← Сира

Сира · id 123671

الموسوعة في صحيح السيرة النبوية - العهد المكي

محمد إلياس الفالوذة

Полный текст (528 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أول من أسلم آل بيت الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ١ - زوجته السيدة خديجة ﵂. ٢ - بناته الأربع رضوان الله عليهم زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة. ٣ - حاضنته أم أيمن الحبشية ﵂. ٤ - زوجها زيد بن حارثة ﵁. ٥ - ربيبه وابن عمه علي بن أبي طالب ﵁. ٦ - ربيبه في حجره ابن خديجة هند بن أبي هالة. أول الناس إسلامًا برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم روى أحمد بسنده عن محمَّد بن كعب: أن أول من أسلم من هذه الأمة برسول الله خديجة وأول رجلين أسلما أبو بكر الصديق وعلي وأن أبا بكر أول من أظهر إسلامه. روى عبد الرزاق بسنده عن ابن عباس أن عليًا أول من أسلم، قال معمر: فسألت الزهري، فقال: ما علمنا أحدًا أسلم قبل زيد بن حارثة. (١) روى أحمد بسنده عن عبد الله قال: كان أول من أظهر إسلامه سبعة رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال والمقداد فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه. (٢)

стр. 247

نشأة علي بن أبي طالب في كنف رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم سبب هذه النشأة: قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد بن جبر بن أبي الحجاج قال: كان من نعمة الله على عليّ بن أبي طالب، ومما صنع الله له، وأراده به من الخير، أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثير؛ فقال رسول الله- ﷺ للعباس عمه، وكان من أيسر بني هاشم: "يا عباس: إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة، فانطلق بنا إليه، فلنخفف عنه من عياله: آخذ من بنيه رجلًا، وتأخذ أنت رجلًا، فنكفهما عنه؛ فقال العباس: نعم. فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا له: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى يتكشف عن الناس ما هم فيه؛ فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لي عُقَيلًا فاصنعا ما شئتما- قال ابن هشام: ويقال: عقيلًا وطالبا. فأخذ رسول الله ﷺ عليًّا، فضمّه إليه، وأخذ العباس جعفرًا فضمه إليه، فلم يزل عليّ مع رسول الله ﷺ حتى بعثه الله ﵎ نبيًا، فأتبعه عليّ ﵁، وآمن به وصدقه؛ ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه. (١) إسلام على بن أبي طالب ﵁ حديث بريدة، قال: أوحى الله تعالى إلى رسوله ﷺ يوم الاثنين، وصلى عليٌّ يوم الثلاثاء. قلت: صحيح. (٢)

стр. 248

أول صلاة صلاها علي بن أبي طالب عند إسلامه مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم العصر حدثنا إبراهيم بن سعيد (الجوهري، حدثنا الحسين) بن محمَّد، ثنا سليمان بن قرم عن أبي الجحَّاف، عن أبي عبد الرحيم الزَّمِنِ عن زَاذَانَ، عن عليٍّ قال: "كانت أول صلاة ركعنا فيها العصر، فقلت يا رسول الله ما هذا؟ فقال: بهذا أمرتُ". (١) إسلام الصديق ﵁ عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: خرج أبو بكر الصديق يريد رسول الله ﷺ وكان له صديقًا في الجاهلية، فلقيه، فقال: يا أبا القاسم، فقدت من مجالس قومك، واتهموك بالعيب لآبائها وأمهاتها. فقال رسول الله ﷺ : "إني رسول الله ﷺ أدعوك إلى الله جَلَّ وعَزَّ. فلما فرغ رسول الله ﷺ من كلامه أسلم أبو بكر. فانطلق عنه رسول الله ﷺ وما بين الأخشبين أحد أكثر سرورًا منه بإسلام أبي بكر. ومضى أبو بكر وراح لعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، فأسلموا. ثم جاء الغد عثمان بن مظعون، وأبو عبيدة بن الجراح، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد، والأرقم بن أبي الأرقم، فأسلموا. [﵃] ". قال رسول الله ﷺ : (إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر: صدق وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي، فهل أنتم تاركو لي صاحبي) (٢) قال النبي ﷺ : (ما كلمت في الإِسلام أحدًا إلا أبى عليَّ وراجعني الكلام إلا ابن أبي قحافة فإني لم أكلمه في شيءٍ إلا قبله وسارع إليه). (أبو نعيم عن ابن عباس ﵁).

стр. 249

إسلام أمهات كبار الصحابة عن ابن عباس ﵁ قال: (أسلمت أم أبي بكر وأم عثمان، وأم طلحة، وأم الزبير، وأم عبد الرحمن بن عوف، وأم عمار بن ياسر ﵅. الخالدون الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق ﵁ محبة قريش لأبي بكر ﵁. قال ابن إسحاق: وكان أبو بكر رجلًا مألفًا لقومه محببًا سهلًا وكان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بها وبما كان فيها من خير وشر وكان رجلًا تاجرًا ذا خلق ومعروف وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر لعلمه وتجارته وحسن مجالسته فجعل يدعو إلى الله وإلى الإِسلام من وثق به من قومه ممّن يغشاه ويجلس إليه. فأسلم بدعائه: ١ - عثمان بن عفان ﵁. ٢ - الزبير بن العوام ﵁. ٣ - عبد الرحمن بن عوف ﵁. ٤ - سعد بن أبي وقاص ﵁. ٥ - طلحة بن عبيد الله ﵁. فجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حين استجابوا له فأسلموا وصلوا وكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول فيما بلغني ما دعوت أحدًا إلى الإِسلام إلا كانت عنده كبوة ونظر وتردد إلا ما كان من أبي بكر بن أبي قحافة ما عكم عنه حين ذكرته له وما تردد فيه. (١)

стр. 250

ثم أسلم:- ١ - أبو عبيدة عامر بن الجراح. ٢ - أبو سلمة بن عبد الأسد. ٣ - الأرقم بن أبي الأرقم. ٤ - عثمان بن مظعون. ٥ - قدامة بن مظعون. ٦ - عبد الله بن مظعون. ٧ - عبيدة بن الحارث بن المطلب. ٨ - سعيد بن زيد بن نفيل وزوجته. ٩ - فاطمة بنت الخطاب. ١٠ - أسماء بنت أبي بكر الصديق. ١١ - خباب بن الأرت. ١٢ - عمير بن أبي وقاص. ١٣ - مسعود بن القاري. ١٤ - سليط بن عمرو بن عبد شمس. ١٥ - حاطب بن عمرو بن عبد شمس. ١٦ - عياش بن أبي ربيعة وزوجته. ١٧ - أسماء بنت سلامة بن مخربه. ١٨ - خنيس بن حذافة بن عدي. ١٩ - عامر بن ربيعة العنزي. ٢٠ - عبد الله بن جحش. ٢١ - أبو أحمد بن جحش. ٢٢ - جعفر بن أبي طالب وزوجته. ٢٣ - أسماء بنت عميس.

стр. 251

٢٤ - حاطب بن الحارث وزوجته. ٢٥ - فاطمة بنت المجلل. ٢٦ - حطاب بن الحارث وزوجته. ٢٧ - فكهيه بنت يسار. ٢٨ - معمر بن الحارث بن حبيب. ٢٩ - السائب بن عثمان بن مظعون. ٣٠ - المطلب بن أزهر بن عبد عوف وزوجته. ٣١ - رملة بنت أبى عوف بن صبيره. ٣٢ - نعيم بن عبد الله بن أسيد (النحام). ٣٣ - عامر بن فهيرة. ٣٤ - خالد بن سعيد بن العاص وزوجته. ٣٥ - أمينه بنت خلف بن أسعد. ٣٦ - أبو حذيفة بن عتبه بن ربيعه. ٣٧ - واقد بن عبد الله بن عبد مناف النميمي. ٣٨ - خالد بن البكير بن عبد ياليل. ٣٩ - عامر بن البكير بن عبد ياليل. ٤٠ - عاقل بن البكير بن عبد ياليل. ٤١ - إياس بن البكير بن عبد ياليل. ٤٢ - عمار بن ياسر. ٤٣ - سمية بنت خباط والدة عمار. ٤٤ - المقداد بن عمرو الكندي. ٤٥ - صهيب بن سنان. ٤٦ - بلال بن رباح. ٤٧ - أم عبيس.

стр. 252

فضائل عثمان بن عفان ﵁ عن عثمان ﵁ قال: (لقد اختبأت عند الله عشرًا: إني لرابع الإِسلام، وقد زوجني رسول الله ﷺ ابنته، ثم ابنته، وقد بايعت رسول الله ﷺ بيدي هذه اليمنى فما مسست بها ذكري، ولا تغنيتُ ولا تمنيت ولا شربت خمرًا في جاهلية ولا إسلامٍ، وقد قال رسول الله ﷺ : من يشتري هذه الربعة ويزيدها في المسجد وله بيت في الجنة! فاشتريتها وزدتها في المسجد) (١). (٢) عن عبيد الله بن عدي بن الخيار أن عثمان ﵁ قال: (إن الله بعث محمدًا ﷺ بالحق، فكنت ممّن استجاب لله ولرسوله وآمنت بما بعث به، وهاجرت الهجرتين جميعًا ونلت صهر رسول الله ﷺ ، وبايعت رسول الله ﷺ ، فوالله ما عصيته ولا غششته حتى توفاه الله، وصليت القبلتين كلتيهما وتوفي رسول الله ﷺ وهو عني راض). (٣) روى بسنده عن يزيد بن رومان قال خرج عثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله على أثر الزبير بن العرام فدخلا على رسول الله ﷺ فعرض عليهما الإسلام، وقرأ عليهما القرآن وأنبأهما بحقوق الإسلام ووعدهما الكرامة من الله، فآمنا وصدقا، فقال عثمان: يا رسول الله قدمت حديثًا من الشام فلما كنا بين معان والزرقاء فنحن كالنيام إذا منادٍ ينادينا أيها النيام هبوا فإن أحمد قد خرج بمكة، فقدمنا فسمعنا بك وكان إسلام عثمان قديمًا قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم. (٤)

стр. 253

إسلام طلحة ﵁ روى بسنده عن طلحة بن عبد الله قال: حضرت سوق بصرى، فإذا راهب في صومعته، يقول: سلوا أهل هذا المرسم أمنهم أحد من أهل الحرم، قال طلحة: قلت: نعم، أنا. فقال: هل ظهر أحمد بعد؟ قال: قلت: ومن أحمد؟ قال: ابن عبد الله بن عبد المطب، هذا شهره الذي يخرج فيه وهو آخر الأنبياء، مخرجه من الحرم، ومهاجره إلى نخل وحرةٍ وسباخٍ، فإياك أن تسبق إليه. قال طلحة: فوقع في قلبي ما قال، فخرجت سريعًا حتى قدمت مكة فقلت: هل كان من حدث؟ قالوا: نعم، محمد بن عبد الله الأمين تنبأ، وقد تبعه ابن أبي قحافة، قال: فخرجت حتى دخلت على أبي بكر، فقلت: أتَبِعْتَ هذا الرجل؟ قال: نعم، فانطلق إليه، فادخل عليه فاتبعه، فإنه يدعو إلى الحق، فأخبره طلحة بما قال الراهب فخرج أبو بكر بطلحة، فدخل به على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فأسلم طلحة، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم, بما قال الراهب، فسُرَّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. (١) إسلام الزبير بن العوام ﵁ حدثنا يعقوب بن حميد عن محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: هاجر الزبير بن العوام ﵁ إلى أرض الحبشة ثم هاجر إلى المدينة. حدثنا ابن أبي شيبة عن أبو أسامة عن هشام بن عروة قال: أسلم الزبير ﵁ وهو ابن ست عشرة سنة ولم يتخلف عن غزوة غزاها رسول الله ﷺ وقتل وهو ابن بضع وستين. (٢) حدثنا يعقوب بن الدورقي عن معمر بن سليمان عن أبيه عن حصين عن عمرو بن جاوان

стр. 254

قال: سمعت الأحنف بن قيس يقول: الزبير ﵁ حواري رسول الله ﷺ قتل بسفوان قتله بن جرموز واستعان عليه بفضالة بن حابس ونفيع. (١) إسلام عتبة بن غزوان ﵁ روى الحاكم بسنده عن خالد بن عمير العدوي قال خطبنا عتبة بن غزوان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن الدنيا آذنت بصرم وولت حذاء وإنما بقي منها صبابة كصبابة الإناء يصطبها صاحبها وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها فانتقلوا منها بخير ما يحضركم فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم فيهوى بها سبعين عاما وما يدرك لها قعرا فوالله لتملأنه أفعجبتم وقد ذكر لنا أن مصراعين من مصاريع الجنة بينهما أربعون سنة وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام ولقد رأيتني وأني لسابع سبعة مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا وإني التقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن أبي وقاص فارس الإسلام فاتزرت بنصفها واتزر سعد بنصفها وما أصبح منا اليوم أحد حي إلا أصبح أمير مصر من الأمصار وإنني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيمًا وعند الله صغيرًا أو أنها لم تكن نبوة قط إلا تناقصت حتى يكون عاقبتها ملكا وستجربون أو ستبلون الأمراء بعدي* صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه* (٢) إسلام سعد بن أبي وقاص ﵁ عن سعد ﵁ قال: (رأيت في المنام قبل أن أسلم بثلاث كأني في ظلمة لا أبصر شيئًا، إذ أضاء لي قمرٌ فاتبعته، فكأني أنظر إلى من سبقني إلى ذلك القمر، فأنظر إلى زيد بن حارثة، وإلى علي بن أبي طالب، وإلى أبي بكر ﵃، وكأني

стр. 255

أسألهم: متى انتهيتم إلى ها هنا؟ قالوا: الساعة، وبلغني أن رسول الله ﷺ يدعو إلى الإسلام مستخفيًا، فلقيته في شعب أجياد وقد صلى العصر، فقلت: إلى ما تدعو؟ قال: تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك محمدًا رسول الله، فما تقدمني أحدٌ إلا هم). حدثني إسحاق أخبرنا أبو أسامة حدثنا هاشم قال سمعت سعيد بن المسيب قال سمعت أبا إسحاق سعد بن أبي وقاص يقول "ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام وإيى لثلث الإسلام". (١) إسلام خالد بن سعيد بن العاص ﵁ عن موسى بن عقبة قال: (سمعت أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص ﵁ تقول: لما كان قبل مبعث النبي ﷺ ، بينا خالد بن سعيد ﵁ ذات ليلة نائم، قال: رأيت كأنه ملأ مكة ظلمةٌ، حتى لا يبصر امرؤٌ كفه، فبينا هو كذلك إذ خرج نور علا في السماء، فأضاء في البيت، ثم أضاء مكة كلها, ثم إلى نجد، ثم إلى يثرب فأضاءها، حتى أني لأنظر إلى البسر في النخل، قال: فاستيقظت، فقصصتها على أخي عمرو بن سعيد، وكان جزل الرأي، فقال: يا أخي! إن هذا الأمر يكون في بني عبد المطب، ألا ترى أنه خرج من حفيرة أبيهم؟ قال خالد: فإنه لما هداني الله به إلى الإسلام، قالت أم خالد: فأول من أسلم أبي، وذلك أنه ذكر رؤياه لرسول الله ﷺ فقال: يا خالد! أنا والله ذلك النور، وأنا رسول الله، فقص عليه ما بعثه الله به، فأسلم خالد، وأسلم عمرٌو بعده. (٢) أخبرنا عليّ بن محمد عن سعيد بن خالد وغيره عن صالح بن كيسان أن خالد بن سعيد قال: رأيت في المنام قبل مبعث النبي، ﷺ ، ظلمة غشيت مكة حتى ما أرى جبلًا ولا سهلا. ثم رأيت نورًا يخرج من زمزم مثل ضوء المصباح كلما ارتفع

стр. 256

عظم وسطع حتى ارتفع فأضاء لي أول ما أضاء البيت، ثم عظم الضوء حتى ما بقي من سهل ولا جبل إلا وأنا أراه، ثم سطع في السماء، ثم انحدر حتى أضاء لي نخل يثرب فيها البسر، وسمعت قائلا يقول في الضوء: سبحانه سبحانه تمت الكلمة وهلك ابن مارد بهضبة الحصى بين أذْرُحَ والأكمة، سعدت هذه الأمة، جاء نبي الأميين، وبلغ الكتاب أجله، كذبته هذه القرية، تعذب مرتين، تتوب في الثالثة، ثلاث بقيت، ثنتان بالمشرق وواحدة بالمغرب (١)، فقصها خالد بن سعيد على أخيه عمرو بن سعيد، فقال: لقد رأيت عجبًا وإني لأرى هذا أمرًا يكون في بني عبد المطلب إذ رأيت النور خرج من زمزم. (٢) روى الحاكم بسنده عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان قال كان إسلام خالد قديمًا وكان أول أخوته أسلم قبل وكان بدؤ إسلامه أنه رأى في النوم أنه وقف به على شفير النار كأن أباه يدفعه منها ويرى أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم آخذ بحقويه لا يقع ففزع من نومه فقال أحلف بالله أن هذه لرؤيا حق فلقي أبا بكر ابن أبي قحافة فذكر ذلك له فقال أبو بكر أريد بك خيرًا هذا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فاتبعه فإنك ستتبعه وتدخل معه في الإسلام والإسلام يحجزك أن تدخل فيها وأبوك واقع فيها فلقي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وهو بأجياد فقال يا محمد إلى ما تدعو فقال أدعو إلى الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله وتخلع ما كنت عليه من عبادة حجر لا يضر ولا ينفع "ولا يدرى من عبده ممّن لم يعبده قال: خالد فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم) فعلم أبوه بإسلامه وأرسل في طلبه من بقي من ولده ممّن لم يسلم ورافعًا مولاه فوجدوه فأتوا به أباه أبا أحيحة فأنبه وبكته وضربه بصريمة في يده حتى كسرها على رأسه ثم قال اتبعت محمدًا وأنت ترى خلاف قومه وما جاء به من عيب آلهتهم وعيبه من مضى من آبائهم فقال خالد قد صدق والله واتبعته فغضب أبوه

стр. 257

أبو أحيحة ونال منه وشتمه ثم قال اذهب يا لكع حيث شئت والله لأمنعنك القوت فقال خالد إن منعتني فإن الله يرزقنى ما أعيش به فأخرجه وقال لبنيه لا يكلمه أحد منكم إلا صنعت به ما صنعت به فانصرف خالد إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فكان يكرمه ويكون معه. (١) أول من أسلم من الضعفاء الأرقاء رضوان الله عليهم عن بيان عن وبرة عن همام بن الحارث قال: قال عمار بن ياسر: رأيت رسول الله ﷺ وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر. (٢) قال الحافظ في الفتح (٧: ٢٤) الأعبد: هم. ١ - بلال بن رباح. ٢ - زيد بن حارثة. ٣ - عامر بن فهيرة . ٤ - أبو فكيهه. ٥ - شقران أو عمار بن ياسر. أما المرأتان فخديجة وأم أيمن أو سمية. وأخرج ابن أبي شيبة عن هشام بن عروة عن أبيه قال: أعتق أبو بكر ممّن كان يعذب سبعة: ١ - عامر بن فهيرة. ٢ - بلال بن رباح. ٣ - زنيرة. ٤ - أم عبيس. ٥ - النهدية وأختها. ٦ - جارية بني عمرو بن المؤمل (٣) وبإسناده عن عروة: أن أبا بكر الصديق ﵁ أعتق ممّن كان يعذب في الله (سبعة فذكرهم وذكر منهم الزنيرة قال فذهب بصرها- وكانت ممّن يعذب في الله).

стр. 258

ذكر شيء من أخبار أمية بن أبي الصلت الثقفي، كان من شعراء الجاهلية وقد أدرك زمن الإسلام قال الحافظ ابن عساكر: هو أمية بن أبي الصلت، عبد الله بن أبي ربيعة بن عوف ابن عقدة بن عزة بن عوف بن ثقيف بن منبه بن بكر بن هوازن، أبو عثمان، ويقال أبو الحكم الثقفي. شاعر جاهلي قدم دمشق قبل الإسلام، وقيل إنه كان مستقيماً، وإنه كان في أول أمره على الإيمان، ثم زاغ عنه، وإنه هو الذي أراده الله تعالى بقوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾. (١) قال الزبير بن بكار: فولدت رقية بنت عبد شمس بن عبد مناف أمية الشاعر، ابن أبي الصلت، واسم أبى الصلت ربيعة بن وهب بن علاج بن أبي سلمة بن ثقيف. وقال غيره: كان أبوه من الشعراء المشهورين بالطائف، وكان أمية أشعرهم. وقال عبد الرزاق: قال الثوري: أخبرني حبيب بن أبي ثابت أن عبد الله بن عمرو قال في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ هو أمية بن أبي الصلت. (٢) وكذا رواه أبو بكر بن مردَوَيه، عن أبي بكر الشافعي، عن معاذ بن المثنى، عن مسدد، عن أبي عوانة عن عبد الملك بن عمير، عن نافع بن عاصم بن مسعود قال: أني لفي حلقة فيها عبد الله بن عمرو فقرأ رجل من القوم الآية التي في الأعراف ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ فقال: هل تدرون من هو؟ فقال بعضهم: هو صيفي بن الراهب

стр. 259

وقال آخر: بل هو بلعم رجل من بني إسرائيل. فقال: لا قال فمن؟ قال هو أمية بن أبي الصلت. وهكذا قال أبو صالح والكلبي وحكاه قتادة عن بعضهم. وقال الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا عبد الله بن شبيب الربعي، حدثنا محمد بن مسلمة بن هشام المخزومى، حدثنا إسماعيل ابن الطريح بن إسماعيل الثقفي، حدثني أبى، عن أبيه، عن مروان بن الحكم، عن معاوية بن أبي سفيان، عن أبيه، قال: خرجت أنا وأمية بن أبي الصلت الثقفي تجارًا إلى الشام، فكلما نزلنا منزلًا أخذ أمية سفرًا له يقرؤه علينا، فكنا كذلك حتى نزلنا قرية من قرى النصارى فجاءوه وأكرموه وأهدوا له وذهب معهم إلى بيوتهم. ثم رجع في وسط النهار فطرح ثوبيه وأخذ ثوبين له أسودين فلبسهما، وقال لي: هل لك يا أبا سفيان في عالم من علماء النصارى إليه يتناهى علم الكتاب تسأله؟ قلت: لا إرب لي فيه، والله لئن حدثني بما أحب لا أثق به، ولئن حدثني بما أكره لأجدن منه. قال: فذهب وخالفه شيخ من النصارى فدخل عليَّ، فقال: ما يمنعك أن تذهب إلى هذا الشيخ؟ قلت: لست على دينه. قال: وإن، فإنك تسمع منه عجبًا وتراه. ثم قال لي: أثقفى أنت؟ قلت: لا ولكن قرشي. قال: فما يمنعك من الشيخ، فوالله إنه ليحبكم ويوصي بكم. قال فخرج من عندنا، ومكث أمية عندهم حتى جاءنا بعد هدأة من الليل، فطرح ثوبيه ثم انجدل على فراشه، فوالله ما نام ولا قام. حتى أصبح كئيبًا حزينا ساقطًا غبوقه على صبوحه، ما يكلمنا ولا نكلمه. ثم قال: ألا ترحل؟ قلت: وهل بك من رحيل؟ قال نعم. فرحلنا فسرنا بذلك ليلتين، ثم قال في الليلة الثالثة: ألا تحدث يا أبا سفيان؟ قلت وهل بك من حديث؟ والله ما رأيت مثل الذي رجعت به من عند صاحبك. قال: أما إن ذلك لشيء لست فيه، إنما ذلك لشيء وجلت منه من منقلبي. قلت وهل لك من منقلب؟ قال: إي والله، لأموتن ثم لأحيين. قال: قلت: هل أنت قابل أماني؟ (١) قال: على ماذا؟ قلت على أنك لا تبعث ولا تحاسب.

стр. 260

قال: فضحك ثم قال: بلى والله يا أبا سفيان، لنبعثن ثم لنحاسبن وليدخلن فريق الجنة وفريق النار. قلت: ففي أيهما أنت أخبرك صاحبك؟ قال لا علم لصاحبي بذلك، لا في ولا في نفسه. قال: فكنا في ذلك ليلتين، يعجب مني وأضحك منه، حتى قدمنا غوطة دمشق، فبعنا متاعنا وأقمنا بها شهرين. فارتحلنا حتى نزلنا قريةً من قرى النصارى، فلما رأوه جاءوه وأهدوا له وذهب معهم إلى بيعتهم، فما جاء إلا بعد منتصف النهار، فلبس ثوبيه وذهب إليهم، حتى جاء بعد هدأة من الليل، فطرح ثوبيه ورمى بنفسه على فراشه، فوالله ما نام ولا قام. وأصبح حزينا كئيبا لا يكلمنا ولا نكلمه، ثم قال: ألا ترحل؟ قلت: بلى إن شئت. فرحلنا كذلك من بثه وحزنه ليالي، ثم قال لي: يا أبا سفيان، هل لك في المسير لنتقدم أصحابنا؟ قلت: هل لك فيه؟ قال نعم. فسرنا حتى برزنا من أصحابنا ساعة، ثم قال: هيا صخر. فقلت. ما تشاء؟ قال حدثني عن عتبة بن ربيعة، أيجتنب المظالم والمحارم؟ قلت: إي والله. قال: ويصل الرحم ويأمر بصلتها؟ قلت: إي والله. قال: وكريم الطرفين وسط في العشيرة؟ قلت: نعم. قال: فهل تعلم قرشيًا أشرف منه؟ قلت: لا والله، لا أعلم. قال: أمحوج هو؟ قلت: لا بل هو ذو مال كثير. قال: وكم أتى عليه من السن؟

стр. 261

فقلت: قد زاد على المائة. قال: فالشرف والسن والمال أزرين به. قلت: ولم ذاك يزرى به، لا والله بل يزيده خيرًا. قال: هو ذاك، هل لك في المبيت؟ قلت: لي فيه. قال فاضطجعنا حتى مر الثقل. قال: فسرنا حتى نزلنا في المنزل وبتنا به ثم ارتحلنا منه. فلما كان الليل قال لي: يا أبا سفيان. قلت: ما تشاء؟ قال هل لك في مثل البارحة. قلت: هل لك فيه؟ قال: نعم. فسرنا على ناقتين بختيتين، حتى إذا برزنا قال: هيا صخر، هيه عن عتبة بن ربيعة. قال قلت: هِيهًا فيه. قال: أيجتنب المحارم والمظالم ويصل الرحم ويأمر بصلتها؟ قلت: إي والله إنه ليفعل. قال وذو مال؟ قلت: وذو مال. قال: أتعلم قرشيًا أسود منه؟ قلت: لا والله ما أعلم. قال: كم أتى له من السن؟ قلت قد زاد على المائة. قال: فإن السن والشرف والمال أزرين به. قلت: كلا والله ما أزرى به ذلك، وأنت قائل شيئًا فقله. قال: لا، تذكر حديثي يأتي منه ما هو آتٍ. ثم قال: فإن الذي رأيت أصابني أنى جئت هذا العالم فسألته عن أشياء، ثم قلت أخبرني عن هذا النبي الذي ينتظر. قال: هو رجل من العرب. قلت: قد علمت أنه من العرب، فمن أي العرب هو؟ قال: من أهل بيتٍ تحُجُّه العرب. قلت: وفينا بيت تحجه العرب. قال: هو من إخوانكم من قريش. فأصابني والله شيء ما أصابني مثله قط، وخرج من

стр. 262

يدي فوز الدنيا والآخرة، وكنت أرجو أن أكون إياه. قلت: فإذ كان ما كان فصفه لي. قال: رجل شاب حين دخل في الكهولة، بَدْ أمره (أنه) يجتنب المظالم والمحارم، ويصل الرحم ويأمر بصلتها، وهو محوج كريم الطرفين متوسط في العشيرة، أكثر جنده من الملائكة. قلت: وما آية ذلك؟ قال: قد رجفت الشام منذ هلك عيسى بن مريم ﵇ ثمانين رجفة، كلها فيها مصيبة، وبقيت رجفة عامة فيها مصائب. قال أبو سفيان: فقلت هذا والله الباطل، لئن بعث الله رسولًا لا يأخذه إلا مسنًا شريفًا. قال أمية: والذي حلفت به إن هذا لهكذا يا أبا سفيان، يقول إن قول النصراني حق. هل لك في المبيت؟ قلت: نعم لي فيه. قال فبتنا حتى جاءنا الثقل، ثم خرجنا حتى إذا كان بيننا وبين مكة مرحلتان (أو) ليلتان أدركنا راكب من خلفنا، فسألناه فإذا هو يقول أصابت أهل الشام بعدكم رجفة دمرت أهلها وأصابتهم فيها مصائب عظيمة. قال أبو سفيان: فأقبل على أمية فقال: كيف ترى قول النصراني يا أبا سفيان؟ قلت أرى وأظن والله أن ما حدثك به صاحبك حق. قال أبو سفيان: فقدمنا مكة، فقضيت ما كان معي، ثم انطلقت حتى جئت اليمن تاجرًا فكنت بها خمسة أشهر، ثم قدمت مكة. فبينا أنا في منزلي جاءني الناس يسلمون علي ويسألون عن بضائعهم، حتى جاءني محمد بن عبد الله وهند عندي تلاعب صبيانها، فسلم علىَّ ورحب بي، وسألني عن سفري ومقامي ولم يسألني عن بضاعته، ثم قام. فقلت لهند: والله إن هذا ليعجبني، ما من أحد من قريش له معي بضاعة إلا وقد سألني عنها، وما سألني هذا عن بضاعته. فقالت لي هند: أوما علمت شأنه. فقلت وأنا فزع: ما شأنه؟

стр. 263

قالت يزعم أنه رسول الله. فوقذتني، وتذكرت قول النصراني، فرجفت حتى قالت لي هند: ما لك؟ فانتبهت فقلت: إن هذا لهو الباطل، لهو أعقل من أن يقول هذا. قالت: بلى والله إنه ليقول ذلك ويدعو إليه، وإن له لصحابة على دينه. قلت: هذا هو الباطل. قال: وخرجت، فبينا أنا أطوف بالبيت إذ بي قد لقيته، فقلت له: إن بضاعتك قد بلغت كذا وكذا وكان فيها خير، فأرسل من يأخذها ولست آخذ منك فيها ما آخذ من قومي. فأبى عليَّ وقال: إذن لا آخذها. قلت: فأرسل فخذها وأنا آخذ منك مثل ما آخذ من قومي. فأرسل إلى بضاعته فأخذها وأخذت منه ما كنت آخذ من غيره. قال أبو سفيان: فلم أنشب أن خرجت إلى اليمن. ثم قدمت الطائف فنزلت على أمية بن أبي الصلت، فقال لي: يا أبا سفيان. (قلت): ما تشاء (قال): هل تذكر قول النصراني؟ فقلت أذكره وقد كان. فقال: ومن؟ (١) قلت: محمد بن عبد الله. قال: ابن عبد المطلب؟ قلت: ابن عبد المطلب. ثم قصصت عليه خبر هند. قال: فالله يعلم. وأخذ يتصبب عرقًا. ثم قال: والله يا أبا سفيان لعله، إن صفته لهي، ولئن ظهر وأنا حي لأطلبن من الله في نصره عذرا. قال: ومضيت إلى اليمن فلم أنشب أن جاءني هنالك استهلاله، وأقبلت حتى نزلت على أمية بن أبي الصلت بالطائف فقلت: يا أبا عثمان قد كان من أمر الرجل ما قد بلغك وسمعته.

стр. 264

فقال: قد كان لعمري. قلت: فأين أنت منه يا أبا عثمان؟ فقال: والله ما كنت لأومن برسول من غير ثقيف أبدا! قال أبو سفيان: وأقبلت إلى مكة، فوالله ما أنا ببعيد حتى جئت مكة فوجدت أصحابه يضربون ويحقرون. قال أبو سفيان: فجعلت أقول: فأين جنده من الملائكة؟ فدخلني ما يدخل الناس من النفاسة. وقد رواه الحافظ البيهقي في كتاب (الدلائل) من حديث إسماعيل بن طريح به، ولكن سياق الطبراني الذي أوردناه أتم وأطول. والله أعلم. وقال الطبراني: حدثنا بكر بن أحمد بن نفيل، حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثنا مجاشع بن عمرو الأسدي، حدثنا ليث بن سعد، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن، عن عروة بن الزبير، عن معاوية بن أبي سفيان، عن أبي سفيان بن حرب، أن أمية بن أبي الصلت كان بغزة أو بإيلياء، فلما قفلنا قال لي أمية: يا أبا سفيان هل لك أن تتقدم على الرفقة فنتحدث؟ قلت: نعم. قال: ففعلنا. فقال لي: يا أبا سفيان إيه عن عتبة بن ربيعة؟ قلت: كريم الطرفين. [قال]: ويجتنب المحارم والمظالم؟ قلت: نعم. قال: وشريف مسن؟ قلت: وشريف مسن. قال: الشرف والسن أزريابه. فقلت له: كذبت، ما ازداد سنًا إلا ازداد شرفا. قال: يا أبا سفيان إنها كلمة ما سمعت أحدًا يقولها لي منذ تبصرت، فلا تعجل علىَّ حتى أخبرك. قال قلت: هات. قال: إني كنت أجد في كتبي نبيًا يبعث من حرتنا هذه، فكنت أظن بل كنت لا أشك أني أنا هو، فلما دارست أهل العلم إذا هو من بني عبد مناف، فنظرت في بني عبد مناف

стр. 265

فلم أجد أحدًا يصلح لهذا الأمر غير عتبة بن ربيعة، فلما أخبرتني بسنِّه عرفت أنه ليس به، حين جاوز الأربعين ولم يوح إليه. قال أبو سفيان: فضرب الدهر ضربه، فأوحي إلى رسول الله ﷺ ، وخرجت في ركبٍ من قريش أريد اليمن في تجارة، فمررت بأمية فقلت له كالمستهزئ به: يا أمية قد خرج النبي الذي كنت تنعته. قال: أما إنه حق فاتبعه. قلت: ما يمنعك من اتباعه؟ قال: ما يمنعني إلا الاستحياء من نساء ثقيف، إني كنت أحدثهن أني هو، ثم يرينني تابعًا لغلام من بني عبد مناف!! ثم قال أمية: كأني بك يا أبا سفيان قد خالفته ثم قد رُبِطْت كما يُرْبطَ الجَدْيُ حتى يؤتى بك إليه فيحكم فيك بما يريد.

стр. 266

خبر العباس وأبو سفيان وقال أبو نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن زكريا الغلابي، حدثنا العباس بن بكار الضبي، حدثنا أبو بكر الهذلي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال العباس: خرجت في تجارة إلى اليمن في ركب - منهم أبو سفيان بن حرب، فقدمت اليمن فكنت أصنع يومًا طعامًا وأنصرف بأبي سفيان وبالنفر، ويصنع أبو سفيان يومًا، ويفعل مثل ذلك، فقال لي في يومي الذي كنت أصنع فيه: هل لك يا أبا الفضل أن تنصرف إلى بيتي وترسل إلى غداءك؟ فقلت: نعم. فانصرفت أنا والنفر إلى بيته وأرسلت إلى الغداء، فلما تغدي القوم قاموا واحتبسني. فقال: هل علمت يا أبا الفضل أن ابن أخيك يزعم أنه رسول الله؟ فقلت: أي بني أخي؟ فقال أبو سفيان: إياي تكتم؟! وأي بني أخيك ينبغي أن يقول هذا إلا رجل واحد! قلت وأيهم على ذلك؟ قال: هو محمد بن عبد الله. فقلت: قد فعل؟ قال: بلى قد فعل. وأخرج كتابًا باسمه من ابنه حنظلة بن أبي سفيان فيه: أخبرك أن محمدًا قام بالأبطح فقال: (أنا رسول أدعوكم إلى الله ) فقال العباس: قلت أجده يا أبا حنظلة صادقًا. فقال: مهلًا يا أبا الفضل، فوالله ما أحب أن يقول مثل هذا، إني لا أخشى أن يكون على ضير من هذا الحديث يا بني عبد المطلب، إنه والله ما برحت قريش تزعم أن لكم هِنَة وهِنَة، كل واحدة منهما غاية! لنشدتك يا أبا الفضل هل سمعت ذلك؟ قلت: نعم قد سمعت. قال فهذه والله شؤمتكم. قلت: فلعلها يُمنْتُنا. قال: فما كان بعد ذلك إلا ليال حتى قدم عبد الله بن حذافة بالخبر وهو مؤمن، ففشا ذلك في مجالس اليمن، وكان أبو سفيان يجلس مجلسًا باليمن يتحدث فيه حَبْرُ من أحبار اليهود، فقال له اليهودي: ما هذا الخبر؟ بلغني أن فيكم عمَّ هذا الرجل الذي قال ما قال؟ قال أبو سفيان: صدقوا، وأنا عمه، فقال اليهودي: أخو أبيه؟ قال: نعم. قال: فحدثني عنه.

стр. 267

قال: لا تسألني! ما أحب أن يدعى هذا الأمر أبدا، وما أحب أن أعيبه وغيرُه خير منه. فرأى اليهودي أنه لا يغمس عليه ولا يحب أن يعيبه. فقال اليهودي: ليس به بأس على اليهود، وتوراة موسى. قال العباس: فناداني الحَبْر، فجئت فخرجت حتى جلست ذلك المجلس من الغد، وفيه أبو سفيان بن حرب والحبر، فقلت للحبر: بلغني أنك سألتَ ابن عمى عن رجل منا زعم أنه رسول الله ﷺ ، وأخبرك أنه عمه، وليس بعمِّه، ولكن ابن عمه، وأنا عمه وأخو أبيه. قال أخو أبيه؟ قلت: أخو أبيه. فأقبل على أبي سفيان فقال: صدق؟ قال: نعم صدق. فقلت: سَلْني فإن كذبتُ فليردْ عليَّ. فأقبل عليَّ فقال: نَشَدْتُك هل كان لابن أخيك صَبْوة أو سَفْهة. قلت: لا وإله عبد المطلب، ولا كذب ولا خان، وإنه كان اسمه عند قريش الأمين. قال: فهل كتب بيده؟ قال العباس: فظننت أنه خيرُ له أن يكتب بيده، فأردت أن أقولها، ثم ذكرت مكان أبى سفيان يكذِّبني ويردُّ عليّ فقلت: لا يكتب. فوثب الحبر ونزل رداؤه وقال: ذُبِحت يهود، وقتلت يهود! قال العباس: فلما رجعنا إلى منزلنا، قال أبو سفيان: يا أبا الفضل، إن اليهود تفزع من ابن أخيك. قلت: قد رأيت، فهل لك يا أبا سفيان أن تؤمن به، فإن كان حقًا كنت قد سبقت، وإن كان باطلًا فمعك غيرك من أكفائك. قال: لا أومن به حتى أرى الخيل في كداء. قلت: ما تقول؟ قال: كلمة جاءت على فمي، إلا أني أعلم أن الله لا يترك خيلا تطلع من كداء. قال العباس: فلما استفتح رسول الله ﷺ مكة ونظرنا إلى الخيل وقد طلعت من كداء، قلت: يا أبا سفيان تذكر الكلمة؟!

стр. 268

قال: إي والله إني لذاكرها! فالحمد لله الذي هداني للإسلام. وهذا سياق حسن عليه البهاء والنور وضياء الصدق، وإن كان في رجاله من هو متكلَّم فيه. والله أعلم. (١)

стр. 269

الأمر بإظهار الإسلام بدأ بقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ* الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة الشعراء: ٢١٤ - ٢٢٠] ذكر بعضهم: أنه لما نزل عليه ﷺ قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ اشتد ذلك على النبي ﷺ وضاق به ذرعًا، فمكث شهراً أو نحوه جالسًا في بيته حتى ظن عماته أنه شاكٍ، فدخلن عليه عائدات فقال ﷺ : "ما اشتكيت شيئًا، لكن الله أمرني بقوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ فأريد أن أجمع بني عبد المطب لأدعوهم إلى الله تعالى"، قلن: فادعهم ولا تجعل عبد العزى فيهم -يعنين عمه أبا لهب- فإنه غير مجيبك إلى ما تدعو إليه، وخرجن من عنده ﷺ . قال: فلما أصبح رسول الله ﷺ بعث إلى بني عبد المطب فحضروا وكان فيهم أبو لهب، فلما أخبرهم. بما أنزل الله عليه أسمعه ما يكره؛ قال: تبًّا لك ألهذا جمعتنا؟ وأخذ حجرًا ليرميه به وقال له: ما رأيت أحدًا قط جاء بني أبيه وقومه بأشر ما جئتهم به. فسكت رسول الله ﷺ ولم يتكلم في ذلك المجلس. ثم مكث ﷺ أيامًا ونزل عليه جبريل وأمره بإمضاء أمر الله تعالى، فجمعهم رسول الله ﷺ ثانيًا وخطبهم ثم قال لهم: "إن الرائد لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس جميعًا ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعًا ما غررتكم، والله الذي لا إله إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصةً وإلى الناس كافة، والله لتموتنَّ كما تنامون، ولتبعثنَّ كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، ولتجزون

стр. 270

بالإحسان إحسانا وبالسوء سوءا، وإنها لجنةٌ أبدا أو لنارٌ أبدا، والله يا بني عبد المطب ما أعلم شابًا جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة". فتكلم القوم كلامًا لينًا غير أبي لهب، فإنه قال: يا بني عبد المطب، هذه والله السَّوْأَةُ خذوا على يديه قبل أن يأخذ على يديه غيركم، فإن أسلمتموه حينئذ ذللتم، وإن منعتموه قتلتم. فقالت له أخته صفية عمَّة رسول الله ﷺ رضي الله تعالى عنها: أي أخي أيحسن بك خذلان ابن أخيك؟ فوالله ما زال العلماء يخبرون أنه يخرج من ضِئْضِئ عبد المطلب نبي؛ فهو هو. قال: هذا والله الباطل والأماني وكلام النساء في الحجال، إذا قامت بطون قريش وقامت معها العرب فما قوتنا بهم؟ فوالله ما نحن عندهم إلا أكَلَةُ رأسٍ، فقال أبو طالب: والله لنمنعه ما بقينا. ثم دعا النبي ﷺ جميع قريش وهو قائم على الصفا. (١) رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ينذر بني عبد المطلب خاصة عن علي ﵁ قال: جمع رسول الله ﷺ أو دعا رسول الله ﷺ بني عبد المطب، فيهم رهط كلهم يأكل الجذعة، ويشرب الفرق، فصنع لهم مدًا من طعام فأكلوا حتى شبعوا، وبقي الطعام كما هو كأنه لم يمس، ثم دعا بغمر فشربوا حتى رووا، وبقي الشراب كأنه لم يمس أو لم يشرب، فقال ﷺ : يا بني عبد المطب إني بعثت لكم خاصة وإلى الناس بعامة، وقد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم، فأيكم يبايعني على أن يكون (أخي وصاحبي). فلم يقم إليه أحد. فقمت إليه وكنت أصغر القوم. فقال: اجلس- ثلاث مرات. كل ذلك أقوم إليه فيقول لي: اجلس. حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي. (٢)

стр. 271

نادى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قريشًا وأخبرهم بأن يشتروا أنفسهم وأنه لا يغني عنهم من الله شيئًا قال أبو هريرة: قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قال: يا معشر -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد ﷺ سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئًا. (١) طريقة نداء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قريشًا عن قسامة بن زهير قال: حدثني الأشعري قال: لما نزل: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ وضع رسول الله ﷺ إصبعيه في أذنيه فرفع صوته فقال: "يا بني عبد مناف يا صباحاه" (٢) هتف رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بقريش وأخبرهم بأنه لا يملك لهم من الله ضرًا ولا نفعًا عن أبي هريرة قال: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ جمع رسول الله صلى

стр. 272

الله عليه وسلم قريشًا، فخص، وعم، فقال: "يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم من الله ضرًا ولا نفعا. يا معشر بني عبد مناف انقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم من الله ضرًا ولا نفعا. يا معشر بني عبد قصي انقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرًا ولا نفعا، يا معشر بني عبد المطب انقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرًا ولا نفعا، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لك ضرًا ولا نفعا إن لك رحمًا وسأبُلّها ببلالها". (١) قال ابن عباس: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ورهطك منهم المخلصين. خرج رسول الله ﷺ حتى صعد الصفا فهتف: يا صباحاه. قالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد. فاجتمعوا إليه. قال: أريتم لو أخبرتكم أن خيلًا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبًا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. قال أبو لهب: تبًا لك أما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم قام. فنزلت هذه السورة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ (٢) أذى أم جميل امرأة أبي لهب روى أبو يعلى بسنده عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵂ قالت: لما نزلت تبت يدا أبي لهب وتب جاءت أم جميل بنت أمية امرأة أبي لهب ولها ولولة وفي يدها فهر فدخلت المسجد ورسول الله ﷺ جالس في الحجر ومعه أبو بكر ﵁ فأقبلت وهي تلملم الفهر في يدها وتقول: مذممًا أبينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا، قالت: فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله هذه أم جميل وأنا أخشى عليك منها

стр. 273

وهي امرأة فلو قمت، فقال: إنها لن تراني وقرأ قرآنًا اعتصم به، ثم قرأ ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [سورة الإسراء آية ٤٥] قلت: فجاءت حتى وقفت على أبي بكر ﵁ وهو مع رسول الله ﷺ ولم تره فقالت: يا أبا بكر فأين صاحبك؟ قال: الساعة كان ها هنا قالت: إنه ذكر لي أنه هجاني وأيم الله إني لشاعرة وأن زوجي لشاعر ولقد علمت قريش أني بنت سيدها، قال سفيان قال الوليد في حديثه فدخلت الطواف فعثرت في مرطها فقالت: تعس مذمم، فقال النبي ﷺ : ألا ترى يا أبا بكر ما يدفع الله تعالى به عني من شتم قريش يسموني مذممًا وأنا محمد فقالت لها أم حكيم ابنة عبد المطب مهلًا يا أم جميل إني لحصان فما أكلم وثقاف فما أعلم وكلتانا من بني العم ثم قريش بعد أعلم. (١) سعي قريش في تطليق بنات الرسول من أزواجهن وكان رسول الله ﷺ قد زوج عتبة بن أبي لهب رقية له أو أمَّ كلثوم. فلما بادى قريشًا بأمر الله تعالى وبالعداوة، قالوا: إنكم قد فرَّغتم محمدًا من همه، فردُّوا عليه بناته، فاشغلوه بهن. فمشوا إلى أبي العاص فقالوا له: فارق صاحبتك ونحن نزوجك أيّ امرأة من قريش شئت؛ قال لا والله، إني لا أفارق صاحبتي، وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش وكان رسول الله ﷺ يثني عليه في صهره خيرًا، فيما بلغني. ثم مشوا إلى عتبة بن أبي لهب، فقالوا له: طلق بنت محمد ونحن ننكحك أيّ امرأة من قريش شئت؛ فقال: إن زوّجتموني بنت أبان بن سعيد بن العاص، أو بنت سعيد بن العاص فارقتها. فزوجوه بنت سعيد بن العاص وفارقها، ولم يكن دخل بها؛ فأخرجها الله من يده كرامةً لها، وهوانًا له، وخلف عليها عثمان بن عفّان بعده. (٢)

стр. 274

طلاق ابنتي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم رقية وأم كلثوم من عتبة وعتيبة ابني أبي لهب (١) عن قتادة ﵁ قال: (تزوج أم كلثوم ابنة رسول الله ﷺ عتيبة بن عبد العزى ابن أبي لهب، فلم يبن بها حتى بعث النبي ﷺ ، وكانت رقية ابنة النبي ﷺ تحت عتبة أخي عتيبة، فلما أنزل الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ قال أبو لهب لابنيه عتيبة وعتبة: رأسي من رأسكما حرام إن لم تطلقا ابنتي محمد! وسأل النبي ﷺ عتبة طلاق رقية، وسألته رقية ذلك، فقالت له أمه -وهي حمالة الحطب-: طلقها يا بني! فإنها قد صبأت، فطلقها، وطلق عتيبة أم كلثوم، وجاء إلى النبي ﷺ حيث فارق أم كلثوم، وقال: كفرت بدينك، وفارقت ابنتك، لا تحبني ولا أحبك، ثم سطا عليه، فشق قميص النبي ﷺ وهو خارج نحو الشام تاجرًا، فقال رسول الله ﷺ : أما إني أسأل الله تعالى أن يسلط عليك كلبا! فخرج في نفر من قريش حتى نزلوا بمكان من الشام يقال له الزرقاء ليلًا، فأطاف بهم الأسد تلك الليلة، فجعل عتيبة يقول: يا ويل أمي! هو والله آكلي كما دعا محمد علي، ألا! قاتلي ابن أبي كبشة وهو بمكة وأنا بالشام، فعدا عليه الأسد من بين القوم، فأخذ برأسه فضغمه ضغمة فمزعه، فتزوج عثمان بن عفان رقية ﵂ فتوفيت عنده، ولم تلد له).

стр. 275

الجهر بالإسلام مبادأة رسول الله ﷺ قومه، وما كان منهم أمر الله له ﷺ بمبادأة قومه: قال ابن إسحاق: ثم دخل الناس في الإسلام أرسالًا من الرجال والنساء، حتى فشا ذكر الإسلام بمكة، وتحدث به. ثم إن الله أمر رسوله- ﷺ أن يصدع بما جاءه منه، وأن يباديء الناس بأمره، وأن يدعو إليه، وكان بين ما أخفى رسول الله- ﷺ أمره واستتر به إلى أن أمره الله تعالى بإظهار دينه ثلاث سنين -فيما بلغني- من مبعثه؛ ثم قال الله تعالى له: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦)﴾. [الشعراء: ٢١٤ - ٢١٦] ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩)﴾ [الحجر: ٨٩]. معنى "اصدع بما تؤمر" قال ابن هشام: اصدع: افرق بين الحق والباطل. عداوة قومه ومساندة أبي طالب له قال ابن إسحاق: فلما بادى رسول الله ﷺ قومه بالإسلام وصدع به

стр. 276

كما أمره الله، لم يبعد منه قومه، ولم يردوا عليه -فيما بلغني- حتى ذكر آلهتهم وعابها؛ فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه، وأجمعوا خلافه وعداوته، إلا من عصم الله تعالى منهم بالإسلام، وهم قليل مستخفون وحدب على رسول الله ﷺ عمه أبو طالب، ومنعه وقام دونه، ومضى رسول الله ﷺ على أمر الله، مظهرًا لأمره، لا يرده عنه شيء. فلما رأت قريش، أن رسول الله ﷺ لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه، من فراقهم وعيب آلهتهم، ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه، وقام دونه فلم يسلمه لهم، مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب، عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس. وأبو سفيان بن حرب. قال ابن إسحاق وأبو البختري، واسمه العاص بن هشام بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤي. قال ابن إسحاق: والأسود بن المطلب بن أسد. وأبو جهل -واسمه عمرو، وكان يكنى أبا الحكم- بن هشام بن المغيرة. والوليد بن المغيرة. ونبيه ومنبه ابنا الحجاج بن عامر والعاص بن وائل. فقالوا: يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا؛ فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنكفيكه، فقال لهم أبو طالب قولًا رفيقًا، وردهم ردًا جميلًا، فانصرفوا عنه. الرسول ﷺ يستمر في دعوته ومضى رسول الله- ﷺ على ما هو عليه يظهر دين الله، ويدعو إليه، ثم شرى الأمر بينه وبينهم حتى تباعد الرجال وتضاغنوا، وأكثرت قريش ذكر رسول الله- ﷺ بينها، فتذامروا فيه، وحضّ بعضهم بعضًا عليه. رجوع الوفد إلى أبي طالب مرة ثانية ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى، فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سنًا وشرفًا ومنزلةً فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا

стр. 277

من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين -أو كما قالوا له- ثم انصرفرا عنه، فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفسًا بإسلام رسول الله ﷺ لهم ولا خذلانه. ما دار بين رسول الله ﷺ وأبي طالب قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث: أن قريشًا حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة، بعث إلى رسول الله ﷺ ، فقال له: يا ابن أخي، إن قومك قد جاءوني، فقالوا لي كذا وكذا، للذي كانوا قالوا له فابق علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق؛ فظن رسول الله ﷺ أنه قد بدا لعمه فيه بداء أنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه. قال: فقال رسول الله ﷺ : "يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه ما تركته". قال: ثم استعبر رسول الله ﷺ ، فبكى ثم قام؛ فلما ولى ناداه أبو طالب فقال: أقبل يا بن أخي؛ قال: فأقبل عليه رسول الله ﷺ ، فقال: اذهب يا بن أخي، فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيءٍ أبدا. قريش تعرض عمارة بن الوليد على أبي طالب قال ابن إسحاق: ثم إن قريشًا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله ﷺ وإسلامه، وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم، مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة، فقالوا له -فيما بلغني- يا أبا طالب، هذا عمارة بن الوليد، أنهد فتىً في قريش وأجمله، فخذه فلك عقله ونصره، واتخذه ولداً فهو لك، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا، الذي قد خالف دينك ودين آبائك وفرق جماعة قومك، وسفه أحلامهم، فنقتله، فإنما هو رجل برجل؛ فقال: والله لبئس ما تسومونني، أتعطونني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه؟! هذا والله ما لا يكون أبدًا. قال: فقال المطعم بن عدي بن نوفل

стр. 278

بن عبد مناف بن قصي: والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك، وجهدوا على التخلص مما تكرهه، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئًا؛ فقال أبو طالب للمطعم: والله ما أنصفوني، ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم عليّ، فاصنع ما بدا لك، أو كما قال. فحقب الأمر، وحميت الحرب، وتنابذ القوم، وبادى بعضهم بعضا. شعر أبي طالب في المطعم ومن خذله: فقال أبو طالب عند ذلك، يعرض بالمطعم بن عديّ، ويعم من خذله من بني عبد مناف، ومن عاداه من قبائل قريش، ويذكر ما سألوه, وما تباعد من أمرهم: ألا قل لعمرو والوليد ومطعم ... ألا ليت حظي من حياطتكم بكر من الخور حبحاب كثير رغاؤه ... يرش على الساقين من بوله قطر تخلف خلف الورد ليس بلاحق ... إذا ما علا الفيفاء قيل له وبر أرى أخوينا من أبينا وأمنا ... إذا سئلا قالا إلى غيرنا الأمر بلى لهما أمر ولكن تجرجما ... كما جرجمت من رأس ذى علق صخر أخص خصوصا عبد شمس ونوفل ... هما نبذانا مثل ما ينبذ الجمر هما أغمزا للقوم في أخويهما ... فقد أصبحا منهم أكفُّهما صفر هما أشركا في المجد من لا أبا له ... من الناس إلا أن يرس له ذكر وتيم ومخزوم وزهرة منهم ... وكانوا لنا مولى إذا بغي النصر فوالله لا تنفك منا عداوة ... ولا منهم ما كان من نسلنا شفر فقد سفهت أحلامهم وعقولهم ... وكانوا كجفر بئس ما صنعت جفر قال ابن هشام: تركنا منها بيتين أقذع فيهما. قريش تظهر عداوتها للمسلمين: قال ابن إسحاق: ثم إن قريشًا تذامروا بينهم على من في القبائل منهم من أصحاب رسول الله- ﷺ الذين أسلموا معه، فوثبت كل قبيلة على من فيهم من المسلمين يعذبونهم، ويفتنونهم عن دينهم، ومنع الله رسوله- ﷺ منهم بعمه أبي طالب، وقد قام أبو طالب، حين رأى قريشًا يصنعون ما يصنعون في بني هاشم وبني المطلب، فدعاهم إلى ما هو عليه، من منع

стр. 279

رسول الله- ﷺ ، والقيام دونه؛ فاجتمعوا إليه، وقاموا معه وأجابوا إلى ما دعوهم إليه، إلا ما كان من أبي لهب، عدو الله الملعون. شعر أبي طالب في مدح قومه لنصرته: فلما رأى أبو طالب من قومه ما سره في جهدهم معه، وحدبهم عليه، جعل يمدحهم ويذكر قديمهم، ويذكر فضل رسول الله ﷺ فيهم، ومكانه منهم، ليشد لهم رأيهم، وليحدبوا معه على أمره, فقال: إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر ... فعبد مناف سرها وصميمها وإن حصلت أشراف عبد منافها ... ففي هاشم أشرافها وقديمها وإن فخرت يومًا فإن محمدًا ... هو المصطفى من سرها وكريمها تداعت قريش غثُّها وسمينها ... علينا فلم تظفر وطاشت حلومها وكنا قديمًا لا نقرُّ ظلامة ... إذا ما ثنوا صعر الخدود نقيمها ونحمي حماها كل يوم كريهة ... ونضرب عن أحجارها من يرومها بنا انتعش العود الذواء وإنما ... بأكنافنا تندى وتنمى أرومها شعر أبي طالب في معاداة خصومه فلما خشي أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع قومه، قال قصيدته التي تعوذ فيها بحرم مكة منها، وتودد فيها أشراف قومه، وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم في ذلك من شعره أنه غير مسلم رسول الله ﷺ ، ولا تاركه لشيء أبدًا حتى يهلك دونه، فقال: ولما رأيت القوم لا ود فيهم ... وقد قطعوا كل العرى والوسائل وقد صارحونا بالعداوة والأذى ... وقد طاوعوا أمر العدو المزايل وقد حالفوا قومًا علينا أظنة ... يعضون غيظًا خلفنا بالأنامل صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة ... وأبيض عضب من تراث المقاول وأحضرت عند البيت رهطي وإخوتي ... وأمسكت من أثوابه بالوصائل قيامًا معنا مستقبلين رتاجه ... لدى حيث يقضي حلفه كل نافل وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم ... بمفضي السيول من إساف ونائل

стр. 280

موسمة الأعضاد أو قصراتها ... مخيَّسة بين السديس وبازل ترى الودع فيها والرخام وزينة ... بأعنافها معقودة كالعثاكل (١) أعوذ برب الناس من كل طاعن ... علينا بسوء أو ملح بباطل ومن كاشح يسعى لنا بمعيبة ... ومن ملحق في الدّين ما لم نحاول وثور ومن أرسى ثبيرًا مكانه ... وراق ليرقى في حراء ونازل (٢) وبالبيت، حق البيت، من بطن مكة ... وبالله إن الله ليس بغافل وبالحجر المسودّ إذ يمسحونه ... إذا اكتنفوه (٣) بالضحى والأصائل وموطيء إبراهيم في الصخر رطبة ... على قدميه حافيًا غير ناعل وأشواط بين المروتين إلى الصفا ... وما فيهما من صورة وتماثل (٤) ومن حج بيت الله من كل راكب ... ومن كل ذي نذر ومن كل راجل وبالمشعر الأقصى إذا عمدوا له ... إلالٌ إلى مفضى الشراج القوابل (٥) وتوقافهم فوق الجبال عشية ... يقيمون بالأيدي صدور الرواحل وليلة جمعٍ (٦) والمنازل من منى ... وهل فوقها من حرمة ومنازل وجمع إذا ما المقربات أجزنه ... سراعا كما يخرجن من وقع وابل (٧) وبالجمرة الكبرى إذا صمدوا لها ... يؤمُّون قذفًا رأسها بالجنادل وكندة إذ هم بالحصاب (٨) عشية ... تجيز بهم حجاج بكر بن وائل حليفان شدا عقد ما احتلفا له ... وردا عليه عاطفات الوسائل

стр. 281

وحطمهم سمر الرماح وسرحه ... وشبرقه وخد النعام الجوافل (١) فهل بعد هذا من معاذ لعائذ ... وهل من معيذ يتقي الله عاذل يطاع بنا أمر العدى وُدّ أننا ... تسد بنا أبواب ترك وكابل (٢) كذبتم وبيت الله نترك مكة ... ونطعن إلا أمركم في بلابل (٣) كذبتم وبيت الله نبزى محمدًا ... ولما نطاعن دونه ونناضل (٤) ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل وينهض قوم في الحديد إليكم ... نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل (٥) وحتى ترى ذا الضغن يركب ردعه ... من الطعن فعل الأنكب المتحامل (٦) وإنا -لعمر الله- إن جد ما أرى ... لتلتبسن أسيافنا بالأماثل بكفي فتى مثل الشهاب سميدع (٧) ... كأخي ثقة حامي الحقيقة باسل شهورًا وأيامًا وحولًا مُجرمًا (٨) ... علينا وتأتي حجةٌ بعد قابل وما ترك قوم، لا أبالك، سيدًا ... يحوط الذِّمار غير ذرب مواكل (٩) وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى (١٠) عصمة للأرامل يلوذ به الهلاف (١١) من آل هاشم ... فهم عنده في رحمةٍ وفواضل

стр. 282

لعمرى لقد أجرى أسيد وبكره ... إلى بغضنا وجزآنا لآكل وعثمان لم يربع (١) علينا وقنفذ ... ولكن أطاعا أمر تلك القبائل أطاعا أبيا وابن عبد يغوثهم ... ولم يرقبا فينا مقالة قائل كما قد لقينا من سبيع ونوفل ... وكل تولى معرضًا لم يجامل فإن يلقيا أو يمكن الله منهما ... نكل لهما صاعًا بصاع المكايل وذاك أبو عمرو أبى غير بغضنا ... ليظعنا في أهل شاء وجامل (٢) يناجي بنا في كل ممسى ومصبح ... فناج أبا عمروٍ بنا ثم خاتل ويؤلي (٣) لنا بالله ما إن يغشنا ... بلى قد نراه جهرة غير حائل أضاق عليه بغضنا كل تلعة ... من الأرض بين أخشب فمجادل (٤) وسائل أبا الوليد ماذا حبوتنا ... بسعيك فينا معرضًا كالمخاتل وكنت أمرءًا ممّن يعاش برأيه ... ورحمته فينا ولست بجاهل فعتبة لا تسمع بنا قول كاشح ... حسودٍ كذوبٍ مبغض ذى دغاول (٥) ومرّ أبو سفيان عني معرضًا ... كما مرّ قيل من عظام المقاول يفرُّ إلى نجدٍ وبرد مياهه ... ويزعم أني لست عنكم بغافل ويخبرنا فعل المناصح أنه ... شفيق ويخفي عارمات الدواخل (٦) أمطعم لم أخذلك في يوم نجدة ... ولا معظم عند الأمور الجلائل ولا يوم خصم إذا أتوك ألدة ... أولي جدل من الخصرم المساجل (٧)

стр. 283

أمطعم إن القوم ساموك خطة ... وإني متى أوكل فلست بوائل (١) جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا ... عقوبة شر عاجلًا غير آجل بميزان قسط لا يخسّ (٢) شعيرة ... له شاهد من نفسه غير عائل (٣) لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا ... بني خلف قيضًا بنا والغياطل (٤) ونحن الصميم من ذؤابة هاشم ... وآل قصيّ في الخطوب الأوائل وسهم ومخزوم تمالوا وألبوا ... علينا العدا من كل طمل (٥) وخامل فعبد مناف أنتم خير قومكم ... فلا تشركوا في أمركم كل واغل (٦) لعمري لقد وهنتم وعجزتم ... وجئتم بأمر مخطيء للمفاصل (٧) وكنتم حديثا حطب قدر ... وأنتم الآن حطاب أقدر ومراجل ليهنيء بني عبد مناف عقوقنا ... وخذلاننا وتركنا في المعاقل فإن نك قومًا نتَّئر ما صنعتم ... وتحتلبوها لقحة غير باهل (٨) وسائط كانت في لؤيّ بن غالب ... نفاهم إلينا كل صقر حلاحل (٩) ورهط نفيل شر من وطيء الحصى ... وألأم حاف من معدّ وناعل فأبلغ قصيًا أن سينشر أمرنا ... وبشر قصيا بعدنا بالتخاذل ولو طرقت ليلًا قصيا عظيمة ... إذا ما لجأنا دونهم في المداخل

стр. 284

ولو صدقوا ضربًا خلال بيوتهم ... لكنا أسى عند النساء المطافل (١) فكل صديق وابن أخت نعدُّه ... لعمري وجدنا غبَّه غير طائل سوى أن رهطا من كلاب بن مرة ... براء إلينا من معقّة خاذل (٢) وهنَّا لهم حتى تبدد جمعهم ... ويحسر عنا كل باغ وجاهل وكان لنا حوض السقاية فيهم ... ونحن الكدى من غالب والكواهل (٣) شباب من المطيبين وهاشم ... كبيض السيوف بين أيدي الصياقل فما أدركوا ذحلا ولا سفكوا دمًا ... ولا حالفوا إلا شرار القبائل بضرب ترى الفتيان فيه كأنهم ... ضواري أسود فوق لحم خرادل (٤) بني أمة محبوبة هندكية (٥) ... بني جمح عبيد قيس بن عاقل ولكننا نسل كرام لسادة ... بهم نعي الأقوام عند البواطل ونعم ابن أخت القوم غير مكذب ... زهير حسامًا مفردًا من حمائل أشم من الشم البهاليل ينتمي ... إلى حسب في حومة المجد فاضل لعمري لقد كلفت وجدًا بأحمد ... وإخوته دأب المُحبِّ المواصل فلا زال في الدنيا جمالًا لأهلها ... وزينا لمن والاه رب المشاكل فمن مثله في الناس أي مؤمل ... إذا قاسه الحكام عند التفاضل حليم رشيد عادل غير طائش ... يوالي إلهًا ليس عنه بغافل فوالله لولا أن أجيء بسبة (٦) ... تجرُّ على أشياخنا في المحافل لكنا اتبعناه على كل حالة ... من الدهر جدًّا غير قول التهازل لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا ولا يعنى بقول الأباطل

стр. 285

فأصبح فينا أحمد في أرومة ... تقصر عنه سورة المتطاول (١) حدبت بنفسي دونه وحميته ... ودافعت عنه بالذرا والكلاكل (٢) فأيده رب العباد بنصره ... وأظهر دينا حقُّه غير باطل رجال كرام غير ميل (٣) نماهم ... إلى الخير آباء كرام المحاصل فإن تك كعب من لؤي صقيبة (٤) ... فلا بد يومًا مرة من تزايل قال ابن هشام: هذا ما صح لي من هذه القصيدة، وبعض أهل العلم بالشعر ينكر أكثرها.
следующие страницы →