لائم". قال أبو سعيد: فلما طلع قال رسول الله ﷺ : قوموا إلى سيدكم "فأنزلوه. قال عمر: سيدنا الله. قال: أنزلوه" قال رسول الله ﷺ : احكم فيهم. فقال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلهم، وتسبى ذراريهم، وتقسم أموالهم. فقال رسول الله ﷺ : لقد حكمت فيهم بحكم الله [من فوق سبع سماوات]) (١) (حكم الله فيهم وكانوا أربعمائة) (٢) مقاتل .. خانوا .. وتربصوا بالمؤمنين الدوائر .. وتعاونوا مع الأعداء لإزالة دولة الإِسلام .. أخذ هؤلاء على حدة .. وأخذ الأطفال والنساء على حدة .. أما من أسلم فقد عاد إلى الحصن .. إلى أهله وأولاده وإلى ماله الذي لم يمس .. ثم توجه بهم المسلمون نحو سوق المدينة .. وأدخل النساء والأطفال بيوت

стр. 804

النبي ﷺ وبيوت أصحابه .. وكانت إحدى نساء اليهود قد ارتكبت جريمة لم يعرف حتى الآن من هو الذي فعلها .. والمرأة الآن موجودة عند عائشة .. تتظاهر بالمرح والسرور .. وتضحك ضحكًا أثار استغراب عائشة رضى الله عنها ودهشتها في مثل هذا الظرف الذي تكون فيه المرأة مليئة بالحزن والنواح .. غارقة بدموعها على قومها .. جمع الرجال بعيدًا عن أطفالهم ونسائهم .. وتم تنفيذ حكم سعد فيهم .. وقرت عينه من بني قريظة .. وشفى غليله من غدرهم .. وفجأة .. وأثناء تنفيذ الحكم .. صاح صائح ينادي باسم تلك المرأة الضحوك .. لقد اكتشف سرها .. فماذا ستفعل .. وهى: المرأة الوحيدة التى ستقتل من بنى قريظة تقول عائشة ﵂ عن تلك المرأة الغريبة: (لم يقتل من نسائهم "تعني بني قريظة" إلا امرأة واحدة، والله إنها لعندي تحدث معي، وتضحك ظهرًا وبطنًا، ورسول الله ﷺ يقتل رجالها في السوق، إذ هتف هاتف باسمها: أين فلانة؟ قالت: أنا والله. قلت لها: ويلك .. مالك؟ قالت: أُقْتَلُ. قلت: ولِمَ؟ قالت: لحدث أحدثته.

стр. 805

فانطُلِقَ بها، فضرب عنقها، فكانت عائشة تقول: والله ما أنسى عجبًا منها، طيب نفسها، وكثرة ضحكها، وقد عرفت أنها تقتل) (١). هذا هو حكم الله في هؤلاء اليهود الذين كادوا ينشرون الموت والرعب في كل شبر في المدينة لو انتصر الأحزاب .. حكم عاجل وحازم وحاسم .. أخرج نبيه من بيته .. من استراحته .. وأمره على الفور بالخروج لتنفيذ هذا الحكم العادل .. قد يتعاطف أحد مع يهود بني قريظة ويقول: لماذا هذا الحزم مع اليهود .. لماذا كل هذه الشدة .. ولا أجد جوابًا أعظم من أنه حكم الله وحده لا شريك له .. لكن هناك إضافة يسيرة وجدتها في توراة القوم .. تخول اليهود أن يفعلوا ما يشاءون بأعدائهم .. إذا بدرت منهم إساءة لليهود فكيف إذا كانوا في نظرهم كفارًا كالمسلمين .. هذه الإضافة تجدها في: قصة دينة بنت يعقوب تقول القصة إن يعقوب ﵇ وأبناءه سكنوا مدينة "شكيم" واشتروا أراضي لهم .. فخرجت دينة ذات يوم تتمشى فرآها ابن الملك "حمور" واسمه "شكيم" فاغتصبها ثم طلب من أبيه أن يخطبها .. فتكدر يعقوب ﵇ لما حدث لابنته وسكت حتى جاء أبناؤه .. وقال لهم إن الملك عرض عليه الإقامة الدائمة والمصاهرة بين العائلتين .. فتظاهر الأبناء -وهم أعظم أنبياء اليهود- بالموافقة .. لكن اشترطوا أن يختتن كل

стр. 806

من أراد الزواج منهم .. ولما اختتن الملك وابنه ورجال شعبه .. وأثناء فترة آلام الختان هجم بنو يعقوب وغدروا بالملك رغم العهود والمواثيق .. وقتلوا كل ذكر .. ثم نهبوا حميرهم وبقرهم وغنمهم وجميع ثروتهم وكل أطفالهم ونسائهم وكل ما في بيوتهم (١). إذا كان هذا ما ينسبونه لأعظم أنبياء بني إسرائيل .. والذين إليهم ينسب كل اليهود .. إذا كان الغدر هو مبدؤهم -كما يقول كاتب التوراة- فكيف بالرعاع والحاقدين من بني قريظة .. ما هو حجم الكارثة التي سيرتكبها اليهود في المدينة .. لا أحد يعلم إلا الله .. ولا شئ يردع تهور اليهود ودسائسهم سوى السيف .. وها هو السيف يبطش بهم في سوق المدينة .. وها هى المرأة الخائنة تقتل في سوق المدينة .. ويقتل رجال بني قريظة ومحاربوها .. وقد كان هناك حدٌ للمحارب يعرف به ويميز .. يذكره لنا أحد الذين نجوا من ذلك الحكم لأنه لم يبلغ ذلك الحد .. إنه فتى صغير يدعى عطية القرظي وقد أسلم فيما بعد وأصبح من صحابة رسول الله ﷺ ﵃ .. يقول ﵁: (كنت في سبي بني قريظة فأمر رسول الله ﷺ بمن أنبت أن يقتل، فكنت فيمن لم ينبت فتركت) (٢). وهكذا أهال الإِسلام التراب على جسد الخيانة القرظية المتعفن .. وأراح العالم منه .. وبقي من بني قريظة من اختار الحياة والإِسلام والهواء النقى من كل خبث ودسيسة .. فعاشوا أحرارًا بالإِسلام .. إلا من أبى .. رأى المنافقون السيوف تجتث رقاب أصدقائهم اليهود .. الذين طالما

стр. 807

اتخذوهم كهفًا لأصنامهم ونفاقهم .. فلم يطق أحد شعرائهم مشهد انهيار رفاق التآمر والخيانة فقال أبياتًا تعبر عن: موقف المنافقين مما حدث لقريظة وتلقي باللوم على سعد بن معاذ الذي كان شديدًا في حكمه عليهم .. وما علم هؤلاء أن الله سبحانه هو الذي أمر نبيه ببني قريظة .. في الوقت الذي كان فيه ﷺ قد وضع سلاحه واغتسل وتطيب .. وتهيأ لأخذ بعض الراحة من عناء حرب شاقة وقاسية .. وتجاهل أولئك المنافقون أن مصيرهم سيكون أسود من ليلهم لو انتصر الأحزاب واحتلوا المدينة .. ولم ينس ذلك الشاعر المنافق مدح زعيمه عبد الله بن أبي بن سلول الذي كان حليف كل من على وجه الأرض إلا محمدًا ﷺ وأصحابه .. وفي مدحه لابن أبي بن سلول سب لسعد بن معاذ .. لأن سعد بن معاذ لم تأخذه في الله لومة لائم .. ولا بيت شاعر .. أما عبد الله بن أبي بن سلول فقد دافع عن يهود بني قينقاع عندما غدروا بالمسلمين .. ووقف معهم .. وكلم النبي ﷺ فيهم ورجاه العفو عنهم .. فأبقاهم ﷺ وعفا عنهم من أجله .. وأمهلهم .. وعن هذين الموقفين المتناقضين يقول ذلك الشاعر: (ألا يا سعد سعد بني معاذ ... فما فعلت قريظة والنضير لعمرك إن سعد بني معاذ ... غداة تحملوا لهو الصبور تركتم قدركم لا شيء فيها ... وقدر القوم حامية تفور وقد قال الكريم أبو حباب ... أقيموا قيننقاع ولا تسيروا وقد كانوا ببلدتهم ثقالًا ... كما ثقلت بميطان الصخور) (١)

стр. 808

وسواءً كانوا ثقالًا كالجبال على أرض ميطان أو كانوا أثقل من ذلك .. فقد اجتثوا من جذورهم المتعفنة .. وطهر الموحدون تلك الأرض منهم ومن شركهم .. وإذا كان لهم من لوم فليلوموا أنفسهم .. هم الذين اختاروا سعدًا فكان لهم ما أرادوا .. أما سعد فقد توجه إلى المسجد .. إلى خيمته المنصوبة فيه .. ولما استقر فيها توجه بدعاء كله شوق إلى الله .. دعاء يفيض بسر المؤمن إذا تألق بالإيمان .. فسعد حكم على مقاتلي قريظة بالموت .. ثم تمنى الموت شهيدًا بجرحه ذلك .. ما هذا؟ .. إنه لم يسأل الله ولا رسوله شيئًا من أرض قريظة ولا أموالهم ولا نخيلهم ولا نسائهم .. إنه يسأل الله أن يقبض روحه .. بجرحه حتى يكون شهيدًا من شهداء الخندق .. أما ما عدا ذاك فحطام .. وسعد أكبر من الحطام .. أراد الشهادة لأنه ما أسلم وترك الأوثان إلا من أجل تلك العوالم الساحرة المرفوفة في الجنة .. فما هو دعاء سعد بعد قريظة تقول عائشة -وقد احتفظت ﵂ في ذاكرتها لسعد بالكثير الجميل- فهو الذي دافع عنها وعن عرضها في قصة الإفك الآثمة .. تقول ﵂: (إن سعدًا كان قد تحجر كلمه (١) للبرء، فدعا سعد فقال: اللَّهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلي أن أجاهد فيك من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه، اللَّهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان من حرب قريش شيء، فأبقني لهم حتى أجاهدهم فيك،

стр. 809

وإن كنت قد وضعت الحرب فيما بيننا وبينهم، فافجرها واجعل موتتى فيها. ففجر من ليلته فلم يرعهم (١) .. ومعهم في المسجد أهل خيمة من بني غفار إلا الدم يسيل إليهم. فقالوا: يا أهل الخيمة .. ما هذا الدم الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد جرحه يغذو (٢) دمًا) (٣) ولما (ثقل حولوه عند امرأة يقال لها "رفيدة"، وكانت تداوي الجرحى، فكان النبي ﷺ إذا مر به يقول: كيف أمسيت؟ وإذا أصبح قال: كيف أصبحت؟ فيخبره. حتى كانت الليلة التي نقله قومه فيها، فثقل، فاحتملوه، إلى بني عبد الأشهل إلى منازلهم، وجاء رسول الله ﷺ كما كان يسأل عنه، وقالوا: قد انطلقوا به. فخرج رسول الله ﷺ ، وخرجنا معه، فأسرع المشى حتى تقطعت شسوع (٤) نعالنا، وسقطت أرديتنا عن أعناقنا، فشكا ذلك إليه أصحابه: يا رسول الله .. أتعبتنا في المشي. فقال ﷺ : إني أخاف أن تسبقنا الملائكة إليه فتغسله كما غسلت حنظلة. فانتهى رسول الله ﷺ إلى البيت وهو يغسل، وأمه تبكيه وهى تقول:

стр. 810

ويل أم سعد سعدًا ... حزامة وجدّا فقال رسول الله ﷺ : كل نائحة تكذب إلا أم سعد. ثم خرج به. يقول له القوم أو من شاء منهم: يا رسول الله .. ما حملنا ميتًا أخف علينا من سعد. فقال ﷺ : ما يمنعكم من أن يخف عليكم وقد هبط من الملائكة كذا وكذا، وقد سمى عدة كثيرة لم أحفظها, ولم يهبطوا قط قبل يومهم قد حملوه معكم) (١) توجه ﷺ بصاحبه نحو البقيع .. فسبقه أبو سعيد وبعض الصحابة نحو البقيع لحفر القبر وإعداد اللبنات والماء .. طمعًا في ذلك الأجر العظيم الذي قال عنه ﷺ : "من حفر له (٢) فأجنه، أجري عليه كأجر مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة" (٣). وصل النبي ﷺ وأصحابه إلى البقيع .. يقول أبو سعيد الخدري:
следующие страницы →