← Сира

Сира · id 123668

السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة

محمد الصوياني

Полный текст (1 354 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

السموات والأرض هدايا للإنسان .. يستمتع بها .. ينعم بها .. يستغلها في رفاهية البشرية جميعًا .. القرآن يقدم الكون للإنسان في علبة هدايا .. يقدمه بصورته الحقيقية التي لا تعني سوى التوحيد .. ها هو القرآن يخاطب الإنسان ليحرره من الخوف والخرافة فيقول: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ ..﴾ (١). ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) ..﴾ (٢). ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ (٣). ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ (٤). ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣)﴾ (٥). ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ (٦). ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ (٧). القرآن إذًا يجعل من الإنسان سيدًا في هذا الكون .. وما حوله خدم مسخرون .. فلماذا يتنازل عن سيادته ليصبح عبدًا لحجر أو نهر أو شمس أو حطب متقد .. هذا هو الفرق بين الإنسان موحدًا سيدًا في الكون وبين الإنسان مغلولًا بالشرك والأوهام ..

стр. 842

المطر من عند الله والنجوم من عند الله .. ومتى ما اعتقد المسلم أن نجمًا ينزل المطر أو يمنعه فقد اعتقد شركًا .. حفر الصحابة تلك الكلمات في صدورهم .. وأشرقت الشمس منتعشة بالتوحيد والمطر .. وأقبل راكب من بعيد .. إنه معروف لدى الصحابة ولدى رسول الله ﷺ .. فهو الفارس الذي بعثه النبي ﷺ ليرصد تحركات مكة ويقدم تقريرًا مفصلًا عن قريش وموقفها من عمرة النبي ﷺ . قريش تتحرك لمواجهة النبي ﷺ ترجل الفارس عن مطيته .. وسلم على رسول الله ﷺ وأصحابه .. فردوا ﵇ وكان ذلك في مكان يقال له: غدير الأشطاط قريب من عسفان نحو مكة فقد كان النبي ﷺ (بعث عينًا له من خزاعة وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بغدير الأشطاط أتاه عينه) (١) الذي أرسله .. وهو بشر بن سفيان ولما (لقيه بشر بن سفيان الكعبي فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك، فخرجت معها العوذ المطافيل (٢)، قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم عنوة أبدًا وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموا إلى كراع الغميم) (٣) (إن قريشًا قد جمعوا لك جموعًا وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك، وصادوك عن البيت ومانعوك) (٤) (قال رسول الله ﷺ : يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب، ماذا

стр. 843

عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس، فإن أصابوني كان الذي أرادوا وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإِسلام وهم وافرون، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فماذا تظن قريش، والله إني لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله له حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة) (١) كلمات مملوءة حسرة وألمًا .. حلف بعدها ﷺ أن لا يترك الجهاد لنشر رسالة الله التي بعثه الله بها إلى جميع الناس .. حتى ينتشر في كل الأرض أو تنقطع سالفته أي يفارق رأسه جسده أو تفارقه روحه .. عزم حديد وبأس شديد .. لكن دون تهور .. دون انفراد بالرأي والقرار .. لقد التفت ﷺ بحديثه إلى أصحابه الذين تجشموا معه الصعاب والألم .. وخاطبهم كعادته .. فرأيهم له وزنه .. وقراراهم له قدره .. شاورهم وهو الذي لا ينطق عن الهوى ولا يقول إلا حقًا .. لتكون الشورى واجبة من بعده على كل قائد وإمام: مشاورة النبي ﷺ لأصحابه فى شن الحرب استشار ﷺ أصحابه كلهم دون استثناء .. دون تعيين .. ثم أصغى جيدًا .. بعد أن قال: ("أشيروا أيها الناس عليّ .. أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت, فإن يأتونا كان الله قد قطع عينًا من المشركين، وإلا تركناهم محروبين". قال أبو بكر: يا رسول الله، خرجت عامدًا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه.

стр. 844

قال ﷺ : "امضوا على اسم الله") (١) بعد أن أخذ برأي صاحبه الحكيم ﵁ .. مضى النبي ﷺ وأصحابه .. وكان هناك من يراقبهم من بعيد ولما صار النبي ﷺ بين ضنجان وعسفان تسللت سرية خالد بن الوليد .. وكان خالد من القادة الأفذاذ الذين لا يتهورون بإلقاء جيوشهم في أتون محرق من الحماس والإيمان بقيادة النبي ﷺ .. لذلك فكر بطريقة ينقض فيها على المسلمين وهم غافلون .. شاهد خالد بن الوليد المؤمنين وهم يؤدون الصلاة .. لا يلتفتون .. لا يكلم بعضهم بعضًا .. ينسابون في خشوع غامر مع ربهم .. لا يشتغلون بشيء أثناء قيامهم وركوعهم وسجودهم إلا التوجه نحو الله .. هذا التوجه الذي أفرح خالدًا والمشركن معه .. لقد وجدوا في هذا الخشوع ثغرة ينقضون منها على جمع المؤمنين ليفنوهم .. ولذلك اتخذ خالد بن الوليد قرارًا بالهجوم على جيش الإِسلام وهم يؤدون صلاة العصر .. لكن شيئًا حدث .. وغير من طريقة الصلاة في تلك الظروف التي يحملق فيها الرعب من كل مكان على المؤمنين. كيف صلى النبي ﷺ العصر يقول أحد الصحابة ﵃: (نزل ﷺ بين ضنجان وعسفان) (٢) (فاستقبلنا المشركون عليهم خالد

стр. 845

بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة، فصلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الظهر فقالوا: قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم) (١). ثم قالوا: (إن لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأبكارهم وهي "العصر" فأجمعوا أمركم فميلوا عليهم ميلة واحدة) (٢). (فأمرهم رسول الله ﷺ فأخذوا السلاح: فصففنا خلفه صفين .. ثم ركع فركعنا جميعًا .. ثم سجد النبي ﷺ بالصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم .. فلما سجدوا وقاموا .. جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم .. ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء .. وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء .. ثم ركع ﷺ فركعوا جميعًا .. ثم رفع ﷺ فرفعوا جميعًا .. ثم سجد النبي ﷺ والصف الذي يليه .. والآخرون قيام يحرسونهم. فلما جلس ﷺ جلس الآخرون، فسجدوا فسلم بهم ثم انصرفنا. فصلاها ﷺ مرتين، مرة بعسفان، ومرة بأرض بنى سليم) (٣) عندها

стр. 846

أدرك المشركون أن لا سبيل إلى المؤمنين حتى في الصلاة .. فالصلاة وإن كانت خشوعًا واتجاهًا إلى الله بكل المشاعر .. إلا أنها لا تعني التسمر فالنبي ﷺ يفعل أشياء كثيرة أثناء صلاته .. فهو يحمل الحسن ﵁ في صلاته .. وينزل إذا أراد الركوع ثم يحمله ثانية إذا أراد القيام (١) .. وتقول عائشة ﵂: (كان رسول الله ﷺ يصلي والباب عليه مغلق، فجئت، فاستفتحت، فمشى ففتح لي ثم رجع إلى مصلاه) (٢). وكان ﷺ يرد السلام وهو يصلى ولكن بالإشارة بالكف أو بالإصبع .. يقول صهيب الرومى ﵁: (مررت برسول الله ﷺ وهو يصلي، فسلمت عليه، فرده إشارة بإصبعه) (٣) وها هو يتدخل بين صلاته ليفك اشتباكًا بين طفلتين .. يقول أحد الصحابة ﵃: (جاءت جاريتان من بني عبد المطلب .. اقتتلتا، فأخذهما، ففرغ بينهما فنزع إحداهما من الأخرى) (٤) ويقول أنس ﵁: (إن

стр. 847

النبي ﷺ كان يشير في الصلاة) (١) وتقول عائشة: إنها كانت تنام وأرجلها أمام النبي ﷺ وتقول: (لقد رأيت رسول الله ﷺ يصلي وأنا معترضة بين يديه، فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي فضممتها إليّ ثم يسجد) (٢). إذا كان ﷺ يفعل ذلك وهو في ساعات السلام .. في داخل بيته .. فحمل السلاح في ساحات الحرب والخوف أدعى وأكثر ضرورة .. فهم المشركون أن الصلاة ليست تسمرًا وتحنيطات للأعضاء بل هي خشوع لا ينافي الشعور بما يجري حول الإنسان .. أدرك المشركون ذلك .. وكان ﷺ أذكى مما تصوروا فقد بث عيونه ترصد الأرض المحيطة بالمؤمنين .. أما خالد فقد انسحب إلى مكان يقال له: كراع الغميم .. وجاءت عيون النبي ﷺ تخبره فقال لأصحابه: (إن خالد بن الوليد بالغميم، في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش، فانطلق نذيرًا لقريش وسار النبي ﷺ ) (٣). وسارت من حوله عيونه .. ثم جاءته أخبار خالد مرة أخرى فأمر بتغيير طريق السير .. كل ذلك لأنه لم يخرج للقتال بل خرج لزيارة بيت الله وأداء العمرة .. لكن قريشًا تبحث عن المتاعب .. بينما كان ﷺ يتجنبها .. حتى لقد سلك طريقًا وعرًا شاقًا كي يتجنب مواجهة قريش .. وفي ذلك الطريق الوعر لاحت ثنية صعبة التجاوز .. لكن النبي ﷺ بشر الصحابة أن:

стр. 848

من عبر الثنية غفر الله له يقول أبو سعيد الخدري: (خرجنا مع النبي ﷺ حتى إذا كنا بعسفان قال لنا رسول الله ﷺ : "إن عيون المشركين الآن على ضنجان، فأيكم يعرف طريق ذات الحنظل"؟ فقال رسول الله ﷺ حين أمسى: هل من رجل ينزل فيسعى بين يدي الركاب (١)؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله، فنزل، فجعلت الحجارة تنكبه (٢)، والشجر يتعلق بثيابه، فقال رسول الله ﷺ : "اركب. ثم نزل آخر، فجعلت الحجارة تنكبه، والشجر يتعلق بثيابه، فقال رسول الله ﷺ : اركب. ثم وقعنا على الطريق حتى سرنا في ثنية يقال لها: الحنظل. فقال رسول الله ﷺ : "ما مثل هذه الثنية إلا كمثل الباب الذي دخل فيه بنو إسرائيل" قيل لهم: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ﴾ (٣). لا يجوز (٤) أحد الليلة هذه الثنية إلا غفر له. فجعل الناس يجوزون، وكان آخر من جاز قتادة بن النعمان في آخر القوم.

стр. 849

فجعل الناس يركب بعضهم بعضًا، حتى تلاحقنا، فنزل رسول الله ﷺ ونزلنا) (١). كان ﷺ يتابع هذا التسابق نحو المغفرة بفرح .. وبعد أن عبر المؤمنون كلهم وتجاوزوا تلك الثنية الصعبة .. رأى ﷺ أعرابيًا لا يبالي بالبشرى .. ولا وزن للمغفرة عنده .. أكلت الدنيا قلبه فخرج مع المؤمنين عله يحظى ببعض غنيمة من حطام الدنيا .. رأى ﷺ ذلك الحطام الأعرابي فالتفت إلى أصحابه وبشرهم بالمغفرة ولم يبشر ذلك الحطام بشيء .. يقول جابر بن عبد الله ﵁: (قال رسول الله ﷺ : من يصعد الثنية "ثنية المراد" فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل. فكان أول من صعدها خيلنا، خيل بني الخزرج، ثم تتام الناس، فقال رسول الله ﷺ : وكلكم مغفور له، إلا صاحب الجمل الأحمر. فأتيناه، فقلنا له: تعال يستغفر لك رسول الله ﷺ . فقال: والله .. لأن أجد ضالتي أحب إليّ من أن يستغفر لي صاحبكم -وكان رجل ينشد ضالة له-) (٢) (وإذا هو أعرابي جاء ينشد ضالة

стр. 850

له) (١) فضل معها .. وكان أضل منها .. لا أدري ما فعلت به الدنيا .. ولا ما فعلت ضالته .. فقد تركه الصحابة وشأنه .. وتوجهوا خلف رسول الله ﷺ الذي انحدر من تلك الثنية على أرض يقال لها: الحديبية وعندما لامست أخفاف ناقة النبي ﷺ "القصواء" أرض الحديبية توقفت فجأة وبركت. القصواء تبرك في الحديبية والصحابة يصيحون بها .. يحثونها على النهوض ويقولون: حل .. حل .. لكنها لم تنهض ولم تتزحزح عن مكانها. فقد (سار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به، راحلته، فقال الناس: حل .. حل. فألحت (٢)، فقالوا: خلأت (٣) القصواء. فقال النبي ﷺ : "ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل") (٤) وهو الله الذي حبس الفيل عن دخول مكة .. وهدم الكعبة ثم قال ﷺ : (والذي نفسى بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها) (٥) (والله لا تدعوني قريش اليوم، إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها) (٦) (ثم زجرها، فوثبت،

стр. 851

فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل يتبرضه الناس تبرضًا) (١) أي نزل في مكان اجتمع فيه ماء قليل يستسقي منه الناس تبرضًا أي بأكفهم .. وكان فيها بئر يقول عنه البراء ﵁: (الحديبية بئر فترحناها حتى لم نترك فيها قطرة فجلس النبي ﷺ على شفير البئر فدعا بماء، فمضمض ومج في البئر) (٢) (لم يلبثه الناس حتى نزحوه وشكي إلى رسول الله ﷺ العطش) (٣) لكن النبي ﷺ قال للناس: (انزلوا، فقالوا يا رسول الله ما بالوادي من ماء ينزل عليه الناس، فأخرج رسول الله سهمًا من كنانته) (٤) (ثم أمرهم أن يجعلوه فيه) (٥) (فأعطاه رجلًا من أصحابه، فنزل في قليب من تلك القلب، فغرزه فيه، فجاش الماء بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن) (٦) وبركت حوله رواحلهم فارتوت عروقهم .. واطمأنت نفوسهم .. وشكروا خالقهم على هذه النعمة العظيمة .. والمعجزة الخارقة التي أجراها سبحانه على يد نبيه ﷺ .. الذي توقف في هذه الأرض بوحي من الله. وهو الآن يستدعي أحد أصحابه واسمه: خراش بن أمية الخزاعي ليكلفه بمهمة خطيرة .. وقد اختاره ﷺ من قبيلة خزاعة (وكانت خزاعة في عيبة (٧) رسول الله ﷺ مسلمها، ومشركها، لا يخفون على رسول الله ﷺ

стр. 852

شيئًا كان بمكة) (١) (كانوا عيبة نصح لرسول الله ﷺ من أهل تهامة) (٢) فهم موضع ثقة عند الطرفين .. ولم يكتف ﷺ باختيار رسوله بدقه .. بل اختار له راحلة مميزة .. لقد أركبه ﷺ على جمله ثم أمره بالانطلاق: فانطلق يخبرهم أن: النبي ﷺ يعرض هدنة وقريش تريد قتل رسوله (بعث ﷺ خراش بن أمية الخزاعي إلى مكة، وحمله على جمل له يقال له: الثعلب. فلما دخل مكة عقرت به (٣) قريش، وأرادوا قتل خراش، فمنعهم الأحابش حتى أتى رسول الله ﷺ ) (٤) ولولا الله ثم تدخل الأحابش لهلك خراش لكن الأحابش وهم حلفاء لقريش فكروا بالعار الذي يجلبه قتل رسول .. أما قريش فقد أعماهم الكفر والحقد في ساعة غضب فضربوا بكل شيء عرض الحائط .. عاد خراش سليمًا معافى. وجاءت كوكبة من الفرسان .. من قوم خراش هل كانوا يريدون نصر خراش أم ماذا؟ من هؤلاء الفرسان وماذا يريدون إنهم رجال من بني خزاعة وقائدهم اسمه بديل بن ورقاء الخزاعى .. وكانوا من الرجال الذين يظهرون النصح لرسول الله ﷺ وهم وخزاعة محل ثقة النبي ﷺ (فلما اطمأن رسول الله ﷺ إذا بديل بن ورقاء في رجال

стр. 853

خزاعة فقال لهم كقوله لبشير بن سفيان) (١) فقد (جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، وكانوا عيبة (٢) نصح رسول الله ﷺ من أهل تهامة فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه (٣) الحديبية ومعهم العوذ المطافل (٤)، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال رسول الله ﷺ : "إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبن الناس فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا (٥)، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي (٦) ولينفذن الله أمره. فقال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشًا، قال: إنا قد جئناكم من هذا الرجل وسمعناه يقول قولًا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا. فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه شيء وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول.

стр. 854

قال: (يا معشر قريش إنكم تعجلون على محمد، إن محمدًا لم يأت لقتال إنما جاء زائرًا لهذا البيت معظمًا لحقه) (١) سمعته يقول: كذا وكذا .. لكن النبي ﷺ أراد أن يبعث رجلًا مسلمًا له مكانته ويستطيع بيان رسالته. (فدعا ﷺ عمر ليبعثه إلى مكة، فقال: يا رسول الله .. إني أخاف قريشًا على نفسي، وليس بها من بني عدي أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها، وغلظتي عليها، ولكن أدلك على رجل هو أعز مني: عثمان بن عفان، فدعاه رسول الله ﷺ ، فبعثه إلى قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وأنه جاء زائرًا لهذا البيت، معظمًا لحرمته، فخرج عثمان بن عفان حتى أتى مكة، ولقيه أبان بن سعيد بن العاص، فنزل عن دابته، وحمله بين يديه، وردف خلفه، وأجاره حتى بلغ رسالة رسول الله ﷺ ، فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به. فقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به. فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ فبلغ رسول الله ﷺ أن عثمان قد قتل) (٢). قتل عثمان واستعد عمر إشاعة حولت الحديبية إلى ساحة للموت والفداء .. فكان عمر بن الخطاب أول الناس استعدادًا للموت .. ها هو يلبس لباس الحرب ..

стр. 855

ويستدعي ابنه عبد الله ليأمره بإحضار فرس له عند أحد الأنصار .. ويسأل عن سبب ذلك الزحام .. فاستجاب الفتى البار لأبيه وتوجه نحو ذلك الأنصاري لأخذ فرس أبيه التي يريد القتال عليها .. لكن ذلك الشاب الصغير أُخذ بمشهد الزحام الذي كان في طريقه .. كان هناك شجرة .. تحت ظلالها كان الزحام .. وتحت ظلالها كان النبي ﷺ .. أما سبب الزحام فهو دعوة النبي ﷺ إلى: البيعة. متى كانت البيعة تحت الشجرة يقول شاب حضر تلك البيعة: (كانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة) (١) فجمعهم ﷺ تحت الشجرة .. حيث النبوة .. والرحمة والأرواح هدايا .. اقترب عبد الله بن عمر فتى مأخوذًا بمشهد الفداء .. فوجد الصحابة ﵃ يهدون أرواحهم .. فيهديهم الله رضاه إلى يوم القيامة. أحب أن ينافسهم وإن كان من أصغرهم .. وبدلًا من أن يحضر الفرس لأبيه ﵁ أحضر مهجته لنبيه ﷺ .. زاحم الجميع .. ثم مد يده الصغيرة وعيناه معلقتان بحبيبه فبايعه (على الصبر) (٢) ثم انفتل نحو مهمته الأولى توجه نحو أخيه الأنصاري فأخذ فرس أبيه وقادها نحوه فوجد أباه لا يعلم بعد عما يحدث .. إنه مشغول بالاستعداد للحرب .. يقول ذلك الفتى: إن (عمر يوم الحديبية أرسل عبد الله إلى فرس له عند رجل من الأنصار يأتى به ليقاتل ورسوله الله ﷺ يبايع عند الشجرة وعمر لا يدري بذلك، فبايعه

стр. 856

عبد الله ثم ذهب إلى الفرس، فجاء به إلى عمر، وعمر يستلئمُ (١) للقتال فأخبره) (٢) بعد أن استغرب عمر ذلك الزحام تحت تلك الشجرة .. مع أن هناك أشجارًا أخرى كثيرة .. فـ (الناس كانوا مع النبي ﷺ يوم الحديبية تفرقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس محدقون بالنبي ﷺ . فقال: يا عبد الله انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله ﷺ . فوجدهم يبايعون فبايع ثم رجع إلى عمر. فخرج فبايع) (٣) ﵁ وقد تكون بيعة عمر على الموت .. فالبيعة تحت الشجرة ذات ألفاظ عدة لكن كل تلك الألفاظ تعني الجهاد مع النبي ﷺ حتى النصر أو الشهادة .. ها هو جابر بن عبد الله يتقدم ويبايع فيسأله رجل فيما بعد عن بيعته فيقول: (بايعناه على ألا نفر ولم نبايعه على الموت) (٤) وعبد الله بن عمر بايعه على (الصبر) (٥). تسابق الصحابة وازدحموا يبايعون النبي ﷺ .. أكثر من ألف وأربعمائة صحابي يبايعونه على التوالي .. شاهد عمر ذلك الزحام فأحب أن يعين نبيه ﷺ فأخذ بيده .. يقول جابر ﵁: (كنا أربع عشرة مائة فبايعناه، وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة) (٦) وإذا كان عمر قد أشفق على نبيه من الوقوف والتعب، فإن صحابيًا آخر اسمه: معقل بن يسار أشفق عليه من أغصان الشجرة لا تؤذيه .. فقام برفعها عن رأسه،

стр. 857

يقول ﵁: (لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي ﷺ يبايع الناس وأنا أرفع غصنًا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة، ولم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على ألا نفر) (١) لكن: بعض الصحابة بايعوا على الموت. ها هو أحدهم اسمه: عبد الله بن زيد ﵁ (وكان شهد معه الحديبية) (٢) فبايع النبي ﷺ على الموت ثم قال فيما بعد: (لا أبايع على ذلك أحدًا بعد رسول الله ﷺ ) (٣). وهذا صحابي آخر: خصه ﷺ ببيعة على الموت ودعاه لها فاستجاب فمد له (يدًا ضخمة كأنها خف بعير) (٤) اسمه سلمة بن الأكوع .. فارس لا يقهر .. يقول ﵁: (بايعت النبي ﷺ ، ثم عدلت إلى ظل شجرة، فلما خف الناس قال: يا ابن الأكوع ألا تبايع؟ قلت: قد بايعت يا رسول الله. قال: وأيضًا، فبايعته الثانية) (٥) (على الموت) (٦).

стр. 858

هل اكتفى رسول الله ﷺ ببيعته الثانية .. يبدو أن الأمر غير ذلك .. فقد ميز النبي ﷺ صاحبه سلمة بن الأكوع ببيعة لم تكن لأحد غيره .. وللنبي ﷺ أسلوبه الرائع في تكريم أصحابه وتفجير طاقاقم .. وإبراز نقاط القوة في كل فرد منهم فـ: ما هي بيعة سلمة المميزة يقول سلمة ﵁: (قدمنا الحديبية مع رسول الله ﷺ ، ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة لا ترويها، فقعد رسول الله ﷺ على جبا الركية (١)، فإما دعا وإما بصق فيها، فجاشت (٢)، فسقينا، واستقينا، ثم إن رسول الله ﷺ دعانا للبيعة في أصل الشجرة، فبايعته أول الناس. ثم بايع وبايع، حتى إذا كان في وسط الناس، قال: بايع يا سلمة. قلت: قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس. قال: وأيضًا. ورآني رسول الله ﷺ -عزلًا "يعني ليس معه سلاح"، فأعطاني رسول الله ﷺ حجفة أو درقة (٣)، ثم بايع، حتى إذا كان في آخر الناس قال: ألا تبايعني يا سلمة؟ قلت: قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس وفي أوسط الناس. قال: أيضًا. فبايعته الثالثة. ثم قال لي: يا سلمة: أين حجفتك أو درقتك التي أعطيتك؟

стр. 859

قلت: يا رسول الله: لقيني عمي عامرٌ أعزلًا، فأعطيته إياها. فضحك النبي ﷺ وقال: إنك كالذي قال الأول: اللَّهم ابغني حبيبًا هو أحب إليّ من نفسي) (١). باع الصحابة أرواحهم .. وتحت شجرة السمر تلك حل رضوان الله على الذين بايعوا .. فسميت بيعة الرضوان .. حيث بايع الجميع .. إلا رجلين .. رجل من أفضل الصحابة وأكرمهم هو: عثمان بن عفان ﵁ فـ: لماذا تخلف عثمان عن البيعة ببساطة .. لأنه هو السبب الأول لتلك البيعة بعد أن وصل خبر اغتياله على أرض مكة .. لكن يبدو أن الخبر لم يتأكد لديه ﷺ ولذلك قام بعمل هو تكريم لعثمان .. وبيان لمنزلته لدى النبي ﷺ .. يقول الشاب المجاهد عبد الله بن عمر ﵁: (كانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله ﷺ بيده اليمنى: هذه يد عثمان، فضرب بها على يده، فقال: هذه لعثمان) (٢). هذه هي منزلة عثمان لدى النبي ﷺ .. وهذا هو مدى ثقته به وبإيمانه .. أما الرجل الثاني فهو من الأنصار واسمه: جد بن قيس بن الأنصاري وهو خال جابر بن عبد الله.

стр. 860

يقول جابر ﵁: (كنا أربع عشرة مائة فبايعناه، وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة، فبايعناه غير جد بن قيس الأنصاري اختبأ تحت بطن بعيره) (١) ولا أدري ما سبب اختبائه .. لكنه خسر خسارة عظيمة .. وتخلف عن رضوان يظله طوال حياته .. ربما كان الخوف والجبن سببًا لتخاذله ذلك .. وربما كان السبب أمرًا أخطر .. لكنه خسر لا شك .. لا سيما والخطر الداهم قد أطبق من كل اتجاه على المؤمنين .. فقد خرجت قريش ومن معها نحو الحديبية لإيقاف النبي ﷺ أو حربه إن استدعى الأمر .. وجد بن قيس قد خسر في الحالتين .. فالصحابة لن يفروا مهما كان الثمن .. وقد تأهبوا للأعداء. قريش تحاصر الحديبية بعد انتهاء المؤمنين من البيعة امتلأت جوانب الحديبية بجيش الشرك .. فاستعد المؤمنون لهم .. واستعدوا للشهادة .. أما النبي ﷺ فكان بينهم يتجول .. يتفقد وينظم .. ويصلح من أحوالهم .. ها هو يحذرهم. فيقول: "لا توقدوا نارًا بليل" (٢). ويواصل ﷺ تفقده لأصحابه .. فيمر على رجل يوقد النار نهارًا تحت قدر لأصحابه .. لكن منظر شعره ولحيته لا يسر .. اسمه كعب بن عجرة و (النبي ﷺ مر وهو بالحديبية قبل أن يدخل مكة وهو محرم، وهو يوقد تحت قدر، والقمل يتهافت على وجهه فقال:

стр. 861

أيؤذيك هوامك هذه؟ قال: نعم) (١) انصرف النبي ﷺ من عنده لا يدري ما يقول له .. فنزل جبريل ﵇ بقرآن يتلى .. واشتد الوجع بكعب بن عجرة.، فنزلت رحمة الله على كعب ومن يأتي بعد كعب .. يقول كعب ﵁: (كنا مع النبي ﷺ . ونحن محرمون، وقد حصرنا المشركون، وكانت لي وفرة (٢)، فجعلت الهوام تساقط على وجهي. فمر بي النبي ﷺ ، فقال: أيؤذيك هوام رأسك؟ قلت: نعم. وأنزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾) (٣) وهذه الآية (نزلت فيَّ خاصة وهي عامة لكم. حملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي "فوقع القمل في رأسي ولحيتي وحاجبي وشاربي". فقال: ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى، أو ما كنت أرى الجهد بلغ بك ما أرى، تجد شاةً؟ فقلت: لا، قال: فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع) (٤). (فدعا ﷺ الحلاق فحلق رأسه) (٥) فارتاح من القمل والوجع .. وشعر

стр. 862

برحمة الله وفضله حيث جعل له بعد الضيق فرجًا وفرحًا .. كفرح رسول الله ﷺ بعودة عثمان الذي عاد دون أن يمس بأذى .. عاد عثمان لكن قريشًا لم تعد .. بل انحدرت معها ثقيف من الطائف .. يقودهم عروة بن مسعود الثقفى عم المغيرة بن شعبة ﵁ .. وقد شارك عروة قريشًا بكل ما يملك .. جاء بأهله وولده وبعض أهل عكاظ .. ثم قال لقريش: (إني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا (١) علي، جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني) (٢). لم تأت عكاظ فقط لنصرة قريش .. ها هم حلفاء آخرون لقريش يسمون (الأَحابيش) يسيرون مع قريش لحصار النبي ﷺ وأصحابه تحت قيادة رجل اسمه: (الحليس بن علقمة الكناني وهو يومئذ سيد الأحابيش) (٣) وهو رجل عاقل وحكيم يحترم الهدي ومن يسوقه إلى بيت الله العتيق .. وكان وجود أمثال الحليس سببًا في عدم هجوم قريش وبدئها لحرب جديدة مع النبي ﷺ .. كانت قريش أكثر تعقلًا هذه المرة لوجود أمثال الحليس .. فقد (قام عروة بن مسعود فقال: أي قوم .. ألست بالولد؟ وألستِ بالوالدِ؟ قالوا: بلى. قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا (٤) علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أعطاني؟ قالوا: بلى.

стр. 863

قال: فإن هذا قد عرض لكم خطة رشد، اقبلوها، ودعوني آته "يا معشر قريش إني قد رأيت ما يلقى منكم من تبعثون إلى محمد إذا جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنكم والد وأني ولد، وقد سمعت بالذي نابكم، فجمعت من أطاعني من قومي ثم جئت حتى آسيتكم (١) بنفسي، قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتهم" قالوا: ائته، فأتاه "فخرج حتى أتى رسول الله ﷺ فجلس بين يديه" فجعل يكلم النبي ﷺ "فقال: يا محمد، جمعت أوباش (٢) الناس ثم جئت بهم لبيضتك لتفضها (٣)، إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوا، جلود النمور، يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم عنوة أبدًا". فقال النبي ﷺ نحوًا من قوله لبديل بن ورقاء (٤). فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت (٥) أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى (٦)، فإني والله لا أرى وجوهًا، وإني لأرى أشوابًا من الناس خليقًا أن يفروا ويدعوك. "وأبو بكر ﵁ خلف رسول الله ﷺ قاعد، فقال له أبو بكر ﵁: امصص بظر اللات (٧)، أنحن نفر عنه وندعه؟ فقال: من ذا؟

стр. 864

قالوا: أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده، لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك "لكافأتك بها، ولكن هذه بها ثم تناول لحية رسول الله ﷺ والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله ﷺ من الحديد" وجعل يكلم النبي ﷺ فكلما تكلم أخذ بلحيته، والمغيرة واقف على رأس النبي ﷺ ، ومعه السيف، وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ ضرب يده بنعل السيف (١)، وقال له: أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ "قبل والله لا تصل إليك قال: ويحك ما أفظك وأغلظك، فتبسم رسول الله ﷺ " فرفع عروة رأسه، فقال: من هذا "يا محمد؟ قال: هذا ابن أخيك". المغيرة بن شعبة. فقال: أي غدر، ألست أسعى في غدرتك؟ "هل غسلت سوأتك إلا بالأمس"، وكان المغيرة صحب قومًا في الجاهلية، فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم. فقال النبي ﷺ : "أما الإسلام فأقبل. وأما المال فلست منه في شيء". ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي ﷺ بعينيه، "فكلمه رسول الله ﷺ بمثل ما كلم به أصحابه، فأخبره أنه لم يأت يريد حربًا، فقام من عند رسول الله ﷺ وقد رأى ما يصنع به أصحابه") (٢). عروة منبهر باحترام الصحابة للنبي ﷺ يكاد لا يصدق ما يرى .. لكنها الحقيقة شاخصة أمام عينيه .. أخذته

стр. 865

الدهشة إلى قريش فحدثهم عن إجلال لم يحض به أعظم ملكين على وجه الأرض .. كسرى وقيصر .. ها هو عروة يرمق أصحاب النبي ﷺ ، (فقام من عند رسول الله ﷺ وقد رأى ما يصنع به أصحابه لا يتوضأ وضوءًا إلا ابتدروه "كادوا يقتتلون على وضوئه" ولا يبسق بساقًا إلا ابتدروه "إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده" ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه "وإذا أمرهم ابتدروا أمره" "وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحدون إليه النظر تعظيمًا له" فرجع إلى قريش، فقال: يا معشر قريش إني جئت كسرى في ملكه، وجئت قيصر والنجاشي في ملكهما، والله ما رأيت ملكًا قط مثل محمد في أصحابه. "والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحدون إليه النظر تعظيمًا له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها". ولقده رأيت قومًا لا يسلمونه لشيء أبدًا فروا رأيكم) (١). (فقال رجل من بني كنانة "الحليس بن علقمة الكناني وهو يومئذٍ سيد الأحابش": دعوني آته. فقالوا: ائته، فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه قال رسول الله ﷺ : هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن (٢)، فابعثوها له "ابعثوا الهدي في وجهه". فبعثت له، واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك "الهدي يسيل

стр. 866

عليه من عرض الوادي في قلائده، قد أكل أوتاره من طول الحبس عن محله، رجع ولم يصل إلى رسول الله ﷺ إعظامًا لما رأى" قال: سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت "يا معشر قريش، قد رأيت ما لا يحل صده: الهدي في قلائده قد أكل أوتاره من طول الحبس عن محله. فقالوا: اجلس، إنما أنت أعرابي لا علم لك") (١). فقدت قريش عقلها واحترامها لمبادئها .. واحترامها لبيت الله ومن يقصده للحج والعمرة بتلك الكلمات التي قذفتها كالحجارة في وجه الحليس الكناني سيد الأحابش وحليفها الدائم .. لذلك لم تمانع أن تبعث رسولًا ثالثًا هابط المستوى مثلها .. قريش تبعث رجلًا فاجرًا: قريش تبعث مكرز بن حفص بعد تلك الكلمات غير المهذبة التي أطلقتها قريش على حليفها (قام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص، فقال: دعوني آته، فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم قال النبي ﷺ : هذا مكرز وهو رجل فاجر "غادر فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ كلمه رسول الله ﷺ بنحو مما كلم به أصحابه" فجعل يكلم النبي ﷺ ) (٢) لكن يبدو أن قريشًا ندمت على إرسال مكرز هذا .. لهذا قررت قطع رسالته ومقاطعته برجلٍ أحكم وأعقل .. ويبدو أن نداء العقل والرحم قد تنبه أخيرًا داخل أوساط قريش ..

стр. 867

قريش تقاطع محادثة مكرز لقد بعثوا رجلًا متزنًا يعرف مكانته ومكانة خصمه ويحترم شرف الخصومة (بعثوا سهيل بن عمرو -أحد بني عامر بن لؤي- فقالوا: ائت محمدًا، فصالحه ولا يكون في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تتحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة أبدًا، فأتاه سهيل بن عمرو) (١) .. وصل سهيل بن عمرو في الوقت الذي كان النبي ﷺ يتحدث فيه إلى مكرز بن حفص (فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو) (٢) و (لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي ﷺ : وقد سهل لكم من أمركم) (٣) .. وقبل أن يصل سهيل حدثت حركة داخل معسكر قريش .. حركة تثير الشفقة والغضب جميعًا: أرقاء يهربون من قريش قبل أن يصل سهيل وصلت مجموعة من الفارين من معسكر الشرك والرق .. مجموعة صغيرة من الأرقاء يمموا نحو الحرية .. نحو النبي ﷺ .. رآهم علي بن أبي طالب: فقال: (خرج عِبدان إلى رسول الله ﷺ -يعني يوم الحديبية- قبل الصلح، فكتب إليه مواليهم، فقالوا: يا محمد، والله ما خرجوا إليك رغبة في في ينك، وإنما خرجوا هربًا من الرق.

стр. 868

فقال ناس: صدقوا يا رسول الله، ردهم إليهم. فغضب رسول الله ﷺ ، وقال: ما أراكم تنتهون يا معشر قريش حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا. وأبى أن يردهم، وقال: هم عتقاء الله (١) وهم أحرار بين أخوتهم المهاجرين والأنصار .. ينعمون برحمة الإيمان وأفياء المساواة والتآخي في الله .. أما سهيل بن عمرو فقد وصل إلى معسكر المؤمنين (فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ ، تكلما وأطالا الكلام، وتراجعا، حتى جرى بينها الصلح، فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب) (٢) .. تحدث سهيل بن عمرو فقال: (هات اكتب بيننا وبينكم كتابًا، فدعا النبي ﷺ الكاتب) (٣) وكان (كاتب الكتاب يوم الحديبية علي بن أبي طالب ﵁ (٤) (فقال النبي ﷺ : اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هي، ولكن اكتب باسمك اللَّهم. كما كنت تكتب.

стр. 869

فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا: بسم الله الرحمن الرحيم. فقال النبي ﷺ : اكتب: باسمك اللَّهم. ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك. ولكن اكتب: [اسمك واسم أبيك] "هذا ما اصطلح عليه" محمد بن عبد الله. فقال النبي ﷺ : والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب: محمد بن عبد الله (١) (ثم قال لعلي: امح: رسول الله. قال علي: لا. والله لا أمحوك أبدًا، فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب وليس يحسن يكتب) (٢) (قال ﷺ : فأرنيه. فأراه إياه، فمحاه النبي ﷺ بيديه) (٣) وبعد أن محا النبي ﷺ كلمة رسول الله .. رأى الجميع شيئًا لم يعرفوه من قبل عن النبي ﷺ فـ. هل حدثت معجزة ثانية على أرض الحديبية فالنبي ﷺ لا يعرف القراءة ولا الكتابة .. ولذلك قال ﷺ لعلي بن أبي طالب: (أرنيه) ولو كان يعرف ذلك لما سأله .. لكن الذي حدث أن النبي ﷺ محا الكلمة التي أشار إليها رسول الله ﷺ بيديه ثم (أخذ رسول

стр. 870

الله ﷺ الكتاب -وليس يحسن أن يكتب- فكتب "ابن عبد الله ") (١): أي أن النبي ﷺ كتب فقط: (ابن عبد الله) وما حدث منه ﷺ قد يكون معجزة من الله .. وقد يكون رسمها .. فهي مجرد كلمة يجيد رسم مثلها أغلب الأمين الذين لا يعرفون القراءة ولا الكتابة .. ومع ذلك تجدهم يجيدون كتابة أسمائهم .. وهي ليست كتابة بالمعنى الصحيح .. بل هي مجرد رسم وتقليد .. ثم واصل علي ﵁ كتابة شروط الصلح التي أثارت غضب عمر كما أثارت عليًا من قبل. لكن شيئًا حدث أثار الجميع إلا النبي ﷺ إنه ليس ما أملاه سهيل من شروط .. إنه أخطر من ذلك وأفدح .. جريمة كادت تفسد كل شيء .. ودناءة كادت تحول أرض الحديبية إلى ساحة حمراء .. تلك الجريمة كانت: محاولة اغتيال النبي ﷺ يقول عبد الله بن مغفل ﵁: (كنا مع رسول الله ﷺ بالحديبية في أصل الشجرة التي قال الله تعالى في القرآن، وكان يقع من أغصان تلك الشجرة على ظهر رسول الله ﷺ ، وعلي ابن أبي طالب وسهيل بن عمرو بين يديه، فقال رسول الله ﷺ لعلي ﵁: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. فأخذ سهيل بن عمرو بيده فقال: ما نعرف بسم الله الرحمن الرحيم، اكتب في قضيتنا ما نعرف، قال: اكتب باسمك اللَّهم.

стр. 871

فكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله ﷺ أهل مكة. فأمسك سهيل بن عمرو بيده وقال: لقد ظلمناك إن كنت رسوله. اكتب في قضيتنا ما نعرف. فقال ﷺ : اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وأنا رسول الله، فكتب .. فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابًا عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله ﷺ ، فأخذ الله بأبصارهم، فقدمنا إليهم، فأخذناهم، فقال رسول الله ﷺ : هل جئتم في عهد أحد، أو: هل جعل لكم أحد أمانًا. فقالوا: لا. فخلى سبيلهم) (١) وعفا عنهم .. وتركهم لضمائرهم علها تستيقظ ثم انصرف لإكمال ما بدأه من اتفاق .. وكتابة: شروط صلح الحديبية قال سهيل بن عمرو: (اكتب: هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو وعلي: * وضع الحرب عشر سنين.

стр. 872

* يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض. * على أنه من أتى رسول الله ﷺ "رجل" من أصحابه بغير إذن وليه رده عليهم. * ومن أتى قريشًا ممّن مع رسول الله ﷺ لم يردوه عليهم. * وأن بيننا عيبة مكفوفة (١). *وأنه لا إسلال (٢). * ولا إغلال (٣). * وكان في شرطهم حين كتبوا الكتاب أنه: * من أحب (٤) أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه. * ومن أحب (٥) أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن مع عقد رسول الله ﷺ وعهده، وتواثبت بنو بكر، فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم. * وأنك ترجع عنا عامنا هذا، فلا تدخل علينا مكة. * وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك. * فتدخلها بأصحابك وأقمت فيهم ثلاثًا معك السلاح الراكب.

стр. 873

* لا تدخلها بغير السيوف في القرب) (١). * (وأن لا يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن يتبعه. * وأن لا يمنع من أصحابه أحدًا إن أراد أن يقيم بها) (٢). تعجب بعض الصحابة من تلك الشروط الجائرة (فقالوا: يا رسول الله: أنكتب هذا؟ قال: نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم، سيجعل الله له فرجًا ومخرجًا) (٣). لم تنته المعاهدة حتى الآن .. وعلي ﵁ يواصل كتابة الشروط .. والغضب يتطاير من عيني عمر بن الخطاب .. والصحابة ﵃ في حالة ذهول .. في تلك الأثناء حدثت حركة أججت لهيب الغضب في معسكر المسلمين .. مشهد فاجعة .. وظلم لا طاقة للرجال به .. لقد وصل الآن إلى مكان المباحثات رجل يرسف في قيوده .. يزحف .. ويمشي ويسقط ويجأر باحثًا عن ملجأ ومفر له مما هو به .. إنه ابن ذلك الرجل الذي يفاوض النبي ﷺ : سهيل بن عمرو وابنه ذلك اسمه: أبو جندل .. مأساة أبي جندل قيده أبوه عندما علم بإسلامه .. وغل يديه وقدميه .. ومنعه من مغادرة مكة .. لكنه لم يستطع منعه من مغادرة الشرك .. ولما خرجت قريش لصد النبي ﷺ عن دخول مكة وجد فرصة فهرب .. وها هو الآن

стр. 874

بين يدي رسول الله ﷺ ووالده سهيل يشاهده .. ومداد المعاهدة لم يجف بعد .. والشروط لم تنته حتى الآن .. لكن النبي ﷺ قد وافق على ما مضى .. وصل أبو جندل بعد أن قال والده سهيل لرسول الله ﷺ : (وعلى أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا. قال المسلمون: سبحان الله، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟ فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى نفسه بين أظهر المسلمين. فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إليّ. فقال النبي ﷺ : إنا لم نقض الكتاب بعد، قال: فوالله إذًا لم أصالحك على شيء أبدًا. "فلما رأى سهيل أبا جندل، قام إليه فضرب وجهه، ثم قال: يا محمد، قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا قال: صدقت. فقام إليه فأخذ بتلبيبه (١)، وصرخ أبو جندل بأعلى صوته: يا معاشر المسلمين، أتردونني إلى أهل الشرك، فيفتنونني في ديني. فزاد الناس شرًا إلى ما بهم، فقال رسول الله ﷺ : يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، إنا عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا، فأعطيناهم على ذلك، وأعطونا عليه، وإنا لن نغدر بهم". قال النبي ﷺ (٢) -: فأجزه لي (٣).

стр. 875

قال: ما أنا. بمجيز ذلك لك. قال: بلى فافعل. قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بل قد أجزنا لك. قال أبو جندل: أي معشر المسلمين، أرد إلى المشركين وقد جئت مسلمًا؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب عذابًا شديدًا في الله) (١). كان هذا المنظر المؤلم يطعن في أعماق عمر ويفقده صوابه وصبره .. (فوثب إليه عمر بن الخطاب مع أبي جندل، فجعل يمشي إلى جنبه وهو يقول: اصبر أبا جندل، فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب -ويدني قائم السيف منه- ويقول: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، فضن (٢) الرجل بأبيه ونفذت القضية) (٣) كان عمر يريد من أبي جندل أن يجهز على أبيه بالسيف وينطلق من إساره بنفسه دون مساعدة المسلمين. وبذلك يكون قد حرر نفسه ولا لوم على النبي ﷺ ولا على أصحابه ولا على عهدهم وذمتهم .. لكن أبا جندل لم يفعل .. فطار صواب عمر وتوجه نحو نبي الله ﷺ بعد أن رأى وسمع ما لم يستطع عليه صبرًا. يقول عمر للنبي ﷺ : (ألست نبي الله حقًا؟ قال: بلى.

стр. 876

قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ "وألسنا بالمسلمين أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى. قلت: فِلمَ نعطى الدنية في ديننا إذن؟ "فعلام نعطى الذلة في ديننا؟ ". قال ﷺ : إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري، "أنا عبد الله ورسوله ولن أخالف أمره ولن يضيعني". قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى .. فأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. فأتيت أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقًا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ "أولسنا بالمسلمين، أوليسوا بالمشركين"؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطى الدنية في ديننا إذن؟ فعلام نعطي الذلة في ديننا؟ " قال: أيها الرجل، إنه لرسول الله ﷺ ، وليس يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه فوالله إنه على الحق. قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟

стр. 877

قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به) (١). ندم عمر على ما كان منه من احتجاج على ذلك الظلم الوثني .. ندم عمر وتوجه بالتوبة إلى الله وحاول تكفير ما كان منه بأعمال كثيرة يقول عنها: (مازلت أصوم وأتصدق وأصلي وأعتق من الذي صنعت، مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذٍ، حتى رجوت أن يكون خيرًا) (٢) .. بالنسبة للنبي ﷺ كل شيء قد انتهى ولم يتبق سوى التحلل من الإحرام والعودة إلى المدينة. لكن الصحابة لم يمتثلوا لأوامره ﷺ الأمر عند الصحابة غير قابل للتصديق .. أين تلك الأحلام بالطواف بالبيت الحرام .. والصلاة فيه .. أين أحلام المهاجرين بمعانقة أجواء مكة الحبيبة .. ؟ هل انهار كل ذلك على صخور الحديبية .. حاول ﷺ أن يزيل تلك الدهشة وذلك الذهول .. لكنه لم يستطع .. وما حدث أنه (لما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا. فوالله ما قام رجل) (٣) فقال مرة ثانية: فانحروا ثم احلقوا .. فلم يقم منهم أحمد مما بهم من الهم والغم .. ثم قال الثالثة: قوموا فانحروا ثم احلقوا .. لكنه لم يلق إجابة فعليةً ولا حتى قولية .. (حتى قال ذلك ثلاث

стр. 878

مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة) (١) عله يجد لدى هذه المرأة العظيمة حلًا .. أم سلمة تشير على النبي ﷺ إلى خبائها الكريم .. قام النبي ﷺ فـ (دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس. "فقال: يا أم سلمة ما شأن الناس" فقالت أم سلمة: "يا رسول الله .. قد دخلهم ما رأيت"، يا نبي الله .. أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم منهم كلمة حتى تنحر بُدنك (٢)، وتدعو حالقك فيحلقك. "فلو قد فعلت ذلك فعل الناس ذلك". فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك: نحر بُدنه (٣)، ودعا حالقه فحلقه فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا فجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غما) (٤). مما رأوه من ظلم وغبن من المشركين .. وكان النبي ﷺ قد بدأ بالنحر قبل الحلق. حيث (حلق بالحديبية في عمرته، وأمر أصحابه بذلك، ونحر بالحديبية قبل أن يحلق، وأمر أصحابه بذلك) (٥). وحتى يغيظ أولئك المشركين المتغطرسين .. ساق ﷺ معه جملًا كان لأبي جهل في غزوة بدر .. غنمه المسلمون .. ثم نحره أمام أعين المشركين.

стр. 879

النبي ﷺ ينحر جمل أبي جهل يقول أحد الصحابة ﵃: (أهدى رسول الله ﷺ جمل أبي جهل في هديه يوم الحديبية، وفي رأسه برة من فضة، كان أبو جهل أسلمه يوم بدر) (١) (ليغيظ المشركين بذلك) (٢). وإذا كان هذا الأمر قد أفزع المشركين .. فإنه أيقظ المؤمنين من همومهم .. فنهضوا لينحروا هديهم ويحلقوا رؤوسهم .. وقد اشترك الصحابة بالهدي .. فالسبعة منهم يشتركون في الجمل أو البقرة .. أما الشاة فلا تكفي إلا عن واحد .. يقول جابر ﵁: (نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية، البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة) (٣) (نحرنا يومئذ سبعين بدنة، اشتركنا: كل سبعة في بدنة) (٤). نحر الصحابة سبعين بدنة .. ولا أدري هل نحروا من الغنم شيئًا .. ثم قاموا (وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد يقتل بعضهم بعضًا غمًا) (٥) .. لكن بعض الصحابة -وهم قلة- لم يحلقوا بل اكتفوا بتقصير شعورهم- فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك قال: يرحم الله المحلقين. يقول أحد الصحابة ﵃: (حلق رجال يوم الحديبية، وقصر آخرون، فقال رسول الله ﷺ : يرحم الله المحلقين.

стр. 880

قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟ قال: يرحم الله المحلقين. قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟ قال: يرحم الله المحلقين. قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟ قال: والمقصرين. قالوا: فما بال المحلقين ظاهرت لهم الترحم؟ قال: لم يشكوا) (١). وبعد الحلق هدأ عمر ومن معه من الصحابة .. لكن الذهول مازال يطوف برؤوسهم .. ومازالت صورة أبي جندل تلوح في دروبهم .. لم يكن أبو جندل وحده مأسورًا .. كان هناك الكثير غيره .. حتى حلفاء قريش كانوا قد أوثقوا من آمن منهم .. وكان من هؤلاء المأسورين: أسد يقال له: أبو بصير قيده قومه ومنعوه من الالتحاق بمحمد ﷺ وأصحابه .. واسمه: عتبة ابن أسيد بن جارية الثقفي .. ولم يكن الرجال وحدهم يعانون هذه المأساة .. ويتجرعون سموم الشرط الجائر .. النساء المستضعفات عانين الكثير .. تلك المؤمنة الطاهرة ابنة الطاغية الهالك: عقبة بن أبي معيط
следующие страницы →