امتناعهم من الإيمان حسدًا، وسبب نزول: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ ...﴾
قال ابن إسحاق: فلما جاءهم رسول الله ﷺ بما عرفوا من الحق، وعرفوا صدقه فيما حدث، وموقع نبوته فيما جاءهم به من علم الغيوب -حين سألوه عما سألوه عنه- حال الحسد منهم له بينهم وبين اتباعه وتصديقه، فعتوا على الله، وتركوا أمره عيانًا، ولجوا فيما هم عليه من الكفر، فقال قائلهم: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ أي: اجعلوه لغوًا وباطلا، واتخذوه هزوًا لعلكم تغلبونه بذلك, فإنكم إن ناظرتموه أو خاصمتموه يومًا غلبكم ...
فلما قال ذلك بعضهم لبعض جعلوا إذا جهر رسول الله ﷺ بالقرآن وهو يصلي يتفرقون عنه، ويأبون أن يستمعوا له، وكان الرجل منهم إذا أراد أن يستمع من رسول الله ﷺ بعض ما يتلو من القرآن وهو يصلي استرق السمع دونهم فرقًا منهم؛ فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع منه ذهب خشية أذاهم، فلم يستمع، وإن خفض رسول الله ﷺ صوته فظن الذي يستمع أنهم لا يستمعون شيئًا من قراءته وسمع هو شيئًا دونهم أصاخ له يستمع منه. (١)
قال ابن إسحاق بسنده عن عبد الله بن عباس، ﵄، قال: إنما أنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ من أجل أولئك النفر؛ يقول: لا تجهر بصلاتك فيتفرقوا عنك، ولا تخافت بها فلا يسمعها من يحب أن يسمعها ممّن يسترق ذلك دونهم لعله يرعوي إلى بعض ما يسمع فينتفع به. (٢)
стр. 317
قريش تهم باغتيال رسول الله ﷺ
روى بسنده عن موسى بن عقبة في كتاب المغازي قال: ثم إن قريشًا ائتمرت رويتهم واشتد مكرهم، وهموا بقتل رسول الله ﷺ أو إخراجه حين رأوا أصحابه يزدادون ويكثرون، فعرضوا على قومه أن يعطوه ديته ويقتلوه، فأبى ذلك قومه ومنع الله ، رسوله بحمية رهطه. (١)
روى بسنده عن ابن عباس في قوله : ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾، قال: كفار قريش، سدًا غطاء، ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾ يقول: ألبسنا أبصارهم وغشيناهم فهم لا يبصرون النبي ﷺ فيؤذونه.
وذلك أن أناسًا من بني مخزوم تواصوا بالنبي ﷺ ليقتلوه؛ منهم: أبو جهل، والوليد ابن المغيرة، ونفر من بني مخزوم, فبينا النبي ﷺ قائم يصلي، فلما سمعوا قراءته أرسلوا الوليد ليقتله، فانطلق حتى انتهى إلى المكان الذي كان يصلي النبي ﷺ فيه، فجعل يسمع قراءته ولا يراه، فانصرف إليهم فأعلمهم ذلك، فأتاه من بعده أبو جهل، والوليد، ونفر منهم، فلما انتهوا إلى المكان الذي هو فيه يصلي سمعوا قراءته فيذهبون إلى الصوت؛ فإذا الصوت من خلفهم، فينتهون إليه فيسمعونه أيضًا من خلفهم، فانصرفوا ولم يجدوا إليه سبيلا، فذلك قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ إلى آخر الآية. (٢)
النضر بن الحارث يحاول اغتيال النبي ﷺ
روى بسنده عن عروة بن الزبير قال: كان النضر بن الحارث ممّن يوذي رسول الله ﷺ ويتعرض له، فخرج رسول الله ﷺ يومًا يريد حاجته نصف النهار، في حر شديد، فبلغ أسفل من ثنية الحجون، وكان يبعد إذا ذهب
стр. 318
لحاجته، فرآه النضر بن الحارث فقال: لا أجده أبدًا أخلى منه الساعة فأغتاله، قال: فدنا إلى رسول الله ﷺ ثم انصرف راجعًا مرعوبًا إلى منزله فلقيه أبو جهل فقال: من أين الآن؟ فقال النضر: اتبعت محمدًا رجاء أن أغتاله، وهو وحده ليس معه أحد، فإذا أساود تضرب بأنيابها على رأسه فاتحة أفواهها، فهالتني فذعرت منها ووليت راجعًا، فقال أبو جهل: هذا بعض سحره. (١)
стр. 319
ذكر الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة
قال ابن إسحاق: فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية, بمكانه من الله ومن عمّه أبي طالب، وأنه لا يقدر أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإنّ بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه؛ فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى أرض الحبشة، مخافة الفتنة، وفرارًا إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة في الإسلام (١).
أصحاب الهجرة الأولى إلى الحبشة
١ - عثمان بن عفان ومعه زوجه رقية بنت رسول الله.
٢ - أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة ومعه زوجه سهلة بنت سهيل.
٣ - الزبير بن العوام بن خويلد.
٤ - عبد الرحمن بن عوف.
٥ - أبو سلمة بن عبد الأسد ومعه زوجه أم سلمة بنت أمية.
٦ - عبد الله بن مسعود.
٧ - عامر بن ربيعة حليف آل الخطاب ومعه زوجه ليلى بنت أبي حثمة.
٨ - أبو سبرة بن أبي رهم ومعه زوجه أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو.
٩ - سهيل بن بيضاء.
١٠ - عثمان بن مظعون.
١١ - مصعب بن عمير (٢).
стр. 320
الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يشير على أصحابه بالخروج إلى أرض الحبشة
روى الطبري بسنده عن أم سلمة قالت:
لما ضاقت علينا مكة، وأُذوي [أصحاب] النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ورأوا ما يصيبهم من الأذى، والفتنة في دينهم، وأنَّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في مَنَعَةٍ من قومه وعمه أبي طالب، لا يصل إليه شيء يكرهه، مما يصل إلى أصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم:
لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإنّ بها ملكًا، لا يُنال عنده أحد بظُلم، فالحقوا ببلاده، حتى يجعل الله لكم فرجًا أو مخرجًا، مما أنتم فيه، فخرجنا إليها أَرسالًا فاجتمعنا بها، فنزلنا في خير دارٍ وأَمَنَةٍ (١).
روى ابن سعد بسنده عن محمد الظفري عن رجل من قومه وعن الحارث بن الفضيل قالا: فخرجوا متسللين سيرًا، وكانوا أحد عشر رجلًا وأربع نسوة، حتى انتهوا إلى الشعيبة منهم الراكب والماشي. ووفق الله تعالى للمسلمين ساعة جاؤوا سفينتين للتجار حملوهم فيهما إلى أرض الحبشة بنصف دينار، وكان مخرجهم في رجب من السنة الخامسة من حين نبِّئ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤوا البحر حيث ركبوا فلم يدركوا منهم أحدًا، قالوا: وقدمنا أرض الحبشة فجاورنا بها خير جارٍ أمنَّا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذى ولا نسمع شيئًا نكرهه (٢).
стр. 321
روى الطبري بسنده عن عروة قال: فذكر الحديث وفيه اشتداد الأذى على المسلمين ثم قال: فلما فعل ذلك بالمسلمين، أمرهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن يخرجوا إلى أرض الحبشة- وكان بالحبشة ملك صالح يقال له النجاشي، لا يظلم أحد بأرضه، وكان يثنى عليه من ذلك صلاح وكانت أرض الحبشة متجرًا لقريش يتجرون فيها، يجدون فيها رفاغًا من الرزق، وأمنًا ومتجرًا حسنًا- فأمرهم بها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فذهب إليها عامَّتهم لما قهروا بمكة، وخاف عليهم الفتن، ومكث هو فلم يبرح، فمكث بذلك سنواتٍ، يشتدُّون على من أسلم منهم. ثم إنه فشا الإسلام فيها، ودخل فيه رجالٌ من أشرافهم (١).
هجرة عثمان بن عفان وزوجه رقيه بنت رسول الله ﵄ إلى الحبشة
روى البخاري بسنده عن عروة بن الزبير فذكر الحديث وفيه قال عبيد الله بن الخيار لعثمان ﵁: وكنت ممّن استجاب لله ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وآمنت به، وهاجرت الهجرتين الأوليين (٢).
روى الحاكم بسنده عن سعد قال: لمَّا أراد عثمان بن عفان، ﵁، الخروج إلى أرض الحبشة قال له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "اخرج برقيَّة معك" قال: "إخال واحد منكما يصبر على صاحبه"، ثم أرسل النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أسماء بنت أبي بكر، ﵄، فقال: "ائتيني بخبرها" فرجعت أسماء إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وعنده أبو بكر، ﵁، فقالت: يا رسول الله أخرج حمارًا موكفًا فحملها عليه، وأخذ بها نحو البحر، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "يا أبا بكر إنهما لأول من هاجر بعد لوط وإبراهيم ﵉" (٣).
стр. 322
عن أنس قال: خرج عثمان مهاجرًا إلى أرض الحبشة، ومعه رُقيَّة بنت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم واحتبس على النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم خبرهم، فكان يخرج يتوكَّف عنهم الخبر فجاءته امرأة فأخبرته، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "إن عثمان لأول من هاجر إلى الله بأهله بعد لوط" (١).
أول من هاجر بظعينته إلى الحبشة أبو سلمة بن عبد الأسد وزوجه أم سلمة
حدثنا جعفر بن عون عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع قال: حدثني الزهري عن قبيصة بن ذؤيب أن أبا سلمة كان ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وكان أول من هاجر بظعينته إلى أرض الحبشة ثم إلى المدينة (٢).
هجرة عامر بن ربيعة العنزي وزوجه ليلى بنت أبي حثمة إلى الحبشة ﵄
روى الحاكم عن عبد العزيز بن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه عن أمه أم عبد الله بنت أبى حثمة قالت: والله إنا لنترحل إلى أرض الحبشة فقد ذهب عامر في بعض حاجتنا إذ أقبل عمر بن الخطاب ﵁ حتى وقف علي وهو على شركه وكنا نلقى منه البلاء والشدة علينا، فقال: إنه الانطلاق يا أم عبد الله، فقلت: نعم، والله لنخرجن في أرض الله آذيتمونا وقهرتمونا حتى يجعل الله لنا مخرجًا، فقال: صحبكم الله ورأيت له رقة لم أكن أراها ثم انصرف وقد أحزنه فيما أرى خروجنا، قال: فجاء عامر بن ربيعة من
стр. 323
حاجته تلك، فقلت: يا أبا عبد الله لو رأيت عمر آنفًا ورقته وحزنه علينا، قال: أفتطمعي في إسلامه، قلت: نعم، قال: فلا يسلم الذي رأيت حتى يسلم جمل الخطاب (١).
خروج الصحابة رضوان الله عليهم إلى الحبشة
حدثنا محمد بن يحيى الباهلي حدثنا يعقوب بن محمد ثنا عمرو بن سليمان بن أبي حثمة عن أبيه عن الشفاء بن عبد الله عن ليلى بنت أبي حثمة قالت: لما اجتمعوا على الخروج جاءنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فقال: "إن مصعب بن عمير قد حبسته أمه وهو يريد الخروج الليلة إذا رقدوا" قال عامر بن ربيعة فنحن ننتظره ولا نغلق بابًا دونه فلما هدأت الرجل جاءنا مصعب بن عمير فبات عندنا وظلّ يومه حتى إذا كان الليل خرج متسللًا ووعدناه فلحقناه وأدركناه فاصطحبناه قال وهم يمشون على أقدامهم وأنا على بعير لنا وكان مصعب بن عمير رقيق البشر ليس بصاحب رجله ولقد رأيت رجليه يقطران دمًا من الرقة فرأيت عامر خلع حذاءه فأعطاه حتى انتهينا إلى السفينة فنجد سفينة قد حملت ذرة وفرغت ما فيها جاءت من مور فتكارينا إلى مور ثم تكارينا من مور إلى الحبشة. ولقد كنت أرى عامر بن ربيعة يرق على مصعب بن عمير رقة ما يرقها على ولده وما معه دينار ولا درهم وكان معنا خمسة عشر دينارًا (٢).
عودة مهاجري الحبشة
قال ابن إسحاق: وبلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الذين خرجوا إلى أرض الحبشة إسلام أهل مكة، فأقبلوا لما بلغهم من ذلك؛ حتى إذا دنوا
стр. 324
موقف المشركين من جوار أبي طالب لابن أخته (١)
قال ابن إسحاق: وأما أبو سلمة بن عبد الأسد، فحدثني أبي إسحاق بن يسار، عن سلمة ابن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة، أنّه حدّثه، أنّ أبا سلمة لمّا استجار بأبي طالب مشى إليه رجالُ بني مخزوم، فقالوا: يا أبا طالب، [ما] هذا؟ منعت منَّا ابن أخيك محمدًا، فما لك ولصاحبنا تمنعه منَّا؟ قال: إنه استجار بي، وهو ابن أختي، وإن أنا لم أمنع ابن أختي لم أمنع ابن أخي، فقام أبو لهب فقال: يا معشر قريش، والله لقد أكثرتم على هذا الشيخ، ما تزالون تتواثبون عليه في جواره من بين قومه، والله لتنتهنَّ عنه أو لنقومنَّ معه في كل ما قام فيه، حتى يبلغ ما أراد، قال: فقالوا: بل ننصرف عمَّا تكره يا أبا عتبة، وكان لهم وليًّا وناصرًا على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فأبقوا على ذلك، فطمع فيه أبو طالب حين سمعه يقول ما يقول، ورجا أن يقوم معه في شأن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فقال أبو طالب يحرِّضُ أبا لهب على نصرته ونصرة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم (٢).
وإنّ امْرءًا أبو عتيبة عمُّه ... لفي روضة ما إنْ يُسامُ المظالما
أقول له، وأين منه نصيحتي ... أبا مُعْتب ثبِّت سوادَك قائما
ولا تقبلنّ الدَّهر ما عشتَ خُطَّةً ... تُسبّ بها إمّا هبطت المواسما
وولّ سبيل العجز غيرك منهم ... فإنّك لم تخلق على العجز لازما
وحاربْ فإنّ الحرب نصفٌ وما ترى ... أخا الحرب يعطي الخسف حتى يسالما
وكيف لم يجنوا عليك عظيمة ... ولم يخذلوك غانمًا أو مغارما
جزى الله عنّا عبدِ شمسٍ ونوفلا ... وتيما ومخزومًا عقوقًا ومأثما
стр. 325
بنفْريقهم من بعد وُدٍّ وألفةٍ ... جماعتنا كيما ينالوا المحارما
كذبتم وبيت الله نُبزى محمدًا ... ولما تَرَوا يومًا لدى الشِّعب قائما
وروى بسنده عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال: دخلوا مكة ولم يدخل أحدٌ منهم إلَّا بجوارٍ إلَّا ابن مسعود فإنّه مكث يسيرًا ثم رجع إلى أرض الحبشة (١).
عثمان بن مظعون يرد جوار الوليد
قال ابن إسحاق: فأما عثمان بن مظعون، فإن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف حدثني، عمن حدثه، عن عثمان، قال: لما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله- ﷺ من البلاء، وهو يغدو ويروح في أمان من الوليد بن المغيرة, قال: والله إن غدوي ورواحي آمنا بجوار رجل من أهل الشرك، وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى في الله ما لا يصيبني، لنقص كبير في نفسي، فمشى إلى الوليد بن المغيرة، فقال له: يا أبا عبد شمس، وفت ذمتك، قد رددت إليك جوارك؛ فقال له: يا ابن أخي لعله آذاك أحد من قومي؟ قال: لا, ولكني أرضى بجوار الله، ولا أريد أن أستجير بغيره؟ قال: فانطلق إلى المسجد، فاردد علي جواري علانية كما أجرتك علانية. قال: فانطلقا فخرجا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد: هذا عثمان قد جاء يرد علي جواري، قال: صدق، قد وجدته وفيًا كريم الجوار، ولكني قد أحببت أن لا أستجير بغير الله، فقد رددت عليه جواره, ثم انصرف عثمان، ولبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب في مجلس من قريش ينشدهم، فجلس معهم عثمان، فقال لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
قاله عثمان: صدقت. قال لبيد:
وكل نعيم لا محالة زائل
стр. 326
قال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول. قال لبيد بن ربيعة: يا معشر قريش، والله ما كان يؤذى جليسكم، فمتى حدث هذا فيكم؟ فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه في سفهاء معه، قد فارقوا ديننا، فلا تجدن في نفسك من قوله؛ فرد عليه عثمان حتى شرى أمرهما، فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فخضرها والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان، فقال: أما والله يا ابن أخي كانت عينك عما أصابها لغنية، لقد كانت في ذمة منيعة. قال: يقول عثمان: بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله، وإني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس؛ فقال له الوليد: هلم يا بن أخي، إن شئت فعد إلى جوارك؛ فقالا: لا.
روى محمد بن عمر بأسانيده المتعددة قالوا: لمّا قدم أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم مكة من الهجرة الأولى اشتد عليهم قومهم وسطت بهم عشائرهم ولقوا منهم أذىً شديدًا، فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في الخروج إلى أرض الحبشة مرة ثانية، فكانت خرجتُهم الآخرة أعظمهما مشقة ولقوا من قريش تعنيفًا شديدًا ونالوهم بالأذى، واشتد عليهم ما بلغهم عن النجاشي من حسن جواره لهم، فقال عثمان بن عفان: يا رسول الله فهجرتنا الأولى وهذه الآخرة إلى النجاشي ولست معنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.: "أنتم مهاجرون إلى الله وإليّ، لكم هاتان الهجرتان جميعًا"، قال عثمان فحسبنا يا رسول الله؛ وكان عدّة من خرج في هذه الهجرة من الرجال ثلاثة وثمانين رجلًا، ومن النساء إحدى عشرة امرأة قرشية وسبع غرائب، فأقام المهاجرون بأرض الحبشة عند النجاشي بأحسن جوار (١).
أصحاب الهجرة الثانية إلى الحبشة (٢)
من بني هاشم بن عبد مناف:
١ - جعفر بن أبي طالب: ومعه زوجه أسماء بنت عميس بقي في الحبشة حتى انتقل إلى المدينة سنة سبع.
стр. 327
من بني أمية بن عبد شمس:
٢ - عثمان بن عفان: ومعه زوجه رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم رجع إلى مكة، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا.
٣ - عمرو بن سعيد بن العاص: ومعه زوجه فاطمة بنت صفوان بقي في الحبشة حتى رجع مع جعفر.
٤ - خالد بن سعيد بن العاص: ومعه زوجه أمينة بنت خلف بقي في الحبشة حتى رجع مع جعفر.
من حلفائهم:
٥ - عبد الله بن جحش: رجع إلى مكة، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا.
٦ - عبيد الله بن جحش: ومعه زوجه أم حبيبة بنت سفيان، تنصر في الحبشة -قبحه الله-.
٧ - قيس بن عبد الله الأسدي: ومعه زوجه بركة بنت يسار بقي في الحبشة مسلمًا.
٨ - معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي.
من بني عبد شمس:
٩ - أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة: ومعه زوجه سهلة بنت سهيل، رجع إلى مكة، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا.
من حلفائهم:
١٠ - أبو موسى الأشعري: رجع مع جعفر.
من بني نوفل بن عبد مناف:
من حلفائهم:
١١ - عتبة بن غزوان: رجع إلى مكة، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا.
من بني أسد بن عبد العزى:
١٢ - الزبير بن العوام: رجع إلى مكة، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا.
١٣ - الأسود بن نوفل: بقي في الحبشة حتى رجع مع جعفر.
١٤ - يزيد بن زمعة: بقي في الحبشة وانتقل منها فيما بعد واستشهد يوم الطائف.
١٥ - عمرو بن أمية بن الحارث: مات في الحبشة.
стр. 328
من بني عبد بن قصي:
١٦ - طليب بن عمرو بن وهب: رجع إلى مكة، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا.
من بني عبد الدار بن قصي:
١٧ - مصعب بن عمير: رجع إلى مكة، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا.
١٨ - سويبط بن سعد بن حرملة: رجع إلى مكة، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا.
١٩ - جهم بن قيس: ومعه زوجه أم حرملة بنت عبد الأسود الخزاعي بقي في الحبشة حتى رجع مع جعفر.
٢٠ - أبو الروم بن عمير: انتقل إلى المدينة بعد بدر وشهد أحدًا.
٢١ - فراس بن النضر بن الحارث: انتقل إلى المدينة فيما بعد.
من بني زهرة بن كلاب:
٢٢ - عبد الرحمن بن عوف: رجع إلى مكة، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا.
٢٣ - عامر بن أبي وقاص: انتقل إلى المدينة بعد بدر وشهد أحدًا.
٢٤ - المطلب بن أزهر: ومعه زوجه رملة بنت أبي عوف مات بالحبشة.
من حلفائهم:
٢٥ - عبد الله بن مسعود الهذلي: رجع إلى مكة، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا.
٢٦ - عتبة بن مسعود الهذلي: انتقل إلى المدينة بعد بدر وشهد أحدًا.
٢٧ - المقداد بن عمرو: رجع إلى مكة، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا.
من بني تيم بن مرة:
٢٨ - الحارث بن خالد: ومعه زوجه ريطة بنت الحارث بقي في الحبشة حتى رجع مع جعفر.
٢٩ - عمرو بن عثمان بن عمرو: بقي في الحبشة، وهاجر إلى المدينة، واستشهد في القادسية.
من بني مخزوم بن يقظة:
٣٠ - أبو سلمة بن عبد الأسد: ومعه زوجه أم سلمة بنت أمية، رجع إلى مكة، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا.
٣١ - شمّاس بن عثمان: رجع إلى مكة، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا.
стр. 329
٣٢ - هبّار بن سفيان: بقي في الحبشة، ثم انتقل منها، واستشهد يوم أجنادين.
٣٣ - عبد الله بن سفيان: بقي في الحبشة، ثم انتقل منها، واستشهد يوم اليرموك.
٣٤ - هشام بن أبي حذيفة بن المغيرة: بقي في الحبشة، ثم انتقل منها فيما بعد.
٣٥ - سلمة بن هشام بن المغيرة: رجع إلى مكة، وحُبس فيها حتى غزوة خيبر، فهاجر في السنة السابعة إلى المدينة.
٣٦ - عيّاش بن أبي ربيعة: ومعه زوجه أسماء بنت سلامة التميمية رجع إلى مكة، وحُبس فيها حتى غزوة خيبر، فهاجر إلى المدينة في السنة السابعة.
من حلفائهم:
٣٧ - معتب بن عوف الخزاعي: رجع إلى مكة، وهاجر إلي المدينة، وشهد بدرًا.
من بني جمح بن عمرو:
٣٨ - عثمان بن مظعون: رجع إلى مكة، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا.
٣٩ - السائب بن عثمان: رجع إلى مكة، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا.
٤٠ - قدامة بن مظعون: رجع إلى مكة، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا.
٤١ - عبد الله بن مظعون: رجع إلى مكة، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا.
٤٢ - حاطب بن الحارث: ومعه زوجه فاطمة بنت المجلل، مات في الحبشة.
٤٣ - حطاب بن الحارث: ومعه زوجه فكيهة بنت يسار، مات في الحبشة.
٤٤ - سفيان بن معمر: ومعه زوجه حسنة، مات في الحبشة.
٤٥ - عثمان بن ربيعة: بقي في الحبشة حتى رجع مع جعفر.
٤٦ - الحارث بن حاطب: بقي في الحبشة.
من حلفائهم:
٤٧ - شرحبيل بن حسنة: بقي في الحبشة، ثم رجع، ومات بطاعون عمواس.
من بني سهم بن عمرو:
٤٨ - خنيس بن حذاقة: رجع إلى مكة، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا.
٤٩ - عبد الله بن الحارث: مات في الحبشة (على إحدى الروايات)، وفي رواية أنه استشهد باليمامة.
стр. 330
٥٠ - هشام بن العاص بن وائل: رجع إلى مكة، وحُبس فيها إلى ما بعد غزوة الخندق، وهاجر بعدئذ.
٥١ - قيس بن حذافة: بقي في الحبشة، وانتقل منها فيما بعد.
٥٢ - أبو قيس بن الحارث: انتقل إلى المدينة بعد بدرٍ، وشهد أُحدًا.
٥٣ - عبد الله بن حذافة السهمي: بقي في الحبشة، وانتقل منها.
٥٤ - الحارث بن الحارث بن قيس: بقي في الحبشة، وانتقل منها فيما بعد.
٥٥ - معمر بن الحارث بن قيس: بقي في الحبشة، وانتقل منها فيما بعد.
٥٦ - بشر بن الحارث قيس: بقي في الحبشة، وانتقل منها فيما بعد.
٥٧ - سعيد بن عمرو التميمي: بقي في الحبشة، وانتقل منها فيما بعد.
٥٨ - سعيد بن الحارث بن قيس: بقي في الحبشة، وانتقل منها فيما بعد، واستشهد في اليرموك.
٥٩ - السائب بن الحارث بن قيس: بقي في الحبشة، وانتقل منها فيما بعد، وحضر الطائف.
٦٠ - عمير بن رئاب بن حذيفة: بقي في الحبشة، وانتقل منها فيما بعد، استشهد في عين التمر.
من حلفائهم:
٦١ - محمية بن جزء الزبيدي: بقي في الحبشة ثم رجع وشهد المريسيع.
من بني عدي بن كعب:
٦٢ - معمر بن عبد الله بن نضلة: بقي في الحبشة حتى رجع مع جعفر.
٦٣ - عروة بن عبد العزى: مات في الحبشة.
٦٤ - عدي بن نضلة بن عبد العزى: مات في الحبشة.
٦٥ - النعمان بن عدي: بقي في الحبشة حتى رجع مع جعفر.
من حلفائهم:
٦٦ - عامر بن ربيعة ومعه زوجه ليلى بنت أبي حثمة، رجع إلى مكة، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا.
стр. 331
من بني عامر بن لؤي:
٦٧ - أبو سبرة بن أبي رهم: ومعه زوجه أم كلثوم بنت سهيل، رجع إلى مكة، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا.
٦٨ - عبد الله بن مخرمة: رجع إلى مكة، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا.
٦٩ - عبد الله بن سهيل بن عمرو: رجع إلى مكة، وحبس، وخرج إلى بدر مع قريش، وانحاز إلى المسلمين.
٧٠ - سليط بن عمرو: انتقل بعد بدر، وشهد أُحدًا، واستشهد يوم اليمامة.
٧١ - السكران بن عمرو: ومعه زوجه سودة بنت زمعة، رجع إلى مكة، ومات فيها قبل الهجرة إلى المدينة.
٧٢ - مالك بن زمعة: ومعه زوجه عمرة بنت السعدي، بقي في الحبشة حتى رجع مع جعفر.
٧٣ - حاطب بن عمرو: بقي في الحبشة حتى رجع مع جعفر.
من حلفائهم:
٧٤ - سعد بن خولة: رجع إلى مكة، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا.
٧٥ - أبو عبيدة بن الجراح: رجع إلى مكة، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا.
٧٦ - سهيل بن بيضاء: رجع إلى مكة، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا.
٧٧ - عمرو بن أبي سرح: رجع إلى مكة، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا.
٧٨ - عياض بن زهير: بقي في الحبشة، انتقل منها فيما بعد.
٧٩ - عمرو بن الحارث بن زهير: رجع إلى مكة، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا.
٨٠ - عثمان بن عبد غنم: بقي في الحبشة، انتقل منها فيما بعد.
٨١ - سعد بن عبد قيس: بقي في الحبشة، انتقل منها فيما بعد.
٨٢ - الحارث بن عبد قيس: بقي في الحبشة، انتقل منها فيما بعد.
٨٣ - عبد الله بن عرفطة.
стр. 332
ما قيل من الشعر في هجرة الحبشة
شعر عبد الله بن الحارث في هجرة الحبشة: وكان مما قيل من الشعر في الحبشة أنّ عبد الله بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم، حين أمنوا بأرض الحبشة، وحمدوا جوار النجاشي، وعبدوا الله لا يخافون على ذلك أحدًا، وقد أحسن النجاشي جوارهم حين نزلوا به، قال:
يا راكبًا بلّغنْ عنّي مغلغلةً (١) ... من كان يرجو بلاغ الله والدّين
كلّ امرئٍ من عباد الله مضطّهدٍ ... ببطن مكة مقهورٍ ومفتون
أنّا وجدنا بلاد الله واسعة ... تُنجي من الذُّلّ والمخزاة والهُون
فلا تقيموا على ذُل الحياة وخزْ ... يٍ في الممات وعيبٍ غير مأمون
إنّا تبعنا رسول (٢) الله واطرحوا ... قول النبي وعالوا (٣) في الموازين
فاجعل عذابك في القوم الذين بغوا ... وعائذ (٤) بك أن يغلوا (٥) فيطغوني (٦)
وقال عبد الله بن الحارث أيضًا يذكر نفي قريش إياهم من بلادهم، ويعاتب بعض قومه في ذلك:
أبت كبدي, لا أكذبنك، قتالهم ... على وتأباه عليّ أناملي
وكيف قتالي معشرًا أدّبوكم (٧) ... على الحق أن لا تأشبوه (٨) بباطل
نفتهم عباد الجن (٩) من حر أرضهم ... فأضحوا على أمرٍ شديد (١٠) البلابل (١١)
стр. 333
فإن تك كانت في عدي أمانة ... عدي بن سعد عن تقي أو تواصل (١)
فقد كنت أرجو (٢) أنّ ذلك فيكم ... بحمد الذي لا يطبّي (٣) بالجعائل
وبدّلت شبلًا شبل كلّ خبيثة (٤) ... بذي فجر (٥) مأوى الضّعاف الأرامل (٦)
وقال عبد الله بن الحارث أيضًا:
وتلك قريشٌ تجحدُ الله حقّه ... كما جحدت عادٌ ومدين والحجرُ
فإن أنا لم أبرق فلا يسعنني ... من الأرض برٌّ ذو فضاء ولا بحر
بأرض بها عبد الإلهَ محمدُ ... أبيّن ما في النفس إذا بلغ النَّقر
فسمّي عبد الله بن الحارث -يرحمه الله- لبيته الذي قال "المبرق".
وقال عثمان بن مظعون يعاتب أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح، وهو ابن عمّه وكان يؤذيه في إسلامه، وكان أُمية شريفًا في قومه في زمانه ذلك:
أتيم بن عمرو للذي جاء بغضه ... ومن دونه الشرمان والبرك أكتع
أأخرجتني من بطن مكة آمنا ... وأسكنتني في صرح بيضاء تقذع
تريش نبالًا لا يُواتيك ريشُها ... وتبرى نبالًا ريشها لك أجمع
وحاربت أقوامًا كرامًا أعزةً ... وأهلكت أقوامًا بهم كنت تفزع
ستعلم إنْ نابتْك ملمَّة ... وأسلمك الأوباش ما كنت تصنع
وتيم بن عمرو، الذي يدعو عثمان، جُمحُ، كان اسمه تَيْمًا.
стр. 334
هجرة عمرو بن سعيد بن العاص وزوجه فاطمة بنت صفوان بن أمية ﵄
روى الحاكم بسنده عن عبد الله بن عمرو بن سعيد بن العاص قال لما أسلم خالد بن سعيد وصنع به أبوه أبو أحيحة ما صنع فلم يرجع عن دينه ولزم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وكان ابنه عمرو بن سعيد على دينه فلما أسلم عمرو ولحق بأخيه خالد بأرض الحبشة ومعه امرأته فاطمة بنت صفوان بن أمية [قال] محمد بن عمرو [حدثني] جعفر بن محمد بن خالد عن إبراهيم بن عقبة عن أم خالد بنت خالد بن سعيد قالت: قدم علينا عمرو بن سعيد أرض الحبشة بعد مقدم أبي فلم يزل هنالك حتى حمل في السفينتين مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فقدموا على النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وهو بخيبر سنة سبع من الهجرة (١).
هجرة خالد بن سعيد بن العاص إلى الحبشة ﵁
روى الحاكم بسنده عن خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد، سمعت أبى يذكر عن عمه خالد بن سعيد الأكبر، أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حين قدم من أرض الحبشة، ومعه ابنته أم خالد، فجاء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وعليها قميص أصفر وقد أعجب الجارية قميصها، وقد كانت فهمت بعض كلام الحبشة، فراطنها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بكلام الحبشة: "سَنَهْ سَنَهْ"، وهي بالحبشية: حسن حسن، ثم قال لها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "أبلي وأخلقي، أبلي وأخلقي"، قال: فأبلت والله، ثم أخلقت، ثم مالت إلى ظهر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فوضعت
стр. 335
يدها على موضع خاتم النبوة، فأخذها أبوها فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "دعها" (١).
قال الشافعي في كتاب حرملة: أخبرنا سفيان، حدثنا إسحاق بن سعيد السعيدي، عن أبيه، عم أم خالد بنت خالد، قالت: قدمتُ من أرض الحبشة وأنا جُويرية، فكساني النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم خميصة لها أعلام، فكان يمسح الأعلام بيده ويقول: "سناه سناه" بالحبشية: يعني حسن (٢).
стр. 336
احتمال عبد الله بن مسعود ﵁ للأذى في غربته
روى بسنده عن القاسم قال: خرج عبد الله بن مسعود في رهط من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى أرض الحبشة في البحر، وكان بها سوق يبيعون ويشترون، فانطلق عبد الله وحده وأخذ ما معه فقال له صاحب منزله: إني أراك تنطق وحدك، وإني أحذّرك رجلًا بلغ في شره لا يلقى غريبًا إلا ضربه أو قتله وأخذ ما معه. قال: ثم وصف لي صفة الرجل، فلما جئت السوق عرفته بالصفة، فجعلت أستخفي منه بالناس لا يأخذ طريقًا إلا أخذت غيره حتى بعت ما معي بدينارين، ثم إني غفلت غفلة فلم أشعر إلَّا وهو قائم على رأسي قد أخذ بيدي فجعل يسألني ما معك؟ قال: قلت له: أتجعل لي إنْ يخلّي سبيلي أعطك مع معي، قال: وكم معك؟ قلت: ديناران، قال: زدني، قلت: ما بعت إلا بهما، قال: زدني، قال: فبينما هو إذْ بصر به رجلان وهما على تلّ فانحطّا نحوه، فلما رآهما خلّى سبيلي وهرب، فجعلت أناديه هاك الدينارين، فقال: لا حاجة لي فيهما واتبعاه، ورجعت إلى أصحابي (١).
أبو موسى الأشعري ﵁ ينطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض الحبشة
أخبرنا عبيد الله بن موسى أنا إسرائيل عن إسحاق عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض النجاشي فبلغ ذلك قريشًا فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد وجمعوا للنجاشي هدية قال فقدمنا على النجاشي فأتوه بهديته فقبلها وسجدوا له ثم قال له عمرو بن العاص إن قومًا منا رغبوا عن ديننا وهم في أرضك. فقال لهم النجاشي: في أرضي؟ قالوا: نعم، قال: فبعث إلينا فقال: لنا جعفر لا يتكلمن منكم أحد فأنا
стр. 337
خطيبكم اليوم، قال: فانتهينا إلى النجاشي وهو جالس في مجلسه وعمرو بن العاص عن يمينه وعمارة بن الوليد عن يساره والقسيسون والرهبان جلوس سماطين، وقد قال له: عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد إنهم لا يسجدون لك، قال: فلما انتهينا إليه دنونا، قال: من عنده من القسيسين والرهبان اسجدوا للملك، فقال جعفر: لا نسجد إلا لله ، قال له النجاشي: وما ذاك، قال: إن الله بعث فينا رسولًا وهو الذي بشر به عيسى بن مريم ﵇ برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئًا ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر، قال: فأعجب النجاشي قوله فلما رأى ذلك عمرو بن العاص، قال: أصلح الله الملك إنهم يخالفونك في ابن مريم، قال النجاشي: ما يقول صاحبك في ابن مريم، قال يقول فيه قول الله هو روح الله وكلمته وأخرجه من العذراء البتول التي لم يقربها بشر، قال: فتناول النجاشي عودًا من الأرض، فقال: يا معشر القسيسين والرهبان ما يزيد هؤلاء على ما نقول في ابن مريم ما يزن هذا مرحبًا بكم وبمن جئتم من عنده فأنا أشهد أنه رسول الله وإنه الذي بشر به عيسى بن مريم ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أحمل نعليه امكثوا في أرضي ما شئتم وأمر لنا بطعام وكسوة وقال: ردوا على هذين هديتهم (١).
ذكر الهجرة الثانية للحبشة في شهر ذي القعدة
حدثنا حسن بن موسى قال سمعت حديجًا أخًا زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى النجاشي، ونحن نحو من ثمانين رجلًا، فيهم عبد الله بن مسعود، وجعفر، وعبد الله بن عرفطة، وعثمان بن مظعون،
وأبو موسى، فأتوا النجاشي، وبعثت قريش عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد، بهدية، فلما دخلا على النجاشي، سجدا له، ثم ابتدراه عن يمينه وعن شماله، ثم قالا له: إن نفرًا من بني عمّنا نزلوا أرضك، ورغبوا عنَّا وعن ملتنا، قال: فأين هم؟ قال: هم في أرضك فابعث إليهم، فبعث إليهم، فقال جعفر: أنا خطيبكم اليوم، فاتبعوه، فسلم فلم يسجد، فقالوا له: مالك لا تسجد للملك؟
стр. 338
قال: إنا لا نسجد إلا لله ، قال: وما ذاك، قال: إن الله بعث إلينا رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وأمرنا أن لا نسجد لأحد إلا لله ، وأمرنا بالصلاة والزكاة، قال عمرو بن العاص: فإنهم يخالفونك في عيسى ابن مريم، قال: ما تقولون في عيسى ابن مريم وأمه؟ قالوا نقول كما قال الله : هو كلمة الله وروحه ألقاها إلى العذراء البتول التي لم يمسها بشر ولم يفتضها أحد, قال: فرفع عودًا من الأرض، ثم قال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان، والله ما يزيدون على الذي نقول فيه ما يسوى هذا، مرحبًا بكم وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول الله، فإنه الذي نجد في الإنجيل، وإنه الرسول الذي بشر به عيسى بن مريم، انزلوا حيث شئتم، والله لولا ما أنا فيه من الملك لآتيته حتى أكون أنا أحمل نعليه وأوضئه، وأمر بهدية الآخرين فردت إليهما، ثم تعجل عبد الله بن مسعود حتى أدرك بدرًا، وزعم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم استغفر له حين بلغه موته (١).
حديث جعفر بن أبي طالب في الهجرة إلى الحبشة
عن جعفر بن أبي طالب قال: بعثت قريش عمرو بن العاص وعُمارة بن الوليد بهدية من أبي سفيان إلى النجاشي، فقالوا له ونحن عنده: قد بعثوا إليك أُناسًا من سفلتنا وسفهائهم، فادفعهم إلينا، قال: لا حتى أسمع كلامهم، فبعث إلينا، وقال: ما تقولون؟ فقلنا: إن قومنا يعبدون الأوثان، والله بعث إلينا رسولًا فآمنا به وصدقناه، فقال لهم النجاشي: عبيدٌ هم لكم؟ قالوا: لا،- قال: فلكم عليهم دين؟ قالوا: لا، قال: فخلوا سبيلهم، فخرجنا من عنده، فقال: عمرو بن العاص: إن هؤلاء يقولون في عيسى غير ما تقولون، قال: إن لم يقولوا في عيسى مثل ما نقول لا أدعهم في أرضى ساعةً من نهار، قال: [فأرسل إلينا]، فكانت الدعوة الثانية أشد علينا من الأولى، فقال: ما يقول صاحبكم في عيسى ابن مريم؟ فقلنا: يقول: "هو روح الله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول" قال: فأرسل فقال: ادعوا فلانًا القسيس وفلانًا الراهب، فأتاه ناس منهم،
стр. 339
فقال: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ قالوا: فأنت أعلمنا، فما تقول؟ قال: فأخذ النجاشي شيئًا من الأرض، ثم قال: هكذا عيسى ابن مريم، ما زاد على ما قال هؤلاء مثل هذا، ثم قال لهم: أيؤذيكم أحدٌ؟ قالوا: نعم، فأمر مناديًا فنادى: من آذى أحدًا من هؤلاء فأغرموه أربعة دراهم [ثم] قال: يكفيكم؟ فقلنا: لا، فأضعفها، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى المدينة، وظهر بها، قلنا له: إن صاحبنا قد خرج إلى المدينة وظهر بها، وهاجر قبل الذين كنا حدثناك عنهم، وقد أردنا الرحيل إليه فزوّدنا، قال: نعم، فحملنا وزودنا وأعطانا، ثم قال: أخبر صاحبك ما صنعت إليكم، وهذا رسولي معك وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنه رسول الله، فقل له يستغفر لي، قال جعفر: فخرجنا حتى أتينا المدينة، فتلقانا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم واعتنقني، فقال: "ما أدري أنا بفتح خيبر أفرح أم بقدوم جعفر؟ ".
ثم جلس، فقال رسول النجاشي فقال: هو ذا جعفر، فسله ما صنع به صاحبنا؟ فقلت: نعم، قد فعل بنا، قد فعل كذا وكذا، وحملنا وزودنا ونصرنا، وشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وقال: قل له: يستغفر لي، فقام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فتوضأ، ثم دعا ثلاث مرات: "اللَّهم اغفر للنجاشي" فقال المسلمون: آمين، فقال: فقلت للرسول: انطلق، فأخبر صاحبك ما رأيت من النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم (١).
حديث أم سلمة في الهجرة إلى الحبشة
وعن أم سلمة ابنة أبي أمية بن المغيرة زوج النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جارٍ، النجاشي أمنَّا على ديننا، وعبدنا الله وحده لا نؤذى ولا نسمع شيئًا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشًا ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين وأن يهدوا للنجاشي هدايا، مما يستطرف من متاع مكة،
стр. 340
وكان أعجب ما يأتيه منها الأدم، فجمعوا له أدمًا كثيرًا، لم يتركوا من بطارقته بطريقًا إلا أهدوا له هديةً، وبعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، وعمرو بن العاص بن وائل السهمي، وأمروهما أمرهم، وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هديته، قبل أن تكلِّموا النجاشي فيهم، ثم قدَّموا للنجاشي هداياه، ثم اسألوه أن يسلِّمهم إليكم قبل أن يكلمهم، قالت: فخرجا، فقدما على النجاشي، [ونحن عنده بخير دارٍ، وعند خير جارٍ، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي] ثم قالا لكل بطريق منهم: إنه قد ضوى إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم، ليردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم، فأشيروا عليه أن يسلمهم إلينا، ولا يكلمهم، فإنّ قومهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهما: نعم، ثم قربوا هداياهم إلى النجاشي فقبلها منهم، ثم كلماه، فقالا له: أيها الملك إنه قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأبنائهم وعشائرهم، لنردهم إليهم، فلهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم، وعاتبوهم فيه، ولم يكن [شيء] أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم، فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك، قومهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما، فليرداهم إلى بلادهم وقومهم، فغضب النجاشي وقال: لا ها الله، أيْمُ الله، إذا لا أسلمهم إليهما ولا أُكاد، قومًا جاوروني ونزلوا بلادي، واختاروني على من سواي حتى أدعوهم، فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما، ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك، منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني.
قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، فقال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا، وما أمرنا به نبينا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كائن في ذلك ما هو كائن، فلما جاؤوه، وقد دعا النجاشي أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم فقال: ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم، ولم
стр. 341
تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟ قالت: وكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب ﵇ فقال: أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا، نعرف نسبه وصِدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحِّده ونعبده، ونخلع ما كنَّا نعبد نحن وآباؤنا من دون الله من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرَّحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وشهادة الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئًا، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة -قالت: فعدّد عليه أمور الإسلام- فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئًا، وحرّمنا ما حرّم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فَعَدَا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله ، وأن نستحلّ ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا، حالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك، قالت: فقال النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قالت: فقال له جعفر: نعم، قالت: فقال له النجاشي: فاقرأه، فقرأ عليه صدرًا من ﴿كهيعص﴾ قالت: فبكى [والله] النجاشي حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا [والله] والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فوالله لا أُسلمهم إليكم أبدًا ولا أُكاد.
قالت أم سلمة: فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لآتينه غدًا أعيبهم عنده بما استأصل به خضراءهم، فقال له عبد الله بن أبي ربيعة وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل، فإن لهم أرحامًا، وإن كانوا خالفونا، قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم ﵇ عبدٌ، قالت: ثم غدا عليه [الغد] فقال: أيها الملك إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولًا عظيمًا، فأرسل إليهم، فسلهم عما يقولون فيه؟! قالت: فأرسل إليهم يسألهم عنه، قالت: ولم ينزل بنا مثلها، واجتمع القوم، فقال بعضهم لبعض: ما تقولون في عيسى إذا سألكم عنه قالوا: نقول والله ما قال الله -
стр. 342
وما جاء به نبينا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كائن في ذلك ما هو كائن، فلما دخلوا عليه قال [لهم]: ما تقول في عيسى ابن مريم؟ فقال له جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به نبينا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول" قال: فضرب النجاشي يده إلى الأرض، فأخذ منها عودًا، ثم قال: ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود، فتناخرت بطارقة حوله حين قال ما قال، [فقال]: وإن نخرتم والله، اذهبوا، فأنتم سُيُوم بأرضي -السُيُوم: الآمنون- من سبَّكم غُرِّم، ثم من سبَّكم غُرِّم، ثم من سبَّكم غُرِّم، ما أحب أن لي دبرًا ذهبًا، وأني آذيت رجلًا منكم. -الدبر بلسان الحبشة: الجبل- ردوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لي فيهما، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين ردّ علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه، فخرجا من عنده مقبوحين مردودًا عليهما ما جاءوا به وأقمنا عنده، في خير دارٍ مع خير جارٍ، فوالله إنا لعلى ذلك، إذا نزل به -يعني: من ينازعه في ملكه- قالت: والله ما علمنا حزنًا قطُّ كان أشد من حزن حزناه عند ذلك، تخوفًا أن يظهر ذلك على النجاشي، فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف [منه].
قالت: وسار النجاشي وبينهما عُرضُ النيل، قالت: فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: من رجل يخرج حتى يحضر وقيعة القوم ثم يأتينا؟ قالت: فقال الزبير بن العوام: أنا، قالت: وكان من أحدث القوم سنًا. قالت: فنفخوا له قربةً فجعلوها في صدره، فسبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم، قالت: ودعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه، والتمكين له في بلاده، واستوثق عليه أمر الحبشة، فكنا عنده في خير منزلٍ حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وهو بمكة.
روى أحمد ورجاله رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع (١).
стр. 343
روى أبو نعيم بسنده عن عروة بن الزبير في خروج جعفر بن أبي طالب وأصحابه إلى الحبشة قال: فبعثت قريش في آثارهم عمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي وعمرو بن العاص السهمي وأمروهما أن يسرعا السير حتى يسبقاهم إلى النجاشي، ففعلا، فقدما على النجاشي فدخلا عليه: فقالا له: إن هذا الرجل الذي بين أظهرنا، وأفسدنا فينا، تناولك ليفسد عليك دينك، وملكك وأهل سلطانك، ونحن لك ناصحون، وأنت لنا عيبة صدقٍ، تأتي إلى عشيرتنا بالمعروف ويأمن تاجرنا عندك، فبعثنا قومنا إليك لننذرك فساد ملكك، وهؤلاء نفرٌ من أصحاب الرجل الذي خرج فينا، ونخبرك بما نعرف من خلافهم الحق، أنهم لا يشهدون أن عيسى بن مريم، أحسبه قال (إلهًا) ولا يسجدون لك إذا دخلوا عليك، فادفعهم إلينا فلنكفيكهم فلما قدم جعفر وأصحابه وهم على ذلك من الحديث وعمرو وعمارة عند النجاشي، وجعفر وأصحابه على ذلك الحال، قال: فلما رأوا أن الرجلين قد سبقا ودخلا، صاح جعفر على الباب: يستأذن حزب الله، فسمعها النجاشي، فأذن لهم، فدخلوا وعمرو وعمارة عند النجاشي، قال: أيُّكم صاح عند الباب؟ فقال جعفر: أنا هو، فأمره فعاد لها، فلما دخلوا وسلموا تسليم أهل الإيمان، ولم يسجدوا له، فقال عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد ألم نبين لك خبر القوم؟ فلما سمع النجاشي ذلك أقبل عليهم، فقال: أخبروني أيها الرهط ما جاء بكم؟ وما شأنكم؟ ولِمَ أتيتموني ولستم بتجار، ولا سؤال؟ وما نبيكم هذا الذي خرج؟ وأخبروني مالكم، لِمَ لا تحيّوني كما يحييني من أتاني من أهل بلدكم؟ وأخبروني ما تقولون في عيسى بن مريم؟.
فقام جعفر بن أبي طالب، وكان خطيب القوم فقال: إنما كلامي ثلاث كلمات، وإن صدقت فصدقني وإن كذبت فكذبني، فأمرْ أحدًا من هذين الرجلين فليتكلَّمْ ولينصت الآخر، قال: عمرو: أنا أتكلم، قال النجاشي: أنت يا جعفر فتكلم قبله. فقال جعفر: إنما كلامي ثلاث كلمات، سلْ هذا الرجل أعبيدٌ نحن أبقْنا من أربابنا؟ فارددنا إلى أربابنا. فقال النجاشي: أعبيدٌ هم يا عمرو قال عمرو: بل أحرارٌ كرامٌ، قال جعفر: سلْ هذا الرجل هل أهرقْنا دمًا بغير حقه؟ فادفعنا إلى أهل الدم. فقال: هل أهرقوا دمًا بغير حقه؟ فقال: ولا قطرة واحدة من دمٍ، ثم قال جعفر: سلْ هذا الرجل أخذنا أموال الناس بالباطل؟ فعندنا قضاءٌ. فقال النجاشي: يا عمرو أنْ كان على هؤلاء قنطار من ذهب فهو عليّ. فقال عمرو: ولا قيراطٌ. فقال النجاشي: ما تطالبونهم به؟ قال عمرو:
стр. 344
فكنا نحن وهم على دينٍ واحدٍ وأمرٍ واحدٍ فتركوه، ولزمناه. فقال النجاشي: ما هذا الذي كنتم عليه فتركتموه وتبعتم غيره؟ فقال جعفر: أمّا الذي كنَّا عليه فدين الشيطان وأمر الشيطان، نكفر بالله ونعبد الحجارة، وأمَّا الذي نحن عليه فدين الله ، نخبرك: إن الله بعث إلينا رسولًا كما بعث إلى الذين من قبلنا فأتانا بالصدق والبر، ونهانا عن عبادة الأوثان فصدقناه وآمنا به، واتبعناه، فلما فعلنا ذلك عادانا قومنا، وأرادوا قتل النبي الصادق، وردّنا في عبادة الأوثان، ففررنا إليك بديننا ودمائنا, ولو أقّرنا قومنا لاستقررنا، فذلك خبرنا. وأمَّا شأن التحية: فقد حيَّيناك بتحية رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم والذي يحيِّي به بعضنا بعضًا؛ أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن تحية أهل الجنة السلام فحيَّيناك بالسلام، وأمَّا السجود، فمعاذ الله أن نسجد إلا لله وأن نعدلك بالله. وأمَّا في شأن عيسى بن مريم: فإن الله أنزل في كتابه على نبينا أنَّه رسول قد خلت من قبله الرسل، ولدته الصديقة العذراء البتول الحصان وهو روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وهذا شأن عيسى بن مريم.
فلما سمع النجاشي قول جعفر أخذ بيده عودًا ثم قال لمن حوله: صدق هؤلاء النفر، وصدق نبيُّهم، والله ما يزيد عيسى بن مريم على ما يقول هذا الرجل ولا وزن هذا العود، فقال لهم النجاشي: امكثوا فإنَّكم سيومٌ -والسيوم آمنون- قد منعكم الله، وأمر لهم بما يصلحهم، فقال النجاشي: أيُّكم أدرس للكتاب الذي أنزل على نبيكم؟ قالوا: جعفرٌ، فقرأ عليهم جعفر سورة مريم، فلما سمعها عرف أنَّه الحق، وقال النجاشي: زدنا من الكلام الطيَّب، ثمّ قرأ عليه سورة أخرى، فلما سمعها عرف الحق، وقال: صدقتم وصدق نبيكم ﷺ أنتم والله صديقون، امكثوا على اسم الله وبركته آمنين ممنوعين، وألقى عليهم المحبة من النجاشي (١).
стр. 345
روى بسنده عن عمرو قال: لما قدم عمرو بن العاص من أرض الحبشة جلس في بيته فلم يخرج إليهم، فقالوا: ما شأنه؟ ما له لا يخرج؟ فقال عمرو: إن أصْحمة يزعم أن صاحبكم نبي (١).
وروى بسنده عن ابن شهاب قال: بلغني أن مخرج عمرو بن العاص. وابن أبي ربيعة إلى أرض الحبشة فيمن كان بأرضهم من المسلمين كان بعد وقعة بدر. فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم مخرجهما بعث عمرو بن أمية الضمري من المدينة. إلى النجاشي بكتاب (٢).
وروى بسنده عن عروة بن الزبير فذكر هجرة المسلمين إلى أرض الحبشة ثم قال: فلما كانت وقعة بدر، وقتل الله فيها صناديد الكفار، قال كفار قريش: إنّ ثأركم بأرض الحبشة، فأهدوا إلى النجاشي وابعثوا إليه رجلين من ذوي رأيكم، لعله يعطيكم من عنده من قريش، فتقتلونهم بمن قتل ببدر، فبعث كفار قريش عمرو بن العاص وعبد الله بن أبى ربيعة، وأهدوا للنجاشي ولعظماء الحبشة هدايا.
فلما قدما على النجاشي قبل هداياهم، وأجلس معه عمرو بن العاص على سريره. فقال لهم النجاشي: ما دينكم؟ أنَصَارى أنتم؟ قالوا: لا. قال: فما دينكم؟ ديننا الإسلام، قال: وما الإسلام؟ قالوا: نعبد الله ولا نشرك به شيئًا، قال: ومن جاءكم بهذا؟ قالوا: جاءنا به رجل من أنفسنا قد عرفنا وجهه ونسبه، أنزل الله عليه كتابه، فعرفنا كلام الله وقد صدقناه. قال لهم النجاشي: فبم يأمركم؟ قالوا: يأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئًا، ويأمرنا أن نترك ما كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة وبالوفاء وبأداء الأمانة وبالعفاف.
قال النجاشي: فوالله إن خرج هذا إلَّا من المشكاة التي خرج منها أمر موسى ﵇، فقال عمرو بن العاص حين سمع ذلك من النجاشي: إنّ هؤلاء يزعمون أن ابن مريم إلهك الذي تعبد عبدٌ: فقال النجاشي لجعفر ومن معه من المهاجرين:. ماذا تقولون في عيسى بن مريم؟ قالوا: نقول هو عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه،
стр. 346
وابن العذراء البتول. فخفض النجاشي يده إلى الأرض، فأخذ عودًا وقال: والله ما زاد على ذلك قدر هذا العود. فقال عظماء الحبشة: والله لئن سمعت الحبشة بهذا لتخلعنَّك. فقال النجاشي: والله لا أقول في ابن مريم غير هذا القول أبدًا، وإن الله لم يطع في الناس حين ردّ إلي ملكي، فأنا أطيع الناس في الله؟ معاذ الله من ذلك، ارجعوا إلى هذا هديته، فوالله لو رشوني دبرًا من ذهبٍ ما قبلته. والدبر: الجبل، قال الهروي: لا أدرى عربيٌّ أم لا. ثم قال: من نظر إلى هؤلاء الرهط نظرة يؤذيهم بها فقد غرم. ومعنى غرم هلك، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾. فخرج عمرو بن العاص وابن أبي ربيعة.
وسمع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ببعث قريش عمرو بن العاص إلى النجاشي، فبعث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عمرو بن أمية الضَّمري وكتب معه إلى النجاشي، فقدم على النجاشي، فقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين، وأرسل إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم ثم أمر جعفر يقرأ عليهم القرآن فقرأ سورة مريم (كهيعص)، وقاموا تفيض أعينهم من الدمع، فهم الذين أنزل الله فيهم: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ وقرأ عليهم إلى: ﴿الشَّاهِدِينَ﴾ (١).
قال ابن إسحاق: قال الزهري: فحدثت عروة بن الزبير حديث أبي بكر بن عبد الرحمن عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فقال: هل تدرى ما قوله: ما أخذ الله مني الرشوة حين ردّ عليَّ ملكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيع الناس فيه؟ قال: قلت: لا، قال: فإنّ عائشة أم المؤمنين حدَّثتني أنَّ أباه كان ملك قومه، ولم يكن له ولدٌ إلَّا النجاشي، وكان للنجاشي عمَّ له من صلبه اثنا عشر رجلًا، وكانوا أهل بيت مملكة الحبشة، فقالت الحبشة بينها: لو أنَّا قتلنا أبا النجاشي وملّكنا أخاه، فإنه لا ولد له غير هذا الغلام، وإن لأخيه من صلبه اثنتي عشر رجلًا فتوارثوا ملكه من بعده؛ بقيت الحبشة بعده دهرًا، فعدوا على أبي النجاشي فقتلوه، وملكوا أخاه؛
стр. 347
فمكثوا على ذلك حينًا، ونشأ النجاشي مع عمه، وكان لبيبًا حازمًا من الرجال، فغلب على أمر عمه، ونزل منه بكلّ منزلةٍ؛ فلما رأت الحبشة مكانه منه قالتْ بينها: والله لقد غلب هذا الفتى على أمر عمِّه، وإنَّا لنتخوَّفُ أن يملكه علينا، وإن ملكه علينا ليقتُلنَّنا أجمعين، لقد عرف أنَّا نحن قتلنا أباه، فمشوا إلى عمِّه، فقالوا: إما أن تقتل هذا الفتى، وإما أن تخرجه من بين أظهرنا، فإنَّا قد خفناه على أنفسنا، قال: ويلكم!! قتلت أباه بالأمس وأقتله اليوم؟ بل أخرجه من بلادكم، قالت: فخرجوا به إلى السوق، فباعوه من رجل من التُجَّار بستَّمائة درهم، فقذفه في سفينة، فانطلق به حتى إذا كان العشي من ذلك اليوم هاجت سحابة من سحائب الخريف، فخرج عمُّه يستمطر تحتها، فأصابته صاعقة فقتلته، قالت: ففزعت الحبشة إلى ولده، فإذا هو محمقٌ ليس في ولده خيرٌ، فمرج على الحبشة أمرهم فلما ضاق عليهم ما هم فيه من ذلك قال بعضهم لبعض: تعلموا والله إن ملككم الذي لا يقيم أمركم غيره للذي بعتم غُدوةً، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه، قالت: فخرجوا في طلبه وطلب الرجل الذي باعوه منه، حتى أدركوه فأخذوه منه، ثم جاؤوا به فعقدوا عليه التاج، وأقعدوه على سرير الملك فملكوه، فجاءهم التاجر الذي كانوا باعوه منه، فقال: إمّا أن تعطوني مالي، وإمَّا أنْ أكلِّمه في ذلك، قالوا: لا نعطيك شيئًا، قال: إذًا والله أكلّمه، قالوا: فدونك وإياه، قالت: فجاءه، فجلس بين يديه، فقال: أيها الملك، ابتعت غلامًا من قومٍ بالسوق بستِّمائة درهم، فأسلموا إليّ غلامي وأخذوا دراهمي، حتى إذا سرْتُ بغلامي أدركوني فأخذوا غلامي ومنعوني دراهمي، قالت: فقال لهم النجاشي: لتعطُنَّه دراهمه أو ليضعنَّ غلامه يده في يده فليذهبنَّ به حيث شاء، قالوا: بل نعطيه دراهمه، قالت: فلذلك يقول: ما أخذ الله مني رشوة حين ردّ عليَّ مُلكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيع الناس فيه. قالت: وكان ذلك أولَ ما خبر من صلابته في دينه وعدله في حكمه (١).
стр. 348
أهل الحبشة يحاولون خلع النجاشي
قال ابن إسحاق: وحدثني جعفر بن محمد عن أبيه قال: اجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشي: إنك قد فارقت ديننا، وخرجوا عليه، قال فأرسل إلى جعفر وأصحابه، فهيأ لهم سفُنًا وقال: اركبوا فيها، وكونوا كما أنتم، فإن هزمت فامضوا حتى تلحقوا بحيث شئتم، وإن ظفرت فاثبتوا، ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه هو يشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا عبده ورسوله، ويشهد أنّ عيسى بن مريم عبده ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم، ثم جعله في قبائه عند المنكب الأيمن، وخرج إلى الحبشة، وصفوا له، فقال: يا معشر الحبشة: ألست أحقَّ الناس بكم؟ قالوا: بلى، وقال: فكيف رأيتم سيرتي فيكم؟ قالوا: خير سيرة، قال: فما لكم؟ قالوا: فارقت ديننا، وزعمت أنّ عيسى عبدُ، قال: فما تقولون أنتم في عيسى؟ قالوا: نقول: هو ابن الله، فقال النجاشي -ووضع يده على صدره على قبائه-: هو يشهد أنّ عيسى بن مريم لم يزد على هذا شيئًا، وإنما يعني ما كتب، فرضوا، وانصرفوا، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فلما مات النجاشي صلى عليه واستغفر له (١).
روى بسنده عن الزبير قال: نزل بالنجاشي عدوٌّ من أرضهم، فجاءه المهاجرون فقالوا: إنَّا نحب أن نخرج إليهم حتى نقاتل معك، وترى جرأتنا، ونجزيك بما صنعت معنا فقال: لا، دواءٌ بنصرة الله، خيرٌ من دواء بنصرة الناس.
قال: وفيه نزلت: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ (٢).
قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم: أنّ فتيةً من الحبشة رأوا رُقيَّة بنت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وهي هناك مع عثمان، وكانت من أحسن البشر، وكانوا يختلفون إليها فيتحيرون عجبًا من حسنها، إلى أن قتلهم الله في المعركة، لما سار النجاشي إلى عدوّه (٣).
стр. 349
قدوم عبد الله بن مسعود ﵁ من الحبشة
عن ابن مسعود قال: كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فيرد علينا السلام، حتى قدمنا عن أرض الحبشة، فسلمت عليه فلم يرد عليّ، فأخذني ما قرب وما بعد فجلست، حتى إذا قضى الصلاة قال: "إنّ الله يحدث من أمره ما يشاء، وإنه قد أحدث من أمره، أن لا يتكلم في الصلاة" (١).
стр. 350
دخول بني هاشم وبني المطلب في شعب أبي طالب
حدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا محمَّد بن عمرو بن خالد الحراني، قال: حدثنا أبي، حدثنا ابن لهيعة، عن أبى الأسود، عن عروة بن الزبير قال: لما أقبل عمرو بن العاص من الحبشة من عند النجاشي إلى مكة قد أهلك الله صاحبه، ومنعه حاجته، اشتد المشركون على المسلمين كأشد ما كانوا حتى بلغ المسلمين الجهد، واشتد عليهم البلاء، وعمد المشركون من قريش فأجمعوا مكرهم وأمرهم على أن يقتلوا رسول الله ﷺ علانية. فلما رأى ذلك أبو طالب، جمع بني عبد المطب، فأجمع لهم أمرهم على أن يدخلوا رسول الله ﷺ شِعبَهم ويمنعوه ممّن أراد فاجتمعوا على ذلك كافرهم ومسلمهم منهم من فعله حمية ومنهم من فعله إيمانًا ويقينًا فلما عرفت قريش أن القوم قد اجتمعوا ومنعوا الرسول، واجتمعوا على ذلك كافرهم ومسلمهم، اجتمع المشركون من قريش، فأجمعوا أمرهم على أن لا يجالسوهم، ولا يخالطوهم ولا يبايعوهم، ولا يدخلوا في بيوتهم، حتى يسلموا رسول الله ﷺ للقتل، وكتبوا بمكرهم صحيفة وعهودًا ومواثيق أن لا يقبلوا من بني هاشم أبدًا صلحًا، ولا تأخذهم بهم رأفة ولا رحمة ولا هوادة حتى يسلموا رسول الله ﷺ للقتل، فلبث بنو هاشم في شعبهم ثلاث سنين، واشتد عليهم فيهن البلاء والجهد، وقطعوا عليهم الأسواق فلا يتركون طعامًا يدنو من مكة، ولا بيعًا إلا بادروا إليه ليقتلهم الجوع يريدون أن يتناولوا بذلك سفك دم رسول الله ﷺ .
وكان أبو طالب إذا أخذ الناس مضاجعهم أمر رسول الله ﷺ فأتى فراشه حتى يراه من أراد به مكرًا أو غائلة، فإذا نوّم الناس أخذ أحد بنيه أو أخواته أو بني عمه فاضطجع على فراش رسول الله ﷺ أن يأتي بعض فرشهم فيرقد عليها. (١)
روى البخاري بسنده عن أبى هريرة ﵁ قال: "قال النبي ﷺ من الغد يوم النحر -وهو بمنى- نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على
стр. 351
الكفر، يعني بذلك المحصب، وذلك أن قريشًا وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب -أو بني المطلب- أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبي ﷺ " (١)
مدة الحصار وشدته
قال ابن إسحاق: فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثًا، حتى جهدو، لا يصل إليهم شيء إلا سرًا، مستخفيًا به من أراد صلتهم من قريش، وقد كان أبو جهل بن هشام -فيما يذكرون- لقي حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد معه غلام يحمل قمحًا يريد به عمته خديجة بنت خويلد، وهي عند رسول الله ﷺ ومعه في الشعب، فتعلق به، وقال: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم؟ والله لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة، فجاءه أبو البختري بن هشام فقال: مالك وله؟ فقال: يحمل الطعام إلى بني هاشم، فقال أبو البختري: طعام كان لعمته عنده بعثت إليه، أفتمنعه أن يأتيها بطعامها؟ خل سبيل الرجل، قال: فأبى أبو جهل، حتى نال أحدهما من صاحبه، فأخذ أبو البختري لحي بعير فضربه به فشجه، ووطئه وطئًا شديدًا، وحمزة بن عبد المطلب قريب يرى ذلك، وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله ﷺ وأصحابه فيشمتوا بهم، ورسول الله ﷺ على ذلك يدعو قومه ليلًا ونهارًا، وسرًا وجهارًا، مباديًا بأمر الله، لا يتقي فيه أحدًا من الناس. (٢)
نقل ابن سيد الناس عن أبي عبد الله محمَّد بن سعد قوله: هشام بن عمرو العامري؛ كان أوصل قريش لبني هاشم حين حصروا في الشعب أدخل عليهم في ليلة ثلاثة أحمال طعامًا، فعلمت بذلك قريش، فمشوا إليه حين أصبح فكلموه في ذلك، فقال: إني غير عائد لشيء خالفكم، فانصرفوا عنه، ثم عاد الثانية فأدخل عليهم ليلًا حملًا أو حملين فغالظته قريش وهمت به، فقال أبو سفيان بن حرب: دعوه، رجل وصل أهل رحمه، أما إني أحلف بالله لو فعلنا مثل ما فعل كان أحسن بنا. (٣)
стр. 352
قال السهيلي: روي عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: لقد جعت، حتى أني وطئت ذات ليلة على شيءٍ رطب، فوضعته في فمي وبلعته، وما أدري ما هو إلى الآن.
وفي رواية يونس: أن سعدًا قال: خرجت ذات ليلة لأبول، فسمعت قعقعة تحت البول، فإذا قطعة من جلد بعير يابسة، فأخذتُها وغسلتها، ثم أحرقتها ثم رضضتها وسففتها بالماء، فقويت بها ثلاثًا، وكانوا إذا قدمت العير مكة يأتي أحدهم السوق ليشتري شيئًا من الطعام لعياله، فيقوم أبو لهب عدوُّ الله، فيقول: يا معشر التجار: غالوا على أصحاب محمَّد، حتى لا يدركوا معكم شيئًا، فقد علمتم مالي ووفاء ذمتي، فأنا ضامن أن لا خسار عليكم، فيزيدون عليهم في السلعة، قيمتها أضعافًا حتى يرجع إلى أطفاله، وهم يتضاغون من الجوع، وليس في يديه شيء يطعمهم به، ويغدو التجار على أبي لهب، فيربحهم فيما اشتروا من الطعام واللباس، حتى جهد المؤمنون، ومن معهم جوعًا وعريًا. (١)
ولادة ابن عباس ﵄ في زمن المقاطعة
عن ابن عباس قال: حدثتني أم الفضل بنت الحارث قالت: بينا أنا مارة والنبي ﷺ في الحجر فقال: يا أم الفضل، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: "إنك حامل بغلام"، قلت: كيف وقد تحالفت قريش لا يولدون النساء، قال: "هو ما أقول لك؛ فإذا وضعته فائتيني به". فلما وضعته أتيت به النبي ﷺ فسماه عبد الله وألبأه بريقه، قال: "اذهبي فلتجدنه كيسًا"، قال: فأتيت العباس فأخبرته فتبسم، ثم أتى النبي ﷺ وكان رجلًا جميلًا مديد القامة فلما رآه النبي ﷺ قام إليه فقبل ما بين عينيه وأقعده عن يمينه ثم قال: "هذا عمي فمن شاء فليباه بعمه"، فقال: العباس: بعض القول يا رسول الله، قال: "ولم لا أقول وأنت عمي وبقية آبائي؟ والعم والد".
وعن ابن عباس قال: لما كان النبي ﷺ بالشعب أتى أبي النبي ﷺ فقال: يا محمَّد ما أرى أم الفضل إلا قد اشتملت على حمل، قال:
стр. 353
"لعل الله أن يقرَّ أعيننا بغلام"، فأتي بي النبي ﷺ وأنا في خرقي فحنكني. قال مجاهد: لا نعلم أحدًا حُنِّكَ بريق النبوة غيره.
حديث نقض الصحيفة برواية أبي نعيم
فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم رجال من بني عبد مناف ورجال من بني قصي ورجال ممّن سواهم، وذكروا الذي وقعوا فيه من القطيعة فأجمعوا أمرهم في ليلتهم على نقض ما تعاقدوا عليه، والبراءة منه، فبعث الله على صحيفتهم التي فيها المكر برسول الله ﷺ الأرضة فلحست كل شيء كان فيها، وكانت معلقة في سقف الكعبة، وكان فيها عهد الله وميثاقه، فلم تترك فيها شيئًا إلا لحسته، وبقي فيها ما كان من شرك أو ظلم أو بغي، فأطلع الله تعالى رسوله على الذي صنع بالصحيفة. فقال أبو طالب: لا والثواقب (١) ما كذبني، فانطلق يمشي بعصابة من بني عبد المطلب، حتى أتى المسجد، وهو حافل من قريش فلما رأوهم أتوا بجماعة أنكروا ذلك، فظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء، وأتوهم ليعطوهم رسول الله ﷺ ، فتكلم أبو طالب، فقال: قد حدثت أمور بينكم لم نذكرها لكم، فأتوا بصحيفتكم التي فيها مواثيقكم، فلعله أن يكون بيننا وبينكم صلح، وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها.
فأتوا بصحيفتهم معجبين بها، لا يشكون أن الرسول مدفوع إليهم، فوضعوها بينهم وقالوا: قد دنا لكم أن تقبلوا أو ترجعوا إلى أمر يجمع عامتكم ويجمع قومكم، ولا يقطع بيننا وبينكم إلا رجل واحد جعلتموه خطرًا لعشيرتكم وفسادكم.
قال أبو طالب: إنما أتيتكم لأعطيكم أمرًا فيه نصف بيني وبينكم، هذه الصحيفة التي في أيديكم، إن ابن أخي قد أخبرني، ولم يكذبني، أن الله بعث عليها دابة، فلم تترك فيها اسمًا لله إلا لحسته، وترك فيها غدركم وتظاهركم علينا بالظلم، فإن كان الحديث كما يقول فأفيفوا، فوالله لا نسلمه حتى نموت عن آخرنا، وإن كان الذي يقول باطلًا دفعنا إليكم صاحبنا، فقتلتم، أو استحييتم، قالوا: لقد رضينا بالذي تقول،
стр. 354
وفتحت الصحيفة، فوجدوا الصادق المصدوق قد أخبر خبرها قبل أن تفتح، فلما رأتها قريش كالذي قال أبو طالب، قالوا: والله ما كان هنا إلا سحرًا من صاحبكم، فارتكسوا وعادوا لشر ما كانوا عليه من كفرهم والشدة على رسول الله ﷺ وأصحابه ورهطه، والقيام على ما تعاقدوا عليه، فقال أولئك النفر من بني عبد المطلب: إن الأولى بالكذب والسحر غيرنا، فكيف ترون، فإنا نعلم أن الذي أجمعتم عليه من قطيعتنا أقرب للخبث والسحر، ولولا الذي أجمعتم فيها من السحر لم تفسد الصحيفة، وهي في أيديكم فما كان لله من اسم هو فيها طمسه، وما كان من بغي تركه في صحيفتكم. أفنحن السحرة أم أنتم؟ فندم المشركون من قريش عند ذلك.
وقال رجال: منهم أبو البختري وهو العاص بن هشام بن الحارث بن عبد العزى بن قصي ومنهم المطعم بن عدي، وهشام بن عمرو أخو بني عامر بن لؤي، وكانت الصحيفة عنده، وزهير ابن أمية، وزمعة بن الأسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي في رجال من قريش ولدتهم نساء من بني هاشم كانوا قد ندموا على الذي صنعوا فقالوا: نحن براء من هذه الصحيفة، قال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل" (١)
حديث نقض الصحيفة (٢) برواية ابن إسحاق
قال ابن إسحاق: وبنو هاشم وبنو المطلب في منزلهم الذي تعاقدت فيه قريش عليهم في الصحيفة التي كتبوها، ثم إنه قام في نقض تلك الصحيفة التي تكاتبت فيها قريش على بني هاشم وبني المطلب نفر من قريش، ولم يبل فيها أحدٌ أحسن من بلاء هشام بن عمرو بن ربيعة، وذلك أنه كان ابن أخي نضلة بن هاشم بن عبد مناف لأمه فكان هشام لبني هاشم واصلًا، وكان ذا شرف في قومه، فكان -فيما بلغني- يأخذ بالبعير، وبنو هاشم وبنو المطلب في الشعب ليلًا، قد أوقره طعامًا حتى أقبل به فم الشعب خلع خطامه من رأسه، ثم ضرب على جنبه، فيدخل الشعب عليهم ثم يأتي به قد أوقره بِزًّا أو بُرًّا، فيفعل به مثل ذلك.
стр. 355
قال ابن إسحاق: ثم إنه مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب، فقال: زهير، أقد رضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب، وتنكح النساء، وأخوالك حيث قد علمت، لا يباعون ولا يبتاع منهم، ولا ينكحون ولا ينكح إليهم؟ أما إني أحلف بالله أن لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام، ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم، ما أجابك إليه أبدًا، قال: ويحك يا هشام! فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد، والله لو كان معي رجل أخر لقمت في نقضها حتى أنقضها، قال: قد وجدت رجلًا قال: فمن هو؟ قال: أنا، قال له زهير: أبغنا رجلًا ثالثًا.
فذهب إلى المطعم بن عدي، فقال له: يا مطعم أقد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف وأنت شاهد على ذلك موافق لقريش فيه! أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم إليها منكم سراعًا، قال ويحك فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد، قال: قد وجدت ثانيًا، قال: من هو؟ قال: أنا قال: أبغنا ثالثًا، قال: قد فعلت، قال: من هو؟ قال: زهير بن أبي أمية، قال: أبغنا رابعًا.
فذهب إلى البختري بن هشام، فقال له نحوًا مما قال للمطعم بن عدي، فقال: وهل من أحد يعين على هذا؟ قال: نعم، قال: من هو؟ قال: زهر بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وأنا معك، قال أبغنا خامسًا.
فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد فكلمه، وذكر له قرابتهم وحقهم، فقال له: وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد؟ قال: نعم؛ ثم سمى له القوم.
فاتعدوا خطم الحجون (١) ليلًا بأعلى مكة، فاجتمعوا هنالك. فأجمعوا أمرهم وتعاقدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها، وقال زهير: أنا أبدؤكم، فأكون أول من يتكلم. فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير ابن أميه عليه حلة فطاف بالبيت سبعًا، ثم أقبل على الناس فقال: يا أهل مكة، إنا أنأكل الطعام ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى لا يباع ولا يبتاع منهم، والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة.