الصحابة واسمه: سويد بن نعمان: "إنه خرج مع رسول الله ﷺ عام خيبر .. حتى إذا كانوا بالصهباء -وهي أدنى خيبر- فصلى العصر .. ثم دعا بالأزواد .. فلم يؤت إلا بالسويق .. فأمر به .. فثري .. فأكل رسول الله وأكلنا .. ثم قام إلى المغرب .. فمضمض .. ومضمضنا .. ثم صلى ولم يتوضأ" (١).
ثم سار ﷺ حتى وصل إلى مشارف حصون خيبر ..
هنا توقف ﷺ ليتأكد من أن يهود خيبر مازالوا على غدرهم وكفرهم وأن أرضهم خالية من الإِسلام .. سينتظر حتى بزوغ الفجر .. فإذا لم يرفع الأذان من داخل الحصون .. فإنه سيشن غارته عليهم ..
لا أذان في حصون خيبر
ويقول أنس ﵁: "كنت ردف أبي طلحة يوم خيبر وقدمي تمس قدم رسول الله ﷺ .. فأتيناهم حين بزغت الشمس وقد أخرجوا مواشيهم وخرجوا بفؤوسهم ومكاتلهم ومرورهم" (٢).
(وكان إذا غزا بنا قومًا لم يغزُ بنا حتى يصبح وينظر .. فإن سمع أذانًا كف عنهم .. وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم.
فخرجنا إلى خيبر .. فانتهينا إليهم ليلًا .. فلما أصبح ولم يسمع أذانًا ركب .. وركبت خلف أبي طلحة .. وإن قدمي لتمس قدم النبي ﷺ .
فخرجوا إلينا بمكاتلهم ومساحيهم [خرجوا بالمساحي على أعناقهم] فلما رأوا النبي ﷺ قالوا: محمد .. والله محمد والخميس [فلجأوا إلى الحصن]
стр. 912
فلما رآهم رسول الله ﷺ [رفع النبي يديه] قال: "الله أكبر .. الله أكبر خربت خيبر .. إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين") (١).
سمع اليهود التكبير .. ورأوا خيل الله تزحف نحوهم فلجأوا إلى حصونهم .. وتركوا الرعب والجيش يتجولان في أزقة خيبر وشوارعها .. أما الحصون فقد اكتظت بالجبن واليهود .. فاحتل جيش الإِسلام ما أمامه من مساحات دون الحصون "فغلب على النخل والأرض" وأرجأ فتح الحصون إلى الغد لصعوبة اقتحامها .. ولما جاء الغد نادى ﷺ صاحبه الصديق ..
أبو بكر يقود أول حملة على حصون خيبر
ناداه النبي ﷺ وأعطاه الراية .. فامتثل ﵁ دون تردد .. يقول بريدة "حاصرنا خيبر فأخذ اللواء أبو بكر ولم يفتح له" (٢) أي لم يتمكن من فتح حصن خيبر .. وكانت تلك السرية لتضم ثلة من شجعان الصحابة إلا واحدًا .. هو علي بن أبي طالب الذي كان يشكو من رمد في عينيه .. وفي اليوم الثاني كرر النبي ﷺ المحاولة .. لكنه أعطى اللواء هذه المرة لـ:
عمر بن الخطاب يقول الحملة الثانية
يقول بريدة وهو أحد الذين شاركوا في تلك الحملات: "وأخذ من الغد عمر فانصرف ولم يفتح له .. وأصاب الناس يومئذ شدة وجهد" فقد حاولوا وحاولوا ولكن شدة التحصين كانت حائلًا دون الفتح .. لكن
стр. 913
النبي ﷺ -رغم ذلك- يبشر بفتح خيبر .. فبعد أن استعصت تلك الحصون على السرية الأولى والثانية "قال رسول الله ﷺ : إني دافع لوائي غدًا إلى رجل يحب الله ورسوله .. ويحبه الله ورسوله لا يرجع حتى يفتح له" (١) "يفتح الله على يديه ليس بفرّار" (٢).
كانت المشاعر تحاصر حصون خيبر .. وتدفع بالشمس نحو الشروق .. هبت أنسام الفجر فنهض الصحابة للصلاة .. وعندما أشرقت الشمس خرج أشجع رجل في اليهود.
ملك خيبر يبحث عن مبارز
رجل جمع الملك والفروسية .. فمن سيتصدى له .. ؟ أتذكرون ذلك الشاعر الذي كان يطرب الصحابة في الطريق إلى خيبر .. إنه عم سلمة بن الأكوع .. واسمه عامر بن الأكوع .. عامر هذا جمع الفروسية والشعر والحداء والتحدي أيضًا ..
يقول ابن أخيه سلمة: "خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه ويقول:
قد علمت خيبر أني مرحب .. شاكي السلاح بطل مجرب .. إذا الحروب أقبلت تلهب وبرز له عمي عامر فقال:
стр. 914
قد علمت خيبر أني عامر ... شاكي السلاح بطل مغامر
فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر .. وذهب عامر يسفل له .. فرجع سيفه على نفسه .. فقطع أكحله فكانت فيها نفسه ..
فخرجت فإذا أصحاب النبي ﷺ يقولون بطل عمل عامر .. قتل نفسه ..
فأتيت النبي ﷺ وأنا أبكى .. فقلت: يا رسول الله بطل عمل عامر؟
قال رسول الله ﷺ : من قال ذلك؟ قلت: أناس من أصحابك.
قال: كذب من قال ذلك .. بل له أجره مرتين ثم أرسلني إلى" (١) .. فارس خيبر لهذا اليوم .. لكن تفاصيلًا حدثت قبل إرساله نحتاج إلى معرفتها .. فالصحابة ينتظرون اسم الفارس الذي سيفتح خيبر .. يقول سهل بن سعد عن تشوق الصحابة وتجمعهم لذلك:
"فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها" (٢) كل الصحابة يرجونها .. كلهم مرشحون إلا واحدًا .. عمر بن الخطاب يحدثنا عن مشاعر ذلك الصباح فيقول:
"فما أحببت الامارة قبل يومئذ .. فتطاولت لها .. واستشرفت رجاء أن يدفعها إلي" (٣) وبريدة ﵁ يقول: "وأنا فيمن تطاول لها" (٤).
стр. 915
أما النبي ﷺ فقد كرر بث الحماس في أصحابه كما فعل في غزوة أحد فقال: من يأخذ الراية بحقها؟
"أخذ رسول الله الراية فهزها ثم قال: من يأخذها بحقها؟
فجاء الزبير فقال: أنا
فقال: أمط ثم قام رجل آخر فقال: أنا فقال: أمط ثم قام آخر .. فقال: أنا فقال: أمط فقال رسول الله ﷺ : والذي أكرم محمد لأعطينها رجلًا لا يفر بها" (١).
صرح النبي ﷺ بفارس هذا اليوم ونطق باسمه .. كان اسمًا غير مطروح ولا متوقع .. نظرًا لظروف هذا الفارس والحالة التي يمر بها .. فهو لم يشارك في أي سرية من السرايا .. وما أخرجه من المدينة سوى الشوق لنبيه ﷺ وإلا فهو في حالة عذر عن القيام بأعباء الجهاد .. بل إنه عاجز تمامًا عن الجهاد .. رغم ذلك كله:
النبي ﷺ ينادي عليًا
غدا الصحابة "على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: يشتكي عينيه يا رسول الله .. فأرسلوا إليه فأتوني به" (٢).
стр. 916
كان علي بن أبي طالب ﵁ خارج قوائم الترشيح عند الصحابة .. حتى لقد قال سلمة بن الأكوع: "فإذا نحن بعلي وما نرجوه" (١).
وذلك لشدة الرمد الذي أصاب عينيه .. بل إن عليًا نفسه لا يتوقع ذلك .. وإلا لجاء مع الصحابة المتلهفين إلى الإمساك بالراية .. لقد كان عليًا مشغولًا بعينيه ومرضه .. لكن قوة إيمانه وعزمه حملاه على المشاركة المعنوية بعد أن تعذرت عليه المشاركة البدنية .. إن كرامة الله لعلي ﵁ تشابه كرامته لعمرو بن الجموح وعبد الله بن حرام .. شيخان انتزعا نفسيهما من ظروف قاهرة وصعبة .. عمرو بن الجموح كان شديد العرج .. وعبد الله بن حرام لديه تسع بنات .. أما علي ﵁ فقد قال لنفسه بعد أن غادر النبي ﷺ أصحابه نحو خيبر "أنا أتخلف عن النبي ﷺ فلحق به" (٢).
غدًا موعد لفتح جديد .. وغدًا ستشرق الشمس على أرض جديدة بالإِسلام .. وأرض جديدة للإسلام .. لكن ماذا عن فاتحها وهل هذه الصفات لا تنطبق إلا على رجل واحد فقط .. ؟ الصفات والأحداث تقول: لا .. فالنبي ﷺ قال: يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله .. وهذا الجيش ينعم كله بهاتين الصفتين .. لأنه جيش الحديبية الذي قال الله عنه: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِم مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾.
أما قول النبي ﷺ : ليس بفرار .. فهذه الصفة يتزين أبو بكر وعمر
стр. 917
وعلي وأبو عبيدة والزبير وابن عوف وابن عبادة والمقداد وأبو دجانة وسعد بن أبي وقاص وغيرهم .. وغيرهم.
إذًا فهو تكريم من الله للفاتح غدًا .. كتكريمه لوالد جابر بن عبد الله في غزوة أحد .. ولا شيء يؤكد هذا مثل الشعور الذي انتاب الصحابة وهم ينتظرون ذلك الغد على أحر من الشوق .. هذا بريدة ﵁ يتحدث عن مشاعر الصحابة فيقول: "فما منا إنسان له منزلة عند رسول الله ﷺ إلا هو يرجو أن يكون صاحب اللواء" (١) ثم يتحدث ﵁ عن مشاعره الخاصة فيقول: (وأنا فيمن تطاول لها) (٢) ويقول سهل بن سعد: "فبات الناس يدكون ليلتهم أيهم يعطاها" (٣) أما عمر بن الخطاب فيصف شوقه قائلًا: "ما أحببت الأمارة إلا يومئذ فتساورت لها رجاء أن أدعى لها" (٤).
امتثل الصحابة فبعثوا سلمة بن الأكوع إلى علي .. فوجده على حال يرثى لها .. وصل "إلى علي وهو في الرحى يطحن" (٥) لإخوانه المجاهدين .. فاكتفى علي بأن يكون خادمًا لنبيه وإخوانه. يقول سلمة ﵁: "فبعثني إلى علي وهو أرمد .. فجئت به أقوده" (٦).
стр. 918
"فجاء وهو أرمد لا يكاد أن يبصر" (١) "فقال: يا نبي الله ما أكاد أبصر فنفث في عينه" (٢) "ودعا له .. فبرأ كأن لم يكن به وجع" (٣) "وهز الراية ثلاثًا ثم دفعها إليه" (٤) وبعد أن أعطاه الراية أمره بأمر ينضح بالانتصارات .. أمر كالسيف:
لا تلتفت
أخذ فارس خيبر راية الإِسلام منطلقًا إلى حصون خيبر .. لكنه تذكر رسالته التي يحملها في صدره .. رسالته التي أخرجته من داره بمكة .. فهو لا يحتاج إلى دماء هؤلاء اليهود الخونة .. فهل سيلتفت والنبي ﷺ قد قال: ("امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك".
فسار علي شيئًا ثم وقف ولم يلتفت [للعزمة] فصرخ: يا رسول الله .. على ماذا أقاتل الناس؟ [أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟].
стр. 919
قال: "قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله فإذا فعلوا فقد منعوا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله") (١).
كل هذا التجاوز .. وكل هذه الأجواء الرحبة مفتوحة لليهود .. سيتم التغاضي عن خياناتهم وغدرهم يوم الأحزاب وقبله مقابل ماذا؟
مقابل الدخول في دين الله وعبادته وحده .. فالهدف ليس تطهير حصون خيبر وأرضها .. بل تطهير قلوب ساكنيها من الكفر الذي حول حياتهم وسلوكياتهم إلى خيوط وعقد من المؤامرات السوداء التي تخنق الأمن والأنفاس .. لم يعرض النبي ﷺ عليهم دفع فدية .. هو الإِسلام أو عقوبة الخيانة .. وبالإِسلام يحتفظون بأموالهم ودمائهم وديارهم .. لكنهم يهود.
أما علي المتوجه كالصاعقة نحوهم فقد قدم له النبي ﷺ ولأتباعه كلمات كالمطر .. قال ﷺ لعلي: "انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم .. ثم ادعهم إلى الإِسلام .. وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه .. فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم" (٢).
قدَّم ﷺ تلك النصائح لأنه لا يأس مع الدعوة إلى الله .. ولو كنت تخاطب خائنًا حاقدًا متطويًا داخل حصون خيبر ..
انطلق علي حاملًا رايته .. وحاملًا أملًا بدخول هؤلاء القوم في دين الله .. ولما نزل بساحتهم .. دعاهم إلى الإِسلام كما أمر .. لكنه جوبه
стр. 920
برفض قاطع .. وظن القوم أن هذا الجيش سيعود كما عاد في اليومين السابقين .. بل لقد فتح باب الحصن .. فخرج منه حتف عنيد .. وفارس مرعب .. اسمه مرحب .. وهو يتحدى الجميع مرحب .. مرحب يدعو للمبارزة
خرج مرحب فقال:
قد علمت خيبر أني مرحب
شاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلهب
فقال علي:
أنا الذي سمتني أمي حيدرة
كَلَيثِ غابات كريه المنظرة
أوفيهم بالصاع كيل السندرة
فضرب رأس مرحب فقتله (١).
وقتل معه ما تبقى من معنويات اليهود الذين أغلقوا حصونهم بعد هلاك ملكهم فقام علي ﵁ باقتحام حصنهم الأول ثم الذي يليه .. وأثناء ذلك سقط بعض الشهداء من المؤمنين والتحقوا بعامر بن الأكوع ﵁.
واشتد القتال والاقتحام .. وبدأت أرض خيبر تتحول إلى جديد يكتبه الصحابة بدمائهم .. سلمة بن الأكوع .. فارس بحجم جيش لكنه أصيب .. فأنقذته معجزة ساقها الله على يد رسول الله ﷺ .
стр. 921
معجزة لجراح سلمة
سأل رجل سلمة بعد أن: "رأى أثر ضربة في ساق سلمة .. : يا أبا مسلم ما هذه الضربة؟ فقال: هذه ضربة أصابتني يوم خيبر فقال الناس: أصيب سلمة فأتيت النبي ﷺ .. فنفث ثلاث نفثات فما اشتكيتها حتى الساعة" (١).
عاد سلمة إلى بقية الفرسان .. عاد إلى ساحة تختنق فيها الخيانة واليهود .. وانضم النبي ﷺ إلى جنوده يوجههم .. ويؤازرهم .. بل ويبتسم أحيانًا في وجوههم .. حدث ذلك عندما بدأ اليهود يتخلصون من بعض الأشياء التي قد يستفيد منها المسلمون القادمون لا محالة.
ابتسامة النبي ﷺ في وجه عبد الله بن مغفل
يقول ﵁: "كنا محاصرين قصر خيبر فرمى إنسان بجراب فيه شحم فنزوت لآخذه فالتفت فإذا النبي ﷺ [متبسمًا] فاستحييت" (٢).
كان اليهود يحاربون دون مواجهة .. خلف الحصون .. إلا من كان في مثل شجاعة وبأس ملكهم الهالك (مرحب) أما البقية فمن خلف تجاويف الأسوار ينفثون سهامًا كالموت .. فبينما كان أحد فرسان المسلمين يطارد خلالها شجعان اليهود .. وتطارده كلمات الإعجاب من المحاربين .. تطارده كل عبارات الثناء إلا عبارات تصدر أسفًا عليه .. كلمات أسف من النبي ﷺ على:
стр. 922
بطل آخر إلى النار
فبعد أن وصل أبو هريرة إلى أرض خيبر قال: "شهدنا مع رسول الله ﷺ خيبر فقال لرجل ممّن يدعي الإِسلام، هذا من أهل النار فلما حضر القتال قاتل الرجل قتالًا شديدًا فأصابته جراحة فقيل يا رسول الله الذي قلت إنه من أهل النار فإنه قد قاتل اليوم قتالًا شديدًا وقد مات فقال النبي ﷺ : إلى النار. قال فكاد بعض الناس أن يرتاب" (١).
أخذ هذا الرجل إلى مكان آخر لمداواته، لذلك سنتركه لنتابع أحداث المعركة على أن نعود إليه لاحقًا .. فقصته مثيرة ومؤثرة لكن الساحة الآن تشهد انحسار اليهود وتساقط أسوارهم .. قتل منهم من قتل ولاذ من بقي منهم بآخر حصونهم وأمنعها .. يقول عبد الله بن عمر ﵁: "إن رسول الله ﷺ قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى مقرهم .. فغلب على الأرض والنخل والزرع" (٢) ولم يبق لليهود سوى المقاومة أو الاستسلام .. فحول هذا السور فرسان كالموت الأحمر أحدهم:
بريدة والموت الأحمر
بريدة ﵁ توهج ذلك اليوم .. لكنه يرى أن توهجه ذلك كان أعظم ذنب ارتكبه في حياته منذ أسلم .. أما لماذا فالسؤال لا يعرف الإجابة عليه سوى بريدة حيث يقول:
"شهدت مع رسول الله ﷺ فتح خيبر .. فكنت فيمن صعد الثلمة ..
стр. 923
فقاتلت حتى رئي مكاني .. وأبليت وعلي ثوب أحمر .. فما علمت أني ركبت في الإِسلام أعظم منه .. قال: للشهرة" (١) فمهما كانت إنجازات المسلم عظيمة .. ومشاريعه عملاقة في تكريس هذا الدين إلا أنها تتوقف على بوابة القبول حتى تحصل على بطاقة يقال لها .. النقاء والإخلاص .. كما أن هذا النقاء لا يكفي إلا إذا كان العمل المصاحب له سليمًا من التحريف - بدعة أو نقصًا .. يقول سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ وهذا الأخير هو ما جعل بريدة قلقًا على جهاده يوم خيبر .. لقد خشي أن يكون شيئًا من الرياء قد تسرب إلى صفاء نيته فأفسده .. وأحبط عمله .. رقابة وضعها الإِسلام داخل أعماق أتباعه المخلصين وداخل أعمالهم لتبقى نقية بالتوحيد .. وكما خشي بريدة من انهيار عمله بسبب شعوره بالتفوق على الآخرين فإن رجلًا آخر لم تسعفه نيته عندما لوثها بتصرف لا يليق بمسلم .. ذلك هو الجريح الذي يعاني آلامًا شديدة من جراحه في المعركة .. فعندما جن عليه الليل جن جنونه من جرحه وآلامه فأراد أن يطلق رصاصة العذاب على تلك الآلام .. أراد أن يضع حدًا لمعاناته .. لكنه أساء العمل فحطم في الليل ما أنجزه في النهار .. يقول أبو هريرة ﵁:
"شهدنا مع رسول الله ﷺ يوم خيبر .. فقال -يعني لرجل يدعي الإِسلام-: هذا من أهل النار .. فلما حضرنا القتال قاتل الرجل قتالًا شديدًا فأصابته جراحة فقيل: يا رسول الله الرجل الذي قلت له: إنه من
стр. 924
أهل النار .. فإنه قتل اليوم قتالًا شديدًا وقد مات .. فقال النبي ﷺ : إلى النار .. فكاد بعض الناس أن يرتاب .. فبينما هم على ذلك إذ قيل: إنه لم يمت ولكن به جراح شديدة .. فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه فأخبر النبي ﷺ بذلك فقال: الله أكبر .. أشهد أني عبد الله ورسوله. ثم أمر بلالًا .. فنادى في الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة. وإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر" (١). هذا الرجل قتل نفسه بسهم .. وذلك قتل نفسه بسيفه على أرض المعركة يوم أحد وأثناء المعركة .. مع أن كلًا منهما أبلى وتألق وحاز كلمات الإعجاب .. لكن النهاية واحدة .. هي النار .. لأن من أخرجه الله عليه أن ينفذ تعاليم من أخرجه وإلا فليبحث له عن تبرير آخر لجهاده سوى سبيل الله .. ومن قتل نفسه فهو كمن قتل بريئًا دون ذنب فلا مكان في الإِسلام لرصاصة الرحمة المزعومة .. لأن المعاناة جزء من الجهاد وهي سبب للتطهير والتكفير والخلاص من الذنوب .. وما خرج المجاهد في سبيل الله إلا لذلك .. لا بد أن شعورًا بالمرارة خالج من رأى بداية هذا الرجل ونهايته .. لكنها ليست كالمرارة التي يشعر بها اليهود الآن والحصار يخنق أنفاسهم ..
قد يشعر اليهود بالمرارة .. لكن من المستبعد أن يشعروا بالندم على خياناتهم .. لأن الخيانة جزء من عقيدتهم التي كتبوها وأدرجوها ضمن كتابهم المقدس .. حتى الاستسلام الذي يطل من حصونهم الآن ما هو إلا استسلام يغلف خيانة جديدة ..
الاستسلام والخيانة
قرر اليهود أن يستسلموا .. بعد أن فقدوا كل شيء لـ"أن رسول
стр. 925
الله ﷺ قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى قصرهم فغلب على الأرض والزرع والنخل .. فصالحوه على أن يجلوا منها ولهم ما حملت ركابهم .. ولرسول الله ﷺ الصفراء والبيضاء .. ويخرجون منها .. فاشترط عليهم أن:
لا يكتموا شيئًا ..
لا يغيبوا شيئًا ..
فإن فعلوا ذلك فلا ذمة لهم ولا عصمة ..
فغيبوا مسكًا فيه مال وحلي لحيي بن أخطب كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير فقال رسول الله ﷺ لعم حيي ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير فقال أذهبته النفقات والحروب فقال ﷺ العهد قريب والمال أكثر من ذلك فدفعه رسول الله ﷺ إلى الزبير بن العوام فمسه بعذاب، وقد كان حيي قبل ذلك قد دخل خربة فقال: قد رأيت حييًا يطوف في خربة ها هنا فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في خربة فقتل رسول الله ﷺ ابني أبي حقيق، وأحدهما زوج صفية بنت حيي بن أخطب وسبى رسول الله ﷺ نساءهم وذراريهم وقسم أموالهم للنكث الذي نكثوه، وأراد أن يجليهم منها فقالوا يا محمد دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها ولم يكن لرسول الله ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها فكانوا لا يتفرغون أن يقوموا فأعطاهم خيبر" (١) لكن:
كيف يعطي النبي ﷺ خيبر لليهود
لقد قدم اليهود التماسًا للنبى ﷺ لم يستعجل برفضه .. بل وجده يعود
стр. 926
على دولته بالفائدة لا سيما وأن هناك ما يبرر قبوله .. فأرجأ ﵇ قرار الإجلاء إلى مدة مفتوحة على مصالح الدولة المسلمة .. قال عبد الله ابن عمر: "كان رسول الله ﷺ لما ظهر على أهل خيبر أراد أن يخرج اليهود منها وكانت الأرض لما ظهر عليها لليهود وللرسول وللمسلمين، فسأل اليهود رسول الله ﷺ أن يتركهم على أن يكفوا العمل ولهم نصف الثمر، فقال رسول الله ﷺ نقركم على ذلك ما شئنا" (١).
يقول ابن عمر: إن ذلك حدث بعد أن نظر ﵇ إلى رئيسهم التحدث باسمهم .. نظرة تقرأ خارطة الخيانة في عالم اليهود .. وألقى إليه بكلمات لا يصدق فيها إلا نبي .. قال له: "رسول الله ﷺ : كيف بك إذا أخرجت من خيبر تعدو بك قلوصك ليلة بعد ليلة؟ فقال: كانت هذه هزيلة من أبي القاسم. قال: كذبت يا عدو الله" (٢) تلك الكلمات الوقحة التي تلفظ بها ذلك اليهودي ما هي إلا بعض أنفاس اليهود متى ما أمنوا العقوبة .. أما المؤمنون فبعد أن تم لهم النصر .. ذهبوا يلقون عنهم عناء التعب .. والبعض أنهكه الجوع فذهب ليبحث عن لقمة لجوفه الخالي .. لكن هؤلاء لم يجدوا سوى بعض الحمير التي وجدوها خارج المدينة .. فقاموا بذبح بعضها وألقوا لحمها في قدورهم .. أحد هؤلاء اسمه: عبد الله يتحدث عن:
أكل لحوم الحمر الأهلية
يقول ﵁: "أصابتنا مجاعة يوم خيبر ونحن مع رسول الله ﷺ وقد أصبنا للقوم حمرًا خارجة من المدينة فنحرناها فإن قدورنا لتغلي إذ
стр. 927
نادى منادي رسول الله" (١) بشيء أبقى البطون خاوية .. فقد جاء فقال: "يا رسول الله أكلت الحمر ثم جاء آخر فقال يا رسول الله أفنيت الحمر فأمر رسول الله أبا طلحة فنادى إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر فإنها رجس أو نجس .. فأكفئت القدور بما فيها" (٢).
امتثل الصحابة لرسول الله ﷺ فقلبوا قدورهم .. واتجهوا إلى الخيل والبغال -وهي قليلة- علها تسد ما بهم من مجاعة .. يقول جابر بن عبد الله: "ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير فنهانا رسول الله ﷺ عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل" (٣) ولم يقتصر التحريم على هذين النوعين من الحيوانات فقط .. لقد حرم ﷺ لحوم حيوانات أخرى .. وحرم ممارسات أخرى ..
فبعد أن قال ﵇ إثر غزوة الخندق .. : "الآن نغزوهم ولا يغزوننا" .. وبعد صلح الحديبية .. ونزول سورة الفتح .. وبعد فتح خيبر ..
بدأ عمليًا توجه الإسلام نحو العالمية
بعد أن ظهر من رحم مكة ونهض من مهد المدينة .. ها هو الإِسلام يتهادى نحو العالم .. نحو جهات الدنيا الفسيحة كلها .. لم يعد الإِسلام مقتصرًا على المهاجرين والأنصار ولا على المدينة فقط .. ولا حتى على القرن الهجري الأول .. إنه للعالم .. للدنيا بأسرها .. ولكل القرون .. وما دام
стр. 928
الإِسلام بهذه المقاييس .. فلا بد أن يقدم مشروعًا يتضمن حلول الحاضر والمستقبل مهما بلغت البشرية من المدنية أو التحضر والرقي .. خيبر اليوم هي إحدى نقاط الانطلاق نحو العالم .. نحو مشاكل العالم والإنسانية ..
في خيبر لم يعد الإِسلام مأخوذًا بالتطهير الفكري والعقائدي فقط .. في خيبر أبحر الإِسلام إلى جزر عذراء وأراض جديدة .. يقدم للبشرية مشروعه الجميل .. ليكون للحياة طعم جميل ونظيف .. ليكون للإنسان غذاء نقي ونظيف.
في خيبر قدم ﷺ قائمة ببعض الممنوعات من الأطعمة والممارسات .. ممنوعات تجعل صحة المسلم وحياته أكثر إشراقًا ونظافة .. يقول جابر ﵁:
"لما كان يوم خيبر أصاب الناس مجاعه فأخذوا الحمر الإنسية فذبحوها وملؤوا منها القدور فبلغ ذلك نبي الله ﷺ فأمرنا رسول الله ﷺ فكفأنا القدور فقال: إن الله سيأتيكم برزق هو أحل لكم من ذا وأطيب من ذا، فكفأنا يومئذ القدور وهي تغلي فحرم رسول الله ﷺ يومئذ الحمر الإنسية ولحوم البغال وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطيور وحرم المجثمة والخلسة والنهبة" (١). وقال أبو ثعلبة
стр. 929
الخشني ﵁: "غزونا مع رسول الله ﷺ خيبر والناس جياع فوجدنا منها حمرًا من حمر الأنس فذبح الناس منها فحدث رسول الله ﷺ فأمر عبد الرحمن بن عوف فأذن في الناس: إن لحوم الحمر الإنسية لا تحل لمن شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فكفأوا القدور بما فيها ووجدوا في جوانبها بصلًا وثومًا فقال رسول الله ﷺ من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا وقال رسول الله ﷺ لا تحل النهبة ولا كل ذي ناب من السباع ولا تحل المجثمة" (١). من تأمل قائمة الممنوعات تلك يجدها بوابة لكثير من المتاعب الصحية .. لا سيما مع تمدن البشرية القادم وتكاثرها السريع. مما يجعل التأكيد على نقاء الطعام وسلامته أمرًا لا يقبل التهاون .. بل إن الطب ينصح بالاستغناء عن قائمة طويلة من الأطعمة الطيبة إرضاءً للصحة .. فكيف إذا كانت هذه الأطعمة تشتمل على الحمار والبغل اللذين لا يباليان بما يدخل أجوافهما من المزابل وغيرها .. أو الحيوانات المفترسة التي لا تفرق عندما تجوع بين الجيفة وغيرها .. مما يجعلها جميعًا مستودعًا للأوبئة المجهولة والخطيرة .. أما المجثمة ففى تحريم أكلها احترام لحقوق الحيوان في وقت كان العالم لا يرى للحيوان حقوقًا .. حرم الإِسلام المجثمة التي يتسلى الجهلة بربطها وجعلها هدفًا للتدريب على الرماية حتى الموت ولو كانوا يدعون أنهم سيأكلونها في النهاية .. ويدخل في المجثمة تلك الثيران التي يتسلى النصارى بتعذيبها ومصارعتها وتمزيق جسدها بالرماح والسيوف .. فالغاية لا تبرر الوسيلة في الإِسلام .. أما النهب والسلب فمن الجرائم الكبيرة التي تنتهك خصوصيات الناس وأموالهم .. وهي أشياء لا يجوز المساس بها مهما كانت الأسباب ..
стр. 930
امتثل الصحابة لأن الذي يتحدث نبي مرسل .. ولأنه لا ينطق عن هوى أو رؤية شخصية .. ثم قاموا بالبحث عن أي شيء يطفئ لهب الجوع وسعيره .. فلم يجدوا سوى الأرض ..
قال أبو سعيد ﵁: "فتحت خيبر فوقعنا أصحاب رسول الله ﷺ في تلك البقلة الثوم والناس جياع فأكلنا منها أكلًا شديدًا ثم رحنا إلى المسجد فوجد رسول الله ﷺ الريح فقال من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئًا فلا يقربنا في المسجد فقال الناس حرمت .. حرمت .. فبلغ ذاك النبي ﷺ فقال أيها الناس إنه ليس بي تحريم ما أحل الله لي ولكنها شجرة أكره ريحها" (١) "فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم" (٢) فالزينة في قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٣) ليست في اللباس فقط .. فالرائحة الزكية من أجمل الأشياء التي يفضل اصطحابها إلى المسجد .. ومن أسرار عظمة الإِسلام تسليطه الأضواء على الجمال مهما كانت الأجواء معتمة والعقول مشغولة والنفوس مشحونة .. فالإنسان في ظرف كظرف الحرب والاجتلاد أو الحماس تمنحه نفسه ويمنحه حماسه مسوغات عديدة للقيام بممارسات قد تؤلم غيره فيتجاوز أهداف خروجه .. هنا يتميز الإِسلام عن غيره من الأديان .. فلا مذابح جماعية .. لا انتقام .. لا تهور .. لا سلب ولا نهب .. بل انضباط والتزام وإلا فإنه ليس بجهاد .. والموت فيه ليس بشهادة.
ها هو الجوع مرة أخرى يرغم بعض الصحابة على البحث المرير بعد نفاذ الصلح .. لكن النتيجة كانت أكثر مرارة. صحابي اسمه: ثعلبة بن
стр. 931
الحكم قال: "أصبنا يوم خيبر غنمًا فانتهبها الناس فجاء النبي ﷺ وقدورهم تغلي فقال ما هذا .. فقالوا نهبة يا رسول الله قال اكفؤوها فإن النهبة لا تحل فكفؤوا ما بقي" (١) لأنها ليست لهم ولا يبرر الجوع أموال الغير .. ترى لو كان هؤلاء القوم من غير المسلمين .. هل يمكن السيطرة عليهم ..
كان اليهود غير بعيدين عن تلك المشاهد .. فتحركت النخوة داخل نفوسهم .. كان كرمًا .. لكنه:
كرم بنكهة يهودية
تحركت عواطفهم .. ورشَّحوا لإثبات تلك العواطف امرأة قامت بشوي شاة ثم قدمتها للنبي ﷺ .. الغريب في الأمر والمحير كذلك هو حرص المرأة على أن تلك الشاة هي مجرد هدية .. لا صدقة .. حتى تتأكد من عدم رفض النبي ﷺ لها .. لأن الله قد حرم عليه الصدقة .. يقول كعب ابن مالك ﵁:
"إن امرأة يهودية أهدت إلى رسول الله ﷺ شاة مصلية بخيبر فقال لها ما هذه؟ قالت هدية وحذرت أن تقول من الصدقة، فأكل وأكل أصحابه ثم قال لهم أمسكوا" (٢) أما لماذا أمرهم بالتوقف عن الأكل .. فتلك معجزة إلهية .. فبعد أن "أكل رسول الله ﷺ منها وأكل القوم فقال ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتني أنها مسمومة" (٣) خيانتان لليهود في اليوم
стр. 932
نفسه الذي عاهدوا فيه النبي ﷺ .. في الأيام نفسها التي ناشدوا فيها هذا النبي أن يبقي على أرواحهم .. وأن يقبل شراكتهم الاقتصادية تلك .. ويبدو من سلسلة الغدر اليهودي إلى حدثت بعد وصول النبي ﵇ إلى المدينة أن الخيانة تشكل نسبة مرتفعة من دمائهم .. ومع هذا فقد حاول ﷺ استثمار حالة التوجس والخوف من انكشاف جريمتهم .. حاول استثمارها لصالحهم هم .. فهم وإن صدئ معدنهم إلا أنهم لا يزالون بشرًا أحياء .. وهاتان الصفتان تفتحان للمسلم فرصًا للدعوة .. حاول من خلالها أن يثبت لعنادهم أنه نبي مرسل .. وأنه لا عذر لهم في رفض الإِسلام سوى العناد والمكابرة .. يقول أبو هريرة ﵁: "لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله ﷺ شاة فيه سم، فقال رسول الله ﷺ اجمعوا لي من كان ها هنا من اليهود، فجمعوا له فقال لهم رسول الله ﷺ إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقي عنه؟ فقالوا نعم يا أبا القاسم، فقال لهم رسول الله ﷺ
من أبوكم؟ قالوا أبونا فلان.
فقال رسول الله ﷺ كذبتم بل أبوكم فلان.
فقالوا صدقت وبررت.
فقال هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟
فقالوا نعم يا أبا القاسم وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا.
стр. 933
قال لهم رسول الله ﷺ : مَنْ أهل النار؟
فقالوا: نكون فيها يسيرًا ثم تخلفوننا فيها.
فقال لهم رسول الله ﷺ : اخسؤوا فيها والله لا نخلفكم فيها أبدًا.
ثم قال لهم: فهل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟
قالوا: نعم.
فقال: هل جعلتم في هذه الشاة سمًا؟
فقالوا: نعم.
فقال: ما حملكم على ذلك؟
فقالوا: أردنا إن كنت كذابًا نستريح منك وإن كنت نبيًا لم يضرك" (١) ..
ها قد تبين أنه نبي وأنه ليس بكذاب ثم ماذا؟ لاشىء .. لم يسلم أولئك اليهود .. لم يتركوا عنادهم ودينهم .. لكن النبي ﷺ لم يتركهم .. هناك جريمة وهناك مجرمون .. وهناك صحابة تغلغل السم في أحشائهم وهم الآن على فراش المرض .. وهناك تشريع جنائي عادل .. طلب ﷺ إحضار الجاني .. فأحضرت المرأة المجرمة وتمت مساءلتها علنيًا من قبل النبي ﷺ .
"فجيئ بها إلى رسول الله ﷺ فسألها عن ذلك فقالت: أردت لأقتلك. قال: ما كان الله ليسلطك على ذاك أو قال عليَّ. قالوا: ألا نقتلها؟ قال: لا" (٢).
стр. 934
لأنه لم يمت أحد من الصحابة حتى الآن من ذلك السم وإن كان له أثر على لهوات النبي ﷺ لدرجة أن أنس ﵁ كان يقول:
"فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ﷺ " (١).
لكن وبعد أيام تمكن السم من أحد الصحابة واسمه: بشر بن البراء .. "فمات بشر بن البراء بن معرور الأنصاري، فأرسل إلى اليهودية:
ما حملك على الذي صنعت؟ قالت: إن كنت نبيًا لم يضرك الذي صنعت وإن كنت ملكًا أرحت الناس منك. فأمر بها رسول الله ﷺ فقتلت" (٢) بعد أن عفا عنها رغم شروعها في قتل رأس الدولة الإِسلامية .. لكن وبعد موت بشر ﵁ أصبحت قاتلة متعمدة للقتل .. فاستحقت عقابها في القرآن .. بل وفي كتاب التوراة التي تؤمن به .. ولم يشمل العقاب أولئك المتآمرين معها .. علَّ العفو يجدي في محو ثقافة الحقد اليهودية .. ومن أجل ذلك قام ﷺ بعمل حاول به جمع قلوب اليهود من حوله .. حينما استقر قمرًا وعزاءً بين يدي إحدى فتياتهم الحزينات.
القمر يستقر في حجر الفتاة
تلك الفتاة التي رأت تلك الرؤيا فلكمها زوجها الغبي بعد ما أخبرته بما رأت .. هي اليوم حزينة جدًا .. فقد قتل زوجها قبل الصلح لأنه عاهد
стр. 935
النبي ﵇ على قول الحقيقة أو الموت والسلب .. كانت الفرصة أمامه لينجو بنفسه لكن الخيانة داخله كانت أكبر من أن يخفيها .. كذب على رسول الله ﷺ .. فأطلعه الوحي على ذلك فقتله ﷺ .. هذه الفتاة تشعر بحزن شديد وذل أشد فهي الآن سبية وهبها النبي ﵇ لصاحبه دحية الكلبي .. وهي تشعر ببغض شديد لهذا النبي .. فهو لم يقتل زوجها فقط .. بل إنها تقول لمن يسمعها:
كان رسول الله ﷺ من أبغض الناس إلي، قتل زوجي وأبي" (١) هذه الفتاة هى تلك الطفلة المدللة التي كانت تحدثنا عن وصول النبي ﵇ إلى المدينة .. وكيف خسرت ذلك الدلال من أبيها وعمها في ذلك اليوم .. عندما شاهدا النبي ﷺ .. فعادا كسلانين ثقيلين من الهم على ضياع النبوة من بني إسرائيل .. وانتقالها إلى بني إسماعيل .. وها هي اليوم تحصد أحقاد والدها وعمها وزوجها وخياناتهم المتكررة .. فقد "جاء دحية فقال يا نبي الله أعطني جارية من السبي، قال اذهب فخذ جارية، فأخذ صفية بنت حيي فجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا نبي الله أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة والنضير! لا تصلح إلا لك قال ادعوه بها فجاء بها فلما نظر إليها النبي ﷺ قال خذ جارية من السبى غيرها (٢) أراد- ﷺ مصاهرة اليهود في آخر محاولة لاستمالتهم إلى الإِسلام .. لكن يبدو أن دحية يشعر بأنها ليست كأي فتاة من السبى .. فقد جمعت المجد من
стр. 936
أطرافه .. فهي سيدة بني النضير .. وهي سيدة قريظة أيضًا .. وهي قبل ذلك ابنة نبي الله موسى ﵊ .. وقد حظيت إلى ذلك بجمال أخاذ .. فأراد ﷺ إرضاء صاحبه دحية .. يقول أنس بن مالك ﵁: "صارت صفية لدحية في مقسمه وجعلوا يمدحونها عند رسول الله ﷺ ويقولون ما رأينا في السبي مثلها، فبعت إلى دحية فأعطاه بها ما أراد" (١) لقد "اشتراها رسول الله ﷺ بسبعة أرؤس" (٢).
فقد عرف ﵊ لهذه المرأة الشريفة قدرها .. وقدر حزنها وشعورها بالمرارة .. توجه إليها كالمواساة .. يسليها .. يقنعها بنبوته .. يعتذر إليها ويكشف عن عقليتها ذلك الضباب اليهودي الأسود حتى تلاشى وتلاشى معه حزنها وكراهيتها .. فإذا الدنيا صباح بالإِسلام .. وربيع بمحمد ﵇ .. فباحت صفية بذلك النور الذي انبجس في أعماقها وقالت: "وكان رسول الله ﷺ من أبغض الناس إلي، قتل زوجي وأبي وأخي فما زال يعتذر إلي ويقول إن أباك ألَّبَ علي العرب وفعل وفعل حتى ذهب ذلك من نفسي" (٣) "واصطفى رسول الله ﷺ صفية بنت حيي فاتخذها لنفسه وخيَّرها أن يعتقها وتكون زوجته أو تلحق بأهلها فاختارت أن يعتقها وتكون زوجته" (٤) دون أن يكرهها .. بل لقد
стр. 937
رفضت العودة إلى أهلها وديارها رغم حبها لهم .. لأنها أفاقت في عالم هذا النبي على شيء أذهلها عن أهلها .. فتوجهت معه مأخوذة بهذا الاعتذار النبوي الجميل .. الذي لم يصادر مشاعرها .. لم يصادر إحساسها نحو من أحبتهم وعاشت معهم .. ولم يجبرها باسم النبوة على التنكر لآلامها .. فهو الذي يذيب الحرقة والآلام .. لكن النبي ﷺ لم يزف إليها لأن لها عدة لابد أن تمضيها .. حتى يتم التأكد من خلوها من حمل من زوجها السابق .. احترامًا لحق ذلك الزوج مهما كان دينه وحفظًا لنسب الطفل البريء ..
لكن أحد الصحابة ﵃ لم يعبأ في علاقته بإحدى النساء بهذه العدة ..
فارتكب أمرًا أغضب النبي ﷺ غضبًا شديدًا ..
احترام السبايا
يقول أبو الدرداء "إن النبي ﷺ مر على امرأة مجح وهي على باب خباء أو فسطاط فقال لمن هذه فقالوا لفلان قال أيلم بها قالوا نعم قال لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه قبره فكيف يستخدمه وهو يعدوه في بصره وسمعه كيف يرثه وهو لا يحل له" (١).
أما عن العلاقة مع المرأة فقد حدث تطور في أحكامها .. لتتناسب مع القادم والجديد من حياة البشر .. مما يجعل من هذا التشريع منهجًا يضمن
стр. 938
للأسرة استقرارًا أفضل .. ها هو علي بن أبي طالب .. فارس خيبر والذي قدم قبل قليل من قرية قريبة تدعى فدك .. بعد أن فتحها وصالح أهلها .. ها هو يخبرنا عن
حكم جديد لزواج المتعة
يقول علي ﵁: "إن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر" (١) وهو زواج مؤقت يختلف عن الزواج المعروف لأنه زواج محدد بمدة يتفق عليها الزوج والزوجة .. بعكس الزواج الطبيعي والذي لا يجوز فيه تحديد المدة .. وقد نهى ﷺ عنه .. فهو زواج لا يرصد حسابًا للأولاد ولا للتربية وليس له أي هدف اجتماعى سوى إشباع الغريزة .. مما قد يمسخ المرأة مستقبلًا إلى جهاز استمتاع للرجل .. يستعمله ثم يبحث عن أقرب سلة مهملات ليقذفه بها .. والمرأة أَجَلُّ وأكرم من ذلك في الإِسلام .. لذلك جاء النهي عن التعة .. وقد نهي ﵇ عنها على أرض خيبر بشكل غير حاسم نظرًا لحاجة الأنفس إلى التدرج .. ومادام الأمر قد امتد إلى الحديث عن الزواج فيبدو أن الأمور قد استقرت والنفوس قد اطمأنت على أرض خيبر .. وهذا ما يتضح في بعض الممارسات المالية التي يقوم بها بعض الصحابة الآن مع بعض اليهود .. حيث يمارسون:
البيع والشراء على أرض خيبر
ها هو الصحابي فضالة بن عبيد يشتري قلادة من خرز وذهب فيقوم بفصل الذهب عن الخرز ليعلم مقدار الذهب فيها .. وبعد فصلها توجه
стр. 939
إلى النبي ﷺ وسأله .. وقال: "اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر دينارًا فيها ذهب وخرز ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارًا فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال لا تباع حتى تفصل" (١) فشراء الذهب بالذهب لا يجوز إلا وزنًا بوزن ويدًا بيد وإلا تحول البيع إلى ربا يسحق الفقراء والاقتصاد ويجر للفقر والرذيلة والانحطاط والاستغلال في المجتمع .. وأرض خيبر قلعة من قلاع الربا .. فاليهود زعماء الربا مستغلي الفقراء على وجه الأرض .. وحتى لا يتلوث المتوضئون بأخلاق اليهود المرابين .. وحتى يبقى للجهاد مشروعه النقي .. يكمل فضالة بن عبيد ويقول: "كنا مع رسول الله ﷺ يوم خيبر نبايع اليهود الوقية الذهب بالدينارين والثلاثة فقال رسول الله ﷺ لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنًا بوزن" (٢) .. وأثناء فترة الاسترخاء تلك قسم ﷺ الغنائم على المجاهدين .. يقول أحد الصحابة: "افتتحنا خيبر ولم نغنم ذهبًا ولا فضة إنما غنمنا البقر والإبل والمتاع والحوائط" (٣) عدا ما أخرجه النبي ﷺ من كنز حيي بن أخطب المدفون .. وأثناء توزيع الغنائم وصلت سرية من المجاهدين كانت تقوم بمهمة عسكرية على أرض نجد .. حددها ﷺ لأصحابه .. وكان قائد تلك السرية يدعى: أبان بن سعيد بن العاص .. وقد هدى الله أبان بعد أن خاض معركة ضد المؤمنين استشهد في تلك المعركة صحابي كريم يدعى: ابن قوقل .. لكن ما علاقة ابن قوقل ﵁ بغنائم خيبر ..
أبو هريرة كان هناك .. يطلب من النبي ﷺ شيئًا من الغنائم لحظة وصول أبان .. وقد وصف وصول تلك السرية بقوله: "بعث رسول الله ﷺ
стр. 940
أبان على سرية من المدينة قِبَلَ نجد فقدم أبان وأصحابه على النبي ﷺ بخيبر بعد ما افتتحها وإن حزم خيلهم لليف" (١) وكان لأبي هريرة مع أبان حديث طغت فيه العاطفة على العقل قليلًا .. لكن الأمر حسم لأنه بحضرة النبي ﷺ يتحدث أبو هريرة فيقول: إنه "أتى النبي ﷺ فسأله قال له بعض بني سعيد بن العاص لا تعطه فقال أبو هريرة هذا قاتل بن قوقل فقال واعجباه لوبر تدلى من قدوم الضأن" (٢) وكان لأبان رد يفيض بالاعتذار الجميل عن أخطاء الماضي المؤسف .. يقول أبان: إنه "أقبل إلى النبي ﷺ فسلم عليه فقال أبو هريرة يا رسول الله هذا قاتل بن قوقل فقال أبان لأبي هريرة واعجبًا لك وبر تدأدأ من قدوم ضأن .. ينعى على امرئ أكرمه الله بيدي ومنعه أن يهينني بيده" (٣) "فقال النبي ﷺ يا أبان اجلس فلم يقسم لهم" (٤).
ثم بدأ ﷺ بتوزيع الغنائم بنسبة واحد إلى ثلاثة .. يعطى صاحب الفرس ثلاثة دراهم .. والذي لا يملك فرسًا درهمًا واحدًا .. نظرًا لما بذله صاحب الفرس من جهد ومال ..
يقول عبد الله بن عمر ﵄ "قسم رسول الله ﷺ يوم خيبر للفرس سهمين وللراجل سهمًا" (٥).
أما الأرقاء فهذا أحدهم واسمه عمير .. يحدثنا عن ذلك فيقول: "قال شهدت مع سادتي خيبر فأمر بي رسول الله ﷺ فقلدت سيفًا فإذا
стр. 941
أنا أجره .. فقيل له إنه عبد مملوك فأمر لي بشيء من خرثى المتاع .. وعرضت عليه رقية كنت أرقى بها المجانين في الجاهلية قال: اطرح منها كذا وكذا وارق بما بقى" (١) فالرقية علاج .. والعلاج لا يجوز إلا بأشياء مباحة .. فقد حرم الإِسلام أي علاج يؤدي إلى ضرر في العقيدة
أو في الصحة .. وفي حالة كون الرقية أدعية وتعاويذ فقط .. يكون الأمر أخطر على العقيدة التي من أجلها بعث كل الرسل .. لأن تأثير تلك الرقية غير منظور ولا يخضع لتجارب المعامل .. ولا يتكون نتيجة تفاعل كيميائي مدروس .. في هذه الحالة يكون الشفاء أشبه بالمعجزة .. عندها يتعلق المريض الجاهل بصاحب الرقية مثل تعلق الغريق بأي شيء مهما كان ضعيفًا .. وعندما تصل الأمور إلى هذه المسافة .. تنفتح بوابات الجهل للخيال المريض .. ويبدأ التعلق بالأسباب لا بخالق الأسباب سبحانه .. ويجد الساحر والمشعوذ ألف طريق للتعشيش في مخيلة السذج والبسطاء .. فتنصب خيام الشرك من جديد باسم الرقية والعلاج .. ذلك الرقيق الجميل لم يمنعه رقه أن يحتاط لدينه وأن يسأل عن كل درهم يدخل جيبه .. وكل كلمة يتفوه بها .. رقيق آخر غفل عن هذا المنهج للحظات فماذا كانت النتيجة .. حدث ذلك أثناء توزيع الغنائم حيث امتدت يد خادم جديد لرسول الله ﷺ يدعى: مدعم إلى قطعة قماش من الغنائم .. فاستلها ثم أخفاها مع أمتعته الشخصية .. أي أنه غلها دون إذن من قائده النبي ﷺ ..
أما نتيجة هذا العمل البسيط في نظر أناس فسنعرفها بعد قليل ..
стр. 942
ماذا عن النساء ..
النساء لم يكنَّ بعيدات عن الرجال تكريمًا وتقديرًا .. فقد "قسم رسول الله ﷺ يوم خيبر لسهلة بنت عاصم بن عدي ولابنة لها ولدت" (١).
تم الانتهاء قبل قليل من توزيع الغنائم وبدأ التجهيز لأمور عديدة منها تعيين أمير يتولى إدارة شؤون خيبر .. يقول أبو سعيد الخدري وأبو هريرة: "إن رسول الله ﷺ بعث أخا بني عدي الأنصاري واستعمله على خيبر" (٢) ومنها التوجه نحو وادي القرى .. لكن وقبل أن يغادر ﷺ أرض خيبر نوى أحد الصحابة مفارقته والعودة إلى مكة .. ولم يكتف بذلك بل قرر أن ينتقص من النبي ﷺ .. ولم يكتف بذلك أيضًا بل ذهب إلى النبي نفسه واستأذنه .. فما هو رده ﷺ على ذلك:
صحابي يعود إلى قريش
وشروط صلح الحديبية تمنحه هذا الحق .. أما النبي ﷺ فيشجعه على ذلك ويؤيده .. أنس بن مالك يتحدث عن ذلك ويقول:
"لما فتح رسول الله ﷺ خيبر قال الحجاج بن علاط: يا رسول الله ..
стр. 943
إن لي بمكة مالًا وإن لي بها أهلًا .. وإني أريد أن آتيهم فأنا في حل إن أنا نلت منك أو قلت شيئًا .. فأذن له رسول الله ﷺ أن يقول ما شاء فأتى امرأته حين قدم فقال اجمعي لي ما كان عندك فإني أريد أن أشتري من غنائم محمد ﷺ وأصحابه فإنهم قد استبيحوا وأصيبت أموالهم .. قال ففشا ذلك في مكة وانقمع المسلمون وأظهر المشركون فرحًا وسرورًا .. وبلغ الخبر العباس فعقر وجعل لا يستطيع أن يقوم" (١) "ثم أرسل غلامًا إلى الحجاج بن علاط: ويلك ما جئت به وما تقول فما وعد الله خير مما جئت به. قال الحجاج بن علاط لغلامه: اقرأ على أبي الفضل السلام وقيل له فليخل لي في بعض بيوته لآتيه فإن الخبر على ما يسره فجاء غلامه فلما بلغ باب الدار قال: أبشر يا أبا الفضل فوثب العباس فرحًا حتى قبل بين عينيه .. فأخبره ما قال الحجاج فأعتقه ثم جاءه الحجاج فأخبره أن رسول الله ﷺ قد افتتح خيبر وغنم أموالهم وجرت سهام الله في أموالهم .. واصطفى رسول الله ﷺ صفية بنت حيي فاتخذها لنفسه وخيرها أن يعتقها وتكون زوجته أو تلحق بأهلها .. فاختارت أن يعتقها وتكون زوجته، ولكني جئت لمال كان لي ها هنا أردت أن أجمعه فأذهب به .. فاستأذنت رسول الله ﷺ فأذن لي أن أقول ما شئت فأخف عني ثلاثًا ثم اذكر ما بدا لك .. فجمعت امرأته ما كان عندها من حلي ومتاع فجمعته فدفعته إليه ثم استمر به .. فلما كان بعد ثلاث أتى العباس امرأة الحجاج فقال ما فعل زوجك فأخبرته أنه قد ذهب يوم كذا وكذا وقالت: لا يخزيك الله يا أبا الفضل لقد شق علينا الذي بلغك .. قال: أجل لا يخزني الله ولم يكن بحمد الله إلا ما أحببنا فتح الله خيبر على رسول الله ﷺ وجرت فيها سهام الله واصطفى رسول الله ﷺ صفية بنت حيي لنفسه فإن كانت لك حاجة في زوجك فالحقي
стр. 944
به .. قالت أظنك والله صادقًا .. قال: فإني صادق الأمر على ما أخبرتك فذهب حتى أتى مجالس قريش وهم يقولون إذا مر بهم: لا يصيبك إلا خير يا أبا الفضل .. قال لهم: لم يصبني إلا خير بحمد الله .. قد أخبرني الحجاج بن علاط أن خيبر قد فتحها الله على رسوله وجرت فيها سهام الله واصطفى صفية لنفسه وقد سألني أن أخفي عليه ثلاثًا .. وإنما جاء ليأخذ ما له وما كان له من شيء ها هنا ثم يذهب. قال فرد الله الكآبة التي كانت بالمسلمين على المشركين وخرج المسلمون ومن كان دخل بيته مكتئبًا حتى أتوا العباس فأخبرهم الخبر فسر المسلمون ورد الله ما كان من كآبة أو غيظ أو حزن على المشركين" (١) بعدما علموا بانتصارات جيش الإِسلام على أرض خيبر وفدك .. وها هو ذلك الجيش المؤمن يستعد لـ:
الرحيل .. وقصة النوم عن الصلاة
يقول أبو هريرة ﵁: "إن رسول الله ﷺ حين قفل من غزوة خيبر سار ليلة حتى إذا أدركه الكرى عرس وقال لبلال: أكلأ لنا الليل فصلى بلال ما قدر له ونام رسول الله ﷺ وأصحابه .. فلما تقارب الفجر استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر فغلبت بلالًا عيناه وهو مستند
стр. 945
إلى راحلته .. فلم يستيقظ رسول الله ﷺ ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس .. فكان رسول الله ﷺ أولههم استيقاظًا ففزع رسول الله ﷺ فقال أي بلال فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ، بأبي أنت وأمي يا رسول الله بنفسك قال: اقتادوا فاقتادوا رواحلهم شيئًا ثم توضأ رسول الله ﷺ وأمر بلالًا فأقام الصلاة .. فصلى بهم الصبح .. فلما قضى الصلاة قال: من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال أقم الصلاة لذكري" (١) وقد ذكر أبو قتادة تفاصيلًا أخرى ربما كانت أثناء تلك الرحلة في
قصة النوم والعطش والمعجزات
يقول أبو قتادة:
"خطبنا رسول الله ﷺ فقال إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم وتأتون الماء إن شاء الله غدًا فانطلق الناس لا يلوي أحد على أحد.
قال أبو قتادة: فبينما رسول الله ﷺ يسير حتى إبهار الليل وأنا إلى جنبه .. فنعس رسول الله ﷺ فمال على راحلته فأتيته فدعمته من غير أن أوقظه حتى اعتدل على راحلته .. ثم سار حتى تهور الليل مال عن راحلته .. فدعمته من غير أن أوقظه حتى اعتدل على راحلته .. ثم سار حتى إذا كان من آخر السحر مال ميلة هي أشد من الميلتين الأوليين حتى كاد ينجفل .. فأتيته فدعمته فرفع رأسه فقال: من هذا؟ قلت: أبو قتادة.
قال: متى كان هذا مسيرك مني؟ قلت: مازال هذا مسيري منذ الليلة.
قال: حفظك الله بما حفظت به نبيه .. ثم قال: هل ترانا نخفى على
стр. 946
الناس؟ ثم قال: هل ترى من أحد؟ قلت: هذا راكب .. ثم قلت: هذا راكب آخر حتى اجتمعنا فكنا سبعة ركب .. فمال رسول الله ﷺ عن الطريق فوضع رأسه ثم قال احفظوا علينا صلاتنا .. فكان أول من استيقظ رسول الله ﷺ والشمس في ظهره .. فقمنا فزعين ثم قال: اركبوا فركبنا فسرنا حتى إذا ارتفعت الشمس نزل .. ثم دعا بميضأة كانت معى، فيها شيء من ماء فتوضأ منها وضوءًا دون وضوء قال وبقي فيها شيء من ماء ثم قال لأبي قتادة:
احفظ علينا ميضأتك فسيكون لها نبأ .. ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول الله ﷺ ركعتين ثم صلى الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم .. وركب رسول الله ﷺ وركبنا معه .. فجعل بعضنا يهمس إلى بعضى ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا في صلاتنا؟ ثم قال: أما لكم فيَّ أسوة؟ ثم قال: أما إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجئ وقت الصلاة الأخرى .. فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها .. فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها، ثم قال:
ما ترون الناس صنعوا؟ ثم قال: أصبح الناس فقدوا نبيهم
فقال أبو بكر وعمر: رسول الله ﷺ بعدكم لم يكن ليخلفكم. وقال الناس: إن رسول الله ﷺ بين أيديكم فإن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا .. فانتهينا إلى الناس حين امتد النهار وحمي كل شيء وهم يقولون: يا رسول الله هلكنا عطشنا، فقال:
لا هلك عليكم ثم قال: أطلقوا لي غمري .. ودعا بالميضأة فجعل رسول الله ﷺ يصب وأبو قتادة يسقيهم .. فلم يعد أن رأى الناس ماء في الميضأة تكابوا عليها فقال رسول الله ﷺ أحسنوا الملأ كلكم سيروى ..
стр. 947
ففعلوا .. فجعل رسول الله ﷺ يصب وأسقيهم حتى ما بقي غيري وغير رسول الله ﷺ .. ثم صب رسول الله ﷺ فقال لي: اشرب .. فقلت: لا أشرب حتى تشرب يا رسول الله قال: إن ساقي القوم آخرهم شربًا .. فشربت وشرب رسول الله ﷺ .. فأتى الناس الماء جامين رواء" (١) ثم ارتحلوا متوجهين:
نحو وادي القرى
وهو مكان قريب من مدائن صالح .. وله اسم آخر هو: (قرح) .. ويبدو أن هذا الوادي مليء بالحدائق والنخيل واليهود .. وصل النبي ﷺ وأصحابه .. ووصل معه صاحبه سلمان الفارسي وذكرياته المريرة على أرض هذا الوادي .. فقد وصل إليها منذ سنين مكبلا بالرق والمرارة .. بعد أن غدر به تجار من بني كلب .. سرقوا بقراته وباعوه إلى أحد اليهود
الذين يسكنون هذا الوادي المليء بالنخل انتظارًا لنبي تبشر به التوراة .. يقول سلمان ﵁ وهو يتحدث عن مغادرته لأرض عمورية بعد موت كاهنها الصالح:
"لحقت بصاحب عمورية فأخبرته خبري فقال أقم عندي فأقمت عند خير رجل على هدي أصحابه وأمرهم قال واكتسبت حتى كان لي بقرات وغنيمة .. ثم نزل به أمر الله فلما حضر قلت له يا فلان إني كنت مع فلان فأوصى بي إلى فلان ثم أوصى بي فلان إلى فلان ثم أوصى بي فلان إليك فإلى من توصى بي وبم تأمرني؟ قال أي بني والله ما أعلمه أصبح اليوم أحد على مثل ما كنا عليه من الناس آمرك به أن تأتيه .. ولكنه قد أظل زمان نبي وهو مبعوث بدين إبراهيم ﵇ .. يخرج
стр. 948
بأرض العرب مهاجره إلى أرض بين حرتين بينهما نخل .. به علامات لا تخفى: يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة وبين كتفيه خاتم النبوة فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل. ثم مات وغيب ومكثت .. بعمورية ما شاء الله أن أمكث .. ثم مر بي نفر من كلب تجار فقلت لهم احملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه .. قالوا: نعم فأعطيتهموها وحملوني معهم .. حتى إذا بلغوا وادي القرى ظلموني فباعوني من رجل يهودي، فكنت عنده عبدًا، ورأيت النخل فرجوت أن يكون البلد الذي وصف لي صاحبي ولم يحق في نفسي فبينا أنا عنده إذ قدم عليه ابن عم له من بني قريظة من المدينة فابتاعني منه فاحتملني إلى المدينة" (١) حيث النخل هناك أيضًا .. فالنخل في جزيرة العرب .. والنخل في التوراة .. تبشر اليهود بالنبي .. وها هو النبي .. وها هي النخيل .. وتحت كل نخلة في جزيرة العرب تجد يهوديًا .. كان ذلك في الماضي قبل أن يعرف اليهود أن هذا النبي من سلالة إسماعيل لا من سلالة إسحاق .. أما اليوم فتحت كل نخلة خيانة .. ووادي القرى ممتلئ باليهود .. توقف فيه النبي ﷺ .. ولم يجد مقاومة تذكر .. إلا سهمًا طائشًا أصاب خادمه مدعم .. فكان موت مدعم درسًا لهذا الجيش المؤمن .. رغم أنه سهم طائش لا يعرف من أرسله .. يقول أبو هريرة ﵁: "افتتحنا خيبر ولم نغنم ذهبًا ولا فضة إنما غنمنا البقر والإبل والمتاع والحوائط ثم انصرفنا مع رسول الله ﷺ إلى وادي القرى ومعه عبد له يقال له مدعم أهداه له أحد بني الضباب .. فبينما هو يحط رحل رسول الله ﷺ إذ جاءه سهم عائر حتى أصاب ذلك العبد .. فقال الناس: هنيئًا له الشهادة .. فقال رسول الله ﷺ : بل والذي نفسي بيده إن الشملة التي أصابها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل:
стр. 949
عليه نارًا .. فجاء رجل حين سمع ذلك من النبي ﷺ بشراك أو بشراكين فقال هذا شيء كنت أصبته .. فقال رسول الله ﷺ : شراك أو شراكان من نار" (١) يقول عمر بن الخطاب ﵁: "لما كان يوم خيبر أقبل نفر من صحابة النبي ﷺ فقالوا: فلان شهيد فلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا فلان شهيد فقال رسول الله ﷺ : كلا إني رأيته في النار في بردة غلها أو عباءة، ثم قال رسول الله ﷺ : يا بن الخطاب اذهب فناد في الناس: أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون قال فخرجت فناديت: ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المومنون" (٢) هذا هو الغلول .. أخذ شيء من مال الدولة المسلمة دون إذن .. وتحت أي مبرر .. حتى هذا الرجل الفقير المجاهد لم يسلم من ناره .. فكيف بمن يأخذ شيئًا وقت السلم .. وكيف بمن يأخذ شيئًا لا لحاجة بل لمجرد زيادة ثروته .. سواء كان بالسرقة أو النهبة أو السلطة أو القوة أو حتى على شكل هدايا يتلقاها بصفته موظفًا في الدولة؟! يقول ﷺ "هدايا العمال غلول" (٣) الإِسلام جاء لإنصاف الفقراء لكنه لم يأت للمزايدة بقضاياهم وأزماتهم .. فعلى الفقراء كغيرهم مسؤولية وعليهم النهوض بها .. فالجنة مفتوحة للجميع وكذلك جهنم .. جهنم ترحب بمن يريدها .. وبهذا المنهج يتحول الفقير إلى طاقة فاعلة ومنضبطة .. لا طاقة هائجة ثائرة تحطم كل شيء .. وتحرق اليابس والأخضر باسم الفقر والفقراء .. هذا هو جيش محمَّد ﷺ معظمه من الفقراء والمحتاجين وأهل الصفة .. ومع ذلك فهو قمة في الانضباط وتحمل المسؤولية .. ولا أدل على ذلك من قول إحدى أمهات المؤمنين وزوجة قائد هذه الأمة .. الطاهرة
стр. 950
"عائشة ﵂ قالت: لما فتحت خيبر قلنا الآن نشبع من التمر" (١) تصور .. إنها لم تقل: اللحم ولا الفاكهة ولا العسل .. قالت: التمر ..
بل إنها تحدث ابن أختها عن موائد رئيس الدولة الإسلامية فتقول يا "ابن أختي إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نار فقلت يا خالة ما كان يعيشكم؟ قالت الأسودان التمر والماء إلا أنه قد كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار كانت لهم منائح وكانوا يمنحون رسول الله ﷺ من ألبانهم فيسقينا" (٢).
وما دمنا نتحدث عن أمهات المؤمنين والموائد .. يتهادى سؤال لطيف .. ماذا عن أم المؤمنين الجديدة .. وماذا عن عرسها ومائدة ذلك العرس .. فـ:
زفاف صفية
لم يكن على أرض خيبر .. ولا على أرض واد القرى المفتوح .. والذي جرى عليه من الأحكام ما جرى على أرض خيبر دون سفك دماء .. صفية ما زالت في عدتها .. والنبي ﷺ يهم بمغادرة الوادي .. وفي الطريق انتهت عدة صفية وحلت للنبي ﵇ .. فأوصى أم أنس بن مالك بصفية للعناية بها .. وعندما وصل الركب إلى مكان يقال له: سد الصهباء زفت صفية للنبي ﷺ .. وأقيمت مائدة بسيطة كبساطة الصحابة .. كسماحة الإِسلام .. حيث لم تغل القدور ولم يتوفر فيها لحم ولا خبز .. يقول أنس بن مالك ﵁: "لقد رأيت لرسول الله ﷺ وليمة ما