← Сира

Сира · id 123668

السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة

محمد الصوياني

Полный текст (1 354 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ "وألسنا بالمسلمين أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى. قلت: فِلمَ نعطى الدنية في ديننا إذن؟ "فعلام نعطى الذلة في ديننا؟ ". قال ﷺ : إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري، "أنا عبد الله ورسوله ولن أخالف أمره ولن يضيعني". قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى .. فأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. فأتيت أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقًا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ "أولسنا بالمسلمين، أوليسوا بالمشركين"؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطى الدنية في ديننا إذن؟ فعلام نعطي الذلة في ديننا؟ " قال: أيها الرجل، إنه لرسول الله ﷺ ، وليس يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه فوالله إنه على الحق. قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟

стр. 877

قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به) (١). ندم عمر على ما كان منه من احتجاج على ذلك الظلم الوثني .. ندم عمر وتوجه بالتوبة إلى الله وحاول تكفير ما كان منه بأعمال كثيرة يقول عنها: (مازلت أصوم وأتصدق وأصلي وأعتق من الذي صنعت، مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذٍ، حتى رجوت أن يكون خيرًا) (٢) .. بالنسبة للنبي ﷺ كل شيء قد انتهى ولم يتبق سوى التحلل من الإحرام والعودة إلى المدينة. لكن الصحابة لم يمتثلوا لأوامره ﷺ الأمر عند الصحابة غير قابل للتصديق .. أين تلك الأحلام بالطواف بالبيت الحرام .. والصلاة فيه .. أين أحلام المهاجرين بمعانقة أجواء مكة الحبيبة .. ؟ هل انهار كل ذلك على صخور الحديبية .. حاول ﷺ أن يزيل تلك الدهشة وذلك الذهول .. لكنه لم يستطع .. وما حدث أنه (لما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا. فوالله ما قام رجل) (٣) فقال مرة ثانية: فانحروا ثم احلقوا .. فلم يقم منهم أحمد مما بهم من الهم والغم .. ثم قال الثالثة: قوموا فانحروا ثم احلقوا .. لكنه لم يلق إجابة فعليةً ولا حتى قولية .. (حتى قال ذلك ثلاث

стр. 878

مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة) (١) عله يجد لدى هذه المرأة العظيمة حلًا .. أم سلمة تشير على النبي ﷺ إلى خبائها الكريم .. قام النبي ﷺ فـ (دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس. "فقال: يا أم سلمة ما شأن الناس" فقالت أم سلمة: "يا رسول الله .. قد دخلهم ما رأيت"، يا نبي الله .. أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم منهم كلمة حتى تنحر بُدنك (٢)، وتدعو حالقك فيحلقك. "فلو قد فعلت ذلك فعل الناس ذلك". فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك: نحر بُدنه (٣)، ودعا حالقه فحلقه فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا فجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غما) (٤). مما رأوه من ظلم وغبن من المشركين .. وكان النبي ﷺ قد بدأ بالنحر قبل الحلق. حيث (حلق بالحديبية في عمرته، وأمر أصحابه بذلك، ونحر بالحديبية قبل أن يحلق، وأمر أصحابه بذلك) (٥). وحتى يغيظ أولئك المشركين المتغطرسين .. ساق ﷺ معه جملًا كان لأبي جهل في غزوة بدر .. غنمه المسلمون .. ثم نحره أمام أعين المشركين.

стр. 879

النبي ﷺ ينحر جمل أبي جهل يقول أحد الصحابة ﵃: (أهدى رسول الله ﷺ جمل أبي جهل في هديه يوم الحديبية، وفي رأسه برة من فضة، كان أبو جهل أسلمه يوم بدر) (١) (ليغيظ المشركين بذلك) (٢). وإذا كان هذا الأمر قد أفزع المشركين .. فإنه أيقظ المؤمنين من همومهم .. فنهضوا لينحروا هديهم ويحلقوا رؤوسهم .. وقد اشترك الصحابة بالهدي .. فالسبعة منهم يشتركون في الجمل أو البقرة .. أما الشاة فلا تكفي إلا عن واحد .. يقول جابر ﵁: (نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية، البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة) (٣) (نحرنا يومئذ سبعين بدنة، اشتركنا: كل سبعة في بدنة) (٤). نحر الصحابة سبعين بدنة .. ولا أدري هل نحروا من الغنم شيئًا .. ثم قاموا (وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد يقتل بعضهم بعضًا غمًا) (٥) .. لكن بعض الصحابة -وهم قلة- لم يحلقوا بل اكتفوا بتقصير شعورهم- فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك قال: يرحم الله المحلقين. يقول أحد الصحابة ﵃: (حلق رجال يوم الحديبية، وقصر آخرون، فقال رسول الله ﷺ : يرحم الله المحلقين.

стр. 880

قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟ قال: يرحم الله المحلقين. قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟ قال: يرحم الله المحلقين. قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟ قال: والمقصرين. قالوا: فما بال المحلقين ظاهرت لهم الترحم؟ قال: لم يشكوا) (١). وبعد الحلق هدأ عمر ومن معه من الصحابة .. لكن الذهول مازال يطوف برؤوسهم .. ومازالت صورة أبي جندل تلوح في دروبهم .. لم يكن أبو جندل وحده مأسورًا .. كان هناك الكثير غيره .. حتى حلفاء قريش كانوا قد أوثقوا من آمن منهم .. وكان من هؤلاء المأسورين: أسد يقال له: أبو بصير قيده قومه ومنعوه من الالتحاق بمحمد ﷺ وأصحابه .. واسمه: عتبة ابن أسيد بن جارية الثقفي .. ولم يكن الرجال وحدهم يعانون هذه المأساة .. ويتجرعون سموم الشرط الجائر .. النساء المستضعفات عانين الكثير .. تلك المؤمنة الطاهرة ابنة الطاغية الهالك: عقبة بن أبي معيط

стр. 881

واسمها: أم كلثوم .. تخطط للهرب من مستنقع الشرك وأسلاكه الشائكة .. فتنجح .. وعندما تصل هي وغيرها إلى النبي ﷺ يطالب أهلها بإرجاعها حسب نصوص المعاهدة لكن النبي ﷺ يرفض إرجاع النساء المهاجرات. ليس لأنه نقض عهده مع قريش .. إنه أكبر من ذلك .. لقد رد حذيفة ووالده يوم بدر .. ورد أبا جندل قبل قليل .. فلماذا لا يرد أم كلثوم ورفيقاتها من المؤمنات الهاربات من غابة الأصنام .. ؟ والإجابة هي أن النبي ﷺ وجد للمؤمنات ثغرة خلال النصوص .. ثغرة تتيح للمؤمنات التسلل من خلالها والهرب. فقد كان سهيل كغيره من المشركين لا يأبهون لشأن المرأة إلا حين تنتصب في أذهانهم رموز الغريزة .. ولذلك قال سهيل للنبي ﷺ : (وعلى أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا) (١) وهذا النص - الشرط ينصب على الرجال فقط .. فالنساء لا يدخلن تحت طائلته .. فكان الفرج لأم كلثوم (لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذ كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي ﷺ : أنه لا يأتيك منا أَحد "رجل" وإن كان على دينك إلا رددته إلينا وخليت بيننا وبينه، فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا منه، وأبى سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي ﷺ على ذلك، فرد يومئذٍ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلمًا، وجاءت المؤمنات مهاجرات، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممّن خرج إلى رسول الله ﷺ يومئذٍ وهي عاتق، فجاء أهلها يسألون النبي ﷺ أن يرجعها إليهم .. فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن:

стр. 882

﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ (١) فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ﴾) (٢) تقول عائشة ﵂: (إن رسول الله ﷺ كان يمتحنهن هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ فمن أقر بهذا الشرط منهن قال لها رسول الله ﷺ : قد بايعتك -كلامًا يكلمها به- والله ما مست يده امرأة قط في المبايعة وما بايعهن إلا بقوله) (٣). سمع عمر بن الخطاب تلك الآيات .. والقرآن يسري في عروق عمر لا يجد ما يعيق انسيابه .. والقرآن يتوهج داخل زواياه وأعماقه .. فاستجاب على الفور حيث تقول عائشة ﵂: (لما أنزل الله تعالى: أن يردوا إلى المشركين ما أنفقوا على من هاجر

стр. 883

من أزواجهم، وحكم على المسلمين أن لا يمسكوا بعصم الكوافر، أن عمر طلق امرأتين: "قريبة بنت أبي أمية" و"ابنة جرول الخزاعي ". فتزوج "قريبة": معاوية بن أبي سفيان، وتزوج الأخرى أبو جهم، فلما أبى الكفار أن يقروا بأداء ما أنفق المسلمون على أزواجهم، أنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾ والعَقَبُ: ما يؤدي المسلمون إلى من هاجرت امرأته من الكفار، فأمر أن يعطي من ذهب له زوج من المسلمين ما أنفق من صداق نساء الكفار اللاتي هاجرن، وما نعلم أحدًا من المهاجرات، ارتدت بعد إيمانها) (١) بالله ورسوله. أما من هاجرن فلن يردهن ﷺ للمشركين .. لأنه لا شرط بينهم في ذلك .. اقتنعت قريش ورضيت على مضض بذلك .. فبين يديها يتلبط أبو جندل في قيوده .. لم يلن أبوه سهيل لمرآه .. ولم يتذكر تلك القيود التي كان مكبلًا بها في حجرة سودة ﵂ بعد أسره في غزوة بدر .. لقد أعماه الشرك عن الشعور بالقيود .. بل أعماه عن الشعور بالأبوة تجاه ابنه أبي جندل .. سلم المسلمون والمشركون بالمعاهدة .. فتحولت أرض الحديبية إلى ساحة للسلام .. اختلط فيها الجميع: المؤمنون والكافرون .. ولا بد أن ذوي الأرحام والصداقات الماضية رأى بعضهم بعضًا .. ووصل بعضهم بعضًا .. لكن هناك من المشركين من لا ينفع معه عهد ولا ميثاق .. ولا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا .. هناك من تجثم بين أضلعه أحقاد ومخالب .. فحاول إفساد كل شيء.

стр. 884

بعض المشركين ينقضون المعاهدة يقول سلمة بن الأكوع ﵁: (ثم إن المشركين راسلونا الصلح، حتى مشى بعضنا في بعض، واصطلحنا. وكنت تبيعًا لطلحة بن عبيد الله، أسقي فرسه، وأحسه (١)، وأخدمه، وآكل من طعامه، وتركت أهلي ومالي مهاجرًا إلى الله ورسوله، فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة، واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرة فكسحت شوكها (٢)، فاضطجعت في أصلها، فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ ، فأبغضتهم، فتحولت إلى شجرة أخرى، وعلقوا سلاحهم، واضطجعوا، فبينما هم كذلك، إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين .. قتل ابن زنيم. فاخترطت سيفي (٣)، ثم شددت (٤) على أولئك الأربعة وهم رقود، فأخذت سلاحهم، فجعلته ضغثًا (٥) في يدي. ثم قلت: والذي كرم وجه محمد .. لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه. ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله ﷺ . وجاء عمي عامر برجل من العبلات (٦) يقال له: مكرز، يقوده إلى

стр. 885

رسول الله ﷺ على فرس مجفف (١) في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول الله ﷺ فقال: دعوهم، يكن لهم بدء الفجور وثناه. فعفا عنهم رسول الله ﷺ ) (٢) كما عفا عن أولئك الغادرين أثناء كتابة العقد .. وكان عدد هؤلاء الغادرين أكثر من سبعين .. يقول أنس بن مالك ﵁: (إن ثمانين رجلًا من أهل مكة هبطوا على رسول الله ﷺ من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي ﷺ وأصحابه، فأخذهم سلمًا، فأنزل الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ (٣) ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ (٤). كان للنبي ﷺ رأيٌ لا يخيب في صاحبه سلمة بن الأكوع .. كان يدرك ما لدى هذا الرجل من بأس وشجاعة ولذلك بايعه ثلاث مرات .. ولذلك بايعه على الموت .. ومازال لدى سلمة الكثير .. الكثير لله ولرسوله ﷺ .. ومازال لدى سلمة الكثير ليقوله لنا عن الحديبية وما بعدها .. ها هو سلمة يستعد للرحيل فـ: النبي ﷺ يعود بأصحابه إلى المدينة نهض جيش المؤمنين مع نبيه ﷺ متوجهين نحو المدينة .. عادوا والهموم طريق .. ومرابع مكة وكعبتها تلوح في خيالهم .. عادوا منكسرين يلفهم

стр. 886

الوجوم والحزن .. حتى أقبل الليل عليهم .. صلى الجميع المغرب والعشاء وحان موعد النوم .. فحدثت القصة: قصة النوم حتى طلوع الشمس هل كان من أسباب ذلك النوم العميق ذلك الحزن الثقيل على بيت الله الحرام .. ؟ الله أعلم .. لكن ابن مسعود يقول ﵁: (أقبلنا مع رسول الله ﷺ من الحديبية، فذكروا أنهم نزلوا دهسًا من الأرض -يعني الدهاس: الرمل- فقال: من يكلؤنا؟ فقال بلال: أنا. فقال رسول الله ﷺ : "إذًا ننام، فناموا حتى طلعت الشمس، فاستيقظ ناس، منهم: فلان، وفلان، وفيهم عمر". فقلنا: اهضبوا -يعني- تكلموا. فاستيقظ النبي ﷺ ، فقال: افعلوا كما كنتم تفعلون. ففعلنا. وقال: كذلك فافعلوا لمن نام أو نسي (١). وضلت ناقة رسول الله ﷺ فطلبها فوجدت حبلها قد تعلق بشجرة، فجئت بها إلى النبي ﷺ ، فركب مسرورًا) (٢) وسار وسار معه أصحابه ..

стр. 887

يتوقفون للصلاة حينًا .. وللراحة حينًا .. ولما جن عليهم الليل كان ﷺ يسير وعمر بن الخطاب إلى جانبه يحدثه و: النبي ﷺ لا يرد على عمر كان ﷺ يسير (وعمر بن الخطاب يسير معه ليلًا، فسأله عمر بن الخطاب عن شيء، فلم يجبه رسول الله ﷺ ، ثم سأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، وقال عمر بن الخطاب: ثكلتك أمك يا عمر .. نزرت رسول الله ﷺ ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك. قال عمر: فحركت بعيري، ثم تقدمت أمام المسلمين وخشيت أن ينزل فيَّ قرآن، فما نشبت أن سمعت صارخًا يصرخ بي. فقلت: لقد خشيت أن يكون نزل فيَّ قرآن، وجئت رسول الله ﷺ فسلمت، فقال: لقد أنزلت عليّ الليلة سورة لهي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس، ثم قرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾) (١). ربما كان ﷺ في لحظات أسئلة عمر مشغولًا .. أو مهمومًا .. أو يوحي

стр. 888

إليه .. لكنه كان حساسًا تجاه صحابته .. لم يترك عمر لأفكاره تذهب به بعيدًا .. لقد دعاه وبشره بـ: نزول سور الفتح وطمأنه .. وقرأ عليه ما نزل .. فسأله عمر سؤالًا أعادت إجابته الطمأنينة إلى نفسه .. لقد (نزل القرآن على رسول الله بالفتح، فأرسل إلى عمر، فأقرأه إياه "فقرأها رسول الله ﷺ على عمر إلى آخرها". فقال "عمر": يا رسول الله أو فتح هو؟ قال: نعم. فطابت نفسه ورجع) (١) من حيث أتى .. ورجعت سكينته .. وهدأت ثائرته واستبشر خيرًا وفتحًا مؤكدًا .. أما الصحابي الجليل المدعو: (مجمع بن جارية الأنصاري -وكان أحد القراء الذين قرأوا القرآن- قال: شهدنا الحديبية مع رسول الله ﷺ ، فلما انصرفنا عنها "إذ الناس يهزون الأباعر، فقال بعض الناس لبعض: ما بال الناس؟ قالوا: أوحي إلى رسول الله ﷺ . فخرجنا مع الناس نوجف، فوجدنا النبي ﷺ واقفًا على راحلته عند كراع الغميم فلما اجتمع عليه الناس "قرأ عليهم إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا.

стр. 889

فقال رجل: يا رسول الله .. أفتح هو؟ قال ﷺ : نعم "والذي نفسي بيده إنه لفتح") (١). ارتفعت المعنويات .. ونشط الجميع فالنصر في الطريق .. وليس النصر وحده في الطريق .. هناك أشياء وأشياء .. هناك الهبات والمعجزات والدهشة التي لا تنقضى .. سار الجميع نحو المدينة الحبيبة وكلهم شوق وعطش .. وفي الطريق نفد الماء .. ولم يبق أحد معه ماء سوى النبي ﷺ الذي احتفظ به بإناءٍ جلدي صغير يسمونه "الركوة" .. حمل الصحابة عطشهم وشكواهم إلي الله ثم رسوله .. فـ: تحولت الركوة إلى نهر عذب شرب منها الجميع وتوضأوا وتنظفوا .. يقول جابر بن عبد الله ﵁: (عطش الناس يوم الحديبية، ورسول الله ﷺ بين يديه ركوة فتوضأ منها، ثم أقبل الناس نحوه، فقال رسول الله ﷺ : ما لكم؟ قالوا: يا رسول الله .. ليس عندنا ما نتوضأ به، ولا نشرب، إلا ما في ركوتك، فوضع النبي ﷺ يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، "فأدخل يده فيه وفرج أصابعه، ثم قال: [خذوا بسم الله] حي

стр. 890

على أهل الوضوء البركة من الله، فلقد رأيت الماء يتفجر من بين أصابعه [كأنها عيون، فوسعنا وكفانا]، فتوضأ الناس وشربوا، فجعلت لا آلو ما جلعت في بطني منه، فعلمت أنه بركة) (١) ومعجزة لهذا النبي العظيم .. أهداها الله له ولأصحابه .. لخير أهل الأرض .. لأهل الحديبية .. وأهل بيعة الرضوان ﵃ .. واصل النبي ﷺ وصحابته الكرام مسيرهم ثم توقفوا للراحة .. وهذه المرة جاءوا يشكون جوعًا قارسًا .. فهل ستحدث معجزة في الطعام أيضًا بل وفي الشراب مرة ثالثة .. وذلك (لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية كلمه بعض أصحابه، فقالوا: جهدنا وفي الناس ظهر (٢) فانحره لنا فنأكل من لحومه ولندهن من شحومه، ولنحتذي (٣) من جلوده .. فقال عمر بن الخطاب ﵁: لا تفعل يا رسول الله، فإن الناس إن يكن معهم بقية ظهر أمثل (٤)، فقال رسول الله ﷺ : ابسطوا أنطاعكم (٥) وعباءكم. ففعلوا. ثم قال: من كان عنده بقية من زاد وطعام فلينثره. ودعا لهم ثم قال:

стр. 891

قربوا أوعيتكم، [فأكلوا حتى تضلعوا (١) شبعًا ثم لففوا فضول ما فضل (٢) من أزوادهم في جربهم] فأخذوا ما شاءوا) (٣) وكان من بين الذين أخذوا .. سلمة بن الأكوع ﵁ الذي يقول: (أصابنا جهد، حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا، فأمر نبي الله ﷺ فجمعنا مزاودنا، فبسطنا له نطعًا، فاجتمع زاد القوم على النطع، فتطاولت لأحزر كم هو؟ فحزرته كربضة العنز (٤)، ونحن أربع عشرة مائة، فأكلنا حتى شبعنا جميعًا، ثم حشونا جربنا، فقال نبي الله ﷺ : فهل من وضوء؟ فجاء رجل بإداوة له، فيها نطفة، فأفرغها في قدح، فتوضأنا كلنا: ندغفقه (٥) دغفقة أربع عشرة مائة. ثم جاء بعد ذلك ثمانية، فقالوا: هل من طهور، فقال رسول الله ﷺ : فرغ الوضوء) (٦). كانت تلك المعجزات تسلية لتلك النفوس .. وتثبيتًا لتلك القلوب التي

стр. 892

أصابها ما أصابها بعد صد قريش ورفضها وشروطها الظالمة .. انتهت تلك المعجزات بالصحابة إلى شواطئ الأمن واليقين وانتهو جميعًا إلى مكان بين مكة والمدينة .. قريب من بني لحيان .. وفي ذلك الموقع الحرج .. أثار ﷺ حب الفداء والشهادة في أصحابه من جديد .. وكان لسلمة بن الأكوع تميز آخر في هذا الموقع .. وبالتحديد: على جبل بين الحديبية والمدينة يقول سلمة ﵁: (ثم خرجنا راجعين إلى المدينة، فنزلنا منزلًا، بيننا وبين بني لحيان جبل وهم مشركون، فاستغفر رسول الله ﷺ لمن رقى هذا الجبل الليلة -كأنه طليعة النبي ﷺ وأصحابه- قال سلمة: فرقيت تلك الليلة مرتين أو ثلاثًا، ثم قدمنا المدينة) (١) ولم يحدث قتال بين النبي ﷺ وبين بني لحيان .. لكن المدينة تعرضت لهجوم مباغت من عصابة من فزارة وغطفان بقيادة رجل يقال له: عبد الرحمن بن عيينة الفزاري .. وقد نهب في ذلك الهجوم كل إبل النبي ﷺ واستاقها غنيمة معه .. فهاجت من أجل ذلك معركة - غزوة كان بطلها فارس الإسلام: سلمة بن الأكوع .. حدثت تلك الغزوة في مكان يقال له ذو قرد وبه سميت: غزوة ذي قرد يقول بطل هذه الغزوة: (كانت لقاح (٢) رسول الله ﷺ ترعى بـ: ذي قرد، فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف فقال: أُخذت لقاح رسول الله ﷺ . فقلت: من أخذها؟

стр. 893

قال: غطفان "وفزارة". فصرخت ثلاث صرخات: يا صباحاه .. فأسمعت ما بين لابتي المدينة، ثم اندفعت على وجهي حتى أدركتهم بذي قرد، وقد أخذوا يسقون من الماء، فجعلت أرميهم بنبلي، وكنت راميًا، وأقول: أنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع) (١) وذلك بعد أن (قدمنا المدينة، فبعث رسول الله ﷺ بظهره (٢) مع رباح -غلام رسول الله- ﷺ وأنا معه، وخرجت معه بفرس طلحة أنديه مع الظهر (٣)، فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله ﷺ ، فاستاقه أجمع، وقتل راعيه. فقلت: يا رباح .. خذ هذا الفرس فأبلغه طلحة بن عبيد الله، وأخبر رسول الله ﷺ أن المشركين قد أغاروا على سرحه. ثم قمت على أكمة (٤)، فاستقبلت المدينة، فناديت ثلاثًا: يا صباحاه .. ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل، وأرتجز، أقول: أنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع

стр. 894

فألحق رجلًا منهم، فأصك سهمًا في رحله، حتى خلص نصل السهم إلى كتفه (١)، قلت: خذها وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع فوالله مازلت أرميهم وأعقر (٢) بهم، فإذا رجع إلي فارس أتيت شجرة فجلست في أصلها، ثم رميته، فعقرت به، حتى إذا تضايق الجبل فدخلوا في تضايقه علوت الجبل، فجعلت أرديهم (٣) بالحجارة، فمازلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله ﷺ إلا خلفته وراء ظهري، وخلوا بيني وبينه (٤)، ثم اتبعتهم أرميهم، حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة، وثلاثين رمحًا، يستخفون، ولا يطرحون شيئًا إلا جعلت عليه آرامًا (٥) من الحجارة، يعرفها رسول الله ﷺ وأصحابه، حتى أتوا متضايقًا من ثنية فإذا هم قد أتاهم فلان "عيينة" ابن بدر الفزاري، فجلسوا يتضحون -يعني يتغدون- وجلست على رأس قرن. قال "عيينة" الفزاري: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البرح (٦)، والله ما فارقنا منذ غلس، يرمينا حتى انتزع كل شيء من أيدينا. قال: فليقم إليه نفر منكم، أربعة. فصعد إلي منهم أربعة في الجبل، فلما أمكنوني من الكلام، قلت: أتعرفونني؟ قالوا: لا، ومن أنت؟ قلت: أنا سلمة بن الأكوع، والذي كرم

стр. 895

وجه ﷺ ، لا أطلب رجلًا منكم إلا أدركته، ولا يطلبني رجل منكم فيدركني، قال أحدهم: أنا أظن. فرجعوا، فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله ﷺ يتخللون الشجر، فإذا أولهم: الأخرم الأسدي، على إثره أبو قتادة الأنصاري، وعلى إثره المقداد بن الأسود الكندي. فأخذت بعنان الأخرم. فولوا مدبرين. قلت: يا أخرم .. إحذرهم لا يقتطعوك حتى يلحق رسول الله ﷺ وأصحابه. قال: يا سلمة .. إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أن الجنة حق، والنار حق، فلا تحل بيني وبين الشهادة. فخليته، فالتقى هو وعبد الرحمن. فعقر بعبد الرحمن فرسه، وطعنه عبد الرحمن فقتله وتحول على فرسه، ولحق أبو قتادة فارس رسول الله ﷺ بعبد الرحمن "فاختلفا طعنتين فعقر بأبي قتادة" فطعنه، فقتله "أبو قتادة وتحول أبو قتادة إلى فرس الأخرم ثم إني خرجت أعدو في أثر القوم" فوالذي كرم وجه محمد ﷺ لتبعتهم أعدو على رجلي، حتى ما أرى ورائى من أصحاب محمد ﷺ ولا غبارهم شيئًا، حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء، يقال له ذو قرد، ليشربوا منه وهم عطاش. فنظروا إليَّ أعدو وراءهم، فخليتهم عنه -يعني أجليتهم عنه- فما ذاقوا منه قطرة، "فعطفوا عنه وأسندوا في الثنية (١)، ثنية ذي شر وغربت

стр. 896

الشمس ويخرجون فيشتدون (١) في ثنية، فأعدو فألحق رجلًا منهم، فأصكه بسهم في نغض (٢) كتفه. قلت: خذها وأنا ابن الأكوع .... واليوم يوم الرضع قال: يا ثكلته أمه .. أي أكوعة بكرة (٣). قلت: نعم .. يا عدو نفسه .. أكوعك بكرة "وكان الذي رميته بكرة (٤)، فاتبعته بسهم آخر، فعلى به سهمان" وأرادوا فرسين على ثنية، فجئت بها أسوقها إلى رسول الله ﷺ ، ولحقني عامر بسطيحة (٥) فيها مذقة من لبن، وسطيحة فيها ماء، فتوضأت وشربت، ثم أتيت رسول الله ﷺ وهو على الماء الذي حلأتهم (٦) عنه، فإذا رسول الله ﷺ "في خمسمائة" قد أخذ تلك الإبل، وكل شيء استنقذته من المشركين، وكل رمح وبردة، وإذا بلال نحو ناقة من الإبل الذي استنقذت من القوم، وإذا هو يشوي لرسول الله ﷺ من كبدها وسنامها. قلت: يا رسول الله .. خلني فأنتخب من القوم مائة رجل، فأتبع القوم، فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته. فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه في ضوء النهار، فقال: يا سلمة .. أتراك كنت فاعلًا؟ قلت: نعم والذي أكرمك. فقال: إنهم الآن ليقرون في أرض غطفان. فجاء رجل من غطفان

стр. 897

فقال: "مروا على فلان الغطفاني فـ" نحر لهم فلان جزورًا "فلما أخذوا يكشطون جلدها" فلما كشفوا جلدها رأوا غبارًا، فقالوا: أتاكم القوم، فخرجوا هاربين. فلما أصبحنا قال رسول الله ﷺ : كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة. ثم أعطاني رسول الله ﷺ سهمين: سهم الفارس، وسهم الراجل، فجمعها لي جميعًا، ثم أردفني رسول الله ﷺ وراءه على العضباء، راجعين إلى المدينة) (١). كان سلمة أسطورة من الشجاعة والإقدام .. كان جسدًا مفتولًا لله .. يعرق في دروب الشهادة وينزف .. كان قلبًا ينبض بالفداء والجسارة .. فلا عجيب أن بايعه النبي ﷺ ثلاث مرات .. ولا عجيب أن بايعه على الموت .. تمتع سلمة بمرادفة النبي ﷺ على العضباء .. تمتع بلمس جسده الكريم .. وفي ساعات الجد تلك كان لسلمة رغبة في اللهو والتحدي .. في طريق المدينة وأمام عينيه ﷺ وبين يديه مارس سلمة ورجل من الأنصار لهوًا وتحديًا ومرحًا. سلمة يسابق رجلًا من الأنصار يتحدى الجميع يواصل سلمة ﵁ بقية حديثه فيقول: (ثم أردفني رسول الله ﷺ وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة، "فلما كان بيننا وبينها قريب من ضمرة" فبينما نحن نسير، وكان رجل من الأنصار لا يسبق شدًا، فجعل يقول:

стр. 898

ألا مسابق إلى المدينة؟ هل من مسابق؟ فجعل يعيد ذلك، فلما سمعت كلامه "وأنا وراء رسول الله ﷺ مردفى " قلت: أما تكرم كريمًا، ولا تهاب شريفًا؟ قال: لا، إلا أن يكون رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله .. بأبي وأمي، ذرني فلأسابق الرجل. قال: إن شئت. قلت: أذهب إليك "فطفر عن راحلته" وثنيت رجلي، فطفرت فعدوت، فربطت عليه شرفًا أو شرفين أستبقي نفسي، ثم عدوت في إثره، فربطت شرفًا أو شرفين، ثم إني رفعت حتى ألحقه، فأصكه بين كتفيه. قلت: قد سبقت .. والله "فضحك و" قال: أنا أظن. فسبقته إلى المدينة) (١) مشهد بريء ومفرح .. ومرح متاح يمارسه هؤلاء الفرسان العظماء .. بعيدًا عن التنطع والتطرف .. لأنهم بين يديه ﷺ .. ويداه كانتا ربيعًا .. ينثال ذلك الربيع للجميع .. والجميع الآن في المدينة .. يرتاحون من عناء الحديبية، وذي قرد .. ويغتسلون من غبار السفر .. كانت المدينة بانتظارهم .. لكنها لم تكن بانتظار هذا الفارس الذي تعشقه مثلهم .. لكنها لا تستطيع احتضانه .. هذا الفارس الذي أتعبه الشوق إلى رسول الله ﷺ وأصحابه ولم يتعبه الأسر ولا السفر ولم تستطع أغلال قومه تحطيمه .. هو الذي حطمها وفر كالريح نحو مدينة الحرية والإيمان. وصل هذا المشتاق إلى المدينة فإذا هو:

стр. 899

أبو بصير في المدينة والمعاهدة بين النبي ﷺ وقريش لا تزال سارية المفعول والبنود .. فماذا سيكون مصيره وهو الهارب من قومه .. المهاجر إلى الله ورسوله ﷺ .. هل سيرده كما رد أبا جندل من قبل .. لقد (رجع النبي ﷺ إلى المدينة، فجاء أبو بصير -رجل من قريش- وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين. فقالوا: العهد الذي جعلت لنا. فدفعه ﷺ إلى الرجلين، فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدًا، فاستله الآخر، فقال: أجل .. والله إنه لجيد، لقد جربت به ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني انظر إليه، فأمكنه منه، فضربه به حتى برد (١) وفر الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله ﷺ حين رآه: لقد رأى هذا ذعرًا. فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال: قتل صاحبي وإني لمقتول، فجاء أبو بصير، فقال: يا نبي الله .. قد والله أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم. قال النبي ﷺ : ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد. فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر) (٢) في هذه الأثناء التي لجأ فيها أبو بصير إلى جوار البحر .. فر أبو جندل من أسره وانطلق يحمل حريته بيديه .. وترامى إلى سمعه أن أبا بصير هناك على ساحل البحر الأحمر .. فانطلق إليه واتحد معه في تشكيل مساحة

стр. 900

من الرعب والخوف ليس لها حدود سوى الموت .. فبعد أن (قال النبي ﷺ ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر. وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام، إلا اعترضوا لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم) (١) وتركوا لقريش النواح على قتلاها والندم على صدها لمحمد وأصحابه .. والندم على تلك الشروط التي زرعت في طريقها أولئك الأسود .. أولئك الشباب الذين ضيقت عليهم طواغيت الشرك كل طرق الحياة الهانئة .. وأشرعت لهم طريقًا واحدًا .. طريق العنف المضاد .. فحول أولئك الشباب ذلك الطريق إلى نهر تهدر فيه دماء قريش وكرامتها .. أما محمد ﷺ فهو في حل مما يحدث .. ولا مسؤولية عليه مادام هذا العنف المضاد لا يمارس داخل حدود دولته .. فقد رفض استقبال أولئك المظلومين تنفيذًا لشروط قريش وإرادتها الظالمة .. فلتتحمل قريش مسؤولية طغيانها .. أما النبي ﷺ .. فبعد أن رد صاحبه أبا بصير الذي جعلته المعاهدة طريدًا شريدًا .. لا يملك مساحة يعيش عليها سوى مساحة سيفه .. توجه ﷺ إلى أصحابه المتعبين من طول السفر وأمرهم بالاستعداد من جديد .. لسفر جديد .. فقد أمن شر قريش .. وأشغلها أبو بصير وأبو جندل ومن معهما بالرعب المشروع والسيوف الملتهبة .. وقد حان تأديب أحد أطراف معركة الخندق .. وهم اليهود القابعون في حصون خيبر .. فلا يكفي قتل قائدهم الخائن أبي رافع (سلَّام ابن أبي

стр. 901

الحقيق) وهو داخل حصنه في خيبر .. ففي داخل ذلك الحصن أكثر من سلَّام .. وأكثر من خيانة .. لذلك قرر ﷺ . غزو خيبر وذلك بعد ثلاثة أيام فقط من عودته من غزوة ذي قرد .. يقول سلمة ابن الأكوع ﵁ في نهاية حديثه عن سباقه مع ذلك الأنصاري: (فسبقته إلى المدينة. فوالله، ما لبثنا إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر مع رسول الله ﷺ ) (١). وقبل أن يخرج النبي ﷺ دعا صحابيًا جليلًا يدعى سباع بن عرفطة فأمره بالبقاء في المدينة، ثم توجه إلى (خيبر وقد استخلف سباع بن عرفطة على المدينة) (٢) وجعله أميرًا عليها ثم سار إلى خيبر .. وفي الطريق خيم الليل وانتشرت نجومه .. فأيقظ ذلك المناخ المخملي شجون أحد الصحابة .. وحرك مشاعره .. فالتفت إلى عم سلمة بن الأكوع واسمه: عامر .. وكان داخل عامر ﵁ من الأجواء ما يوازي ذلك المناخ .. وما يشبع حاجة ذلك الصحابي ويطربه .. فقد كان عامر شاعرًا .. وكان عذب الصوت أيضًا .. فطلب منه أن يتغنى بأبيات ومشاعر .. يقول سلمة ﵁: (خرجنا مع النبي ﷺ إلى خيبر .. فتسيرنا ليلًا، فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع: ألا تسمعنا من هنيهاتك؟ وكان عامر رجلًا شاعرًا، فنزل يحدو بالقوم "فجعل عمي عامر يرتجز" بالقوم يقول:

стр. 902

اللَّهم لولا أنت ما اهتدينا .... ولا تصدقنا ولا صلينا فاغفر فداء لك ما اقتفينا .... وثبت الأقدام إن لاقينا وألقين سكينة علينا .... إنا إذا صيح بنا أتينا "والمشركون قد بغوا علينا" .... وبالصياح عولوا علينا فقال رسول الله ﷺ : من هذا السائق؟ قالوا: عامر. قال: يرحمه الله "غفر لك ربك .. قال: وما استغفر رسول الله ﷺ لإنسان يخصه إلا استشهد. فنادى عمر بن الخطاب، وهو على جمل: يا نبي الله .. لولا ما متعتنا بعامر" فقال رجل من القوم: وجبت يا رسول الله .. لولا أمتعتنا به) (١). يا لها من ليلة .. تغنى فيها عامر وحرك مشاعر الصحابة .. وشد حداؤه النبي ﷺ حتى سأل عنه .. فدعا له بالمغفرة والرحمة .. وبشره بالشهادة .. فتمنى عمر بقاءه بينهم .. مشهد عذب يقدمه ﷺ للمتنطعين .. لم يكن الشعر حميمًا في طريق خيبر فحسب .. فالشعر في كل مكان تتحرك فيه المشاعر .. ولئن تحركت مشاعر عامر وهو في طريقه إلى خيبر .. فلقد تحركت مشاعر عبقري الإِسلام وذاكرته وهو في طريقه إلى المدينة .. إلى النبي ﷺ .. العلم يمان .. وهذا اليماني العظيم .. المتعطش للنبي ﷺ .. المتعطش للعلم .. في طريقه للمدينة.

стр. 903

أبو هريرة في الطريق قادم من دوس .. من اليمن .. ذاكرة تحلم بأحاديث الحبيب ﷺ ليس بين سطورها مكان للدينار والدرهم .. أبو هريرة قادم لا يملك من الدنيا سوى غلام .. وحتى هذا الغلام ضاع .. خيم الليل والفقر على أبي هريرة .. وخيم الشعر كذلك .. لـ (أنه لما أقبل يريد الإِسلام ومعه غلام ضل كل واحد منهما من صاحبه) (١) يقول ﵁ عن تلك الليلة: (لما قدمت على النبي ﷺ قلت في الطريق: يا ليلة من طولها وعنائها .... على أنها من دارة الكفر وأبق مني غلام في الطريق) (٢) واصل أبو هريرة معاناته ومسيره حتى وضعته أقدامه على أرض المدينة .. وربما كانت أمه بصحبته فقد كان من أعظم الناس برًا .. رغم كفرها ورفضها للإسلام .. وصل أبو هريرة ليلًا فلم يجد النبي ﷺ .. سأل عنه فقالوا له إنه قد توجه إلى خيبر .. سأل عن نائبه في المدينة .. فقيل له إنه يدعى سباع بن عرفطة الغفاري ﵁ .. لم يكن أبو هريرة وحيدًا في رحلته .. لـ: (أن أبا هريرة قدم المدينة في نفر من قومه وافدين وقد خرج رسول الله ﷺ إلى خيبر، واستخلف على المدينة رجلًا من بني غفار يقال له: سباع بن عرفطة، فأتيناه وهو في صلاة الصبح، فقرأ في الركعة الأولى: كهيعص، وقرأ في الركعة الثانية: ويل للمطففين. قال أبو هريرة: فأقول في الصلاة: ويل لأبي فلان له مكيالان، إذا اكتال اكتال بالوافي , وإذا كال .. كال بالناقص، فلما فرغنا من صلاتنا أتينا سباعًا،

стр. 904

فزودنا شيئًا حتى قدمنا على رسول الله ﷺ (١) لم يتحرك أبو هريرة ومن معه فقط نحو أرض خيبر .. كان هناك من يشق عباب البحر نحو خيبر .. سفينة تحمل المؤمنين .. تحمل الغرباء المعذبين .. جعفر بن أبي طالب وزوجته ومن معهما من المهاجرين الأولين .. أبو موسى الأشعري ومن معه من مهاجري اليمن .. اجتمعوا في الحبشة .. ولما وصلهم خبر الحديبية واستقرار الأمر على الصلح .. ركبوا أمواج البحر والفرح حتى قذفتهم على سواحل البحر الشرقية .. رياح المشاعر كلها نحو خيبر .. هبَّ الجميع نحوها إلا: علي بن أبي طالب يتخلف في المدينة لم يأمره النبي ﷺ بالبقاء .. ولم يعينه بديلًا لسباع بن عرفطة فما الذي يجعلك يا أبا الحسن بعيدًا عن حبيبك؟ سلمة بن الأكوع يجيب عن علي ﵄ فيقول: (كان علي ﵁ تخلف عن النبي ﷺ في خيبر وكان رمدًا، فقال: أنا أتخلف عن النبي ﷺ , فلحق به) (٢) إذا فهو الرمد .. وكيف يقاتل المرء وعينه مصابة بالرمد .. لكن علي ﵁ قرر ذلك .. وطار نحو حبيبه ﷺ متناسيًا معاناته ومرضه وعينه .. حتى وصل إلى النبي ﷺ الرجال على الخيل والإبل والأقدام من كل مكان يتجهون نحو مهوى الفؤاد وقرة العين محمد ﷺ .. ونحو خيبر ..

стр. 905

لكن هناك من سبقهم .. وتغلغل في حصن اليهود قبلهم .. القمر .. يهوي من السماء فيقع في حصن خيبر .. فيصيب أحدهم الفزع .. ما هي قصة ذلك القمر الذي هوى في حصن خيبر في ذلك الحصن .. حيث الظلام في كل مكان .. حيث اليهود نيام ورسول الله ﷺ في طريقه إلى خيبر .. كانت هناك فتاة من اليهود من بني النضير قدمت خيبر مع أبيها .. وقد قتل أبوها بعد خيانته لله ورسوله بعد معركة الخندق .. وقد تزوجت هذه الفتاة من يهودي يقال له "كنانة بن أبي الحقيق) إنها في لياليها الأولى .. وهي الآن تغط في نوم العرائس .. لكنها ترى شيئًا عجيبًا .. لقد رأت في منامها القمر يهوي من السماء ليستقر في أحضانها .. نهضت الفتاة من نومها .. فأخبرت عريسها .. ربما كانت تظن أن هذه الرؤيا ستسعده كما سعدت بها .. لكن هذا العريس فسر هذه الرؤيا بطريقة فريدة من نوعها .. لقد كان تفسيره لهذه الرؤيا لكمة بقبضته القاسية إلى ذلك الوجه الجميل .. لكمة اخضرت منها عيناها .. من هذه الفتاة؟ ومن هو زوجها الملاكم هذا؟ وما تفسير هذه الرؤيا؟

стр. 906

على أرض خيبر .. وفي إحدى حصونها .. تزف الآن أميرة إلى أمير .. يحتفل اليهود بذلك الزفاف على طريقتهم الخاصة .. توجه العروسان إلى مخدعهما بعد أن حل الظلام على تلك الأرض وتلك الحصون .. وبعد أن نامت العروس ونام الأمير ونام الجميع ساد السكون والظلام على أرض خيبر وسمائها .. وفجأة ظهر البدر في السماء .. لم يشاهده أحد سوى الأميرة .. وعندما رمته بطرفها هوى بين يديها واستقر برفق في أحضانها .. انتبهت الأميرة فإذا هو حلم لكنها لا تعرف تفسيره .. وعندما استيقظ أميرها توجهت إليه بود علها تجد لديه تفسيرًا لذلك الحلم .. لكن ذلك الأمير كان أرعنًا عديم التهذيب .. فقبل أن ينطلق لسانه بالتفسير .. انطلقت قبضته القاسية نحو ذلك الوجه الجميل بلكمة شديدة اخضرت منها عيناها .. ثم بصق بكلمات هي أشد من تلك اللكمة على مشاعر تلك الفتاة .. لقد اتهم هذا الجلف المدعو: (كنانة بن أبي الحقيق) (١) هذه الفتاة بأنها تحلم بالزواج من ملك المدينة يعني النبي محمد ﵇ ..

стр. 907

بينما تقول تلك الأميرة واسمها صفية بن حيي بن أخطب: "كان رأسي في حجر ابن أبي حقيق وأنا نائمة فرأيت كأن قمرًا وقع في حجري فأخبرته بذلك [قلت لزوجي: إني رأيت فيما يرى النائم قمرًا وقع في حجري] فلطمني وقال: تمني ملك يثرب" (١) آلمتها تلك اللكمة .. وأحزنها ذلك التفسير لأنها تقول: "وما كان أبغض إلي من رسول الله .. قتل أبي" حيي بن أخطب. إذًا فهذان العروسان يحملان بغضًا شديدًا لهذا النبي القادم من ديار صفية .. من المدينة .. وهما يشتركان في حمل ثأر ثقيل ومرير .. أما النبي ﷺ فهو في طريقه إلى خيبر .. وقبل خروجه من المدينة توجه بحديثه إلى صاحبه الكريم أبي طلحة زوج أم سليم فـ"قال لأبي طلحة: التمس غلامًا من غلمانكم يخدمنى حتى أخرج من خيبر" (٢). لم يجد أبو طلحة أنسب من أنس بن مالك ابن زوجته أم سليم ﵃ جميعًا .. استبشر أنس هذه الوظيفة - الشرف .. وحدث من حوله فقال: "فخرج بي أبو طلحة مردفي وأنا غلام راهقت الحلم فكنت أخدم رسول الله ﷺ إذا نزل" (٣). كان ذلك المسير يهدف إلى تجفيف منابع الغدر المنحدر من أرض

стр. 908

خيبر .. أما تاريخ المسير فكان في شهر محرم .. وفي الطريق كان النبي ﷺ يقرأ كل احتمالات الخطر .. وعندما وصل ﷺ إلى وادٍ بين غطفان وخيبر يقال له الرجيع .. توقف لقطع أي إمداد عسكري قد تقوم به غطفان لأصدقائها اليهود .. يقول أحد الصحابة إن النبي ﷺ : "سار إلى خيبر في المحرم .. فنزل رسول الله بالرجيع -واد بين خيبر وغطفان- فتخوف أن تمدهم غطفان .. فبات به حتى أصبح فغدا إليهم" (١). كان مسير ذلك النبي ﷺ وجيشه حالة من التماهي والود تثير المشاعر والدهشة .. كان ﷺ في مسيره ذلك يفتح لهم قلبه .. يفتح لهم الكنوز ليأخذوا منها ما شاءوا فـ"لما غزا رسول الله ﷺ خيبر أو لما توجه رسول الله ﷺ أشرف الناس على واد .. فرفعوا أصواتهم بالتكبير: الله أكبر .. الله أكبر لا إله إلا الله فقال رسول الله ﷺ : أربعوا على أنفسكم .. إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا .. إنكم تدعون سميعًا قريبًا .. وهو معكم" (٢) يقول ذلك الصحابي: "وأنا خلف دابة رسول الله ﷺ .. فسمعني وأنا أقول: لا حولى ولا قوة إلا بالله.

стр. 909

فقال لي: يا عبد الله بن قيس .. قلت: لبيك يا رسول الله. قال: ألا أدلك على كلمة من كنز من كنوز الجنة؟ قلت: بلى يا رسول الله .. فداك أبي وأمي. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله" (١). ورآه مولاه شقران ﵁ في فسحة جديدة لهذه الأمة .. وسياحة مع الله دون مشقة أو تعب .. يقول شقران: "رأيته يعني النبي ﷺ متوجهًا يوم خيبر على حمار، يصلي يومئ إيماء" (٢). دون الحاجة إلى مس ظهر الحمار أو مس وجه الأرض .. أو القيام عليها .. بل دون التوجه إلى القبلة .. وكان ﷺ لا يبالي أين اتجه به الحمار. يقول ابن عمر ﵁: "رأيت رسول الله ﷺ يصلي على حمار وهو موجه إلى خيبر" (٣) وخيبر في جهة الشمال والطريق متعرج والنبي يحتاج إلى التعرج معه .. ويقول ابن عمر "إن النبي ﷺ كان يصلي على راحلته حيث توجهت به" (٤). وكان ﷺ يتفقد أصحابه في كل جهة .. فلم يكن بمعزل عنهم مكتفيًا بإصدار الأوامر والنواهي .. كان يشملهم برعايته ويحتضنهم بقلبه .. "كان رسول الله ﷺ يتخلف في المسير فيزجي الضعيف ويردف ويدعو لهم" (٥).

стр. 910

وكانوا كلهم يخدمونه .. ويتسابقون من أجل ذلك رغم أن النبي ﷺ قد حدد من يخدمه .. هذا أحدهم أنس بن مالك يقول ﵁: "إن النبي ﷺ قال لأبي طلحة التمس غلامًا من غلمانكم يخدمني حتى أخرج إلى خيبر، خرج بي أبو طلحة مردفي وأنا غلام راهقت الحلم، فكنت أخدم رسول الله ﷺ إذا نزل فكنت أسمعه كثيرًا يقول: اللَّهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والبخل والجن وضلع الدين وغلبة الرجال" (١) سمع أنس ذلك الدعاء، لكن غيره: سمع دعاء جديدًا وذلك بعد صلاة الفجر .. خلال تلك الأجواء الساحرة .. وليس هناك أجمل من فجر الصحاري .. وليس هناك ألذ من النهوض فيها .. كان ﷺ "يحرك شفتيه بشيء بعد صلاة الفجر، فقيل له: يا رسول الله .. إنك تحرك شفتيك بشيء ما كنت تفعله .. فما هذا الذي تقول؟ قال ﷺ : أقول: اللَّهم بك أحاول وبك أقاتل وبك أصاول" (٢). فجر جديد معطر بالنشاط والتوحيد .. حمل الصحابة ﵃ مع نبيهم حتى وصلوا إلى مكان يقال له: الصهباء .. وذلك قبل العصر .. وكان: الوصول إلى الصهباء يعني الاقتراب جدًا من خيبر .. فالصهباء هي أول منطقة خيبر .. يقول أحد

стр. 911

الصحابة واسمه: سويد بن نعمان: "إنه خرج مع رسول الله ﷺ عام خيبر .. حتى إذا كانوا بالصهباء -وهي أدنى خيبر- فصلى العصر .. ثم دعا بالأزواد .. فلم يؤت إلا بالسويق .. فأمر به .. فثري .. فأكل رسول الله وأكلنا .. ثم قام إلى المغرب .. فمضمض .. ومضمضنا .. ثم صلى ولم يتوضأ" (١). ثم سار ﷺ حتى وصل إلى مشارف حصون خيبر .. هنا توقف ﷺ ليتأكد من أن يهود خيبر مازالوا على غدرهم وكفرهم وأن أرضهم خالية من الإِسلام .. سينتظر حتى بزوغ الفجر .. فإذا لم يرفع الأذان من داخل الحصون .. فإنه سيشن غارته عليهم .. لا أذان في حصون خيبر ويقول أنس ﵁: "كنت ردف أبي طلحة يوم خيبر وقدمي تمس قدم رسول الله ﷺ .. فأتيناهم حين بزغت الشمس وقد أخرجوا مواشيهم وخرجوا بفؤوسهم ومكاتلهم ومرورهم" (٢). (وكان إذا غزا بنا قومًا لم يغزُ بنا حتى يصبح وينظر .. فإن سمع أذانًا كف عنهم .. وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم. فخرجنا إلى خيبر .. فانتهينا إليهم ليلًا .. فلما أصبح ولم يسمع أذانًا ركب .. وركبت خلف أبي طلحة .. وإن قدمي لتمس قدم النبي ﷺ . فخرجوا إلينا بمكاتلهم ومساحيهم [خرجوا بالمساحي على أعناقهم] فلما رأوا النبي ﷺ قالوا: محمد .. والله محمد والخميس [فلجأوا إلى الحصن]

стр. 912

فلما رآهم رسول الله ﷺ [رفع النبي يديه] قال: "الله أكبر .. الله أكبر خربت خيبر .. إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين") (١). سمع اليهود التكبير .. ورأوا خيل الله تزحف نحوهم فلجأوا إلى حصونهم .. وتركوا الرعب والجيش يتجولان في أزقة خيبر وشوارعها .. أما الحصون فقد اكتظت بالجبن واليهود .. فاحتل جيش الإِسلام ما أمامه من مساحات دون الحصون "فغلب على النخل والأرض" وأرجأ فتح الحصون إلى الغد لصعوبة اقتحامها .. ولما جاء الغد نادى ﷺ صاحبه الصديق .. أبو بكر يقود أول حملة على حصون خيبر ناداه النبي ﷺ وأعطاه الراية .. فامتثل ﵁ دون تردد .. يقول بريدة "حاصرنا خيبر فأخذ اللواء أبو بكر ولم يفتح له" (٢) أي لم يتمكن من فتح حصن خيبر .. وكانت تلك السرية لتضم ثلة من شجعان الصحابة إلا واحدًا .. هو علي بن أبي طالب الذي كان يشكو من رمد في عينيه .. وفي اليوم الثاني كرر النبي ﷺ المحاولة .. لكنه أعطى اللواء هذه المرة لـ: عمر بن الخطاب يقول الحملة الثانية يقول بريدة وهو أحد الذين شاركوا في تلك الحملات: "وأخذ من الغد عمر فانصرف ولم يفتح له .. وأصاب الناس يومئذ شدة وجهد" فقد حاولوا وحاولوا ولكن شدة التحصين كانت حائلًا دون الفتح .. لكن

стр. 913

النبي ﷺ -رغم ذلك- يبشر بفتح خيبر .. فبعد أن استعصت تلك الحصون على السرية الأولى والثانية "قال رسول الله ﷺ : إني دافع لوائي غدًا إلى رجل يحب الله ورسوله .. ويحبه الله ورسوله لا يرجع حتى يفتح له" (١) "يفتح الله على يديه ليس بفرّار" (٢). كانت المشاعر تحاصر حصون خيبر .. وتدفع بالشمس نحو الشروق .. هبت أنسام الفجر فنهض الصحابة للصلاة .. وعندما أشرقت الشمس خرج أشجع رجل في اليهود. ملك خيبر يبحث عن مبارز رجل جمع الملك والفروسية .. فمن سيتصدى له .. ؟ أتذكرون ذلك الشاعر الذي كان يطرب الصحابة في الطريق إلى خيبر .. إنه عم سلمة بن الأكوع .. واسمه عامر بن الأكوع .. عامر هذا جمع الفروسية والشعر والحداء والتحدي أيضًا .. يقول ابن أخيه سلمة: "خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه ويقول: قد علمت خيبر أني مرحب .. شاكي السلاح بطل مجرب .. إذا الحروب أقبلت تلهب وبرز له عمي عامر فقال:

стр. 914

قد علمت خيبر أني عامر ... شاكي السلاح بطل مغامر فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر .. وذهب عامر يسفل له .. فرجع سيفه على نفسه .. فقطع أكحله فكانت فيها نفسه .. فخرجت فإذا أصحاب النبي ﷺ يقولون بطل عمل عامر .. قتل نفسه .. فأتيت النبي ﷺ وأنا أبكى .. فقلت: يا رسول الله بطل عمل عامر؟ قال رسول الله ﷺ : من قال ذلك؟ قلت: أناس من أصحابك. قال: كذب من قال ذلك .. بل له أجره مرتين ثم أرسلني إلى" (١) .. فارس خيبر لهذا اليوم .. لكن تفاصيلًا حدثت قبل إرساله نحتاج إلى معرفتها .. فالصحابة ينتظرون اسم الفارس الذي سيفتح خيبر .. يقول سهل بن سعد عن تشوق الصحابة وتجمعهم لذلك: "فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها" (٢) كل الصحابة يرجونها .. كلهم مرشحون إلا واحدًا .. عمر بن الخطاب يحدثنا عن مشاعر ذلك الصباح فيقول: "فما أحببت الامارة قبل يومئذ .. فتطاولت لها .. واستشرفت رجاء أن يدفعها إلي" (٣) وبريدة ﵁ يقول: "وأنا فيمن تطاول لها" (٤).

стр. 915

أما النبي ﷺ فقد كرر بث الحماس في أصحابه كما فعل في غزوة أحد فقال: من يأخذ الراية بحقها؟ "أخذ رسول الله الراية فهزها ثم قال: من يأخذها بحقها؟ فجاء الزبير فقال: أنا فقال: أمط ثم قام رجل آخر فقال: أنا فقال: أمط ثم قام آخر .. فقال: أنا فقال: أمط فقال رسول الله ﷺ : والذي أكرم محمد لأعطينها رجلًا لا يفر بها" (١). صرح النبي ﷺ بفارس هذا اليوم ونطق باسمه .. كان اسمًا غير مطروح ولا متوقع .. نظرًا لظروف هذا الفارس والحالة التي يمر بها .. فهو لم يشارك في أي سرية من السرايا .. وما أخرجه من المدينة سوى الشوق لنبيه ﷺ وإلا فهو في حالة عذر عن القيام بأعباء الجهاد .. بل إنه عاجز تمامًا عن الجهاد .. رغم ذلك كله: النبي ﷺ ينادي عليًا غدا الصحابة "على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: يشتكي عينيه يا رسول الله .. فأرسلوا إليه فأتوني به" (٢).
следующие страницы →