← Сира

Сира · id 123671

الموسوعة في صحيح السيرة النبوية - العهد المكي

محمد إلياس الفالوذة

Полный текст (528 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وحطمهم سمر الرماح وسرحه ... وشبرقه وخد النعام الجوافل (١) فهل بعد هذا من معاذ لعائذ ... وهل من معيذ يتقي الله عاذل يطاع بنا أمر العدى وُدّ أننا ... تسد بنا أبواب ترك وكابل (٢) كذبتم وبيت الله نترك مكة ... ونطعن إلا أمركم في بلابل (٣) كذبتم وبيت الله نبزى محمدًا ... ولما نطاعن دونه ونناضل (٤) ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل وينهض قوم في الحديد إليكم ... نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل (٥) وحتى ترى ذا الضغن يركب ردعه ... من الطعن فعل الأنكب المتحامل (٦) وإنا -لعمر الله- إن جد ما أرى ... لتلتبسن أسيافنا بالأماثل بكفي فتى مثل الشهاب سميدع (٧) ... كأخي ثقة حامي الحقيقة باسل شهورًا وأيامًا وحولًا مُجرمًا (٨) ... علينا وتأتي حجةٌ بعد قابل وما ترك قوم، لا أبالك، سيدًا ... يحوط الذِّمار غير ذرب مواكل (٩) وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى (١٠) عصمة للأرامل يلوذ به الهلاف (١١) من آل هاشم ... فهم عنده في رحمةٍ وفواضل

стр. 282

لعمرى لقد أجرى أسيد وبكره ... إلى بغضنا وجزآنا لآكل وعثمان لم يربع (١) علينا وقنفذ ... ولكن أطاعا أمر تلك القبائل أطاعا أبيا وابن عبد يغوثهم ... ولم يرقبا فينا مقالة قائل كما قد لقينا من سبيع ونوفل ... وكل تولى معرضًا لم يجامل فإن يلقيا أو يمكن الله منهما ... نكل لهما صاعًا بصاع المكايل وذاك أبو عمرو أبى غير بغضنا ... ليظعنا في أهل شاء وجامل (٢) يناجي بنا في كل ممسى ومصبح ... فناج أبا عمروٍ بنا ثم خاتل ويؤلي (٣) لنا بالله ما إن يغشنا ... بلى قد نراه جهرة غير حائل أضاق عليه بغضنا كل تلعة ... من الأرض بين أخشب فمجادل (٤) وسائل أبا الوليد ماذا حبوتنا ... بسعيك فينا معرضًا كالمخاتل وكنت أمرءًا ممّن يعاش برأيه ... ورحمته فينا ولست بجاهل فعتبة لا تسمع بنا قول كاشح ... حسودٍ كذوبٍ مبغض ذى دغاول (٥) ومرّ أبو سفيان عني معرضًا ... كما مرّ قيل من عظام المقاول يفرُّ إلى نجدٍ وبرد مياهه ... ويزعم أني لست عنكم بغافل ويخبرنا فعل المناصح أنه ... شفيق ويخفي عارمات الدواخل (٦) أمطعم لم أخذلك في يوم نجدة ... ولا معظم عند الأمور الجلائل ولا يوم خصم إذا أتوك ألدة ... أولي جدل من الخصرم المساجل (٧)

стр. 283

أمطعم إن القوم ساموك خطة ... وإني متى أوكل فلست بوائل (١) جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا ... عقوبة شر عاجلًا غير آجل بميزان قسط لا يخسّ (٢) شعيرة ... له شاهد من نفسه غير عائل (٣) لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا ... بني خلف قيضًا بنا والغياطل (٤) ونحن الصميم من ذؤابة هاشم ... وآل قصيّ في الخطوب الأوائل وسهم ومخزوم تمالوا وألبوا ... علينا العدا من كل طمل (٥) وخامل فعبد مناف أنتم خير قومكم ... فلا تشركوا في أمركم كل واغل (٦) لعمري لقد وهنتم وعجزتم ... وجئتم بأمر مخطيء للمفاصل (٧) وكنتم حديثا حطب قدر ... وأنتم الآن حطاب أقدر ومراجل ليهنيء بني عبد مناف عقوقنا ... وخذلاننا وتركنا في المعاقل فإن نك قومًا نتَّئر ما صنعتم ... وتحتلبوها لقحة غير باهل (٨) وسائط كانت في لؤيّ بن غالب ... نفاهم إلينا كل صقر حلاحل (٩) ورهط نفيل شر من وطيء الحصى ... وألأم حاف من معدّ وناعل فأبلغ قصيًا أن سينشر أمرنا ... وبشر قصيا بعدنا بالتخاذل ولو طرقت ليلًا قصيا عظيمة ... إذا ما لجأنا دونهم في المداخل

стр. 284

ولو صدقوا ضربًا خلال بيوتهم ... لكنا أسى عند النساء المطافل (١) فكل صديق وابن أخت نعدُّه ... لعمري وجدنا غبَّه غير طائل سوى أن رهطا من كلاب بن مرة ... براء إلينا من معقّة خاذل (٢) وهنَّا لهم حتى تبدد جمعهم ... ويحسر عنا كل باغ وجاهل وكان لنا حوض السقاية فيهم ... ونحن الكدى من غالب والكواهل (٣) شباب من المطيبين وهاشم ... كبيض السيوف بين أيدي الصياقل فما أدركوا ذحلا ولا سفكوا دمًا ... ولا حالفوا إلا شرار القبائل بضرب ترى الفتيان فيه كأنهم ... ضواري أسود فوق لحم خرادل (٤) بني أمة محبوبة هندكية (٥) ... بني جمح عبيد قيس بن عاقل ولكننا نسل كرام لسادة ... بهم نعي الأقوام عند البواطل ونعم ابن أخت القوم غير مكذب ... زهير حسامًا مفردًا من حمائل أشم من الشم البهاليل ينتمي ... إلى حسب في حومة المجد فاضل لعمري لقد كلفت وجدًا بأحمد ... وإخوته دأب المُحبِّ المواصل فلا زال في الدنيا جمالًا لأهلها ... وزينا لمن والاه رب المشاكل فمن مثله في الناس أي مؤمل ... إذا قاسه الحكام عند التفاضل حليم رشيد عادل غير طائش ... يوالي إلهًا ليس عنه بغافل فوالله لولا أن أجيء بسبة (٦) ... تجرُّ على أشياخنا في المحافل لكنا اتبعناه على كل حالة ... من الدهر جدًّا غير قول التهازل لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا ولا يعنى بقول الأباطل

стр. 285

فأصبح فينا أحمد في أرومة ... تقصر عنه سورة المتطاول (١) حدبت بنفسي دونه وحميته ... ودافعت عنه بالذرا والكلاكل (٢) فأيده رب العباد بنصره ... وأظهر دينا حقُّه غير باطل رجال كرام غير ميل (٣) نماهم ... إلى الخير آباء كرام المحاصل فإن تك كعب من لؤي صقيبة (٤) ... فلا بد يومًا مرة من تزايل قال ابن هشام: هذا ما صح لي من هذه القصيدة، وبعض أهل العلم بالشعر ينكر أكثرها.

стр. 286

إسلام عثمان بن مظعون ﵁ عن عبد الله بن عباس قال: بينما رسول الله ﷺ بفناء بيته بمكة جالس، إذا مر به عثمان بن مظعون، فكشر إلى رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : ألا تجلس؟. قال: بلى، قال: فجلس رسول الله ﷺ مستقبله، فبينما هو يحدثه إذ شخص رسول الله ﷺ ببصره إلى السماء، فنظر ساعةً إلى السماء، فأخذ يضع بصره حتى وضعه على يمينه في الأرض، فتحرف رسول الله ﷺ عن جليسه عثمان إلى حيث وضع بصره، وأخذ ينفض رأسه كأنه يستفقه ما يقال له، وابن مظعون ينظر، فلما قضى حاجته واستفقه ما يقال له، شخص بصر رسول الله ﷺ إلى السماء كما شخص أول مرة، فأتبعه بصره حتى توارى في السماء فأقبل إلى عثمان بجلسته الأولى، قال: يا محمد فيم كنت أجالسك وآتيك؟ ما رأيتك تفعل كفعلك الغداة! قال: وما رأيتني فعلت؟ قال: رأيتك تشخص ببصرك إلى السماء ثم وضعته حيث وضعته على يمينك فتحرفت إليه وتركتني فأخذت تنفض رأسك كأنك تستفقه شيئًا يقال لك، قال وفطنت لذاك؟ قال عثمان: نعم، قال رسول الله ﷺ : أتاني رسول الله آنفًا وأنت جالس، قال: رسول الله؟ قال: نعم، قال: فما قال لك؟ قال: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ قال عثمان: فذلك حين استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمدًا. (١) إسلام عبد الله بن مسعود ﵁

стр. 287

قال عبد الله بن مسعود: كنت غلامًا يافعًا أرعى غنمًا لعقبه بن أبي معيط بمكة، فأتى عليَّ رسول الله ﷺ وأبو بكر، وقد فرا من المشركين فقالا: يا غلام. عندك لبن تسقينا؟ قلت: إني مؤتمن، ولست بساقيكما، فقالا: هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد؟ قلت: نعم، فأتيتهما بها، فاعتقلها أبو بكر، وأخذ رسول الله ﷺ الضرع فدعا، فحفل الضرع، وأتاه أبو بكر بصخرة منقعرة، فحلب فيها ثم شرب هو وأبو بكر، ثم سقياني، ثم قال للضرع: اقلص، فقلص، فلما كان بعد أتيت رسول الله ﷺ فقلت: علمني من هذا القول الطيب- يعني القرآن. فقال رسول الله ﷺ : إنك غلام معلم، فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد. (١) ظهور النجم ذي الذنب عام الجهر بالإِسلام على سماء الطائف قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب ابن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث أن أول العرب فزع للرمي بالنجوم -حين رمي بها- هذا الحي من ثقيف، وأنهم جاءوا إلى رجل منهم يقال له: عمرو بن أمية أحد بني علاج. قال: وكان أدهى العرب وأنكرها رأيًا- فقالوا له، يا عمرو: ألم تر ما حدث في السماء من القذف بهذه النجوم. قال: بلى فانظروا، فإن كانت معالم النجوم التي يهتدي بها في البر والبحر، وتعرف بها الأنواء من الصيف والشتاء لما يصلح الناس في معايشهم، هي التي يرمى بها، فهو والله طي الدنيا، وهلاك هذا الخلق الذي فيها، وإن كانت نجومًا غيرها، وهي ثابتة على حالها، فهذا لأمر أراد الله به هذا الخلق، فما هو؟ (٢)

стр. 288

قال الشعبي: كانت النجوم لا يرمى بها حتى بعث رسول الله ﷺ فسيبوا أنعامهم، وأعتقوا رقيقهم. فقال عبد ياليل: أنظروا فإن كانت النجوم التي نعرف فهو عند فناء الناس، وإن كانت لا تعرف فهو لأمر قد حدث، فنظروا فإذا هي لا تعرف. قال: فأمسكوا، فلم يلبثوا إلا يسرًا حتى جاءهم خروج النبي ﷺ . (١) رؤساء قريش يأمرون أتبعاهم بالكفر بعد أن أسلموا عن مخرمة بن نوفل قال: لما أظهر رسول الله ﷺ الإِسلام أسلم أهل مكة كلهم، وذلك قبل أن تفرض الصلاة حتى إن كان ليقرأ السجدة فيسجدون ما يستطيع بعضهم أن يسجد من الزحام حتى قدم رؤساء قريش: الوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، وغيرهما، وكانوا بالطائف في أرضهم فقالوا: تدعون دين أبائكم؟! فكفروا. (٢) تعذيب المسلمين رضوان الله عليهم قال سعيد بن جبير: قلت لعبد الله بن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله ﷺ من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ قال: نعم والله. إن كان ليضربون أحدهم ويجيعونه، ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسًا من شدة الضر الذي به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا له: اللات والعزى إلهان من دون الله؟ فيقول: نعم. افتداءً منهم بما يبلغون من جهدهم. (٣) وثوب كل قبيلة على مسلميها بالأذى قال ابن إسحاق: ثم إن قريشًا تذامروا بينهم على من في القبائل منهم من أصحاب

стр. 289

رسول ﷺ الذين أسلموا معه، فوثبت كل قبيلة على من فيهم من المسلمين، يعذبونهم، ويفتنونهم عن دينهم، ومنع الله رسوله ﷺ منهم بعمه أبى طالب. (١) وقال: إنهم عدوا على من أسلم واتبع رسول الله ﷺ من أصحابه، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم، ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر، من استضعفوا منهم يفتنونهم عن دينهم، فمنهم عن يفتتن من شدة البلاء الذي يصيبه، ومنهم من يصلب لهم ويعصمه الله منهم. (٢) روى ابن سعد بسنده عن الزهري قال: لما كثر المسلمون وظهر الإيمان، وتحدث به، ثار ناس كثير من المشركين من كفار قريش، على من آمن من قبائلهم، فعذبوهم وسجنوهم وأرادوا فتنتهم عن دينهم. (٣) صور من تعذيب المسلمين وإيذائهم قال ابن إسحاق: وكان أبو جهل الفاسق الذي يغري بهم في رجال من قريش، إذا سمع بالرجل قد أسلم له شرف ومنعة أنبه وخزاه، وقال: تركت دين أبيك وهو خير منك لنسفهن حلمك، ولنفيلن رأيك، ولنضعن شرفك، وإن كان تاجرًا قال: والله لنكسدن تجارتك، ولنهلكن مالك، وإن كان ضعيفًا ضربه وأغرى به. (٤) تعذيب عثمان بن عفان ﵁ روى ابن سعد بسنده عن محمد بن إبراهيم بن حارث التيمي قال: لما أسلم عثمان بن عفان أخذه عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية فأوثقه رباطًا وقال: أترغب عن ملة آبائك إلى دين محدث؟ والله لا أحلك أبدًا حتى تدع ما أنت عليه من هذا الدين، فقال

стр. 290

عثمان: والله لا أدعه أبدًا ولا أفارقه، فلما رأى الحكم صلابته في دينه تركه. (١) تعذيب الزبير ﵁ روى الحاكم بسنده عن عروة بن الزبير فذكر الحديث وفيه قال: وكان عم الزبير يعلق الزبير في حصير ويدخن عليه بالنار ويقول: ارجع إلى الكفر، فيقول الزبير: لا أكفر أبدًا. (٢) تعذيب مصعب بن عمير ﵁ روى ابن سعد بسنده عن محمد العبدري فذكر الحديث عن إسلام مصعب وفيه قال: فكان يختلف إلى رسول الله ﷺ سرًا فبصر به عثمان بن طلحة يصلي فأخر أمه وقومه فأخذوه فحبسوه فلم يزل محبوسًا حتى خرج إلى أرض الحبشة في الهجرة الأولى ثم رجع مع المسلمين حين رجعوا، فرجع متغير الحال قد حرج، يعني غلظ، فكفت أمه عنه من العذل. (٣) تعذيب أبي فكيهة ﵁ ترجم لأبي فكيهة فقال: فأسلم بمكة، فكان يعذب ليرجع عن دينه فيأبى، وكان قوم من بني عبد الدار يخرجونه نصف النهار في حر شديد في قيد من حديد، ويلبس ثيابًا ويبطح في الرمضاء، ثم يؤتى بالصخرة فتوضع على ظهره حتى لا يعقل، فلم يزل كذلك حتى هاجر أصحاب رسول الله ﷺ إلى أرض الحبشة فخرج معهم في الهجرة الثانية. (٤) تعذيب خالد بن سعيد ﵁

стр. 291

روى ابن سعد بسنده عن عمرو بن شعيب قال: كان إسلام خالد بن سعيد بن العاص ثالثًا أو رابعًا، وكان ذلك ورسول الله ﷺ يدعو سرًا، وكان يلزم رسول الله ﷺ ويصلي في نواحي مكة خاليًا، فبلغ ذلك أبا أحيحة فدعاه فكلمه أن يدع ما هو عليه، فقال خالد: لا أدع دين محمد حتى أموت عليه. فضربه أبو أحيحة بقراعة في يده حتى كسرها على رأسه، ثم أمر به إلى الحبس، وضيق عليه وأجاعه وأعطشه, حتى لقد مكث في حر مكة ثلاثًا ما يذوق ماءً، فرأى خالد فرجةً فخرج فتغيب عن أبيه في نواحي مكة حتى حضر خروج أصحاب رسول الله ﷺ إلى الحبشة في الهجرة الثانية، فلهو أول من خرج إليها. (١) ما لقيه سعد ﵁ من أمه روى مسلم بسنده عن سعد أنه نزلت فيه آيات من القرآن قال: حلفت أم سعد أن لا تكلمه أبدًا حتى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشرب، قالت: زعمت أن الله وصاك بوالديك، وأنا أمك، وأنا آمرك بهذا. قال: مكثت ثلاثًا حتى غشي عليها من الجهد، فقام ابن لها يقال له عمارة فسقاها، فجعلت تدعو على سعد، فأنزل الله في القرآن هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (٢) ما لقيه طلحة بن عبيد الله ﵁ من أمه عن مسعود بن حراش قال: بينا أنا أطوف بين الصفا والمروة إذا أناس كثير يتبعون إنسانا فتى شابًا موثقًا يده إلى عنقه قلت ما شأنه؟ قالوا هذا طلحة بن عبيد الله صبأ، وامرأة وراءه تذمه وتسبه قالوا هذه أمه الصعبة بنت الحضرمي. قال طلحة وأخبرني عيسى

стр. 292

بن طلحة وغيره أن عثمان بن عبيد الله أخا طلحة بن عبيد الله قرن طلحة مع أبي بكر ليحبسه عن الصلاة ويرده عن دينه وحرز يده مع يد أبى بكر فلم يرعهم إلا وهو يصلى مع أبى بكر. (١) تعذيب سعيد بن زيد ﵁ قال سعيد بن زيد: لقد رأيتني وإن عمر لموثقي على الإسلام. وأخته. (٢) تعذيب آل ياسر (رضوان الله عليهم) قال ابن إسحاق، قال فحدثني رجال من آل عمار بن ياسر أن سمية أم عمار عذبها هذا الحي من بني المغيرة على الإسلام وهي تأبى حتى قتلوها وكان النبي ﷺ يمر بعمار وأمه وأبيه وهم يعذبون بالأبطح في رمضاء مكة فيقول: (صبرًا يا آل ياسر فإن موعدكم الجنة). (٣) روى البيهقي بسنده عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وذكر آلهتهم بخير ثم تركوه فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: ما وراءك. قال شر يا رسول الله ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير قال: كيف تجد قلبك قال: مطمئن بالإيمان قال: إن عادوا فعد. (٤) روي بسنده عن مجاهد قال: أول شهيد استشهد في الإسلام سمية أم عمار أتاها أبو جهل فطعنها بحربة في قبلها. (٥) ترجم لسمية بنت خياط فذكر الخبر السابق وزاد: وكانت عجوزا كبيرة ضعيفة،

стр. 293

فلما قتل أبو جهل يوم بدر قال رسول الله ﷺ لعمار بن ياسر: (قد قتل الله قاتل أمك). (١) روى البيهقي بسنده عن عباس في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ قال: أخبر الله سبحانه أنه من كفر بعد إيمانه، فعليه غضب من الله وله عذاب عظيم، فأما من أكره فتكلم بلسانه، وخالفه قلبه بالإيمان لينجو بذلك من عدوه، فلا حرج عليه، إن الله سبحانه إنما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم. (٢) روى ابن ماجه بسنده عن هانئ بن هانئ قال: دخل عمار على عليٍّ، فقال: مرحبًا بالطيب المطيب، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ملئ عمار إيمانًا إلى مشاشه). (٣) روى ابن سعد بسنده عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾، قال: ذلك عمار بن ياسر. (٤) روى ابن سعد بسنده عن محمد أن النبي ﷺ لقي عمارًا وهو يبكي، فجعل يمسح عن عينيه وهو يقول: (أخذك الكفار فغطوك في الماء فقلت كذا وكذا، فإن عادوا فقل ذاك لهم). روى ابن سعد بسنده عن عبد الله بن عبيد الله بن عمير قال: نزل في عمار بن ياسر إذ كان يعذب في الله قوله: ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. [العنكبوت آية ٢]. روى ابن سعد بسنده عن عروة بن الزبير قال: كان عمار بن ياسر من المستضعفين الذين يعذبون بمكة ليرجع عن دينه. أذى قريش [للعبيد]

стр. 294

حدثنا سفيان بن عيينة عن إسماعيل عن قيس قال: اشترى أبو بكر -يعني بلالا- بخمسة أواقي وهو مدفون بالحجارة، قالوا: لو أبيت إلا أوقية لبعنا له، فقال: لو أبيتم إلا مائة أوقية لأخذته. (١) تعذيب بلال بن رباح في بطن مكة روى الإمام أحمد بسنده عن عبد الله قال: أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد. فأما رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذتهم المشركون فألبسوهم أدراع الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم إنسان إلا وقد واتاهم على ما أرادوا، إلا بلال، فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه فأعطوه الولدان، وأخذوا يطوفون به شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد. (٢) عتقاء أبي بكر ﵁ قال ابن إسحاق بعد أن ذكر تعذيب بلال وإعتاق أبي بكر، ﵁، له: ثم أعتق معه على الإسلام قبل أن يهاجر إلى المدينة ست رقاب، بلال سابعهم: عامر بن فهيرة، شهد بدرًا وأحدًا وقتل يوم بئر معونة شهيدا، وأم عبيس وزنيرة، أصيب بصرها حين أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى، فقالت: كذبوا وبيت الله، ما تضر اللات والعزى، وما تنفعان، فرد الله بصرها. وأعتق النهدية وبنتها، وكانتا لامرأة من بني عبد الدار، فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها وهي تقول: والله لا أعتقكما أبدا، فقال أبو بكر ﵁: حل يا أم فلان، فقالت: حل أنت أفسدتهما فأعتقهما، قال: فبكم هما؟ قالت: بكذا وكذا، قال: قد أخذتهما وهما حرتان، أرجعا إليها طحينها، قالتا: أو نفرغ منه يا أبا بكر ثم نرده إليها؟ قال: ذلك إن شئتما. (٣)

стр. 295

ومر بجارية بني مؤمل -حي من بني عدي بن كعب- وكانت مسلمة، وكان عمر بن الخطاب يعذبها لتترك الإسلام، وهو يومئذ مشرك، وهو يضربها حتى إذا كل قال: إني أعتذر إليك، إني لم أتركك إلا كلالة, فتقول: كذلك فعل الله بك، فابتاعها أبو بكر فأعتقها. (١) روى ابن إسحاق بسنده عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن بعض أهله قال: قال أبو قحافة لأبي بكر: يا بني، إني أراك تعتق رقابًا ضعافًا، فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت رجالًا جلدًا، يمنعونك ويقومون دونك، قال: فقال أبو بكر ﵁: يا أبت، إني إنما أريد ما أريد لله، قال: فيتحدث أنه ما نزل هؤلاء الآيات إلا فيه، وفيما قال له أبوه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾. روي بسنده عن جابر بن عبد الله، ﵄، قال: كان عمر يقول: أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا، يعني بلالًا. (٢) تعذيب خباب بن الأرت ﵁ قال خباب: أتيت رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة شديدة فقلت: يا رسول الله ألا تدعو الله لنا. فقعد وهو محمر وجهه فقال: (إن من كان قبلكم ليمشط أحدهم بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه، فيشق باثنين، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله ، والذئب على غنمه. (٣) عن خباب بن الأرت ﵁ قال: كنت قينًا في الجاهلية، وكان لي على

стр. 296

العاص بن وائل السهمي دين، فأتيته أتقاضاه- وفي رواية قال: فعملت للعاص بن وائل سيفًا، فجئته أتقاضاه فقال: لا أعطيك، حتى تكفر بمحمد، فقلت: والله لا أكفر حتى يميتك الله ثم تبعث، قال: وإني لميت ثم مبعوث؟ قلت: بلى، قال: دعني حتى أموت وأبعث، فسأوتى مالًا وولدًا فأقضيك. فنزلت: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ (١) قال خباب بن الأرت: لم يكن أحد إلا أعطى ما سألوا، قوم عذبهم المشركون إلا خبابًا، كانوا يضجعونه على الرضف فلم يستعتبوا منه شيئا (٢) عن أبي ليلى الكندي قال: جاء خباب بن الأرت إلى عمر، فقال: أدنه فما أحد أحق بهذا المجلس منك إلا عمار بن ياسر. فجعل خباب يريه آثارًا في ظهره مما عذبه المشركون. (٣) قال طارق بن شهاب: كان خباب بن الأرت من المهاجرين الأولين، وكان ممّن يعذب في الله. (٤) أول سيف سل في الإسلام روى البيهقي بسنده عروة عن أبيه قال: (أول من سل سيفه في الله الزبير نفخة نفخها الشيطان: أخذ رسول الله ﷺ وهو بأعلى مكة فسل الزبير سيفه ثم خرج يشق الناس حتى أتى النبي وهو بأعلى مكة قال ما لك يا زبير؟! قال: أخبرت أنك أخذت قال فصلى عليه ودعا له ولسيفه). (٥) حدثا يعقوب بن حميد، والزبير بن أبي بكر، قالا: ثنا سليمان ابن حرب، عن حماد

стр. 297

بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد ابن المسيب قال: أول من سل سيفًا في الله الزبير بن العوام ﵁، كان قائلا بشعب المطابخ إذ سمع نغمة: قتل محمد، فخرج متجردًا سيفه صلتا، فلقي رسول الله ﷺ ، فقال: ما لك يا زبير؟) قال ﵁: لا، إلا أني سمعت نغمة أنك قتلت. قال ﷺ : (فماذا كنت صانعًا؟) قال: استعرض أهل مكة، فدعى له النبي ﷺ بخير. قال سعيد: فأرجو أن لا يضيع الله -تعالى- دعاء النبي ﷺ للزبير ﵁. (١) عن سعيد بن المسيب قال: (إن أول من سل سيفًا في الله الزبير بن العوام، بينا هو ذات يوم قائل إذ سمع نغمةً: قتل رسول الله ﷺ ، فخرج متجردًا بالسيف صلتًا، فلقيه النبي ﷺ كنه كنه، فقال: ما لك يا زبير؟ قال: سمعت أنك قتلت، قال: فما أردت أن تصنع؟ قال: أردت والله أستعرض أهل مكة! فدعا له النبي ﷺ بخير، وفي ذلك يقول الأسدي: هذاك أول سيف سل في غضب ... لله سيف الزبير المنتضى أنفا حمية سبقت من فضل نجدته ... قد يحبس النجدات المحبس الأزفا دفع الله الأذى عن جماعة من المسلمين قال ابن إسحاق: وحدثني الزبير بن عكاشة بن عبد الله بن أبي أحمد، أنه حدث، أن رجالًا من بني مخزوم مشوا إلى هشام بن الوليد -حين أسلم أخوه الوليد بن الوليد بن المغيرة- وكانوا قد أجمعوا على أن يأخذوا فتيةً منهم كانوا قد أسلموا؛ منهم سلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، قال: فقالوا له وخشوا شره: إنا قد أردنا أن نعاتب هؤلاء الفتية على هذا الدين الذي أحدثوا، فإنا نأمن بذلك في غيرهم، قال: هذا فعليكم به فعاتبوه، وإياكم ونفسه، ثم قال: ألا لا يقتلن أخي عييش ... فيبقي بيننا أبدًا تلاحي

стр. 298

احذروا على نفسه، فأقسم بالله لئن قتلتموه لأقتلن أشرفكم رجلًا، قال: فقالوا: اللَّهم العنه، من يغرر بهذا الخبيث، فوالله لو أصيب في أيدينا لقتل أشرفنا رجلًا، فتركوه ونزعوا عنه، قال: وكان ذلك مما دفع الله به عنهم. (١) أذى قريش لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وتعنتهم له حدثنا علي بن عبد العزيز ثنا أبو نعيم ثنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن عمران السلمي عن ابن عباس قال قالت قريش للنبي ﷺ ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبًا، فإن أصبح لنا ذهبًا اتبعناك فدعا ربه ، فأتاه جبريل ﵇، فقال: إن ربك يقرئك السلام ويقول لك إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبًا، فمن كفر منهم عذبته عذابًا لم أعذبه أحد من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة قال: (بل باب التوبة والرحمة). (٢) قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ سورة الإسراء: ٥٩ روى الإمام أحمد بسنده عن ابن عباس، قال: سأل أهل مكة رسول الله -صلي عليه وسلم - أن يجعل لهم الصفا ذهبًا وأن ينحي عنهم الجبال فيزدرعوا، قال الله : (إن شئت آتيناهم ما سألوا فإن كفروا أهلكوا كما أهلك من قبلهم، وأن شئت نستأني بهم لعلنا ننتج منهم) فقال: ([لا] بل أستأني بهم) (٣) فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ أذى قريش [يسبون القرآن]

стр. 299

روى البخاري بسنده عن ابن عباس، في قوله : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ الإسراء الآية ١١٠. قال: نزلت ورسول الله ﷺ متوار بمكة. فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن. فإذا سمع ذلك المشركون سبوا القرآن، ومن أنزله، ومن جاء به. فقال الله تعالى لنبيه ﷺ : ولا تجهر بصلاتك فيسمع المشركون قراءتك. ولا تخافت بها عن أصحابك. أسمعهم القرآن. ولا تجهر ذلك الجهر. وابتغ بين ذلك سبيلًا. يقول بين الجهر والمخافتة. (١) أذى قريش [قولهم إنما يعلمه عبد ابن الحضرمي] روى الحاكم بسنده عن ابن عباس ﵄ في قوله : ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ سورة النحل: ١٠٣ قالوا إنما يعلم محمدا عبد ابن الحضرمي وهو صاحب الكتب فقال لسان الذين يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربى مبين إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله.* هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه* (٢) مفاوضات قريش لأبي طالب وتعاهدها على قتل النبي ﷺ تهديد قريش لأبي طالب: قال ابن إسحاق: ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرةً أخرى، فقالوا له: يا أبا طالب؛ إن لك سنًا وشرفًا ومنزلةً فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى نكفه عنا أو ننازله. وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين، أو كما قالوا له، ثم انصرفوا عنه، فعظم على

стр. 300

أبي طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفسًا بإسلام رسول الله ﷺ ولا خذلانه. (١) قال ابن إسحاق وحدَّثني يعقوبُ بنُ عُتْبةً بن المُغيرةِ بن الأخنسِ أنه حدث أن قريشًا حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله ﷺ فقال له: يا ابن أخي، إن قومك قد جاؤوني فقالوا لي كذا وكذا، للذي كانوا قالوا له، فأبق عليَّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق، قال: فظن رسول الله ﷺ أنه قد بدا لعمه فيه بداءً، وأنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه، قال: فقال رسول الله ﷺ : (يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته)، قال: ثم استعبر رسول الله ﷺ فبكى، ثم قام، فلما ولى ناداه أبو طالب فقال: أقبل يا ابن أخي، قال: فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدًا. (٢) روي الحاكم بسنده عن عقيل بن أبي طالب قال: جاءت قريش إلى أبي طالب، فقالوا: إن ابن أخيك يؤذينا في نادينا وفي مجلسنا، فانهه عن أذانا، فقال لي: يا عقيل ائت محمدًا، قال: فانطلقت إليه فأخرجته من كبس، قال طلحة بيت صغير، فجاء في الظهر في شدة الحر، فجعل يطلب الفيء يمشي فيه من شدة حر الرمضاء، فأتيناهم، فقال أبو طالب: إن بني عمك زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم وفي مجلسهم فانته عن ذلك, فحلق رسول الله ﷺ ببصره إلى السماء، فقال: (ما ترون هذه الشمس) قالوا: نعم، قال: (ما أنا بأقدر على أن أدع ذلك منكم على أن تشعلوا منها شعلة، فقال أبو طالب: ما كذبنا ابن أخي قط فارجعوا. (٣) روى ابن سعد بأسانيده المتعددة قالوا: لما رأت قريش ظهور الإسلام وجلوس المسلمين حول الكعبة، سقط في أيديهم، فمشوا إلى أبي طالب حتى دخلوا عليه

стр. 301

فقالوا: أنت سيدنا وأفضلنا في أنفسنا، وقد رأيت هذا الذي فعل هؤلاء السفهاء مع ابن أخيك من تركهم آلهتنا وطعنهم علينا وتسفيههم أحلامنا، وجاؤوا بعمارة بن الوليد بن المغيرة فقالوا: قد جئناك بفتى قريش جمالًا ونسبًا ونهادةً وشعرًا ندفعه إليك فيكون لك نصره وميراثه وتدفع إلينا ابن أخيك فنقتله، فإن ذلك أجمع للعشيرة وأفضل في عواقب الأمور مغبةً، قال أبو طالب: والله ما أنصفتموني تعطونني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابن أخي تقتلونه؟ ما هذا بالنصف، تسومونني سوم العرير الذليل. وروى بأسانيده المتعددة دخل حديث بعضهم في حديث بعض قالوا: فذكر الحديث وفيه: عرض قريش عمارة على أبي طالب ومفاوضتهم له إلى أن قال: وقالوا: لا نعود إليه أبدًا وما خير من أن يغتال محمد، فلما كان مساء تلك الليلة فقد رسول الله ﷺ وجاء أبو طالب وعمومته إلى منزله فلم يجدوه، فجمع فتيانًا من بني هاشم وبني المطلب ثم قال: ليأخذ كل واحدٍ منكم حديدة صارمةً ثم ليتبعني إذا دخلت المسجد، فلينظر كل فتى منكم فليجلس إلى عظيم من عظمائهم فيهم ابن الحنظلية يعني أبا جهل، فإنه لم يغب عن شر إن كان محمد قد قتل، فقال الفتيان: نفعل. فجاء زيد بن حارثة فوجد أبا طالب على تلك الحال، فقال: يا زيد أحسست ابن أخي؟ قال: نعم كنت معه آنفًا، فقال أبو طالب، لا أدخل بيتي أبدًا حتى أراه، فخرج زيد سريعًا حتى أتى رسول الله ﷺ وهو في بيت عند الصفا ومعه أصحابه يتحدثون، فأخبره الخبر، فجاء رسول الله ﷺ إلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي أين كنت؟ أكنت في خير؟ قال: (نعم)، قال: ادخل بيتك، فدخل رسول الله ﷺ فلما أصبح أبو طالب غدا على النبي ﷺ فأخذ بيده فوقف به على أندية قريش، ومعه الفتيان الهاشميون والمطلبيون، فقال: يا معشر قريش هل تدرون ما هممت به؟ قالوا: لا، فأخبرهم الخبر، وقال للفتيان: اكشفوا عما في أيديكم، فكشفوا، فإذا كل رجل منهم معه حديدة صارمة، فقال: والله لو قتلتموه ما بقيت منكم أحدًا حتى نتفانى نحن وأنتم، فانكسر القوم وكان أشدهم انكسارًا أبو جهل. (١)

стр. 302

نصرة أبو طالب لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم روى الحاكم بسنده عن ابن عباس ﵄ في قول الله : ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ قال نزلت في أبى طالب كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ويتباعد عما جاء به. (١)

стр. 303

[أنسب لنا ربك] حدثنا أحمد بن منيع. أخبرنا أبو سعد هو الصنعاني عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب أن المشركين قالوا لرسول الله ﷺ : أنسب لنا ربك. (٢) فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [القدر] عن أبي هريرة. قال: جاء مشركوا قريش يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في القدر. (٣) فنزلت: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾. [سبب نزول والضحى] عن جندب بن سفيان البجلي ﵁. قال: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فلم يقم ليلة أو ليلتين، وفي رواية: ليلتين أو ثلاثًا فجاءته إمراة، فقالت: يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين، أو ثلاث. (١) قال: فأنزل الله : ﴿وَالضُّحَى, وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى, مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وفي رواية قال: أبطأ جبريل على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقال المشركون قد ودع محمد، (٢) فأنزل الله : ﴿وَالضُّحَى, وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى, مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.

стр. 304

[التكذيب] حدثنا أبو كريب حدثنا معاوية بن هشام عن سفيان عن أبي إسحق عن ناجية بن كعب عن علي أن أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (إنا لا نكذبك ولكن نكذب بما جئت به فأنزل الله ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (١). سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: الصحيح عن أبي إسحق عن ناجية عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم مرسل. [دعاء الشجرة] عن أنس قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يومًا وهو جالس حزين وقد ضربه بعض أهل مكة فقال: ما لك؟ قال: (فعل بي هؤلاء وفعلوا). قال: تحب أن أُريك آيةً قال: (نعم). قال: فنظر إلى شجرة من وراء الوادي فقال: ادع تلك الشجرة. قال: فدعاها، فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه، فقال لها: (ارجعي). قال: فرجعت إلى مكانها. (٢) عن عمر ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كان بالحجون وهو كئيب حزين لما آذاه المشركون، فقال: اللَّهم أرني اليوم آيةً فلا أُبالي من كذبني بعدها من قومي، فقيل ناد، فنادى شجرة من قبل عقبة أهل المدينة، فجاءت تشق الأرض حتى انتهت إليه فسلمت عليه، ثم أمرها فرجعت إلى موضعها فقال: ما أبالي من كذبني بعدها من قومي. (٣) [الصفا والمروة] قال الطبراني: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا الحسن بن قزعة، حدثنا مسلمة، عن علقمة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن قيس بن جبير، قال: قالت

стр. 305

بنت الحكيم: قلت لجدي: (ما رأيت قومًا كانوا أعجز رأيًا في أمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم منكم يا بني أمية. فقال: لا تلومينا يا بنية، فإني لا أحدثك إلا ما رأيت بعيني هاتين. قلنا: والله ما نزال نسمع صوت هذا الصابئ يعلو في مسجدنا، فتواعدنا له حتى نأخذه، فتواعدنا إليه، فلما رأيناه سمعنا صوتًا ظننا أنه ما بقي بتهامة جبل إلا تفتت علينا، فأعقلنا حتى قضى صلاته، ورجع إلى أهله، فتواعدنا ليلة أخرى، فلما جاء نهضنا إليه، فرأيت الصفا والمروة التقيا إحداهما بالأخرى، فحالتا بيننا وبينه، فوالله ما نفعنا ذلك. (١) المستهزئون برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، أو غيره من العلماء أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وهم يطوفون بالبيت، فقام وقام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى جنبه، فمر به الأسود بن المطلب، فرمى في وجهه بورقة خضراء، فعمي. ومر به الأسود بن عبد يغوث، فأشار إلى بطنه، فاستسقى بطنه، فمات منه حبنا. ومر به الوليد بن المغيرة، فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعب رجله، كان أصابه قبل ذلك بسنين، وهو يجر سبله، وذلك أنه مر برجل من خزاعة وهو يريش نبلًا له، فتعلق سهم من نبله بإزاره، فخدش في رجله ذلك الخدش، وليس بشيء فانتقض به فقتله. ومر به العاص بن وائل، فأشار إلى أخمص رجله، وخرج على حمار له يريد الطائف، فربض به على شبارقة، فدخلت في أخمص رجله شوكة فقتلته. ومر به الحارث بن الطلاطلة، فأشار إلى رأسه فامتخض قيحًا، فقتله.

стр. 306

أمر ركانه المطلبي ومصارعته للنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال ابن إسحاق وحدثني أبي إسحاق بن يسار قال: كان ركانه بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف أشد قريش، فخلا يوما رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في بعض شعاب مكة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: يا ركانه، ألا تتقى الله وتقبل ما أدعوك إليه؟ قال: إني لو أعلم أن الذي تقول حق لاتبعتك، فقال (له) رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: أفرأيت إن صرعتك، أتعلم أن ما أقول حق؟ قال: نعم، قال: فقم حتى أصارعك. قال: فقام إليه ركانه يصارعه، فلما بطش به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أضجعه، وهو لا يملك من نفسه شيئاً، ثم قال: عُدْ يا محمد، فعاد فصرعه، فقال: يا محمد، والله إن هذا للعجب، أتصرعني! فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: وأعجب من ذلك إن شئت أن أريكه، إن اتقيت الله واتبعت أمري، قال: ما هو؟ قال: ألا دعوا لك هذه الشجرة التي ترى فتأتيني، قال: ادعها، فدعاها، فأقبلت حتى وقفت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال: فقال لها: ارجعي إلى مكانك. قال: فرجعت إلى مكانها. قال: فذهب ركانه إلى قومه فقال: يا بني عبد مناف، ساحروا بصاحبكم أهل الأرض، فوالله ما رأيت أسحر منه قط، ثم أخبرهم بالذي رأى والذي صنع. (١) روى أبو داود والترمذيُّ عن أبي جعفر بن محمد بن ركانه عن أبيه: أن ركانه صارع النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فصرعه النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وقال الترمذيُّ: (غريب). قلت: وقد روى أبو بكر الشافعي بإسناد جيد عن ابن عباس ﵄: أن يزيد بن ركانه صارع النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه

стр. 307

وسلم، فصرعه النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ثلاث مرات، كل مرة على مائة من الغنم، فلما كان في الثالثة قال: يا محمد! ما وضع ظهري إلى الأرض أحد قبلك, وما كان أحد أبغض إلي منك، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. فقام عنه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ورد عليه غنمه. (١)

стр. 308

نزول سورة ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ غيرت موقف المشركين من رسول الله ﷺ من السِّلم إلى العداوة روى البخاري بسنده عن أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد عن عبد الله ﵁ قال: "أول سورة أنزلت فيها سجدة والنجم، قال فسجد رسول الله ﷺ وسجد من خلفه، إلا رجلا رأيته أخذ كفا من تراب فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قتل كافرًا، وهو أمية بن خلف". (١) قال ابن إسحاق: فلما بادى رسول الله ﷺ قومه بالإسلام، وصدع به كما أمره الله؛ لم يبعد منه قومه، ولم يردوا عليه -فيما بلغني- حتى ذكر آلهتهم وعابها، فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه، وأجمعوا خلافه وعداوته، إلا من عصم الله تعالى منهم بالإسلام، وهم قليل مستخفون. (٢) روى بسنده عن الزهري قال: دعا رسول الله ﷺ إلى الإسلام سرًا وجهرًا، فاستجاب لله من شاء من أحداث الرجال، وضعفاء الناس حتى كثر من آمن به، وكفار قريش غير منكرين لما يقول، فكان إذا مر عليهم في مجالسهم يشيرون إليه أن غلام بني عبد المطب، ليكلم من السماء، فكان ذلك حتى عاب آلهتهم التي يعبدونها دونه، وذكر هلاك آبائهم الذين ماتوا على الكفر، فشنفوا لرسول الله ﷺ عند ذلك وعادوه. (٣) روى بسنده عن عروة، أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان: أما بعد، فإنه -يعني رسول الله ﷺ لما دعا قومه لما بعثه الله من الهدى والنور الذي أنزل عليه، لم يبعدوا منه أول ما دعاهم، وكادوا يسمعون له؛ حتى ذكر طواغيتهم، وقدم ناس من الطائف من قريش لهم أموال، أنكروا ذلك عليه، واشتدُّوا عليه، وكرهوا ما

стр. 309

قال لهم، وأغروا به من أطاعهم فانصفق عنه عامة الناس، فتركوه إلا من حفظه الله منهم؛ وهم قليل؛ فمكث بذلك ما قدَّر الله أن يمكث. (١) روى أحمد بسنده عن المطلب بن أبي وداعة قال: رأيت رسول الله ﷺ سجد في النجم، وسجد الناس معه، قال المطلب: ولم أسجد معهم وهو يومئذ مشركٌ قال المطلب: فلا أدع السُّجود فيها أبدًا. (٢)

стр. 310

الأسد يفضخ رأس عتيبة بن أبي لهب روى بسنده عن هبَّار بن الأسود قال: كان أبو لهب وابنه عتيبة قد تجهَّزا إلى الشام وتجهزتُ معهما فقال ابنه عتيبة: والله لأنطلقنَّ إليه فلأُوذِيَنَّهُ في ربه، فانطلق حتى أتى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد هو يكفر بالذي دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، فقال رسول الله ﷺ : "اللَّهم ابعث عليه كلبًا من كلابك" ثم انصرف عنه فرجع إليه فقال: أي بني ما قلت له؟ قال: كفرت بإلاهه الذي يعبد، قال: فماذا قال لك؟ قال: قال: "اللهمَّ ابعث عليه كلبًا من كلابك"، فقال: أي بني، واللهِ ما آمَنُ عليك دعوة محمد، قال: فسرنا حتى نزلنا الشَّراة وهي مَأسدةُ، فنزلنا إلى صومعة راهب، فقال: يا معشر العرب ما أنزلكم هذه البلاد وإنها مسرح الضَّيْغَمِ؟ فقال لنا أبو لهب: إنكم قد عرفتم حقي، قلنا: أجل يا أبا لهب، فقال: إن محمدًا قد دعا على ابني دعوةً، والله ما آمنها عليه، فاجمعوا متاعكم إلى هذه الصومعة، ثم افرشوا لابني عتيبة، ثم افرشوا حوله، قال: ففعلنا، جمعنا المتاع حتى ارتفع، ثم فرشنا له عليه، وفرشنا حوله، فبينا نحن حوله وأبو لهب معنا أسفل، وبات هو فوق المتاع، فجاء الأسد فشم وجوهنا، فلما لم يجد ما يريد تقبض ثم وثب، فهذا هو فوق المتاع، فجاء الأسد فشم وجهه، ثم هزمه هزمةً ففضخ رأسه، فقال: رأسي يا كلب، لم يقدر على غير ذلك، ووثبنا، فانطق الأسد وقد فضخ رأسه فقال له أبو لهب: قد عرفت والله ما كان لينفلت من دعوة محمدٍ. (١) وروى بسنده عن ابن طاوس عن أبيه قال: لما تلا رسول الله ﷺ : ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ قال عتيبة بن أبي لهب: كفرت برب النجم، فقال رسول الله ﷺ : "سلط الله عليك كلبًا من كلابه". قال: فحدثني موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه: قال: خرج عتيبة مع أصحابه في عير إلى الشام حتى إذا كانوا بالشام فزأر الأسد، فجعلت فرائصه تُرعَدُ، فقيل له: من أي شيء ترعد؟ فوالله ما نحن

стр. 311

وأنت إلا سواءٌ، فقال: إن محمدًا دعا عليَّ، لا والله ما أظلت السماء على ذي لهجة أصدق من محمدٍ، ثم وضعوا العشاء، فلم يدخل يده فيه، ثم جاء النوم فحاطوه بمتاعهم ووسطوه بينهم وناموا، فجاءهم الأسد يهمس يستنشق رؤوسهم رجلًا رجلًا، حتى انتهى إليه فضغَمَهُ ضَغْمَةً كانت إياها ففزع، وهو بآخر رمق وهو يقول: ألم أقل لكم إن محمدًا أصدق الناس؟ ومات. (١)

стр. 312

قريش تستنكف مجالسة الضعفاء قال ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ إذا جلس في المسجد، فجلس إليه المستضعفون من أصحابه: خباب، وعمار، وأبو فكيهة يسار مولى صفوان بن أمية، وصهيب، وأشباههم من المسلمين؛ هزئت بهم قريش، وقال بعضهم لبعض: هؤلاء أصحابه كما ترون! أهؤلاء مَنَّ الله عليهم من بيننا بالهدى ودين الحق؟! لو كان ما جاء به محمد خيرًا ما سبقنا هؤلاء إليه، وما خصهم الله به دوننا! فأنزل الله فيهم: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣) وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. (١) روى بسنده عن سعد قال: كنا مع النبي ﷺ ستة نفر، فقال المشركون للنبي ﷺ اطرد هؤلاء لا يجنزؤون علينا، قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال، ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه فأنزل الله : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾. (٢)

стр. 313

روى بسنده عن ابن مسعود قال: مر الملأ من قريش على رسول الله ﷺ وعنده خباب وصهيب وبلال وعمار، فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء؟ فنزل فيهم القرآن: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾. (١) روى بسنده عن سعد بن أبي وقاص في هذه الآية: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ قال: نزلت في خمس من قريش أنا وابن مسعود فيهم، فقالت قريش للنبي ﷺ : لو طردت هؤلاء عنك جالسناك، تدني هؤلاء دوننا، فنزلت: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ إلى قوله: ﴿بِالشَّاكِرِينَ﴾. (٢) روى بسنده عن سعد قال: نزلت هذه الآية فينا: ستة فيَّ وفي ابن مسعود وصهيب وعمار والمقداد وبلال. قال: قالت قريش لرسول الله ﷺ : إنا لا نرضى أن نكون أتباعًا لهم فاطردهم عنك. قال: فدخل قلب رسول الله ﷺ من ذلك ما شاء الله أن يدخل فأنزل الله : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ...﴾ الآية. (٣)

стр. 314

استهزاؤهم عند سماعهم القرآن قال ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ إذا تلا عليهم القرآن، ودعاهم إلى الله؛ قالوا يهزؤون به: قلوبنا في أكنةٍ مما تدعونا إليه لا نفقه ما تقول، وفي آذاننا وقر لا نسمع ما تقول، ومن بيننا وبينك حجاب قد حال بيننا وبينك، فاعمل بما أنت عليه إننا عاملون بما نحن عليه، إنا لا نفقه عنك شيئًا، فأنزل الله تعالى عليه في ذلك من قولهم: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ إلى قومه: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ أي: كيف فهموا توحيدك ربك إن كنت جعلت على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقرًا وبينك وبينهم حجابًا بزعمهم، أي: إنى لم أفعل ذلك ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ أي: ذلك ما تواصوا به من ترك ما بعثك به إليهم ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ أي أخطئوا المثل الذي ضربوا لك فلا يصيبون به هدى، ولا يعتدل لهم فيه قول ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ أي: قد جئت تخبرنا أنا سنبعث بعد موتنا إذا كنا عظامًا ورفاتًا، وذلك ما لا يكون ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: الذي خلقكم مما تعرفون فليس خلقكم من تراب بأعز من ذلك عليه. روى ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس، ﵄، قال: سألته عن قول الله تعالى: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ ما الذي أراد الله به؟ فقال: الموت. (١)

стр. 315

سبب نزول: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ ...﴾ روى بسنده عن عبد الله بن مسعود قال: إني لمستتر بأستار الكعبة إذ جاء ثلاثة نفر: ثقفي وختناه قرشيان، كثير شحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم، فتحدثوا بينهم بحديث، قال: فقال أحدهم: ترى أن الله، ، يسمع ما قلنا، قال الآخر: أراه يسمع إذا رفعنا ولا يسمع إذا خفضنا، قال الآخر: إن كان يسمع شيئًا منه إنه ليسمعه كله، قال: فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ قال: فأنزل الله : ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ﴾ ... إلى قوله تعالى: ﴿الْخَاسِرِينَ﴾. (١)

стр. 316

امتناعهم من الإيمان حسدًا، وسبب نزول: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ ...﴾ قال ابن إسحاق: فلما جاءهم رسول الله ﷺ بما عرفوا من الحق، وعرفوا صدقه فيما حدث، وموقع نبوته فيما جاءهم به من علم الغيوب -حين سألوه عما سألوه عنه- حال الحسد منهم له بينهم وبين اتباعه وتصديقه، فعتوا على الله، وتركوا أمره عيانًا، ولجوا فيما هم عليه من الكفر، فقال قائلهم: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ أي: اجعلوه لغوًا وباطلا، واتخذوه هزوًا لعلكم تغلبونه بذلك, فإنكم إن ناظرتموه أو خاصمتموه يومًا غلبكم ... فلما قال ذلك بعضهم لبعض جعلوا إذا جهر رسول الله ﷺ بالقرآن وهو يصلي يتفرقون عنه، ويأبون أن يستمعوا له، وكان الرجل منهم إذا أراد أن يستمع من رسول الله ﷺ بعض ما يتلو من القرآن وهو يصلي استرق السمع دونهم فرقًا منهم؛ فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع منه ذهب خشية أذاهم، فلم يستمع، وإن خفض رسول الله ﷺ صوته فظن الذي يستمع أنهم لا يستمعون شيئًا من قراءته وسمع هو شيئًا دونهم أصاخ له يستمع منه. (١) قال ابن إسحاق بسنده عن عبد الله بن عباس، ﵄، قال: إنما أنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ من أجل أولئك النفر؛ يقول: لا تجهر بصلاتك فيتفرقوا عنك، ولا تخافت بها فلا يسمعها من يحب أن يسمعها ممّن يسترق ذلك دونهم لعله يرعوي إلى بعض ما يسمع فينتفع به. (٢)

стр. 317

قريش تهم باغتيال رسول الله ﷺ روى بسنده عن موسى بن عقبة في كتاب المغازي قال: ثم إن قريشًا ائتمرت رويتهم واشتد مكرهم، وهموا بقتل رسول الله ﷺ أو إخراجه حين رأوا أصحابه يزدادون ويكثرون، فعرضوا على قومه أن يعطوه ديته ويقتلوه، فأبى ذلك قومه ومنع الله ، رسوله بحمية رهطه. (١) روى بسنده عن ابن عباس في قوله : ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾، قال: كفار قريش، سدًا غطاء، ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾ يقول: ألبسنا أبصارهم وغشيناهم فهم لا يبصرون النبي ﷺ فيؤذونه. وذلك أن أناسًا من بني مخزوم تواصوا بالنبي ﷺ ليقتلوه؛ منهم: أبو جهل، والوليد ابن المغيرة، ونفر من بني مخزوم, فبينا النبي ﷺ قائم يصلي، فلما سمعوا قراءته أرسلوا الوليد ليقتله، فانطلق حتى انتهى إلى المكان الذي كان يصلي النبي ﷺ فيه، فجعل يسمع قراءته ولا يراه، فانصرف إليهم فأعلمهم ذلك، فأتاه من بعده أبو جهل، والوليد، ونفر منهم، فلما انتهوا إلى المكان الذي هو فيه يصلي سمعوا قراءته فيذهبون إلى الصوت؛ فإذا الصوت من خلفهم، فينتهون إليه فيسمعونه أيضًا من خلفهم، فانصرفوا ولم يجدوا إليه سبيلا، فذلك قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ إلى آخر الآية. (٢) النضر بن الحارث يحاول اغتيال النبي ﷺ روى بسنده عن عروة بن الزبير قال: كان النضر بن الحارث ممّن يوذي رسول الله ﷺ ويتعرض له، فخرج رسول الله ﷺ يومًا يريد حاجته نصف النهار، في حر شديد، فبلغ أسفل من ثنية الحجون، وكان يبعد إذا ذهب

стр. 318

لحاجته، فرآه النضر بن الحارث فقال: لا أجده أبدًا أخلى منه الساعة فأغتاله، قال: فدنا إلى رسول الله ﷺ ثم انصرف راجعًا مرعوبًا إلى منزله فلقيه أبو جهل فقال: من أين الآن؟ فقال النضر: اتبعت محمدًا رجاء أن أغتاله، وهو وحده ليس معه أحد، فإذا أساود تضرب بأنيابها على رأسه فاتحة أفواهها، فهالتني فذعرت منها ووليت راجعًا، فقال أبو جهل: هذا بعض سحره. (١)

стр. 319

ذكر الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة قال ابن إسحاق: فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية, بمكانه من الله ومن عمّه أبي طالب، وأنه لا يقدر أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإنّ بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه؛ فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى أرض الحبشة، مخافة الفتنة، وفرارًا إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة في الإسلام (١). أصحاب الهجرة الأولى إلى الحبشة ١ - عثمان بن عفان ومعه زوجه رقية بنت رسول الله. ٢ - أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة ومعه زوجه سهلة بنت سهيل. ٣ - الزبير بن العوام بن خويلد. ٤ - عبد الرحمن بن عوف. ٥ - أبو سلمة بن عبد الأسد ومعه زوجه أم سلمة بنت أمية. ٦ - عبد الله بن مسعود. ٧ - عامر بن ربيعة حليف آل الخطاب ومعه زوجه ليلى بنت أبي حثمة. ٨ - أبو سبرة بن أبي رهم ومعه زوجه أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو. ٩ - سهيل بن بيضاء. ١٠ - عثمان بن مظعون. ١١ - مصعب بن عمير (٢).

стр. 320

الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يشير على أصحابه بالخروج إلى أرض الحبشة روى الطبري بسنده عن أم سلمة قالت: لما ضاقت علينا مكة، وأُذوي [أصحاب] النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ورأوا ما يصيبهم من الأذى، والفتنة في دينهم، وأنَّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في مَنَعَةٍ من قومه وعمه أبي طالب، لا يصل إليه شيء يكرهه، مما يصل إلى أصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإنّ بها ملكًا، لا يُنال عنده أحد بظُلم، فالحقوا ببلاده، حتى يجعل الله لكم فرجًا أو مخرجًا، مما أنتم فيه، فخرجنا إليها أَرسالًا فاجتمعنا بها، فنزلنا في خير دارٍ وأَمَنَةٍ (١). روى ابن سعد بسنده عن محمد الظفري عن رجل من قومه وعن الحارث بن الفضيل قالا: فخرجوا متسللين سيرًا، وكانوا أحد عشر رجلًا وأربع نسوة، حتى انتهوا إلى الشعيبة منهم الراكب والماشي. ووفق الله تعالى للمسلمين ساعة جاؤوا سفينتين للتجار حملوهم فيهما إلى أرض الحبشة بنصف دينار، وكان مخرجهم في رجب من السنة الخامسة من حين نبِّئ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤوا البحر حيث ركبوا فلم يدركوا منهم أحدًا، قالوا: وقدمنا أرض الحبشة فجاورنا بها خير جارٍ أمنَّا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذى ولا نسمع شيئًا نكرهه (٢).
следующие страницы →