الكفر، يعني بذلك المحصب، وذلك أن قريشًا وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب -أو بني المطلب- أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبي ﷺ " (١)
مدة الحصار وشدته
قال ابن إسحاق: فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثًا، حتى جهدو، لا يصل إليهم شيء إلا سرًا، مستخفيًا به من أراد صلتهم من قريش، وقد كان أبو جهل بن هشام -فيما يذكرون- لقي حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد معه غلام يحمل قمحًا يريد به عمته خديجة بنت خويلد، وهي عند رسول الله ﷺ ومعه في الشعب، فتعلق به، وقال: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم؟ والله لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة، فجاءه أبو البختري بن هشام فقال: مالك وله؟ فقال: يحمل الطعام إلى بني هاشم، فقال أبو البختري: طعام كان لعمته عنده بعثت إليه، أفتمنعه أن يأتيها بطعامها؟ خل سبيل الرجل، قال: فأبى أبو جهل، حتى نال أحدهما من صاحبه، فأخذ أبو البختري لحي بعير فضربه به فشجه، ووطئه وطئًا شديدًا، وحمزة بن عبد المطلب قريب يرى ذلك، وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله ﷺ وأصحابه فيشمتوا بهم، ورسول الله ﷺ على ذلك يدعو قومه ليلًا ونهارًا، وسرًا وجهارًا، مباديًا بأمر الله، لا يتقي فيه أحدًا من الناس. (٢)
نقل ابن سيد الناس عن أبي عبد الله محمَّد بن سعد قوله: هشام بن عمرو العامري؛ كان أوصل قريش لبني هاشم حين حصروا في الشعب أدخل عليهم في ليلة ثلاثة أحمال طعامًا، فعلمت بذلك قريش، فمشوا إليه حين أصبح فكلموه في ذلك، فقال: إني غير عائد لشيء خالفكم، فانصرفوا عنه، ثم عاد الثانية فأدخل عليهم ليلًا حملًا أو حملين فغالظته قريش وهمت به، فقال أبو سفيان بن حرب: دعوه، رجل وصل أهل رحمه، أما إني أحلف بالله لو فعلنا مثل ما فعل كان أحسن بنا. (٣)
стр. 352
قال السهيلي: روي عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: لقد جعت، حتى أني وطئت ذات ليلة على شيءٍ رطب، فوضعته في فمي وبلعته، وما أدري ما هو إلى الآن.
وفي رواية يونس: أن سعدًا قال: خرجت ذات ليلة لأبول، فسمعت قعقعة تحت البول، فإذا قطعة من جلد بعير يابسة، فأخذتُها وغسلتها، ثم أحرقتها ثم رضضتها وسففتها بالماء، فقويت بها ثلاثًا، وكانوا إذا قدمت العير مكة يأتي أحدهم السوق ليشتري شيئًا من الطعام لعياله، فيقوم أبو لهب عدوُّ الله، فيقول: يا معشر التجار: غالوا على أصحاب محمَّد، حتى لا يدركوا معكم شيئًا، فقد علمتم مالي ووفاء ذمتي، فأنا ضامن أن لا خسار عليكم، فيزيدون عليهم في السلعة، قيمتها أضعافًا حتى يرجع إلى أطفاله، وهم يتضاغون من الجوع، وليس في يديه شيء يطعمهم به، ويغدو التجار على أبي لهب، فيربحهم فيما اشتروا من الطعام واللباس، حتى جهد المؤمنون، ومن معهم جوعًا وعريًا. (١)
ولادة ابن عباس ﵄ في زمن المقاطعة
عن ابن عباس قال: حدثتني أم الفضل بنت الحارث قالت: بينا أنا مارة والنبي ﷺ في الحجر فقال: يا أم الفضل، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: "إنك حامل بغلام"، قلت: كيف وقد تحالفت قريش لا يولدون النساء، قال: "هو ما أقول لك؛ فإذا وضعته فائتيني به". فلما وضعته أتيت به النبي ﷺ فسماه عبد الله وألبأه بريقه، قال: "اذهبي فلتجدنه كيسًا"، قال: فأتيت العباس فأخبرته فتبسم، ثم أتى النبي ﷺ وكان رجلًا جميلًا مديد القامة فلما رآه النبي ﷺ قام إليه فقبل ما بين عينيه وأقعده عن يمينه ثم قال: "هذا عمي فمن شاء فليباه بعمه"، فقال: العباس: بعض القول يا رسول الله، قال: "ولم لا أقول وأنت عمي وبقية آبائي؟ والعم والد".
وعن ابن عباس قال: لما كان النبي ﷺ بالشعب أتى أبي النبي ﷺ فقال: يا محمَّد ما أرى أم الفضل إلا قد اشتملت على حمل، قال:
стр. 353
"لعل الله أن يقرَّ أعيننا بغلام"، فأتي بي النبي ﷺ وأنا في خرقي فحنكني. قال مجاهد: لا نعلم أحدًا حُنِّكَ بريق النبوة غيره.
حديث نقض الصحيفة برواية أبي نعيم
فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم رجال من بني عبد مناف ورجال من بني قصي ورجال ممّن سواهم، وذكروا الذي وقعوا فيه من القطيعة فأجمعوا أمرهم في ليلتهم على نقض ما تعاقدوا عليه، والبراءة منه، فبعث الله على صحيفتهم التي فيها المكر برسول الله ﷺ الأرضة فلحست كل شيء كان فيها، وكانت معلقة في سقف الكعبة، وكان فيها عهد الله وميثاقه، فلم تترك فيها شيئًا إلا لحسته، وبقي فيها ما كان من شرك أو ظلم أو بغي، فأطلع الله تعالى رسوله على الذي صنع بالصحيفة. فقال أبو طالب: لا والثواقب (١) ما كذبني، فانطلق يمشي بعصابة من بني عبد المطلب، حتى أتى المسجد، وهو حافل من قريش فلما رأوهم أتوا بجماعة أنكروا ذلك، فظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء، وأتوهم ليعطوهم رسول الله ﷺ ، فتكلم أبو طالب، فقال: قد حدثت أمور بينكم لم نذكرها لكم، فأتوا بصحيفتكم التي فيها مواثيقكم، فلعله أن يكون بيننا وبينكم صلح، وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها.
فأتوا بصحيفتهم معجبين بها، لا يشكون أن الرسول مدفوع إليهم، فوضعوها بينهم وقالوا: قد دنا لكم أن تقبلوا أو ترجعوا إلى أمر يجمع عامتكم ويجمع قومكم، ولا يقطع بيننا وبينكم إلا رجل واحد جعلتموه خطرًا لعشيرتكم وفسادكم.
قال أبو طالب: إنما أتيتكم لأعطيكم أمرًا فيه نصف بيني وبينكم، هذه الصحيفة التي في أيديكم، إن ابن أخي قد أخبرني، ولم يكذبني، أن الله بعث عليها دابة، فلم تترك فيها اسمًا لله إلا لحسته، وترك فيها غدركم وتظاهركم علينا بالظلم، فإن كان الحديث كما يقول فأفيفوا، فوالله لا نسلمه حتى نموت عن آخرنا، وإن كان الذي يقول باطلًا دفعنا إليكم صاحبنا، فقتلتم، أو استحييتم، قالوا: لقد رضينا بالذي تقول،
стр. 354
وفتحت الصحيفة، فوجدوا الصادق المصدوق قد أخبر خبرها قبل أن تفتح، فلما رأتها قريش كالذي قال أبو طالب، قالوا: والله ما كان هنا إلا سحرًا من صاحبكم، فارتكسوا وعادوا لشر ما كانوا عليه من كفرهم والشدة على رسول الله ﷺ وأصحابه ورهطه، والقيام على ما تعاقدوا عليه، فقال أولئك النفر من بني عبد المطلب: إن الأولى بالكذب والسحر غيرنا، فكيف ترون، فإنا نعلم أن الذي أجمعتم عليه من قطيعتنا أقرب للخبث والسحر، ولولا الذي أجمعتم فيها من السحر لم تفسد الصحيفة، وهي في أيديكم فما كان لله من اسم هو فيها طمسه، وما كان من بغي تركه في صحيفتكم. أفنحن السحرة أم أنتم؟ فندم المشركون من قريش عند ذلك.
وقال رجال: منهم أبو البختري وهو العاص بن هشام بن الحارث بن عبد العزى بن قصي ومنهم المطعم بن عدي، وهشام بن عمرو أخو بني عامر بن لؤي، وكانت الصحيفة عنده، وزهير ابن أمية، وزمعة بن الأسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي في رجال من قريش ولدتهم نساء من بني هاشم كانوا قد ندموا على الذي صنعوا فقالوا: نحن براء من هذه الصحيفة، قال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل" (١)
حديث نقض الصحيفة (٢) برواية ابن إسحاق
قال ابن إسحاق: وبنو هاشم وبنو المطلب في منزلهم الذي تعاقدت فيه قريش عليهم في الصحيفة التي كتبوها، ثم إنه قام في نقض تلك الصحيفة التي تكاتبت فيها قريش على بني هاشم وبني المطلب نفر من قريش، ولم يبل فيها أحدٌ أحسن من بلاء هشام بن عمرو بن ربيعة، وذلك أنه كان ابن أخي نضلة بن هاشم بن عبد مناف لأمه فكان هشام لبني هاشم واصلًا، وكان ذا شرف في قومه، فكان -فيما بلغني- يأخذ بالبعير، وبنو هاشم وبنو المطلب في الشعب ليلًا، قد أوقره طعامًا حتى أقبل به فم الشعب خلع خطامه من رأسه، ثم ضرب على جنبه، فيدخل الشعب عليهم ثم يأتي به قد أوقره بِزًّا أو بُرًّا، فيفعل به مثل ذلك.
стр. 355
قال ابن إسحاق: ثم إنه مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب، فقال: زهير، أقد رضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب، وتنكح النساء، وأخوالك حيث قد علمت، لا يباعون ولا يبتاع منهم، ولا ينكحون ولا ينكح إليهم؟ أما إني أحلف بالله أن لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام، ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم، ما أجابك إليه أبدًا، قال: ويحك يا هشام! فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد، والله لو كان معي رجل أخر لقمت في نقضها حتى أنقضها، قال: قد وجدت رجلًا قال: فمن هو؟ قال: أنا، قال له زهير: أبغنا رجلًا ثالثًا.
فذهب إلى المطعم بن عدي، فقال له: يا مطعم أقد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف وأنت شاهد على ذلك موافق لقريش فيه! أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم إليها منكم سراعًا، قال ويحك فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد، قال: قد وجدت ثانيًا، قال: من هو؟ قال: أنا قال: أبغنا ثالثًا، قال: قد فعلت، قال: من هو؟ قال: زهير بن أبي أمية، قال: أبغنا رابعًا.
فذهب إلى البختري بن هشام، فقال له نحوًا مما قال للمطعم بن عدي، فقال: وهل من أحد يعين على هذا؟ قال: نعم، قال: من هو؟ قال: زهر بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وأنا معك، قال أبغنا خامسًا.
فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد فكلمه، وذكر له قرابتهم وحقهم، فقال له: وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد؟ قال: نعم؛ ثم سمى له القوم.
فاتعدوا خطم الحجون (١) ليلًا بأعلى مكة، فاجتمعوا هنالك. فأجمعوا أمرهم وتعاقدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها، وقال زهير: أنا أبدؤكم، فأكون أول من يتكلم. فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير ابن أميه عليه حلة فطاف بالبيت سبعًا، ثم أقبل على الناس فقال: يا أهل مكة، إنا أنأكل الطعام ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى لا يباع ولا يبتاع منهم، والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة.
стр. 356
قال أبو جهل: وكان في ناحية المسجد: كذبت والله لا تشق، قال زمعة ابن الأسود أنت والله أكذب، ما رضينا كتابها حيث كتبت. قال أبو البختري: صدق زمعة، لا نرضى ما كتب فيها، ولا نقر به، قال المطعم بن عدي: صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها، ومما كتب فيها، وقال هشام بن عمرو نحوًا من ذلك. فقال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل، تشوور فيه بغير هذا المكان. وأبو طالب جالس في ناحية المسجد، فقام المطعم إلى الصحيفة ليشقها، فوجد الأرضة قد أكلتها، إلا "باسمك اللَّهم".
وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة فشلت يده فيما يزعمون.
قال ابن هشام: وذكر بعض أهل العلم: أن رسول الله ﷺ قال لأبي طالب: "يا عم، إن ربي الله قد سلط الأرضة على صحيفة قريش، فلم تدع فيها اسمًا هو لله إلا أثبتته فيها، ونفت منه الظلم والقطيعة والبهتان"، فقال: أربك أخبرك بهذا؟ قال: "نعم"، قال: فوالله ما يدخل عليك أحد، ثم خرج إلى قريش فقال: يا معشر قريش، إن ابن أخي أخبرني بكذا وكذا، فهلم صحيفتكم، فإن كان كما قال ابن أخي فانتهوا عن قطيعتنا، وانزلوا عما فيها، وإن يكن كاذبًا دفعت إليكم ابن أخي. فقال القوم: رضينا. فتعاقدوا على ذلك. ثم نظروا. فإذا هي كما قال رسول الله ﷺ . فزادهم ذلك شرًا. فعند ذلك صنع الرهط من قريش في نقض الصحيفة ما صنعوا.
قال ابن إسحاق: فلما مزقت الصحيفة وبطل ما فيها. قال أبو طالب، فيما كان من أمر أولئك النفر الذين قاموا في نقضها يمدحهم:
ألا هل أتى بحرينا (١) صنع ربنا ... على نأيهم والله بالناس أرود (٢)
فيخبرهم أن الصحيفة مزقت ... وأن كل ما لم يرضه الله مفسد
تراوحها إفك وسحر مجمع ... ولم يلف سحر آخر الدهر يصعد
стр. 357
تداعى لها من ليس فيها بقرقر (١) ... فطائرها في رأسها يتردد
وكان كفاء رقعة بأثيمة ... ليقطع منها ساعد ومقلد (٢)
ويظعن أهل المكتين فيهربوا ... فرائصهم من خشية الشر ترعد
ويترك حراث (٣) يقلب أمره ... أيتهم فيهم عند ذاك وينجد (٤)
وتصعد بين الأخشبين كتيبة ... لها حدج سهم وقوس ومرهد (٥)
فمن ينش من حضار مكة عزة ... فعزتنا في بطن مكة أتلد
نشأنا بها والناس فيها قلائل ... فلم ننفك نزداد خيرًا ونحمد
ونطعم حتى يترك الناس فضلهم ... إذا جعلت أيدي المفيضين (٦) ترعد
جزى الله رهطًا بالحجون تتابعوا ... على ملأ يهدي لحزم ويرشد
قعودًا لدى خطم الحجون كأنهم ... مقاولة (٧) بل هم أعز وأمجد
أعان عليها كل صقر كأنه ... إذا ما مشى في رفرف الدرع أحرد (٨)
جرى على جلى (٩) الخطوب كأنه ... شهاب بكفي قابس يتوقد
من الأكرمين من لؤي بن غالب ... إذا سِيم خسفًا وجهه يتربد
طويل النجاد خارج نصف ساقه ... على وجهه يسقى الغمام ويسعد
عظيم الرماد سيد وابن سيد ... يحض على مقرى الضيوف ويحشد
ويبني لأبناء العشيرة صالحًا ... إذا نحن طفنا في البلاد ويمهد
أَلَظَّ (١٠) بهذا الصلح كل مبرَّأ ... عظيم اللواء أمره ثم يحمد
стр. 358
قضوا ما قضوا في ليلهم ثم أصبحوا ... على مهل وسائر الناس رُقَّد
هم رجعوا سهل بن بيضاء راضيا ... وسُرَّ أبو بكرٍ بها ومحمَّد
متى شرك الأقوام في جلِّ أمرنا ... وكنا قديمًا قبلها نتودد
وكنا قديمًا لا نقرّ ظلامةً ... وندرك ما شئنا ولا نتشدد
فيا لقصيَّ هل لكم في نفوسكم ... وهل لكم فيما يجيء به غد
فإني وإيّاكم كما قال قائل ... لديك البيان لو تكلمت أسود (١)
وقال حسَّان بن ثابت يبكي المطعم بن عدي حين مات، ويذكر قيامه في نقض الصحيفة:
أيا عين فابكي سيد القوم واسفحى ... بدمع وإن أنزفته (٢) فاسكبي الدما
وبكي عظيم المعشرين كليهما ... على الناس معروفًا له ما تكلما
فلو كان مجد يخلد الدهر واحدًا ... من الناس، أبقى مجده اليوم مطعما (٣)
أجرت رسول الله منهم فأصبحوا ... عبيدك ما لبى مهل وأحرما
فلو سئلت عنه معد بأسرها ... وقحطان أو باقي بقية جرهما
لقالوا هو الموفي بخفرة (٤) جاره ... وذمته يومًا إذا ما تذمَّما (٥)
فما تطلع الشمس المنيرة فوقهم ... على مثله فيهم أعز وأعظما
وآبي إذا يأبى وألين شيمة ... وأنوم عن جار إذا الليل أظلما
قال ابن هشام: قوله "كليهما" عن غير ابن إسحاق:
قال ابن هشام: وأما قوله: "أجرت رسول الله منهم"،فإن رسول الله ﷺ لما انصرف عن أهل الطائف، ولم يجيبوه إلى ما دعاهم إليه، من تصديقه ونصرته، صار إلى حراء، ثم بعث إلى الأخنس بن شريق ليجيره، فقال: أنا حليف، والحليف لا يجير. فبعث إلى سهيل بن عمرو، فقال: إن بني عامر لا تجير على
стр. 359
بني كعب. فبعث إلى المطعم بن عدي فأجابه إلى ذلك، ثم تسلح المطعم وأهل بيته، وخرجوا حتى أتوا المسجد، ثم بعث إلى رسول الله ﷺ أن ادخل، فدخل رسول الله ﷺ ، فطاف بالبيت وصلى عنده، ثم انصرف إلى منزله. فذلك الذي يعني حسان بن ثابت.
قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت أيضًا: يمدح هشام بن عمرو لقيامه في الصحيفة:
هل يوفين بنو أمية ذمة ... عقدًا كما أوفى جوار هشام
من معشر لا يغدرون بجارهم ... للحارث بن حبيب بن سخام
وإذا بنو حسل أجاروا ذمة ... أوفوا وأدوا جارهم بسلام
وكان هشام أحد سحام.
قال ابن هشام: ويقال: سخام.
стр. 360
خروج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من الشعب
الوليد بن المغيرة: كيده للرسول وموقفه من القرآن
ثم إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش، وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم فقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيًا واحدًا، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضًا، ويرد قولكم بعضه بعضًا، قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس، فقل وأقِم لنا رأيًا نقول به، قال: بل أنتم فقولوا أسمع، قالوا: نقول كاهن، قال: لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة (١) الكاهن ولا سجعه، قالوا: فنقول: مجنون، قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه، ولا تخالجه، ولا وسوسته، قالوا: فنقول: شاعر، قال ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر، قالوا: فنقول: ساحر، قال ما هو بساحر، لقد رأينا السُّحَّار وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا عقدهم (٢)، قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إنّ لقوله لحلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناة -قال ابن هشام: ويقال لغدق- وما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عُرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر، جاء بقول هو سحر يفرّق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته وبين المرء وعشيرته. فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون بسُبل الناس حين قدموا الموسم، لا يمرّ بهم أحد إلا حذروه إيّاه، وذكروا لهم أمره. فأنزل الله تعالى في الوليد بن المغيرة وفي ذلك من قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا
стр. 361
وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾: أي خصيمًا.
قال ابن هشام: عنيد: معاند مخالف. قال رؤبة بن العجاج:
ونحن ضرابون رأس العند
وهذا البيت في أرجوزة له.
﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾.
قال ابن هشام: بسر: كره وجهه. قال العجاج:
مضبر اللحيين بسرًا منهسًا (١)
يصف كراهية وجهه. وهذا البيت في أرجوزة له.
﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ (٢)
رد القرآن على صحب الوليد: قال ابن إسحاق: أنزل الله تعالى في رسوله ﷺ وفيما جاء به من الله تعالى وفي النفر الذين كانوا معه يصنفون القول في رسول الله ﷺ ، وفيما جاء به من الله تعالى: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣)
قال ابن هشام: واحدة العضين: عضة، يقول: عضوه: فرقوه. قال رؤبة بن العجاج:
وليس دين الله بالمعضي
وهذا البيت في أرجوزة له.
стр. 362
قال ابن إسحاق: فجعل أولئك النفر يقولون ذلك في رسول الله ﷺ لمن لقوا من الناس، وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله ﷺ ، فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها (١)
روى البيهقي بسنده عن ابن عباس، ﵄، أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي، ﷺ ، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقَّ لهُ، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عمّ، إن قومك يرون أن يجمعوا لك مالًا، قال: لم؟ قال: ليعطوكه، فإنك أتيت محمدًا لتعرض لما قبله. قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالًا، قال: فقل فيه قولًا يبلغ قومك أنك منكر له، أو أنك كاره له، قال: وماذا أقول؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار منِّي، ولا أعلم برجزه، ولا بقصيده منّي، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقول، حلاوًة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته، قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، قال: فدعني حتى أفكر، فلما فكر، قال: هذا سحر يُؤْثَرُ يأثُرُهُ عن غيره. (٢) فنزلت: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾.
стр. 363
قدوم سويد بن صامت للحج
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري، ثم الظفري عن أشياخ من قومه، قالوا:
قدم سويد بن صامت، أخو بني عمرو بن عوف، مكة حاجًا أو معتمرًا، وكان سويد إنَّما يسمّيه قومه فيهم: الكامل، لجلده وشعره وشرفه ونسبه، وهو الذي يقول:
ألا رُبَّ من تدعو صديقًا ولو ترى ... مقالته بالغيب ساءك ما يفري (١)
مقالته كالشهد ما كان شاهدًا ... وبالغيب مأثور (٢) على ثغرة النحر
يسرُّك باديه وتحت أديمه ... نميمة غش تبترى عقب الظهر (٣)
تُبين لك العينان ما هو كاتم ... من الغلّ والبغضاء بالنّظر الشزر
فرشنى بخير طالما قد بريتني ... وخير الموالي من يريش ولا يبرى (٤)
وهو الذي يقول: ونافر رجلًا من بني سليم، ثم أحد بني زعْب بن مالك مئة ناقة، إلى كاهنة من كهّان العرب، فقضت له. فانصرف عنها هو والسلمي، ليس معهما غيرها، فلما فرّقت بينهما الطريق، قال: ما لي يا أخا بني سليم قال: أبعث إليك به؛ قال: فمن لي بذلك إذا فتني به؟ قال: كلَّا، والذي نفس سويد بيده، لا تفارقني حتى أوتى بمالي، فاتَّخذا فضرب به الأرض، ثم أوثقه رباطًا، ثم انطلق به إلي دار بني عمرو بن عوف، فلم يزل عنده حتى بعثت إليه سليم بالذي له، فقال لي ذلك:
لا تحسبني يابن زُعب بن مالك ... كمن كنت تردي بالغيوب وتختل
تحولت قرنًا إذ صرعت بعزة ... كذلك إنّ الحازم المتحول
ضربت به إبط الشمال فلم يزل ... على كل حال خدُّه هو أسفل
في أشعار كثيرة كان يقولها.
فتصدى له رسول الله ﷺ حين سمع به، فدعاه إلى الله وإلى الإِسلام، فقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي: فقال له رسول الله - صلى الله
стр. 364
عليه وسلم -: "وما الذي معك"؟ قال: مجلّة لقمان -يعنى حكمة لقمان- فقال له ﷺ : "أعرضها عليّ"، فعرضها عليه؛ فقال له: "إنّ هذا لكلام حسن، والذي معي أفضل من هذا، قرآن أنزله الله تعالى عليّ، هو هدىً ونور". فتلا عليه رسول الله ﷺ القرآن، ودعاه إلى الإِسلام، فلم يبعد منه، وقال: إن هذا لقول حسن. ثم انصرف عنه، فقدم المدينة على قومه، فلم يلبث أن قتلته الخزرج، فإن كان رجال من قومه ليقولون: إنَّا لنراه قد قتل وهو مسلم. وكان قتله قبل يوم بعاث (١).
نزول العذاب على قريش
روى البخاري بسنده عن مسروق قال: "دخلت على عبد الله فقال: إنَّ من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم. إن الله قال لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾. إنَّ قريشًا لما غلبوا النبي ﷺ واستعصوا عليه قال: اللَّهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف فأخذتهم سنة أكلوا فيها العظام والميتة من الجهد، حتى جعل أحدهم يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع قالوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ فقيل له: إن كشفنا عنهم عادوا، فدعا ربه، فكشف عنهم فعادوا، فانتقم الله منهم يوم بدر، فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ إلى قوله جل ذكره: ﴿إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾.
روى البخاري بسنده عن مسروق قال: "قال عبد الله: إن الله بعث محمدًا ﷺ وقال: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ فإن رسول الله ﷺ لما رأى قريشًا استعصوا عليه فقال: اللَّهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف، فأخذتهم السنة حتى حصَّت كل شيء حتى أكلوا العظام والجلود، وقال أحدهم: حتى
стр. 365
أكلوا الجلود والميتة، وجعل يخرج من الأرض كهيئة الدخان، فأتاه أبو سفيان فقال: أي محمَّد، إنَّ قومك قد هلكوا، فادع الله أن يكشف عنهم. فدعا، ثم قال: تعودوا بعد هذا. في حديث منصور: ثم قرأ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ إلى ﴿عَائِدُونَ﴾ أيُكشف عنهم عذاب الآخرة؟ فقد مضى الدخان والبطشة واللزام- وقال أحدهم القمر وقال الآخر الروم.
روى البخاري بسنده عن مسروق قال: "قال عبد الله: إنما كان هذا لأنّ قريشًا لما استعصوا على النبي ﷺ دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم قحطٌ وجهدٌ حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد. فأنزل الله ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قال فأتي رسول الله ﷺ فقيل له: يا رسول الله استسق الله لمضر فإنها قد هلكت. قال لمضر؟ إنك لجريء، فاستسقى، فسقوا، فنزلت ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم حين أصابتهم الرفاهية، فأنزل الله ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ قال: يعني يوم بدر" (١).
روى البخاري بسنده عن مسروق قال: "دخلت على عبد الله، ثم قال: إنَّ رسول الله ﷺ لما دعا قريشًا كذّبوه واستعصوا عليه، فقال: اللَّهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف. فأصابتهم سنة حصّت كل شيء، حتى كانوا يأكلون الميتة، وكان يقوم أحدهم فكان يرى بينه وبين السماء مثل الدخان من الجهد والجوع. ثم قرأ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ حتى بلغ ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾، قال عبد الله أفيكشف عنهم العذاب يوم القيامة؟ والبطشة الكبرى يوم بدر".
стр. 366
سورة الدخان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦) وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨)﴾
وفاة أبي طالب عم الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
المشركون يطلبون عهدًا بينهم وبين الوصول قبل موت أبي طالب: قال ابن إسحاق (١): ولما اشتكى أبو طالب، وبلغ قريشًا ثقله، قالت قريش بعضها لبعض: إن حمزة وعمر قد أسلما، وقد فشا أمر محمَّد في قبائل قريش كلها، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب، فيأخذ لنا على ابن أخيه، وليعطه منا، والله ما نأمن أن يبتزونا (٢) أمرنا.
стр. 367
قال ابن إسحاق: فحدثني العباس بن عبد الله بن معبد بن عباس عن بعض أهله، عن ابن عباس، قال: مشوا إلى أبى طالب فكلموه، وهم أشراف قومه: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وأبو سفيان بن حرب، في رجالٍ من أشرافهم فقالوا: يا أبا طالب، إنك منا حيث قد علمت، وقد حضرك ما ترى وتخوفنا عليك، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك، فادعه، فخذ له منا، وخذ لنا منه، ليكف عنا، ونكف عنه، وليدعنا وديننا، وندعه ودينه، فبعث إليه أبو طالب، فجاءه، فقال: يا ابن أخي: هؤلاء أشراف قومك، قد اجتمعوا لك، ليعطوك، وليأخذوا منك. قال: فقال رسول الله ﷺ : (نعم، كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب، وتدين لكم بها العجم). قال فقال أبو جهل: نعم وأبيك، وعشر كلمات، قال: تقولون: لا إله إلا الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه. قال: فصفقوا بأيديهم، ثم قالوا: أتريد يا محمَّد أن تجعل الآلهة إلهًا واحدًا، إن أمرك لعجب! قال بعضهم لبعض: إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئًا مما تريدون، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم، حتى يحكم الله بينكم وبينه. قال: ثم تفرقوا.
رجاء الرسول إسلام أبى طالب: فقال أبو طالب لرسول الله ﷺ : والله يا ابن أخي، ما رأيتك سألتهم شططًا: قال: فلما قالها أبو طالب طمع رسول الله ﷺ في إسلامه، فجعل يقول له: (أي عم، فأنت فقلها أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة) قال: فلما رأى حرص رسول الله ﷺ عليه، قال يا ابن أخي، والله لولا مخافة السبة عليك وعلى بني أبيك من بعدي، وأن تظن قريش أني إنما قلتها جزعًا من الموت لقلتها، لا أقولها إلا لأسرك بها. قال: فلما تقارب من أبى طالب الموت قال: نظر العباس إليه يحرك شفتيه، قال: فأصغى إليه بأذنه، قال: فقال يا ابن أخي، والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها، قال: فقال رسول الله ﷺ : (لم أسمع).
ما نزل فيمن طلبوا العهد على الرسول عند أبى طالب: قال: وأنزل الله تعالى في الرهط الذين كانوا اجتمعوا إليه، وقال لهم ما قال، وردوا عليه ما ردوا: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي
стр. 368
الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾. يعنون النصارى، لقولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾. ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ ثم هلك أبو طالب. (١)
روى البيهقي بسنده علي قال لما توفي أبو طالب أتيت النبي ﷺ فقلت يا رسول الله إن عمك الضال قد هلك قال فانطلق فواره فقلت ما أنا بمواريه قال فمن يواريه انطلق فواره ولا تحدثن شيئًا حتى تأتيني فانطلقت فواريته فأمرني أن اغتسل ثم دعا لي بدعوات ولا يسرني بها ما على الأرض من شيء. (٢)
أهون الناس عذابًا في النار
روى البخاري بسنده عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال (أهون أهل النار عذابًا أبو طالب. وهو منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه).
روى البخاري بسنده عن النعمان بن بشير يخطب وهو يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة، لرجل توضع في أخمص قدميه جمرتان، يغلي منهما دماغه).
روى البخاري بسنده عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله ﷺ : (إن أهون أهل النار عذابًا من له نعلان وشراكان من نار. يغلي منهما دماغه. كما يغل المرجل ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا. وإنه لأهونهم عذابًا). (٣)
مرض أبي طالب ونزول سورة ص والقرآن ذي الذكر
стр. 369
روى الحاكم بسنده عن ابن عباس ﵁ قال مرض أبو طالب فجاءت قريش فجاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وعند رأس أبي طالب مجلس رجل فقام أبو جهل كي يمنعه ذاك وشكوه إلى أبي طالب فقال: يا ابن أخي ما تريد من قومك قال: يا عم إنما أريد منهم كلمة تذل لهم بها العرب وتؤدى إليهم بها جزية العجم قال: كلمة واحدة. قال كلمة واحدة. قال ما هي قال لا إله إلا الله قال: فقالوا أجعل الآلهة إلهًا واحدًا إن هذا لشيء عجاب قال ونزل فيهم ص والقرآن ذي الذكر حتى بلغ إن هذا إلا اختلاق. هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
روى الحاكم بسنده عن ابن عباس ﵁ قال: نزل ص والقرآن ذي الذكر فيهم وفي مجلسهم ذلك يعني مجلس أبي طالب وأبى جهل واجتماع قريش إليهم حين نازعوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. (١)
روى البخاري بسنده عن العباس بن عبد المطب ﵁ قال للنبي ﷺ : ما أغنيت عن عمك، فإنه كان يحوطك ويغضب لك، قال: هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار.
روى البخاري بسنده ابن المسيب عن أبيه (أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل فقال: أي عم، قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله. فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، ترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شي كلمهم به: على ملة عبد المطلب. فقال النبي ﷺ : لأستغفرنّ لك، ما لم أنه عنه، فنزلت ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، ونزلت ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ (٢).
стр. 370
روى البخاري بسنده عن أبي سعيد الخدري ﵁ (أنه سمع النبي ﷺ وذكر عمه فقال: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه) (١).
الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يطلب من عمه أبي طالب الإقرار بشهادة التوحيد
روى البخاري بسنده عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ لعمه (قُل: لاَ إلهَ إلَّا اللهُ، أشهَدُ لَكَ بها يَوْم القِيَامَةِ) قال: لولا أن تعيرني قريش. يقولون: إنما حمله، على ذلك، الجزع. لأقررت بها عينك (٢). فأنزل الله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
وفاة أبي طالب
روى البيهقي بسنده عن أبي اليمان الهوزني، قال لما توفي أبو طالب عم النبي ﷺ ، خرج النبي ﷺ فعارض جنازته، قال ابن عوف: فجعل يمشي مجانبًا لها، ويقول: (برتك رحم، وجزيت خيرًا) ولم يقم على قبره (٣).
روى بسنده عن أبي هريرة، ﵁، قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة أتاه النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وعنده عبد الله بن أبي أمية، أبو جهل بن هشام، فقال له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (أي عم، إنك أعظمهم علي حقًا، وأحسنهم عندي يدًا، ولأنت أعظم حقًا علي من والدي، فقل كلمة تجب لك علي بها الشفاعة يوم القيامة، قل لا إله إلا الله)، فقالا له: أترغب عن ملة عبد
стр. 371
المطلب؟ فسكت، فأعادها عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقال: أنا على ملة عبد المطلب فمات، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (لأستغفِرَنّ لكَ ما لم أُنْهَ عنك)، فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ إلى آخر الآية (١).
وروى بسنده عن أنس بن مالك ﵁، أن أبا طالب مرض، فثقل فعاده النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقال: يا ابن أخي، ادع ربك الذي بعثك أن يعافيني، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (اللَّهم اشف عمّى) فقام كأنه نشط من عقال، فقال أبو طالب: إن ربك بعثك ليطيعك، قال: (وأنت يا عمّ إن أطعت الله ليطيعنك). (٢)
وروى بسنده عن جابر ﵁، قال: لما مات أبو طالب قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (رحمك الله وغفر لك يا عمّ، ولا أزال أستغفر لك حتى ينهانني الله )، فأخذ المسلمون يستغفرون لموتاهم الذين ماتوا وهم مشركون، فاْنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. (٣)
عن عثمان يعني ابن عفان ﵁، قال: تمنيت أن أكون سألت رسول الله ﷺ ماذا ينجينا مما يلقي الشيطان في أنفسنا، فقال أبو بكر: قد سألته عن ذلك فقال: (ينجيكم من ذلك أن تقولوا ما أمرت به عمّي أن يقوله فلم يقله). (٤)
روى بسنده عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير العذري قال: قال أبو طالب: يا ابن أخي والله لولا رهبة أن تقول قريش دهرني الجزع فيكون سبة عليك وعلى بني أبيك لفعلت الذي
стр. 372
تقول، وأقررت عينك بها، لما أرى من شكرك ووجدك بي ونصيحتك لي. ثم إن أبا طالب دعا بني عبد المطلب فقال: لن تزالوا في ما سمعتم من محمَّد وما اتبعتم أمره، فاتبعوه وأعينوه ترشدوا، فقال رسول الله ﷺ : (أتأمرهم بها وتدعها لنفسك؟!) فقال أبو طالب: أما لو أنك سألتني الكلمة وأنا صحيح لتابعتك على الذي تقول، ولكني أكره أن أجزع عند الموت فترى قريش أني أخذتها جزعًا، ورددتها في صحتي. (١)
وفاة خديجة ﵂
قال ابن إسحاق: ثم إن خديجة بنت خويلد وأبا طالب هلكا في عام واحد، فتتابعت على رسول الله ﷺ المصائب بهلك خديجة -وكانت له وزير صدق على الإِسلام يشكو إليها- وبهلك عمّه أبى طالب، وكان له عضدًا وحرزًا في أمره ومنعة وناصرًا على قومه، وذلك قبل مهاجره إلى المدينة بثلاث سنين. (٢)
روى بسنده عن هشام عن أبيه قال: توفيت خديجة قبل مخرج النبي ﷺ إلى المدينة بثلاث سنين. (٣)
روى بسنده عن هشام بن عروة قال: توفيت. خديجة بنت خويلد ﵂، وهي ابنة خمس وستين سنة. (٤)
عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ سئل عن خديجة أنها ماتت قبل أن تنزل الفرائض والأحكام، قال: (أبصرتها على نهر من أنهار الجنة، في بيت من قصب لا لغو فيه ولا نصب). (٥)
قال: أخبرنا محمَّد بن عمر الأسلمي قال: توفي أبو طالب للنصف من شو في السنة
стр. 373
العاشرة من حين نبىء رسول الله ﷺ وهو يومئذ ابن بضع وثمانين سنة، وتوفيت خديجة بعده بشهر وخمسة أيام، وهي يومئذ بنت خمس وستين سنة، فاجتمعت على رسول الله ﷺ مصيبتان: موت خديجة بنت خويلد، وموت أبي طالب عمّه. (١)
وروى بسنده عن حكيم بن حزام قال: توفيت خديجة بنت خويلد في شهر رمضان سنة عشر من النبوة، وهي يومئذ بنت خمس وستين سنة، فخرجنا بها من منزلها حتى دفناها بالحجون، ونزل رسول الله ﷺ في حفرتها، ولم تكن يومئذ سنة الجنازة الصلاة عليها. قيل: ومتى ذلك يا أبا خالد؟ قال: قبل الهجرة بسنوات ثلاث أو نحوها وبعد خروج بني هاشم من الشعب بيسر. (٢)
روى بسنده عن عروة بن الزبير قال: وقد كانت خديجة توفيت قبل أن تفرض الصلاة. (٣)
قال البيهقي: بلغني أن موت خديجة كان بعد موت أبى طالب. بثلاثة أيام.
وقال: زعم الواقدي أنهم خرجوا من الشعب قبل الهجرة بثلاث سنين، وفي هذه السنة توفيت خديجة وأبو طالب بينهما خمس وثلاثون ليلة، المتقدمة خديجة. (٤)
стр. 374
دخول أبي بكر ﵁ في جوار ابن الدغنة بعد عزمه على الهجرة
قال ابن إسحاق: وقد كان أبو بكر الصديق ﵁، كما حدثني محمَّد بن مسلم الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂، حين ضاقت عليه مكة، وأصابه فيها الأذى، ورأى من تظاهر قريش على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وأصحابه ما رأى، استأذن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في الهجرة، فأذن له، فخرج أبو بكر مهاجرًا، حتى إذا سار من مكة يومًا أو يومين لقيه ابن الدغنة أخو بني الحارث بن بكر، وهو يومئذ سيد الأحابيش، قالت: فقال ابن الدغنة: أين يا أبا بكر؟ قال: أخرجني قومي، وأذوني وضيقوا علي، قال: ولم؟ فوالله إنك لتزين العشيرة، وتعين على النوائب، وتفعل المعروف، وتكسب المعدوم، ارجع وأنت في جواري، فرجع معه، حتى إذا دخل مكة قام ابن الدُّغُنَّةِ فقال: يا معشر قريش، إني قد أجرت ابن أبي قحافة، فلا يعرضن له أحد إلا بخير، قالت: فكفوا عنه، قالت: وكان لأبي بكر مسجد عند باب داره في بني جمح، فكان يصلى فيه، وكان رجلًا رقيقًا إذا قرأ القرآن استبكى، قالت: فيقف عليه الصبيان والعبيد والنساء يعجبون لما يرون من هيئته، قالت: فمشى رجال من قريش إلى ابن الدُّغُنَّة فقالوا: يا ابن الدُّغُنَّةِ، إنك لم تجر هذا ليؤذينا، إنه رجل إذا صلى وقرأ ما جاء به محمَّد يَرقُّ ويبكي، وكانت له هيئة ونحو، فنحن نتخوف على صبياننا ونسائنا وضعفتنا أن يفتنهم، فأته فمره أن يدخل بيته فليصنع فيه ما شاء، قالت: فمشى ابن الدُّغُنَّة إليه، فقال له: يا أبا بكر، إني لم أجرك لتؤذي قومك، إنهم قد كرهوا مكانك الذي أنت به وتأذوا بذلك منك، فادخل بيتك فاصنع فيه ما أحببت، قال: أو أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله، قال: فاردد عليَّ جواري، قال: قد رددته عليك، قال: فقام ابن الدُّغُنَّةِ فقال: يا معشر قريش، إن ابن أبي قحافة قد رد عليَّ جواري،
стр. 375
فشأنكم بصاحبكم. (١)
وروى ابن إسحاق بسنده عن القاسم بن محمَّد قال: لقيه سفيه من سفهاء قريش، وهو عامد إلى الكعبة، فحثا على رأسه ترابًا، قال: فمر بأبي بكر الوليد بن المغيرة، أو العاص بن وائل، قال: فقال أبو بكر: ألا ترى إلى ما يصنع هذا السفيه؟ قال: أنت فعلت ذلك بنفسك، قال: وهو يقول: أي رب ما أحلمك، أي رب ما أحلمك، أي رب ما أحلمك.
روى البخاري بسنده عن عائشة ﵂، زوج النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قالت: لم أعقل أبوي قط، إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية فلما ابتلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة حتى بلغ برك الغماد لقيه ابن الدُّغُنَّةِ وهو سيد القارة، فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض، وأعبد ربي، قال ابن الدُّغُنَّةِ: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يُخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، ارجع واعبد ربك ببلدك، فرجع وارتحل معه ابن الدُّغُنَّةِ، فطاف ابن الدُّغُنَّةِ عشية في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يُخرج، أتخرجون رجل يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق، فلم تكذب قريش بجوار ابن الدُّغُنَّةِ، وقالوا لابن الدُّغُنَّةِ: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فقال ذلك ابن الدُّغُنَّةِ لأبي بكر فلبث أبو بكر بذلكَ يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدًا بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فينقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم، وهم يعجبون منه، وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلًا بكاء، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن،
стр. 376
وأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدُّغُنَّةِ فقدم عليهم، فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدًا بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل وإن أبى إلا أن يعلن بذلك، فسله أن يرد إليك ذمتك فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان، قالت عائشة: فأتي ابن الدغنة إلى أبى بكر فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترجع إلي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له، فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله . (١)
стр. 377
أبو لهب يناصر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
حدثنا محمَّد بن عبد الله عن أبيه عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير قالوا: لما توفي أبو طالب وخديجة بنت خويلد، وكان بينهما شهر وخمسة أيام، اجتمعت على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، مصيبتان فلزم بيته وأقل الخروج ونالت منه قريش ما لم تكن تنال ولا تطمع به، فبلغ ذلك أبا لهب فجاءه فقال: يا محمَّد امض لما أردت وما كنت صانعًا إذ كان أبو طالب حيًّا فاصنعه، لا واللات لا يوصل إليك حتى أموت! وسبّ ابن الغيطلة النبي ﷺ ، فأقبل عليه أبو لهب فنال منه، فولّى وهو يصيح: يا معشر قريش صبأ أبو عتبة! فأقبلت قريش حتى وقفوا على أبى لهب، فقال: ما فارقت دين عبد المطلب ولكني أمنع ابن أخي أن يضام حتى يمضي لما يريد، قالوا: قد أحسنت وأجملت ووصلت الرحم؛ فمكث رسول الله ﷺ ، كذلك أيّامًا يذهب ويأتي لا يعترض له أحد من قريش، وهابوا أبا لهب، إلى أن جاء عقبة بن أبي معيط وأبو جهل بن هشام إلى أبى لهب فقالا له: أخبرك ابن أخيك أين مدخل أبيك؟ فقال له أبو لهب: يا محمَّد أين مدخل عبد المطلب؟ قال: مع قومه، فخرج أبو لهب إليهما فقال: قد سألته فقال مع قومه، فقالا: يزعم أنه في النار، فقال: يا محمَّد أيدخل عبد المطب النار؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم، ومن مات على مثل ما مات عليه عبد المطلب دخل النار، فقال أبو لهب: والله لا برحت لك عدوًّا أبدًا، وأنت تزعم أن عبد المطلب في النار! فاشتد عليه هو وسائر قريش (١).
أبو سفيان ابن حرب يستنجدُ برسول الله ﷺ لكشف العذاب عن قريش
стр. 378
عن ابن عباس ﵄ قال: جاء أبو سفيان بن حرب إلى النبي ﷺ فقال: يا محمَّد نشدتك بالله قد أكلنا العلهز -يعني: الوبر والدم- فأنزل الله جل ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (١).
روى البخاري بسنده عن عبد الله فقال: "إن النبي ﷺ لما رأى من الناس إدبارًا قال: اللَّهم سبع كسبع يوسف. فأخذتهم سنة حصَّت كل شيء حتى أكلوا الجلود والميتة والجيف، وينظر أحدهم إلى السماء فيرى الدخان من الجوع. فأتاه أبو سفيان فقال: يا محمَّد، إنك تأمر بطاعة الله وبصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم. قال الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ فالبطشة يوم بدر، وقد مضت الدخان والبطشة واللزام وآية الروم" (٢).
خروج الرسول ﷺ إلى الطائف
" ومات أبو طالب وازداد من البلاء على رسول الله ﷺ شدة، فعمد إلى ثقيف يرجو أن يؤووه وينصروه، فوجد ثلاثة نفر منهم سادة ثقيف وهم أخوةٌ عبد ياليل بن عمرو وحبيب بن عمرو، ومسعود بن عمرو، فعرض عليهم نفسه، وشكا إليهم البلاء وما انتهك قومه منه فقال أحدهم: أنا أسرق ثياب الكعبة إن كان الله بعثك بشيء قط، وقال الآخر: والله لا أكلمك بعد مجلسك هذا كلمة واحدة أبدًا، لئن كنت رسولًا لأنت أعظم شرفًا وحقًا من أن أكلمك. وقال الآخر: أعجز الله أن يرسل غيرك!! وأفشوا ذلك في ثقيف -الذي قال لهم- واجتمعوا يستهزئون برسول الله ﷺ وقعدوا له صفين على طريقه، فأخذوا بأيديهم الحجارة فجعل لا يرفع رجله ولا يضعها إلا رضخوها بالحجارة، وهم في ذلك يستهزئون ويسخرون، فلما خلص من صفيهم وقدماه تسيلان الدماء، عمد إلى حائط كرومهم فأتى ظل حبلة من الكرم فجلس
стр. 379
في أصلها مكروبًا موجعًا، تسيل قدماه الدماء، وإذا في الكرم عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، فلما أبصرهما كره أن يأتيهما، لما يعلم من عداوتهما لله ولرسوله، وبه الذي به، فأرسلا إليه غلامهما "عداسًا" بعنب، وهو نصراني من أهل نينوى، فلما أتاه وضع العنب بين يديه، فقال رسول الله ﷺ : بسم الله، فعجب عداس، فقال له رسول الله ﷺ : من أي أرض أنت يا عداس؟ قال أنا من أهل نينوى، فقال النبي ﷺ من أهل مدينة الرجل الصالح يونس بن متى. فقال له عداس: وما يدريك من يونس بن متى؟ فأخبره رسول الله ﷺ من شأن يونس ما عرف، وكان رسول الله ﷺ لا يحقر أحدًا يبلغه رسالات الله تعالى، قال: يا رسول الله أخبرني خبر يونس بن متى، فلما أخبره رسول الله ﷺ من شأن يونس بن متى ما أوحى إليه من شأنه، خرَّ ساجدًا للرسول ﷺ ثم جعل يقبل قدميه وهما تسيلان الدماء، فلما أبصر عتبة وأخوه شيبة ما فعل غلامهما سكتا، فلما أتاهما قالا له: ما شأنك؟ سجدت لمحمد، وقبلت قدميه، ولم نرك فعلت هذا بأحد منا، قال: هذا رجل صالح حدثني عن أشياء عرفتها من شأن رسول بعثه الله تعالى إلينا يدعى يونس بن متى، فأخبرني أنه رسول الله فضحكا، وقالا: لا يفتنك عن نصرانيتك إنه رجل يخدع. ثم رجع رسول الله ﷺ إلى مكة".
سعي الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى الطائف وموقف ثقيف منه
قال ابن إسحاق: ولما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله ﷺ من الأذى ما لم تكن تنال منه في حياة عمه أبي طالب، فخرج رسول الله ﷺ إلى الطائف، يلتمس النصرة من ثقيف، والمنعة بهم من قومه، ورجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله ، فخرج إليهم وحده.
قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن زياد، عن محمَّد بن كعب القرظي، قال: لما انتهى رسول الله ﷺ إلى الطائف، عمد إلى نفر من ثقيف، هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم وهم أخوة ثلاثة: عبد ياليل بن عمرو بن عمير، ومسعود بن عمرو بن
стр. 380
عمير، وحبيب بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف، وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح، فجلس إليهم رسول الله ﷺ ، فدعاهم إلى الله، وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإِسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه؛ فقال له أحدهم: هو يمرط (١) ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك؛ وقال الآخر: أما وجد الله أحدًا يرسله غيرك! وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدًا. لئن كنت رسولًا من الله كما تقول؛ لأنت أعظم خطرًا من أن أردّ عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله، ما ينبغي في أن أكلمك. فقام رسول الله ﷺ من عندهم وقد يئس من خير ثقيف، وقد قال لهم -فيما ذكر لي-: إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني، وكره رسول الله ﷺ أن يبلغ قومه عنه، فيذئرهم (٢) ذلك عليه. قال ابن هشام: قال عبيد بن الأبرص:
ولقد أتاني عن تميم أنهم ... ذئروا لقتلى عامر وتعصبوا
فلم يفعلوا، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس، وألجئوه إلى حائط (٣) لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد إلى ظلّ حبلة (٤) من عنب، فجلس فيه. وابنا ربيعة ينظران إليه، ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف، وقد لقي رسول الله ﷺ فيما ذكر لي- المرأة التي من بني جمح، فقال لها: "ماذا لقينا من أحمائك؟ ".
فلما اطمأن رسول الله ﷺ قال- فيما ذكر لي-: "اللَّهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربى، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني (٥)؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك".
стр. 381
قال: فلما رآه ابنا ربيعة، عتبة وشيبة، وما لقي، تحركت له رحمهما، فدعوا غلامًا لهما نصرانيًا، يقال له عداس، فقالا له: خذ قطفًا من هذا العنب، فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه. ففعل عدّاس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله ﷺ ، ثم قال له: كل، فلما وضع رسول الله ﷺ فيه يده، قال: باسم الله، ثم أكل، فنظر عدّاس في وجهه، ثم قال: والله إنّ هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله ﷺ : "ومن أهل أي البلاد أنت يا عدّاس، وما دينك؟ " قال: نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى، فقال رسول الله ﷺ : "من قرية الرجل الصالح يونس بن متى"؛ فقال له عدّاس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال رسول الله ﷺ : "ذاك أخي، كان نبيًا وأنا نبي"، فأكب عدّاس على رسول الله ﷺ يقبل رأسه ويديه وقدميه.
قال: يقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك. فلما جاءهما عدّاس قالا له: ويلك يا عدّاس! ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدي، ما في الأرض شيء خير من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلَّا نبي، قالا له: ويحك يا عدّاس، لا يصرفنّك عن دينك، فإن دينك خير من دينه.
خروجه إلى الطائف
روى البخاري بسنده عن عائشة ﵂: قالت: قلت للنبي ﷺ : "هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمر بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، فسلم عليّ، ثم قال يا محمَّد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، قد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت، إن شئت أطبقت
стр. 382
عليهم الأخشبين، قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا). (١)
حدثنا عمرو بن علي أبو عاصم حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلي بن كعب الطائفي حدثني عبد ربه بن الحكم حدثتني بنت رقيقة عن أمها رقيقة قالت: لما جاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يبتغي النصر بالطائف فدخل عليها فأخرجت له شرابًا من سويق فقال: (يا رقيقة لا تعبدي طاغيتهم ولا تصلين لها) قالت: إذًا يقتلوني قال: (فإذا قالوا لك فقولي ربى رب هذه الطاغية، فإذا رأيتيها فولها ظهرك) ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من عندها قالت بنت رقيقة فأخبرني أخواي سفيان ووهب أبناء قيس بن أبان قال لما أسلمت ثقيف خرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فقال: ما فعلت أمكما قلنا هلكت على الحال التي تركتها قال: (لقد أسلمت أمكما إذًا). (٢)
أخبرنا أوس بن أبي أوس الثقفي قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أتى كظامة قوم بالطائف، فتوضأ ومسح على رجليه. قال هشيم: كان هذا في مبدأ الإِسلام. (٣)
روى بسنده عن خالد العدواني أنه أبصر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في مشرق ثقيف وهو قائم على قوس -أو عصا- حين أتاهم يبتغي عندهم النصر قال: فسمعته يقرأ: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ حتى ختمها، قال: فوعيها في الجاهلية وأنا مشرك، ثم قرأتها في الإِسلام، قال: فدعتني ثقيف فقالوا: ماذا سمعت من هذا الرجل؟ فقرأتها عليهم، فقال من معهم من قريش: نحن أعلم بصاحبنا، لو كنا نعلم ما يقول حقًا لتبعناه.
стр. 383
دخول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم مكة في جوار المطعم بن عدي
ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم مكة مرجعه من الطائف في جوار المطعم بن عدي، وازداد قومه عليه حنقًا وغيظًا وتكذيبًا وعنادًا، والله المستعان وعليه التكلان.
وقد ذكر الأموي في مغازيه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بعث أريقط إلى الأخنس بن شريق، فطلب منه أن يجيره بمكة، فقال: إن حليف قريش لا يجير على صميمها.
ثم بعثه إلى سهيل بن عمرو ليجيره فقال: إن بني عامر بن لؤي لا تجير على بني كعب بن لؤي. فبعثه إلى المطعم بن عدي ليجيره فقال: نعم، قل له فليأت.
فذهب إليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فبات عنده تلك الليلة، فلما أصبح خرج معه هو وبنوه ستة أو سبعة، متقلدي السيوف جميعًا، فدخلوا المسجد وقال لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: طف. واحتبوا بحمائل سيوفهم في المطاف. فأقبل أبو سفيان إلى مطعم فقال: أمجير أو تابع؟ قال: لا بل مجير. قال: إذا لا تخفر.
فجلس معه حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم طوافه، فلما انصرف انصرفوا معه. وذهب أبو سفيان إلى مجلسه.
دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي
روى الحاكم بسنده عن عثمان بن عبد الله الأرقم عن جده الأرقم وكان بدريًا وكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم آوى في داره عند الصفا حتى تكاملوا أربعين رجلًا مسلمين وكان آخرهم إسلامًا عمر بن الخطاب ﵃ فلما كانوا أربعين خرجوا إلى المشركين (١).
стр. 384
أذى قريش للرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : لقد أوذيت في الله ﵎ وما يؤذى أحد، وأخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت علي ثلاثة من بين يوم وليلة وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا ما يواري إبط بلال (١)
[الخصام]
حدثنا أحمد بن سليمان الصفار قال: حدثنا زيد بن المبارك قال: حدثنا ابن ثور، عن ابن جريج قال: دخل النبي ﷺ المسجد فطاف سبعًا، وقريش جلوس بين باب بني مخزوم وباب بني جمح، فقال: ﷺ بيده وأشار إليهم وإلى أوثانهم ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ ثم خرج ﷺ فجاء ابن الزبعري، وإذا قريش تسبه، فقال: ما لكم؟ فقالوا: إن ابن أبي كبشة سبنا، وسب أوثاننا، فلما أن كان من العشي لقي ابن الزبعري، فقال: يا محمَّد أهي لنا ولآلهتنا خاصة دون الأمم أو هي لجميع الأمم؟ قال: بل هي لكم ولجميع الأمم، قال ابن الزبعري: خصمتك ورب الكعبة، فإنك تثني على عيسى وأمه خيرًا، وقد عبد فنزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ابن الزبعري السهمي، قال ابن جريج في حديثه هذا، وقال: مجاهد ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ عيسى وعزير والملائكة. (٢)
[منى]
عن الحارث بن الحارث الغامدي ﵁ قال: (قلت لأبي ونحن بمنى: ما هذه الجماعة؟ قال: هؤلاء قوم اجتمعوا على صابئ لهم، فتشرفنا فإذا رسول الله - صلى الله عليه
стр. 385
وسلم - يدعو الناس إلى توحيد الله تعالى والإيمان به، وهم يردون عليه قوله ويؤذونه، حتى ارتفع النهار، وانصدع عنه الناس، وأقبلت امرأة قد بدا نحرها تبكي تحمل قدحًا فيه ماء ومنديلًا، فتناوله منها فشرب وتوضأ، ثم رفع رأسه إليها فقال: يا بنية! خمري عليك نحرك ولا تخافي على أبيك غلبة ولا ذلا، فقلنا: من هذه؟ قالوا: هذه زينب ابنته). (خ في تاريخه، طب، وأبو نعيم، كر، وقال أبو زرعه الدمشقي: هذا حديث صحيح). (١)
[عمه يرميه بالحجارة]
عن طارق المحاربي ﵁ رأيت رسول الله مر في سوق ذي المجاز، وعليه حلة حمراءُ، وهو يقول: (يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله، تفلحوا) ورجل يتبعه يرميه بالحجارة، قد أدمى كعبيه وعرقوبيه، وهو يقول: يا أيها الناس لا تطعوه فإنه كذاب. فقلت: من هذا؟ قالوا: غلام بني عبد المطلب. فقلت: من هذا الذي يتبعه يرميه بالحجارة؟ قالوا: هذا عبد العزى أبو لهب. (٢)
[سلا الجذور]
عن عبد الله بن مسعود قال: (بينا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في المسجد وأبو جهل بن هشام، وشيبة وعتبة ابنا ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، وأمية بن خلف. فقال أبو جهل: أيكم يأتي جزور بني فلان، فيأتينا بفرثها، فيلقيه على محمَّد؟ فانطلق أشقاهم، وأسفههم عقبة بن أبي معيط، فأتى به، فألقاه على كتفيه، ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ساجد لم يهتم، قال ابن مسعود: وأنا قائم لا أستطيع أن أتكلم بشيء، ليس عندي عشيرة تمنعني. إذ سمعت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بذلك فأقبلت حتى ألقت ذلك عن أبيها، ثم استقبلت قريشًا تسبهم، فلم يرجعوا إليها شيئًا، ورفع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه
стр. 386
وسلم رأسه كما كان يرفعه عند تمام سجوده، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم صلاته قال: اللَّهم عليك بقريش، اللَّهم عليك بقريش، اللَّهم عليك بعقبة، وعتبة، وأمية بن خلف، وأبى جهل بن هشام، وشيبة، وخرج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من المسجد، فلقيه أبو البختري، ومع أبي البختري سوط يتخصر به، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أنكر وجهه، فأخذه، فقال: تعال، ما لك؟ فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: خل عني. فقال: علم الله، لا أخلي عنك أو تخبرني ما شأنك، ولقد أصابك سوء. فلما علم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أنه غير مخل عنه أخبره، فقال: إن أبا جهل أمر فطرح عليَّ فرث. فقال أبو البختري: هلم إلى المسجد، فأبى النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فأخذه أبو البختري فأدخله المسجد، ثم أقبل إلى أبى جهل، فقال: يا أبا الحكم، أنت الذي أمرت بمحمد فطرح عليه الفرث قال: نعم. قال: فرفع السوط فضرب به رأسه قال: فثار الرجال بعضها إلى بعض قال وصاح أبو جهل ويحكم هي له إنما أراد محمَّد أن يلقي بيننا العداوة وينجو هو وأصحابه. (١)
[سلا الجزور]
عن أحمد بن إسحاق السرماري قال حدثنا عبيد الله بن موسى قال حدثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله قال: (بينما رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قائم يصلي عند الكعبة وجمع قريش في مجالسهم، إذ قال قائل منهم ألا تنظرون إلى هذا المرائي؟ أيكم يقوم إلى جزور آل فلان فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها فيجيء به، ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه؟ فانبعث أشقاهم، فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وضعه بين كتفيه، وثبت النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ساجدًا. فضحكوا حتى مال بعضهم إلى بعض من الضحك. فانطلق منطلق إلي فاطمة ﵍-وهي جويرية- فأقبلت تسعى، وثبت النبي صلى
стр. 387
الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ساجدًا حتى ألقته عنه، وأقبلت عليهم تسبهم. فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الصلاة قال: اللَّهم عليك بقريش، اللَّهم عليك بقريش. ثم سمى: اللَّهم عليك بعمرو بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وعمارة بن الوليد قال عبد الله: فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: وأتبع أصحاب القليب لعنه). (١)
[أبو جهل يتوعد]
عن أبي هريرة قال قال أبو جهل: هل يعفر محمَّد وجهه بين أظهركم قال فقيل نعم فقال: واللات والعزى يمينًا يحلف بها لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته أو لأعفرن وجهه في التراب قال: فأتى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وهو يصلي زعم ليطأ على رقبته قال فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه قال قالوا له ما لك قال إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولًا وأجنحة قال فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لو دنا مني لخطفته الملائكة عضوًا عضوا قال فأنزل لا أدري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغه ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ (يعني أبا جهل). ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ (قال يدعو قومه). ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ (قال يعني الملائكة). ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾. (٢)
[أبو جهل يهدد]
стр. 388
عن ابن عباس ﵄ قال: مر أبو جهل على النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وهو يصلي، فقال: ألم أنهك يا محمد؟ لتنتهين أو لأفعلن بك. قال: فانتهره النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وأغلظ له، قال: بم تهددني يا محمَّد؟ فما في هذا الوادي -يعني وادي مكة- أكثر ناديًا مني. قال: فأنزل الله : ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ وقال ابن عباس ﵄: لو نادى لأخذته ملائكة العذاب مكانه. (١)
[أبو جهل يؤذي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في ذي المجاز]
وقال مسدد: ثنا أبو الأحوص حدثنا أشعث بن سليم بن أسود المحاربي. سمعت شيخًا من كنانة يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في سوق ذي المجاز وهو يقول: (أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا).
قال: وأبو جهل يمشي في أثره يسفي عليه التراب، وهو يقول: يا أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم إنما يريد أن تَدَعوا اللات والعزى. ووصف لنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فقال: رأيت عليه بردين أحمرين أبيض شديد سواد الرأس واللحية، مربوع، كأحسن الرجال وجهًا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. (٢)
[يشتمون مذممًا]
حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: ألا تعجبون! كيف يصرف عني شتم قريش! كيف يلعنون مذممًا، ويشتمون مذممًا، وأنا محمَّد. (٣)
стр. 389
[الموسم]
قال ربيعة الديلي: إني لمع أبي رجل شاب أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يتبع القبائل، ووراءه رجل أحول وضيء ذو جمة. يقف رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم على القبيلة ويقول: يا بني فلان: إني رسول الله إليكم آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تصدقوني حتى أنفذ عن الله ما بعثني به، فإذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من مقالته، قال الآخر من خلفه يا بني فلان: إن هذا يريد منكم أن تسلخوا اللات والعزى وحلفاءكم من الجن بني مالك بن أقيش إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تسمعوا له ولا تتبعوه، فقلت لأبي: من هذا؟ قال: عمه أبو لهب. (١)
[عكاظ]
قال ربيعة: رأيت أبا لهب بعكاظ وهو يتبع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وهو يقول: يا أيها الناس إن هذا قد غوى فلا يغوينكم عن آلهة أبائكم، ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يفر منه، وهو على إثره، ونحن نتبعه ونحن غلمان كأني أنظر إليه أحول ذا غديرتين، أبيض الناس وأجملهم. (٢)
[المؤامرة على قتله]
عن ابن عباس قال: إن الملأ من قريش اجتمعوا في الحجر، فتعاقدوا باللات والعزى ومنات الثالثة الأخرى ونائلة وإساف: لو قد رأينا محمدًا لقد قمنا إليه قيام رجل واحد فلم نفارقه حتى نقتله، فأقبلت ابنته فاطمة تبكي، حتى دخلت على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقالت: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاقدوا عليك، لو قد رأوك لقد قاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجل إلا قد عرف نصيبه من دمك، فقال: يا بنية،
стр. 390
أريني وضوءًا، فتوضأ، ثم دخل عليهم المسجد، فلما رأوه قالوا: ها هو ذا، وخفضوا أبصارهم، وسقطت أذقانهم في صدورهم، وعقروا في مجالسهم، فلم يرفعوا إليه بصرًا، ولم يقم إليه منهم رجل، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حتى قام على رؤوسهم، فأخذ قبضًة من التراب، فقال: شاهت الوجوه، ثم حصبهم بها، فما أصاب رجلًا منهم من ذلك الحصى حصاة إلا قتل يوم بدر كافرًا. (١)