← Сира

Сира · id 123668

السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة

محمد الصوياني

Полный текст (1 354 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

من أراد الزواج منهم .. ولما اختتن الملك وابنه ورجال شعبه .. وأثناء فترة آلام الختان هجم بنو يعقوب وغدروا بالملك رغم العهود والمواثيق .. وقتلوا كل ذكر .. ثم نهبوا حميرهم وبقرهم وغنمهم وجميع ثروتهم وكل أطفالهم ونسائهم وكل ما في بيوتهم (١). إذا كان هذا ما ينسبونه لأعظم أنبياء بني إسرائيل .. والذين إليهم ينسب كل اليهود .. إذا كان الغدر هو مبدؤهم -كما يقول كاتب التوراة- فكيف بالرعاع والحاقدين من بني قريظة .. ما هو حجم الكارثة التي سيرتكبها اليهود في المدينة .. لا أحد يعلم إلا الله .. ولا شئ يردع تهور اليهود ودسائسهم سوى السيف .. وها هو السيف يبطش بهم في سوق المدينة .. وها هى المرأة الخائنة تقتل في سوق المدينة .. ويقتل رجال بني قريظة ومحاربوها .. وقد كان هناك حدٌ للمحارب يعرف به ويميز .. يذكره لنا أحد الذين نجوا من ذلك الحكم لأنه لم يبلغ ذلك الحد .. إنه فتى صغير يدعى عطية القرظي وقد أسلم فيما بعد وأصبح من صحابة رسول الله ﷺ ﵃ .. يقول ﵁: (كنت في سبي بني قريظة فأمر رسول الله ﷺ بمن أنبت أن يقتل، فكنت فيمن لم ينبت فتركت) (٢). وهكذا أهال الإِسلام التراب على جسد الخيانة القرظية المتعفن .. وأراح العالم منه .. وبقي من بني قريظة من اختار الحياة والإِسلام والهواء النقى من كل خبث ودسيسة .. فعاشوا أحرارًا بالإِسلام .. إلا من أبى .. رأى المنافقون السيوف تجتث رقاب أصدقائهم اليهود .. الذين طالما

стр. 807

اتخذوهم كهفًا لأصنامهم ونفاقهم .. فلم يطق أحد شعرائهم مشهد انهيار رفاق التآمر والخيانة فقال أبياتًا تعبر عن: موقف المنافقين مما حدث لقريظة وتلقي باللوم على سعد بن معاذ الذي كان شديدًا في حكمه عليهم .. وما علم هؤلاء أن الله سبحانه هو الذي أمر نبيه ببني قريظة .. في الوقت الذي كان فيه ﷺ قد وضع سلاحه واغتسل وتطيب .. وتهيأ لأخذ بعض الراحة من عناء حرب شاقة وقاسية .. وتجاهل أولئك المنافقون أن مصيرهم سيكون أسود من ليلهم لو انتصر الأحزاب واحتلوا المدينة .. ولم ينس ذلك الشاعر المنافق مدح زعيمه عبد الله بن أبي بن سلول الذي كان حليف كل من على وجه الأرض إلا محمدًا ﷺ وأصحابه .. وفي مدحه لابن أبي بن سلول سب لسعد بن معاذ .. لأن سعد بن معاذ لم تأخذه في الله لومة لائم .. ولا بيت شاعر .. أما عبد الله بن أبي بن سلول فقد دافع عن يهود بني قينقاع عندما غدروا بالمسلمين .. ووقف معهم .. وكلم النبي ﷺ فيهم ورجاه العفو عنهم .. فأبقاهم ﷺ وعفا عنهم من أجله .. وأمهلهم .. وعن هذين الموقفين المتناقضين يقول ذلك الشاعر: (ألا يا سعد سعد بني معاذ ... فما فعلت قريظة والنضير لعمرك إن سعد بني معاذ ... غداة تحملوا لهو الصبور تركتم قدركم لا شيء فيها ... وقدر القوم حامية تفور وقد قال الكريم أبو حباب ... أقيموا قيننقاع ولا تسيروا وقد كانوا ببلدتهم ثقالًا ... كما ثقلت بميطان الصخور) (١)

стр. 808

وسواءً كانوا ثقالًا كالجبال على أرض ميطان أو كانوا أثقل من ذلك .. فقد اجتثوا من جذورهم المتعفنة .. وطهر الموحدون تلك الأرض منهم ومن شركهم .. وإذا كان لهم من لوم فليلوموا أنفسهم .. هم الذين اختاروا سعدًا فكان لهم ما أرادوا .. أما سعد فقد توجه إلى المسجد .. إلى خيمته المنصوبة فيه .. ولما استقر فيها توجه بدعاء كله شوق إلى الله .. دعاء يفيض بسر المؤمن إذا تألق بالإيمان .. فسعد حكم على مقاتلي قريظة بالموت .. ثم تمنى الموت شهيدًا بجرحه ذلك .. ما هذا؟ .. إنه لم يسأل الله ولا رسوله شيئًا من أرض قريظة ولا أموالهم ولا نخيلهم ولا نسائهم .. إنه يسأل الله أن يقبض روحه .. بجرحه حتى يكون شهيدًا من شهداء الخندق .. أما ما عدا ذاك فحطام .. وسعد أكبر من الحطام .. أراد الشهادة لأنه ما أسلم وترك الأوثان إلا من أجل تلك العوالم الساحرة المرفوفة في الجنة .. فما هو دعاء سعد بعد قريظة تقول عائشة -وقد احتفظت ﵂ في ذاكرتها لسعد بالكثير الجميل- فهو الذي دافع عنها وعن عرضها في قصة الإفك الآثمة .. تقول ﵂: (إن سعدًا كان قد تحجر كلمه (١) للبرء، فدعا سعد فقال: اللَّهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلي أن أجاهد فيك من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه، اللَّهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان من حرب قريش شيء، فأبقني لهم حتى أجاهدهم فيك،

стр. 809

وإن كنت قد وضعت الحرب فيما بيننا وبينهم، فافجرها واجعل موتتى فيها. ففجر من ليلته فلم يرعهم (١) .. ومعهم في المسجد أهل خيمة من بني غفار إلا الدم يسيل إليهم. فقالوا: يا أهل الخيمة .. ما هذا الدم الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد جرحه يغذو (٢) دمًا) (٣) ولما (ثقل حولوه عند امرأة يقال لها "رفيدة"، وكانت تداوي الجرحى، فكان النبي ﷺ إذا مر به يقول: كيف أمسيت؟ وإذا أصبح قال: كيف أصبحت؟ فيخبره. حتى كانت الليلة التي نقله قومه فيها، فثقل، فاحتملوه، إلى بني عبد الأشهل إلى منازلهم، وجاء رسول الله ﷺ كما كان يسأل عنه، وقالوا: قد انطلقوا به. فخرج رسول الله ﷺ ، وخرجنا معه، فأسرع المشى حتى تقطعت شسوع (٤) نعالنا، وسقطت أرديتنا عن أعناقنا، فشكا ذلك إليه أصحابه: يا رسول الله .. أتعبتنا في المشي. فقال ﷺ : إني أخاف أن تسبقنا الملائكة إليه فتغسله كما غسلت حنظلة. فانتهى رسول الله ﷺ إلى البيت وهو يغسل، وأمه تبكيه وهى تقول:

стр. 810

ويل أم سعد سعدًا ... حزامة وجدّا فقال رسول الله ﷺ : كل نائحة تكذب إلا أم سعد. ثم خرج به. يقول له القوم أو من شاء منهم: يا رسول الله .. ما حملنا ميتًا أخف علينا من سعد. فقال ﷺ : ما يمنعكم من أن يخف عليكم وقد هبط من الملائكة كذا وكذا، وقد سمى عدة كثيرة لم أحفظها, ولم يهبطوا قط قبل يومهم قد حملوه معكم) (١) توجه ﷺ بصاحبه نحو البقيع .. فسبقه أبو سعيد وبعض الصحابة نحو البقيع لحفر القبر وإعداد اللبنات والماء .. طمعًا في ذلك الأجر العظيم الذي قال عنه ﷺ : "من حفر له (٢) فأجنه، أجري عليه كأجر مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة" (٣). وصل النبي ﷺ وأصحابه إلى البقيع .. يقول أبو سعيد الخدري:

стр. 811

(فطلع علينا رسول الله ﷺ وقد فرغنا من حفرته ووضعنا اللبن والماء عند القبر، وحفرنا له عند دار عقيل اليوم، وطلع رسول الله ﷺ ، فوضعه عند قبره، ثم صلى عليه، فلقد رأيت من الناس ما ملأ البقيع) (١). ولئن امتلأ البقيع بالناس فلقد زاحمهم فيه آخرون ليسوا من الناس .. جاؤوا كرامة لهذا المسافر الحبيب .. يشهدون توديعه والصلاة عليه ودفنه .. هبط من السماء سبعون ألف ملك فكانت الدنيا عرشًا يهتز .. وسماء مفتوحة .. وملائكة تهبط. كل ذلك حدث من أجل ذلك الفارس الجسور .. والمؤمن الطهور .. المسافر بالقلوب .. سعد بن معاذ الأوسى الأنصاري .. ها هو جابر الأنصاري يرى ويشاهد ويروي فيقول: (قال رسول الله ﷺ وجنازة سعد بن معاذ بين أيديهم: اهتز لها عرش الرحمن) (٢) (اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ) (٣). أما بعد دفنه ﵁ فقد وقف ﷺ يحدث أصحابه عن هذا الراقد .. الذي نحت الحب في قلوب المؤمنين .. ونحت العدل على جدران قريظة .. يحدثهم عما حدث له بعد دفنه فيقول: (هذا العبد "الصالح" الذي تحرك له العرش، وفتحت له أبواب السموات، وشهده سبعون ألفًا من الملائكة، لم ينزلوا الأرض قبل ذلك،

стр. 812

لقد ضم ضمة ثم فرج عنه) (١) وهى ليست ضمة عذاب إنما هي ضغطة القبر وضمته و (لو نجا أحد من ضمة القبر لنجا منها سعد) (٢) وهى من الآلام التي تمر بالمؤمن وغيره .. مثل ألم خروج الروح .. وألم القيام من القبر .. وألم الموقف والورود على النار لكنها تخفف على المؤمن النقي .. وتشدد أحيانًا حتى يتطهر من بقية ذنوبه .. فينجو برحمة الله من النار أعاذنا الله منها .. ودع ﷺ سعدًا وبشر أحبابه بأنه من أهل الجنة .. ثم انصرف وهو مثقل بالحزن .. وانصرف الصحابة بقلوب حزينة وعيون تذرف الدموع على سعد .. وذكريات سعد .. بكى المهاجرون والأنصار .. وغمر طوفان الحزن الأوس على سيدهم .. ومرت الأيام طويلة وثقيلة على أم سعد .. وعلى أهل بيت سعد .. كان سيفًا لا يفل على الباطل .. في كل وقت .. وفي كل مكان .. ومن مثل سعد .. وهو الذي سافر إلى مكة معتمرًا .. وهناك وحول الكعبة كاد يفتك بأبي جهل .. ولما حاول منعه أمية هدده بالموت ..

стр. 813

يهدد قادة مكة في عقر دارهم .. ويهددهم بقطع تجارتهم إن لم يتعقلوا ويدعوه وشأنه .. أما في بلده .. في المدينة فكان يهدد دفعًا عن عرض النبى ﷺ زعيم المنافقين بالموت .. كان مستعدًا للإجهاز على رأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول .. رضي من رضي وسخط من سخط .. هذا هو سعد في مواجهته لجبهتي الشرك والنفاق .. أما في مواجهته لليهود فقد قال فى قريظة كلمته .. كان ﵁ يفعل ذلك لله وحده ودفاعًا عن دينه ورسوله ﷺ ودعوته التى يحاول المشركون والمنافقون واليهود القضاء عليها .. فرحم الله سعدًا ما أعظمه .. ورضي عنه وأرضاه وحشرنا معه ومع نبيه ﷺ .. سافر سعد إلى الجنة .. لكنه ترك لليهود وغيرهم درسًا. ولحق بسعد بن معاذ فارس آخر .. وعظيم آخر .. لحق به المجاهد العابد .. الذي كاد ينسى زوجته وماله والدنيا بأسرها ليتفرغ للعبادة .. العبادة فقط .. مات الذي أعاده النبي ﷺ إلى سنته وزوجته .. والذي كان في حياته دروس .. وفي مماته دروس. مات عثمان بن مظعون فبكته حبيبته .. وبكته نساء .. وبكاه الرجال .. وسال دمع النبي ﷺ على خدي عثمان وهو يقبّله بحزن يملأ صدره .. مات ذلك العابد الذي باع الدنيا كل الدنيا واشترى الآخرة .. فكان مشهد جنازته والأحباب من حولها مشهدًا يذيب الصخر والقلوب .. ويذيب النواح .. ها هو ﷺ وقد (دخل على عثمان بن مظعون يوم مات فأحنى عليه (١) كأنه يوصيه، ثم رفع رأسه، فرأوا في عينيه أثر البكاء، ثم أحنى عليه ثانية، ثم رفع رأسه

стр. 814

فرأوه يبكى، ثم أحنى عليه الثالثة، ثم رفع رأسه وله شهيق، فعرفوا أنه قد مات، فبكى القوم، فقال النبي ﷺ : مه .. إنما هذا من الشيطان، فاستغفروا الله (١)، ثم قال: اذهب عنها أبا السائب فلقد خرجت ولم تلتبس منها بشىء) (٢)، كانت عائشة هناك .. حزينة مثل بقية الحاضرين .. شاهدت دموعه ﷺ وهي تسيل على خدي عثمان بن مظعون ﵁ .. فقالت: (رأيت رسول الله ﷺ يقبّل عثمان بن مظعون وهو ميت "وهو يبكي، وعيناه تهرقان" فرأيت دموعه تسيل على خدّيه) (٣)، أي على خدي عثمان .. حزنًا على ذلك الصاحب الزاهد .. القائم الصائم .. الذي سافر عن الدنيا نقيًا دون أن تلوثه .. شهد بذلك النبي ﷺ .. شهد ﷺ لعثمان بالنقاء والصفاء من الدنيا .. فهل يعني أن كل من كان مثله نقول عنه إنه من أهل الجنّة .. النبي ﷺ يبكي .. يشهد لعثمان بالزهد .. زوجته تشهد له بالصيام والقيام ألا يكفي ذلك للجزم بدخوله الجنة؟ .. لا

стр. 815

لا يحكم لأحد -حتى عثمان- بالجنَّة كيف ذلك؟ شئ مفزع .. ومخيف .. إذا لم يحكم لعثمان فلمن يحكم .. ؟ العواطف مرة أخرى تثور وتستنكر وتحتج .. لكن الإِسلام والتوحيد لا ينطلقان من العواطف ولا الأهواء .. وإلَّا لأصبح لكل فرد دين .. لأن كل فرد عالم من العواطف والأهواء .. الإِسلام يعتني بالعاطفة يهذّبها .. ينقّيها من الشوائب ثم يطلقها أطيافًا جميلةً في الأجواء .. وحبنا لشخص لا يعني أن الحق معه أينما اتّجه .. الكل يشهد لعثمان بن مظعون بالصلاح في دنياه .. لكن النبي ﷺ غضب عندما حكم له بالجنة .. لأن في ذلك تجاوزًا لمسؤوليات الإنسان .. فيه تزييف وادّعاء .. عندما قدم عثمان بن مظعون إلى المدينة مع المهاجرين .. أقبل عليهم الأنصار بالأيدي والقلوب والبيوت .. تنازع الأنصار كلٌّ يريد أن يفوز بأخ له من المهاجرين يسكن معه في بيته .. ولم ينته ذلك النزاع الحبيب إلَّا بالقرعة .. وعندما وصل دور القرعة إلى عثمان بن مظعون .. جعلته القرعة من نصيب بيت زوج أم العلاء وهو من الأنصار ﵃ .. ولما أصابه المرض .. مرّضته أم العلاء .. وشهدت له عند رسول الله ﷺ بالصلاح لكنها شهدت له بشيء أغضب النبي ﷺ .. يا أم العلاء ماذا قلت عن عثمان ﵁ .. ؟ تقول ﵂: (إن عثمان طار لهم في السكنى حين قرعت الأنصار على سكنى المهاجرين، فاشتكى عثمان عندنا، فمرضته حتى توفي وجعلناه في أثوابه، فدخل علينا النبى ﷺ ، فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب، شهادتي عليك قد أكرمك الله. فقال النبى ﷺ : وما يدريك أن الله أكرمه؟

стр. 816

قلت: لا أدري، بأبي أنت وأمى يا رسول الله، فمن؟ قال: أما هو فقد جاءه والله اليقين، والله إني لأرجو له الخير، وما أدري -والله- وأنا رسول الله ما يفعل بى. قالت: فوالله لا أزكى بعده أحدًا. قالت: فأحزننى ذلك، فنمت، فأريت لعثمان بن مظعون عينًا تجري، فجئت رسول الله ﷺ ، فأخبرته، فقال: ذلك عمله) (١) الصالح .. تقبّله الله منه وجزاه الجنّة بما عمل .. فأوحى بهذه البشرى إلى نبيه ﷺ ، لكن قبل ذلك لا أحد يدري عن مصيره .. وهل هناك فوق قول النبي ﷺ : وما أدري والله وأنا رسول الله ما يفعل بي. إذًا فلا شأن لأحد بما بعد الموت .. ولا بالنوايا .. ولا يكفى ظاهر العمل للحكم على الإنسان بأنه من أهل الجنّة أو النار .. حتى في مدح الإنسان لأخيه وهو حى يأمر ﷺ بعدم الاندفاع .. ففى أحد الأيام (أثنى رجل على رجلٍ عند النبي ﷺ فقال: ويلك، قطعت عنق صاحبك .. قطعت عنق صاحبك .. مرارًا، ثم قال ﷺ : من كان منكم مادحًا أخاه لا محالة فليقل: أحسب فلانًا والله حسيبه، ولا أزكى على الله أحدًا، أحسبه كذا وكذا إن كان يعلم ذلك منه) (٢). لنعد إلى عثمان بن مظعون ﵁ .. ها هم يحملونه نحو البقيع .. ومعهم رسول الله ﷺ بعد أن صلّوا عليه .. وقد بيّن ﷺ لأصحابه الطريقة الأفضل للمشي مع الجنازة .. فقال:

стр. 817

(الراكب يسير خلف الجنازة، والماشى يمشي خلفها وأمامها، وعن يمينها، وعن يسارها، قريبًا منها) (١)، وكان ﷺ يقول: (إذا رأى أحدكم الجنازة، فإن لم يكن ماشيًا معهم فليقم "حين يراها") (٢)، وقال جابر رضى الله عنه: (قام النبي ﷺ وأصحابه لجنازة يهودي حتى توارت) (٣)، (فقلنا: يا رسول الله، إنها يهودية، فقال: إن الموت فزع، فإذا رأيتم الجنازة فقوموا) (٤) (فقيل: إنه يهودي، فقال: أليست نفسًا) (٥). ثم إن الأمر بالقيام لم يدم .. فقد أمر الله نبيّه بالقعود .. يقول عليّ ﵁: (رأينا رسول الله ﷺ قام، فقمنا، وقعد، فقعدنا) (٦). رسول الله ﷺ لم يكن قائمًا ولا جالسًا .. كان ﷺ يشارك في دفن صاحبه بيديه .. ويفعل شيئًا يدلّ على مكانة عثمان في نفسه ﷺ ، فبعد أن قال: (بسم الله وعلى سنّة رسول الله) (٧) يقول أحد الصحابة: (لما مات عثمان بن مظعون أخرج بجنازته فدفن، أمر النبي ﷺ رجلًا أن يأتيه بحجر،

стр. 818

فلم يستطع حمله، فقام إليه رسول الله ﷺ وحسر عن ذراعيه (١)، كأني أنس إلى بياض ذراعي رسول الله ﷺ حين حسر عنها، تم حملها، فوضعها عند رأسه وقال: أتعلم بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي) (٢). كل هذا الحب لعثمان بن مظعون .. كل ذلك البكاء وتلك الدموع .. ومع ذلك فلم يزد ﷺ على وضع حجر كبير ليعرف به قبر أخيه عثمان عندما يزور مقبرة البقيع .. أما من تسوّل له نفسه أن يزين قبر حبيبه أو حبيبته بالرخام أو الجص أو البناء أو القباب .. فقد قال ﷺ لعليّ بن أبي طالب ﵁: "لا تدع تمثالًا إلَّا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلَّا سويته" (٣). ولأن (رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها) (٤) فقد (نهى رسول الله ﷺ أن يجصّص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه) (٥) لأن فتح باب البدعة لا يعني أبدًا مرونة في العقيدة .. هو تمييع للعقيدة .. تمزيق لها .. يعني التواءً نحو الشرك .. والإِسلام هروب .. كله هروب من الشرك وانحرافاته .. لقد شدّد ﷺ في قضية القبور حتى لقد (نهى أن يكتب على القبر شيء) (٦) إن

стр. 819

الكتابة في نظر من لا يدرك عواقب الأمور شئ بسيط .. لكنه في الحقيقة يفضى إلى كتابة المدائح .. والأشعار .. والآيات .. والمبالغات وأشياء تجعل من القبور تحفًا أو معارض .. أو مزارات لذاتها .. ولما ذكرت أم سلمة ﵂ للنبى ﷺ ما رأته في الحبشة من نقوش جميلة وصور عجيبة داخل كنيسة هناك يسمونها "مارية" قال ﷺ : "أولئك إذا مات منهم الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجدًا، ثم صوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله" (١)، وقال ﷺ : "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (٢) لعنهم الله رغم أن بعضهم كان يريد تكريم نبيّه بإقامة ذلك المسجد أو المعبد أو الكنيسة .. لعنهم الله لأنهم استمدّوا العقيدة من العواطف .. من التخاريف .. من غلوّهم وتطرّفهم في أنبيائهم .. والعقيدة وحي متى ما خالطها غير الوحي فسدت .. وحب النبي وتكريمه لا يكون بالغلوّ والتطرّف .. بل بتنفيذ ما جاء به ذلك النبي .. بحفظه ونقله بأمانة دون زيادة أو نقصان .. لأن الزيادة دين بشري .. والنقصان تشويه للوحي .. والزيادة والنقصان أورام خبيثة محتقنة بالكفر والشرك والبدع .. وما جاء ﷺ إلَّا لاستئصال تلك الأورام واجتثاث الشرك وجذوره .. والإِسلام جاء ليبتدع الإنسان ويبدع في شؤون الدنيا زراعةً وصناعة وتجارةً مستمدًا ذلك الإبداع وموجهًا بالوحى النقى .. فإذا ابتدع الإنسان في الدين والدنيا تمزق بين اتجاهن .. فإما أن يكون متطرفًا دينيًا أو يكون رقمًا في آله لا ضمير لها ولا قيم .. واليهود ممزقون لذلك .. فما هي حالهم الآن بعد موت سعد بن معاذ ..

стр. 820

اليهود بعد موت سعد بن معاذ أشد رعبًا وخوفًا من قبل إلا من آمن منهم وامتلأ قلبه برحابة الإيمان وراحته .. فالسيف الذي تركه سعد لا يزال محمولًا بكف فارس آخر .. وهو على أتم الاستعداد لأي خيانة جديدة مهما كان حجمها .. لكن ماذا عن رأس الفتنة .. ومحرض الأحزاب سلام بن أبي الحقيق .. وحيي بن أخطب الذي أخذ على نفسه عهدًا بمعاداة النبي ﷺ ومحاربته وعناده ما تردد الهواء في صدره .. رغم معرفته وتأكده من نبوته .. يبدو أن حيي بن أخطب قد قتل مع من قتل من بني قريظة .. أما سلام بن أبي الحقيق فقد ورط الأحزاب ثم خانهم جميعًا وهرب .. بل خان يهود قريظة ثم انسل كالحية إلى (حصن له بأرض الحجاز) (١) في خيبر بالتحديد .. فهل سيفلت من العقاب الذي حل ببني قريظة .. إنه يستحق أكثر من عقاب .. فهو الذي خطط .. ورتب وحرض .. ولما اشتبك أعداؤه وحلفاؤه ترك الجميع وهرب .. وهو في حصنه الآن .. بين نسائه وأصدقائه يشرب ويتنعم ويحلم بدماء محمَّد ﷺ وأصحابه .. وانهيار دولتهم في أقرب فرصة .. لكن النبي ﷺ لن يترك هذا المجرم وأحلامه .. إنه آفة خطيرة تسري في العقول .. وتنتشر في الهواء .. وتلوث الحياة .. لذلك فقد أصدر النبي ﷺ أمرًا بالقضاء على تلك الآفة .. أصدر أمرًا بـ: قتل سلام بن أبى الحقيق وكان أكثر المتحمسين لذلك فرسان الخزرج .. الذين أرادوا منافسة إخوانهم الأوس في نصرة الله ورسوله .. يقول البراء بن عازب رضى الله عنه:

стр. 821

(بعث رسول الله ﷺ إلى أبي رافع اليهودي رجالًا من الأنصار، فأمر عليهم عبد الله بن عتيك، "عبد الله بن عتبة في ناس معهم" وكان أبو رافع يؤذي رسول الله ﷺ ، ويعين عليه، وكان في حصن له بأرض الحجاز، فلما دنوا منه وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم، فقال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم فإني منطلق ومتلطف للبواب لعلي أن أدخل. فأقبل حتى دنا من الباب "فانطلق رجل منهم فدخل حصنهم. قال: فدخلت في مربط دواب لهم، وأغلقوا باب الحصين، ثم إنهم فقدوا حمارًا لهم فخرجوا "بقبس" يطلبونه، فخرجت فيمن خرج، أريهم أنني أطلبه معهم، فوجدوا الحمار، فدخلوا" "فخشيت أن أعرف، فغطيت رأسى ورجلى كأني أقضي حاجةً، ثم نادى صاحب الباب: من أراد أن يدخل فليدخل، قبل أن أغلقه". ثم تقنع بثوب كأنه يقضى حاجة، وقد دخل الناس فهتف به البواب: يا عبد الله .. إن كنت تريد أن تدخل فادخل، فإني أريد أن أغلق الباب. فدخلت، فكمنت "في مربط حمار عند باب الحصن" فلما دخل الناس أغلق الباب، ثم علق الأغاليق (١) عليها وتد، "ورأيت صاحب الباب حيث وضع مفاتيح الحصن في كوة فأخذته ففتحت به باب الحصن" فقمت إلى الأقاليد (٢)، فأخذتها، ففتحت الباب، وكان أبو رافع يُسمر عنده، وكان في علالي (٣) له، "فتعشوا عنده أبي رافع وتحدثوا حتى ذهبت

стр. 822

ساعة من الليل، ثم رجعوا إلى بيوتهم" فلما ذهب عنه أهل سمره "هدأت الأصوات، ولا أسمع حركة .. خرجت" صعدت إليه "في سلم" فجعلت كلما فتحت بابًا أغلقت علي من داخل، قلت: إن القوم نذروا بي (١) لم يخلصوا إلي حتى أقتله، فانتهيت إليه، فإذا هو في بيت مظلم "قد طفئ سراجه" وسط عياله لا أدري أين هو من البيت. فقلت: يا أبا رافع. فقال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت (٢) فأضربه ضربة بالسيف وأنا دهش، فما أغنيت شيئًا، وصاح فخرجت من البيت، فأمكث غير بعيد، ثم دخلت إليه، "كأني أغيثه". فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ "ما لك يا أبا رافع .. وغيرت صوتي. فقال: ألا أعجبك لأمك الويل". "قلت: ما شأنك". فقال: لأمك الويل إن رجلًا في البيت ضربني قبلُ بالسيف. "فعمدت له" فأضربه ضربة أثخنته ولم أقتله، "فصاح، وقام أهله، ثم جئت وغيرت صوتي كهيئة المغيث، فإذا هو مستلق على ظهره" ثم وضعت ضبيب (٣) السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره "ثم تحاملت عليه

стр. 823

حتى قرع العظم" "ثم أنكفئ عليه حتى سمعت صوت العظم" فعرفت أني قتلته، فجعلت أفتح الأبواب بابًا بابًا، حتى انتهيت إلى درجةٍ له، فوضعت رجلي وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض، فوقعت في ليلة مقمرة، فانكسرت ساقي "فانخلعت رجلي" فعصبتها بعمامة، "ثم أتيت أصحابي أحجل (١)، فقلت لهم: انطلقوا فبشروا رسول الله ﷺ ، فإني لا أبرح حتى أسمع الناعية" ثم انطلقت حتى جلست على الباب، فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته؟ فلما صاح الديك، قام الناعى على السور. فقال: أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز. "فقمت أمشي ما بى قلبة (٢) , فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا النبي ﷺ " فانطلقت إلى أصحابي فقلت: النجاء (٣)، فقد قتل الله أبا رافع، فانتهيت إلى النبى ﷺ ، فحدثته، "فبشرته". فقال لي: ابسط رجلك. فبسطت رجلي، فمسحها، فكأنها لم أشتكها قط) (٤). أكرم الله عبد الله بن عتيك بتلك المسحة .. بعد أن مسح عن وجه الأرض ذلك العفن المسمى "سلام بن أبي الحقيق" كان عبد الله ﵁ قلبًا من حديد .. وأعصابًا من فولاذ .. نشر الرعب في ذلك الحصن .. وفي قلب كل يهودي .. لقد اهتز كل شئ حول المدينة وتزلزل .. والمدينة هي الحضن الدافئ .. والأمن الحاني التي يقصدها من استبد بهم الخوف ..

стр. 824

ويأوي إليها من تطارده وحوش الهموم والقلق من سوء المصير .. أحد الهائمين على وجوههم .. الموغلين في الشرك والدماء .. أحد الذين قدسوا صنم اللات .. وعبدوها وسدنوها .. وحاربو الإِسلام ونبيه ﷺ والمسلمين من أجلها .. داهية تتضاءل أمامه الصعاب .. وتنفرج لحيلته المضايق .. وقع في ورطة أدهى منه فلم يجد سوى الإِسلام ومحمَّد ﷺ مخرجًا منها .. هذا الداهية الثقفى .. المنحدر من جبال الطائف التي تضيق باللات .. يدعى المغيرة بن شعبة .. جمع الشجاعة والدهاء .. وعمه زعيم الطائف واسمه: عروة بن مسعود الثقفى .. وقد كلفه دهاء المغيرة وحيلته الشيء الكثير .. في ورطة كان المخرج منها: إسلام المغيرة بن شعبة فقد سافر المغيرة وهو مشرك مع قوم مشركين .. ويبدو أنه قد صدر من هذه المجموعة ما أثار المغيرة وأهانه .. فغلى الانتقام والغضب والحيلة في رأسه .. فأخذ أموالهم وتركهم طعامًا لذئاب الصحراء وطيورها وترك ديتهم لعمه عروة .. وعندما أحس بضيق الدنيا في وجهه أبصر طريقه نحو النبي ﷺ .. يقول أحد الصحابة: (كان المغيرة صحب قومًا في الجاهلية، فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي ﷺ : أما الإِسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء) (١) فالله طيب لا يقبل إلا طيبًا .. والغدر والخيانة ليست من صفات المؤمنين .. لم يقره النبي ﷺ على قتله وسلبه لأولئك القوم رغم أنهم كانوا مشركين .. والفرق بين ما فعله المغيرة وما فعله عبد الله بن عتيك بسلام بن أبي الحقيق .. أن سلامًا كان قد حرض على حرب المدينة وخطط لها وغدر بأهلها .. ثم خان المسلمين والمشركين

стр. 825

وهرب إلى حصنه في أرض خبير وكأنه لم يفعل شيئًا .. إن خطر أمثال ابن أبي الحقيق أشد من خطر جيش بأكمله .. وخيانته لا يمكن أن تتوقف ما دام يعتبرها هو وأتباعه دينًا يتعبد الله بفعله .. وإذا كان الطائف قد ضاق بالمغيرة .. فمكة تضيق الآن بداهية آخر .. وشجاع آخر وهو الآن يهرب منها. إنه: عمرو بن العاص يهرب من مكة كَلَّ دهاؤه وتفتت على حافة الخندق .. وعاد مكسورًا مع من عاد من قومه إلى مكة .. تأمل المكان الذي أوصله إليه شركه ودهاؤه .. فوجده بعيدًا جدًا عن المنطق .. وأدرك أن هذا النبي وهذا الدين أعظم من أي دهاء .. وأقوى من أي كيد .. توجه عمرو بن العاص وهو الرأس في قومه إلى حيث يلتجئ الضعفاء والمساكين .. توجه محمولًا بالعناد والحيرة إلى الحبشة حيث يلتجئ جعفر بن أبي طالب رضى الله عنه وأصحابه بعيدًا عن أيدي قريش .. ركب عمرو بن العاص سفينة قذفته في أرض الحبشة .. وأقام هناك إقامة متواضعة مقارنة بإقامة المؤمنين الذين يحظون بحب وحماية النجاشى ملك الحبشة رضى الله عنه .. وفي أحد تلك الليالي الحبشية لمح عمرو بن العاص جعفرًا رضى الله عنه فلحق به .. يقول عمرو: (فلما كان ذا عشية لقيته في السكة، فنظرت خلفه، فلم أر خلفه أحدًا، فأخذت بيده .. فقلت: تعلم أني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فغمزني، وقال: أنت على هذا. وتفرقنا .. فما هو إلا أن أتيت أصحابي، كأنما شهدوني وإياه، فما

стр. 826

سألوني عن شيء حتى أخذوني فصرعوني، فجعلوا على وجهى قطيفة، وجعلوا يغمونني بها، وجعلت أخرج رأسي أحيانًا حتى انفلت عريانًا، ما عليّ قشرة، ولم يدعوا لي شيئًا إلا ذهبوا به، فأخذت قناع امرأة عن رأسها فوضعته على فرجى، فقالت لي: كذا. وقلت: كذا -كأنها تعجبت مني-. وأتيت جعفرًا فدخلت عليه بيته، فلما رآني قال: ما شأنك؟ قلت: ما هو إلا أن أتيت أصحابي, فكأنما شهدوني وإياك، فما سألوني عن شيء حتى طرحوا على وجهى قطيفة، غموني بها، أو غمزوني بها، وذهبوا بكل شيء من الدنيا حولي، وما ترى عليّ إلا قناع حبشية، أخذته من رأسها. فقال جعفر: انطلق. فلما انتهينا إلى باب النجاشى، نادى: ائذنوا لحزب الله، وجاء آذنه، فقال: إنه مع أهله. فقال: استأذن لي عليه، فاستأذن له عليه، فأذن له، فما دخل قال: إن عمرًا قد ترك دينه واتبع ديني، قال: كلا. قال: بلى. فدعا آذنه فقال: اذهب إلى عمرو، فقال: إن هذا يزعم أنك تركت دينك واتبعت دينه. فقلت: نعم. فجاء إلى أصحابي حتى قمنا على باب البيت، وكتبت كل شيء حتى كتبت المنديل، فلم أدع شيئًا ذهب إلا أخذته، ولو أشاء أن آخذ من أموالهم لفعلت. ثم كنت بعد من الذين أقبلوا في السفينة مسلمين) (١).

стр. 827

ها هي سفينة أخرى محملة بالإيمان .. قادمة من اليمن تحمل رجالًا يقصدون المدينة .. لكن ربانها لم يكن بالمهارة المطلوبة .. وبدلًا من تسلمهم المياه إلى ساحل على قارة آسيا قذفتهم على إحدى شواطئ أفريقيا .. لكن لا بأس .. فإن في الحبشة نسيمًا عطرًا يدعى النجاشى ﵁ .. وفيها أيضًا أحبة لرسول الله ﷺ لعل أشهرهم ابن عمه جعفر بن أبي طالب وزوجته المجاهدة الصابرة أسماء بنت عميس ﵂ .. ها قد نزل أهل اليمن من السفينة .. تعالوا لنقترب منها ومنهم .. نتعرف على هذه الوجوه التي أرهقها البحر والسفر .. وأبحر بها الحب والإيمان .. كان من بين هؤلاء المسافرين الذين زادوا على الخمسين .. ثلاثة أخوة كان اليمن الطيب: أبو رهم وأبو بردة وأبو موسى فى الحبشة يقول أصغرهم سنًا وهو أبو موسى الأشعري ﵁: (بلغنا مخرج النبي ﷺ ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي، أنا أصغرهم أحدهما: أبو بردة، والآخر أبو رهم إما قال: في بضع، وإما قال: في ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلًا من قومي، فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشى بالحبشة، ووافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده. فقال جعفر: إن رسول الله ﷺ بعثنا ها هنا، وأمرنا بالإقامة، فأقيموا

стр. 828

معنا، فأقمنا معه) (١) على أرض الحبشة الرحبة .. في ضيافة ملكهم الكريم العادل: النجاشي ﵁ .. وعلى تلك الأرض الطيبة لم تصفُ الحياة للمؤمنين .. لكنها كانت بعيدة عن مخالب قريش على كل حال .. فقد هاجرت إلى الحبشة مع أول من هاجر فتاة مؤمنة .. تمرد إيمانها على زعامة أبيها وسلطته .. فأخذت بيد زوجها إلى أول مركب وأبحرت إلى الحبشة .. هذه الفتاة .. هي بنت زعيم قريش ومكة .. بنت أبي سفيان .. واسمها "رملة" وتكنى بـ (أم حبيبة). أم حبيبة تبكي في الحبشة حزينة على أرض الحبشة .. بعيدة عن مكة والمدينة .. لم يكن البعد وحده الذي يعصف بقلب أم حبيبة .. فزوجها الآن طريح الفراش .. مريض وقد اشتد به المرض .. وعندما أحس بأنامل الموت تدنو منه وتدب في أوصاله .. همس بمن حوله برسالة إلى النبي ﷺ . رسالة قبل الموت بعث بها عبيد الله بن جحش الذي هاجر مؤمنًا (٢) إلى أرض الحبشة .. إلى النبي ﷺ يوصيه بأحب الناس إلى قلبه .. يوصيه بالحبيبة أم حبيبة "رملة بنت أبي سفيان". تقول عائشة ﵂: (هاجر عبيد الله بن جحش بأم حبيبة بنت أبي سفيان وهي امرأته إلى

стр. 829

أرض الحبشة، فلما قدم أرض الحبشة مرض، فلما حضرته الوفاة أوصى إلى رسول الله ﷺ ) (١). فوصلت الوصية إليه ﷺ .. فبعث الرد مع أحد المؤمنين القادمين على هذا القارب الذي يتهادى فوق مياه البحر نحو سواحل الحبشة .. إنه يرسو الآن حاملًا لأم حبيبة البشرى والعزاء .. فقد انقضت أيام حدادها وأحزانها .. وجاء صاحب رسول الله ﷺ يخطبها له ﷺ .. استبشرت أم حبيبة هذا الخبر .. وفرح النجاشى .. فقد وجدها فرصة ولا أنسب ليقدم هدية للنبي ﷺ : النجاشى يهدى للنبى ﷺ مهر أم حبيبة مهرها كله .. هدية من النجاشى للنبي ﷺ .. ثم أرسلها مع صحابي كريم اسمه: شرحبيل بن حسنة .. عن ذلك تقول أم حبيبة رضى الله عنها: (أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش "وكان أتى النجاشى" فمات بأرض الحبشة "وأن رسول الله ﷺ تزوج أم حبيبة وإنها بأرض الحبشة" فزوجها النجاشى النبي ﷺ ، وأمهرها عنه أربعة آلاف "ثم جهزها من

стр. 830

عنده" وبعث بها إلى رسول الله ﷺ مع شرحبيل بن حسنة "وجهازها كله من عند النجاشى") (١) عبرت أم حبيبة البحر تحمل مهرها والفرح .. عبرت الحزن والغربة .. وجعلها الله من أمهات المؤمنين .. من سيدات نساء العالم والجنة .. من حبيبات النبي ﷺ .. وصار لها بدل الهجرة هجرتين .. وأزاح ذلك العرس ما بها من شقاء وغربة وأحزان .. وصلت رملة ففرح بها النبي ﷺ .. وكان قد أعد لها منزلًا تسكنه .. تشاركه حياته ومعاناته وأفراحه .. أما والدها أبو سفيان فيبدو أن الخبر أفرحه .. لذلك لم يصدر منه ما ينبئ عن استنكاره لذلك الزواج .. فهو يعتبر النبي ﷺ زعيمًا لا مثيل له .. وإنه لشرف أن يكون صهرًا لهذا الزعيم .. ولئن كان زواج النبي ﷺ من رملة بنت أبي سفيان ﵂ قد أبهج والدها إلا أن النبي ﷺ قد عزم على ما يكدر صفوه .. ويضيف إلى هزيمته عند الخندق هزيمة أخرى .. فـ: النبي ﷺ يريد أداء العمرة وهذا من حقه .. ومن حق أي عربي .. بل من حق أي إنسان أن يزور بيت الله ويطوف به .. لكن قريشًا تفكر بطريقة مختلفة .. فهي لا تنظر إليه حقًا من حقوق خصمها الذي يجب عليها أن تؤمن له الحماية ما دام على أرضها .. وهذه من صفات قريش الكريمة المحسوبة لها .. لكنها

стр. 831

تنظر إلى هذه العمرة على أنها هزيمة يلحقها محمَّد ﷺ وأصحابه بها كسابقاتها .. كيف يطوف هو وأصحابه وقد طردوهم بالأمس من مكة .. كيف يأتون مكة دون إذن قريش .. أين مكانة قريش وأصنامها .. ؟ سؤال ضاقت به مكة .. أما رسول الله ﷺ فلم يبال برأي قريش .. لقد أراه الله في منامه رؤيا .. ورؤيا الأنبياء وحي .. وقد قص النبي ﷺ على أصحابه تلك الرؤيا .. وبشرهم بأنهم سيطوفون ببيت الله بعد طول غياب عنه .. بعد خمس سنوات من الحرمان .. يقول عمر بن الخطاب: إن النبي ﷺ (كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به) (١) فتهللت وجوه الصحابة .. وأفرحهم الخبر .. وأعدوا للسفر عدته .. وأطلق اسم (الحديبية) على تلك العمرة فيما بعد. فـ: متى كانت عمرة الحديبية وماذا جرى على أرض الحديبية البعيدة عن المدينة .. والتي تقترب من مكة بمسافة ٢٢ كيلًا .. خرج ﷺ وأصحابه نحو مكة متعمرين .. يقول ابن عمر: (إن رسول الله ﷺ خرج متعمرًا) (٢) و (كانت الحديبية سنة ست بعد مقدم النبي ﷺ المدينة في ذي القعدة) (٣).

стр. 832

يقول أنس ﵁: (عمرة الحديبية في ذي القعدة) (١). ولم تقتصر دعوته ﷺ للخروج على أصحابه .. بل دعا الأعراب المتناثرين حول المدينة لمصاحبته .. علَّ العمرة تذيب ما ببعضهم من جلافة وجفاء. لكن بعض تلك الجلافة كان صدأً لا يذيبه سوى اللهب .. موقف بعض الأعراب من الخروج للعمرة موقف كالعار .. فبعض الأعراب تصحر من رأسه حتى قدميه .. فهم يتلهفون للنهب والسلب والغنيمة الباردة .. وحساباتهم لا تعدو ذلك .. وهم وإن ادعوا الإِسلام إلا أن أرقام قريش ما زالت تخيفهم .. وحشود الأحزاب ما زالت في نظرهم تكمن خلف الأكمات والهضاب .. أما نصر الله ووعده والثقة برسوله ﷺ ووحي الله له فلا رصيد لها في تلك النفوس المتكلسة .. إنها سراب في الصحراء الممتدة داخلهم .. لقد ظنوا أن قريشًا ستفني محمدًا ﷺ وأصحابه فلا داعى للمجازفة في معركة معروفة النتائج سلفًا .. ولذا فقد ادعوا أنهم مشغولون بأموالهم وأهلهم وشؤون دنياهم .. وطلبوا من النبي ﷺ أن يستغفر لهم وأن يسامحهم عن المسير معه نحو مكة .. لكن الوحي نزل يفضح سوء ظنهم بالله ورسوله .. ويعرى حقيقتهم .. ويكشف عارهم .. يقول الله : ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ

стр. 833

وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١) آيات عظيمات .. آيات تخترق أعذار بعض الأعراب الواهية لتنزع منها جبنهم وأسرار تخلفهم .. ولا بد أن المنافقين شاركوهم الرأي والتخلف .. لم يلح النبي ﷺ عليهم .. فلا خير فيهم ولا في صحبتهم .. إنه ليس بحاجتهم عند جلاد السيوف والعراك .. فكيف يكون اليوم بحاجتهم وهو لا يريد سوى السلام وزيارة بيت الله وأداء العمرة فيه .. فقد (خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت، لا يريد القتال، وساق معه الهدي سبعين بدنة) (٢) ساقها معه من المدينة لينحرها لله في مكة .. فكما أن الصلاة لا تجوز إلا لله وحده لا شريك له .. فكذلك النحر لا يجوز لأحد كائنًا من كان إلا الله وحده لا شريك له .. يقول سبحانه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ (٣) ولم يأخذ ﷺ الهدي معه فقط .. بل أخذ السلاح أيضًا .. لم يأخذه ليقاتل به بل احتياطًا .. فالطريق طويلة وشاقة وقد تباغت قريش أو أعوانها من هنا أو هناك .. خرج ﷺ من المدينة وكان عدد الذين خرجوا مع النبي ﷺ يصل إلى ألف وأربعمائة .. توجه إليهم النبي ﷺ بقلبه وحديثه .. وبشرهم ببشرى تتطامن أمامها كنوز الدنيا ومساحاتها

стр. 834

وألقابها .. جابر بن عبد الله ﵁ أحدهم .. أحد الذين شملتهم تلك البشرى .. يحدث الدنيا فيقول: (قال رسول الله ﷺ يوم الحديبية: أنتم خير أهل الأرض، وكنا ألفًا وأربعمائة) (١). ويقول أحد هؤلاء وهو البراء ﵁: (كنا يوم الحديبية أربع عشرة مائة) (٢) وقال كل من معقل بن يسار والمسيب بن حزن ﵄: (ألفًا وأربعمائة) (٣) وقد يكون العدد أكبر من ذلك .. أي أن عدد الصحابة الذين خرجوا معه ﷺ قد يبلغ ألفًا وخمسمائة صحابي .. قال أحد أبناء الصحابة الثقات واسمه: سعيد بن المسيب بن حزن عندما قال له أحد أصحابه: (بلغني أن جابر بن عبد الله يقول: كانوا أربع عشرة مائة، قال: نسي جابر كانوا ألفًا وخمسمائة) (٤) (وهَمَ جابر ﵀ وهو حدثني أنهم كانوا ألفًا وخمسمائة) (٥) توجهوا بمطاياهم وقلوبهم خلف رسول الله ﷺ نحو بيت الله الكريم .. وبعد أن قطعوا مسافة. توقف بهم النبي ﷺ في مكان يدعى "ذو الحليفة" وكان: التوقف بذى الحليفة ضروريًا لأداء العمرة .. فالعمرة طواف حول الكعبة .. ومشي بين الصفا والمروة .. وقبل ذلك إحرام من مكان يقال له الميقات .. وقد حدد ﷺ لكل بلد ميقاتها .. بل حدد لجهات الدنيا كلها أماكن تحرم منها .. وميقات أهل المدينة منها هو "ذو الحليفة" يقول أحد الصحابة رضي الله

стр. 835

عنهم: (إن النبي ﷺ وَقَّتَ لأهل المدينة: ذا الحليفة، ولأهل الشام: الجحفة، ولأهل نجد: قرن المنازل، ولأهل اليمن: يلملم، هن لأهلهن، ولكل آت عليهن من غيرهن "من غير أهلهن" فمن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ (١) حتى أهل مكة من مكة) (٢). والإحرام هو أن ينوي المعتمر أو الحاج بدء ممارسة العمرة أو الحج أو العمرة والحج معًا .. والأفضل أن يكون لباس المحرم عبارة عن قطعتين من القماش فقط .. تسمى إحداهما إزارًا وتلف حول أسفل الجسم .. وأما الأخرى فتسمى رداءًا وتلف حول أعلى الجسم .. ولكن بطريقة خاصة حتى نهاية الطواف .. وتسمى هذه الطريقة بـ (الاضطباع) والاضطباع هو أن يلف الرداء حول الجسد مع تغطية الكتف الأيسر وكشف الكتف الأيمن .. أي إدارة الرداء من تحت الابط الأيمن .. وهناك ملابس حرم النبي ﷺ -لبسها على المعتمر والحاج منها: القميص والعمامة والسراويل والبرانس وهي مثل الملابس المغربية فيها غطاء للرأس. وصل ﷺ إلى الحديبية .. فقلد ما معه من الهدي. ري وضع على رقابها شيئًا لتعرف أنها هدي. وأشعر الهدي وعلمه بعلامة يعرف بها أنه هدي لله وأحرم بالعمرة .. يقول أحد الصحابة ﵃: (خرج النبي ﷺ زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، حتى إذا كان بذي الحليفة، قلد الهدي، وأشعره، وأحرم بالعمرة) (٣) (وصلى بها) (٤).

стр. 836

وأحرم معه بقية الصحابة ﵃ إلا صحابيًا واحدًا. اسمه: الحارث بن ربعي ويعرف بـ"أبي قتادة" ﵁ .. في هذه الأثناء انطلق أحد الصحابة ﵃ مسرعًا نحو مكة لأداء العمرة وشيء آخر .. فقد صدر: أمر النبي ﷺ برصد تحركات قريش وقد اختار ﷺ لهذه المهمة رجلًا مناسبًا اسمه: بشر بن سفيان الكعبي الخزاعي .. فخزاعة وكعب قبيلة واحدة .. يقول أحد الصحابة ﵃: (فلما أتى ذا الحليفة، قلد الهدي وأشعره، وأحرم منها بالعمرة، وبعث عينًا له من خزاعة، وسار النبي ﷺ ) (١) وسار بشر يرصد تحركات قريش ويجمع أخبارها .. أما أبو قتادة فلم يأمره ﷺ بالإحرام .. لكنه أمره بمهمتين: مهمتان لأبى قتادة الأولى: جمع زكاة بعض المسلمين في الجوار لتوزيعها على من يستحقونها. الثانية: التصدي لسرية معادية من المشركين في مكان بين المدينة ومكة، ويبدو أنه قريب من ساحل البحر الأحمر ويسمى هذا المكان: (غيقة). انطلق أبو قتادة ومن معه ينفذون أوامر نبيهم ﷺ .. وفي الطريق رأى هؤلاء الصحابة شيئًا لا يقدر على نيله إلا أبو قتادة أما هم فلا يجوز لهم ذلك بل اكتفوا بتبادل الابتسامات والضحكات .. فماذا فعل أبو قتادة ولماذا يضحك أصحابه؟ أبو قتادة ﵁ يقول:

стр. 837

(انطلقنا مع النبي ﷺ عام الحديبية، فأحرم أصحابه ولم أحرم) (١) وكان سبب عدم إحرام أبي قتادة هو ما يقوله أبو سعيد الخدري ﵁: (بعث رسول الله ﷺ أبا قتادة الأنصاري على الصدقة وخرج رسول الله ﷺ وأصحابه محرمين حتى نزلوا بعسفان) (٢) لكن خبرًا وصل إلى النبي ﷺ جعله يوجه أبا قتادة إلى مكان يقال له: (غيقة) حيث تتواجد هناك قوة من المشركين تستعد للانقضاض على النبي ﷺ وأصحابه وهى قريبة من ساحل البحر الأحمر بين مكة والمدينة. يقول أبو قتادة ﵁: (انطلقنا مع النبي ﷺ عام الحديبية فأحرم أصحابه ولم أحرم، فأُنبئنا بعدوٍ "بغيقة" فتوجهنا نحوهم) (٣) (فقال ﷺ : خذوا ساحل البحر حتى نلتقى. فأخذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا أحرموا كلهم إلا أبا قتادة لم يحرم) (٤) وقد تركوا (النبي ﷺ بالقاحة) (٥) وهو مكان بين مكة والمدينة .. (فبينما هم يسيرون إذ رأوا حُمرُ وحش) (٦) (فلما رأوه تركوه) (٧) (فجعل بعضهم يضحك إلى بعض) (٨). (وأنا مشغول أخصف نعلي، فلم يؤذنوني به وأحبوا لو أني أبصرته

стр. 838

فالتفت فأبصرته) (١) (وأنا رجل حلٌّ على فرسي، وكنت رقاءً على الجبال، فبينا أنا على ذلك إذ رأيت الناس متشوقين لشيء، فذهبت انظر، فإذا هو حمار وحش، فقلت لهم: ما هذا؟ قالوا: لا ندري. قلت: هو حمارٌ وحشيٌ. فقالوا: هو ما رأيت) (٢) (واستعنت بهم، فأبوا أن يعينوني) (٣). فض أبو قتادة ﵁ (فركب فرسًا يقال له: الجرادة) (٤). يقول أبو قتادة: (فقمت إلى الفرس فأسرجته، ثم ركبت، ونسيت السوط والرمح، فقلت لهم: ناولوني السوط والرمح. فقالوا: لا، والله لا نعينك عليه بشيء، فغضبت، فنزلت، فأخذتهما، ثم ركبت، فشددت على الحمار، فعقرته) (٥) (فأتيت إليهم فقلت: قوموا فاحتملوه. قالوا: لا نمسه. فحملته حتى جئتهم به، فأبى بعضهم، وأكل بعضهم. فقلت: أنا أستوقف لكم النبي ﷺ ) (٦) (فطلبت النبي ﷺ , أرفع فرسي شأوًا وأسير شأوًا، فلقيت رجلًا من بني غفار في جوف الليل. قلت: أين تركت النبي ﷺ ؟ قال: تركته بـ: تعهن (٧) وهو قائل السقيا (٨).

стр. 839

فقلت: يا رسول الله، إن أهلك "أصحابك" يقرؤون عليك السلام، ورحمة الله، إنهم قد خشوا أن يقتطعوا دونك فانتظرهم "ففعل" (١). قلت: يا رسول الله، أصبت حمارًا وحشيًا، وعندي منه فاضلة، فقال للقوم: كلوا -وهم محرمون-) (٢) لأنهم لم يشاركوا في صيده .. وشارك ﷺ أصحابه في تلك الأكلة .. حيث يقول أبو قتادة ﵁: (وخبأت العضد معي، فأدركنا النبي ﷺ ، فسألناه عن ذلك، فقال: معكم منه شيء؟ فقلت: نعم. فناولته العضد فأكلها حتى نفدها وهو محرم) (٣) ثم مكث ﷺ وأصحابه بانتظار أصحاب أبي قتادة الذين كانوا يسيرون ويتساءلون (أنأكل لحم صيد ونحن محرمون) (٤) لقد (أكلوا، فندموا، فلما أدركوه) (٥) ﷺ سألوه فقال ﷺ : (أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا: لا. قال: فكلوا ما بقي من لحمها) (٦). (كلوا فهو طعم أطعمكموه الله) (٧) فأكل الصحابة واطمأنت قلوبهم بالحلال .. ثم واصلوا مع رسول الله ﷺ المسير نحو مكة لأداء العمرة في بيت الله الحرام .. حتى وصلوا إلى مكان يقال له: عسفان .. عندها قرر النبي ﷺ :

стр. 840

التوقف في عسفان ووصول الجاسوس توقف ﷺ للاستراحة فالسفر شاق وطويل .. والليل يخيم بهدوء على تلك الأرض .. والصحابة ينسابون فى عالم النوم بعد أن فرغوا من مناجاة خالق الكون في صلاة خاشعة .. وفجأة تطاير النوم عنهم من هنا وهناك .. فقد تساقطت قطرات المطر عليهم فأيقظتهم .. وأفرحتهم فهم بحاجة إلى الماء كحاجتهم إلى النوم .. لكن النبي ﷺ أحس بحاجة أصحابه إلى ما هو أهم من الاثنين .. لقد أحب أن يتمتعوا بالمطر والتوحيد معًا .. لذلك فقد تحدث إليهم بعد أن أدوا صلاة الفجر .. تحدث إليهم عن المطر بلغة كالمطر .. يقول زيد بن خالد الجهني وهو أحد الصحابة الذين أصابهم ذلك المطر: (خرجنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية، فأصابنا مطر ذات ليلة، فصلى لنا رسول الله ﷺ الصبح، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: أتدرون ماذا قال ربكم؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فقال: قال الله: أصبح من عبادي مؤمن بي، وكافر بي: فأما من قال: مطرنا برحمة الله وبرزق الله وبفضل الله فهو مؤمن بي وأما من قال: مطرنا بنجم كذا فهو مؤمن بالكواكب كافر بي) (١) إن الكواكب لا تضر ولا تنفع .. والتعلق بها شرك .. إنها خلق من خلق الله .. وقد سخر الله هذه النجوم ليستغلها الإنسان ويستفيد منها .. ليكتشفها ويتفكر في خلقها .. أما المشركون المتخلفون فقد أهانوا عقل الإنسان وانحطوا به إلى مستوى يخضع فيه العقل لجلاميد الصخور ورماد اللهب .. لقد نزل القرآن ليحرر هذا العقل المكبل بالخرافة والخوف .. ليطلقه في الكون .. نزل القرآن يقدم النجوم والشمس والقمر والبحار وكل ما في

стр. 841

السموات والأرض هدايا للإنسان .. يستمتع بها .. ينعم بها .. يستغلها في رفاهية البشرية جميعًا .. القرآن يقدم الكون للإنسان في علبة هدايا .. يقدمه بصورته الحقيقية التي لا تعني سوى التوحيد .. ها هو القرآن يخاطب الإنسان ليحرره من الخوف والخرافة فيقول: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ ..﴾ (١). ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) ..﴾ (٢). ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ (٣). ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ (٤). ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣)﴾ (٥). ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ (٦). ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ (٧). القرآن إذًا يجعل من الإنسان سيدًا في هذا الكون .. وما حوله خدم مسخرون .. فلماذا يتنازل عن سيادته ليصبح عبدًا لحجر أو نهر أو شمس أو حطب متقد .. هذا هو الفرق بين الإنسان موحدًا سيدًا في الكون وبين الإنسان مغلولًا بالشرك والأوهام ..

стр. 842

المطر من عند الله والنجوم من عند الله .. ومتى ما اعتقد المسلم أن نجمًا ينزل المطر أو يمنعه فقد اعتقد شركًا .. حفر الصحابة تلك الكلمات في صدورهم .. وأشرقت الشمس منتعشة بالتوحيد والمطر .. وأقبل راكب من بعيد .. إنه معروف لدى الصحابة ولدى رسول الله ﷺ .. فهو الفارس الذي بعثه النبي ﷺ ليرصد تحركات مكة ويقدم تقريرًا مفصلًا عن قريش وموقفها من عمرة النبي ﷺ . قريش تتحرك لمواجهة النبي ﷺ ترجل الفارس عن مطيته .. وسلم على رسول الله ﷺ وأصحابه .. فردوا ﵇ وكان ذلك في مكان يقال له: غدير الأشطاط قريب من عسفان نحو مكة فقد كان النبي ﷺ (بعث عينًا له من خزاعة وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بغدير الأشطاط أتاه عينه) (١) الذي أرسله .. وهو بشر بن سفيان ولما (لقيه بشر بن سفيان الكعبي فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك، فخرجت معها العوذ المطافيل (٢)، قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم عنوة أبدًا وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموا إلى كراع الغميم) (٣) (إن قريشًا قد جمعوا لك جموعًا وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك، وصادوك عن البيت ومانعوك) (٤) (قال رسول الله ﷺ : يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب، ماذا

стр. 843

عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس، فإن أصابوني كان الذي أرادوا وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإِسلام وهم وافرون، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فماذا تظن قريش، والله إني لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله له حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة) (١) كلمات مملوءة حسرة وألمًا .. حلف بعدها ﷺ أن لا يترك الجهاد لنشر رسالة الله التي بعثه الله بها إلى جميع الناس .. حتى ينتشر في كل الأرض أو تنقطع سالفته أي يفارق رأسه جسده أو تفارقه روحه .. عزم حديد وبأس شديد .. لكن دون تهور .. دون انفراد بالرأي والقرار .. لقد التفت ﷺ بحديثه إلى أصحابه الذين تجشموا معه الصعاب والألم .. وخاطبهم كعادته .. فرأيهم له وزنه .. وقراراهم له قدره .. شاورهم وهو الذي لا ينطق عن الهوى ولا يقول إلا حقًا .. لتكون الشورى واجبة من بعده على كل قائد وإمام: مشاورة النبي ﷺ لأصحابه فى شن الحرب استشار ﷺ أصحابه كلهم دون استثناء .. دون تعيين .. ثم أصغى جيدًا .. بعد أن قال: ("أشيروا أيها الناس عليّ .. أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت, فإن يأتونا كان الله قد قطع عينًا من المشركين، وإلا تركناهم محروبين". قال أبو بكر: يا رسول الله، خرجت عامدًا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه.

стр. 844

قال ﷺ : "امضوا على اسم الله") (١) بعد أن أخذ برأي صاحبه الحكيم ﵁ .. مضى النبي ﷺ وأصحابه .. وكان هناك من يراقبهم من بعيد ولما صار النبي ﷺ بين ضنجان وعسفان تسللت سرية خالد بن الوليد .. وكان خالد من القادة الأفذاذ الذين لا يتهورون بإلقاء جيوشهم في أتون محرق من الحماس والإيمان بقيادة النبي ﷺ .. لذلك فكر بطريقة ينقض فيها على المسلمين وهم غافلون .. شاهد خالد بن الوليد المؤمنين وهم يؤدون الصلاة .. لا يلتفتون .. لا يكلم بعضهم بعضًا .. ينسابون في خشوع غامر مع ربهم .. لا يشتغلون بشيء أثناء قيامهم وركوعهم وسجودهم إلا التوجه نحو الله .. هذا التوجه الذي أفرح خالدًا والمشركن معه .. لقد وجدوا في هذا الخشوع ثغرة ينقضون منها على جمع المؤمنين ليفنوهم .. ولذلك اتخذ خالد بن الوليد قرارًا بالهجوم على جيش الإِسلام وهم يؤدون صلاة العصر .. لكن شيئًا حدث .. وغير من طريقة الصلاة في تلك الظروف التي يحملق فيها الرعب من كل مكان على المؤمنين. كيف صلى النبي ﷺ العصر يقول أحد الصحابة ﵃: (نزل ﷺ بين ضنجان وعسفان) (٢) (فاستقبلنا المشركون عليهم خالد

стр. 845

بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة، فصلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الظهر فقالوا: قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم) (١). ثم قالوا: (إن لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأبكارهم وهي "العصر" فأجمعوا أمركم فميلوا عليهم ميلة واحدة) (٢). (فأمرهم رسول الله ﷺ فأخذوا السلاح: فصففنا خلفه صفين .. ثم ركع فركعنا جميعًا .. ثم سجد النبي ﷺ بالصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم .. فلما سجدوا وقاموا .. جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم .. ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء .. وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء .. ثم ركع ﷺ فركعوا جميعًا .. ثم رفع ﷺ فرفعوا جميعًا .. ثم سجد النبي ﷺ والصف الذي يليه .. والآخرون قيام يحرسونهم. فلما جلس ﷺ جلس الآخرون، فسجدوا فسلم بهم ثم انصرفنا. فصلاها ﷺ مرتين، مرة بعسفان، ومرة بأرض بنى سليم) (٣) عندها
следующие страницы →