الناس؟ ثم قال: هل ترى من أحد؟ قلت: هذا راكب .. ثم قلت: هذا راكب آخر حتى اجتمعنا فكنا سبعة ركب .. فمال رسول الله ﷺ عن الطريق فوضع رأسه ثم قال احفظوا علينا صلاتنا .. فكان أول من استيقظ رسول الله ﷺ والشمس في ظهره .. فقمنا فزعين ثم قال: اركبوا فركبنا فسرنا حتى إذا ارتفعت الشمس نزل .. ثم دعا بميضأة كانت معى، فيها شيء من ماء فتوضأ منها وضوءًا دون وضوء قال وبقي فيها شيء من ماء ثم قال لأبي قتادة:
احفظ علينا ميضأتك فسيكون لها نبأ .. ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول الله ﷺ ركعتين ثم صلى الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم .. وركب رسول الله ﷺ وركبنا معه .. فجعل بعضنا يهمس إلى بعضى ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا في صلاتنا؟ ثم قال: أما لكم فيَّ أسوة؟ ثم قال: أما إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجئ وقت الصلاة الأخرى .. فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها .. فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها، ثم قال:
ما ترون الناس صنعوا؟ ثم قال: أصبح الناس فقدوا نبيهم
فقال أبو بكر وعمر: رسول الله ﷺ بعدكم لم يكن ليخلفكم. وقال الناس: إن رسول الله ﷺ بين أيديكم فإن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا .. فانتهينا إلى الناس حين امتد النهار وحمي كل شيء وهم يقولون: يا رسول الله هلكنا عطشنا، فقال:
لا هلك عليكم ثم قال: أطلقوا لي غمري .. ودعا بالميضأة فجعل رسول الله ﷺ يصب وأبو قتادة يسقيهم .. فلم يعد أن رأى الناس ماء في الميضأة تكابوا عليها فقال رسول الله ﷺ أحسنوا الملأ كلكم سيروى ..
стр. 947
ففعلوا .. فجعل رسول الله ﷺ يصب وأسقيهم حتى ما بقي غيري وغير رسول الله ﷺ .. ثم صب رسول الله ﷺ فقال لي: اشرب .. فقلت: لا أشرب حتى تشرب يا رسول الله قال: إن ساقي القوم آخرهم شربًا .. فشربت وشرب رسول الله ﷺ .. فأتى الناس الماء جامين رواء" (١) ثم ارتحلوا متوجهين:
نحو وادي القرى
وهو مكان قريب من مدائن صالح .. وله اسم آخر هو: (قرح) .. ويبدو أن هذا الوادي مليء بالحدائق والنخيل واليهود .. وصل النبي ﷺ وأصحابه .. ووصل معه صاحبه سلمان الفارسي وذكرياته المريرة على أرض هذا الوادي .. فقد وصل إليها منذ سنين مكبلا بالرق والمرارة .. بعد أن غدر به تجار من بني كلب .. سرقوا بقراته وباعوه إلى أحد اليهود
الذين يسكنون هذا الوادي المليء بالنخل انتظارًا لنبي تبشر به التوراة .. يقول سلمان ﵁ وهو يتحدث عن مغادرته لأرض عمورية بعد موت كاهنها الصالح:
"لحقت بصاحب عمورية فأخبرته خبري فقال أقم عندي فأقمت عند خير رجل على هدي أصحابه وأمرهم قال واكتسبت حتى كان لي بقرات وغنيمة .. ثم نزل به أمر الله فلما حضر قلت له يا فلان إني كنت مع فلان فأوصى بي إلى فلان ثم أوصى بي فلان إلى فلان ثم أوصى بي فلان إليك فإلى من توصى بي وبم تأمرني؟ قال أي بني والله ما أعلمه أصبح اليوم أحد على مثل ما كنا عليه من الناس آمرك به أن تأتيه .. ولكنه قد أظل زمان نبي وهو مبعوث بدين إبراهيم ﵇ .. يخرج
стр. 948
بأرض العرب مهاجره إلى أرض بين حرتين بينهما نخل .. به علامات لا تخفى: يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة وبين كتفيه خاتم النبوة فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل. ثم مات وغيب ومكثت .. بعمورية ما شاء الله أن أمكث .. ثم مر بي نفر من كلب تجار فقلت لهم احملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه .. قالوا: نعم فأعطيتهموها وحملوني معهم .. حتى إذا بلغوا وادي القرى ظلموني فباعوني من رجل يهودي، فكنت عنده عبدًا، ورأيت النخل فرجوت أن يكون البلد الذي وصف لي صاحبي ولم يحق في نفسي فبينا أنا عنده إذ قدم عليه ابن عم له من بني قريظة من المدينة فابتاعني منه فاحتملني إلى المدينة" (١) حيث النخل هناك أيضًا .. فالنخل في جزيرة العرب .. والنخل في التوراة .. تبشر اليهود بالنبي .. وها هو النبي .. وها هي النخيل .. وتحت كل نخلة في جزيرة العرب تجد يهوديًا .. كان ذلك في الماضي قبل أن يعرف اليهود أن هذا النبي من سلالة إسماعيل لا من سلالة إسحاق .. أما اليوم فتحت كل نخلة خيانة .. ووادي القرى ممتلئ باليهود .. توقف فيه النبي ﷺ .. ولم يجد مقاومة تذكر .. إلا سهمًا طائشًا أصاب خادمه مدعم .. فكان موت مدعم درسًا لهذا الجيش المؤمن .. رغم أنه سهم طائش لا يعرف من أرسله .. يقول أبو هريرة ﵁: "افتتحنا خيبر ولم نغنم ذهبًا ولا فضة إنما غنمنا البقر والإبل والمتاع والحوائط ثم انصرفنا مع رسول الله ﷺ إلى وادي القرى ومعه عبد له يقال له مدعم أهداه له أحد بني الضباب .. فبينما هو يحط رحل رسول الله ﷺ إذ جاءه سهم عائر حتى أصاب ذلك العبد .. فقال الناس: هنيئًا له الشهادة .. فقال رسول الله ﷺ : بل والذي نفسي بيده إن الشملة التي أصابها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل:
стр. 949
عليه نارًا .. فجاء رجل حين سمع ذلك من النبي ﷺ بشراك أو بشراكين فقال هذا شيء كنت أصبته .. فقال رسول الله ﷺ : شراك أو شراكان من نار" (١) يقول عمر بن الخطاب ﵁: "لما كان يوم خيبر أقبل نفر من صحابة النبي ﷺ فقالوا: فلان شهيد فلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا فلان شهيد فقال رسول الله ﷺ : كلا إني رأيته في النار في بردة غلها أو عباءة، ثم قال رسول الله ﷺ : يا بن الخطاب اذهب فناد في الناس: أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون قال فخرجت فناديت: ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المومنون" (٢) هذا هو الغلول .. أخذ شيء من مال الدولة المسلمة دون إذن .. وتحت أي مبرر .. حتى هذا الرجل الفقير المجاهد لم يسلم من ناره .. فكيف بمن يأخذ شيئًا وقت السلم .. وكيف بمن يأخذ شيئًا لا لحاجة بل لمجرد زيادة ثروته .. سواء كان بالسرقة أو النهبة أو السلطة أو القوة أو حتى على شكل هدايا يتلقاها بصفته موظفًا في الدولة؟! يقول ﷺ "هدايا العمال غلول" (٣) الإِسلام جاء لإنصاف الفقراء لكنه لم يأت للمزايدة بقضاياهم وأزماتهم .. فعلى الفقراء كغيرهم مسؤولية وعليهم النهوض بها .. فالجنة مفتوحة للجميع وكذلك جهنم .. جهنم ترحب بمن يريدها .. وبهذا المنهج يتحول الفقير إلى طاقة فاعلة ومنضبطة .. لا طاقة هائجة ثائرة تحطم كل شيء .. وتحرق اليابس والأخضر باسم الفقر والفقراء .. هذا هو جيش محمَّد ﷺ معظمه من الفقراء والمحتاجين وأهل الصفة .. ومع ذلك فهو قمة في الانضباط وتحمل المسؤولية .. ولا أدل على ذلك من قول إحدى أمهات المؤمنين وزوجة قائد هذه الأمة .. الطاهرة
стр. 950
"عائشة ﵂ قالت: لما فتحت خيبر قلنا الآن نشبع من التمر" (١) تصور .. إنها لم تقل: اللحم ولا الفاكهة ولا العسل .. قالت: التمر ..
بل إنها تحدث ابن أختها عن موائد رئيس الدولة الإسلامية فتقول يا "ابن أختي إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نار فقلت يا خالة ما كان يعيشكم؟ قالت الأسودان التمر والماء إلا أنه قد كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار كانت لهم منائح وكانوا يمنحون رسول الله ﷺ من ألبانهم فيسقينا" (٢).
وما دمنا نتحدث عن أمهات المؤمنين والموائد .. يتهادى سؤال لطيف .. ماذا عن أم المؤمنين الجديدة .. وماذا عن عرسها ومائدة ذلك العرس .. فـ:
زفاف صفية
لم يكن على أرض خيبر .. ولا على أرض واد القرى المفتوح .. والذي جرى عليه من الأحكام ما جرى على أرض خيبر دون سفك دماء .. صفية ما زالت في عدتها .. والنبي ﷺ يهم بمغادرة الوادي .. وفي الطريق انتهت عدة صفية وحلت للنبي ﵇ .. فأوصى أم أنس بن مالك بصفية للعناية بها .. وعندما وصل الركب إلى مكان يقال له: سد الصهباء زفت صفية للنبي ﷺ .. وأقيمت مائدة بسيطة كبساطة الصحابة .. كسماحة الإِسلام .. حيث لم تغل القدور ولم يتوفر فيها لحم ولا خبز .. يقول أنس بن مالك ﵁: "لقد رأيت لرسول الله ﷺ وليمة ما
стр. 951
فيها خبز ولا لحم" (١) وحتى القدور لم تستخدم .. كانت وليمة متواضعة جدًا .. فقد حفر الصحابة حفرًا في الأرض ثم ألقوا عليها الجلود المدبوغة النظيفة .. ثم سكب فيها السمن ووضع الإقط والتمر .. هذا ما ذكره أنس ابن مالك في حديثه حيث يقول إن النبي ﷺ "دفعها إلى أم سليم تصنعها له وتهيئها وتعتد في بيتها وهي صفية بنت حيى [ثم خرج رسول الله ﷺ من خيبر حتى إذا جعلها في ظهره نزل ثم ضرب عليها القبة فلما أصبح قال رسول الله ﷺ : من كان عنده فضل زاد فليأتنا به .. فجعل الرجل يجئ بفضل التمر وفضل السويق حتى جعلوا من ذلك سوادًا حيسًا، فجعلوا يأكلون من ذلك الحيس ويشربون من حياض إلى جنبهم من ماء السماء .. فكانت تلك وليمة رسول الله ﷺ .. وجعل رسول الله ﷺ وليمتها التمر والأقط والسمن .. فحصت الأرض أفاحيص وجيء بالأنطاع فوضعت فيها .. وجئ بالأقط والسمن فشبع الناس وقال الناس: لا ندري أتزوجها أم اتخذها أم ولد؟ قالوا: إن حجبها فهي امرأته وإن لم يحجبها فهي أم ولد .. فلما أراد أن يركب حجبها فقعدت على عجز البعير فعرفوا أنه قد تزوجها" (٢) وكانت طريقة إركاب رسول الله ﷺ لصفية على البعير تنم عن منتهى الذوق والرقة يقول أنس: " .. ثم خرجنا إلى المدينة فرأيت رسول الله ﷺ يحوي لها وراءه بعباءة ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته فتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب" (٣) كانت تشعر بعاطفة غامرة .. تشعر بعزاء يهطل مطرًا على قيظ حزنها .. فتحول البغض
стр. 952
إلى عشق .. وعاد الحزن من حيث أتى .. أما النبي ﷺ فقد تحول إلى غمامة حب تظللها .. وقدم اعتذارات أذابت كل كلس اليهود في فؤادها .. حتى أصبح مرتعًا لمحمد ورب محمَّد .. تذكر صفية تلك الأيام وأمواجها الغريبة المتلاطمة .. تتذكر حبيبها ﷺ وهو:
يسأل عن كدمة حول عين حبيبته
وذلك عندما "رأى رسول الله ﷺ بعيني صفية خضرة فقال يا صفية ما هذه الخضرة؟ فقالت كان رأسى في حجر ابن أبي حقيق وأنا نائمة فرأيت كأن قمرًا وقع في حجري .. فأخبرته بذلك فلطمني وقال تمنين ملك يثرب؟ قالت: وكان رسول الله ﷺ من أبغض الناس إلي قتل زوجي وأبي وأخي فما زال يعتذر إلي ويقول. إن أباك ألب علي العرب وفعل وفعل حتى ذهب ذلك من نفسي" (١) تلك الاعتذارات والمشاعر بينت لها مدى الفارق بين هذا النبي الكريم وبين زوجها السابق العنيف الذي كان يقودها إلى جهنم وقد "أقام النبي ﷺ بين خيبر والمدينة ثلاث ليال يبنى عليه بصفية" (٢).
ثم واصل ﷺ مسيره عائدًا إلى المدينة محاطًا بجيش كالمشاعر .. سلمة ابن الأكوع يتذكر في طريق العودة أخاه الشهيد على أرض خيبر عامر بن الأكوع ويتذكر حداءه الجميل على هذا الطريق وتهيج مشاعره فلا يجد ألطف من النبي ﷺ كي يشاركه تلك المشاعر. فبم رد عليه وماذا فعل سلمة .. ؟ يقول ﵁ "لما كان يوم خيبر قاتل أخي قتالًا شديدًا مع رسول الله ﷺ فارتد عليه سيفه فقتله فقال أصحاب رسول الله ﷺ في ذلك وشكوا فيه رجل مات في سلاحه وشكوا في بعض أمره قال سلمة
стр. 953
فقفل رسول الله ﷺ من خيبر فقلت يا رسول الله ائذن لي أن أرجز لك فأذن له رسول الله ﷺ فقال عمر ابن الخطاب: أعلم ما تقول فقلت:
والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
فقال رسول الله ﷺ : صدقت
وأنزلن سكينة علينا .. وثبت الأقدام إن لاقينا
والمشركون قد بغوا علينا
فلما قضيت رجزي قال رسول الله ﷺ : من قال هذا؟ قلت: قاله أخي .. فقال رسول الله ﷺ : يرحمه الله .. قال: فقلت: يا رسول الله .. إن ناسًا ليهابون الصلاة عليه يقولون رجل مات بسلاحه .. فقال رسول الله ﷺ : مات جاهدًا مجاهدًا فله أجره مرتين وأشار بإصبعيه" (١). وفي طريق العودة أيضًا لم يكن التعبير عن المشاعر شعرًا فقط .. بل سلوكًا يفيض بالعطف والرحمة.
يقول أبو أمامة ﵁: "إن رسول الله ﷺ أقبل من خيبر ومعه غلامان فقال علي ﵁: يا رسول الله .. أخدمنا .. فقال: خذ أيهما شئت فقال: خر لي .. قال: خذ هذا ولا تضربه فإني قد رأيته يصلي مقبلنا من خيبر .. وإني قد نهيت عن ضرب أهل الصلاة وأعطى أبا ذر الغلام الآخر .. فقال: استوص به خيرًا .. ثم قال: يا أبا ذر .. ما فعل الغلام الذي أعطيتك؟ قال: أمرتني أن أستوصى به خيرًا فأعتقته" (٢) وعندما اقترب الركب من المدينة تدفقت العواطف في كل اتجاه ولما لاح للنبي ﷺ جبل أحد باح بحبه لمن حوله .. أنس كان ممّن حوله يقول رضي
стр. 954
الله عنه: "فسرنا حتى إذا أشرفنا على المدينة نظر إلى أحد فقال هذا جبل يحبنا ونحبه" (١).
لكن القلوب والمطايا تحركت عندما أشرقت بيوتات المدينة كالعاشقات .. في تلك اللحظات أسرع كل شيء نحوها وأسرع أنس وقال: "فلما دنوا من المدينة دفع رسول الله ﷺ ودفعنا" (٢) "فانطلقنا حتى إذا رأينا جدر المدينة هششنا إليها فرفعنا مطينا ورفع رسول الله ﷺ مطيته قال وصفية خلفه وقد أردفها رسول الله ﷺ " (٣) لكن يبدو أن بعض القلوب المؤمنة لم تكن مشتاقة جدًا لمقدم صفية خلف رسول الله ﷺ .. أقصد قلوب حبيباته أمهات المؤمنين المشتاقات إلى كل شيء تحمله الناقة إلا إلى هذه الجميلة التي تزاحمهن على بعيره وقلبه .. لكن شيئًا حدث لصفية شفى بعض غليلهن وغليل خدمهن فـ:
ما الذي حدث لصفية على أبواب المدينة
يقول أنس ﵁: "أقبلنا من خيبر أنا وأبو طلحة ورسول الله ﷺ وصفية رديفته قال: فعثرت ناقة رسول الله ﷺ [العضباء وندر رسول الله ﷺ وندرت .. فقام فسترها وقد أشرفت النساء فقلن: أبعد الله اليهودية قلت: يا أبا حمزة أوقع رسول الله ﷺ ؟ قال: إي والله لقد وقع] .. فصرع رسول الله ﷺ وصرعت صفية .. فاقتحم أبو طلحة فقال: يا رسول الله جعلني الله فداك أضررت. قال: لا عليك المرأة [إنها أمكم] .. فألقى أبو طلحة على وجهه الثوب فانطلق إليها فمد ثوبها عليها ثم أصلح لها
стр. 955
رحلها [فليس أحد من الناس ينظر إليه ولا إليها حتى قام رسول الله ﷺ فسترها .. قال: فأتيناه .. فقال: لم نضر] .. فركبنا ثم اكتنفناه أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله فلما أشرفنا على المدينة أو كنا بظهر الحرة قال رسول الله ﷺ : آيبون عابدون تائبون لربنا حامدون فلم يزل يقولهن حتى دخلنا المدينة" (١) "فدخلنا المدينة فخرج جواري نسائه يتراءينها ويشمتن بصرعتها" (٢) "ثم نظر إلى المدينة فقال اللَّهم إني أحرم ما بين لابتيها بمثل ما حرم إبراهيم مكة اللَّهم بارك لهم في مدهم وصاعهم" (٣).
كان الجميع بانتظار هؤلاء الفرسان وفتوحاتهم المجيدة .. وكان ﷺ يبادلهم ويبادل مدينتهم الجميلة شوقا وعاطفة .. وكانت:
المدينة تعد مفاجأة للنبي ﷺ
فقد فتح النبي ﷺ عينيه على فرحة كفرحة خيبر .. فالذي يقف أمامه الآن حبيب طالما انتظر قدومه .. إنه ابن عمه جعفر بن أبي طالب شقيق على ومعه من تبقى من المهاجرين .. قدموا من الحبشة قبل أيام .. ومعهم من هاجر من اليمن إلى الحبشة أبو موسى الأشعري كان أحدهم .. كانت مفاجاة سارة جدًا للنبي ﷺ عبر عنها بكلمات من مشاعر "جابر بن عبد الله قال: لما قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة قال رسول الله ﷺ : ما أدري بأيهما أنا أفرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر" (٤).
стр. 956
الصحابة كلهم فرحوا بمقدم إخوانهم من بلاد الغربة والمعاناة .. وقد قدر ﵇ تلك المعاناة وأحب أن يرحب بهم بطريقة تخفف شيئًا من فقرهم ومعاناتهم فميزهم عن غيرهم بعطاء كريم .. يقول أحدهم وهو أبو موسى الأشعري ﵁ "بلغنا مخرج رسول الله ﷺ ونحن باليمن فخرجنا مهاجرين إليه أنا وإخوان لي أنا أصغرهم أحدهما أبو بردة والآخر أبو رهم، إما قال بضعًا وإما قال ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلًا من قومي .. فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النجاشى بالحبشة فوافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده .. فقال جعفر: إن رسول الله ﷺ بعثنا ها هنا وأمرنا بالإقامة فأقيموا معنا فأقمنا معه حتى قدمنا جميعًا .. فوافقنا رسول الله ﷺ حين افتتح خيبر فأسهم لنا أو قال: أعطانا منها .. وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئًا إلا لمن شهد معه إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه قسم لهم معهم فكان ناس من الناس يقولون لنا يعني لأهل السفينة نحن سبقناكم بالهجرة" (١) إلى المدينة .. وكأنهم يعنون أنهم أولى بالنبي ﷺ من هؤلاء المبحرين من أرض إفريقيا السخية .. وكان أبرز من قال ذلك عمر بن الخطاب ﵁ .. قالها مُرحَّبًا ومُمازحًا زوجة جعفر بن أبي طالب المهاجرة العظيمة: أسماء بنت عميس التي تزور الآن ابنته حفصة أم المؤمنين ﵂ .. لكن تلك المداعبة حركت داخل أسماء آمالًا بتثمين مرارة الغربة ومعاناة التشرد في سبيل الله .. فليس هناك من تشكو إليه عمر سوى النبي ﵇ ..
стр. 957
وليس هناك من يشفى غليلًا بداخلها سوى النبي ﷺ .. توجهت إليه فكانت هذه القصة المنسوجة بالشكوى والسفر
مهاجرة تشكو عمر
يقول أبو موسى الأشعري ﵁: "دخلت أسماء بنت عميس -وهي ممّن قدم معنا- على حفصة زوج النبي ﷺ زائرة وقد كانت هاجرت إلى النجاشى فيمن هاجر .. فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها .. فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس .. قال عمر: آلحبشية هذه آلبحرية هذه؟ قالت أسماء: نعم. قال: سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم. فغضبت وقالت: كلا والله كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم .. وكنا في دار -أو في أرض- البعداء البغضاء بالحبشة .. وذلك في الله وفي رسوله ﷺ .. وأيم الله لا أطعم طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى أذكر ما قلت لرسول الله ﷺ .. ونحن كنا نؤذى ونخاف .. وسأذكر ذلك للنبي ﷺ وأسأله .. والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه .. فلما جاء النبي ﷺ قالت: يا نبي الله .. إن عمر قال كذا وكذا قال: فما قلت له؟ قالت: قلت له كذا وكذا. قال: ليس بأحق بى منكم وله ولأصحابه هجرة واحدة ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان. قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتونني أرسالًا يسألونني عن هذا الحديث ما من الدنيا شيء هم أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم النبي ﷺ .. قالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى وإنه ليستعيد هذا الحديث منى" (١) والبشرى تملأ قلبه وروحه .. فالإِسلام لا يغفل دور مسلم مهما كان هذا المسلم ضعيفًا مغلوبًا على أمره مادامت معاناته في الله .. فقد
стр. 958
"رأى سعد ﵁ أن له فضلًا على من دونه فقال النبي ﷺ هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم" (١) وعمر ﵁ لم يكن يتحدث عن نفسه فقط .. كان يتحدث عن أبي بكر وعثمان وعلي وطلحة وغيرهم من المهاجرين الذين كابدوا ما كابدوا في سبيل الله وبذلوا ما بذلوا في بدر وأحد والخندق وخيبر .. كان عمر يتحدث عن أهل بيعة الرضوان أما سعد ﵁ فقد رأى في قتاله وهجرته تفوقًا على ذلك الصحابي الضعيف .. فكان للإسلام ميزان أدق لا يغفل فيه أي شيء ولا سيما تلك الأشياء التي يفضل البعض أن يحولها إلى أسرار حميمة فيما بينهم وبين الله فقط .. ويرفضون أن يفسد أحد تمتعهم بتلك الأجواء الحميمة مع الله .. ذات يوم "مر رجل على رسول الله ﷺ فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يستمع، ثم سكت فمر رجل من فقراء المسلمين فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يستمع ...
فقال رسول الله ﷺ : هذا خير من ملء الأرض مثل هذا" (٢).
لكن النبي ﵇ يقدم درسًا مجانيًا لمن كلف نفسه توجيه النقد للناس محاولًا التسلل بينهم وبين الله .. جاعلًا من البغض في الله نوافذ يخرج من خلالها نشازًا داخل نفسه .. أحد الصحابة يتحدث عن ذلك فيقول:
"إن رجلًا مر على قوم فسلم عليهم فردوا ﵇ .. فلما جاوزهم قال رجل منهم: والله إني لأبغض هذا في الله .. فقال أهل المجلس: بئس والله ما قلت .. أما والله لتنبئنه .. قم يا فلان -رجلًا منهم- فخبره .. قال: فأدركه رسولهم .. فأخبره بما قال .. فانصرف الرجل حتى أتى رسول الله ﷺ فقال: يا
стр. 959
رسول الله .. مررت بمجلس من المسلمين فيهم فلان فسلمت عليهم فردوا السلام فلما جاوزتهم أدركني رجل منهم فأخبرني أن فلانًا قال: والله أني لأبغض هذا الرجل في الله فادعه فسله على ما يبغضني. فدعاه رسول الله ﷺ فسأله عما أخبره الرجل .. فاعترف بذلك وقال: قد قلت له ذلك يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : فلم تبغضه .. قال: أنا جاره وأنا به خابر والله ما رأيته يصلي صلاة قط إلا هذه الصلاة المكتوبة التي يصليها البر والفاجر .. قال الرجل: سله يا رسول الله هل رآني قط أخرتها عن وقتها أو أسأت الوضوء لها أو أسأت الركوع والسجود فيها .. فسأله رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: لا .. ثم قال: والله ما رأيته يصوم قط إلا هذا الشهر الذي يصومه البر والفاجر. قال: فسله يا رسول الله هل رآني قط أفطرت فيه أو انتقصت من حقه شيئًا .. فسأله رسول الله ﷺ فقال: لا .. ثم قال: والله ما رأيته يعطى سائلًا قط ولا رأيته ينفق من ماله شيئًا في شيء من سبيل الله بخير إلا هذه الصدقة التي يؤديها البر والفاجر. قال: فسله يا رسول الله هل كتمت من تلك الزكاة شيئًا قط أو ماكست فيها طالبها .. فسأله رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: لا .. فقال له رسول الله ﷺ : قم إن أدري لعله خير منك" (١) لأن الشعور بالتفوق على الآخرين مهما كان رصيده من الظاهر والباطن .. لا يجيز لصاحبه التطاول على الآخرين وانتقاصهم تحت أي مبرر .. فالحكم على الآخرين من خلال ظواهرهم غير دقيق إلا في حالة فساد الظاهر فسادًا ينم عن عفن الباطن .. وهناك فرقٌ بين الحكم على الشخص والحكم على سلوك صادر عنه .. الشعور بالتفوق قد يدخل في الكبر .. والكبر شيء خطير ..
стр. 960
كان النبي ﷺ يحاول المحافظة على ما أنجزه الإِسلام من مساواة وتلاحم .. وكان المهاجرون والأنصار هم النموذج البشري الصرف الذي قدمه النبي ﷺ للعالم .. لقد قدم الأنصار الكثير فماذا فعل أخوتهم المهاجرون بعد غزوة خيبر؟
المهاجرون يردون الجميل بالوفاء
يقول أنس بن مالك ﵁: (لما قدم المهاجرون من مكة المدينة؛ قدموا وليس بأيديهم شيء وكان الأنصار أهل الأرض والعقار فقاسمهم الأنصار على أن أعطوهم أنصاف ثمار أموالهم كل عام ويكفونهم العمل والمؤونة وكانت أم أنس بن مالك وهي تدعى أم سليم أعطت رسول الله ﷺ عذاقًا لها فأعطاها رسول الله ﷺ أم أيمن مولاته أم أسامة بن زيد). قال أنس ابن مالك (أن رسول الله ﷺ لما فرغ من قتال أهل خيبر وانصرف إلى الدينة رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارهم فرد رسول الله ﷺ إلى أمي عذاقها وأعطى رسول الله ﷺ أم أيمن مكانهن من حائطه) (١) وقد حسن فتح خيبر من مستوى التغذية لدى المسلمين فأصبحوا كما يقول ابن عمر ﵄ "ما شبعنا حتى فتحنا خيبر" (٢) أي ما شبعنا من التمر فقط .. ومع هذه الحاجة والفقر كان الإِسلام يقدم ثقافة متحضرة لأتباعه حتى لا تزعزع المادة توازن الإنسان .. فالفتوح قادمة والوعود كشمس الغد مشرقة لا محالة .. وإذا لم يتهيأ المسلم بثقافة التوازن فسوف يجد نفسه مجرد رقم على سطح الأرض .. يقول أبو سعيد الخدري وأبو هريرة ﵄: "إن
стр. 961
رسول الله ﷺ استعمل رجلًا على خيبر فجاءه بتمر جنيب فقال رسول الله ﷺ : أكل تمر خيبر هكذا فقال: لا والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين بالثلاثة فقال: لا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبًا" (١) لأن التمر من الأموال التي يحدث فيها الربا وقد "قال رسول الله ﷺ الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلًا بمثل سواء بسواء يدًا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد" (٢) فالربا ممر يعبر من خلاله الاستغلال والفقر وانهيار الأخلاق والاقتصاد .. وهو جشع قديم يتجدد كلما غفت الأخلاق ونهضت الغرائز العمياء داخل الإنسان .. والنبي ﵇ يريد ردم هذا الممر الخطير على دولته وشعبه .. كما يريد ردم أي ممر يعبر منه خطر إلى دولته الجديدة بالتوحيد .. لذلك عاد ﷺ إلى
بث السرايا من جديد
فأمام النبي ﷺ قائمة طويلة بالمهمات الملحة والمخاطر والأزمات التي يتحتم عليه علاجها والقضاء عليها بعد كسر شوكة الخيانة اليهودية وتحييد قريش وحلفائها .. ففي الجزيرة العربية بؤر للإرهاب لا تخضع لدولة ولا لنظام قائم ولا لمفاوضات أو شروط ولا حتى لعرف أو شرف .. هناك جماعات إرهابية تعيش خارج التاريخ الذي بدأ ﷺ يكتبه بالتوحيد والإِسلام .. وقد حان الوقت لتأديبها والقضاء عليها .. وهى وإن كانت صغيرة إلا أنها مزعجة ومؤلمة ومعيقة للمد الإسلامى .. وهى تلوث الجزيرة والدنيا بالشرك وقطع الطريق ووأد البنات والنهب والسلب والقتل والفوضى
стр. 962
وإرعاب القوافل والمدن .. وهذا هو أنسب وقت للتخلص منها أو من معظمها .. لذلك يتحتم عدم إهدار فرصة السلام مع قريش لتأمين ممرات المسافرين والتجار والحجاج .. وتأمين حدود المدينة وفرض هيبتها ووجودها في ظل هذه الأوضاع المتدهورة في الجزيرة العربية .. لذلك نظم النبي ﷺ سرايا للقيام بتلك المهمات .. وقد لخص ﷺ مطالبه من أولئك الأعراب برسالة حملها أعرابي إلى من تسول له نفسه إعادة الجزيرة إلى همجية الجاهلية .. وقد بقيت تلك الرسالة في خرج ذلك الأعرابي زمنًا طويلًا .. رجل اسمه: يزيد بن الشخير يتحدث عن تلك الرسالة فيقول: "كنا جلوسًا بهذا المربد بالبصرة فجاء أعرابي معه قطعة أديم أو قطعة من جراب فقال هذا كتاب كتبه لي النبي ﷺ فأخذته فقرأته على القوم فإذا فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم من محمَّد رسول الله ﷺ لبني زهير بن أقيش إنكم إن أقمتم الصلاة .. وآتيتم الزكاة .. وأعطيتم من المغانم الخمس وسهم النبي والصفي .. فأنتم آمنون بأمان الله وأمان رسوله" (١).
ولعل من أهم تلك السرايا سرية مهمتها تأديب فزارة الذين أغاروا على المدينة وسرقوا ما سرقوا مستغلين تواجد النبي ﷺ على أرض الحديبية لكن وصول سلمة بن الأكوع ساهم في إفشال ذلك السطو المسلح على المدينة .. وقد أرجأ ﷺ تأديبهم إلى حين عودته من خيبر ثم كلف صاحبه أبا بكر الصديق ﵁ بقيادة وتنفيذ:
стр. 963
غزوة فزارة
وقد شارك في هذه الغزوة سلمة بن الأكوع فارس تلك الغزوة السابقة المسماة (ذات قرد أو الغابة) .. وهو فارس بمقاييس جيش .. وهو الآن يتحدث عن تأديب قطاع الطرق للمرة الثانية بعد أن أدب طلائعهم في الغابة .. يقول ﵁: "غزونا فزارة وعلينا أبو بكر أَمَّرَهُ رسول الله ﷺ علينا فلما كان بيننا وبين الماء ساعة أمرنا أبو بكر فعرسنا ثم شن الغارة فورد الماء فقتل من قتل عليه وسبى وأنظر إلى عنق من الناس فيهم الذراري فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل فرميت بسهم بينهم وبين الجبل فلما رأوا السهم وقفوا فجئت بهم أسوقهم وفيهم امرأة من بنى فزارة عليها قشع من أدم -القشع النطع- معها ابنة لها من أحسن العرب فسقتهم حتى أتيت أبا بكر فنفلني أبو بكر ابنتها فقدمنا المدينة وما كشفت لها ثوبًا فلقيني رسول الله ﷺ في السوق فقال يا سلمة هب لى المرأة فقلت يا رسول الله والله لقد أعجبتنى وما كشفت لها ثوبًا ثم لقيني رسول الله ﷺ من الغد في السوق فقال لي يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك فقلت هي لك يا رسول الله فوالله ما كشفت لها ثوبًا فبعث بها رسول الله ﷺ إلى أهل مكة ففدى بها ناسًا من المسلمين كانوا أسروا بمكة" (١) وهو لا يعني بكلمة أسروا أن أسرهم كان عن طريق الحرب .. إنما يقصد أولئك المسلمين المستضعفين الذين منعوا قهرًا من الهجرة إلى نبيهم ﷺ .. وقد استحقت فزارة ما أصابها من جيش أبي بكر فقد شاركوا قريشًا في معركة الخندق كجزء من غطفان .. ولم يكتفوا بذلك بل قاموا بالإغارة على المدينة وسرقوا وقتلوا .. وهذا النوع من الإرهاب وقطع الطريق
стр. 964
خارج عن نطاق العقل .. ولا تجدي مع هذه الهمجية أساليب الحوار ولا تنقاد لحق إلا بعد كسر شوكتها .. أما من لم يتعرض لدولة الإِسلام بشر فلن يتعرض له أحد .. بل سيجد من دولة التوحيد وجيشها صدورًا مفتوحة وأخلاقًا رفيعة آسرة كما حدث في هذه السرية التي قادها ﵇ بنفسه .. وكانت:
سرية من أربعين رجلًا وامرأة تقود قومها إلى الإسلام
سرية مثيرة كلها دعوة ومعجزات .. أحد فرسانها صحابي جليل اسمه عمران بن حصين وهو يقول: "كنت مع نبي الله ﷺ في مسير له فأدلجنا ليلتنا حتى إذا كان في وجه الصبح عرسنا فغلبتنا أعيننا حتى بزغت الشمس .. فكان أول من استيقظ منا أبو بكر وكنا لا نوقظ نبي الله ﷺ من منامه إذا نام حتى يستيقظ ثم استيقظ عمر فقام عند نبي الله ﷺ [فلما استيقظ عمر ورأى ما أصاب الناس وكان رجلًا جليدًا فكبر ورفع صوته بالتكبير فما زال يكبر ويرفع صوته بالتكبير] حتى استيقظ رسول الله ﷺ فلما رفع رأسه ورأى الشمس قد بزغت قال: ارتحلوا. [فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله .. فاتتنا الصلاة فقال: لم تفتكم، ثم أمرهم رسول الله ﷺ فركبوا] فسار بنا حتى إذا ابيضت الشمس نزل [ونزلوا معه وكأنه كره أن يصلي في المكان الذي نام فيه عن الصلاة ثم قال رسول الله ﷺ ائتوني بماء، فأتوه بجريعة من ماء في مطهرة فصبها رسول الله ﷺ في إناء ثم وضع يده في الماء تم قال لأصحابه: توضؤوا] [ثم أمر رسول الله ﷺ أن ينادى بالصلاة، فنودي بها ثم قام] فصلى بنا الغداة فاعتزل رجل من القوم لم يصل معنا .. فلما انصرف قال له رسول الله ﷺ يا فلان ما منعك أن تصلى معنا؟ قال: يا نبي الله أصابتني جنابة فأمره رسول الله ﷺ فتيمم
стр. 965
بالصعيد فصلى. ثم عجلني في ركب بين يديه نطلب الماء وقد عطشنا عطشًا شديدًا [فأقبل رجلان من أصحابه أحسبه عليًا والزبير أو غيرهما قال إنكما ستجدان بمكان كذا وكذا امرأة معها بعير عليه مزادتان فأتياني بها] فبينما نحن نسير إذا نحن بامرأة سادلة رجليها بين مزادتين فقلنا لها أين الماء قالت: أيهاه .. أيهاه لا ماء لكم قلنا: فكم بين أهلك وبين الماء قالت مسيرة يوم وليلة قلنا انطلقى إلى رسول الله ﷺ قالت: وما رسول الله [ومن رسول الله هذا الصابئ؟ قالا هو الذي تعنين وهو رسول الله ﷺ ] فلم نملكها من أمرها شيئًا حتى انطلقنا بها فاستقبلنا بها رسول الله ﷺ .. فسألها فأخبرته مثل الذي أخبرتنا وأخبرته أنها موتمة لها صبيان أيتام [فقال على: يا رسول الله بأبي وأمى إنا وجدنا هذه بمكان كذا وكذا .. فسألتها عن الماء فزعمت أن بينها وبين الماء مسيرة ليلة أو زيادة فظننا أن لم نبلغه حتى يهلك منا من هلك .. فقال رسول الله ﷺ : أنيخوا لها بعيرها .. فأناخوا لها بعيرها. فأقبلت عليهم. فقالت: استقيت لأيتام .. وقد احتبست عليهم جدًا .. فقال رسول الله ﷺ : ائتوني بإناء فجاؤوا بإناء] فأمر براويتها فأنيخت [فقال: افتحوا عزلاء هذه فخذوا منها ماءً يسيرًا ثم افتحوا عزلاء هذه فخذوا منها ماءً يسيرًا أيضًا .. ففعلوا ثم إن الرسول ﷺ دعا فيه وغمس يده فيه فقال افتحوا لي أفواه المزادتين ففتحوا فحثا في هذه قليلًا وفي هذه قليلًا] فمج في العزلاوين العلياوين ثم بعث براويتها فشربنا ونحن أربعون رجلًا عطاشًا حتى روينا وملأنا كل قربة معنا وإداوة وغسلنا صاحبنا غير أنا لم نسق بعيرًا وهي تكاد تنضرج من الماء يعني المزادتين [ثم قال أسقوا ظهركم فسقوا الظهر حتى روي ثم قال رسول الله ﷺ : هاتوا ما كان لكم من قربة أو مطهرة فاملؤوها فجاؤوا بقربهم ومطاهرهم فملؤوها ثم قال رسول الله ﷺ : شدوا عزلاء هذه وعزلاء هذه ثم قال:
стр. 966
ابعثوا البعير فبعثوها فنهضت وإن المزادتين لتكادان تفطان من ملئهما ثم اتخذ رسول الله ﷺ كساء المرأة] ثم قال هاتوا ما كان عندكم فجمعنا لها من كسر وتمر وصر لها صرة فقال لها اذهبي فأطعمى هذا عيالك واعلمي أنا لم نرزأ من مائك [قال خذي هذا لأيتامك وهذا ماءك وافرًا فجعلت تعجب مما رأت ثم انطلقت حتى أتت أهلها فقالوا: قد احتبست علينا فما حبسك] فلما أتت أهلها قالت لقد لقيت أسحر البشر أو إنه لنبي كما زعم كان من أمره ذيت وذيت [أرأيتم مزادتي هاتين فوالله لقد شرب منهما] [وأخذوا من القرب والمزاد والمطاهر ما لا أحصي ثم إنهما الآن أوفر منهما يومئذ فلبثت شهرًا أو نحوًا من ذلك] فهدى الله ذاك الصرم بتلك المرأة فأسلمت وأسلموا [ثم أقبلت في ثلاثين راكبًا إلى رسول الله ﷺ ] " (١) فاستقبلها بالقلب الذي يستقبل به كل حبيب مهاجر إلى مدينة التوحيد .. وقدم لأصحابه طرازًا نسويًا رفيع المستوى .. امرأة تتسلل إبداعًا في عقول قومها وتمحو ذاكرة وثنية متخثرة موغلة في القدم .. ثم تقنعهم بالمسير معها في رحلة ممتعة نحو مدينة الوعي الجديد بعد شهر من نشر التوحيد في بيوتات قومها ..
إنجاز غير مسبوق للمرأة في زمن قياسي مدهش لم ينجزه سوى النبي ﷺ .. والمرأة قادرة على أكثر من ذلك لكن ذلك مشروط بقدرتها على التخلص من عقد القصور والاضطهاد والأنوثة التي تتذرع بها للتفلت
стр. 967
من مسؤولياتها .. حيث يأتي الوعى والتحرر بالإِسلام في مقدمة تلك المسؤليات .. في تلك الغزوة لم تؤخذ تلك المرأة سبية .. ولم تجد من ذلك الجيش إلا ما يسرها ويفرح أيتامها لأنها لم تمارس أي شيء ضد الدولة الإِسلامية .. حتى ذلك الماء الذي كانت تحمله لم يؤخذ منه قطرة واحدة .. بل لقد كان النبي ﷺ غيمة كرم ظللتها عندما أمر صحابته بتزويدها بالطعام وهم في أمس الحاجة إليه تعبيرًا عن مواساته لها ولظروفها العائلية وما تعول من أيتام ..
وإذا كانت تلك السرية عادت محملة بالمشاعر والعطايا والإيمان .. فإن هناك سرايا عادت ببعض الكدر رغم تنفيذها لمهماتها المناطة بها .. وتلك طبيعة البشر التي يفترض فيها الصواب والخطأ .. لكن تلك الأخطاء قدمت دروسًا في العقيدة والفكر.
درس في حدود طاعة الأمراء
سرية بعثها ﷺ وعيَّن أحد الأنصار أميرًا عليها: يقول "علي ﵁ بعث النبي ﷺ سرية فاستعمل عليها رجلًا من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه فغضب فقال: أليس أمركم النبي ﷺ أن تطيعوني؟ قالوا: بلى .. قال: فاجمعوا لي حطبًا .. فجمعوا .. فقال: أوقدوا نارًا .. فأوقدوها .. فقال: ادخلوها فهموا وجعل بعضهم يمسك بعضًا ويقولون: فررنا إلى النبي ﷺ من النار .. فما زالوا حتى خمدت النار .. فسكن غضبه .. فبلغ النبي ﷺ فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة، الطاعة في المعروف" (١).
стр. 968
وقد كرر هذه الأوامر أحد المهاجرين ممازحًا فرقته .. هذا المهاجر يدعى عبد الله بن حذافة السهمي وهو الآن في سرية تحت إمرة صحابي اسمه: علقمة ابن مجزز يقول "أبو سعيد الخدري إن رسول الله ﷺ بعث علقمة بن مجزز على بعث أنا فيهم فلما انتهى إلى رأس عرانة أو كان ببعض الطريق استأذنته طائفة من الجيش .. فأذن لهم وأمر عليهم عبد الله ابن حذافة بن قيس السهمي .. فكنت فيمن غزا معه فلما كان ببعض الطريق أوقد القوم نارًا ليصطلوا أو ليصنعوا عليها صنيعًا .. وقال عبد الله كانت فيه دعابة: أليس لي عليكم السمع والطاعة؟ قالوا: بلى .. قال: فما أنا آمركم بشيء إلا صنعتموه .. قالوا: نعم .. قال: فإني أعزم عليكم إلا تواثبتم في هذه النار .. فقام ناس فتحجزوا .. فلما ظن أنهم واثبون قال: أمسكوا على أنفسكم فإنما أمزح معكم .. فلما قدمنا ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: من أمركم منهم بمعصية فلا تطيعوه" (١). فليس الحاكم أو الأمير أو القائد نائبًا عن الله ولا متحدثًا باسمه وليس له من صلاحيات التشريع والتحليل والتحريم ما يحلل به حرامًا أو يحرم حلالًا .. حتى في بيت المال المنثور بين يديه يقول ﷺ لعلي بن أبي طالب شيئًا خطيرًا .. ها هو علي يحدث به رجلًا يطالبه بشيء من الرفاهية في المائدة على الأقل .. اسم هذا الرجل: عبد الله بن زرير وهو يقول: "دخلت على علي بن أبي طالب ﵁ يوم الأضحى فقرب إلينا خزيزة (٢) فقلت أصلحك الله لو قربت إلينا من هذا البط يعني الوز فإن الله قد أكثر الخير فقال يا ابن زرير إني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
стр. 969
لا يحل للخليفة من مال الله إلا قصعتان قصعة يأكلها هو وأهله وقصعة يضعها بين يدي الناس" (١) وإذا كانت هذه السرية قد بينت حدود نفوذ القائد فإن هناك:
سرايا تحدد صلاحيات المجاهد المسلم
فهو لم يخرج من بيته وبلاده ليملأ بطنه أو جيبه ولم يخرج ليرضي غرورًا تراقص في رأسه .. هو محارب مميز بين كل المحاربين .. لم يخرجه من بيته سوى شيء واحد: أن تكون كلمة الله هي العليا .. ولكى يكون هذا الهدف نقيًا بين جوانحه عليه -قبل أن يخرج- أن يدفن تحت بوابة مدينته أشياء كثيرة منها: المال والشهرة والهوى والرغبة في الانتقام للنفس و .. و .. لكى يتفرغ لشئ واحد هو إعلاء التوحيد لا فرضه بالقوة .. فإذا لم يتمكن من دفن تلك الأشياء فإنها ستنغص عليه جهده وجهاده إن لم تحوله إلى رماد لا قيمة له .. أخطاء كثيرة وقع فيها بعض الصحابة ﵃ .. لكن فعلهم ذلك لا يحسب على الإِسلام إنما يحسب عليهم أنفسهم لأن النبي ﷺ كان حيًا آنذاك وقد قام بتصحيح تلك الأخطاء التي قد يبرر من بعدهم لنفسه ممارستها متجاهلًا حكم الإِسلام فيها ممثلًا بالنبي ﷺ .. من هذه الأخطاء معجزة حدثت بعد إحدى السرايا معجزة مزلزلة ..
الأرض تلفظ جسد أحد المجاهدين
قصة تعيد الصواب للمتهورين الوالغين بدماء الأبرياء .. قصة يرويها "جندب بن سفيان رجل من بجيلة قال إني عند رسول الله ﷺ إذ جاءه
стр. 970
بشير من سرية بعثها .. فأخبره بنصر الله الذي نصر سريته وبفتح الله الذي فتح لهم .. قال: يا رسول الله .. بينما نحن بطلب العدو وقد هزمهم الله إذ لحقت رجلًا بالسيف فلما أحس أن السيف قد واقعه التفت وهو يسعى .. فقال: إني مسلم إني مسلم .. فقتلته .. وإنما كان يا نبي الله متعوذًا. قال: فهلَّا شققت عن قلبه فنظرت صادق هو أو كاذب. قال: لو شققت عن قلبه ما كان يعلمني القلب هل قلبه إلا مضغة من لحم؟ قال: فأنت قتلته، لا ما في قلبه علمت، ولا لسانه صدقت. قال: يا رسول الله .. استغفر لي .. قال: لا أستغفر لك .. فدفنوه فأصبح على وجه الأرض ثلاث مرات .. فلما رأى ذلك قومه استحيوا وخزوا مما لقي فحملوه فألقوه في شعب من تلك الشعاب" (١). لكن النبي ﷺ علم فيما بعد .. أخبره أحدهم بما حدث فكان في تفسير النبي ﷺ وتوجيهه شيئًا يستعيد الأمل لذلك الفارس الذي رفضته أحضان الأرض ..
يقول عمران بن حصين ﵁ وقد كان شاهدًا على ما حدث: "بعث رسول الله ﷺ سرية فحمل رجل على رجل من المشركين فلما غشيه بالرمح قال إني مسلم فقتله ثم أتى النبي ﷺ فقال: إني أذنبت فاستغفر لي .. قال: وما ذاك؟ قال: حملت على رجل من المشركين فلما
стр. 971
غشيته بالرمح قال: إني مسلم فظننت أنه متعوذ .. فقتلته .. فقال: هلا شققت عن قلبه حتى يستبين لك؟ قال ويستبين لي يا رسول الله؟ قال: قد قال لك بلسانه فلم تصدقه على ما في قلبه.
فمات الرجل فدفناه فأصبح على وجه الأرض فأمرنا غلماننا فحرسوه فأصبح على وجه الأرض .. فقلنا: غفلوا .. فحرسناه .. فأصبح على وجه الأرض .. فأتينا النبي ﷺ فأخبرناه فقال: أما إنها تقبل من هو شر منه .. ولكن الله أراد أن يعلمكم تعظيم الدم .. ثم قال: اذهبوا به إلى سفح هذا الجبل فانضدوا عليه من الحجارة ففعلنا" (١).
وهذه سرية أخرى يأذن ﷺ لحبه أسامة بن زيد بالانضمام إليها بعد بلوغه .. لكن حماس أسامة والشباب المتقد تحت ثيابه جعله يتمادى في إعطاء فروسيته ما ليس لها .. فكانت زلة عمره التي لم يستطع نسيانها طوال حياته .. وندمه الذي لم يقو على الهروب منه.
في سرية الحرقات أسامة يقتل رجلًا يقول لا إله إلا الله
ولما عاد إلى المدينة أحس بتأنيب الضمير وزاحم أنفاسه شعور بالذنب .. ولم يكن له ملاذ سوى النبي ﷺ يبوح له بما في نفسه ويصحح به سلوكه ذلك إن كان مخطئًا .. يقول ﵁:
стр. 972
"بعثنا رسول الله ﷺ في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة فأدركت رجلًا فقال: لا إله إلا الله فطعنته فوقع في نفسي من ذلك .. فذكرته للنبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : أقال لا إله إلا الله وقتلته؟ قلت: يا رسول الله إنما قالها خوفًا من السلاح .. قال: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ" (١) لهول ما ارتكبه على نفسه ..
أسامة هو حبيب النبي ﷺ الذي كان يحمله بين يديه إلى المسجد
.. أسامة الذي كان ﷺ يطهر جرحه بفمه العطر .. ويوصى به عائشة ﵂ قائلًا "يا عائشة أحبيه فإني أحبه" (٢) أسامة الذي يتحدث بنفسه عن مساحته داخل النبي ﷺ فيقول "كان رسول الله ﷺ يأخذني فيقعدني على فخذه ويقعد الحسن على فخذه الآخر ثم يضمهما ثم يقول اللَّهم ارحمهما فإني أرحمهما" (٣) .. كل هذا الحب لا يبرر لأسامة ذلك الخطأ ولا يمنحه حق التحدث عن أسرار القلوب والنوايا .. فالمتحدث الرسمي لجميع القلوب هو الوحي والوحي فقط .. فإذا لم يكن ثم وحي فالقلب هو ما أمامك لا ما تسافر بك الظنون إليه .. ها هو أحد الصحابة واسمه عتبان بن مالك يعاني من أمرين .. الأول مرض يكبل جسده عن الوصول إلى المسجد .. والأمر الآخر: رجل كثرت مضايقته للصحابة لدرجة جزم بها بعضهم أنه من المنافقين .. فكان لا بد من تسليم هذه الحيرة الغامضة بثقلها إلى النبي ﷺ فماذا فعل عتبان وماذا فعل أصحابه الذين يتمنون؟
стр. 973
اغتيال المنافقين
(يقول ﵁: أصابني في بصري بعض الشيء فبعثت إلى رسول الله ﷺ أني أحب أن تأتيني فتصلي في منزلي فأتخذه مصلى .. فأتى النبي ﷺ ومن شاء الله من أصحابه فدخل وهو يصلي في منزلي وأصحابه يتحدثون بينهم ثم أسندوا عظم ذلك وكبره إلى مالك بن دخشم قالوا: ودوا أنه دعا عليه فهلك وودوا أنه أصابه شر فقضى رسول الله الصلاة وقال: أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قالوا: إنه يقول ذلك وما هو في قلبه .. قال ﷺ : لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فيدخل النار أو تطعمه) (١) وإذا كان هناك من الصحابة من ألجمه الحلم عن التهور فاكتفى بطلب الدعاء على مالك بن دخشم .. فإن هناك من الحماس ما جعل أحد الصحابة يحمل سيفه نحو النبي ﷺ كي يأذن له بالقضاء على رجل يجزم بنفاقه .. :
شاهده صحابي اسمه عبيد الله بن عدي وتحدث عنه فقال: "إن رجلًا سارَّ رسول الله ﷺ فلم ندر ما ساره به حتى جهر رسول الله ﷺ فإذا هو يستأمر في قتل رجل من المنافقين فقال رسول الله ﷺ : أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: بلى ولا شهادة له .. قال: أليس يصلي؟ قال: بلى ولا صلاة له .. فقال النبي ﷺ : أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم" (٢) وماذا بعد أولئك الذين تتفوه أعمالهم بأشياء فظيعة .. لا شيء سوى أن المسلم غير معني باقتفاء مواطئ القلوب ولا مراميها.
.. هو معني بتجديد الحياة بالإسلام .. بالبحث عن الخصوبة وإثراء
стр. 974
سهولها بالجديد .. لا بالوقوف أمام العقم وإهدار العمر في التحسر عليه .. أما النتائج فهو أكبر من أن يصر على أن تمثل بين عينيه قبل أن يمثل أجله .. إن جاءت فيا لها من نتائج وإن تأخرت فقد سبقها إلى ما هو أبهى وأبقى كما سبق هؤلاء الفرسان غيرهم من الأحياء .. فرسان:
سرية الاثنى عشر شهيدًا
ففي المدينة وبينما كانت إحدى النساء مسافرة في منامها شاهدت في طريق الأحلام رحلة هؤلاء الشهداء إلى الجنة .. يقول أنس ﵁ "كان رسول الله ﷺ تعجبه الرؤيا الحسنة فربما قال هل رأى أحد منكم رؤيا؟ فإذا رأى الرجل رؤيا سأل عنه فإن كان ليس به بأس كان أعجب لرؤياه إليه فجاءت امرأة فقالت: يا رسول الله .. رأيت كأني دخلت الجنة فسمعت بها وجبة ارتجت لها الجنة فنظرت فإذا قد جيء بفلان بن فلان وفلان بن فلان حتى عدَّتْ اثنى عشر رجلًا -وقد بعث رسول الله ﷺ سرية قبل ذلك- فجيء بهم عليهم ثياب طلس تشخب أوداجهم فقيل: "اذهبوا بهم إلى نهر السدخ أو قال: إلى نهر البيدج .. فغمسوا فيه فخرجوا منه وجوههم كالقمر ليلة البدر .. ثم أتوا بكراسي من ذهب فقعدوا عليها وأتى بصحفة أو كلمة نحوها فيها بسرة فأكلوا منها فما يقلبونها لشق إلا أكلوا من فاكهة ما أرادوا وأكلت معهم .. فجاء البشير من تلك السرية فقال: يا رسول الله .. كان من أمرنا كذا وكذا وأصيب فلان وفلان حتى عد الاثني عشر الذين عدتهم المرأة قال رسول الله ﷺ : عليَّ بالمرأة فجاءت قال قُصِّي على هذا رؤياك فقصت قال هو كما قالت لرسول الله ﷺ ) (١).
стр. 975
وهذا هو الهدف والنتيجة الأسمى والأهم في حركة المؤمن حتى الموت ..
سافر أولئك الشهداء إلى النعيم وبقي من بقى من رفاقهم ينتظرون الحصول على مقعد في تلك الرحلة الحلم .. ولعل من أكثرهم شوقًا أولئك الذين عبروا الصحاري والبحار مهاجرين من الحبشة واليمن .. حيث كانت إحدى السرايا تنتظرهم في رحلة لا تقل عن معاناتهم السابقة .. سرية لدى أبي موسى سر تسميتها بـ:
غزوة ذات الرقاع الثانية
يقول ﵁: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه قال فنقبت أقدامنا فنقبت قدماي وسقطت أظفاري فكنا نلف على أرجلنا الخرق فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب على أرجلنا من الخرق" (١) لكن أبا موسى ندم على ذكر معاناته خشية أن يعكر ذلك الحديث صفاء نيته .. حيث يقول ابنه "أبو بردة فحدث أبو موسى بهذا الحديث ثم كره ذلك قال كأنه كره أن يكون شيئًا من عمله أفشاه" (٢) وذات الرقاع هذه تختلف عن غزوة ذات الرقاع السابقة لأن تلك الغزوة سميت هكذا لمرور الجيش بمكان يقال له ذات الرقاع .. ومن سياق تلك الغزوة يتبين أن العدد كان أكثر من ستة بكثير كما أن الجمال هناك كانت متوفرة لأن جابرًا كان طوال الرحلة يركب جمله الهزيل الذي
стр. 976
اشتراه منه النبي ﷺ .. كما أن جابرًا ﵁ كان قد تزوج حديثًا أي بعيد وفاة والده ﵁ .. ولم يعلم ﷺ بذلك إلا بعد أن أخبره جابر .. أما هذه الغزوة فسماها أبو موسى والستة الذين معه ﵃ هذا الاسم لقلة الأحذية وهى سرية صغيرة ولم يحدد أبو موسى وجهتها .. لكن أبا هريرة ﵁ يحدد وجهة جيش شارك فيها .. بل لقد سماها بـ:
غزوة نجد
وقد جرت في هذه الغزوة أحداث أثارت تساؤل أحد الرجال الذين سألوا أبا هريرة فقالوا له: "هل صليت مع النبي ﷺ صلاة الخوف؟ فقال أبو هريرة نعم. قال متى؟ قال كان عام غزوة نجد فقام رسول الله ﷺ لصلاة العصر وقامت معه طائفة وطائفة أخرى مقابل العدو ظهورهم إلى القبلة فكبر رسول الله ﷺ وكبروا معه جميعًا الذين معه والذين يقابلون العدو ثم ركع رسول الله ﷺ ركعة واحدة وركع معه الطائفة التي تليه ثم سجد وسجدت الطائفة التي تليه والآخرون قيام مما يلي العدو ثم قام رسول الله ﷺ وقامت الطائفة التي تليه فذهبوا إلى العدو فقابلوهم وأقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله ﷺ قائم كما هو ثم قاموا فركع رسول الله ﷺ ركعة أخرى فركعوا معه وسجدوا معه ثم أقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله ﷺ قاعد ومن معه ثم كان السلام فسلم رسول الله ﷺ وسلموا جميعًا فكان لرسول الله ﷺ ركعتان ولكل رجل من الطائفتين ركعتان ركعتان" (١) كانت تلك الغزوات تأديبًا للمعتدين وتأمينًا لطرق التجار
стр. 977
والحجاج وحدود دولة الإِسلام التي تريد فرض هيبتها على من لا يؤمنون بأخلاقيات الجوار ولا رصيد عندهم لمفهوم العهود والمواثيق .. وبدأ الجميع ينعمون بأمن الطرق بعد تلك السرايا الناجحة إلا قوافل قريش ... فأبو جندل وأبو بصير ورفاقهما المشردون في البراري الممنوعون من حق العيش بأمان في دولتهم وبين أحبتهم في المدينة .. والذين مارست قريش أقصى حالات التطرف في مصادرة حرياتهم .. كان هؤلاء يمارسون عنفًا مضادًا لكنه كان منضبطًا وموجهًا بدقة نحو سبب معاناتهم فقط دون غيره .. هذا الهدف المحدد هو قريش وقوافلها .. فقد أغلقت قريش أبواب الأرض دونهم حتى منعتهم من دخول المدنية .. وهذا العنف يبرأ منه النبي ﷺ وتبرأ منه دولته لكنها لا تمنعه لأنه صراع من أجل البقاء والكرامة .. هو دفاع عن النفس وجزاء من جنس العمل لا أكثر ولا أقل .. مرت هذه الأحداث وغيرها ومرت الأيام والشهور فإذا عام كامل يكاد ينصرم .. وهذا يعني اقتراب نهاية عام على تاريخ عمرة الحديبية التي لم يتمكن المؤمنون من أدائها بعد أن منعتهم قريش وطلبت منهم العودة بعد عام .. وها هو الموعد يقترب والنبي ﷺ يأمر أصحابه بالتهيئ للتوجه لأداء:
عمرة القضاء
أي العمرة البديلة لعمرة الحديبية حسب اتفاق الطرفين .. ولها استعد المسلمون وسط ظروف معنوية مرتفعة بفتح خيبر وعودة المهاجرين من
стр. 978
الحبشة .. أما المشركون فيعانون من الإحباط الشديد فمحمد يستولي على خيبر ودولته تتعاظم كل ثانية وسمعته سحابة عطر تطوف الجزيرة .. وأبو جندل ومن معه يقضون مضاجع قريش وقوافلها .. وقوائم ضحايا أبي بصير وأبي جندل تصل إلى قريش محملة بالنواح والعويل والندم على ذلك الشرط المكتوب بالغطرسة الوثنية .. وتسير قافلة المؤمنين ملتزمة بشروط قريش التي تقول:
"لا يدخل مكة السلاح إلا السيف في القراب وأن لا يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن يتبعه وأن لا يمنع من أصحابه أحدًا إن أراد أن يقيم بها" (١)
تسير قافلة المؤمنين ملتزمة بالسكينة والهدوء حسب الشروط والاتفاقية الموقعة بين الطرفين .. وتقترب من مكة الحبيبة فتشرع نوافذ الأرواح وأبواب للذكريات وأيام الطفولة والمعاناة .. آه ما أجمل مكة وأطيب ريحها .. لكن أصدقاء الفشل وأعداء النجاح يمارسون دومًا السخرية من المتفوقين عليهم ردمًا لهوة الإحباط التي يعانون منها .. وهو ما تتلفظ به قريش الآن بعد رؤيتها لمحمد وأصحابه في طرقات مكة ودروبها .. لكن النبي ﷺ يجيد وأد السخرية في مهدها .. يحشو جوفها بجمر التفوق .. عبد الله بن عباس طفل يعيش في مكة مع والده العباس بن عبد المطلب كان هناك .. شاهد ما حدث وتحدث فقال: "قدم رسول الله ﷺ وأصحابه مكة وقد وهنتهم حمى يثرب قال المشركون إنه يقدم عليكم غدًا قوم قد وهنتهم الحمى ولقوا منها شدة فجلسوا مما يلي الحجر وأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا ثلاثة أشواط ويمشوا ما بين الركنين ليرى
стр. 979
المشركون جلدهم فقال المشركون هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم؟ هؤلاء أجلد من كذا وكذا قال ابن عباس ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم" (١) و"إنما سعى رسول الله ﷺ ورمل بالبيت ليري المشركين قوته" (٢) والرمل هو الإسراع في المشي وهي حالة وسط بين الركض والمشي ..
وإذا كان الرمل يغيض المشركين فإن الشعر كان يطوف حول الكعبة .. عبد الله بن رواحة أحد شعراء العصر والإِسلام كان لسانًا من اللهب يطوف حول الكعبة .. ويحرق ما تبقى من معنويات لقريش .. أغمدت السيوف لكن عبد الله بن رواحة لم يغمد شعره .. يقول "أنس: إن النبي ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء وعبد الله بن رواحة بين يديه يمشي وهو يقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تنزيله
ضربًا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله
فقال له عمر يا ابن رواحة بين يدي رسول الله ﷺ وفي حرم الله تقول الشعر فقال له النبي ﷺ خل عنه يا عمر فلهي أسرع فيهم من نضح النبل" (٣) وتحسبًا لأي مكروه يقول أحد الصحابة وهو ابن أبي أوفى "لما اعتمر رسول ﷺ سترناه من غلمان المشركين ومنهم، أن يؤذوا رسول
стр. 980
الله ﷺ " (١) أتم ﷺ وأصحابه عمرتهم وعطروا أرواحهم بأجواء مكة الحلم .. ومكثوا حسب الاتفاق المبرم ثلاثة أيام .. تمتعوا بقرب بيت الله الحرام .. وخلال هذه الأيام طلب ﷺ يد امرأة اسمها ميمونة بنت الحارث.
الزواج بميمونة
وميمونة هي أخت زوجة العباس عم النبي ﷺ .. وابن أختها عبد الله ابن عباس ﵄ يتحدث عن زواج خالته فيقول:
"تزوج النبي ﷺ ميمونة في عمرة القضاء" (٢) ويقول ابن عباس "تزوج النبي ﷺ ميمونة وهو محرم وبنى بها وهو حلال" (٣) لكن يبدو أن ابن عباس قد أخطأ لصغر سنة فقد كان طفلًا آنذاك لذلك توجهنا إلى ميمونة ﵂ وسألناها فقالت: "﵂ إن رسول الله ﷺ تزوجها حلالًا وبنى بها حلالًا بنى بها بسرف" (٤) وهو مكان قريب من مكة:
وقال ابن أختها الآخر يزيد الأصم: "حدثتني ميمونة بنت الحارث أن رسول الله ﷺ تزوجها وهو حلال قال وكانت خالتي وخالة بن عباس" (٥)
стр. 981
وكان العباس ﵁ هو الذي زوجها النبي ﷺ يقول ابنه عبد الله: كان الذي زوجه إياها العباس بن عبد المطلب فأقام رسول الله ﷺ بمكة" (١) وقد بقي ﷺ في مكة ثلاثة أيام هو وأصحابه يستمتعون بأجواء مكة الطيبة ... بمراتع الطفولة وذكريات الشباب .. بطرقاتها وبيوتاتها التي أرغمهم الكفر على مغادرتها. وبعد اليوم الثالث اضطروا إلى مغادرتها .. كان فراقًا مؤلمًا يتحدث عنه البراء بن عازب فيقول: "أقام رسول الله ﷺ ثلاثة أيام في عمرة القضاء فلما كان يوم الثالث قالوا لعلي إن هذا آخر يوم من شرط صاحبك فمره فليخرج، فحدثه بذلك قال: نعم فلنخرج" (٢).
فالنبي ﷺ خير من يفى بالعهود .. لكن:
النبي ﷺ يقدم عرضًا لقريش
يلتمس منهم السماح له بتمديد فترة بقائه وأصحابه في مكة أيامًا كما طلب منهم مشاركته أفراح عرسه ووليمته .. عن هذا الالتماس وعن رد قريش يقول ابن عباس ﵄: "إن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة بنت الحارث ﵂ وأقام بمكة ثلاثًا فأتاه حويطب بن
стр. 982
عبد العزى في نفر من قريش في اليوم الثالث فقالوا له: إنه قد انقضى أجلك فاخرج عنا .. قال: وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم فصنعت لكم طعامًا فحضرتموه؟ قالوا لا حاجة لنا في طعامك فاخرج عنا فخرج بميمونة بنت الحارث ﵂ حتى أعرس بها بسرف" (١) وعندما هم ﷺ بمغادرة أحب البلاد إلى قلبه لحقت به ابنة عمه وحبيبه سيد الشهداء حمزة ﵁ ورغبت في مصاحبته إلى تلك المدينة الطيبة التي آوت والدها واحتضنته إلى يوم القيامة ..
"خرج النبي ﷺ فتبعته ابنة حمزة تنادي يا عم يا عم فتناولها علي فأخذ بيدها وقال لفاطمة ﵍ دونك ابنة عمك احمليها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر .. قال علي: أنا أخذتها وهي بنت عمي .. وقال جعفر ابنة عمي وخالتها تحتي .. وقال زيد ابنة أخي فقضى بها النبي ﷺ لخالتها وقال الخالة بمترلة الأم وقال لعلي أنت مني وأنا منك وقال لجعفر أشبهت خلقي وخلقي وقال لزيد أنت أخونا ومولانا" (٢) نسيج متناغم وخلاب من العلاقات والحب حوله ﷺ .. كل يرى أنه أحق برعاية يتيمة حمزة .. وكلمات تواسي تلك القلوب المفعمة:
أنت مني وأنا منك .. أشبهت خلقي وخلقي .. أنت أخونا ومولانا ..
стр. 983
وقافلة ﵂ تحت الشجرة .. والمطايا والقلوب تتفطر بين مكة وطيبة ..
وصل ﷺ إلى المدينة .. لكن حياة من نذروا أنفسهم لإزالة تجاعيد الأرض وأحزان القلوب بالإيمان والتوحيد لا تعرف الهدوء ما دام هناك شبر يئن من وخز الأصنام والأوثان .. فالقضية ليست بحثا عن الغنائم أو سعيًا وراء دفع حدود الدولة الجديد إلى الأقصى الممكن .. هي النبوة والتوحيد ومن حق كل البشر الحصول عليها وليس من حق من يحملونها الاستئثار بها وحرمان الآخرين من التمتع بها .. وليس من حق أحد مهما كان منع صوت التوحيد من الوصول إلى القلوب .. بعد عودة النبي ﷺ من مكة قرر القيام بالتخاطب مع الدول العظمى المجاورة .. لكن قبل ذلك وصلت أخبار ووصلت شخصيات وحدثت أحداث اهتزت لها مكة والمدينة حتى الحبشة هزها ما هز مكة والمدينة .. ولم لا تهتز المدينتان وآخر داهيتين من قريش ينتزعان قلبيهما وروحيهما من مخلفات العادات والوثنية الموروثة ويتجهان بها نحو مدينة الفجر والتوحيد:
خالد بن الوليد وعمرو بن العاص يهاجران
وإسلام أمثالهما يفقد قريشًا توازنها ويصيبها في ما تبقى لها من عزم .. فأين لقريش بقائد ميداني في مثل دهاء خالد الذي يقرأ جيش خصمه كما يقرأ اسمه .. وأين لها بمثل عمرو بن العاص داهية يزحزح دهاؤه الجبال ..
كان لهذين العظيمين عناد العظماء وثقتهم بقدراتهم على حل معضلة محمَّد عاجلًا أو آجلًا .. وهذا ما يغري أمثالهما ممّن حباهم الله بعقول وقدرات ذات مواصفات قياسية .. تجد لديهم الفرح بما عندهم وحب الاستقلال والترفع عما يؤمن به ويسلكه البسطاء .. لكن الميزة في الإِسلام
стр. 984
هو أنه بسيط ومدهش ومعجز في الوقت نفسه وتلك حقيقة لا مفر منها .. وقدرته على تطويع الجبابرة والمفكرين تمامًا هي كنعومته ورقته في الإمساك بأيدي البسطاء والمساكين وأخذهم إلى حيث ينعمون .. لكن عنصر العناد والاعتداد بالنفس والحسد أحيانًا لدى العظماء يحرمهم من البوح بالحقيقة الصارخة داخل أعماقهم .. وقد كان إسلام خالد وعمرو هو الخلاص من معاناة العناد والاعتداد بالذات .. وفي قصة إسلامهما تفاصيل تلك التعرجات التي سلكتها الروح والعقل بعيدًا عن الصراط المستقيم حتى وجدا نفسيهما يومًا في صحاري أبي جهل حيث لا مكان لغير الضياع والعطش والموت .. يقول عمرو ﵁: "إني قد كنت على أطباق ثلاث لقد رأيتني وما أحد أشد بغضًا لرسول الله ﷺ مني ولا أحب إلي أن أكون قد استمكنت منه فقتلته فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار فلما" (١) .. لما .. لما ماذا يابن العاص .... "لما انصرفنا من الأحزاب عن الخندق جمعت رجالًا من قريش كانوا يرون مكاني ويسمعون مني فقلت لهم تعلمون والله إني لأرى أمر محمَّد يعلو الأمور علوًا كبيرًا منكرًا وأني قد رأيت رأيًا فما ترون فيه؟ قالوا: وما رأيت؟ قال: رأيت أن نلحق بالنجاشى فنكون عنده فإن ظهر محمَّد على قومنا كنا عند النجاشي فإنا أن نكون تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يدي محمَّد، وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرف فلن يأتينا منهم إلا خير فقالوا: إن هذا الرأي. فقلت لهم: فاجمعوا له ما نهدي له وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم فجمعنا له أدمًا كثيرًا فخرجنا حتى قدمنا عليه فوالله إنا لنعده إذ جاء عمرو بن أمية الضمري وكان رسول الله ﷺ قد بعثه إليه في شأن جعفر وأصحابه قال: فدخل عليه ثم خرج من عنده
стр. 985
قال: فقلت: لأصحابي هذا عمرو بن أمية الضمري لو قد دخلت على النجاشى فسألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه فإذا فعلت ذلك رأت قريش إني قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمَّد .. قال: فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع فقال: مرحبًا بصديقى أهديت لي من بلادك شيئًا قال: قلت: نعم أيها الملك قد أهديت لك أدمًا كثيرًا ثم قدمت إليه فأعجبه واشتهاه ثم قلت له: أيها الملك إني قد رأيت رجلًا خرج من عندك وهو رسول رجل عدو لنا فأعطنيه لأقتله فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا .. فغضب ثم مد يده فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره فلو انشقت لي الأرض لدخلت فيها فرقًا منه ثم قلت: أيها الملك والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه فقال له أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لتقتله قلت أيها الملك أكذاك هو فقال ويحك يا عمرو أطعني واتبعه فإنه والله لعلى الحق وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده قلت فبايعني له على الإِسلام قال نعم فبسط يده وبايعته على الإِسلام ثم خرجت إلى أصحابي وقد حال رأيى عما كان عليه وكتمت أصحابي إسلامي ثم خرجت عامدًا لرسول الله ﷺ لأسلم فلقيت خالد بن الوليد وذلك قبيل الفتح وهو مقبل من مكة فقلت أين يا أبا سليمان قال والله لقد استقام المنسم وإن الرجل لنبي أذهب والله أسلم فحتى متى قلت والله ما جئت إلا لأسلم فقدمنا على رسول الله ﷺ فقدم خالد بن الوليد فأسلم وبايع ثم دنوت فقلت: يا رسول الله" (١) "ابسط يمينك لأبايعك فبسط يمينه فقبضت يدي